← Общие книги

Общие книги · id 95667

الدين العالمي ومنهج الدعوة إليه

عطية صقر

Полный текст (219 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٣ - يتذرع الغربيون لاحتلال الشرق بأنهم همج لا يستطيعون إصلاح أنفسهم. ٤ - كل هذا يدعو إلى اتحاد كلمة المسلمين لرفع نير الذل تفهم أسباب رقى الغرب. ومحمد عبده المتوفى سنة ١٩٠٥ تتلمذ على أفكار جمال الدين، وأيقن أنَّه لا أمل فى إصلاح المسلمين وتقوية شوكتهم بالوسائل السياسية وذلك لفساد الجو السياسى من حوله فآمن برسالة العلم الدينى، وصرف همه لتحرير الفكر، وتفسير مسائل الدين تفسيرا يطابق العلم الحديث. وتعاون هو وجمال الدين على رد الشبهات ضد الدين، وعنى هو وزميله "ميرزا محمد باقر" بالتبشير الإسلامى، وكان له حوار مع القس "تيلر" وكذلك كان الكواكبى ينعى على الاستبداد ويدعو إلى الحرية وتغيير الأوضاع الفاسدة بكل الوسائل المشروعة. أمثال هؤلاء الدعاة والمصلحين كان لهم أثر فى إيقاظ الشعور بالواجب نحو الوطن الإسلامى الذى اختل توازنه الاجتماعى وتحللت عراه الخلقية وضاع كيانه السياسي، ولهذا ألفت جمعيات كثيرة للإصلاح، منها

стр. 142

ما هو سياسى تمثل فى الأحزاب، ومنها ما هو ديني وكان الذين تجمعهم فكرة سياسية لا يهتمون بالدين كمبدأ يقوم عليه الإصلاح، وهذا بالطبع أثر من آثار الاستعمار وتشبع العقول بآرائه وسمومه. ومن كانت تربطهم فكرة دينية كان بعضهم لا يعنى بغير الناحية الدينية البحت القائمة على العقيدة والعبادة، ولا يهم من أمر المسلمين سياسيا واجتماعيا شئ، وهى أشبه بمدارس خاصة تقوم على فكرة معينة، وقد راقب المستعمر نشاط هذه الجمعيات وخشى منها محاولة مزج الدين بالسياسة والخروج بالإسلام عن دائرة العبادة إلى النشاط السياسي والاجتماعى كما كان شأنه فى عصوره الزاهية الأولى. ولا يجوز أن ننسى أبدا فى مجال الإصلاح، الجامع الأزهر الشريف، الذي خرج القادة والأبطال، ووجه الحركة الفكرية فى العالم الإسلامى زمنا طويلا، واشترك رجاله عمليًا فى الإصلاح الاجتماعى والسياسى والنهوض بالوطن ومقاومة المستعمر والجهر برأى الشعب عند الحاكم والولاة. يقول السيد رئيس الجمهورية العربية المتحدة فى الحفل الذى أقامه الأزهر سنة ١٩٥٦ م ابتهاجًا باتفاقية الجلاء وتكريما لرجال الثورة ما نصه:

стр. 143

"وفى هذه المناسبة العظيمة لا يسعنى إلَّا أن أذكر لهذا الأزهر جهاده على مر السنين، فقد حمل الأزهر دائما الرسالة، ولم يتخل مطلقًا عن الأمانة وكافح كفاحا مريرا فى سبيل الحصول على أهداف الوطن، وقاسى رجاله وعذبوا، وقتلوا وشردوا، واقتحم المحتلون الأزهر، فلم يتوان عن المطالبة بحقوق الوطن. واستمر الأزهر يحمل الرسالة حتَّى سلمها للجيش وإلى عرابى. الذى قام متسلحا بروح الأزهر المعنوية، إلى جانب القوات المادية، يطالب بحقوق البلاد وعندما وطئت أقدام المستعمر أرض مصر حاول بكل قواته أن يقضى على رسالة الأزهر، كما حاول القضاء على الجيش وقوته، ورسالته، ورغم هذا استمر الأزهر على مر السنين يكافح". هذا ويجب أن نلاحظ أن الأزهر الشريف كان وما يزال يمثل الجامعة الإسلامية فى معناها الحقيقى ويبرهن عقليا على أن الإسلام دين عالمى، لأنه يضم من رواد الإصلاح وأساتذة التوجيه فى العالم الإسلامى ما يمثل أكثر من خمسين جنسية فى آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهم يكونون فى ساحة الأزهر وفى معاهده وكلياته هيئة أمم إسلامية، تدل بهذا أن المظهر العملى

стр. 144

على عالمية الدين الإسلامى الذى انضوى تحت لوائه الملايين من الأجناس المختلفة، والذين رأينا من بعضهم تحمسا وغيرة على الدين وشدة تمسك به قد تفوق غيره ممن انبعث نور الإسلام من بينهم. وصاح أول صيحة فى بيئتهم. إن أروقة الأزهر خلية نحل تموج بهذه الروح الإسلامية التى تنتج نغمة متناسقة من بين قلوب هذه الآلاف الذين تختلف ألوانهم ولغاتهم وأجناسهم، ولكن لا تختلف أبدا فيهم الروح الإسلامية الجامعة، وهذا من أكبر المظاهر الدالة على عالمية الإسلام، يصح أن يكون لوحة فنية تاريخية تعرض في معارض القرن العشرين دليلا عمليا على هذه الحقيقة. وإلى جانب هؤلاء المندوبين عن الجنسيات والبيئات والدول المختلفة الذين يعودون إلى بلادهم مصابيح هداية ورسل إصلاح مثلهم فى ذلك مثل الذين يحجون إلى الكعبة من أقطار العالم يتزودون عندهما خير زاد ويعودون بقلوب كلها عزم على استئناف الجهاد فى الحياة على منهج سليم -إلى جانب هؤلاء نرى المسلمين فى أقاصى البلاد ينظرون إلى الأزهر طالبين

стр. 145

بإلحاح أن يمدهم بالكتب والدعاة دليلا على أنَّه ربط بين الخمسمائة مليون فى زوايا الأرض الأربعة برباط العلم إلى جانب رباط الدين. إن فترة الضعف السياسى والدينى التى مرت بالمسلمين أخيرا ومكنت للعدو منهم هى فترة مؤقتة ليست ضربة لازب، والإسلام ما يزال عالميا فى مبادئه وأصوله، وإن لم يصلح المسلمون فى فترة الضعف أن يكونوا عنوانا له، ومع ذلك فإن الدول الإسلامية فى السنوات القريبة وقد آلمها هذا الكبت الاستعمارى والغزو الفكرى -قامت بانتفاضات قوية ثائرة على، الأوضاع السياسية والاجتماعية الفاسدة، ونال أكثرها استقلالها وبدأ يخطو الخطوات الأولى فى سبيل الإصلاح، إلَّا أن التيارات المتضاربة من حولها بعنف وقوة تحاول أن تؤثر على اتجاهات هذه الانتفاضات. غير أن النزعة الاستقلالية وجهت كثيرا من هذه الدول لتكون سياسة إصلاحها نابعة من بيئتها وواقع تاريخها ومواريثها الأصيلة، ومن إيمانها برسالتها فى الحياة فى الوقت الذى لا تستطيع أن تعيش فيه منعزلة عن العالم الذى اتصلت أسبابه وتداخلت مصالحه.

стр. 146

ولابد من إيجاد تعاون وتفاهم بين هذه الدول الناهضة، لتشتد أركان نهضتها، وتقوى على مواجهة الأحداث المفاجئة، وقد بذلت جهود كبيرة فى سبيل ذلك تهدف جميعها إلى تحسين أحوال المسلمين فى القطاعات الخاصة والعامة، وفى الداخل والخارج، وهم بذلك يعطون الدليل على ما فى إسلامهم من قوة وحيوية، ومن عزة وسيادة، تلفت أنظار العالم إليه، وتغرينا بالعمل الدائب لتوصيل نوره وهدايته إلى المتعطشين إليه فى جنبات الأرض.

стр. 147

العرب والرسالة العالمية تبليغ الدين الإسلامى عالميا مهمة كل مسلم بصرف النظر عن جنسه ولغته وبيئته، لأن جميع الناس الذين تشرفوا باعتناق مبادئه قد تساووا فى الحقوق والواجبات. لا فرق بين عربى ولا عجمي، ولا بين أبيض وأسود، وقد تكون هناك جهود فى نشر الدعوة. قام بها غير العربى خلدت اسمه فى سجل العاملين المخلصين. ولكنى وضعت هذا العنوان، لأن شبها كثيرة وردت على عالمية الدين الإسلامى من بينها هذا السؤال. إذا كانت دعوة الإسلام عالمية، فلماذا جاءت فى بلاد العرب بالذات، وهى بلاد متخلفة حضاريا، وكان من المنتظر أن تبدأ الرسالة العالمية انطلاقها من بيئة متحضرة لها إمكانياتها التى تساعد على النهوض بتبعة الدعوة إليها فى الإطار العالمى. كانت بلاد الفرس أو الرومان مثلا من أعظم البلاد حضارة وعمرانا فى ذلك الوقت، فلماذا نبتت دعوة الإسلام فى هذه الجزيرة القاحلة؟

стр. 148

وللإجابة على هذا السؤال نقول: هذا التساؤل، كما يقول العلماء، دورى، يمكن أن يرد أيضًا لو جاءت دعوة الإسلام فى فارس مثلا، فيقال: لماذا لم تجئ فى بلاد الرومان. والله سبحانه أعلم حديث يجعل رسالته، ولكن مع هذا يمكننا أن نلمس بعض جوانب الحكمة فى هذه الخصوصية التى كرم الله بها جزيرة العرب، فكانت مشرق النور للعالم كله، وكانت استحبابه لدعوة إبراهيم ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ" (١). وفيما يلى بعض المبررات التى رشحت هذه البلاد للقيام بأعظم ثورة فى تاريخ البشرية فى النواحى الإنسانية الشاملة: ١ - القوم الذين يحملون عبء الدعوة العالمية لا بد أن تتوافر فيهم صفات تناسب هذه المهمة الضخمة، من الصبر والتحمل والمخاطرة والشجاعة واحترام العهود والنجدة والمروءة وحب الحرية وتعشق الشرف والسؤدد، والتمرن على التنقل وتعود الهجرات،

стр. 149

وعدم التبرم بحياة التقشف ورقة العيش، والتطلع إلى النهوض إذا يسرت سبله، إلى غير ذلك من المؤهلات الخلقية العظيمة. والعربى فى هذه الناحية كان فارس الحلبة، لا يبارى فى هذه الصفات التى تتطلبها الحياة المستقبلة، ولقد أثبت التاريخ ما كان عليه أعظم الدول حضارة قبل بعثة النبي ﷺ من أخلاق صبغها الترف بصبغته الرخوة الناعمة، وأنس أهلها إلى الذل والعبودية بعبادة ملوكها وتقديس عظمائها، وتسلطت عليهم الأفكار والميول التى خلقها متنبئوهم وفلاسفتهم. والمأثور من شعر الجاهلية وأخبار الأولين يفيض بصفات النبل التى كان يفخر بها العربى ويحرص عليها، لأنه يراها عنوان الشرف والكمال، ولقد شب النبيّ ﷺ على خير ما يشب عليه ذو الفضل واشتهر من صغره بالصفات العالية، التى ترشحه للزعامة الكبرى، بما تقتضيه من ترفع عن الدنايا واهتمام بالمطالب العليا، ومن صدق ووفاء وأمانة وإيثار وكفاح وجلاد، وعصامية وحرية، ولقد تجاوبت أخلاقه مع أخلاق قومه وانصهرت جميعًا فى بوتقه الإسلام الحرة الخالصة، وتكون من هذه المجموعة وحدة تتحرك باسم الإسلام، وتظللها جميعا راية التحرر والنهوض.

стр. 150

وما كانت المصادمات الأولى التى حدثت بين النبي وبينهم إلا نوعا من العناد القائم على عدم الرضا بالفناء فى شخصية إنسان آخر حتى طلب كبيرهم أن يكون له وحى ورسالة مثل محمد ﷺ ، "وإذا جاءتهم آية قالوا: لن نؤمن لك حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله" (١)، "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا" (٢)، كما أن العربى يمتاز بصفاء العقل وتوقد القريحة وقوة الحجاج والفصاحة والبيان والاستنتاج والاستدلال، وهى أمور لا بد فيها لمن يقومون بنشر الدين العالمى الذى يتطلب شرحا وتفسيرا وجدلا ونقاشا. لقد كانت مفاخراتهم ومنافراتهم فيها من ضروب القوة ما لا يوجد عند غيرهم من أهل ذلك الزمان، وكانت فراستهم واضحة فى الاستدلال بالنجوم وظواهر الطبيعة، وفى القيافة ومقارنة الخصائص الإنسانية ببعضها فى الأشخاص المتعددة وإلحاق الأنساب على أساسها وعلاقة ذلك بنوع الأفراد أو فصيلة من الفصائل. ولقد شهدت مقابلات العرب مع كبار الملوك صورا رائعة من قوة الجدل وامتلاك ناصية البيان، يصور لنا

стр. 151

كتاب "الفخرى" مشهدا منها فى مقابلة رسل سعد بن أبى وقاص لرستم قائد الفرس، حيت سمع منهم حكما وأجوبة راعته وهالته، لقد قال لأحد هؤلاء الرسل: ما هذا المغزل الذى فى يدك؟ -يعنى رمحه- فقال له: إن الجمرة لا يضرها قصرها، وقال لآخر: ما بال سيفك أراه رثا؟ فقال: إنه خلق المغمد جديد المضرب، وآمن رستم بهذه المقابلات أن هؤلاء الأقوام جديرون بألا يقف حذاءهم أحد. وقد يقال: إن الإسلام وحده هو الذى خلق هذه المعانى الكبيرة فى هذه القلوب المؤمنة والنفوس العالية المعتزة بدينها، لكن معادن العرب كانت نقية وبذور النبل كانت موجودة، فقواها الإسلام ونماها ووجهها وجهة الخير. وأحيلك أيها القارئ على مقابلة النعمان بن المنذر لكسرى، وعنده وفود الروم والهند والصين، وما تحدث به عن فضل العرب فى عزها ومنعتها وفى أحسابها وأنسابها وسخائها وجودها وحكمة ألسنتها وديانتهما وشريعتها والدفاع عما عابهم به كسرى من وأد البنات والتقاتل، وتصوير ذلك بما يرجع إلى عزة النفس والأنفة من العار وقوة البأس وحب الحرية.

стр. 152

وفى مطالعة ما قاله النعمان وما قاله أكثم بن صيفى وحاجب بن زرارة والحرث بن ظالم وقيس بن مسعود وغيرهم، ما بين لك تأصل معانى الفضل والنبل فى نفوس العرب، وشرف اللسان وقوة البيان ورباطة الجأش، والصفات العالية التى امتازوا بها على الناس فى زمانهم. وعلى هذا الوجه يمكن أن نفهم قول النبي ﷺ "إن الله اختار خلقه فاختار منهم آدم، ثم اختار بنى آدم فاختار منه العرب، ثم اختارنى من العرب، فلم أزل خيارا من خيار، ألا من أحب العرب فبحبى أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضى أبغضهم" رواه الطبرانى عن ابن عمر، وروى الترمذى مثله وقال: حديث حسن، كما وردت أحاديث مشابهة أو مقاربة تبين فضل العرب الذين اختار الله منهم نبيه، رواها البخارى ومسلم. ففى البخارى كما أبى هريرة عن النبي ﷺ : "بعثت من خير قرون بنى آدم قرنا فقرنا، حتى كنت من القرن الذى كنت منه" وروى مسلم عن واثلة ابن الأسقع عن النبي أنه قال: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة،

стр. 153

واصطفى من قريش بنى هاشم واصفانى من بنى هاشم" (١). ٢ - اللغة العربية التى كانت اللغة الرسمية للدعوة الإسلامية، والتى تأصلت جذورها فى الجزيرة العربية، أحيلك فى بيان ميزاتها على ما قاله "إرنست رينان" فى كتابه "تاريخ اللغات السامية" حيث جاء فيه: من أغرب المدهشات أن تنبت تلك اللغة القوية، وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحارى، عند أمة من الرحل، تلك اللغة التى فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها ودقة معانيها وحسن نظام مبانيها وكانت هذه اللغة مجهولة عند الأمم ومن يوم أن علمت ظهرت لنا فى حلل الكمال، إلى درجة أنها لم تتغير أى تغيير يذكر حتى إنها لم يعرف لها فى كل أطوار حياتها لا طفولة ولا شيخوخة، لا نكاد نعلم شبيها لهذه اللغة التى ظهرت للباحثين كاملة من غير تدرج وبقيت حافظة لكيانها من كل شائبة. ويقول المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين فى فضل اللغة العربية: ولقد عاشت معنا هذه اللغة وهى هى الغنية بكل خصائصها الفنية العالية، ولهذا كانت جديرة أن تنزل

стр. 154

بها أعظم رسالة للعالم كله فى جميع العصور، تعيش مع الزمن، وتوفى بكل حاجات الحياة. وتخلد ما خلد هذا الدين الحى، الذى لا تتخلى عنه مسحته على طول العهد بنزول الوحى، وكثرة التطور الذى مرت به الإنسانية. ٣ - المكان الذى بعث فيه النبي أولا له صلاحية كبيرة لانطلاق الدعوة منه إلى العالم كله، فالجزيرة العربية فى مكان وسط يتصل بآسيا وأفريقيا وأوروبا، وهى القارات التى كانت معروفة فى ذلك الوقت، والتى كانت قد أخذت بحظ من التقدم تستعد به لتلقى هذه الرسالة، ولقد كانت التجارة تعبر بها من الشمال إلى الجنوب وبالعكس، وتصل آسيا وإفريقيا وأوروبا، فهى شريان حيوى ممتاز فى تلك الحقبة من التاريخ، يمكن أن ترشح به لتكون مركزا لهذا الدين الجديد، يوزع منه على الأقطار كلها. ٤ - ذلك إلى أن جزيرة العرب فيها البيت العتيق أول بيت وضع للناس، وبناه إبراهيم أبو الأنبياء، الذى تدين له جميع الأديان المعروفة فى ذلك العصر، وفى انطلاق الدعوة منه إشعار للعالم بأن رسالة محمد منبثقة من هذه الرسالة التوحيدية الأولى، وأنها امتداد لهداية الله للبشر عبر القرون، ليس فيها

стр. 155

من الغرابة والنفور والشذوذ ما يستحق أن يصرف الناس عنها، وكأن فيه وحيا بأن الأديان التى صادفت ظهور الإسلام لم تعد صالحة لهداية البشر بعد تحريفها وتغييرها وأنا الواجب إرجاعها لأصلها الأول الذى انبثقت منه، وهو الدين القيم الذى كان يدين به أبو الأنبياء. ٥ - هذا، وقد كانت الأديان الموجودة فى العام ممثلة فى بلاد العرب فى ذلك الوقت، فكان فيها اليهود والنصارى والمجوس والوثنيون والصائبة وعبدة الجن والملائكة ومن إليهم. وقد وقف الإسلام فى مواجهة هذه الأديان ليظهر عليها كلها، وكان انتصاره على المنتسبين إليها فى الجزيرة العربية انتصارا على كل من ينتسب إليها خارجها، حيث نازل كلا منها بالحجة والبرهان، ومرن المسلمون الدعاة للإسلام على الحجاج مع هذه الطوائف فكانت مهمتهم سهلة فى مواجهتهم لأصحابها فى البلاد الأخرَى، التى كتب لهم أن ينشروا الدعوة فيها. ٦ - على أن هذه الجزيرة، قد عهدت فى تاريخها الطويل أنواعا من الرسالات، ولم تكن رسالة الإسلام وحدها هى التى بدأت فيها، فكان هود فى الأحقاف جنوبى الجزيرة، وكان صالح فى ثمود شماليها على الطريق إلى الشام.

стр. 156

وكان شعيب في مدين عند خليج العقبة، وكان موسى الذى ناداه ربه بجانب الطور الأيمن على حدود الجزيرة، وإبراهيم الذى بنى البيت، وإسماعيل الذى رعاه وورثه أولاده من بعده، فهذه الجزيرة بامتداداتها كانت مهبط الوحى منذ القدم، ولها عهد بالرسالات تتابعت فيها على مر العصور. اللغة العربية وتبليغ الرسالة العالمية: هناك شبهة واردة على عالمية الدين الإسلامي، وهى نزول القرآن باللغة العربية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١)، وقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ (٢) وقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (٤). فالنص على أن القرآن عربى، نزل بهذه اللغة لينذر به النبي، وهى لغة قومه كل ذلك يثير تساؤلا: إذا

стр. 157

كان القرآن نزل وبلغ بهذه اللغة، أفلا يدل ذلك على أن الرسالة هى لقومه العرب فقط، لأنهم هم الذين يستطيعون أن يفهموا القرآن ويقوموا بتكاليفه؟ ، وكيف يكلف قوم غيرهم بالإسلام مع أن كتابة لا يفهم بلغة غير العربية، ولا يمكن التعبد به ولا حفظه مع ذلك، وليس من عدل الله أن يطالب أمة، يوم القيامة باتباع رسول لم يأت إليهم، ولا وقفوا على كتاب بلسانهم؟ وقد حكى ابن تيمية هذه الشبهة فى كتابه "الجواب الصحيح" (١). ويجاب على ذلك بأن جميع الآيات تدل على مجرد وصف القرآن بأنه عربى وليس فيها ما يدل على قصر توجيهه على العرب، بل ذكرت أن الحكمة فى كونه عربيا تيسير فهمه على الناس وتعقل ما فيه وإمكان تذكره وتدبره، ومعنى هذا أن اللغة العربية لون ثقافى فقط لا شأن له فى العصبية والعنصرية، وقد بلغ النبي الرسالة للعرب بلغتهم وهى لغة القرآن، وإلى جانب كون اللغة العربية لغة النبي ولغة بيئته التى نشأ فيها وابتدأ منها دعوته، فإن لها من الميزات على سائر اللغات ما رشحها وجعلها اللغة الرسمية

стр. 158

الأولى لأعظم رسالة فى الوجود، كما سبقت الإشارة إليه. لقد بلغ النبي الرسالة إلى العرب بلغتهم، وإلى غيرهم باللغات الأخرى، فكتب للعظماء والملوك بلغته الرسمية كتبا حملها من يستطيع ترجمتها أو تفهيم ما فيها إلى المرسل إليهم بلغتهم أو بوساطة المترجمين كما سبق ذكره، وقوم محمد الذين أرسل إليهم بلسانهم، كما تدل عليه الآية المذكورة آنفا، هم حواريوه والناقلون عنه، المتحملون لدعوته، والمبلغون إياها للناس، فقومية اللغة هنا لا تعنى قومية الدعوة والرسالة، لأنها، كما قلت، لون ثقافى، والثقافة أمر مشاع بين الأجناس وبين البيئات فى كل العصور، ولا يصح أبدا أن تكون اللغة أو اللون الثقافى حاجزا يقسم الناس على أساسه بما يفصم عروتهم، ويطغى على إنسانيتهم الجامعة، وأداة الحصر فى هذه الآية وهى "ما وإلا"، تدل على حصر الرسالة، ولكن على حصر اللسان فى أنه لسان قومه، ولا يلزم من حصر اللغة حصر الرسالة وجعلها للعرب خاصة. على أن نزول القرآن باللغة العربية ليس فيه صعوبة لفهم الإسلام ومعرفة ما دعا إليه القرآن

стр. 159

والتزام تكاليفه، ذكر ابن تيمية: أن شرط التكليف هو تمكن العباد من فهم ما أرسل به الرسول إليهم، وذلك يحصل بأن يرسل بلسان يعرف به مراده، ثم جميع الناس متمكنون من معرفة مراده بأن يعرفوا ذلك اللسان، أو يعرفوا معنى الكتاب بترجمة من يترجم معناه. وهذا مقدور للعباد. ومن لم يمكنه فهم كلام الرسول إلا بتعلم اللغة التى أرسل بها وجبه عليه ذلك، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (١). ثم قال أيضًا: وجمهور الناس لا يعرفون معانى الكتب الإلهية، التوراة والإنجيل والقرآن، إلا بمن يبينها ويفسرها لهم، وإن كانوا يعرفون اللغة. فهؤلاء يجب عليهم طلب علم ما يعرفون به ما أمرهم الله به، ونهاهم عنه. ثم قال: فالحجة تقوم على الخلق ويحصل لهم الهدى بما ينقل عن الرسول تارة المعنى وتارة اللفظ، ولهذا يجوز نقل حديثه بالمعنى، والقرآن تجوز ترجمة معانيه لمن لا يعرف العربية باتفاق العلماء. وجوز بعضهم أن يقرأ بخير العربية عند العجز عن قراءته بالعربية. وبعضهم جوزه

стр. 160

مطلقًا، وجمهور العلماء منعوا أن يقرأ بغير العربية وإن جاز أن يترجم للتفهيم بغير العربية، كما يجوز تفسيره وبيان معانيه (١). وقد روج هذه الشبهة اليهود والنصارى. ولكن كيف يتملص اليهود والنصارى من العرب من الإيمان بمحمد لنزول القرآن بالعربية، وهم أنفسهم يعرفون بحكم إقامتهم أو اتصالهم البعيد المدى. على أنهم هم قبلوا دين موسى وعيسى مع أن الكتاب الذى نزل على كل منهما لم يكن باللغة العربية، ومع ذلك آمنوا بهما، إما بتعلم لغة التوراة والإنجيل. وإما بنقلهما بطريق الترجمة. وقد ثبت أن هؤلاء اليهود والنصارى جادلوا النبي ﷺ فى أمور عرفوها من القرآن. فوسيلة العلم بالرسالة كانت ميسرة بأى نحو من الأنحاء فلا حجة لهم فى التملص من المسئولية. هذا وقد قال الزمخشرى فى معرض الحديث عن عموم الدعوة الإسلامية، مع نزل القرآن باللغة العربية: لا يخلو إما أن ينزل -القرآن- بجميع الألسنة، أو بواحد منها. فلا حاجة إلى نزوله بجميع

стр. 161

الألسنة، لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفى التطويل، فبقى أن ينزل بلسان واحد، فكان أولى الألسنة لسان قوم الرسول لأنهم أقرب إليه، فإذا فهموه عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر قامت التراجم ببيانه وتفهمه، كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم فى كل أمة من أمم العجم. كما يجب أن يعلم أن فهم كل آية من القرآن ليس فرضا على كل إنسان ولو كان مسلما بل تجب معرفة ما أمر الله به بأية عبارة كانت.

стр. 162

واجبنا نحو الدين العالمى الآن وبعد أن عرفت أيها القارئ الكريم أن الدين الإسلامي هو الدين الوحيد التى يحمل خصائص الدعوة العالمية، وأنه الدين الوحيد الذى ختمت به الأديان وصلح لكل تطور فى الحياة البشرية على اختلاف بيئاتها ومستوياتها، وعرفت تاريخ المؤامرات التى حيكت ضده لتحد من نشره أو تشوة من جماله، ومقدار ما تبذله الأديان الأخرى، وبخاصة المسيحية، فى محاولة الانتشار فى العالم على نطاق أوسع، ومقاومة زحف الإسلام الذى يكاد بقوته الذاتية أن يطيح بمخططات الأعداء، وما ينفق فيها من أموال طائلة. بل إن الأعداء وهم يحملون لواء التبشير العالمى، لم يستحوا أن يبشروا بدينهم فى وسط المجتمع الإسلامي ليحولوا المسلمين عن دينهم ويسلخوهم من شخصيتهم، ورأيت الوسائل الخفية التى وضعوها ليصلوا إلى غرضهم فى غفلة لا يشعر معها الضحية أنه وقع فريسة لهذه الأساليب الدنيئة.

стр. 163

الآن يجب علينا أن نتنبه ونستيقظ ونعرف واجبنا نحو هذا الدين الحنيف، يجب علينا أن نتابع الدعوة إليه، ونزيد من نشاطنا فى هذا المجال، لأنه لا ينبغى أن ينشط الأعداء، مع ما هم عليه من باطل، فى نشر أباطيلهم، ثم نقف نحين ساكتين أو متخاذلين، مع ما نملك من دين عالمى أمرنا بالدعوة إليه على نطاقا واسع، وكنا بالدعوة إليه وإلى كل خير، خير أمة أخرجت للناس. والمشاهد أنه توجد فى الغرب الآن حركتان قويتان تتصلان بالشرق والإسلام: (١) أما الحركة الأولى: فهى الاهتمام بالشرق من أجل غرضين: استغلاله واستعمارة. وهو من أجل ذلك يبحث فى علومه ومعارفه وحضاراته وإمكانياته ومنابع الثروة فيه، ودراسته دراسة وافية ليعرفوا المنافذ إلى استغلاله، والطريق إلى السيطرة عليه، إن لم تكن سيطرة عسكرية أو سياسية فلتكن سيطرة اقتصادية أو ثقافية أو سيطرة من أى نوع آخر. والناظر فى دراساتهم يعجب لهذا الانتاج أشد العجب حيث توفروا عليها، وجاءتهم الإمدادات والإمكانيات الواسعة، واستطاعوا أن يكتشفوا مناطق مجهولة

стр. 164

لأصحابها، وأن ينشروا كتبا وأبحاثا لم يتنبه المتصلون بها إلى قيمتها، ولم يستطيعوا أن يخرجوا مثلها، حتى صارت الدول الشرقية تتلمذ على هذه الأبحاث والاكتشافات، وكثير من هذه الأبحاث والدراسات خاص بالإسلام والمسلمين. يقول " د. ج. ريشتر": إن التطور الإسلامي قد أصبح من أكبر الحوادث التاريخية للعصر الحاضر، فيجب تتبعه بأكبر ما يمكن من الانتباه. وقد أنشئت كراسى فى معظم الجامعات الغربية لهذه الدراسات العربية والإسلامية والشرقية. فلا يجوز للشرق وللمسلمين بخاصة أن يكون غافلا وسط هذا الضجيج العلمى، ولا أن يكون منصرفا عن تراث أو قضية يحشد الغرب لها الحشود الواسعة الضخمة. (ب) والحركة الثانية: هى البحث عن دين عالمى تطمئن إليه النفس، ويحل المشاكل الداخلية المعقدة، التى لا يستطيع العلم حلها، ذلك لأن العلم على الرغم من تقدمه السريع فى الغرب، لم يستطع أن ينجح إلا فى المسائل المادية. أما المسائل الأدبية والنواحى الخلقية والفضائل النفسية، فلم يستطع العلم أن يمسها بالتهذيب، فإن

стр. 165

النفوس مما تزال ترتع فى حمأة الحيوانية وتدفع بأصحابها إلى ارتكاب كل ضروب الوحشية، فهى فى حاجة ماسة إلى رادع قوى من أدب عال فوق الوجود المادى الذي أغرقوا فيه. ولهذا فإن العالم المتمدين أشغل ما يكون بالمصحالة الدينية من جميع نواحيها. وقد مر بك بيان ما تطلبوه من مواصفات للديانة الطبيعية التى ينشدونهما، وأن الإسلام جاء بأحسن منها فى كل مجال من المجالات، والإنسان مهما كان عنده من علم أو معرفة لا يستطيع أن يستغنى عن الدين أبدا بصورة من الصور. يقول "أوجست سباتييه" فى كتابه "فلسفة الأديان": "لماذا أنا متدين؟ إنى لم أحرك شفتى بهذا، السؤال مرة إلا رأيتنى محفوزا للإجابة عليه بهذا الجواب، وهو: أنا متدين لأنى لا أستطيع خلاف ذلك، فالدين لازم معنوى من لوازم ذاتى، يقولون لى: ذلك أثر من آثار الوراثة أو التربية أو المزاج، فأقول لهم: قد اعترضت على نفسى كثيرا بهذا الاعتراض عينه ولكنى وجدته يقهقر المسألة ولا يحلها، وأن ضرورة التدين أشاهدها بأكبر قوة فى الحَياة الاجتماعية البشرية، فهى ليست أقل تشبثا منى بأهداب الدين

стр. 166

إلى أن قال: فالدين إذًا باق وغير قابل للزوال وهو فضلا عن نضوب ينبوعه بتمادى الزمن، نرى ذلك الينبوع يزداد اتساعا وعمقا تحت المؤثر المزدوج من الفكر الفلسفى والتجارب الحيوية المؤلمة". ويقول "أرنست رينان" فى كتابه "تاريخ الأديان": "من الممكن أن يضمحل ويتلاشى كل شئ نحبه، وكل شئ نعده من ملاذ الحياة ونعيمها، ومن الممكن أن تبطل حرية استعمال القوة العقلية والعلم والفن، ولكن يستحيل أن يبطل التدين أو يتلاشى، بل سيبقى أبد الآباد حجة ناطقة على بطلان المذهب المادى، الذى يود أن يسود ويحصر الفكر الإنسانى فى المضايق الدنيئة للحياة الترابية". ونحن لا ننكر أن فى الغرب أيضًا حركة ضد الأديان، ولكنها فى حقيقتها موجة ضد أشكالها الخارجية، لا ضد روحها ومعناها بل للدين الخالص اليوم فى الغرب فى دولة لم تكن فى أى عهد من عهود المدنيات السابقة، فأى دين من الأديان الموجودة يستطيع أن يثبت أنه هو الدين الخالص من التقييدات البشرية، كان هو الدين الذى ينشده العلم وتؤيده الفلسفة.

стр. 167

فإذا كان الغرب يهتم بالبحث عن دين عالمى يتفق مع مقررات العلم، كانت الفرصة سانحة لنبين ذلك للعالم، ليروا فى الإسلام طلبتهم التى ينشدونها من زمن طويل. لهذا كله يجب علينا أن ننشط فى تبليغ الدعوة العالمية، حتى لا تطغى عليها الأديان الأخرى، ونصاب نحن من شررها.

стр. 168

منهج الدعوة إلى الدين العالمى إن التخطيط أمر ضرورى لنجاح كل مشروع، والعمل إذا لم ينفذ حسب خطة موضوعة واضحة المعالم والأهداف، مستوفية كل الإمكانيات، قل أن يكتب له النجاح، والعمل العظيم الخطير لا بد له من تخطيط يناسب عظمته وخطورته. والدعوة إلى الدين الإسلامي العالمى من أعظم الأمور خطرا وأجلها قدرا، وبخاصة إذا كانت الظروف المحيطة بها ظروفا متغيرة حسب تغاير الميدان، وإذا كانت فى محيط يختلف فى لغته عن لغة الداعين، ويختلف فى عاداته وسائر أحواله السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها. وعلى ضوء ما سبق من عمل الرسول وأصحابه فى نشر الدعوة نستطيع أن نضع منهاجا نحاول به أن نرسم الطريق الواضح للدعوة الإسلامية، وهو كله من وحى قوله تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن" (١).

стр. 169

أولا: لابد من دراسة وافية شاملة للبلاد التى توجه إليها الدعوة من جهة نظام الحكم والمذهبي الاجتماعى والعقيدة والعادات والإمكانيات المادية ظروفها المختلفة. ذلك أن ظروف العالم تتغير من زمن إلى زمن ومن منطقة إلى منطقه، فقد تكون الدعوة ميسرة فى مكان ما ومتعثرة فى مكان آخر، وقد تكون الموضوعات الهامة لمنطقة من المناطق غيرها منطقة أخرى، وقد تتطلب ظروف بلد مبعوثا معينا من طراز خاص يتناسب مع جو البلد الذى يوفد إليه، إلى غير ذلك من الاعتبارات المختلفة. وهذه الدراسة مهمة للغاية، فإن التقصير فيها يعنى السير على غير هدى والتخبط فى طريق الدعوة، ونتيجة ذلك العقم فى الجهود والأضرار البالغة التى تكون بمثابة رد فعل للجهل والاندفاع الأعمى والتسرع الأحمق، ويرحم الله القائل: قدر لرجلك قبل الخطو موضعها ... فمن علا زلقا عن غرة زلجا إن هذه الدراسة الواعية هى أساس التخطيط للدعوة، وهى تتطلب جهدا كبيرا وزمنا واسعا،

стр. 170

والغرب حين أراد أن يستغل ثروات الشرق أو يبسط نفوذه عليه، أنشأ الدراسات الواسعة والهيئات العلمية الضخمة التى تضم كبار المختصين فى جميع الفروع مع إغداق الأموال على هذه الجهود واستمروا يجمعون المعلومات تحت أسماء مختلفة، وبشعارات خلابة خداعة، حتى استطاعوا أن يعرفوا من دقائق البلاد مالا يعرفه أهلها، وحتى استيقظ الأهالى فوجدوا أنفسهم تلاميذ لهؤلاء الأجانب أخص ما كان يجب عليهم أن يعرفوه. وبعد هذه المعرفة الشاملة استطاعوا أن يخططوا للوصول إلى الأغراض التى يريدونها، فكان عملهم سليما، وجهدهم مثمر لأنه قام على أساس متين. فالدعوة الإسلامية للدين العالمى لابد لها من دراسة واعية للأرض التى تلقى فيها البذرة، ومعرفة أجوائها المختلفة ليمكن أن نجنى من وراء الجهد ثمرة طيبة. وإن من الحمق أن نجمد على أسلوب معين اتخذه السابقون فى نشر الدعوة لنسير عليه ولا نحيد عنه، ونردد قولنا: الاتباع خير من الابتداع، ونطبقه على عمومه فى كل المجالات، ذلك أن الظروف تتغير والعالم يتطور، والبلاغة فى القول والعمل هى مراعاة مقتضى الحال.

стр. 171

ثانيا: لا بد من الإفادة من طرق المبشرين والدعاة إلى الأديان والمذاهب الأخرى، ودراسة أساليبهم وخططهم فى الدعوة، لنقرع الحجة بالحجة إن كان هناك نزال فى الميدان، ولنقاتل العدو بالسلاح الذى يقاتل به إن اضطرتنا الظروف إلى مثل هذه المواقف. وإلى جانب هذا فإن أساليبهم قد تفننوا فيها وابتكروا منها كثيرا، لأنهم فكروا فيها فى وقت كانت الإمكانيات فيه متوفرة لديهم وكان العالم فيه على درجة من النضج والرقى تستحق معها أن يعمل الحساب فى الدعوة بدقة وتناسب، ولهؤلاء الدعاة تنظيمات وترتيبات لم تكن أمثالها موجودة فى العهود الماضية، فالدعوة الإسلامية مثلا فى أيام الضعف السياسى للدولة الإسلامية اتخذت طابعا فرديا خالصا، فكان لكل فرد أسلوبه الخاص فى نشر الدعوة قل أن يفيد منه داع آخر، ولكن المهمة الآن ضخمة وشاقة لأن لنا أعداء ينافسوننا الدعوة إلى أديانهم، بل يحاولون أن يخرجوا المسلمين من دينهم، فلا بد من أن تكون عندنا يقظة تامة ومعرفة بأساليبهم لنفيد منها فى هذا الميدان ولا نقنع بما عندنا من خبرة قليلة أخذناها من الماضى، فإنها قل أن تنجح فى الوقت الحاضر أمام الخبرات الحديثة.

стр. 172

إن القائمين على التبشير يضعون خططا منظمة محكمة، لأنهم جماعة متخصصون فى فروع كثيرة من العلم يخدم بعضها بعضا، وبضم خبراتهم ونتائج تخصصاتهم يوجد منهج مدروس متكامل واضح قوى نفاذ. إن الحصيلة العلمية عند الداعية غير المسلم قليلة بل ضئيلة، وهى الحصيلة الدينية التى يريد أن يبث فكرتها بين الناس، لكن حسبهم من الدعوة أن يلقوا بذرة واحدة فى أرض واسعة بطريقة علمية ومنهج محكم، ستنمو وتثمر وتعطى النتيجة المطلوبة. وعلى العكس من ذلك يكون بعض الدعاة المسلمين، إنهم يملكون حصيلة علمية دينية ضخمة، وقصارى جهد الواحد منهم أن يفرغ كل ذلك فى وسط قوم يظفر منهم فى النهاية بكلمة إعجاب على ما يملك من علم، دون أن يكون لذلك أثره العميق العملى المنتج، كالذى يفرغ قنطارا من البذور فى أرض سبخة أو بطريقة غير منظمة، ويكفيه أنه أدى ما عليه بإفراغ جعبته فى هذا الحقل ويطول به الانتظار لا يرى لجهده أثرا. إن قيمة العلم والجهد مرتبطة بالنتيجة والتجاوب الذى يكون من السامعين مع العلماء، وهذا التجاوب

стр. 173

له فن وراء غزارة العلم، وهو التنظيم الدقيق وتحرى الأوقات والأماكن المناسبة والخبرة بميول النفس وقواها والإنفاق من العلم الذي يلائم كل ذلك. إن رصاصة واحدة يحكم الرامى تصويبها فتصل الهدف خير من ألف رصاصة تنطلق بغير هدف تتجه إليه، والجاهل بالسباحة ينزل الماء فيظل يضرب فيه بقوة على غير هدى فتخور قواه ويفشل وقد يغرق، والسباح الماهر يستطيع بقوة قليلة منظمة أن يصل إلى هدفه بسلام. لا عيب أبدا أن نفيد من تجارب الغير مهما كانت عقيدته واتجاهاته، فالحكمة ضالة المؤمن يأخذها ولا يضره من أى وعاء خرجت، لقد أفاد النبي ﷺ من خبرة سلمان الفارسى، فحفر الخندق حول المدينة فى غزوة الأحزاب، كما كان يفعله قومه عند الحروب، وتطور الحياة يفرض على الناس أن يتبادلوا الخبرات طوعا أو كرها. إن الدعوة إلى الأديان كالحرب بل هى حرب، لابد فيها من التفنن فى الأسلحة ووسائل القتال، ودراسة الميادين والتخطيط للمعركة قبل خوضها. ورب جيش قليل العدد وافر الخبرة والتنظيم يهزم جيشا كبير العدد تقل فيه الخبرة وتسوده الفوضى،

стр. 174

فليكن سلاحنا كسلاح العدو، إن لم يكن أحسن منه، وليكن تدريبنا الميدانى كتدريبه إن لم يتفوق علي، والبقاء -كما هو معروف- للأصلح، ومن الصلاح النظام وجودة الأداء. ثالثا: لا بد من إنشاء جهاز يوجه الدعوة ويعد لها كل الإمكانيات والترتيبات المختلفة، يكون هذا الجهاز جامعا لأرباب الفكر العالى والتخصصات الفنية المختلفة التى تتصل بالدعوة، وتكون مهمته الأولى الأساسية هى الدعوة النقية الخالصة بعيدة عن المؤثرات المحلية والأغراض الخاصة، ولو أن هذا الجهاز كان واحدا للعالم الإسلامي كله يختار له مقر يصلح ليكون منه المنطلق للدعاة والدعوة وتشترك في إدارته والإشراف عليه شخصيات عالمية تمثل الدول الإسلامية، لكان ذلك أوفق. ولعل مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف، والذى يضم مؤتمره علماء العالم الإسلامي وأقطاب الفكر فيه، يكون خير من يقوم بهذا الدور. ولعل القاهرة فى موقعها المتوسط بين العالم الإسلامي، وفى إمكانياتها الواسعة تكون أنسب مكان لهذا الجهاز الموجه للدعوة.

стр. 175

ومهما يكن من شئ فإن التفكير فى تخصيص جهاز واحد للدعوة قد يكون أفضل من تفرق الجهود وإقامة مراكز وأجهزة مختلفة فى بلد واحد أو بلاد متعددة لا تجمعها رابطة واحدة، على أنه إذا وجدت أمثال هذه المراكز المتعددة فليكن لها جهاز واحد ينسق جهودها ويخطط لها التخطيط العام، ويرسم لها السياسة الموحدة التى تلتزمها حتى تضمن لها التوفيق والنجاح، وعدم التعارض والتضارب كالذى كان يحدث بين جمعيات التبشير التى أنشأتها الدول الاستعمارية ووجهتها لتمهد لها الطريق لكسب أكبر عدد ممكن من الأنصار، وأكبر مساحة من النفوذ، فهذه الجمعيات لم تكن مخلصة فى الدعوة إلى دينها أو مذهبها، بل كانا الغلب والتصارع طابعها ولهذا فشل كثير منها، ولم تستطع أن تنافس الدعوة الإسلامية على ما عندها من بساطة فى وسائلها، فقد كانت تزحف بجهود التجار والرحالة والمهاجرين وما إليهم، لقد نشرت جريدة "يونيفرس" الكاثوليكية، أن عدد من اعتنقوا الإسلام خلال الخمسة والعشرين عاما الأخيرة فى أفريقيا بلغ أكثر من عشرين مليونا، مقابل أقل من عشرة ملايين اعتنقوا المذهب الكاثوليكى على أيدى رجال الارساليات (١).

стр. 176

لقد انصرف الناس عن هذه الارساليات عندما ظهرت نواياها السيئة، وأقبلت على الإسلام كما سبق بيانه، لأنه لا يقصد إلى غرض استغلالى من معتنقيه. ولسوء نيات الارساليات حدثت مصادمات عنيفة بينها أدت إلى القتل، لقد أرسل "جوان الثانى" ملك البرتغال سنة ١٤٨٧ م مبشرا اسمه"كوفيلهام" إلى الحبشة فأنشأ علاقة قوية بينها وبين البرتغال، واستطاع أحد الرهبان الذين جلبهم إلى الحبشة أن يحول ملكها (سو سينيوس) إلى الكاثوليكية سنة ١٦٢٤ م، واستعد الأحباش للانضمام إلى الكنيسة الرومانية لولا عناد بطريرك اللاتين (مندر) الذى أكرههم على اعتقاد الشعائر اللاتينية، وأراد تأسيس ديوان تفتيش، فثاروا وقتلوا المبشرين البرتغاليين ومن تبعهم من الأحباش سنة ١٦٤٠ م. وحاولت فرنسا التبشير بالحبشة فلم تفلح وقتل مبشروها المرسلون إلى سواكن ومصوع، كما نافستها إيطاليا أيضًا فى هذا الميدان. لقد كان للمذاهب المسيحية مبشرون، ولكل دولة مبشرون وحدث ما حدث من التنافس نتيجة لعدم الإخلاص فى الدعوة، إلى الدين، وإذا كنا ننادى بوحدة الجهاز الذى يشرف على توجيه الدعوة

стр. 177

الإسلامية فى العالم فذلك لكى نتلافى أمثال هذا التنافس بسبب الميول والأغراض الخاصة للدول والجماعات. لقد قال المسيو (بونيه مورى) فى كتابه (الإسلام والمسيحية فى أفريقيا) ملخصا لجهود المبشرين فيها: إن نجاح هذه البعثات الإنجيلية كلها فى أفريقيا دليل على كون قوة الدعاية النصرانية لا تغلب فيما لو تجردت عن الأغراض السياسية، فانه لا توجد آفة على التبشير أعظم من المآرب الاستعمارية. إن التفكير فى تكوين جمعيات وإنشاء منظمات وأجهزة لمباشرة الدعوة بطريقة منهجية منظمة تفكير حديث فى تاريخ الدعوة الإسلامية، وقد كانت تركيا تبحث فى إنشاء جمعية فى القسطنطينية لنشر الدعوة فى أوغندة ووسط إفريقيا على أثر ما كتبه الرحالة الشهير "ستانلى" سنة ١٨٧٥ م فى الصحف الانجليزية يحث على إرسال مبشرين إلى أوغندة، ولكن لم يتم تأليف هذه الجمعية بسبب نشوب الحرب الروسية التركية سنة ١٨٧٨ م، وكذلك فكرت مصر فى هذا الموضوع عندما حددت الحكومة المصرية الانجليزية فى السودان مناطق النفوذ للجمعيات التبشيرية المسيحية، وفي سنة ١٩١٠ م أسس السيد محمد رشيد رضا جمعية

стр. 178

فى القاهرة كانت تهدف إلى تأسيس دار للدعوة والإرشاد. وشبه القارة الهندية خطت خطوات واسعة فى تكوين هذه الجمعيات، ومن أحسنها: جمعية "أنجومان حامى إسلام" فى "أجمير" وجمعية "أنجومان حمايت إسلام" فى "لاهور"، وجمعية "أنجومان وعظ إسلام"، "أنجومان تبليغ إسلام" فى حيدر أباد الدكن. وكانت ترمى إلى تحويل الهندوكيين إلى الإسلام. ومن الجمعيات التى أنشئت فى القرن العشرين "مدرسة إلاهيت" فى "كونبور" لنشر الرسائل للدفاع عن الإسلام، وجمعية "أنجومان هدايت إسلام" فى "دهلى" أعظم الهيئات المنظمة، وينضم إليها عدد كبير من الجمعيات الأخرى يبلغ أربعا وعشرين، وترسل هذه الجمعية الدعاة للدعوة إلى عقائد الإسلام وعقد المناظرات مع غير المسلمين، وتقوم بنشر الكتب التى ترد على هجمات الجمعيات المعادية. ومن الهيئات التى تحمل عنوان الدعاية للإسلام، جمعية التعريف الدولى بالإسلام فى القاهرة، والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف بالقاهرة، الذى يرسل الكتب والمصاحف لكثير من البلاد الإسلامية

стр. 179

المحتاجة إلى التزود من المعارف الدينية، وينشر مجلة ومطبوعات باللغات المختلفة ويرسلها إلى بلاد كثيرة. والأزهر هو المؤسسة الأصيلة التى تضطلع بأكبر نصيب فى هذا الميدان، نظرا لمركزه فى العالم وثقة المسلمين به، وله بعوثه الكثيرة فى الخارج وكتبه ومصاحفه التى يرسلها إلى العالم الإسلامي والعاهد التى يشرف عليها فى خارج القطر، والمراكز الإسلامية فى أهم البلاد فى أوروبا وأمريكا وبالمجلة التى تخصص جزءا منها باللغات بالأجنبية ليفيد منها من لا يعرفون العربية من مسلمى العالم، وباستقباله لوفود الطلاب من جميع أنحاء العالم، يعلمهم ويرعاهم ماديا واجتماعيا، حتى يعودوا إلى بلادهم رسل هداية وإصلاح، ولو مكن للأزهر فكان نشاطه أوسع وأثره أعظم. وهذا هو أملنا فى عهده الجديد، وبخاصة فى هذه الظروف التى تحتاج إلى مزيد من العناية بالناحية الروحية فى العالم أجمع. رابعا: لا بد من إعداد الداعى الذى يتولى نشر الدعوة العالمية فى الأقطار الخارجية، وإعداده يقوم على ثلاث دعائم أساسية هى التمكن العلمى، أى وفرة

стр. 180

المادة وصدقها، الدراية الفنية التى تساعده على حسن استعمال هذه المادة، والكمال الخلقى والخلقى. ١ - التمكن العلمى هو زاد الداعى، فليس كل إنسان يصلح لأداء هذه المهمة، والداعى سيتحدث أو يرغم على التحدث فى موضوعات شتى يفرضها عليه واقع البيئة التى يدعو فيها، والظرف الذى يتحتم عليه مراعاته، فلا بد أن يكون عنده علم بكل ما يمكن أن يوجه إليه من أسئلة أو يطلب منه من حديث. وقد كان النبي ﷺ يختار مبعوثيه ويتأكد من مقدرتهم العلمية فى النوع الذى يوفدون من أجله، ومن كيفية التصرف فى المواقف الحرجة، حتى يطمئن إليه ويرجو الخير من وراء بعثه. لقد زود النبي ﷺ معاذ بن جبل بالمعلومات الكافية والتوجيهات اللازمة عندما بعثه إلى اليمن فقال له: "إنك تأتى قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات فى كل يوم وليلة فإن أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن
следующие страницы →