← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 95695

الشفاعة في الحديث النبوي

عبد القادر المحمدي

Полный текст (310 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الأخرى (١). وكما هو معلوم من تعريف الشفاعة أنها: طلب الخير للغير، والتوسط بين أثنين فكيف نستطيع أن نخرج من هذا الإشكال؟. أقول: الاختلاف في ألفاظ الحديث عند الرواة أمر وارد حتى بين الصحابة الكرام ﵃ فقد ينقل متن حديث يختلف عن غيره من وجه أو أكثر، و ((قد يفوت بعضهم ما عند الآخر فإذا جمع ما عند الجميع وترك ما خالف فيه الثقة الثقات وما كان فيع علة تمنع الأخذ به استقام الأمر ويبقى القرآن هو الأصل والسنة شارحة له ... )) (٢). لذا فما دام قد وردت ألفاظ أخرى للحديث وهي صحيحة كالرواية التي أخرجها الإمام مسلم (( ... شفعت الملائكة وشفع النبيون، وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خير قط ... )) (٣)، فلفظة الرحمة هي أقرب إلى معنى العفو الإلهي. وعلى فرض صحة تلك اللفظة فيمكن حملها على أنها من قبيل المجانسة أو من قبيل (( ... .أعوذ بك منك ... .)) (٤). فكأن المعنى يصبح: أن الله يتشفع برحمته من عذابه فان قيل: فما الفرق أذن بين الرحمة في المغفرة والرحمة في الشفاعة؟ قلنا الرحمة قبل الحساب مغفرة وبعد الحساب شفاعة-والله أعلم-.

стр. 107

المبحث الثاني شفاعة الأعمال الأعمال أقسام، والجزاء عليها أشكال مختلفة، فمنها ما يجازى العبد عليها في دنياه، ومنها ما يجازى عليها يوم القيامة، ومنها ما يجازى عليها في الدارين. والجزاء الأخروي للأعمال قد يكون أجرها محدداً، كان يكون مئة حسنة أو الف حسنة -والله يضاعف لمن يشاء- ومن الجزاء الأخروي على الأعمال ما يغفر لك ذنوبك كلها أو بعضها، كالوقوف على عرفة أو الحج أو الصيام ليلة القدر (١) ... . ومنها ما يحجبك عن النار أصلاً أو يحاجج عنك أمام الله تعالى كالصيام والقرآن يقول الصيام: يا رب منعته الطعام والشراب، ويقول القرآن منعته النوم (٢). والذي يعنينا هنا هو العمل الذي جاء الخبر الصحيح بلفظ صريح أنه يشفع لصاحبه كالصبر على الأواء المدينة، مثلاً (٣)، وغيرها، أو جاء يخبر أنه يحجب النار، أو يحاجج صاحبه، فما كان من النوع الأول فأننا حاولنا الا يفوتنا منه شيء، وما كان من النوع الثاني فاننا اقتصرت على الامثلة فقط، لضيق الوقت أولاً، ولأنه لو كتب بالشكل المطلوب لكتبت به رسائل.

стр. 108

المطلب الأول:- شفاعة كلمة التوحيد- لا اله إلا الله محمد رسول الله -. باديء ذي بدء لابد أن نقف على معنى "كلمة" ومعنى" توحيد" وما معناهما مركبتين؟. فالكلمة: هي اللفظ الموضوع لمعنى مفرد (١). والتوحيد: واصلها: وحَّد، يوحد، توحيداً، ومعناها: الافراد (٢). وكلمة التوحيد تعني: لا اله إلا الله محمد رسول الله (٣). وتزداد قيمة الكلمة وأهميتها بازدياد أهمية موضوعها، وهل موضوع أعظم من توحيد الله؟ فالإنسان أذن يدخل الإسلام بكلمة، ويخرج من الإسلام بكلمة، يدخل الجنة بكلمة ويدخل النار بكلمة. وأصل دعوة النبي ﷺ "كلمة":يا قوم "قولوا لا اله إلا الله تفلحوا" (٤) ونحن نحكم بإسلام كل من يقول"لا اله إلا الله محمد رسول الله" فإذا قالها دخل حصن الإسلام ويعصم نفسه وماله، ويجب له ما للمسلمين من حقوق، وعليه من الواجبات ما عليهم (٥). ولكلمة التوحيد في الدنيا منزلة خاصة بالإضافة إلى ما سبق: فمن قالها فلا يحل دمه ويصبح حراماً على المسلمين وحادثة أسامة بن زيد- ﵂ حينما قتل ذلك الرجل الذي قال لا اله إلا الله خوفاً ورهبة من السيف - كما ظنّ أسامة- ولما علم النبي ﷺ عاتبه وقال له: ((أقتلته بعد أن قالها؟)) (٦) خير دليل. أما في الآخرة فإنها ذات مكان عظيم فهي تشفع لكل من قالها خالصاً من قلبه ... فـ"لا اله إلا الله" مع ضميمتها "محمد رسول الله" تعتبران البطاقة الرابحة يوم القيامة ومن

стр. 109

لم يحمل البطاقة فليس له أن يدخل الجنة البتة ولابد من الإقرار أن محمداً رسول الله، يقول الحافظ أبن حجر: ((والمراد بقوله لا اله إلا الله في هذا الحديث وغيره كلمتا الشهادة فلا يرد أشكال ترك ذكر الرسالة)) (١)، ولا يعرف معنى لا اله إلا الله ومستلزماتها إلا بالإقرار أن محمداً رسول الله ﷺ (٢) ولهذا كان الصحيح: ((أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا اله إلا الله لا النظر ولا يقصد إلى النظر ولا يشك كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم، بل أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد ... الشهادتان ... .)) (٣). إذن فالإقرار بالتوحيد عمل بل من أسمى الأعمال وأفضلها. النصوص ومناقشتها:- جاءت الأحاديث الصحيحة التي تصرح أن من شهد بالتوحيد ومات على ذلك فقد حرم على النار فقد أخرج الشيخان وغيرهما من حديث أبي ذر ﵁ يقول ﵁:- ((أتاني جبريل فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة فقلت وأن زنى وان سرق؟ فقال وأن زنى وأن سرق)) (٤). وأخرج الإمام مسلم بسنده من حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من شهد أن لا اله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار)) (٥). وأخرج الشيخان وغيرهما من حديث عتبان بن مالك ﵁ مرفوعاً: ((لا يشهد أحد أن لا اله إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار أو تطعمه)) (٦). وجاء من طريق معاذ بن جبل ﵁ بلفظ ((من قال لا اله إلا الله مخلصاً من قلبه أو يقيناً من قلبه دخل الجنة ولم تمسه النار)) (٧). فهذه النصوص وغيرها فيها بيان أن كلمة التوحيد تشفع لصاحبها فهي قد تحجبه أصلاً فلا تمسه النار، إذا كان ممن أدى حقها ولم ينقضها. ولا اريد أن أذكر الأحاديث

стр. 110

التي تتكلم عن كونها -لا اله إلا الله- تدخل الجنة فأنه لا ينفي دخول النار أولاً (١). وقد عدها الحافظ أبن حجر من أنواع الشفاعات الأخروية فقال (( ... وشفاعة أخرى، وهي شفاعة فيمن قال لا اله إلا الله ولم يعمل خيراً قط)) (٢). ومن مجموع الأحاديث الواردة نجد التعارض قائماً-ظاهراً- فالاحاديث التي مرت تفهم أن من قال لا اله إلا الله لم تمسه النار مطلقاً، وإلا فما معنى: لا تمسه النار؟؟ أو لاتطعمه النار؟؟ وفي المقابل جاءت أحاديث أخرى صحيحة تصرح أن من قال لا اله إلا الله قد يكون من أهل النار ثم تدركه الشفاعة كما جاء في الحديث: ((يخرج من النار من قال لا اله إلا الله وكان في قلبه مثقال شعيرة من خير ... )) (٣) الحديث. وقد إختلف أهل العلم في توجيه هذه النصوص اختلافاً بينا، فقد ذهب الإمام البخاري إلى أن معنى "وأن زنى وأن سرق": أي من تاب عند الموت قبل الغرغرة وهذا هو ما فهمه أبو ذر ﵁. وذهب قسم آخر إلى ان دخول الجنة قد يكون ابتداءً، وقد يكون بعد المجازاة على المعصية، وفي ذلك يقول الحافظ أبن حجر: ((والأول هو وفق ما أفهمه أبو ذر، والثاني أولى للجمع بين الأدلة)) (٤). وروي عن سعيد بن المسيب والزهري -رحمهما الله- في تأويل الأحاديث الواردة في أن "من شهد أن لا اله إلا الله دخل الجنة" وفي بعضها "حرم على النار": أن ذلك قبل نزول الفرائض والأمر والنهي. ذكره الحافظ ابن حجرثم تعقبه فقال: ((ووجه التعقيب ذكر الزنا والسرقة فيه)) (٥). وروي عن الحسن البصري: ((على من قال الكلمة وأدى حقها بأداء ما وجب واجتناب ما نهى)) (٦)، وقد رجحه الطيبي (٧).

стр. 111

وقال الإمام النووي بعد أن نقل المتون:- ((مذهب أهل السنة بأجمعهم: أن أهل الذنوب في مشيئة الله، وان مات موقناً بالشهادتين يدخل الجنة كأن كان تائباً أو سليماً من المعاصي دخل الجنة -برحمة الله- وحرم على النار وأن كان من المخلطين تبضيع ما اوجب الله تعالى عليه أو بعضها أو بفعل المحرمات أو بعضها ومات من غير توبة فهو في خطر المشيئة وهو بصدد ان يمضي عليه الوعيد إلا ان يشاء ان يعفو عنه فان شاء أن يعذبه فمصيره إلى الجنة بالشفاعة)) (١). وقد ذهبت طائفة من المرجئة إلى ان احداً من الموحدين لا يدخل النار أصلاً وإنما المراد بما جاء من ان النار تسفهم أو تلفحهم، وما جاء في أخراج الموحدين من النار كله محمول على ما يلاقونه من هول وكرب الموقف. وهو قول باطل مردود ((وأقوى ما يرد عليهم ما تقدم في الزكاة من حديث أبي هريرة في قصة مانع الزكاة واللفظ لمسلم:"ما من صاحب ابل لا يؤدي حقها منها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر اوفر ما كانت تطوء باخفانها وتعضه بافواهها في يوم يوم كان مقداره خمسين الف سنة حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار (٢) " .. وهو دال على تعذيب من شاء الله من العصاة بالنار حقيقة زيادة على كرب الموقف)) (٣). ((وقيل لوهب بن منبه (٤) أليس لا اله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى ولكن ليس مفتاح الاله اسنان، فان جئت بمفتاح له اسنان فتح لك ولا لم يفتح لك)) (٥). ونقل الحافظ ابن حجر عن الزين بن المنير (٦) القول: ((اما قول وهب فمراده بالاسنان التزام الطاعة فلا يرد اشكال موافقة الخوارج وغيرهم ان اهل الكبائر لا يدخلون الجنة)) (٧).

стр. 112

ثم تعقبه ابن حجر فقال: ((وأما قوله"لم يفتح له" فكأن مراده لم يفتح له فتحاً تاماً أو لم يفتح له في أول الامر هذا نسبة إلى الغالب وإلا فالحق انهم في مشيئة الله تعالى)) (١). واما توجيه الامام العيني لقول وهب بن منبه فهو:- ((قلت: قد ذكرنا أحاديث فيما مضى تدل على أن قائل لا اله إلا الله يدخل الجنة وليست مقيدة بشيء غاية ما في الباب جاء في حديث آخر أن هذه الكلمة مفتاح الجنة والظاهر أن قيد المفتاح بالأسنان مدرج في الحديث، وذكر المفتاح ليس على الحقيقة وإنما هو كناية عن التمكن من الدخول عند هذا القول وليس المراد منه المفتاح الحقيقي، الذي له اسنان ولا يفتح إلا بها، وإذا قلنا المراد بالاسنان الطاعات يلزم من ذلك أن من قال لا اله إلا الله واستمر على ذلك إلى ان مات ولم يعمل بطاعة أنه لا يدخل الجنة وهو مذهب الرافضة والإباحية وأكثر الخوارج فإنهم يقولون أن أصحاب الكبائر والمذنبين من المؤمنين يخلدون في النار بذنوبهم والقرآن ناطق بتكذيبهم قال الله تعالى"ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء (٢) ". وحديث الباب أيضاً يكذبهم وفي صحيح مسلم من حديث عثمان مرفوعاً:"من مات وهو يعلم ان لا اله إلا الله دخل الجنة (٣)) (٤). ويتبين لي أن لكلمة التوحيد شفاعة ولكنها مقيدة بشرطين هما:- اولاً: الإقرار بهما: وهو أما بالتلفظ أو النطق بهما، أو بالتصديق القلبي فقط. وكلا الامرين مقبول وداخل تحت "من قال لا اله إلا الله ... ". اما حديث ((من مات وهو يعلم انه لا اله إلا الله دخل الجنة)). فيقول الإمام النووي: ((وقد يحتج به أيضاً من يرى ان مجرد معرفة القلب نافعة دون النطق بالشهادتين لاقتصاره على العلم ومذهب اهل السنة ان المعرفة مرتبطة بالشهادتين، لا تنفع احداهما ولا تنجي من النار دون الاخرى. إلا لمن لم يقدر على الشهادتين لآفة بلسانه أو لم تمهله المدة ليقولها بل اخترمته المنية، ولا حجة لمخالف الجماعة بهذا اللفظ اذ قد ورد مفسراً في الحديث الآخر من قال لا اله إلا الله ومن شهد ان لا اله إلا الله واني رسول الله، وقد جاء هذا الحديث وامثاله كثيرة في الفاظها اختلاف

стр. 113

ولمعانيها عند اهل التحقيق ائتلاف ... )) (١). واقول: إنّ من رفض النطق بها أو عمل عملاً مخالفاً لاصولها وكان مدعياً الإيمان القلبي فهذا الذي ينكر عليه ويطلب منه النطق. أما إذا كان مؤمناً بها في قلبه مصدقاً يقيناً بها مخلصاً ولم ينطق بها فانه مؤمن-والله اعلم- اذ ان النطق بالشهادتين للحكم على ذلك الرجل انه مسلم. أما الايمان فان محله القلب (٢). ثانياً: الإيمان بجميع ما علم من الدين بالضرورة: الإيمان في عرف الشرع لا يطلق إلا إذا كان شاملاً لجميع ما جاء به النبي ﷺ حتى يتحقق الايمان ويصح اطلاقه. والإيمان كما قرره علماء السلف:"هو اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالاركان وارادوا بذلك ان الاعمال شرط كماله، هذا بالنظر إلى ما عند الله تعالى. وأما بالنظر إلى ما عندنا: فالايمان: هو الاقرار فقط فمن اقر اجريت عليه الاحكام في الدنيا ولم يحكم عليه بكفر الا ان اقترن به فعل يدل على كفره كالسجود للصنم ... (٣) ". والقول ان الايمان قول وعمل هو مذهب الإمام البخاري، اذ يقول: "لقيت اكثر من العلماء بالانصار فما رأيت احداً يختلف في أن الايمان قول وعمل ويزيد وينقص (٤) "، وكذا نقل عن الشافعي ﵀ (٥). أما مذهب المرجئة فانهم يقولون:- الايمان: هو اعتقاد ونطق فقط (٦)، والكرامية، قالوا: هو نطق فقط (٧). والمعتزلة قالوا: هو العمل والنطق والاعتقاد (٨). والفارق بين المعتزلة وبين السلف

стр. 114

هو جعل المعتزلة الاعمال شرطاً في صحة الايمان، والسلف جعلوه شرطاً في كماله (١). ويمكننا توجيه الامر بالقول: إن الانسان الذي يدعي الايمان بالله لا بد له من الايمان باركانه المقرر في حديث جبريل-﵇ (٢)، وهي الايمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الاخر، وبالقدر خير وشره. فاذا اختل ركن من هذه الاركان فلا يسمى مؤمناً. وايمان المسلم بهذه الاركان يعني انه لا يُخلّد في النار-وان زنى وان سرق- فمن نطق بالشهادتين"اشهد ان لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله" كان مسلماً ومن كان مسلماً فقد ((أقر بأركان الايمان، الايمان بالله، والايمان بالرسالة، والايمان بالواسطة بين الله والرسل، والايمان بالوحي الذي انزل على الرسل. وأما الإيمان باليوم الآخر وبالقدر فإنما هما فرعان عن هذا كله، ومن آمن بالوحي آمن بالكتاب والسنة ومن آمن بالكتاب والسنة آمن بالاسلام آمن بالاسلام كله وما يستلزمه الايمان بالاسلام ومن هنا كانت الشهادتان هما البداية وهما النهاية وهما الوسط وكذلك نجد التركيز على ذلك في الكتاب والسنة)) (٣). ومن آمن بهذا كله فقد ذاق طعم الايمان فقد اخرج الامام مسلم عن العباس ﵁ مرفوعاً ((ذاق طعم الايمان من رضي بالله رباً وبالاسلام ديناً وبمحمد رسولاً)) (٤). ومن ذاق طعم الايمان فانه لا يخلد في النار -برحمة الله تعالى ومنته-واما كون العمل شرط الايمان أو مكمل له فأقول:- أن من آمن ولم يعمل من الطاعات شيئاً فهو في المشيئة الالهية، ان شاء عذبه وان شاء عفا عنه. أما كون العمل شرطاً في الايمان فهو باطل، وانما الايمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي-كما اسلفنا القول (٥). وأما ما جاء من النصوص والتي في ظاهرها ان العمل غير معتبر فهي مطلقة ويجب

стр. 115

حمل المطلق على المقيد. والاحاديث التي تقيد بذلك الاطلاق كثيرة منها:- ما أخرجه الإمام مسلم بسنده من حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال النبي: ((بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله واقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان)) (١). وجاء من حديث ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((عرى الاسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الاسلام من ترك واحدة منهن فهو بها كافر حلال الدم: شهادة لا اله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان)) (٢). والإيمان بالله على نوعين: ايمان بأركان الايمان وهذا القدر واجب على كل مؤمن وصاحبه لا يخلد في النار. والنوع الثاني: الإيمان الكامل الذي قال تعالى فيه: ((إنما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم واذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا وعلى ربهم يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون اولئك هم المؤمنون حقا ... )) (٣) فهذا الايمان هو الذي يحرم صاحبه على النار. وقد سئل الحسن البصري عن ايمانه فقال: انا مؤمن من الصنف الاول اما الصنف الثاني فلا ادري انا منهم امْ لا (٤). فلم يتوقف الحسن في الجزم بانه من اهل الايمان الاصلي وانما توقف في كونه من اهل الكمال الذي وعدهم الله الجنة بقوله"لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم" (٥). وبعبارة اوضح فان للايمان معنيين: معنى مطلق، ومعنى مقيد، فالمعنى المطلق-الذي يراد اذا اطلقت اللفظة مجردة- هو الذي يشمل العبادات والاعمال الصالحات. والمقيد: هو الذي يقربه في القلب ولا يقترن به عمل. فالاحاديث التي جاءت تخبر بالنجاة وتحريم المؤمن على النار هي القسم الاول،

стр. 116

واما القسم الثاني فهو الذي لا يخلد في النار. وقد نص على ذلك الامام ابن تيمية:- وقال ان هذا هو مذهب الجماهير من أهل الحديث، والتصوف، والكلام، والفقة، واصحاب مالك، والشافعي، واحمد وغيرهم (١). ثم اردف ((وإذا ذكر اسم الإيمان مجرداً: دخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة كقوله في حديث الشعب" الإيمان بضع وسبعون شعبة اعلاها لا اله إلا الله وادناها اماطة الاذى عن الطريق" (٢)، وكذلك سائر الأحاديث التي يجعل فيها أعمال البر والإيمان)) (٣). ثانياً: منازل شفاعة كلمة التوحيد:- لكلمة التوحيد ثلاثة منازل تشفع عندها لأهلها:- المنزل الأول: عند القبر:- نحن نعرف ان القبر أول منازل الآخرة فان كان يسيراً كان ما بعده ايسر، وان كان عسيراً كان ما بعده أشد-والعياذ بالله-. فمن مات وهو يشهد ان لا اله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ فقد تشفع له من عذاب القبر -أولاً-. فقد صح في الحديث المرفوع ((من دخل القبر بلا اله إلا الله خلصه الله من النار)) (٤)، وهل معنى الدخول إلا الاقرار بها لساناً بعد قلبٍ؟. ويقول ﷺ ((اني لاعلم كلمة لا يقولها عبدٌ حقاً من قلبه فيموت على ذلك إلا حرمه الله على النار: لا اله إلا الله)) (٥). المنزل الثاني: عند الحساب:- لقد أسلفنا القول- في شروط الشفاعة- (٦) انه لا شفاعة لمن لم يكن من أهل العهد. والمراد في هذا الموضع ان كلمة التوحيد تشفع لاهلها عند الحساب، فقد اخرج الإمام احمد بن حنبل وغيره من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ ((أن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين

стр. 117

سجلاً: كل سجل مثل مد البصر ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب فيقول: أفلك عذر؟ فيقول لا يارب، فيقول: بلى ان لك حسنة فانه لا ظلم عليك اليوم. فتخرج بطاقة فيها اشهد ان لا اله إلا الله واشهد ان محمداً عبده ورسوله فيقول: احضر وزنك فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: انك لا تظلم قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة فلا يثقل مع اسم الله أحد)) (١). فهذه الكلمة شفعت لصاحبها لأنها صادقة وخرجت من قلبه وهي أصل الإيمان الذي لا يخلد صاحبه في النار." فان قيل: الأعمال أعراض لا يمكن وزنها وإنما توزن الأجسام؟. أجيب: بأنه يوزن السجل الذي كتب فيه الأعمال ويختلف بأختلاف الأحوال، أو ان الله يجسم الأفعال والأقوال فتوزن فتثقل الطاعات وتطيش السيئات لثقل العبادة على النفس وخفة المعصية عليها ولذا ورد: ((حفت الجنة بالمكارة وحفت النار بالشهوات)) (٢) (٣). ونقل السندي-عن الحكيم الترمذي- (٤) القول عند شرح الحديث: ((ليست هذه شهادة التوحيد لان من شأن الميزان ان يوضع في كفته شيء وفي الأخرى ضده، فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة فهذا غير مستحيل لأن العبد ياتي بهما جميعاً ويستحيل ان يأتي بالكفر والإيمان جميعاً عبدٌ واحدٌ يوضع الإيمان في كفة والكفر في كفة فكذلك استحال ان توضع شهادة التوحيد في الميزان واما بعدما آمن العبد فإن النطق منه بلا اله إلا الله حسنة توضع في الميزان مع سائر الحسنات)) (٥). ورده السندي: فقال ((شهادة التوحيد والإيمان حسنة أيضاً فأن قال ليس لهما ما تضادهما شخصاً وأنْ كان ما يضادهما نوعاً وهي السيئة المقابلة للحسنة فيراد إنّ النطق

стр. 118

بلا اله إلا الله بعد الإيمان ليس له ما يضاد شخصه أيضاً ومن لم يترك الصلاة قط ففعل الصلاة منه حسنة لا يقابلها من السيئات ما يضادها شخصاً فليتأمل)) (١). ولا أدري لماذا يكون الوزن بين التوحيد والسيئات ممتنع؟! وهل كل السيئات لا تنقض التوحيد؟!. إنّ هناك نواقض للتوحيد-كما سنبينه لاحقاً- فهناك سيئات تنقض اصل التوحيد، وهناك سيئات تنقض فرع من فروعه. ثم ان الاسباب والثوابت تتغير يوم القيامة فمثلاً: هل يعقل ان تتكلم الايدي أو الارجل أو الجلود في الحياة الدنيا؟ الجواب: كلا-قطعاً- رغم ان ذلك مقرر بكتاب الله تعالى في يوم القيامة، قال تعالى: ((وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا؟ قالوا انطقنا الله الذي انطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة واليه ترجعون)) (٢)، اذن: فلا يمكن تحديد نوعية الميزان ولا كيفية الوزن ولا يقاس الامر عقلياً لان الموازين والمقادير والامور كلها تصبح في غير حالتها الان-والله اعلم-. المنزل الثالث:- عند النار- والعياذ بالله- الشفاعة عند هذا المنزل أما ان تكون شفاعة ضمنية مع شفاعات اُخر كأن تكون ضمن شفاعة الرسول ﷺ أو شفاعة الشهيد أو شفاعة المؤمنين ... ومن ذلك ما روي عن النبي ﷺ في الحديث الطويل:- (( ... فاقول: يا رب أمتي أمتي فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فانطلق فافعل فاعود ثم اعود فاحمده بتلك المحامد ثم اخرُّ له ساجداً فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك واشفع تشفع وسل تعطه فاقول يا رب أمتي أمتي فيقال: انطلق فاخرج من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان ... )) (٣). وقل مثل ذلك في كافة أنواع الشفاعات فلا شفاعة لمن لم يكن من أهل لا اله إلا الله محمد رسول الله ﷺ وبعد ذلك يأمر الله تعالى بأخراج كل من قال لا اله إلا الله حتى ولو لم يعمل خيراً قط وهنا تشفع لا اله إلا الله لصاحبها.

стр. 119

جاء في الحديث الصحيح: (( ... فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا ارحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط)) (١) ... الحديث. وجاء في الحديث الاخر ((يخرج من النار من قال لا اله إلا الله وكان في قلبه مثقال شعيرة من خير ويخرج من النار من قال لا اله إلا الله وكان في قلبه مثقال بره من خير ويخرج من النار من قال لا اله إلا الله وكان في قلبه مثقال ذرة من الخير)) (٢). إذن: لا اله إلا الله تشفع لصاحبها يوم القيامة وتخرجه من النار. وأما من مات من أهل الكتاب وهو يشهد ان لا اله إلا الله فقط دون الرسالة فان ادرك الرسالة وامتنع وكذب فهو خالد في جهنم ومن لم يدرك الرسالة فان كلمة التوحيد تشفع له-والله اعلم- قال تعالى:"وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً" (٣). المطلب الثاني:-شفاعة الانتساب إلى أمة محمد ﷺ -. لكل نسب شرف، وهذا الشرف يتفاوت بتفاوت أهمية ذلك النسب، ومن أنتسب إلى أمة من الأمم فكذلك لابد لهذه الآمة من شرف، و ((ليس هناك من انتساب أعظم وأرفع وأشرف من الانتساب للأمة الأسلامية لأنه الانتساب إلى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ثم هو الانتساب لسيد الأنبياء والرسل محمد ﷺ وهو انتماء للأسلام وأهله واي انتماء أعظم من الانتماء لدين الله (٤) " وقد جاءت الايات القرآنية تصرح بأفضلية هذه الأمة يقول تعالى"وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)) (٥) و ((كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)) (٦). وهذه الأمة شهيدة بنص هذه الآية، وبنص حديث ابي سعيد الخدري ﵁ عن النبي

стр. 120

- ﷺ انه قال: ((يجيء النبي ومعه الرجلان ويجيء النبي ومعه الثلاث واكثر من ذلك واقل فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول نعم فيدعي قومه فيقال: هل بلغكم؟ فيقولون لا، فيقال: من شهد لك؟ فيقول: محمد وأمته فتدعى أمة محمد فيقال: هل بلغ هذا؟ فيقولون نعم فيقول: وما علمكم بذلك، فيقولون أخبرنا نبينا بذلك أنّ الرسل قد بلغوا فصدقناه قال: فذلكم قوله تعالى "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ... " الآية)) (١). ويكفي الأمة المحمدية شرفاً:- ((أن النبي ﷺ تلا قول الله في ابراهيم" رب انهن اضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فأنه مني ... " (٢) الاية وفي عيسى ﵇ "أن تعذبهم فأنهم عبادك وأن تغفر لهم فأنك أنت العزيز الحكيم" (٣).فرفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله : يا جبريل أذهب إلى محمد وربك أعلم، فسله ما يبكيك فأتاه جبريل ﵊ فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال، وهو أعلم، فقال الله يا جبريل أذهب إلى محمد فقل أنّا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك)) (٤). فهذه بشارة عظيمة لهذه الأمة زادها الله تعالى شرفاً فقد وعدها الله تعالى بانه سيرضي نبيه بها ولا يسوؤه، وهذا أرجى الأحاديث لهذه الآمة ... وأما قوله تعالى ولا نسوؤك: فهو ((تأكيد للمعنى أي لا نحزنك لأن الارضاء قد يحصل في حق البعض بالعفو عنهم ويدخل الباقي في النار فقال تعالى "نرضيك ولا ندخل عليك حزناً بل ننجي الجميع")) (٥). يقول صاحب الظلال في وصف أمة محمد ﷺ :- ((الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعاً فتقيم بينهم العدل والقسط وتضع لهم الموازين والقيم وتبدي فيهم رأيها فيكون هو الرأي المعتمد وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهم فتفصل في أمرها وتقول:"هذا حق منها وهذا باطل ... )) (٦). وهذه الأمة أمة اختيارية لا جبرية بمعنى أنها لا تكره أحداً على الانضمام اليها ..

стр. 121

قال تعالى "لا إكراه في الدين ... " (١)، وهي تعطي لأبنائهما حرية الفكر والإبداع ولكن من بدل دينه وارتد على عقبيه أو من آمن بفكرة تناهض الأسلام، فلا يسمح له بالأزدواجية ولا يسمح له بالخروج، فأما أن يعود إلى أحضانها وحماها واما إنُ أصرّ على انحرافه فانه يقتل حداً. يقول ﷺ ((من بدل دينه فاقتلوه)) (٢) ومن الطبيعي أن حد القتل يكون بعد المناقشة والمحاججة من قبل أفذاذ العلماء، وقد جاء من حديث حيدة بن معاوية عن ابيه قال: قال رسول الله ﷺ ((أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها واكرمها على الله ) (٣). وإنما حازت هذه الأمة هذا الفضل والسبق على بقية الامم اكراماً لنبيها محمد ﷺ ، وهل اعطي احد من الأنبياء وامة من الامم مثل ما اعطي هو وامته ﷺ (٤)؟. وأتوج هذه التوطئة بكلمات لصاحب الظلال حيث يقول:- ((وهذا ما ينبغي ان تدركه الامة المسلمة لتعرف حقيقتها وقيمتها وتعرف انها اخرجت لتكون طليعة ولتكون لها القيادة بما انها خير امة. الله يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الارض ومن ثم لا ينبغي لها ان تتلقى من غيرها من امم الجاهلية، انما ينبغي دائماً ان تعطي هذه الامم مما لديها وان يكون لديها دائماً ما تعطيه من الاعتقاد الصحيح، والتصور الصحيح، والنظام الصحيح، والخلق الصحيح، والمعرفة الصحيحة، والعلم الصحيح. هذا واجبها الذي يحتمه عليها مكانها، ويحتمه عليها غاية وجودها، واجبها ان تكون في الطليعة دائماً وفي مركز القيادة دائماً، ولهذا المركز تبعاته فهو لا يؤخذ أدعاء ولا يسلم لها به إلا ان تكون هي أهلاً له. ... . فهي خير امة اخرجت للناس لا عن مجاملة أو محاباة ولا عن مصادفة أو جزاف -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- وليس توزيع الاختصاصات والكرامات كما كان أهل الكتاب يقولون "نحن ابناء الله واحباؤه" (٥). كلا انما هو العمل الايجابي لحفظ البشرية من المنكر، واقامتها على المعروف مع الإيمان الذي يحدد المعروف والمنكر)) (٦).

стр. 122

وقد حضيت هذه الامة المحمدية بدعوة ابيها ابراهيم يوم ان قال: ((ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك انت العزيز الحكيم)) (١). فاستجاب له الله ﷻ ، وبعث فيهم محمداً ﷺ رسولاً يتلو آيات ربه ليزكي هذه الامة: ((كما ارسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم مالم تكونوا تعلمون)) (٢). فقدم التزكية على التعليم لتبشيرهذه الأمة بأنها أشرف الأمم وهي مزكاة من قبل ربها ما دامت متمسكة بالعروة الوثقى. المسألة الأولى:- أمة محمد من هم ؟ ونحن بصدد الحديث عن أمة محمد ﷺ يتعين علينا تعريف "أمة محمد". أيشمل أمة الدعوة كافة؟ ام الاجاب خاصة؟ وما هي صفات هذه الأمة؟ فنقول "ان المقصود من لفظ أمة ﷺ محمد أذا أطلقت هو أمة الاجابة أي الأمة التي اجابت النبي ﷺ فقط وليس المقصود منها كل افراد الأمة مؤمنهم وكافرهم "أمة الدعوة" (٣). وهذه الأمة "أمة الاجابة" تشمل كل من آمن بالنبي ﷺ حال حياته أو بعد موته إلى يوم القيامة (٤). والذي يبدو لي من خلال النصوص أن شروط الانتماء إلى أمة محمد ﷺ ، الأمة الناجية من عذاب الله يوم القيامة على قسمين:- أولاً:- شروط الفرقة التي لا تمسها النار كما جاء في قوله ﷺ : ((إن هذه الأمة مرحومة عذابها بايديها. ... .)) (٥)، فهذه الأمة هي الأمة المتقية ولا يكون افرادها إلا من أهل التقوى والعمل الصالح، الذين وصفهم الله تعالى: بقوله: ((كنتم خير أمة اخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)) (٦).

стр. 123

وهم الذين وصفهم الله تعالى بانهم متقون فقال لهم ((ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)) (١)، قال ابن عباس ﵁: ((هم المؤمنون الذين يتقون الشرك بي ويعلمون بطاعتي)) (٢). وقال الحسن البصري: ((الذين اتقوا ما حرم الله عليهم وادوا ما افترض عليهم)) (٣) فشروط هذا القسم من الآمة- التي لا يمسها العذاب- هي:- (١) الإيمان بالغيب: ((أي يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر وجنته وناره ولقائه ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث فهذا غيب كله)) (٤). فالإيمان بالغيب هو العتبة التي أن اجتازها الإنسان تخطى مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا المحسوسات (٥). (٢) إقامة الصلاة: أي ((المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها)) (٦). (٣) الانفاق: يقول تعالى "ومما رزقناهم ينفقون": الانفاق المطلق من زكاة ومن صدقة فهم ينفقون من اموالهم ابتغاء وجه الله (٧)، ((فهم يعترفون ابتداء بان المال الذي في ايديهم هو من رزق الله لهم لا من خلق انفسهم ومن هذا الاعتراف بنعمة الرزق ينبثق البر بضعاف الخلق والتضامن بين عيال الخلق والشعور بالاصرة الانسانية)) (٨). وقد قاتل أبو بكر ﵁ مانعي الزكاة، وعدهم مرتدين عن الإسلام وقال فيهم: ((والله لا افرق بين الصلاة والزكاة، ولأقاتلن من فرق بينهما)) (٩). (٤) الأيمان بالكتب والرسل: يقول تعالى ((والذين يؤمنون بما أنزل اليك ما أنزل من قبلك)) أي ((يصدقون بما جئت به من الله وما جاء به من قبلك من المرسلين لا يفرقون بينهم ولا يجدون ما جاءوهم به من ربهم)) (١٠).

стр. 124

وأهمية هذه الصفة هي توطيد البناء الواحد ((أن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)) (١). ((فلابد من وحدة شعور، ووحدة دين، ووحدة رسل, ووحدة معبود)) (٢). (٥) الأيمان باليوم الآخر:- "وبالآخرة هم يوقنون": ويدخل تحته كل ما أخبر الله ورسوله به , كاحوال القبر من نعيم وعذاب , وما يكون يوم القيامة من نشر وحشر وصراط وميزان وجزاء وتطاير الصحف والحوض والجنة والنار والشفاعة والرؤية وتكليمهم الله وغيرهُ مما يثبت بالكتاب والسنة الصحيحة. (٣) فالأيمان باليوم الآخر ((هو حجر الزاوية في العقيدة الاسلامية , ذاك لأن الأنسان بطبعه لا يلزم نفسهُ بالطاعة , إلا أن تكون من ورائها دفع مفسدة، أو جلب مصلحة فالأيمان بالله وبرسالته لا يؤدي ثمرته إلاَ إذا كان هناك جزاء ينتظره الإنسان , ومن ثم كان الإيمان باليوم الآخر له دور كبير في إ'لزام الإنسان بمنهج الله)) (٤)، ويعدد لنا الإمام إبن تيمية من صفات هذا القسم الناجي من أمرٍ بمعروف، أو نهى عن منكر، أو حج، أو جهاد، أو صبر أو شكر،، أو حسن جوار ... ثم يقول: ((وهم أهل السنة والجماعة وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى أولو المناقب المأثورة والفضائل المذكورة وفيهم الأبدال: الأئمة الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم. وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يظرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة" (٥)) (٦). ثانياً: شروط الفرقة الناجية من عذاب الله عاجلاً أو آجلاً: يعني قد تنجو بعد أن يمسها العذاب أو قد تنجو قبله. وشروطها هي أركان الإيمان فقط دون عمل، كصلاة، أو صيام، أو زكاة. أو بمعروف أو نهي عن منكر، وإنما ينجيها إيمانها الصادق من عذاب الله.

стр. 125

وهؤلاء الذين وصفو في الحديث "أخرجوا من النار من في قلبه مقدار شعيرة من أيمان ... " (١) فتارك الصلاة - مثلا - هو من أمة محمد ﷺ ويقوم ليعبر - مع بقية الأمة المحمدية - الصراط ولكن كلاليب جهنم تتناوشه وتأخذهُ إلى سقر، قال تعالى " ما سلككم في سقر؟ قالوا لم نك من المصلين ... " (٢). إلا من شاء الله أن يعفو عنه: " أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن شاء " (٣). فأركان الأيمان " الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره " هذه شروط المؤمن الذي يستحق أن نسميه مؤمناً أما من أخل بواحدة منها متعمدا فأنهُ يصبح كافراً. المسألة الثانية:- المطرودون من أمة محمد ﷺ : لقد أخبرنا النبي ﷺ عن جماعة يردون الحوض -حوض الكوثر- بعد ان لاقوا ما لاقوا من اهوال الموقف، وغيرها من أهوال يوم القيامة، وعليهم سمت أمة محمد ﷺ من اثار الوضوء -غراً محجلين- يريدون ان ينهلوا من حيث نهل اخوانهم ولكن ... إذ بالملائكة تذودهم وتطردهم، فينادي شفيعهم محمد ﷺ :يا رب أمتي أمتي؟!! يتعجب: هؤلاء من أمتي يارب؟! فيأتيه الجواب سريعاً: لاتدري ما أحدثوا بعدك، لا زالوا بعدك مرتدين، فيقول الشفيع الاعظم: سحقاً لهم سحقاً (٤). وما اعظم الخطب وجلل الموقف؟؟ إذ يقول شفيعك ونبيك: سحقاً لك سحقاً؟ إذن: الانسان المسلم الذي لا يخلص عمله لله فانه لا يقبل عمله وان صلى وصام .... قال تعالى: ((وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ... )) (٥) ويقول ﷺ :"من احدث في امرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (٦) ويقول:"من غش فليس منا (٧) " فمن غش المسلمين وخادعهم فهو خارج عن أمة محمد ﷺ وليس من اتباعه -ما لم يتب- (٨) ونعني بالمطرودين هم الذين نقضوا "لا اله إلا الله محمد رسول الله" وهو اساس الدين واصل الإيمان وهو العهد الذي يربط الانسان بربه ومن ثم بدينه.

стр. 126

نواقض التوحيد: من المعروف ان الإيمان: هو التصديق بجميع ما جاء به رسول الله ﷺ وعلمنا به طريق يقيني قاطع (١). وحيث ان الكفر نقيض الإيمان ((فالكفر هو عدم التصديق ولو بشيء مما علم بالضرورة مجيئوه به)) (٢)، والمكفرات أنواع: منها ما هو عقائدي، ومنها ما هو فعلي، ومنها ما هو قولي. فمثال العقائدي: انكار الخالق- ﷻ أو انكار صفة من صفات كماله أو نسبة نقيصة اليه كالاعتقاد بانه ثالث ثلاثة-حاشاه- أو انه اب أو انه غير قادر أو ان له صاحبة أو انه ينصب أو يكل- تعالى الله علواً كبيراً .. (٣) وكذا ((إنكار ما يتصل بالانبياء كانكارهم أو احدهم ممن ورد الخبر الصحيح القطعي به أو انكار عموم رسالة النبي ﷺ وكونه اخر الانبياء والمرسلين. ومما يدخل بالنواقض العقائدية - أيضاً- انكار ما يتصل بالسمعيات: كإنكار البعث والنشور مطلقاً أو انكار كونهما بالروح والجسد معاً، أو اعتقاد ان العذاب والنعيم روحاني فقط وكذلك انكار الاركان الخمسة من صلاة وزكاة)) (٤). ... الخ. ومما ينقض دعوى الشهادتين ويكفر صاحبه ((إنكار ما علم من الدين بالضرورة وهو ما يعرفه عوام المسلمين وخواصهم، وهو كل ما ثبت بالقرأن الكريم وكانت دلالته قطعية أو ثبت بالسنة النبوية الصحيحة المتواترة القطعية، وليس فيه شبه أو ما ثبت باجماع جميع الصحابة المتواتر اجماعاً، قطعياً، قولياً، غير سكوتي، وكذلك إذا استباح محرماً مجمعاً على تحريمه، معلوماً من الدين بالضرورة)) (٥). والمكفرات القولية: ((فهي كل قول فيه اعتراف بعقيدة مكفرة أو فيه جحود لعقيدة

стр. 127

من عقائد الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة أو فيه استهزاء بالدين في عقائده أو احكامه ومن ذلك: السباب للخالق-سبحانه- أو السباب للرسل، أو لاي واحد منهم أو للكتب السماوية أو لواحد منها أو للدين ونحو ذلك، ومن ذلك الاعتراض على عدل الله وقضائه وقدرته واتهامه بالجور سبحانه)) (١). ومن النواقض والمكفرات الفعلية: ((السجود للاصنام، أو السجود للبشر وتعليق شعار الكفر ولبس اللباس الخاص بالكفار دون اضطرار إلى ذلك، وكان مستحباً له وكذا تمزيق المصحف اهانه له أو رميه في القإذورات)) (٢). ومن النواقض الأخرى كذلك: التوكل والاعتماد على غير الله، أو انكار نعمة الله وكونه هو المنعم والمانع والمعطي والمعز والمذل (٣). ومنها: اعطاء غير الله حق الامر والنهي المطلقين والتحليل والتحريم وحق التشريع المطلق (٤). ومنها موالاة الكفرة والفجرة واهل النفاق وكراهية أهل الإيمان والدين (٥) ومنها الحكم بغير ما انزل الله، وللفقهاء في هذا تفصيلات تختلف باختلاف ((حال الحاكم فانه ان اعتقد ان الحكم بما انزل الله غير واجب وانه مخير فيه أو استهان به مع تيقنه انه حكم الله فهذا كفر اكبر ... )) (٦).يقول الله تعالى ((ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون)) (٧). ونقل إبن كثير عن أبي عباس ﵁ القول ((من جحد ما انزل الله فقد كفر، ومن اقربه فهو ظالم فاسق. ... )) (٨).

стр. 128

والنواقض كثيرة ولكني اكتفي بهذا القدر خشية الاطالة والاسهاب (١). النصوص ومناقشتها: - أخرج الإمام مسلم بسنده عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً فيقول: هذا فكاكك من النار)) (٢)، وفي رواية: ((لا يموت رجل مسلم إلا ادخل الله مكانه النار يهودياً أو نصرانياً)) (٣)، وفي رواية اخرى: ((يجيء ناس من أمتي بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى)) (٤). فالحديث يخبرنا ان اليهودي أو النصراني، يكون فداء "للمسلم "المحمدي"الذي ينتمي إلى "أمة محمد". يقول الإمام البيهقي: ((ويحتمل ان يكون الفداء في قوم كانت ذنوبهم كفرت عنهم في حياتهم، وحديث الشفاعة في قوم لم تكفر ذنوبهم، ويحتمل ان يكون هذا القول لهم في الفداء بعد خروجهم من النار بالشفاعة ... )) (٥). وأما الإمام النووي فقال: أن معنى الحديث ((بمعنى ما جاء في حديث أبي هريرة لكل احد منزل في الجنة ومنزل في النار، فالمؤمن إذا دخل الجنة خلفه الكافر في النار لاستحقاقه ذلك بكفره، ومعنى فكاكك من النار: انك كنت معرضاً لدخول النار وهذا فكاكك، لان الله تعالى قدر لها عدداً يملؤها فإذا دخلها الكفار بكفرهم وذنوبهم صاروا في معنى الفكاك للمسلمين)) (٦). وقال الإمام النووي في رواية "ويضعها على اليهود والنصارى":- ((فمعناه: ان الله تعالى يغفر تلك الذنوب للمسلمين ويسقطها عنهم ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم، وذنوبهم فيدخلهم النار بأعمالهم لا بذنوب المسلمين، ولا بد من هذا التاويل لقوله تعالى "ولا تزر وزر اخرى" وقوله "ويضعها" مجاز، والمراد: يضع عليهم مثلها بذنوبهم كما ذكرناه، ولكن لمّا اسقط عن المسلمين سيئاتهم وابقى على

стр. 129

الكفار سيئاتهم صاروا في معنى من حمل أثم الفريقين لكونهم حملوا الاثم الباقي وهو أثمهم)) (١). ووجه الحافظ إبن حجر الحديث بقوله: ((ويحتمل ان المراد آثاماً كانت الكفار سبباً فيها بان سنوها فلما غفرت سيئات المؤمنين بقيت سيئات الذي سن تلك السنة السيئة باقية لكون الكافر لا يغفر له فيكون الوضع كفاية عن ابقاء الذنب الذي لحق الكافر بما سنه من عمل السيء، ووضعه عن المؤمن الذي فعله بما منّ الله به عليه من العفو والشفاعة سواء كان ذلك قبل دخول النار أو بعد دخولها والخروج منها بالشفاعة، وهذا الثاني اقوى والله اعلم)) (٢). ومن خلال توجيه الحافظ العسقلاني للحديث لا نرى تعارضاً بين الحديث وبين قوله تعالى ((ولا تزر وازرة وزر اخرى)) (٣). فالإنسان يوم القيامة قد يحمل آثامه وآثام غيره، يقول تعالى: ((وليحملنّ اثقالهم واثقالاً مع اثقالهم ... )) (٤)، ويقول: ((ليحملوا اوزارهم كاملة يوم القيامة، ومن اوزر الذين يضلونهم بغير علم (٥) " يقول إبن كثير:"إنّ الدعاة عليهم إثم ضلاتهم في انفسهم وإثم آخر بسبب ما اضلوا مَنْ اضلوا من غير ان ينقص من اوزار اولئك ولا يحمل عنهم شيئاً وهذا من عدل الله ورحمته بعباده)) (٦). فلما كان اليهود والنصارى هم دعاة الضلالة ودعاة الفساد فانهم يحملون إثمين: إثم فسادهم، وإثم إفسادهم والأمة المحمدية أمة مرحومة فإنها أما قد غفر لها في الدنيا بالفتن والزلازل والقتل، وأما أن تدخل الجنة بالشفاعة. نص آخر:- جاء في حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ ، انه قال:- ((أتاني جبريل فبشرني انه من مات من امتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة فقلت (٧): وان زنى وان سرق؟ فقال: وان زنى وان سرق)) (٨).

стр. 130

لقد مر معنا شرح الحديث في "شفاعة كلمة التوحيد" (١)، ولا فائدة في تكرار الكلام ولكني أردت أن أبين معنى "من امتك"، هذه خصوصية لامة محمد ﷺ عامة، ويشمل أمة الاجابة، وامة الدعوى، نص على ذلك الإمام إبن حجر والإمام العيني: يقول إبن حجر: ((ويعني أمة الاجابة ويحتمل ان يكون اعم من ذلك، أي أمة الدعوة وهو متوجه)) (٢). وأما الاقتصار على الزنا، والسرقة ففيه حكمة. ((وهي الاشارة إلى جنس حق الله تعالى وحق العباد. وقد يتخذه بعض الجهلة ومرضى القلوب مسوغاً إلى الاقدام إلى الموبقات، وليس هو على ظاهره فان القواعد استقرت على ان حقوق الآخرين لا تسقط بمجرد الموت على الإيمان ولكن لا يلزم من عدم سقوطهما ان لا يتكفل الله بها عمن يريد الله ان يدخله الجنة)) (٣). وكأنني بأبي ذَّر قد استحضر قوله ﷺ : ((لا يزن الزاني حين يزني وهو مؤمن))؟! لأن ظاهر الحديث يعارض حديثنا هذا فكيف الجمع؟ يقول الحافظ إبن حجر:- ((الجمع بينهما على قواعد أهل السنة بحمل هذا على الإيمان الكامل، ويحمل حديث الباب على عدم التخليد)) (٤). نص آخر:- جاء في الحديث عن أبي موسى الاشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن أمتي أمة مرحومة ليس عليها في الآخرة عذاب انما عذابها في الدنيا القتل والبلابل والزلازل)) (٥). إن هذه الأمة المحمدية اكرمها الله-تعالى- بان جعل ما تلاقيه من عذاب في الدنيا من نصب وحزن فانه يغفر لها من ذنوبها. إنّ من كان من أمة محمد ﷺ فانه لا يزال بالمصائب الدنيوية تنزل عليه حتى تتركه ولا ذنب عليه بل ان الشوك ليشاك بها الرجل فتكفر عنه من سيئاته، والحدود الدنيوية من

стр. 131

رجم الزاني المحصن، وجلد شارب الخمر، .... وغيرها إذا كان صاحبها غير محلل لها وكان لا يزال مرتبطا بالامة المحمدية فانه تكفر عنه الذنوب والخطايا. جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري بسنده عن عباده بن الصامت ﵁ ان الرسول ﷺ قال: ((بايعوني على ان لاتشركوا بالله شيئاً ولاتسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولاتأتوا ببهتان تفترونه بين أيدكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف فمن وفي منكم فاجره على الله، ومن اصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن اصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله: "إن شاء عفا عنه وان شاء عاقبه" فبايعناه على ذلك)) (١).وقد تكون العقوبة في قوله "فعوقب عليه" اعم من ان تكون حداً أو تعزيراً. (٢) ولعل قائل يقول: إن قتل القاتل إنما هو رادع لغيره واما في الآخرة فالطلب للمقتول قائم لانه لم يأخذ حقه؟. (٣) فاقول: بل وصل الحق اليه، فان المقتول ظلماً تكفر عنه ذنوبه بالقتل كما ورد في الخبر الذي صححه إبن حبان وغيره "ان السيف محاء للخطايا" (٤). واما الاثار في البلايا والثواب عليها فهي كثيرة:- فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال ((ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله -تعالى- وما عليه خطيئه)) (٥)، وعنه أيضاً مرفوعاً ((من يرد الله به خيراً يصب منه)) (٦)، و ((قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة والشوكة يشاكها)) (٧). وغيرها من الأحاديث وقد يكون المراد من "الزلازل" الزلازل الحقيقية ((وهو اهتزاز الارض ومعنى آخر اعم هو الشدائد)) (٨).

стр. 132

فالشدائد التي حلت بالامة المحمدية منذ عهد النبوة وحتى اليوم كفيلة بان تفهم معنى الحديث فمعركة احد، وحنين، ... والفتن العظمى كمقتل عمر أو عثمان أو علي ﵃ اجمعين- أو فتنة الجمل أو فتنة صفين أو وقعة الحرة أو كربلاء، أو سقوط الخلافة الاسلامية أو سقوط بيت المقدس بيد الصليبين ثم الصهاينة، وما تلاقيه الأمة الاسلامية في كل انحاء الارض حتى ما بقي في جسد الأمة الاسلامية موضوع إلا وهو ينزف من طعنة غادرة أو مؤامرة دنيئة -كلها- امثلة على الفتن والقتل والزلازل. وعن علي ﵁ قال: ((ألا أخبركم بافضل (١) اية في كتاب الله وحدثنا به رسول الله ﷺ قال:"ما اصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم ويعفو عن كثير" (٢) وسافسرها لك يا علي: ما اصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم -والله تعالى- احلم من ان يثني عليه العقوبة في الآخرة وما عفا الله عنه في الدنيا فالله تعالى اكرم من ان يعود بعد عفوه)) (٣) وأخرج إبن كثير في تفسيره من طرق عدة عن أبي بكر الصديق ﵁ انه قال: ((كيف الفلاح بعد هذه الآية:"ليس بامانيكم ولا اماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجزيه" (٤) فكل سوء عملناه جزينا به فقال النبي ﷺ ((غفر الله لك يا ابا بكر الست تمرض، الست تنصب، الست تحزن الست تصيبك اللاواء؟ قال بلى. قال فهو مما تجزون به)) (٥). وعنه ﵁ مرفوعاً ((من يعمل سوءاً يجز به في الدنيا)) (٦).وعن أم المؤمنين عائشة- ﵂ عن النبي ﷺ قال: ((إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له ما يكفرها ابتلاه الله تعالى بالحزن ليكفرها)) (٧).

стр. 133

المطلب الثالث: شفاعة القرآن والصيام: - أولاً: شفاعة القرآن . لقد جاءت الأحاديث الصحيحة التي تصرح بشفاعة القرآن الكريم يوم القيامة (١)، وهذه الخصوصية للقرآن الكريم دون بقية الكتب السماوية لانه حفظ من التحريف، والتبديل قال تعالى ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)) (٢)، فباعتناء الله به وحفظه له أعطي القرآن هذه المنزلة المتقدمة على بقية الكتب. ولان فيه نبأ السالفين وخبر اللاحقين، فهو ناسخ لكل الكتب الأخرى "التوراة، الانجيل، والزبور". ومن أسباب حفظ الله تعالى لهذا الكتاب العظيم هيء له صدوراً تحفظه وعقولاً تفهمه. إذن فالإنسان-المسلم- هو من اسباب حفظ القرآن، والانسان مجبول على المحسوسات والمرغبات فكان لابد من ترغيبه في حفظ القرآن الكريم وتلاوته .. وهكذا وقد وردت أحاديث تخبر ان القرآن يشفع ويحاجج عن صاحبه وقد وردت الاثار بعضها يتكلم عن شفاعة القرآن كله وبعضها عن سور متفرقة لذا إرتايت ان اقسمها على النحو الاتي: ١ - الاثار الواردة في شفاعة كل القرآن: أخرج الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان)) (٣). وأخرج إبن حبان بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((القرآن شافع مشفع وما حل مُصّدق من جعله امامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار)) (٤).

стр. 134

وأخرج الإمام مسلم بسنده عن أبي امامه ﵁ عن النبي ﷺ ((اقرؤا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لاصحابه، اقرؤا الزهراويين ... )) (١)، الحديث. وكذا بسنده عن النواس بن سمعان ﵁ عن النبي ﷺ بنحو حديث أبي امامة (٢). فهذه الأحاديث تبين لنا أنّ القرآن يشفع لصاحبه يوم القيامة ولم يحدد لنا مكان الشفاعة. أعند الصراط؟ ام عند الحساب؟ ام عند الجنة؟ ام يخرج صاحبه من النار؟ الذي يبدو -والله أعلم- أنّ القرآن الكريم له اكثر من مكان يشفع فيه: فحديث عبد الله عمرو بن العاص الذي مرّ: يبين لنا انه يشفع ويحاجج لصاحبه عند رب العزة- ﷻ عند الحساب. وهناك أحاديث تخبر ان القرآن يشفع لصاحبه في الجنة: بان يرفع له منزلته ودرجته، فقد أخرج الإمام الترمذي بسنده عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: ((يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حَلَّهِ فيلبسُ تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيلبس حُلّه الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه، فيرضى عنه فيقال له: إقرا وارق وتزاد بكل آية حسنة)) (٣). وأخرج إبن حبان بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ انه قال: ((يقال لصاحب القرآن اقرا وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فان منزلك عند اخر اية تقرؤها)) (٤). فأين هذا الترقي والتدرج في الصعود؟ بالتأكيد في الجنة. نقل الإمام المنذري عن الخطأبي القول: ((جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة فيقال للقاريء ارق في الدرج على قدر ما كنت تقرأ من أي القرآن فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى على اقصى درج الجنة في الآخرة، ومن قرأ جزءا منه كان رقيه في الدرج على قدر ذلك، فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة)) (٥). ٢ - الآثار الواردة في شفاعة سور من القرآن: أخرج الإمام مسلم بسنده عن أبي امامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((اقرءوا القران فإنه ياتي يوم القيامة شفيعاً لاصحابه، اقرءوا الزهراويين: البقرة

стр. 135

وسورة آل عمران فانهما يأتيان يوم القيامة كانهما غمامتان أو غيايتان أو كانهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن اصحابها، اقرءوا سورة البقرة فان اخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة)) (١). وجاء في حديث النواس بن سمعان ﵁ المرفوع: ((يؤتى بالقرآن يوم القيامة واهله الذين يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران وضرب لها رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهنّ بعد. قال: كانهما غمامتان أو ظلتان سود وان بينهما شرق أو كانهما فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما)) (٢). وما ذلك الرجل الذي جعله النبي ﷺ اميراً على سرية بسبب حفظه لسورة البقرة إلا مثال قريب على مكانة سورة البقرة ومنزلتها. فعن أبي هريرة ﵁ قال: ((بعث رسول الله ﷺ بعثاً وهم ذو عدد فاستقراهم، فاستقرأ كل رجل منهم يعني ما معه من القرآن، فاتى على رجل من احدثهم سناً فقال: ما معك يا فلان؟ قال معي كذا وكذا وسورة البقرة، فقال: ((أمعك سورة البقرة؟ قال: نعم، قال: إذهب فأنت اميرهم ... .)) (٣) ... الحديث. فإذا كان صاحب سورة البقرة يقود الناس في الدنيا فكيف به يوم القيامة؟ وأخرج أبو داود بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((ان سورة من القرآن -ثلاثون اية- شفعت لرجل حتى غفر له:"تبارك الذي بيده الملك")) (٤). فسورة الملك تشفع لصاحبها وتحاجج عنه يوم القيامة. وليس ذلك فحسب بل انها تشفع له ايضاً في قبره فقد أخرج النسائي بسنده عن عبد الله بن مسعود- موقوفاً قال: ((من قرأ تبارك الذي بيده الملك كل ليلة مَنَعه الله من عذاب القبر وكنا في عهد رسول الله ﷺ نسميها المانعة. وانها في كتاب الله سورة من قرأ بها في كل ليلة فقد اكثر واطاب)) (٥).

стр. 136

وعن إبن عباس ﵁ قال: ((ضرب بعض أصحاب النبي ﷺ خباءة على قبر -وهو لا يحسب انه قبر- فإذا فيه انسان يقرأ سورة "تبارك الذي بيده الملك" حتى ختمها فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله اني ضربت خبائي على قبر وانا لا احسب انه قبر فإذا فيه انسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فقال رسول الله ﷺ "هي المانعة هي المنجية، تنجيه من عذاب القبر")) (١). فها هي سورة الملك تدافع عنك وتناضل حتى تحجب عنك العذاب -ان شاء الله تعالى- كما جاء في الحديث: ((يؤتى الرجل في قبره فتؤتى رجلاه فتقول: ليس لكم على ما قبلي سبيل كان يقرأ سورة الملك، ثم يؤتى من قبل رأسه فيقول: ليس لكم على ما قبلي سبيل كان يقرأ في سورة الملك .... )) (٢). وصح عن أنس بن مالك ﵁ قال: ((كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بـ"قل هو الله احد" حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة اخرى معها وكان يصنع ذلك في كل ركعة فكلمة اصحابه فقالوا: انك تفتح بهذه السورة ثم لا ترى انها تجزئك حتى تقرأ باخرى فاما ان تقرأ بها واما ان تدعها وتقرأ باخرى فقال: ما أنا بتاركها، ان احببتم ان اؤمكم بذلك فعلت وان كرهتم تركتم، وكانوا يرون انه من افضلهم وكرهوا ان يؤمهم غيره فلما اتاهم النبي ﷺ اخبروه الخبر فقال: يا فلان ما يمنعك ان تفعل ما يامرك به اصحابك؟ ويحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ فقال: اني احبها. فقال: حبك أياها أدخلك الجنة)) (٣). قال الحافظ إبن حجر:- ((والحاصل على الفعل المحبة وحدها، ودلّ تبشيره له بالجنة على الرضا بفعله، وعبر بالفعل الماضي في قوله "ادخلك" وان كان دخول الجنة مستقبلاً تحقيقا لوقوع ذلك)) (٤). وليس المراد من محبة القرآن، أو تلاوته، أو حفظه،- كما مر معنا في الأحاديث -ليس المراد منها المحبة المجردة أو التلاوة المجردة أو الحفظ المجرد -قطعاً- لان هذا يتعارض

стр. 137

مع القرآن نفسه، إذ يقول ﷻ : ((واوحى إليّ هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ ... )) (١)، ويقول: ((أفلا يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها)) (٢)، ويقول: ((فذكر بالقرآن من يخاف وعيد)) (٣)، ويقول ((ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكَر)) (٤). فالمراد من القرآن هو العمل به، قال تعالى: ((وقال الرسول يا رب ان قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً)) (٥).يقول إبن كثير في تفسيرها: (( .. وترك الإيمان به وترك تصديقه من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه وترك العمل به وامتثال اوامره واجتناب زواجره من هجرانه والعدول عنه إلى غيره من شعرٍ أو قولٍ أو غناءٍ أو لهوٍ أو كلامٍ أو طريقهٍ مأخوذة من غير من هجرانه ... )) (٦). والمأثور عن الصحابة انهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يحفظونها ثم يعملون بها حتى ياخذون غيرها. أما من يسعى جاهداً إلى تطبيق القرآن في حياته -الخاصة والعامة- فانه مشمول بشفاعة القران، سواء أكان يحب القرآن، ام يقرأ القرآن أم يحفظ القرآن، فالعمل به وتحكيمه هو اصل الإيمان. قال تعالى: ((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدون في صدورهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً)) (٧). وهذا هو الذي يحرم جسده على النار يقول ﷺ : ((لو كان القرآن في اهاب ما اكلته النار)) (٨). يقول العلامة المناوي: ((فكيف بالمؤمن المواضب لقراءته ولتلاوته واللام في "النار" للجنس والاولى جعلها للعهد، والمراد بها نار جهنم أو النار التي تطلع على الافئدة أو النار التي وقودها الناس والحجارة. ... وقيل المعنى من علّمهُ الله القرآن، لم تحرقه نار الآخرة

стр. 138

فجعل جسم حافظ القرآن كاهاب له)) (١). ثانياً: شفاعة الصيام: الصيام:- هو الامساك لغة، وفي الاصطلاح: عبارة عن امساك مخصوص وهو الامساك عن الاكل والشرب والجماع من الصبح إلى المغرب مع النية (٢). فالانسان يترك شهواته وملذاته -طاعة لله- فلا يأكل ولا يشرب لا امام الناس ولا حتى إذا اختلى بنفسه؟ فيالله أي طاعة واي خضوع لرب العالمين!! وكفى بالصوم خصيصه وشرفاً ان اضافة الله -تعالى- اليه من دون الأعمال الكثيرة الأخرى، الصلاة، الزكاة، الحج، ... الخ يقول الله في الحديث القدسي: ((كل عمل إبن ادم له إلا الصيام فانه لي وانا اجزي به)) (٣). وإنما كان للصيام هذه المنزلة لانه: اولاً: سرٌ وعمل باطن، فهو بعيد عن الرياء، لما كانت الأعمال يدخلها الرياء والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلا الله فاضافة الله إلى نفسه (٤). ثانياً: وأما قوله "وانا أجزي به": أي اني انفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته. واما غيره من العبادات فقد اطلع عليها بعض الناس، ((إنّ الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس وانها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله إلا الصيام فان الله يثيب عليه بغير تقدير)) (٥). وذكر إبن حجر أقوالاً عشرة لتفضيل الصيام وانزاله بهذه المنزلة الرفيعة، فلتنظر هناك. (٦) وقد وردت احاديث في فضل الصيام وصرحت انه يشفع يوم القيامة (٧)، منها ما

стр. 139

أخرجه الإمام أحمد بن حنبل وغيره من حديث عبد الله إبن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ قوله: ((الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني في يشفعان)) (١). وأخرج البخاري بسنده من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((الصيام جنه فإذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث ولا يجهل ... )) (٢) ... الحديث. وجاء الحديث بالفاظ مختلفة منها ("جنة من نار" "وجنة وحصن حصين من النار") (٣). يقول الإمام النووي:- ((الصيام جُنة: هو بضم الجيم ومعناه: ستره، ومانع من الرفث والاثام ومانع ايضاً من النار ... )) (٤). ((وإنما كان الصوم جنه لانه امساك عن الشهوات والنار محفوفة بالشهوات. فالحاصل انه إذا كف نفسه عن الشهوات في الدنيا كان ذلك ساتراً له من النار في الآخرة)) (٥). وهكذا نخلص ان الصيام يقف بين ايدي الله تعالى يشفع لصاحبه، فيحاجج ويناضل، ويدافع عنه فلا يدعه حتى يدخله الجنة من باب الريان -ان شاء الله- أخرج البخاري بسنده عن سهل بن سعد ﵁ مرفوعاً: ((إن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه احد غيرهم فإذا دخلوا اغلق فلم يدخل منه أحد)) (٦). المطلب الخامس: شفاعة دعاء الوسيلة عقب الآذان (*): أخرج البخاري بسنده عن جابر ﵁ مرفوعاً: ((من قال حين يسمع النداء: اللهم

стр. 140

رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة)) (١). والمراد بالنداء: هو الإذان (٢)، فان من يدعو بدعاء الوسيلة هذا عقب الإذان فانه ستحل له شفاعة النبي محمد ﷺ وهذا الدعاء يكون "حين يسمع الإذان": وقد اختلف في وقت الدعاء، فقيل هو الدعاء اثناء الإذان، وقيل بعد تمام الإذان وهو الاظهر (٣). ولما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ انه قال: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ فان من صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً ثم سلوا الله لي الوسيلة فانها منزلة في الجنة لا تنبغي الا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة)) (٤). فإن الدعاء بالوسيلة جاء عقب إجابة المؤذن. ومعنى "الدعوة التامة": هي دعوة التوحيد (٥)، قال تعالى "له دعوة الحق" (٦). وإنما سميت دعوة التوحيد "تامة" لان الشركة نقص، وقال إبن التين وصفت بالتامة لان فيها اتم القول وهو "لا اله الا الله". وقال الطيبي: من اوله الى قوله محمد رسول الله هي الدعوة التامة (٧). وأما قوله "الصلاة القائمة": فان الطيبي قال" هي الحيعلة "حي على الصلاة، حي على الفلاح" (٨) والاظهر هو ان المراد بالصلاة القائمة: هي الصلاة المعهودة (٩). فكأن معنى الدعاء. اللهم رب دعوة التوحيد هذه، والصلاة التي تقام بعدها. فان الصلاة لا تقام الا بعد الإذان -والله اعلم-. وأما الوسيلة: هي التوسل الى الشيء برغبة، وهي أخص من الفضيلة ولتضمنها معنى

стр. 141

الرغبة عديت بالى قال تعالى: "وابتغوا اليه الوسيلة" (١). والمراد بها القربة، وهي منزلة عالية في الجنة (٢). لا تنبغي الا لعبد من عباد الله وأبو القاسم ﷺ صاحبها -إن شاء الله-. والفضيلة: هي مرتبة زائدة على سائر الخلق وربما هي منزلة اخرى مضافة للوسيلة، او قد تكون تفسيراً للوسيلة (٣). وقوله "مقاماً محموداً" -قد فصلت القول فيه في موضعه- وإنما نُكِّرَ لأنه أفخم واجزل فهو مقاماً محموداً بكل لسان (٤). وأما قوله "الذي وعدته" فهو وعد الله نبيه محمداً ﷺ بقوله ((عسى ان يبعثك ربك مقاماً محموداً)) (٥)، واطلق عليه الوعد لان عسى من الله واقع (٦). وقد زاد البيهقي في روايته ((إنك لا تخلف الميعاد)) (٧). وهكذا نخلص ان من طلب هذه الدعوة من الله عقب كل إذان يسمعه فان شفاعة المصطفى ﷺ ستدركه وتحل له: اي استحقها او انزلت عليه (٨). وهذه الشفاعة التي تدرك هذا المسلم عقب دعاءه قد تكون لرفع درجته او لتخفيف العذاب عنه او نوع اخر من الانواع الاخرى، فيعطى كل احد بما يناسبه (٩). وإنما كان للآذان هذا المقام لان "الآذان كلمة جامعة لعقيدة الإيمان مشتملة على نوعيه من العقليات والسمعيات فأوله إثبات الذات وما يستحقه من الكمال والتنزيه عن اضدادها وذلك بقوله الله اكبر وهذه اللفظة مع اختصار لفظها دالة على ما ذكرناه ثم صرح باثبات الوحدانية ونفي صدها من الشركة المستحيلة في حقه وهذه

стр. 142

عمدة الايمان والتوحيد المقدمة على كل وظائف الدين ثم صرح باثبات النبوة والشهادة بالرسالة لنبينا ﷺ وهي قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية وموضعها بعد التوحيد ... ثم دعا الى ما دعاهم اليه من العبادات فدعاهم الى الصلاة وعقبها بعد اثبات النبوة لان معرفة وجوبها من جهة النبي ﷺ لا من جهة العقل ثم دعا الى الفلاح وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم ... " (١). المطلب السادس: شفاعة شهود بعض الوقائع إن أي أمة تريد ان تبني كيانها وتفرض وجودها في العالم لابد لها من صبر وجهاد وتضحية. ولقد مرت الامة الإسلامية في مرحلة تأسيسها وبنائها وقائع كثيرة وهي متفاوتة-نسبياً- من حيث الاهمية والدور الذي لعبته تلك الواقعة في انشاء ودعم الأمة الاسلامية في ترسيخ اوتادها. وهذه الوقائع التي كانت في مراحل مختلفة: كأن تكون في مرحلة سرية الدعوة أو علنية الدعوة أو مرحلة الكفاح المسلح أو مرحلة البناء الاجتماعي ... الخ. ورغم اهمية ودور كل واقعة في كل مرحلة إلا اننا نجد ان القرآن الكريم والسنة النبوية يسلطان الضوء على واقعتين بشكل اكبر من الوقائع الأخرى. والمتأمل في دورهما يجد بشكل ملموس اسباب هذا الاهتمام بهما. وهاتان الواقعتان هما: "معركة بدر الكبرى" و"بيعة الرضوان". أولاً معركة بدر الكبرى: - ان معركة بدر الكبرى تعتبر مرحلة أنتقالية من عهد إلى عهد ... من عهد الهامشية التاريخية إلى عهد الصدارة العالمية وصناعة الاحداث، والقيادة. من عهد الاستضعاف إلى مرحلة المهابة. فهي بحق فرقاناً .. فرقاناً بين الحق والباطل ... ((وما انزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان)) (٢).

стр. 143

يقول صاحب الظلال: ((كانت فرقاناً بين عهدين في تاريخ الحركة الاسلامية: عهد المصابرة والصبر والتجمع والأنتصار، وعهد القوة والمبادأة والاندفاع ... والاسلام بوصفه تصوراً جديداً للحياة ومتجهاً جديداً للوجود الانساني ونظاماً جديداً للمجتمع وشكلاً جديداً للدولة بوصفه اعلاناً عاماً لتحرير "الانسان" في "الارض" بتقرير الوهية الله وحده وحاكميته ومطاردة الطواغيت التي تغتصب الوهيته وحاكميته .... الإسلام بوصفه هذا لم يكن له بُدٌّ من القوة والحركة والاندفاع لأنه لم يملك ان يقف كامناً منتظراً على طول الامد ... وكانت فرقاً بين عهدين في تاريخ البشرية، فالبشرية بمجموعها قبل قيام النظام الاسلامي هي غير البشرية بمجموعها بعد قيام النظام .. )) (١). ثانياً: بيعة الرضوان: "بيعة الشجرة ":- وتبرز أهمية البيعة اولا حينما نزل القرآن يبشرهم ((إن الذين يبايعونك انما يبايعون الله يد الله فوق ايديهم فمن نكث فانما ينكث على نفسه ومن اوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه اجراً عظيماً)) (٢)، ثم انزل بعدها ((لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينة عليهم واثابهم فتحاً قريباً .... )) (٣) وإنما كانت البيعة: لما أعلن النبي ﷺ توجهه إلى مكة معتمراً، تبعه جمع كبير من المهاجرين والانصار بلغ عددهم "الفاً واربعمائة" تقريباً، واعلن -كذلك- المنافقون وكثير من الاعراب تخلفهم عن هذه العمرة لانهم "عرفوا ان أهل مكة سوف يقاتلون محمداً ﷺ امرَّ القتال وانه إذا ابى إلا زيارة البيت كما اعلن فلن تدعه قريش حتى تهلكه أو تهلك هي دون ابلاغه مأربه فهي عمرة محفوفة بالاخطار في نظرهم والفرار منها اجدى!! ولو فُرض ان الرسول ﵊ -نجح في مقصده هذا فالاعتذار اليه بعد عودته سهل: ((سيقول المخلفون من الاعراب شغلتنا اموالنا واهلونا فاستغفر لنا ... )) (٤).

стр. 144

فهذه أولى خطوات التمييز والغربلة فالله تعالى أراد لاهل هذه البيعة رضواناً ومغفرة فلحق من كان اهلاً له وقعد من لا خير فيه من أهل النفاق. ومن ثم أعلنت قريش طوارءها واستنفارها للحرب بكل ما اوتيت من قوة ومن بأس فأرسل النبي ﷺ عثمان بن عفان ﵁ ممثلاً عنه- يوضح الصورة بأنهم إنما خرجوا معتمرين فقط! لا محاربين!!. فلما وصل عثمان ﵁ حبسته قريش، واشيع انه قتل، فلما بلغ الخبر النبي ﷺ قال: لا نبرح حتى نناجز القوم فدعا إلى بيعه على الموت تحت الشجرة. وهنا يتجلى امتحان اخر وهو: ان المعركة غير متكافئة فالاسلحة التي مع النبي ﷺ وجنده لا تتجاوز السيوف والخناجر فقط.، ولكن ما ان سمع اولئك التلاميذ الابرار هذه الدعوة من استإذهم وقائدهم لبوا نداء الموت .. لبوا وقلوبهم ترفوا إلى الجنة وكاني بها تنادي: يا حبذا الجنة واقترابها طيبةً وبارداً شرابها (١). فكان النبي ﷺ ياخذ بيد اصحابه الواحد تلو الاخر واخيراً اخذ يده الشريفة وبايع عثمان ﵁ وقال هذه عن عثمان.-فهنيئاً لعثمان-وكان يفتخر بها ايما افتخار، وحق له ذلك. ولما تمت البيعة وصل الامر أنّ عثمان ﵁ حيٌّ وان خبر قتله باطلٌ (٢). فيالله ما أعجب هذه الثلة العظيمة من الأصحاب .. خرجوا معتمرين، وألحوا عليه أن ياخذوا اسلحتهم فابى ﷺ وها هو يدعوهم إلى الموت فيلبوا بل يتزاحمون إلى بيعة -حتى سميت بيعة الرضوان-بيعة على الموت. ولا ننسى ان الصف قد طهر من المنافقين اصلاً، والآن يمر بامتحان عسير وينجح به ايما نجاح!! فكافأهم الله تعالى الذي يراهم ويراقب الامور ((لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينة عليهم واثابهم فتحاً قريباً)) (٣). قلوبهم مطمئنة ان الله معهم، ان الله ناصرهم، ان الله يبايع معهم ((يد الله فوق ايديهم)). ((واني اليوم ومن وراء هذه القرون الطويلة احاول ان استشرف تلك اللحظة

стр. 145

القدسية العظيمة التي عاشها اولئك الرجال وهم يبلغون: ان الله قد رضي عليهم، ان احدنا ليفرح بل يكاد يطير فرحاً ان يسمع النداء "الله ولي الذين امنوا ... " (١) ظناً منا اننا مشمولون بهذا الخطاب ... فكيف بهم وهم يسمعون الهاتف الرباني وهو يناديهم في ابان تلك البيعة "لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ... " (٢) الاية)) (٣). النصوص ومناقشتها: صح من حديث ام مبشر ﵂ انها سمعت النبي ﷺ يقول في بيت حفصة: ((لا يدخل النار رجل شهد بدراً والحديبية فقالت حفصة: يا رسول الله اليس قد قال الله ((وأن منكم الا واردها))؟ فقال رسول الله ﷺ : فمه"ثم ننجي الذين اتقوا" (٤)) (٥). وصح من حديث جابر ﵁ مرفوعا: ((لايدخل النار احد شهد بدراً والحديبية)) فهذا الحديث واضح المعنى بأن من شهد بدراً مع النبي ﷺ مؤمناً به مقاتلاً معه فأنه مزكّى انه من المتقين وانه لا يدخل النار البتة، وكذا من بايع بيعة الرضوان. قال الإمام النووي ((قال العلماء: معناه لا يدخلها احد منهم قطعاً كما صرح به في الحديث الذي قبله -حديث حاطب ... -واما قول حفصة بلى. وأنتهار النبي ﷺ لها فقالت "ان منكم إلا واردها" فقال النبي ﷺ وقد قال "ثم نننجي الذين اتقوا" منه دليل للمناظرة والاعتراض والجواب على وجه الاسترشاد وهو مقصود حفصة لا انها ارادت رد مقالته ... )) (٦). وجاء عن الإمام علي ﵁ قال: ((بعثنا رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال: أئتوا روضة خاخٍ (٧) فأن بها ضعينة معها كتاب فخذوه منها. فانطلقنا تعادى بنا خيلنا فإذا نحن بالمرأة فقلنا: أخرجي الكتاب فقالت مامعي كتاب. فقلنا لتخرجن الكتاب أو لتلقين
следующие страницы →