لقد انصرف الناس عن هذه الارساليات عندما ظهرت نواياها السيئة، وأقبلت على الإسلام كما سبق بيانه، لأنه لا يقصد إلى غرض استغلالى من معتنقيه.
ولسوء نيات الارساليات حدثت مصادمات عنيفة بينها أدت إلى القتل، لقد أرسل "جوان الثانى" ملك البرتغال سنة ١٤٨٧ م مبشرا اسمه"كوفيلهام" إلى الحبشة فأنشأ علاقة قوية بينها وبين البرتغال، واستطاع أحد الرهبان الذين جلبهم إلى الحبشة أن يحول ملكها (سو سينيوس) إلى الكاثوليكية سنة ١٦٢٤ م، واستعد الأحباش للانضمام إلى الكنيسة الرومانية لولا عناد بطريرك اللاتين (مندر) الذى أكرههم على اعتقاد الشعائر اللاتينية، وأراد تأسيس ديوان تفتيش، فثاروا وقتلوا المبشرين البرتغاليين ومن تبعهم من الأحباش سنة ١٦٤٠ م. وحاولت فرنسا التبشير بالحبشة فلم تفلح وقتل مبشروها المرسلون إلى سواكن ومصوع، كما نافستها إيطاليا أيضًا فى هذا الميدان.
لقد كان للمذاهب المسيحية مبشرون، ولكل دولة مبشرون وحدث ما حدث من التنافس نتيجة لعدم الإخلاص فى الدعوة، إلى الدين، وإذا كنا ننادى بوحدة الجهاز الذى يشرف على توجيه الدعوة
стр. 177
الإسلامية فى العالم فذلك لكى نتلافى أمثال هذا التنافس بسبب الميول والأغراض الخاصة للدول والجماعات.
لقد قال المسيو (بونيه مورى) فى كتابه (الإسلام والمسيحية فى أفريقيا) ملخصا لجهود المبشرين فيها: إن نجاح هذه البعثات الإنجيلية كلها فى أفريقيا دليل على كون قوة الدعاية النصرانية لا تغلب فيما لو تجردت عن الأغراض السياسية، فانه لا توجد آفة على التبشير أعظم من المآرب الاستعمارية.
إن التفكير فى تكوين جمعيات وإنشاء منظمات وأجهزة لمباشرة الدعوة بطريقة منهجية منظمة تفكير حديث فى تاريخ الدعوة الإسلامية، وقد كانت تركيا تبحث فى إنشاء جمعية فى القسطنطينية لنشر الدعوة فى أوغندة ووسط إفريقيا على أثر ما كتبه الرحالة الشهير "ستانلى" سنة ١٨٧٥ م فى الصحف الانجليزية يحث على إرسال مبشرين إلى أوغندة، ولكن لم يتم تأليف هذه الجمعية بسبب نشوب الحرب الروسية التركية سنة ١٨٧٨ م، وكذلك فكرت مصر فى هذا الموضوع عندما حددت الحكومة المصرية الانجليزية فى السودان مناطق النفوذ للجمعيات التبشيرية المسيحية، وفي سنة ١٩١٠ م أسس السيد محمد رشيد رضا جمعية
стр. 178
فى القاهرة كانت تهدف إلى تأسيس دار للدعوة والإرشاد.
وشبه القارة الهندية خطت خطوات واسعة فى تكوين هذه الجمعيات، ومن أحسنها: جمعية "أنجومان حامى إسلام" فى "أجمير" وجمعية "أنجومان حمايت إسلام" فى "لاهور"، وجمعية "أنجومان وعظ إسلام"، "أنجومان تبليغ إسلام" فى حيدر أباد الدكن. وكانت ترمى إلى تحويل الهندوكيين إلى الإسلام.
ومن الجمعيات التى أنشئت فى القرن العشرين "مدرسة إلاهيت" فى "كونبور" لنشر الرسائل للدفاع عن الإسلام، وجمعية "أنجومان هدايت إسلام" فى "دهلى" أعظم الهيئات المنظمة، وينضم إليها عدد كبير من الجمعيات الأخرى يبلغ أربعا وعشرين، وترسل هذه الجمعية الدعاة للدعوة إلى عقائد الإسلام وعقد المناظرات مع غير المسلمين، وتقوم بنشر الكتب التى ترد على هجمات الجمعيات المعادية.
ومن الهيئات التى تحمل عنوان الدعاية للإسلام، جمعية التعريف الدولى بالإسلام فى القاهرة، والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف بالقاهرة، الذى يرسل الكتب والمصاحف لكثير من البلاد الإسلامية
стр. 179
المحتاجة إلى التزود من المعارف الدينية، وينشر مجلة ومطبوعات باللغات المختلفة ويرسلها إلى بلاد كثيرة.
والأزهر هو المؤسسة الأصيلة التى تضطلع بأكبر نصيب فى هذا الميدان، نظرا لمركزه فى العالم وثقة المسلمين به، وله بعوثه الكثيرة فى الخارج وكتبه ومصاحفه التى يرسلها إلى العالم الإسلامي والعاهد التى يشرف عليها فى خارج القطر، والمراكز الإسلامية فى أهم البلاد فى أوروبا وأمريكا وبالمجلة التى تخصص جزءا منها باللغات بالأجنبية ليفيد منها من لا يعرفون العربية من مسلمى العالم، وباستقباله لوفود الطلاب من جميع أنحاء العالم، يعلمهم ويرعاهم ماديا واجتماعيا، حتى يعودوا إلى بلادهم رسل هداية وإصلاح، ولو مكن للأزهر فكان نشاطه أوسع وأثره أعظم. وهذا هو أملنا فى عهده الجديد، وبخاصة فى هذه الظروف التى تحتاج إلى مزيد من العناية بالناحية الروحية فى العالم أجمع.
رابعا:
لا بد من إعداد الداعى الذى يتولى نشر الدعوة العالمية فى الأقطار الخارجية، وإعداده يقوم على ثلاث دعائم أساسية هى التمكن العلمى، أى وفرة
стр. 180
المادة وصدقها، الدراية الفنية التى تساعده على حسن استعمال هذه المادة، والكمال الخلقى والخلقى.
١ - التمكن العلمى هو زاد الداعى، فليس كل إنسان يصلح لأداء هذه المهمة، والداعى سيتحدث أو يرغم على التحدث فى موضوعات شتى يفرضها عليه واقع البيئة التى يدعو فيها، والظرف الذى يتحتم عليه مراعاته، فلا بد أن يكون عنده علم بكل ما يمكن أن يوجه إليه من أسئلة أو يطلب منه من حديث.
وقد كان النبي ﷺ يختار مبعوثيه ويتأكد من مقدرتهم العلمية فى النوع الذى يوفدون من أجله، ومن كيفية التصرف فى المواقف الحرجة، حتى يطمئن إليه ويرجو الخير من وراء بعثه. لقد زود النبي ﷺ معاذ بن جبل بالمعلومات الكافية والتوجيهات اللازمة عندما بعثه إلى اليمن فقال له: "إنك تأتى قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات فى كل يوم وليلة فإن أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن
стр. 181
هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينهما وبين الله حجاب" (١).
وبعد أن زوده بالقدر اللازم من العلم فى مهمته التى أرسل من أجلها اختبر مدى قدرته على التصرف عندما يجد شئ لم يتلق العلم به أو التوجيه بخصوصه، قال له: كيف تصنع إذا عرض لك قضاء قال: أقض بما فى كتاب الله. قال فإن لم يكن فى كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم يكن فى سنة رسول الله؟ قال: أجتهد برأيى لا آلو جهدا. قال معاذ: فضرب رسول الله صدرى ثم قال: الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله" (٢).
إن الثقة العلمية مطلوبة فى الداعى كما يشير إليه قول الرسول ﷺ فيما سبق "نضر الله امرأ سمع مقالتى فوعاها وأداها كما سمع" أى أداها أداء صحيحا متقنا لا تزيد فيه ولا تشويه بحال.
وللتمكن العلمى مظاهر نشير إلى بعضها فيما يلى: (أ) أن يكون على معرفة تامة بأحكام الكتاب والسنة، فى العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق وغيرها، وعلى دراية كافية بالسيرة النبوية والتاريخ
стр. 182
الإسلامي، وبالجملة أن يكون عالما بالعلوم الأصيلة للثقافة الإسلامية بفروعها المختلفة، لأن الداعى سيكون ممثلا للدين كله وللمعهد الذى أوفده، فلا بد أن يكون خير ممثل للدين ولمعهده.
(ب) أن يجمع إلى العلم القديم علما حديثا بالمعارف المختلفة التى توضح العلوم الدينية بأسلوب العصر، أن الناس ينتظرون من ممثل الدين ومعهده أن يكون حجة فى العلوم الشرعية، أو خبيرا وقديرا بالنوع الذى ينشره، كما تنتظر منه أن يكون نموذجا مشرفا يعيش مع العصر وأحداثه، ويتصل بالمجتمع وما يعج به من مشاكل، وبالثقافة وما تتنفس عنه من معلومات لأن ذلك كله، إلى جانب وضع الثقة فيه والاحترام له، يساعده على إبراز مبادئ الإسلام وهدايته إبرازا ميسرا.
(جـ) أن يكون على دراية بلغة القوم الذين أرسل إليهم، فاللسان أكبر وسيلة للاندماج مع الناس والالتحام بهم ومعرفة أحوالهم، وأيسر طريق لإيصال المعلومات الدينية إليهم وحسن تفهمهم لها، والعاجز أو الضعيف فى لغة "القوم مقيد بالأغلال لا يستطيع التحرك ولا الانطلاق، وأعمى لا يهتدى إلى الطريق إلا بمن يأخذ بيده ويعتمد عليه.
стр. 183
ولعل هذا هو السر فى أن الرسل تبعث بألسنة أقوامها كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (١).
والتعبير بالتبيين فيه إشارة إلى التمكن من اللغة، لأن التبيين شرح وتوضيح ولا تفيد فيه شذرات لغوية أو عبارات مبهمة غير واضحة، بل ولا أساليب غير قوية. وقد رأيت فيما سبق أن رسل النبي بالكتب إلى الملوك كانوا على علم، ولو إلى حد ما، بلغات البلاد التى أوفدوا إليها، وكانت مهمتهم بسيطة لا تكاد تعدو الدعوة العامة إلى الإيمان، ولكن الذين كانوا يقيمون ليعلموا الناس كان لا بد فيهم من إجادة لغتهم. وقد أمر النبي ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلم لسان اليهود لمعرفة كتبهم الواردة منهم، وللاتصال بهم اتصالا صحيحا مطمئنا. وكان أبو جمرة يترجم بالفارسية بين ابن عباس وبين وفد عبد القيس كما رواه مسلم (٢).
وكتب النبي ﷺ إلى بعض القبائل كانت تراعى فيها لهجاتهم وألفاظهم التى يتفاهمون بها، وكان رده على وفودهم مناسبا للغة التى تحدثوا بها،
стр. 184
عندما وفد بنو نهد عليه قام زعيمهم يشكو الجدب فقال: أتيناك يا رسول الله من غورى تهامة بأكوار. الميس، ترتمى بنا العيس. نستحلب الصبير، ونستخلب الخبير، ونستعضد البرير، ونستخيل الرهام، ونستجيل الجهام، من أرض غائلة العطا، غليظة الوطا، قد نشف المدهن، ويبس الخعثن، وسقط الأملوج، ومات العسلوج، وهلك الهدى، ومات الودى ...
فدعا لهم النبي قائلا: اللهم بارك لهم فى محضها ومذقها وابعث راعيها فى الدثر بيانع الثمر، وافجر له الثمد، وبارك فى المال والولد.
ثم كتب معه كتابا إلى قومه جاء فيه: لكم يا بنى نهد فى الوظيفة الفريضة ولكم الفارض والفريش وذو الضنان الركوب والفلو الفبيس ... ومن أراد تفسير ذلك فليرجع إلى المواهب اللدنية للقسطلانى (١).
فالتمكن من لغة القوم لا بد منه لنجاح الدعوة.
٣ - الخبرة الفنية: إن الدعوة تربية وتعليم ورعاية وتوجيه لا بد فيها من الدراية بأصول القواعد التربوية والأحوال النفسية، والجاهل بهذه الطرق يخفق كثيرا
стр. 185
فى مهمته، فقد يضر من حيث يظن أو يعتقد أنه ينفع، وقد يكون تصرف واحد منه قاضيا على كل جهوده.
لقد نصح النبي ﷺ معاذا وزميله حين أرسلهما إلى اليمن قائلا: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا" (١). ولما شكا الناس إليه إطالة معاذ فى الصلاة قال له: "أفتان أنت يا معاذ"؟ .
ومن مظاهر الفنية فى الدعوة ما روى أن عمر ابن الخطاب-﵁، عندما بلغه أن عظيما بالشام يسرف فى الشراب، كتب إليه آية ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ وآية ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾.
وقال لحامل الكتاب: لا تدفعه إليه حتى يصحو من سكره، ثم قال لإخوانه: ادعوا له بالتوبة. فحسن حال الرجل، ثم قال عمر: هكذا افعلوا إذا أردتم الدعوة، وهذه الخبرة الفنية مستقاة من قول الله تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن" (٢)، وسيأتى شرح الحكمة فيما بعده.
стр. 186
٣ - مما يلزم لنجاح الداعى أن "يكون على خلق كريم، وعلى هيئة غير منفرة.
(١) فالأخلاق سلاح فعال فى نجاح الدعوة، وهى فى الوقت نفسه دعاية صامتة، قد تغنى عن الدعاية القولية، والأخلاق اللازمة للداعى كثيرة، منها الصبر والتحمل، فميدان الدعوة ميدان جهاد لا بد فيه من متاعب ومشاق، ينبغى أن تقابل بالصبر، ورسول الله ﷺ هو قدوة الدعاة فى ذلك، والشواهد كثيرة زخرت بها كتب السيرة.
ومنها عدم الحرص على الدنيا، والعفة والقناعة التى تملأ النفس رضا، والقلب طمأنينة، وتكف عن التفاهات والدنايا التى يتردى فيها الشرهون الحريصون، وصدق رسول الله إذ يقول "ازهد فى الدنيا يحبك الله، وازهد فيما فى أيدى الناس يحبك الناس" (١).
فليكن رائد الداعى من دعوته هو رضاء الله وحب الخير للناس، وفى الحديث الشريف "من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة
стр. 187
همه جمع الله له أمره، وجعل غناه فى قلبه، وأتته الدنيا وهى راغمة " (١).
ومن الأخلاق استقامة السلوك بوجه عام فى أداء الواجبات والبعد عن المنهيات، حتى يكون الداعى قدوة للناس وحتى يجتذب قلوبهم إليه ويكسب ثقتهم به، وحتى لا يشك الناس فى صدق ما يدعو إليه إذا كان هو غير عامل به، والثقة والمحبة من أقوى عوامل النجاح.
ومن الأخلاق اللازمة للدعاة إذا كانوا فى مكان واحد الاتفاق وعدم الاختلاف، وهذا أمر له أهميته البالغة ولعل مما يعين عليه هو الإخلاص للواجب ورعاية المصلحة العامة، وإطراح الأهواء الشخصية والأغراض الخاصة، فإن الاختلاف بين الزملاء أكبر عوامل الهدم لجهودهم، وأول ما ينزع الثقة منهم، ويسئ إساءة إلى الدعوة بعامة. ولهذا أكد النبي ﷺ على معاذ وزميله فى وصيته لهما أن يلتزما التعاون فقال "وتطاوعا ولا تختلفا".
وما يشير إلى أهمية الأخلاق فى الدعوة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا
стр. 188
وَقَالَ: إنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ" (١) فمدار تفضيل الله للداعى هو العمل الصالح والإخلاص فيه والاستسلام له سبحانه.
وكانت أخلاق الدعاة إلى الله فى الزمن الأول من الأسباب القوية فى سرعة انتشار الإسلام، وتقبل الناس له كما شهد بذلك المؤرخون المنصفون وكل ذلك من هدى النبي ﷺ فى قوله وفعله الذى فسر معنى الحكمة فى الدعوة، ويحضرنى الآن من ذلك موقفه من اليهودى الذى أراد امتحانه فى أخلاقه فنجح النبي وأسلم الرجل، ذلك أن زيد بن سعنة قال: لم يبق من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفته فى وجه محمد حين نظرت إليه، إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما: فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله، فابتعت منه تمرا إلى أجل، فأعطيته الثمن، فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة أتيت فأخذت بمجامع قميصه وردائه، ونظرت إليه بوجه غليظ ثم قلت: ألا تقضينى يا محمد حقى، فو الله إنكم يا بنى عبد المطلب مطل. فقال عمر: أى عدو الله أتقول لرسول الله ما أسمع؟ فو الله لولا ما أحاذر فوته لضربت
стр. 189
بسيفى رأسك. ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر فى سكون وتؤدة وتبسم، ثم قال: أنا وهو كنا أحوج إلى غير ذلك منك يا عمر، أن تأمرنى بحسن الأداء وتأمره بحسن اتباع الاقتضاء اذهب يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعا مكان ما رعته. ففعل، فقلت يا عمر كل علامات النبوة قد عرفتها فى وجه رسول الله ﷺ حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما يسبق حلمه جهله ولا تزيده شدة الجهل إلا حلما.
فقد خبرتهما، فأشهدك أنى رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمدا نبيا (١).
وروى أنه قال لعمر فى موقف آخر من مواقف الدعوة التى أغلظ فيها الأعرابى، أما علمت أن الحليم كاد أن يكون نبيا؟ وقد أسلم الأعرابى لهذه المعاملة وعاد إلى قومه داعيا إلى الإسلام (٢).
ومن حسن أخلاف النبي أيضًا فى الدعوة أن أعرابيا دخل المسجد فبال فيه، فصاح الناس به مستنكرين عمله، فقال لهم النبي ﷺ : "دعوه ولا تزرموه"
стр. 190
-لا تقطعوا عليه بوله- فلما فرغ دعا بدلو من ماء فصبه عليه (١).
(ب) وحسن هيئة الداعى، فى هندامه الجميل ومظهره الكريم وعدم التشويه المنفر، له دخل كبير فى تقبل ما يدعو إليه، وفى التفاف القلوب حوله، وهذه طبيعة بشرية لا يشك فيها أحد، ولذلك كان رسل الله بريئين من كل ما ينفر الناس، فمهمتهم تأليفهم لا تنفيرهم، وتقريبهم لا إبعادهم.
وإذا لم يكن للداعى نصيب فى الحسن الخلقى الجذاب فليكن ذلك بما يستطيعه من حسن الهندام، وقد كان لرسول الله ﷺ حلة يلبسها للعيدين والجمعة، كما ذكره ابن القيم (٢)، وقال لأصحابه: "ما على أحدكم لو اشترى، إن وجد سعة، ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبى مهنته" (٣).
ومما يدل على تأثير المظهر بوجه عام فى الدعوة ما ذكره "أرنولد" فى كتابه "تاريخ الدعوة" (٤). إذ يقول: يتحدث سعيد بن الحسن أحد يهود الاسكندرية
стр. 191
الذي اعتنق الإسلام سنة ١٢٣٨ م، عن مشهد صلاة الجمعة فى مسجد باعتباره عاملا حاسما فى تحوله إلى الإسلام فيقول: وعندما دخلت المسجد ورأيت المسلمين يقفون صفوفا كأنهم الملائكة سمعت هاتفا يقول: هذه هى الجماعة التى أخبر الأنبياء بقدومها، ولما ظهر الخطيب مرتديا عباءته السوداء استولى علىَّ شعور عميق من الرهبة، ولما بدأت الصلاة أحسست بقوة تدفعنى إلى النهوض، لأن صفوف المسلمين بدت أمامى كأنها صفوف الملائكة التى يتجلى الله القدير فى سجداتهم وركعاتهم، وأيقنت فى نفسي أنى خلقت لأكون مسلما.
وقال رينان: ما دخلت مسجدا قط دون أن تهزنى عاطفة حادة أو بعبارة أخرى، دون أن يصيبنى أسف محقق على أننى لم أكن مسلما.
فالمظاهر الحسنة بوجه عام لها أثرها الكبير فى النفوس وبخاصة وسط قوم يحبون ذلك، ولأمر ما أقر عمر رضى الله عنه ما رأى عليه معاوية بن أبى سفيان حين كان واليا على الشام، ورأي ما فيه من المظاهر التى لا عهد للعرب بها، لأنه عرفه أنه بين قوم يقدسون هذه المظاهر، والذكى اللبق هو من عرف كيف يسيطر على القوم وبأي وسيلة ينجذبون إليه.
стр. 192
وبهذا تعرف أن إعداد الداعي علميا وخلقيا وفنيا له أثره الكبير فى نجاح الدعوة، ولا بد لهذا من ترتيبات خاصة ودراسة معينة، وتوجيهات فعالة واختيار موفق، إن هذا الإعداد لا يكون بمثل التوجيهات العامة لفترة محدودة، بل لا بد أن يستغرق سنين طويلة وبخاصة من أجل، الاطمئنان على الناحية الفنية والخلقية، إن بعث واحد فيه هذه المواصفات كاملة خير من ألف ينقصهم هذا الإعداد، إن الإرساليات الدينية فى أوربا لها معاهدها ومؤسساتها الخاصة يربى فيها الدعاة على نظام دقيق، وبخاصة من الناحية الخلقية، وقد يكون من الأوفق التفكير فى إنشاء معاهد لتخريج الدعاة تكون مناهجها متناسبة مع مهمتهم، ولا يلحق بها إلا المعروفون بالملاحظة والتجربة الدقيقة أنهم ذوو أخلاق حسنة ترشحهم للقيام بهذه المهمة النبيلة.
ويعجبنى في هذا المقام حديث للمرحوم الشيخ المراغى فى جريدة الدستور سنة ١٩٣٨ جاء فيه:
ومن لوازم الداعى أن يكون شجاعا صادقا قوى الإيمان بما يدعو إليه، يرى في الإقدام لذة وحقا للنفس الخيرة، يؤديه احتسابا لله لا على أنه مكلف به يؤديه للأجر وزيادة الدرجات والمرتبات، ومن حق الداعى
стр. 193
أن يكون بصيرا بالوسط الذى يعيش فيه، خبيرا بأحوال النفوس، واسع الحيلة فى التنقل من طريق إلى طريق، يقصد الهداية المطلوبة من طريقها النافع.
وليس أفعل فى النفوس من جلال تكسبه التقوى وملازمة حدود الله، ومن جمال يلقيه العلم الناضج على صاحبه، ومن هيبة يوجدها الإعراض عن الدنيا وعدم الحرص عليها.
وقد شاهدنا فقراء ليس لهم جاه رسمى ولا عزة عصبية يهابهم أصحاب المقامات الرفيعة والأموال المكنوزة، وينكمشون أمام هيبتهم التى بسطتها التقوى وزانهم بها العزيز الحكيم.
خامسا: لا بد أن تكون هناك حكمة فى الدعوة، أى تخطيط دقيق يتناول أسلوبها وأغراضها ومعانيها وكل ما يتصل بها، وأحسن تخطيط ما كان مستوحى من القرآن الكريم والسنة وما يضاف إليهما من التجارب والخبرات النابعة من وحى الظروف والأحداث، قال تعالى: "قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى" (١).
فالدعوة على بصيرة أى على يقين وإيمان، أو على علم وهدى، وهذا العلم الذى ينير طريق الدعوة مبين
стр. 194
فى قوله تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن" (١). ولا أطيل عليك فى ذكر ما قاله المفسرون فى هذه الآية، وعدم اتفاقهم على رأى فى معنى الحكمة وأذكر لك ما أميل إليه من هذه الآراء.
يبدو أن الحكمة هنا هى العقل والتفكير السليم الذى يضع كل شيء موضعه، وقد أمر الله نبيه باستعمالها ليكون أساس دعوته معقولا ومقبولا، وليكون سلوكة مع الناس سلوكا مستقيما.
ولعل هذا المعنى هو المراد من الحكمة فى قوله تعالى: "يؤتى الحكمة من يشاء، ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا" (٢). لأنها آتية بعد أدلة التوحيد فى مجادلة إبراهيم مع النمرود، وفى قصة عازر وإبراهيم والبعث، وضرب أمثلة محسوسة للدعوة إلى الإنفاق الخالص لله بالسنابل والصفوان والمطر والجنة والإعصار، والإنفاق من الطيبات، لأننا لا نحب أن نأخذ الخبيث فكيف نعطيه لغيرنا، والتفكير فى أن الشيطان يعد الفقر والله يعد الغنى، فكل هذا مما يلفت النظر ويجول فيه الفكر، ومن اهتم بهذا النوع
стр. 195
فقد أوتى خيرا كثيرا، وما يذكر إلا أولوا الألباب، ولعل الحكمة بهذا المعنى هي منة الله على داود فى قوله: "وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب" (١).
فالحكمة أن تكون الفكرة سليمة والآداء جميلا، فهي تشمل المعنى والأسلوب، ثم إن المراد بالموعظة الحسنة أن يكون الترغيب فى الخير والترهيب من الشر بأسلوب عفيف لا فحش فيه ولا سباب مثلا، فإن مثل هذه الأساليب الخشنة يحدث عكس المطلوب، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٢).
وكان هذا الأسلوب بمكة عندما كان يواجه الرسول بدعوته العقائد الضالة والعادات المفاسدة، ويقوم وحده بهذه الدعوة، والمجادلة هى المخاصمة فلتكن بالصيغة الحسنى، فإن سبوك فكن حليما، وإن آذوك فكن صبورا، ولعل مما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣). فاستعمل معهم طريق اللين والعفو فذلك أجدى وأنفع.
стр. 196
فالأسلوب الحكيم في الدعوة له مظاهر متعددة وألوان مختلفة، وقد يصلح لون في بلد ولا يصلح في آخر، وقد ينفع أحدها في عصر ويضر في عصر آخر، ومن واقع هدى الإسلام فى القرآن والسنة، ومن تجارب المختصين في الحياة أذكر هنا بعض مظاهر الحكمة في تبليغ الدعوة:
١ - من الحكمة عند اقتلاع عقيدة باطلة أو عادة فاسدة، أو نقد وضع معين، ألا يوجه العمل إلى ذلك بطريق مباشر، بل يتخذ له طريق لا يثير معارضة أو يوقد نار فتنة، فإن الموروثات وبخاصة منها المقدسات الدينية ليس من السهل تحويل الإنسان عنها، فكل إنسان معتز برأيه وعقيدته، وكل جماعة معتزة بمقدساتها ومعتدة بسلوكها، وذلك أمر طبيعى في الجنس البشرى، لأن مظهر الحرية والكرامة والعناد، يظهر بوضوح عند توجيه النقد إلى العقيدة والسلوك، وقد تقدم نهى الله نبيه أن يسب الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم. وحسب الداعى الحكيم فى مواجهة الباطل بعد دراسة كل الظروف أن يحاول زحزحة الناس عن ثقتهم في عقيدتهم وسلوكهم وبطريق غير مباشر، ولعل مما يفيد فى هذا المجال:
стр. 197
(أ) توجيه الأنظار إلى نواحى الشر والفساد فى عقيدة من العقائد، أو نمط من السلوك يشبه ما يريد أن يغيره الداعى، ثم يترك الفرصة للعقل يفكر ويقدر، فقد ينتبه بنفسه إلى مواطن الشر فيحاول باختياره أن يصلح من شأنه، إن الله سبحانه وهو يوجه أنظار المشركين إلى فساد إشراكهم بالله مخلوقات لا تسمع ولا تبصر، ولا تغنى من الحق شيئًا، عدد عليهم نعمه الكثيرة وبين أنه وحده خالقها والمتفضل بها، ولأنهم يعتقدون أنه وحده خالق كل شئ، كما ورد في قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (١). ولكنهم يشركون الأصنام معه فى العبادة، لما حكى الله عنهم بقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٢). قال الله بعد تعداد النعم فى أوائل سورة النحل: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣)؟
فإلقاء هذا الاستفهام الإنكارى يوجه أنظار المشركين للتفكير فيما هم عليه من عقيدة.
стр. 198
ومثله ما سلكه الإسلام فى تحريم الخمر، وكان شربها متأصلا فى العرب، لم يشأ أن يوجه إليهم النقد المباشر، ولكن بين لهم أنها من نعم الله عليهم فقال تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ (١)، ولما سألوا: هل هى حرام، اكتفى ببيان ما فيها من نفع وضر وأن الضر فيها أكبر، وترك للعقل يفكر ويوازن ليدرك بنفسه أن ما كثر ضرره على نفعه جدير بتركه، فالعمل الذى تفوق خسارته ربحه لا ينبغى أن يحرص العاقل عليه، ولم يقطع الإسلام فيها برأى.
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (٢). حتى إذا أدركوا خطرها أخيرا بما وقع من خطأ فى الصلاة نتيجة السكر، وبما حدث من شجار وسباب وتعد على الأموال وغيرها طلبوا بأنفسهم بيانا شافيا فيها، فحرمت أولا قبل الصلاة ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٣).
стр. 199
ثم حرمت بعد ذلك نهائيا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾؟ (١).
ومما يفيد أيضًا هذا المجال الاهتمام بعرض محاسن الإسلام إن كان يدعو إليه، أو محاسن مبدأ من المبادئ إذا كان المقصود بالدعوة هذا المبدأ، دون أن يتعرض لذكر مساوئ نقيضه فليتركها ليدركها السامع بطريق المفهوم. وفي هذا العمل بناء من جانب الداعى وهدم للمبدأ الفاسد من جانب المدعو، والبناء القوى إذا ظهر بصورة رائعة تداعى غيره أو قل شأنه على الأقل.
ويقول المثل الغربى: بدل أن تلعن الظلام أو قد شمعة، ذلك أن لعن الظلام جهد ضائع لا يذهب به، ولكن الذى يذهبه هو عمل إيجابى في مقابله، وهو إضاءة الشمعة، فذكر المحاسن لمبدأ يعطي فرصة للمدعو أن يفكر في مبدئه وقيمته بالنظر لما يراه
стр. 200
ويسمعه، وهناك يكون تحوله للمبدأ الجديد عن اقتناع دون إثارة شعور أو مضاعفات غير حميدة.
٢ - ومن الحكمة عرض التشريع مبسطا والعقيدة واضحة عند الدعوة إلى الدخول فى الإسلام، والحذر من تعقيد الأسلوب واستعمال الوسائل الصناعية الملتوية التى تشوه طبيعة الأشياء وتخرجها عن بساطتها، الفطرية إلى عمل مصنوع معقد.
والعقيدة الإسلامية مبسطة وواضحة لأنها قائمة على العقل، وأدلتها منثورة في الكون كله، ألم تر إلى الأعرابى عندما سئل عن وجود الله فقال: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أفلا يدل ذلك على اللطيف الخبير؟ . ولم سأل النبي أمة عن الله فأشارت إلى السماء حكم بإيمانها.
إن بساطة الأعرابى في الاستدلال على وجود الله لا تزيد عنها فلسفة "نيوتن" عالم القرن الثامن عشر (توفى ١٧٢٧ م) عندما سئل عن وجود الخالق فقال: من الجلى الواضح أنه لا يوجد أى سبب طبيعي يمكن أن يعزى إليه توجيه جميع الكواكب وتوابعها للدوران فى وجهة واحدة وعلى مستوى واحد دون أن يحدث فيها أى تغيير يذكر. فمجرد النظر لهذا التدبير يشعر بوجوب وجود قدرة إلهية تحدثه.
стр. 201
فالعقيدة الإسلامية تنادى على نفسها بالصدق ولا تستعصى على الفهم. وكانت بساطتها سبيا فى تقبل الناس لها، يقول "أرنولد": إن هذه العقيدة البسيطة لا تتطلب تجربة كبيرة للإيمان، ولا تثير فى العادة مصاعب عقلية خاصة، وإنها لتدخل نطاق أحط دركات الفهم والفطنة، ولما كانت خالية من المخارج والحيل النظرية اللاهوتية كان من الممكن أن يشرحها أى فرد، حتى أقل الناس خبرة بالعبادات الدينية النظرية (١). وقد تقدم لك ما ذكره "كيتانى" عن سر تحول أهل الشام إلى الإسلام.
٣ - ومن الحكمة عند دعوة الناس إلى اعتناق الإسلام عدم التشدد فى أخذهم بمبادئه من أول الأمر، ومراعاة التساهل إلى حد ما حتى تألفها النفس الغريبة عنها وتتعودها، وستنقاد إليها طواعية بعد ذلك.
وقد رأينا فى وفد ثقيف أن النبي ﷺ قبل منهم الشهادتين والصلاة، وحط عنهم الزكاة والجهاد مؤقتا كطلبهم حتى يألفوهما.
ثم ذكر أنهم سيصدقون ويجاهدون من تلقاء أنفسهم وقد كان ذلك (٢).
стр. 202
وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال بعد أن تعلم منه ما تعلم: علمنى رسول الله وكان فيما علمنى: "وحافظ على الصلوات الخمس". قلت: إنها ساعات لى فيها أشغال، فمر بأمر جامع إذا فعلته أجزأ عنى. فقال: حافظ على العصرين؟ قال "صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها" (١).
وكان هذا التخفيف من النبي بصفة مؤقتة حتى يتعود الرجل الصلاة. إن الذين يريدون للداخلين حديثا فى الإسلام أن يؤدوا مرة واحدة كل ما جاء فيه من تكاليف، قوم لا يعرفون طبيعة البشر ولا منهج الدعوة، إن سياسة التدرج فى حركة الإصلاح، والبعد عن الطفرة يفسرها قول عمر بن عبد العزيز لابنه عندما لامه على إرجاء تنفيذ بعض ما يراه حقا، أخشى أن أحمل الناس على الحق جملة فيرفضوه جملة.
وقد كان الختان من الأمور التى خشيها المنبوذون فى الهند عندما دعوا إلى الدخول في الإسلام، كما قررته البعثة الأزهرية الموفدة إليها سنة ١٩٣٦، فصدرت الفتوى بما أذهب مخاوفهم والدين يسر.
٤ - ومن الحكمة فى الدعوة القصد إلى الرءوس
стр. 203
الكبيرة والشخصيات الهامة لأن استجابتها ستجر وراءها استجابة الأتباع والبسطاء بتأثير عامل التقليد أو يحكم العلاقة بين الكبير والصغير والرئيس والمرءوس.
وكان بود النبي ﷺ أن يسلم كبار قومه ولكن الله أخبره أنهم لن يستجيبوا له الآن، وسيدخلون فى الإسلام عندما تتهيأ الظروف، وكان ذلك فى فتح مكة بعد إحدى وعشرين سنة من بدء الدعوة.
لقد كتب النبى إلى الملوك والكبار رجاء أن يسلم أقوامهم بإسلامهم، ولما عرض جمال الدين الإسلام على "تغلق تيمور خان"، ملك "كشغر" (١٣٤٧ - ١٣٦٣ م) اقتنع به ثم قال له: لا أستطيع أن أهدى أتباعى إلى الإسلام حتى يؤول الملك العام إلى بعد توحيد الإمارات، وقد كان ذلك، فدعا الأمراء فقبلوا، وطلب أحدهم مبارزة الداعى إلى الإسلام لخادمه فقبل التحدى وانتصر فأسلم الأمير وأسلم فى ذلك المشهد مائة وستون ألفا، وأصبح الدين الإسلامى منذ ذلك الوقت دين سكان الحضر فى الولايات الخاضعة لسلطان خلفاء "جفطاى" (١).
стр. 204
فهداية رجل كبير تهدى مئات وألوفا من الأتباع، والجهد فى مثل هذه الحالات جهد مثمر.
وكان من حيل المستعمرين فى حمل الشعب على مذهب أو سلوك معين أن يولوا أعوانهم المناصب الكبيرة حتى يقلدهم الأتباع والمرءوسون ويستجيبوا لتوجيهاتهم، إما عن عقيدة، وإما لمجرد المتابعة التى قد تتطور بمرور الزمن إلى اعتقاد.
٥ - ومن الحكمة أن يكسب الداعى صداقة الكثيرين ممن تظن منهم المعارضة له أو عدم تيسير مهمته، وأن يتفطن لمنافذ الشر التى تقف فى طريق دعوته فيسدها أو يتجنبها بطريقة سليمة لا تثير فتنة، فالدعوة حرب، والحرب خدعة لا بد فيها من التحاليل البريء لشق الطريق بأمان.
وهذه مداراة لا بأس بها، ولنا فى قول رسول الله ﷺ فى شأن عيينة بن حصن الفزارى حين رآه مقبلا عليه "بئس أخو العشيرة" فلما جلس الرجل تطلق النبي فى وجهه وانبسط إليه، ولما سألته عائشة عن سر هذا المسلك قال: "متى عهدتنى فاشا، إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره" (١).
стр. 205
وقد قال العلماء: إن هذا السلوك مداراة بذلت فيها الدنيا لصلاح الدين أو الدنيا أو هما معا، وهى مباحة وليست مداهنة يبذل فيها الدين لصلاح الدنيا فهى مذمومة (١).
٦ - ومن الحكمة حسن اختيار الموضوع الذى يتحدث فيه الداعى، أو المبدأ الذى تراد الدعوة إليه بوسيلة من الوسائل، فالموضوعات والمسائل تختلف من بلد إلى بلد ومن زمن إلى أخر، وليكن الموضوع منتزعا من واقع البيئة وحكم الظروف ومتطلبات العصر، لا ما يختاره الداعى حتى لو كان غير مناسب لمقتضى الحال. والنبى ﷺ كان إذا سأله مسائل أجابه عن أهم الأمور التى تناسبه، وإذا طلب منه وصية أوصى بما يصلح شأنه، إن الموضوعات التى تناقش مثلا فى أوروبا غير التى تناقش فى وسط إفريقيا، والموضوعات التى تثار فى البلاد الرأسمالية غير التى تثار فى البلاد الاشتراكية، وما يصلح للبدو لا يصلح للحضر، وهكذا. ومن أهم ما يعالج من موضوعات ما يأتى:
(أ) الرد على الشبه التى يثيرها المستشرقون والمبشرون وأصحاب النحل والمذاهب الهدامة،
стр. 206
والمتحررون الذين يميلون إلى اللادينية ومن داروا فى فلكهم لنبين وجهة نظر الإسلام فيها.
فإذا كانت هناك شبه تطعن مثلا فى مبادئ الإسلام كعامل من عوامل النهضة والرقى، وتربط بين تأخر المسلمين وبين مبادئ الدين. فعلينا أن نبين سلامة المبدأ من حيث ذاته، ونبين السبب فى تأخر المسلمين عن غيرهم من الأمم، وهى أسباب خارجة عن نفس التشريع، فهى إما لسوء فهم للمبادئ أو جهل بها، أو تعلق بغيرها وإلى جانب الرد على الشبه يجب أن نفيد من توجيهها إلينا فنضع الحلول التى تود عمليا على هذه الشبه بالتمسك بمبادئ الدين وتطبيقه تطبيقا صحيحا.
فمن الشبه مثلا ما يتعلق بالقرآن من ناحية جمعه وترتيبه وكتابته وقراءته، ومن نسبته إلى النبي وعدم نسبته إلى الله، كما أثار ذلك حديثا القس "ريكيه" فى محاضرة ألقاها بجنيف فى قاعة القديس بطرس. ومن الشبه منافاة بعفى مبادئ الإسلام للمدنية كتحريم الربا، وإباحة الطلاق، وتعدد الزوجات، فتجب العناية بالرد على هذه الشبه، وتزويد العلماء بالثقافة الواسعة لإمكان مواجهة هذه الأباطيل.
стр. 207
(ب) ويجب تفسير حقائق الإسلام تفسيرا علميا عصريا يتصل بالثقافات الحاضرة، ويوازن بينها وبين ما انتهت إليه هذه الأبحاث وقررته التجارب، وشرح المفاهيم باللغة والمروح التى تناسب العصر ووضع دائرة معارف إسلامية ذات فى دراسة عميقة على هذا الأساس لتكون مرجعا صادقا للراغبين فى المعرفة الدينية الصحيحة وسلاحا تدفع به الشبهات والشكوك.
إن الإسلام ما يزال بكرا من هذه الناحية، لم يسبر غوره ولم يؤت على جميع حقائقه، وما أكثرها، والثقافات والحضارات فى تطور وتغير، فإن كانت العصور الماضية أفادت من الإسلام وكتابه بما يلائمها وفسرته بما كان عندها من ثقافات، فإننا الآن فى حاجة إلى شروح وتفسيرات بلغة العصر وحاجته.
يقول (ولفرد كانتويل سميث): كل الكتب والأحاديث التى تتصل بهذا الدين تتخذ موقف الدفاع وتهدف إلى حماية ذمار الإسلام أكثر مما ترمى إلى شرحه وفهمه، وترمى إلى دعمه ومظاهرته أكثر مما ترمى إلى بيانه وكشفه، وهذه الحقيقة فى تشعبها البعيد هى علة سوء التفاهم بين المسلمين والغربيين، وهى السبب فى أن غير المسلمين يسيئون فهم الأفكار الإسلامية الحديثة.
стр. 208
والواقع أن كلا من الجانبين لم يدرك الموقف إدراكا تاما، فالمسلمون يأخذون قضايا الدين يتسلم ولا يقبلون سواها، على حين تجد الغربيين يؤمنون بالتفسير العقلى، وهذه الطريقة التى يتبعها المسلمون فى تقبل دينهم تفسد تقدير الغربيين للإسلام الحديث وتقف حائلا أمام المسلم فى صراعه ضد الصعوبات الدينية الحديثة التى يواجهها.
ومع عدم تسليمنا بهذا الكلام على إطلاقه، فإننا نريد أن لا ندع مجالا لمثل هذه الانتقادات، فنفسر إسلامنا تفسيرا علميا حديثا يتناسب، مع الثقافات الحاضرة ليعيش معها ويظهر سموه عليها.
(ج) يجب تنقية الإسلام من كل دخيل عليه فى عقائده وعبادته وأخلاقه وسائر تشريعاته، فإن هذا الدخيل يشوه جماله ويظهره بصورة ممسوخة أمام الأجانب، تزهدهم فيه وتحملهم على توجيه الطعون إليه، وإشاعة أنه دين لا يستطيع أن يقف أمام العقل والمنطق وحقائق العلم، وبالتالى لا يتجاوب مع الحياة فى سننها الكونية الثابتة ومقرراتها الأكيدة.
ولعل من الخير أن يتجه الإصلاح إلى الطوائف المتجرة بالدعوة إلى الإسلام عن غير علم صحيح
стр. 209
بحقائقه، إنهم يدخلون عليه كثيرا من الخرافات لاستمالة السذاج إليه، فى الوقت الذى يباعدون بينه وبين العقلاء المتعطشين إلى دين صحيح نظيف.
وإنصافا للحقيقة نقول: إن كثيرا من طلاب العلم الوافدين إلى الأزهر من أطراف أفريقيا ووسطها التى انتشر الإسلام فيها بطريقة أولية، يعودون بعد تخرجهم حاملين شعلة الإصلاح إلى أقوامهم ويزيلون هذه الملصقات من جوهر الدين.
وكانت السلطات الاستعمارية تضطهد هؤلاء الطلاب الذين يفتحون عيون الأهالى على الحقيقة الإسلامية النقية، محاولين إبقاء الناس على جهلهم وضلالهم حتى يضمنوا استمرار التسلط عليهم وسهولة انتزاعهم من هذا الدين المشوه.
كما يجب أن نتنبه إلى خطر الطوائف التى نشأت فى المجتمع الإسلامي كالقاديانية والبهائية، وبيان ضلال الأسس التى قامت عليها، وتبرئة الإسلام مما شوهوا به جماله.
سادسا: لا بد أن تنشر الدعوة بكل الوسائل الممكنة التى أعرض منها ما يلى:
стр. 210
١ - ترجمة معانى القرآن ترجمة صحيحة بالقدر الممكن بعد وضع تفسير مبسط له لا يحمل اتجاهات معينة، وستكون هذه الترجمة مصححة للترجمات المباشرة للقرآن التى تحمل كثيرا من الأخطاء، على أن تنشر هذه الترجمة بعدة لغات هامة، وإن لم تتيسر هذه الترجمة فلتوضع كتب مبسطة فى مبادئ الدين بلغات البلاد التى تحتاج إلى هذا القدر المبسط لتعرف شيئًا عن الإسلام فتؤمن به.
٣ - دعم الصحافة الإسلامية وتزويدها بالترجمات الهامة لمبادئ الدين، والرد على الشبه الموجهة إليه، وتفسير حقائقه تفسيرا علميا عصريا، وتعنى بأخبار العالم الإسلامي، وتقدم الدراسات الكافية للإفادة منها فى مجال الدعوة، وذلك كنشرة "فيدس" للأنباء التبشيرية التى تصدر أسبوعيا من مركز التبشير فى (روما) وتطبع بعدة لغات وترسل مجانًا لكثير من الجهات.
٣ - يحسن أن تكون هناك إذاعة خاصة ذات برامج دينية تعنى بالموضوعات الهامة التى تصلح للبلاد المختلفة وتكون موجاتها موجهة بلونا ثقافى إلى المنطقة المناصبة لها، باللغة التى تعرفها هذه المناطق، على أن يكون الإشراف على هذه الإذاعة إشرافا دقيقا من
стр. 211
مختصين أمناء يخططون يتناسب مع الغرض الذى أنشئت من أجله.
على أن تكون إذاعة موحدة لتكون الفكرة المنبثة عنها واحدة، فإن لم يمكن ذلك، ينبغى أن تتولى الإذاعات المختلفة فى البلاد الإسلامية هذه المهمة، فى برامج خاصة بها، على أن يكون هناك جهاز تنسيق لها، متفرع من الجهاز العام للدعوة الذى تقدم ذكره.
٤ - ينبغى أن تعقد لقاءات متكررة لرسم السياسة العليا للدعوة، بعد تقديم تقارير وافية يستفاد منها فى وضع البرامج للمراحل المقبلة، كما هو متبع فى مركز التبشير العالمى فى روما، ولو اتخذ موسم الحج مثلا فرصة لعقد مؤتمر من هذا النوع لكان ذلك أيسر وأقل تكلفة وأدعى إلى الإخلاص فى العمل الذى يجتمع المؤتمرون من أجله -وقد يكون من الأوفق أن تنبثق من مؤتمر مجمع البحوث لجنة تخطط للدعوة على ضوء التقارير الواردة والتجارب الواقعة.
٥ - أن تنشأ مراكز إسلامية للدعوة فى أنحاء العالم، تراقب عن كثب أفكار الناس عن الإسلام لتصحح الأخطاء، وتظهر محاسنه، على أن تعطى هذه المراكز إمكانيات وتسهيلات واسعة لمباشرة نشاطها،
стр. 212
فهى تعتبر محطات تقوية لإذاعة الهداية الإسلامية من مراكزها الأصلية فى البلاد الإسلامية، ومنطلقا جديدا للدعوة والدعاة ينبثون منه فى الجهات المحيطة بها على أن تكون هذه المراكز وحدة شاملة، أو صورة مصغرة للمراكز الكبرى الأصلية، ففيها صحافة وكتب ومحاضرات، ومدرسة لتعليم الدين واللغة وما إلى ذلك من أنواع النشاط.
٦ - التوسع فى إرسال البعوث إلى كافة أرجاء الدنيا بعد إعدادهم على النحو الذى تقدم ذكرة.
٧ - التوسع فى المنهج وقبول الطلاب الوافدين من أطراف العالم لتلقى العلم فى المعاهد والجامعات الدينية فى البلاد الإسلامية لأن هؤلاء سيعودون إلى بلادهم وهم دعاة للدين، ويقومون بنشاط قد يكون أعظم من نشاط المبعوثين الموفدين إلى هذه البلاد، وذلك لأمور:
(أ) أنهم أعرف بلسان قومهم وعاداتهم وجميع أحوالهم، وقد عرفنا أثر هذه المعرفة فى نجاح الدعوة.
(ب) عدم تكليف الجماعة الإسلامية أموال طائلة وإمكانيات كبيرة، فالطالب سيعود إلى بلده داعيا بتكاليف أقل كثيرا جدا من المبعوث وبجهد أقل.
стр. 213
(ج) أنهم مستقرون فى بلادهم غير قلقين، لا تصرفهم عن التفرغ للدعوة ارتباطات أخرى ولا عوامل ضاغطة من حنين إلى وطن أو عدم ملاءمة جوه. أو غير ذلك مما يعرض للمبعوث المتغرب عن بلدة المرتبط بروابط كثيرة، وعامل الاستقرار له أهميته البالغة فى الدعوة.
٨ - لابد أن تدبر الأموال اللازمة للقيام بهذا النشاط العظيم، والخبراء فى هذا المجال لهم آراؤهم ندع ذلك لخبرتهم وعامل المال من أهم العوامل، إن لم يكن أهمها، فى نجاح كل مشروع، وبخاصة مثل هذا المشروع العظيم، وهو جهاد فى سبيل الله، رغب الإسلام فى بذل أقصى ما يستطاع فيه من مال وجهد، فما كان الجهاد إلا لنشر الدعوة وتأمين طريقها وحماية الحريات ودعم أركان السلام، ويا حبذا لو كان هناك صندوق عام يمول من كل الأقطار الإسلامية للجهاز الموحد الذى يشرف على الدعوة، أو يا حبذا لو زيدت فى ميزانية كل دولة المبالغ المرصدة لهذا العمل الجليل.
٩ - وإذا كان كل مسلم يشعر بأنه مكلف بالدعوة إلى الله بالقدر الذى يعرفه ويستطيعه، فإن كل مسلم وجد بين جماعة غير مسلمين، أو جماعة مسلمين محتاجين إلى التفقه فى الدين يجب عليه أن يؤدى
стр. 214
واجب الدعوة فيهم بما يحتاجون إليه، يستوى فى ذلك الطلاب الموفدون من البلاد الإسلامية للتعلم فى البلاد الأجنبية والخبراء والسفراء والملحقون والزائرون والتجار والسائحون وغيرهم من كل من يمكنه أن يدعو إلى الله.
وإن للطرق الصوفية جهدا كبيرا فى نشر الدعوة فى أفريقيا وآسيا على ما علمت من عرضنا لحركة الدعوة، إلا أنه ينبغى أن توجه توجيها صالحًا بإبعاد العناصر المتجرة بالدعوة، وتنقية بعض أفكارها التى لا يوافق عليها الإسلام، ولو أنها زودت بالعلماء الذين يصحبونها فى اجتماعاتها وتحركاتها لكان لها أثر عظيم فى نشر الإسلام الصحيح.
وينبغى التنبيه إلى أن هناك بعض الأفراد ينتحلون صفة الدعاة يطوفون بالعالم الإسلامي وغيره، لا يريدون بذلك إلا كسب العيش وليس لهم من العلم قدر يساعدهم على الدعوة الصحيحة، وقد اتخذت إجراءات فى بعض البلاد الإسلامية لمنع أى أحد من أفرادها من السفر لنشر الدعوة إلا بعد تقرير من لجنة معتمدة من العلماء يثبت صلاحيته للدعوة، والإسلام ينهى عن التصدى للدعوة بغير علم فذلك
стр. 215
كذب وافتراء على الله ورسوله وبالتالى صد عن سبيل الله لأنه يشوه جمال الدين.
سابعا:
من أهم ما يساعد على قبول الناس لدعوه الإسلام أن يكون العمل بالدين ومبادئه واقعا حيا فى المجتمع الإسلامي، فالعمل بالدين أكبر دعاية له، ولو أراد المسلمون أن يعرضوا على الأجانب هذا الدين على أنه الأنموذج الكامل النظام الحياة لقيل لهم فى صراحة وبكل بساطة.
لو كان فيه خير لاتخذوه نظاما لحياتهم، بل إنه سيقال لهم: لو كان الإسلام خيرا لسعد به معتنقوه ونهضوا، ولكن واقع حياتهم يتناقض مع دعواهم.
وقد حدث أن "فلاديمير" ملك روسيا أراد أن يبحث عن دين غير الوثنية التى كان يدين بها، فانتهز دعاة كل دين الفرصة ليدخلوه فى دينهم، فلما حاول اليهود أن يهودوه، وكانوا قد جاءوا إليه من بلاد الخزر على بحر قزوين، سأل عنهم وعن تاريخهم فعلم أن الله شتت شملهم، وأبعدهم عن بلدهم بيت المقدس، فقال لهم: لقد بؤتم بلعنة الله ومع ذلك تريدون أن