← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 95695

الشفاعة في الحديث النبوي

عبد القادر المحمدي

Полный текст (310 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

جلاله سأفصل بين العباد أو سآتي لأقضي بينهم أو غيرها من الألفاظ ... بل على العكس فان جمهرة الأحاديث فيها أنه بعد سجوده لله ليفصل بين العباد يقال له: ((قلْ يسمع لك، واشفعْ تشّفعْ. فارفع رأسي فأحمد ربي بتحميدٍ يعلمني ثم اشفع فيحد لي حداً ثم اخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ... )) (١)، أو ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: ((أتي رسول الله ﷺ بلحم فدفع إليه منها الذراع ... والحديث طويل وفيه ((يا محمد ارفع راسك سل تعطه، اشفعْ تشفَعْ فاقول يا رب امتي .. امتي فيقال: ادخل من امتك من لا حساب عليه من الباب الايمن من أبوب الجنة ... )) (٢) الحديث ... وغيرها من الأحاديث الأخرى. فلم يرد حديث صحيح يبين أن النبي ﷺ بعد السجود يشفع لفصل القضاء، في حين أن اصل سجوده هو ليشفع للناس، بعد أن طافوا على الانبياء ... وهذا اشكال قوي فكيف الخروج منه؟ بل لقد اعترض الحافظ إبن كثير في كتابه- النهاية في الفتن والملاحم- بقوله: ((والعجب كل العجب من ايراد الائمة بهذا الحديث من اكثر طرقه لا يذكرون امر الشفاعة الأولى في أن يأتي الرب لفصل القضاء، كما ورد هذا في حديث الصور كما تقدم وهو المقصود، ومقتضى سياق الحديث أن الناس انما يستغيثون إلى آدم طمعاً في أن يفصل بين الناس ويستريحوا من مقامهم ذلك كما دلت عليه سياقاته من سائر طرقه ... )) (٣). وهذا الحديث -حديث الصور- حديث ضعيف (٤) وان كان لبعض الفاظه شواهد صحيحة (٥). ونقل الحافظ إبن حجر عن الداودي (٦) القول: ((كأن راوي هذا الحديث ركب شيئاً

стр. 72

على غير اصله)) (١). ووافق الإمام النووي القاضي عياضاً في قوله: ((وقد جاء في حديث حذيفة بعد هذا الحديث نفسه قال)) فياتون محمداً ﷺ فيقوم ويؤذن له وترسل الامانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يميناً وشمالاً فيمر أولهم كالبرق، وساق الحديث. وبهذا يتصل الحديث، لان هذه هي الشفاعة التي لجأ الناس اليه فيها، وهي الاراحة من الموقف والفصل بين العباد، ثم بعد ذلك حلت الشفاعة في امته ﷺ وفي المذنبين، وحلت الشفاعة للانبياء والملائكة وغيرهم صلوات الله وسلامه عليهم كما جاء في الاحاديث الاخرى. وجاء في الأحاديث المتقدمة في الرؤيا وحشر الناس اتباع كل امة ما كانت تعبد ثم تمييز المؤمنين من المنافقين ثم حلول الشفاعة ووضع الصراط. فيحتمل أن الأمر باتباع الامم ما كأنت تعبد هو أول الفصل والإراحة من هول الموقف، وهو أول المقام المحمود وان الشفاعة التي ذكر حلولها هي الشفاعة في المذنبين على الصراط وهو ظاهر الأحاديث ومنها لنبينا محمد ﷺ ولغيره كما نص عليه في الأحاديث ثم ذكر بعدها الشفاعة في من دخل النار وبهذا تجتمع متون الحديث. (٢) وقد علل الإمام القرطبي ذلك بقوله: ((يدل على انه شفع في ما طلب من تعجل حساب أهل الموقف فانه لما امر بادخال من لا حساب اليه من امته فقد شرع في حساب من عليه حساب من امته وغيرهم)) (٣). وقال إبن كثير تعليقاً على هذا الاشكال: ((وكأن مقصود السلف في الاقتصار على هذا المقدار من الحديث هو الرد على الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة، الذين أنكروا خروج احدٍ من النار بعد دخولها)) (٤). والراجح في هذه المسألة ما قاله إبن حجر: ((كأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الاخر)) (٥)، وعلى أية حال فان اصل شفاعة الموقف متفق عليه كما قدمنا. وقد أخرج البخاري وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ قال: ((أتي رسول الله ﷺ

стр. 73

بلحم فرفع اليه الذراع -وكانت تعجبه- فنهس منها نهسة ثم قال أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون مما ذلك؟ يجمع الناس -الأولين والاخرين- في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس الا ترون ما بلغكم؟ إلا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض عليكم بآدم فياتون ادم فيقولون له: أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ إلا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم أن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وأنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح، فياتون نوحاً فيقولون يا نوح انك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبداً شكورا اشفع لنا إلى ربك الا ترى إلى ما نحن فيه؟. فيقول: أن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وانه كانت لي دعوة دعوتها على قومي نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم فياتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: أن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله واني قد كذبتُ ثلاث كذبات - فذكرهن أبو حيان في الحديث-، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى فيأتون موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: أن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله واني قد قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي، نفسي، نفسي اذهبوا إلى غيري أذهبوا إلى عيسى فيأتون عيسى، فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد صبياً، اشفع لنا إلا ترى إلى ما نحن فيه فيقول عيسى أن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنباً- نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد ﷺ فيأتون محمداً ﷺ فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك إلا ترى ما نحن فيه؟ فانطلق فأتى تحت العرش فاقع ساجداً لربي ثم يفتح الله عليّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد

стр. 74

قبلي ثم يقال: يا محمد أرفع رأسك سل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فاقول: أمتي يا رب أمتي يا رب، أمتي يا رب. فيقال يا محمد أدخل من امتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ثم قال: ((والذي نفسي بيده أن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير أو كما بين مكة وبصرى)) (١). وبعد أن ينشر الناس ويحشروا في صعيد واحد ((وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً)) (٢). وتدنوا الشمس من رؤوس الخلائق فيغشى العرق الناس على قدر أعمالهم فمنهم من يبلغ العرق رجليه ومنهم كعبيه ومنهم ركبتيه ومنهم من يلجمه العرق ويطول المقام ويأخذ الناس هول الموقف ((وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع الا همسا)) (٣) ويتلفت الناس يبحثون عن ممثل عنهم -إن صح التعبير - يبحثون عن وسيط بينهم وبين الجبار، فمن هو هذا الشفيع؟. لا يخطر ببال أحد آنذاك سوى الأنبياء فهم صفوة الله من خلقه، فيسارعون إلى أبي البشر، أول الانبياء آدم ﵇ الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وامر الملائكة أن تسجد له. فيفاجون بقوله "نفسي، نفسي، نفسي"، لست لها، اذهبوا إلى غيري ويذكر خطيئته وهي عصيانه لامر ربه واكله من الشجرة. يقول القاضي عياض في اعتذار آدم ﵇: ((كناية عن أن منزلته دون المنزلة المطلوبة قالها تواضعاً واكباراً لما يسألونه، وقد يكون فيه اشارة إلى أن هذا المقام ليس لي بل لغيري)) (٤) وقد ايده الحافظ إبن حجر (٥). ثم يقول لهم اذهبوا إلى نوح ... فيأتونه فيقولون له: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وسماك الله عبداً شكورا، فيعتذر نوح ﵊ ويقول نفسي، نفسي، نفسي.

стр. 75

وهنا يعترضنا إشكال: هو هل كان نوح ﵇ أول الرسل؟ وهل كان آدم وإدريس ﵉ رسولين؟. فأما كون نوح ﵇ أول رسول بالنسبة لآدم وإدريس فلا إشكال فيه، لأنهما قد يكونان نبيين، وان كان الإمام العيني جزم بأنهما رسولان (١). وإنما وجه الإشكال في كونه أول رسول بالنسبة للرسول محمد ﷺ فهو معارض بقوله ﷺ : ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي ... وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة)). (٢) هذا الإشكال أجاب عنه الحافظ إبن حجر بعد عرضه لاحتمالات التأويل فقال: ((ولا يعترض بأن نوحاً ﵇ كان مبعوثاً إلى أهل الأرض بعد الطوفان لأنه لم يبق إلا من كان مؤمناً معه وقد كان مرسلاً إليهم، لأن هذا العموم لم يكن في أصل بعثته وإنما اتفق بالحادث الذي وقع وهو انحصار الخلق من الموجودين بعد هلاك سائر الناس وأما نبينا ﷺ فعموم رسالته من أصل البعثة، فثبت اختصاصه بذلك. وأما قول أهل الموقف لنوح كما صح في حديث الشفاعة: ((أنت أول رسول إلى أهل الأرض)) فليس المراد به عموم بعثته بل إثبات أولية ارساله وعلى تقدير أن يكون مراداً فهو مخصوص بتنصيصه في عدة ايات على أن ارسال نوح كان إلى قومه ولم يذكر انه ارسل إلى غيرهم (٣) قال تعالى: ((إنّا أرسلنا نوحاً إلى قومه أن أنذِرْ قومَكْ ... )) (٤) ويحتمل انه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلا قومه (٥) ورجح هذا القول الأخير الشيخ عبد العزيز بن باز في تحقيقه للفتح (٦). وهو ما نراه -والله اعلم-. وأما اعتذار سيدنا نوح ... وأنه كانت لي دعوى قد دعوت بها على قومي ... وقد جاء في الرواية الاخرى ((ويذكر سؤال ربه ما ليس له به علم)) (٧)، فهذان اعتذاران أحدهما ((نهى الله تعالى له أن يسأل ما ليس له به علم فخشي أن تكون شفاعته لأهل الموقف من

стр. 76

ذلك، وثانيها أن له دعوة واحدة محققة الإجابة وقد استوفاها بدعاءه على أهل الأرض فخشي أن يطلب فلا يجاب)) (١). وذكر أبو حامد الغزالي ﵀ أن بين اتيان أهل الموقف ادم واتيانهم نوحاً الف سنة وكذا بين كل نبي ونبي اخر إلى أن يصل الناس إلى النبي محمد ﷺ (٢)، وقد اقره عليه القرطبي في التذكرة (٣)، وانكره إبن حجر فقال: ((ولم اقف لذلك على اصل ولقد كثر في هذا الكتاب من ايراد احاديث لا اصول لها فلا يغتر بشيء منها)) (٤). وقد رد الإمام العيني على الحافظ إبن حجر بقوله: ((جلالة قدر الغزالي ينافي ما ذكره وعدم وقوفه لذلك على اصل لا يستلزم نفي وقوف غيره على اصل، ولم يحط علم هذا القائل بكل ما ورد وبكل ما نقل حتى يدعي هذه الدعوى)). (٥) ولم يذكر لنا الإمام العيني دليلاً على صحة قولة الإمام الغزالي وانما اكتفى بالتنكيل بالحافظ إبن حجر -فحسب-، وقول الحافظ إبن حجر وإن كان اصوب فانه لا ينقص من جلالة قدر الإمام الغزالي. ويقول نوح ﵇ اذهبوا إلى إبراهيم وحينئذٍ يتوجه الناس إلى نبي الله إبراهيم فيعتذر لهم ويقول: اني قد كذبت ثلاثة كذبات نفسي، نفسي، نفسي وجاء في رواية اخرى ((قوله اني سقيم وقوله فعله كبيرهم هذا وقوله لامراته اخبيره اني اخوك)) (٦)، وفي رواية اخرى: ((قال رسول الله ﷺ ما منها كذبة الا ما حل بها عن دين الله)). (٧) قال البيضاوي: ((الحق أن الكلمات الثلاث انما كانت معاريض الكلام لكن لما كان صورتها صورة الكذب اشفق منها استصغار لنفسه عن الشفاعة مع وقوعها، لان من كان اعرف بالله واقرب اليه منزلة كان أعظم خوفا)). (٨) ثم يأتون موسى كليم الله فيعتذر

стр. 77

ويقول نفسي، نفسي، اعمدوا إلى عيسى كلمة الله وروحه، ثم يعمدون إلى عيسى ﵇ فيعتذر- رغم أنه لم يذكر ذنباً - ثم يدلهم على صاحبها .. "ائتوا محمدا" فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فَذِكْرُ الأنبياء أخطائهم وقول عيسى هذا مع أنه لم يخطئ يدل على أن صاحب هذا المقام لا بد أن يكون مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر (١) قال تعالى: ((إنا فتحنا لك فتحاً مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)) (٢). وحينئذ يصلون إلى النبي محمد ﷺ صاحب الشفاعة العظمى يقول ﷺ : ((أُعْطِيتُ خمساً لم يعطهن أحد قبلي ... وأعطيت الشفاعة ... )) (٣). قال الإمام النووي: ((هي الشفاعة العامة التي تكون في المحشر بفزع الخلائق إليه ﷺ )) (٤). ويصل الأمر إلى صاحب الشفاعة العظمى فيقول: " انا لها، انا لها" فينطلق ويخر تحت العرش ساجدا فيلهمه الله ﷻ تحاميد لم يكن يعرفها من قبل، وجاء في حديث حذيفة ﵁ ((يجمع الله الناس في صعيد واحد فيقال: يا محمد فاقول: لبيك وسعديك والخير في يديك والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك واليك تباركت وتعاليت سبحانك لا ملجا ولا منجا منك إلا اليك)) (٥)، ويقال للنبي ﷺ :-يا محمد إرفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع فيقول: يا رب أمتي .. أمتي. وهنا يعترضنا سؤال هو: هل شفاعة النبي ﷺ لامته خاصة أو للناس عامة؟ وقد حررنا القول فيه في موضوع المقام المحمود (٦) فيشفع ﷺ لأهل الموقف جميعا بِرَّهُمْ وفاجِرَهُم، إنسَهُم وجِنَّهُم، فيحمده أهل الجمع كلهم على هذا المقام الذي لم يقدر على الإقدام عليه غيره صلوات الله عليهم اجمعين (٧).

стр. 78

النوع الثالث: شفاعة النبي ﷺ في إدخال قوم بغير حساب: - بعد أن يأذن الله تعالى لنبيه ﷺ في الشفاعة لفصل القضاء بين العباد يقول الله تعالى لنبيه: ((أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما ذلك من الأبواب ... )) (١). وهذه الشفاعة هي الموعود بها ﷺ بقوله ((وعدني ربي ان يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً مع كل ألف سبعين ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب وثلاث حثيات من حثيات ربي)) (٢). وهؤلاء هم قوم مخصوصون من أمة محمد ﷺ يدخلون الجنة بغير حساب فلا يدرون ما الحساب!! وفي هذا عظيم كرم الله سبحانه لنبيه ﷺ ولأمته زادها الله شرفاً وفضلاً (٣). وأخرج الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً ((يدخل الجنة من أمتي زمرة هم سبعون ألفا تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر وقال أبو هريرة ﵁:- فقام عكاشة بن محصن الأسدي يرفع نمرة عليه فقال: يا رسول الله ادع الله ان يجعلني منهم قال: اللهم اجعله منهم، ثم قام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله ادع الله ان يجعلني منهم فقال: سبقك بها عكاشة)) (٤). وأخرجا أيضا من حديث إبن عباس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((عرضت علي الامم فاخذ النبي يمر ومعه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر ومعه العشرة، والنبي يمر ومعه الخمسة، والنبي يمر وحده فنظرت فاذا سواد كثير قلت: يا جبريل هؤلاء امتي؟ قال لا ولكن انظر إلى الافق، فنظرت فاذا سواد قال: هؤلاء امتك وهؤلاء سبعون الفا قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب قلت: ولم؟ قال كانوا لا يكتون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، فقام اليه عكاشة بن محصن فقال: ادع الله ان يجعلني منهم قال: اللهم اجعله منهم، ثم قام اليه رجل اخر فقال ادع الله ان يجعلني منهم قال: سبقك بها

стр. 79

عكاشة)) (١). وجاءت الفاظ هذا الحديث متعددة فجاءت "عرضت علي الامم" وعند الترمذي والنسائي ((لما أُسْرِيَ بالنبي ﷺ جعل يمر بالنبي ومعه الواحد ... )) (٢). فهل هذا الاسراء هو الاسراء المكي؟ أو اسراء ثان في المدينة؟. أجاب إبن حجر عن ذلك بانه اسراء ثان وقع في المدينة ثم قال: ((والاسراء الذي وقع في المدينة ليس فيه ما وقع بمكة، من استفتاح أبواب السماوات باباً باباً ولا من التقاء الأنبياء كل واحد في سماء، ولا المراجعة معهم ولا المراجعة مع موسى فيما يتعلق بفرض الصلوات، ولا في طلب تخفيفها وسائر ما يتعلق بذلك، وانما تكررت قضايا كثيرة سوى ذلك، رءاها النبي ﷺ فمنها بمكة البعض، ومنها بالمدينة بعد الهجرة البعض ومعضمها في المنام)) (٣). وأما قوله: ان النبي يمر ومعه أمة، والاخر معه النفر والاخر معه العشرة والاخر ليس معه احد فان ذلك بحسب استجابتهم للدعوة وتصديقهم بالرسل فبعضهم هلكت اقوامهم، وبعضهم نجا معه النفر والنفرات ... وسؤال النبي ﷺ لجبريل: "هؤلاء امتي؟ " ينم على حرص النبي ﷺ فانه قالها لما راى سوادا عظيما طمعا منه ان تكون امته اكثر الامم انذاك. وقد يسأل سائل فيقول: ألم يكن النبي ﷺ يعرف امته وهم أهل العلامات -غر محجلون- التي تميزهم عن سائر الامم حتى يسأل جبريل ﵇؟ ويجاب على ذلك بأنه رآهم من بعيد فلم يميزهم أول الامر ولكن متى ما قربوا منه فإن يميزهم بتلك العلامة (٤). وقد يكون شوق النبي ﷺ وحرصه عليهم هو الذي جعل النبي ﷺ يتمنى ان يكون هؤلاء امته لما رأى من كثرة عددهم وهو يعلم -يقيناً- ان امته اكثر الامم يقول ﷺ (( ... وأنا أكثرهم تبعاً يوم القيامة)) (٥). وأما المراد من قوله: ((هؤلاء امتك، وهؤلاء سبعون الفا قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب)). فالمراد بالمعية هنا المعنوية وإلا فإن السبعين ألفا المذكورين من جملة أمته

стр. 80

- ﷺ ولكن لم يكونوا ضمن الذين عرضوا اذ ذاك فاريد الزيادة في تكثيرهم. (١) وشروط هؤلاء السبعين ألفاً هي:- لا يكتوون (٢) ولا يسترقون (٣) ولا يتطيرون (٤) وعلى ربهم يتوكلون (٥). وقد جاءت معظم الروايات بهذه الشروط-تقريبا- وان كان البعض قدم أو اخر، وجاءت في رواية الإمام مسلم "لايرقون" بدلا من"ولا يكتون" وغلّط إبن تيمية رواية "لايرقون" واعتل: ان الراقي يحسن إلى الذي يرقيه فكيف يكون ذلك مطلوب الترك؟ وقد رقي جبريلُ النبي َ ﷺ ورقي النبي اصحابه واذن لهم في الرقي، وحث عليه. (٦) وأجيب ((ان هذه اللفظة زادها سعيد بن منصور (٧) وسعيد ثقة حافظ وتغليط الراوي مع امكان تصحيح الزيادة لايصار اليه، ووقع ذلك من جبريل أو النبي ﷺ دلالة لانه في مقام التشريع وتبين الاحكام)) (٨) وأقول: هل يفهم من الحديث ان التداوي يقدح في التوكل؟؟ أجيب عن ذلك: أولا: ان الحديث هنا يحمل على من وافق اعتقاده اعتقاد الطبائعيين في كون الادوية تنفع بطبعها ولا يفوضون الامر إلى الله ﷻ قاله طائفة من أهل العلم (٩) ويرد عليهم: ان من اعتقد ذلك فهو كافر اصلا وهؤلاء تميزوا عن غيرهم بهذه الميزة (١٠)

стр. 81

ثانيا: ان هذا الحديث يراد به الذين يجتنبون فعل ذلك حال صحتهم خشية وقوع الداء ويستثنى منه من يستعمل الدواء بعد وقوع الداء، قاله طائفة من أهل العلم (١) وهذا مردود بما ثبت من الاستفادة قبل وقوع الداء (٢). ثالثاً: ((يتحمل ان يكون المراد بهؤلاء المذكورين في الحديث من غفل عن احوال الدنيا وما فيها من الاسباب المعدة لرفع العوأرض، فهم لا يعرفون الاكتواء، ولا الاسترقاء وليس لهم ملجأ فيما يعتريهم إلا الدعاء والاعتصام بالله والرضا بقضائه)) (٣). رابعاً: ان المراد بترك الرقي والكي: الاعتماد على الله في دفع الداء والرضا بقدرته لا القدح بجواز ذلك، لثبوت وقوعه عن النبي ﷺ لكن مقام الرضا والتسليم اعلى من الاخذ بالاسباب -وهؤلاء هم خواص الأولياء- قال به الخطأبي (٤) والقاضي عياض والنووي. ﵏ جميعا. (٥) ولا يرد على هذا القول أن يقال: ان النبي ﷺ فعل ذلك أو أقره، لان النبي يمتلك أعلى مقامات التوكل والعرفان وانما كان ذلك من باب التشريع، ومع ذلك فلا ينقص ذلك من توكله، لانه تام التوكل فلا يؤثر فيه تعاطي الاسباب شيئا (٦)، وقيل: ((إن حقيقة التوكل هو: ان لا يخالط القلب خوف غير الله تعالى من سبع أو عدو حتى يترك السعي في طلب الرزق ثقة بضمان الله تعالى له رزقه)) (٧)؟!!. أقول: إن هذهِ المنزلة خاصة بجماعة معينة، وهؤلاء ليسوا بأفضل من غيرهم بصورة عامة بل يتفاوتون في ذلك فقد يكون ممن يحاسب من هو أفضل منهم، وفيمن يتأخر عن الدخول ممن تحققت نجاته، وعرف مقامه من الجنة فيشّفع في غيره من هو افضل منهم. وهم لا يكتوون على الرغم من اعتقادهم ان ذلك مباحٌ لمن اضطر له، أو مكروهٌ لمن لم يضطر له. ولا يرقون ولا يسترقون البتة، وهم على ربهم يتوكلون ولا يتركون اتباع السنة في ابتغاء الرزق مما لابد له منه من مطعمٍ ومشربٍ وتحرزٍ من عدو بإعداد السلاح وإغلاق

стр. 82

الباب ونحو ذلك. والتوكل الذي يتوكلون يتميز عن التوكل الذي يخالطه بعض الضعف أو الشك في ساعة من الساعات فتوكلهم متصل دائم (١) وهؤلاء غالباً يكونون من الزهاد والصالحين -والله اعلم-. وأما مسألة تحديد عدد هؤلاء بـ "السبعين الفاً " فهي مسألة مختلف بها باختلاف تفسير الزيادة في قوله ﷺ : ((وعدني ربي ان يدخل الجنة من امتي سبعين الفاً لا حساب عليهم ولا عذاب مع كل الف سبعون الفاً وثلاث حثيات من حثياته)) (٢)، فقد نقل إبن حجر عن الكرماني (٣) القولَ: ((احتمال ان يكون المراد به التكثير لا خصوص العدد)) (٤)، وقيل معناه ((أن يدخلوا بدخولهم تبعاً لهم وان لم يكن لهم مثل اعماله. ويحتمل ان يراد بها دخولهم الجنة بغير حساب وان كان دخولهم في الزمرة الثانية أو بعدها)) (٥). وجنح إبن حجر إلى القول الاخير منها وهو اظهر الاقوال -والله اعلم- وورد الاختلاف في شخصية الرجل الذي قام بعد عكاشة فقيل هو سعد إبن عبادة وهو قول ضعيف جاء به "الخطيب" في المبهمات (٦) من طرقٍ ضعيفة تصرح بذلك (٧). ضعفها إبن حجر في الفتح وقال: ((فان كان محفوظاً فلعله الاخر باسم سيد الخزرج واسم أبيه ونسبته فان في الصحابة كذلك اخر له في مسند بقي بن مخلد (٨) حديث، وفي الصحابة سعد بن عمارة الانصاري فلعل اسم أبيه تحرف)) (٩)، ورجح الإمام النووي انه سعد بن عبادة (١٠) ﵁. وأما قوله ﷺ "سبقك بها عكاشة" فقيل: ((انه علم بالوحي انه يجاب في عكاشة ولم يقع في حق الاخر، وقيل اراد ان يسد الباب ويحسم المادة، فلو قال للثاني نعم، لقام

стр. 83

ثالثُ ورابعٌ ... وهكذا. وقيل كان الثاني منافقاً ورده إبن تيمية)) (١). وذهب إبن حجر إلى القول أن السبعين الفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب هم من أهل المدينة يحشرون من مقبرة بالبقيع، اعتماداً على حديث ام قيس بنت محصن - أخت عكاشة ﵁ أنها خرجت مع النبي ﷺ إلى البقيع فقال: ((يحشر من هذه المقبرة سبعون الفاً يدخلون الجنةَ بغير حساب كان وجوههم القمر ليلة البدر. فقام رجل فقال: يا رسول الله وانا؟ قال: وأنت. فقام اخر فقال: وانا؟ قال: سبقك بها عكاشة ... )) (٢)، وقد يؤيده الأحاديث الواردة في شفاعة المدينة. النوع الرابع: شفاعة النبي ﷺ فيمن تساوت حسناته وسيئاته. ذهب جمهور المفسرين إلى ان أهل الأعراف هم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فلا هم استحقوا النار فيدخلونها ولا استحقوا الجنة فيدخلونها، وان كان مآلهم إلى الجنة (٣) -برحمة الله- ورجح ذلك الحافظ إبن حجر بعد عرض الأقوال المختلفة فيهم (٤). ودليلهم في ذلك وإن قصر عن درجة الصحة إلا أن كثرة طرقه قد يقوي بعضها بعضا. فمنها ما اخرجه الطبراني بسنده موقوفاً على إبن عباس ﵁:- ((السابق يدخل الجنة بغير حساب والمقتصد برحمة الله والظالم لنفسه واصحاب الأعراف يدخلونها بشفاعة النبي (( ﷺ (٥). وهذا أصرح حديث بشفاعته ﷺ لهم، وهو أولا موقوف وثانيا: فيه موسى بن عبد الرحمن الصنعاني. (٦) ونقل أهل التفسير في ذلك اثارا لم تصح. (٧)

стр. 84

والذي لاشك فيه هو ان اصحاب الاعراف يدخلون الجنة لقوله تعالى: ((ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون)) (١). والمنطق يقبل ذلك والا فكيف يدخل اصحاب الكبائر، ومن لم يعمل خيراً قط الجنة -باذن الله- وبشفاعة الشافعين- ابتداءً أو ختاماً وهؤلاء لا يدخلون؟! وهم اقل جرماً واكثر اجراً. وهذا أمر مقطوع فيه ولكن الاشكال هو أيكون دخولهم الجنة بشفاعة النبي ام بغيرها؟! كما مر فانه لا دليل على انهم يدخلون بشفاعة النبي أو غيره ولا دليل ايضاً ينفي هذا وأهل العلم في ذلك مختلفون فمثلاً القاضي عياض (٢) والقرطبي (٣) والنووي (٤) وإبن تيمية (٥) ﵏ لا يعدونها من أنواع شفاعة النبي ﷺ بخلاف إبن كثير (٦)، وإبن أبي العز (٧)، وإبن حجر العسقلاني (٨)، وغيرهم. ولما لم تثبت تلك الشفاعة بدليل قطعي فانها ظنية، وهي ضرب من الغيب -والله اعلم- النوع الخامس: شفاعة النبي ﷺ في قوم استوجبوا النار إلا يدخلوها: - أخرج الإمام مسلم بسنده عن حذيفة بن اليمان وأبي هريرة ﵁ قالا: ((قال رسول الله ﷺ يجمع الله ﵎ الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون: يا ابانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل اخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم، لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى إبني إبراهيم خليل الله، قال فيقول إبراهيم لست بصاحب

стр. 85

ذلك انما كنت خليلاً من وراء وراء، اعمدوا إلى موسى ﷺ الذي كلمه الله تكلما، فيأتون موسى ﷺ فيقول لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه، فيقول عيسى ﷺ لست بصاحب ذلك فيأتون محمدا ﷺ فيقوم ويؤذن فيؤذن له وترسل الامانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يميناً وشمالاً. فيمر أولكم كالبرق قال: بأبي أنت وامي أي شيء كمر البرق؟ قال: الم ترو إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفه عين ثم تم كمر الريح، ثم كمر الطير وشد الرجال تجري بهم اعمالهم ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سَلَّمْ سَلَّمْ. حتى تعجز أعمال العباد وحتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا، قل وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة باخذ من امرت به فمخدوش (١) ناجٍ ومكدوس (٢) في النار. -والذي نفس أبي هريرة بيده ان قعر جهنم سبعون خريفاً-)) (٣). ولم أجد مستندا لهذا النوع من الشفاعة غير هذا الحديث وهو أصرح حديث في هذه الشفاعة، وقد عده الحافظ إبن حجر مستندا لها (٤). وأما إبن قيم الجوزية فإنه يقول: ((وهذا النوع لم اقف إلى الان على حديث يدل عليه)) (٥). ويبدو من الحديث ان النبي ﷺ يشفع للبعض ممن لم يسعفه عمله فيقصر به ويبطيء به المسير -من أهل الإيمان- فيدعو النبي ﷺ ربه ويتشفع لهم بقوله: اللهم سلم سلم. فان كان ذاك الشخص من أهل النجاة استجاب الله لنبيه وشفعه فيه، والا فلعله ممن يخرج بشفاعة غير النبي أو يخرج بشفاعته بعد ان يسقط في النار أو ان يكون من أهل القبضة -والله اعلم-. وعلى قدر عمل الانسان تكون سرعته في المرور على الصراط فالبعض كالبرق،

стр. 86

والبعض كالريح ... وهكذا. فناجٍ مخدوش أو ساقط مكدوس -والعياذ بالله- وهذه الشفاعة من الشفاعات العامة التي يشارك النبي ﷺ غيره فيها كألانبياء الصالحين وغيرهم (١). وقد عدها من شفاعات النبي ﷺ الكثير من أهل العلم: ((كالقاضي عياض، والقرطبي، والنووي، وإبن تيمية، وإبن كثير، وإبن أبي العز، والحافظ إبن حجر)) (٢) وغيرهم. النوع السادس: شفاعة النبي ﷺ لبعض أهل النار في ان يخرجوا منها: - إن من مات من أمة محمد ﷺ ولم يرتكب كبيرة في حياته أو ارتكب فتاب توبة نصوحا. أولئك يدخلون الجنة من أول الامر دون عذاب -برحمه الله- إلا من شاء الله- واما الذين يسقطون في جهنم فانهم أولئك الذين ماتوا مصرين على كبائرهم ومعاصيهم وهؤلاء ثبتت شفاعة النبي ﷺ لهم وهو المراد بها هنا، فقد صح من حديث انس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ : ((شفاعتي لأهل الكبائر من امتي)) (٣). وهذه الشفاعة لا تكون إلا لمن كان من أمة محمد ﷺ أي كان من أهل العهد (٤). فلا يشفع النبي ﷺ لأهل الكبائر إلا ان يكتون من امته، على ما هو عليه ظاهر الحديث. وهذا من عظيم رحمته ﷺ ، وشفقته على امته، وتكريم الله تعالى لهذه الامة، فمهما عمل المؤمن من أعمال دون الشرك فهو في المشيئة الالهية -ان شاء عفا عنه- ابتداء وان شاء عذبه، يقول تعالى ((إن الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)) (٥). وقد نص على ذلك جمهور أهل العلم من المسلمين، يقول أبو حنيفة ﵀ ((وشفاعة نبينا محمد ﷺ حق لكل من هو من أهل الجنة وان كان صاحب كبيرة)) (٦)، ونقل الباقلاني:- اجماع أهل السنة والجماعة على صحة شفاعته ﷺ لأهل الكبائر فقال "اعلم ان أهل السنة والجماعة اجمعوا على صحة الشفاعة منه ﷺ لأهل الكبائر من هذه

стр. 87

الأمة" (١)، ونقل الأيجي الإجماع أيضا فقال: أجمع الأمة على اصل الشفاعة وهي عندنا لأهل الكبائر من الأمة لقوله ﵇ ((شفاعتي لأهل الكبائر من امتي)) (٢) (٣). وقال الجويني: ((والاخبار الماثورة شاهدة بتعلق الشفاعة باصحاب الكبائر ... )) (٤)، وقد أنكرتها بعض الفرق الكلامية كالمعتزلة، والخوارج (٥). وقد أقر هذا القسم من الشفاعة كل مفسري أهل السنة ولم اجد من يخالف، فهذا الطبري ينص على ان الله قد صفح لعباده المؤمنين بشفاعة النبي ﷺ عن كثير من عقوبة اجرامهم بينه وبينهم (٦) ويستدل بقوله ﷺ : ((شفاعتي لأهل الكبائر من امتي)). ونقل الرازي الاجماع في شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر. فقال: ((أجمعت الامة على ان لمحمد ﷺ شفاعة في الآخرة وحمل على ذلك قوله تعالى: ((عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا (٧)) (٨)، وقد عد تلك الشفاعة من شفاعته ﷺ كثير من أهل العلم، كالقرطبي وإبن كثير وغيرهم. (٩) يقول الإمام النووي ((إن كل من مات غير مشرك بالله تعالى لم يخلد في النار وإن كان مصرا على الكبائر)) (١٠). ويقول إبن تيمية: ((إن أحاديث الشفاعة في أهل الكبائر ثابتة متواترة عن النبي ﷺ ، وقد اتفق عليها السلف من الصحابة وتابعيهم بأحسان وائمة المسلمين، وانما نازع في ذلك أهل البدع من الخوارج والمعتزلة وغيرهم. (١١) وأثبت ذلك إبن حجر العسقلاني في اكثر من موضع من الفتح فقال: ((إن جماعة من مذنبي هذه الامة يعذبون بالنار ثم يخرجون بالشفاعة والرحمة)) (١٢).

стр. 88

والنصوص في اخراج الموحدين من النار ودخولهم الجنة كثيرة فمنها: ما رواه البخاري عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يخرج من النار قوم بالشفاعة كانهم الثعارير)) قلنا وما الثعارير؟ قال: "الضغابيس" (١)، واخرج الإمام مسلم بسنده عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ انه قال: ((أتاني جبريل فبشرني انه من مات من امتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، قلت وان زنى وان سرق؟ قال وان زنى وان سرق)) (٢). وهذه الشفاعة هي التي اختارها ﷺ حين خُير بما جاء في حديث أبي موسى الاشعري ﵁ مرفوعاً: ((خُيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أمتي الجنة فاخترت الشفاعة، لانها اعم واكفى اترونها للمتقين؟ لا ولكنها للمذنبين، الخاطئين، المتلوثين)) (٣). فهذه الشفاعة مقصورة على المتلوثين الخطائين -شفاعة أهل الكبائر- أما المتقين فهم ليسوا من أهلها، بل قد تشملهم شفاعات اخرى كشفاعة المقام المحمود أو السبعين الفاً أو غيرها من الشفاعات. وجاء من حديث عوف بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ : ((أتاني آت من عند ربي فخيرني بين ان يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة فهي نائلة من مات لا يشرك بالله شيئاً)) (٤). وأخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ انه قال: ((لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته واني احتبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة -ان شاء الله- من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً)) (٥). قال الإمام النووي: ((وفي هذا الحديث بيان كمال شفقة النبي ﷺ على أمته، ورأفته بهم، واعتنائه بالنظر في مصالحهم المهمة فأخر ﷺ دعوته لأمته إلى أهم أوقات حاجاتهم)) (٦).

стр. 89

وهذه الدعوة خاصة بنبينا ﷺ والتي قد ميز بها عن بقية الأنبياء، وعن بقية الشفعاء بأن يشفع لكل أفراد أمته، فمن قال لا اله إلا الله يدخل الجنة ولو لم يعمل خيراً قط. وقد صح من حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ : ((أعطيت خمساً لم يعطهن احد قبلي ... .. وقيل لي: سل تعطه واختبأت دعوتي شفاعة لامتي في القيامة وهي نائلة -ان شاء الله- من لم يشرك بالله شيئاً)) (١). وأما إخراجهم من النار فإنه يكون حسب الأعمال وبشكل محدد فيبين الله تعالى لنبيه ﷺ في كل طور من أطوار الشفاعة حدا يقف عنده ولا يتعداه، مثل ان يقول شفّعتك فيمن أخل بالجماعة، ثم فيمن أخل بالصلاة، ثم فيمن شرب الخمر، ثم فيمن زنى ... وهكذا. وهذا يدل على تفضل مراتب المخرجين (٢). وقد صحّ من حديث انس ﵁ مرفوعاً: ((يخرج من النار من قال لا اله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال لا اله إلا الله وفي قلبه وزن برة ويخرج من النار من قال لا اله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير)) (٣). وفي كل طور من أطوار الشفاعة في الإخراج يأتي ﷺ ويخّر تحت عرش الرحمن فيقال له: اشفع وهكذا ... . جاء من حديث أنس بن مالك ﵁ ((فيقال: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من ايمان فاخرجه منها)) فانطلق فافعل، ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً فيقال لي: يا محمد: إرفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأقول: أمتي أمتي فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها. فأنطلق فافعل. ثم اعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم اخر له ساجداً فيقال لي: يا محمد ارفع راسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع. فاقول: يا رب أمتي أمتي: فيقال لي: ((انطلق فمن كان في قلبه ادنى ادنى ادنى من مثقال حبة خردل من إيمان فاخرجه من النار فانطلق فافعل)) (٤). ثم يقول ﷺ : ((يا رب ائذن لي فيمن قال

стр. 90

"لا اله إلا الله" قال: ليس ذاك لك ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال: "لا اله إلا الله")) (١). ففي الإخراجات السابقة يأذن للنبي ﷺ فيها ولكن هذه لا يسمح ولا ياذن لشافع وإنما هي لله تعالى فحسب. وجاء في رواية قتادة عن أنس ((ثم أعود فاقع ساجدا مثله في الثالثة أو الرابعة حتى ما يبقى إلا من حبسه القرآن)) وكان قتادة يقول عند هذا: "أي وجب عليه الخلود" (٢)، فهذه الرواية ناقصة قد أكملها البخاري في كتاب التوحيد (٣) فاثبت فيها المراجعة الرابعة، حتى يقول له الجبار ليست لك ويخرج الجبار من قال لا اله إلا الله ولم يعمل خيراً قط. وهذا لا يعني ان تفسير قتادة انهم المخلدون في النار تفسير خاطيء بل على العكس فهو صحيح ومعناه: من اخبر القرآن بتخليده في النار فانه لا تدركه الشفاعة ولا يخرج من النار بقوله تعالى: ((إن الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)) (٤)، فلا مغفرة مع الشرك، والشفاعة مغفرة (٥) وقد فسر الحافظ إبن حجر قول قتادة فقال:- ((يتأول: الكفار وبعض العصاة ممن ورد في القرآن في حقه التخليد ثم يخرج العصاة في القبضة وتبقى الكفار ويكون المراد بالتخليد في حق العصاة المذكورين البقاء في النار بعد اخراج من تقدمهم)) (٦). وأرى أن هذا التاويل للحافظ بعيد جداً فالرواية التي جاءت عن قتادة ناقصة وأتمها البخاري في كتاب التوحيد كما اسلفنا، فلا حاجة لهذا التاويل البعيد. فالخلود هو لأهل الكفر والشرك والالحاد خلوداً ابدياً، واما المؤمنون الموحدون فانهم خارجون ابتدءاً أو ختاماً فهذا ليس خلوداً -والله اعلم- جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ الذي فيه اثبات رؤية الله يوم القيامة: (( ... حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد واراد ان يخرج برحمته من أراد من أهل النار امر الملائكة ان يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً فمن أراد الله -تعالى- ان يرحمه ممن يقول لا اله إلا الله فيعرفونهم في النار

стр. 91

يعرفونهم باثر السجود تاكل النار من إبن آدم إلا اثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار وقد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون منه كما تنبت الحبة في حمل السيل ثم يفرغ الله -تعالى- من القضاء بين العباد ويبقى رجل مقبل بوجه على النار ... )) (١) ... الحديث. ففي الحديث ان الملائكة هي التي تخرج الناس من النار بامر الله تعالى وفي حديث انس السابق ان النبي ﷺ هو الذي يخرج فكيف الجمع؟ نقول: الذي باشر الإخراج هم الملائكة ولكن يؤمرون بذلك على السنة الرسل (٢). وحصل خلاف بين شراح الحديث في قوله: ((فإن الله حرم على النار ان تأكل من إبن آدم اثر السجود)). والخلاف هو: هل أن المراد من "أثر السجود" عضو السجود نفسه أم مَن سجد؟. نقل إبن حجر عن القاضي عياض القول: ((أن عذاب المؤمنين المذنبين مخالف لعذاب الكفار وانها لا تاتي على جميع اعضائه أما اكراما لموضع السجود، وعضم مكانهم من الخضوع لله تعالى أو اكرام تلك الصورة التي خلق ادم والبشر عليها وفضلوا بها على سائر الخلق)) (٣). وعملاً بهذا القول فان الكافر يدخل جزما فيهم فلا تحرق النار اماكن السجود منه؟!! وعليه فهو قول مردود (٤). ورجح الإمام النووي أن: ((النار لاتاكل جميع أعضاء السجود السبعة التي يسجد الانسان عليها وهي الجبهة واليدان والركبتان والقدمان)) (٥). وهو رأي كثير من أهل العلم. واعترض القاضي عياض بحديث ((ان قوماً يخرجون من النار يحترقون فيها إلا

стр. 92

دارات الوجوه)) (١). فالمراد من أعضاء السجود الوجه فقط. واجاب على ذلك الإمام النووي بقوله: إن هذا الحديث خاص بقوم ممن يخرج وليس كل من يخرج. اما غيرهم فان اعضاء السجود كلها تسلم فيكون حديث مسلم خاصاً وغيره عاماً فيحمل الحديث على عمومه إلا ما خص منه (٢). وزاد إبن حجر على النووي أعضاء اخرى فقال: ((وما تعقبه -أي النووي- بانها خاصة بهذه الامة فيضاف اليها التحجيل وهو جميع اليدين والرجلين لا تخصيص الكفين والقدمين ولكن ينقص منه الركبتان)) ثم اردف ((وما استدل به القاضي من بقية الحديث لا يمنع سلامة هذه الأعضاء مع الانغمار لان تلك الاحوال الآخروية خارجة على قياس احوال أهل الدنيا دون التنصيص على دارات الوجوه. ان الوجه كله لا تؤثر فيه النار إكراماً لمحل السجود ويحمل الاقتصار عليها على التنويه بها لشرفها)) (٣)، والذي نراه هو ان المراد من النار لا تاكل اثر السجود إكراما له أولاً، ولكي تعرفهم الملائكة وتميزهم عن غيرهم ثانياً. ولا ارى مناسبة لكثرة التاويل بالاعضاء ام بالتحجيل، المهم انهم لا تحترق دارات الوجوه منهم فتعرفهم الملائكة ويعرفهم الشفعاء ((اذهبوا فاخرجوا من عرفتم)) (٤)، فكيف يعرف الشافعُ المشفوعَ له إذا احترق وجهه؟ -والله اعلم-،ولله در القائل: يا رب أعضاء السجود عتقها من عبدك الجافي وأنت الواقي والعتق يسري بالغنى يا ذا الغنى فا ممن على الفاني بعتق الباقي (٥) وأختلف أيضا في قوله "قد امتحشوا" أي "احترقوا" (٦)، فمن هؤلاء الممتحشون؟ فالظاهر في هذا الحديث انهم أصحاب اثار السجود وفي حديث أبي سعيد انهم أهل القبضة فكيف التوفيق؟.

стр. 93

نقل إبن حجر قول القاضي عياض ((ولا يبعد ان الامتحاش يختص بأهل القبضة والتحريم على النار أن تأكل صورة الخارجين أولاً قبلهم ممن عمل الخير على التفضيل السابق والعلم عند الله)) (١). أقول: الذي يبدو لي هو ان أهل النار من العصاة كلهم يحترقون -يمتحشون- ولكن من اراد الله له الخروج بشفاعة الشافعين وكان من أهل السجود في الدنيا فانه يبقى وجهه وصورته لا تحترق كيما يعرفه أهله واصحابه "الشفعاء". وأما إن لم يكن من أهل تلك الشفاعات فانه قد يخرج بالقبضة الالهية (٢) -والله اعلم-. وجاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً- ((أما أهل النار الذين هم أهلها فانهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس اصابتهم النار بذنوبهم اوخطاياهم فآماتهم إماتة حتى كانوا فحماً اذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل يا أهل الجنة افيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل)) (٣). وقد أول بعض أهل العلم الاماتة هنا انها ليس المراد ان يحصل لهم حقيقة وانما هو كناية عن غيبة احساسهم وذلك للرفق بهم اوكنى عن النوم بالموت وقد سمى الله النوم وفاة ووقع في حديث أبي هريرة انهم إذا دخلوا النار ماتوا فاذا اراد الله اخراجهم امسهم الم العذاب تلك الساعة. (٤) وقوله "انهار الجنة" جاء في رواية أبي سعيد الماضية "يقال له نهر الحياة" (٥) ويبدو ان تسميته بنهر الحياة اشارة إلى الخلود بعدها ابداً (٦) -والله اعلم-. وشبّه انباتهم بنبات الحبة في حميل السيل لانها في السيل اسرع نباتا من غيره، لما يتجمع فيه من الطين الرخو الحادث مع الماء مع ما خالطه من حرارة الزبد المجذوب معه

стр. 94

وشبه به لسرعته وحسن طراوته (١). ويخرج هؤلاء ((كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين ادخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ثم يقول ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم ... )) (٢). ولعل ((المراد بالخواتم هنا اشياء من ذهب أو غير ذلك تعلق في اعناقهم علامة يعرفون بها قال: معناه تشبيه صفائهم وتلالئهم باللؤلؤ)) (٣). وهؤلاء هم الذين يسمون الجهنميين فقد صح ذلك في أحاديث كثيرة منها: ما اخرجه البخاري وغيره من حديث عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((يخرج قوم من النار بشفاعة محمد فيدخلون الجنة ويسمون الجهنميين)) (٤). وليست التسمية بها نقيصاً لهم بل استذكاراً ليزدادوا فرحا على فرحهم لكونهم عتقاء الله تعالى (٥). النوع السابع: شفاعة النبي ﷺ في رفع الدرجات لأهل الجنة:- لقد ذكر هذا النوع من الشفاعة -وأقره- معظم ان لم اقل كل من ذكر انواع الشفاعة ولكن لم اجد من ذكر مستندها، إلا القليل منهم ممن استشهد بقوله ﷺ ((انا أول شفيع في الجنة)) (٦)، كمستند لها. وأنكر الحافظ إبن حجر ان يكون مستندها فقال: ((كذا قاله بعض من لقيناهم، وقال: وجه الدلالة منه انه جعل الجنة ظرفا لشفاعته. قلت: وفيه نظر، لاني سأبين انها ظرف في شفاعته الأولى المختصة به، والذي يطلب هنا ان يشفع لمن لن يبلغ عمله درجة عالية ان يبلغها بشفاعته. واشار النووي في "الروضة" (٧) إلى ان هذه الشفاعة من خصائصه

стр. 95

مع انه لم يذكر مستندها)) (١). قلت: ولم يذكر إبن حجر مستندها ايضا!! وهكذا يبدو جلياً ان هذا النوع من الشفاعة لم يُذْكَر مستندها وما ذكر منها فهو ليس في محله، لان حديث ((أنا أول شفيع في الجنة)) (٢)، يتعلق بالمقام المحمود كما بينته (٣)، وقد يشهد لهذا النوع من الشفاعة ما أخرجه الإمام مسلم من حديث أنس ﵁ ((ان رجلاً من أهل البادية اتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله متى الساعة قائمة؟ قال: ويلك وما اعددت لها؟ قال: ما اعددت لها إلا اني احب الله ورسوله قال: انك مع من احببت. فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: نعم، ففرحنا يومئذ فرحا شديدا ... )) (٤). النوع الثامن: شفاعة النبي ﷺ لعمه أبي طالب: - صح من حديث غير واحد من الصحابة كالعباس وإبن عباس وأبي سعيد، ﵁ عن النبي ﷺ في شفاعته لعمه أبي طالب. فعن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال: ((يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء فانه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا انا لكان في الدرك الاسفل من النار)) (٥). وعن إبن عباس ﵁ مرفوعاً ((اهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه)) (٦). فهذه الأحاديث تجزم بشفاعة النبي ﷺ لعمه يوم القيامة ولكن لي هنا وقفات:- الوقفة الأولى:- أمات أبو طالب مشركاً أم مسلماً؟؟ ان اجماع أهل السنة منعقد على كفره -حسب علمي- ولم ار نصاً لعالمٍ معتدٍ به يخالف ذاك سوى بعض الروافض

стр. 96

الذين استدلوا باحاديث (١) بين إبن حجر بطلانها وفسادها، لمخالفتها النصوص الصحيحة الصريحة بكفره. وقد ثبت في الصحيحين ان قوله تعالى ((انك لا تهدي من احببت ... )) نزل في أبي طالب، فعن إبن المسيب عن أبيه ﵁: ((ان ابا طالب لما حضرته الوفاة دخل النبي ﷺ وعنده أبو جهل فقال: أي عم قل: لا اله إلا الله كلمة احاج لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله بن امية: يا ابا طالب ترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب. فقال النبي ﷺ : "لاستغفرن لك ما لم أنْهَ عنه. فنزلت "ما كان للنبي والذين آمنوا ان يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم انهم أصحاب الجحيم" (٢). ونزلت: "انك لا تهدي من احببت" (٣)) (٤). قال الحافظ بن حجر:- ((وقفت على جزء جمعه بعض أهل الرفض اكثروا فيه من الاحاديث الواهية الدالة على اسلام أبي طالب ولا يثبت من ذلك شيء)) (٥). ورب معترض بحديث إبن اسحق الذي أخرجه بسنده عن إبن عباس ﵁: ((أن ابا طالب لما تقارب منه الموت بعد ان عرض عليه النبي ﷺ ان يقول لا اله إلا الله فابى قال فنظر العباس اليه وهو يحرك شفتيه فاصغى اليه فقال: يا إبن اخي والله لقد قال أخي الكلمة التي امرته ان يقولها)) (٦). فأقول: إن في سنده لم يسم، ولو صح الحديث سنداً لعأرضه حديث المسيب هذا وهو اصح منه فضلاً عن ضعفه. (٧) ثم ان العباس ﵁ كان وقتها مشركاً، وشهادة المشرك مردودة، وأسأل وأقول: مثل

стр. 97

أبي طالب من المنزلة والمكانة في قريش لا يشيع اسلامه آنذاك، حتى لا يثبت ذلك؟!!. اضف إلى ما مر فانه قد ثبت في الحديث الصحيح عن علي ﵁:- ((لما توفي أبو طالب اتيت النبي ﷺ فقلت: ان عمك الشيخ (الضال) قد مات ... )) (١). فهو دليل قوي على أنه مات على كفره وإلا فكيف يصفه (الضال)؟!. الوقفة الثانية:- مع قوله "لما حضرته الوفاة" هل يعني ذلك في اثناء الغرغرة؟ ذهب اكثر أهل العلم (٢) إلى ان المراد: قربت وفاته وحضرت دلائلها وذلك قبل المعاينة والنزع ولو كان في حال المعاينة -معاينة الموت- لما نفعه الايمان لقوله تعالى: ((وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر احدهم الموت قال: اني تبت الان ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذاباً أليما)) " (٣). ومما يدل على أنه قبل الغرغرة محاورة أبي طالب للنبي ﷺ وللمشركين من حوله (٤). وقد تكون تلك من خصوصيات النبي ﷺ ((ويؤيد الخصوصية انه بعد ان امتنع من الاقرار بالتوحيد وقال: على ملة عبد المطلب ومات على ذلك: ان النبي ﷺ لم يترك الشفاعة له بل شفع له حتى خفف عنه العذاب بالنسبة لغيره وكان ذلك من الخصائص في حقه)) (٥). وكما هو ثابت فانه لو قالها قبل الغرغرة لثبت إيمانه، كما ثبت ذلك في حديث الغلام اليهودي، فانه لما قالها قبل الغرغرة وجبت له الجنة، فقد جاء عن أنس بن مالك ﵁ قال:- ((كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض فآتاه النبي ﷺ يعوده فقعد عند رأسه، فقال له: اسلم فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: اطع ابا القاسم ﷺ فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي انقذه من النار)) (٦). وأما في أثناء الغرغرة فلا ينفع نفسٌ ايمانها كما نصت عليه الآية ((وليست التوبة ... )) (٧).

стр. 98

وللحديث ((إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)) (١). وأما ما حصل لأبي طالب فإنها خصوصية ورجا النبي ﷺ أنه إذا اقر الشهادتين ولو كان في تلك الحالة انه ينفعه بخصوصه وتسوغ شفاعته له لمكانة أبي طالب عنده ولهذا قال ((أجادل لك بها واشفع لك)) (٢). الوقفة الثالثة:- قد يعترض بامتناع نفع الشفاعة لمن مات كافراً بقوله تعالى: ((فما تنفعهم شفاعة الشافعين)) (٣)، فما وجه النفع بقوله "لعله تنفعه شفاعتي"؟ أجاب الإمام القرطبي: ((إن شفاعته ﷺ لعمه لا تنفع في الخروج من النار كعصاة الموحدين الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة)) (٤). أي أن الآية تعني المنفعة المراد منها الاخراج من النار، بمعنى: فما تنفعهم شفاعة الشافعين في ان يخرجوا من جهنم. واما الحديث فمضمونه يختلف، فانه يعني شفاعة التخفيف لا الاخراج. (٥) وأجاب إبن حجر: ((بانه خص ولذلك عدوه من خصائص النبي ﷺ )) (٦)، وقول الحافظ هذا هو الأولى -والله اعلم-. المسألة الثانية: شفاعة بقية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: - إن الأنبياء ﵈ يشفعون كما يشفع النبي محمد ﷺ وان كانوا لا يملكون بعض أنواع الشفاعة مما خصّ به نبينا محمد ﷺ (٧). ولكن من حيث اصل الشفاعة فهم يشفعون كما ثبت ذلك بصريح الأحاديث الصحيحة. فقد أخرج الشيخان وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﵁: (( ... شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبقَ إلا ارحم الراحمين ... )) (٨).

стр. 99

وأخرج الإمام احمد بسنده من حديث ابي بكر الصديق ﵁ مرفوعاً: ((ثم يقال أدعوا الأنبياء فيشفعون ... )) (١). وجاء من حديث حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ ((يقول ابراهيم يا رب حرقت بني فيقول: أخرجوا ... .)) (٢). وأما المواضع التي يشفع فيها الأنبياء ﵈ فهي عند الصراط كما ثبت ذلك، فقد جاء في حديث ابي هريرة" ... ويضرب جسر جهنم قال رسول الله ﷺ :فأكون أول من يجيز ودعاء الرسل يومئذ اللهم سلّم سلم" (٣) وهذا النوع من الشفاعة فيمن استحق النار بعمله، ولكن تدركه الشفاعة فينقذه الله منها (٤). والموضع الآخر: فيمن استحق النار، ودخلها، ثم تدركه الشفاعة ويخرجون من النار كما ثبت في حديث حذيفة سلفاً، وكما في حديث أبي سعيد ﵁ (( ... ثم يشفع الأنبياء في كل من كان يشهد ان لا إله إلا الله مخلصا فيخرجونهم منها ... )) (٥). المطلب الثاني: شفاعة الملائكة ﵈ -:- للملائكة يوم القيامة شفاعة كبقية الشفعاء، وهي ثابتة بنصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة. يقول تعالى: ((الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة فأغفر للذين تابوا، واتبعوا سبيلك، وقهم عذاب الجحيم)) (٦)، ويقول: ((وكم من ملك لا تعني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى)) (٧)، وغيرها من الآيات.

стр. 100

والإستغفار في الآية الأولى هو نوع من الدعاء والشفاعة للمذنبين (١)، وانتقاض النفي في الآية الثانية يعني شفاعة الملائكة بعد إذن الله لمن يشاء ورضاه وهنّ بشارة للمؤمنين (٢). وجاء في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً: (( ... شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون)) (٣) ... الحديث. وجاء أيضاً في حديث أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ : ((يحمل الناس على الصراط يوم القيامة فتقادع بهم جنبه الصراط تقادع الفراش في النار قال: فينجي الله ﵎ برحمته من يشاء ثم يؤذن للملائكة والنبيين والشهداء أن يشفعوا فيشفعون ويخرجون ويشفعون ويخرجون ... )) (٤). والنصوص كلها تصرح أن شفاعة الملائكة هي في إخراج الموحدين من النار يقول الإمام الرازي- في تفسير قوله "ويستغفرون للذين آمنوا" (٥): ((والاستغفار طلب المغفرة، والمغفرة لا تذكر إلا في اسقاط العقاب، أما طلب النفع الزائد فأنه لا يسمى استغفاراً، وهذا يدل على أنهم يستغفرون لكل أهل الآيمان فإذا دللنا على أنّ صاحب الكبيرة مؤمن وجب دخوله تحت هذه الشفاعة ... )) (٦). وقد يشكل أمر: هو هل الملائكة تشفع أولاً ام نبينا محمد ﷺ فالنصوص بعضها ينص على شفاعة الملائكة -كما مر معنا- "شفعت الملائكة وشفع النبيون ... "، وكذا ما أخرجهُ الحاكم من حديث أبن مسعود ﵁ (( ... أول شافع جبريل (روح القدس))) (٧). ونصوص أخرى تصرح بأن الشافع الأول هو نبينا محمد ﷺ كالشفاعة في المحشر وغيرها (٨). وجمع بينها الحافظ أبن حجر بقوله:"أن الجميع شفعوا وتقدم النبي قبلهم في

стр. 101

ذلك" (١). وأقول: أن الرسول ﷺ هو أول شافع في بعض الشفاعات. والملائكة كذلك في أنواع أخرى، فمثلاً النبي ﷺ أول شافع في المحشر وعند الصراط وفي الجنة- والملائكة قد تكون أول الشفعاء في إخراج أهل النار -والله أعلم .. المطلب الثالث: شفاعة الشهداء: - جاء التصريح بشفاعة الشهداء في أكثر من حديث، فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي بكر الصديق ﵁ عن النبي ﷺ (( ... ثم يقال ادعوا الشهداء فيشفعون لمن أرادوا وقال فإذا فعلتْ الشهداء ذلك يقول الله أنا أرحم الراحمين)) (٢) الحديث-. وكذا بسنده عن أبي بكرة ﷺ عن النبي ﵁ (( ... ثم يؤذن للملائكة والنبيين والشهداء أن يشفعوا فيشفعون ... )) (٣). وجاء في حديث المقداد بن معد يكرب ﵁ مرفوعاً ((للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفرع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها ويزوج اثنين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه)) (٤). وجاء من طريق أبي الدرداء ﵁ مرفوعاً ((يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته)) (٥). يقول العلامة المناوى في شرحه لهذا الحديث:- ((من أهل بيته: شمل الأصول والفروع والزوجات وغيرهم من الأقارب ويحتمل ان المراد بالسبعين التكثير وفيه أن الإحسان إلى الأقارب افضل منه إلى الأجانب)) (٦).

стр. 102

المطلب الرابع: شفاعة المؤمنين: - وهي شفاعة ثابتة بالحديث الصحيح فقد جاء من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ " ... فما انتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمن يومئذ للجبار فإذا رأوا انهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربنا إخواننا الذين كانوا يصلّون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: ((اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من أيمان فأخرجوه ويحرم الله صورهم على النار فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه والى انصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون فيقول: أذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من أيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني فأقرؤوا "أن الله لا يظلم مثقال ذرة وان تك حسنة يضاعفها" (١) فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار: بقيت شفاعتي ... )) (٢) الحديث. فالمؤمنون يشفعون لإخوانهم ممن سقط في جهنم فينا دون ربهم- سبحانه- ويطلبون شفاعةً في إخوانهم وأصحابهم فيشفعّهم الله تعالى فيهم. وقوله لهم: أخرجوا من عرفتم المقصود منه الأذن في الإخراج وليس مباشرة الإخراج، لأن ذلك من وظيفة الملائكة، ويستفاد من القول هذا أن الشفاعة محددة، فالإخراج لمن عرفوا وليس لمن أرادوا، فقد تريد أن تخرج زيداً من الناس ولكن الله قد شوه وجه بالنار -والعياذ بالله- فلا تستطيع أن تعرفه ومن أراد الله لهم النجاة والخروج أبق دارات وجوههم. حيث أخرج الإمام مسلم بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ مرفوعاً ((أن قوماً يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم حتى يدخلوا الجنة)) (٣). والشافع هذا قد يشفع لواحد أو أكثر وقد يشفع للقبيلة فقد جاء في حديث ابن أبي الجدعاء ((يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم قيل" يا رسول الله سواك؟

стр. 103

قال: سواي)) (١). ويشهد لهذا الحديث ما جاء عن أبي أمامة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول ((ليدخلن الجنة بشفاعة رجل ليس بني مثل الحيين ربيعه ومضر إنما أقول ما أقول)) (٢). وهؤلاء الشفعاء قد يكونون من الصحابة أو من التابعين أو علماء المسلمين وصالحيها-والله اعلم-، لأن من له هذه المنزلة لابد أن يكون من تلك الطبقات رفيعة المقام. يقول الإمام الرازي: ((إنّ جمهور الصحابة، والتابعين، وسلف المؤمنين كلهم يكونون شفعاء في ذنوب المذنبين)) (٣). ويقول العلامة المناوي: ((والشفاعة درجات فكل صنف من الأنبياء والاولياء وأهل الدين كالعابدين، والورعين والزهاد والعلماء يأخذ حظه منها على حياله. لكن شفاعة محمد ﷺ لا تشبه شفاعة غيره ... )) (٤). وهذه الشفاعة أخروية من جهة الشافع والمشفوع له وهناك نوع آخر:- فقد أخرج الإمام مسلم بسنده عن أم المؤمنين عائشة ﵁ عن النبي ﵁ أنه قال: ((لا يموت أحد من المسلمين فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا مائة فما فوقها فيشفعوا له ألا شفعوا فيه)) (٥). ومن حديث أبن عباس ﵁ مرفوعاً ((ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته اربعون رجلا لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه)) (٦). فهذه الشفاعة هي دنيوية من ناحية الشافع وأخروية من ناحية المشفوع لهم. ويشترط في الشفعاء أن يكونوا من أهل التوحيد. وأما شرط عدد الشافعين في الأحاديث فقد جاء في رواية "مئة" وفي رواية"اربعون"

стр. 104

وفي رواية "ثلاثة صفوف" وفي رواية "أمّة". وقد سئل أبو المليح عن الأمة فقال: "اربعون" (١). ونقل النووي عن القاضي عياض-القول: ((هذه الأحاديث خرجت أجوبة لسائلين سألوا عن ذلك. فأجاب كل واحد منهم عن سؤاله)) (٢) وذكر الإمام النووي احتمالات فقال: ((ويحتمل أن يكون قد أُخبر ﷺ بقبول شفاعة المئة ثم أُخبر عن الأربعين ثم عن ثلاثة صفوف وإن قلّ عددهم)). ويحتمل ((أن يكون العدد غير معتبر على رأي جمهور الأصوليين فلا يلزم من الأخبار عن قبول شفاعة مئة منع قبول ما دون ذلك وكذا في الأربعين مع ثلاثة صفوف وحينئذٍ كلّ الأحاديث معمول بها ويحصل الشفاعة بأقل الأمرين من ثلاثة صفوف وأربعين)) (٣). ونقل المباركفوري- عن القاري أنّ ((أقل الصفوف أثنان على الأصح)) (٤)، والذي يبدو لي -والله أعلم- أنّ العبرة بالجمع من الناس لا بتحديد العدد. وأن يكون هؤلاء الجمع كلهم من أهل الأيمان ممن تقبل شفاعتهم، فهناك صنف من الناس لا تقبل شفاعتهم ولا شهادتهم عند الله كما ثبت ذلك بحديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ ((لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة)) (٥)، يقول الإمام النووي أي: ((لا يشفعون يوم القيامة حين يشفع المؤمنون في إخوانهم الذين استوجبوا النار ... )) (٦)، فلا تصح شفاعة هؤلاء اللاعنين لأولئك الميتين-والله أعلم-. المطلب الخامس: شفاعة الزمن: - لبعض أيام الزمن فضل يختلف عن غيره من الأيام. وقد خصت هذه الأمة بيوم الجمعة فقد جاء من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ : ((ما من مسلم

стр. 105

يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر)) (١). فمن مات من المسلمين -خاصة- في هذا اليوم المبارك فأنه لا يعذب في قبره، والقبر أو منازل الآخرة، وليس ببعيد عن الرحمة الإلهية أن يتم نعمته على هذا العبد ويعفو عنه بعد ذلك. وهذا الحديث لا يعارض أحاديث السؤال في القبر بل تلك الأحاديث عامة، وتخص به. وهذا الأمر ليس فيه مدخل للقياس ولا مجال للنظر وإنما ينبغي التسليم والانقياد لقول الصادق المصدوق (٢). ونقل المباركفوري عن الحكيم الترمذي القول: ((من مات يوم الجمعة فقد أنكشف له الغطاء عما له عند الله، لأن يوم الجمعة لا تُسجر فيه جهنم وتغلق أبوابها، ولا يعمل سلطان النار فيه ما يعمل فيه سائر الأيام، فإذا قبض الله عبداً من عبيده فوافق قبضة يوم الجمعة كان ذلك دليلاً لسعادته وحسن مآبه وأنه لا يقبض في هذا اليوم إلا من كتب له السعادة عنده فلذلك يقيه فتنة القبر)) (٣). المطلب السادس: الشفاعة الإلهية: - لقد جاءت بعض الألفاظ في الأحاديث النبوية تشعر بأن هناك شفاعة إلهية بل قد جاء لفظ صريح (( .. فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار: بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً قد أمتحشوا فيلقون في نهر بأفواه الجنة ... )) (٤). وما أخرجه الأمام مسلم بسنده عن أنس بن مالك ﵁ مرفوعاً ((يخرج من النار أربعة فيعرضون على الله فيلتفت أحدهم فيقول: أي رب إذ أخرجتني منها لا تعدني فيها فينجيه الله منها)) (٥)، وما كان على هذا المنوال من الأحاديث

стр. 106

الأخرى (١). وكما هو معلوم من تعريف الشفاعة أنها: طلب الخير للغير، والتوسط بين أثنين فكيف نستطيع أن نخرج من هذا الإشكال؟. أقول: الاختلاف في ألفاظ الحديث عند الرواة أمر وارد حتى بين الصحابة الكرام ﵃ فقد ينقل متن حديث يختلف عن غيره من وجه أو أكثر، و ((قد يفوت بعضهم ما عند الآخر فإذا جمع ما عند الجميع وترك ما خالف فيه الثقة الثقات وما كان فيع علة تمنع الأخذ به استقام الأمر ويبقى القرآن هو الأصل والسنة شارحة له ... )) (٢). لذا فما دام قد وردت ألفاظ أخرى للحديث وهي صحيحة كالرواية التي أخرجها الإمام مسلم (( ... شفعت الملائكة وشفع النبيون، وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خير قط ... )) (٣)، فلفظة الرحمة هي أقرب إلى معنى العفو الإلهي. وعلى فرض صحة تلك اللفظة فيمكن حملها على أنها من قبيل المجانسة أو من قبيل (( ... .أعوذ بك منك ... .)) (٤). فكأن المعنى يصبح: أن الله يتشفع برحمته من عذابه فان قيل: فما الفرق أذن بين الرحمة في المغفرة والرحمة في الشفاعة؟ قلنا الرحمة قبل الحساب مغفرة وبعد الحساب شفاعة-والله أعلم-.

стр. 107

المبحث الثاني شفاعة الأعمال الأعمال أقسام، والجزاء عليها أشكال مختلفة، فمنها ما يجازى العبد عليها في دنياه، ومنها ما يجازى عليها يوم القيامة، ومنها ما يجازى عليها في الدارين. والجزاء الأخروي للأعمال قد يكون أجرها محدداً، كان يكون مئة حسنة أو الف حسنة -والله يضاعف لمن يشاء- ومن الجزاء الأخروي على الأعمال ما يغفر لك ذنوبك كلها أو بعضها، كالوقوف على عرفة أو الحج أو الصيام ليلة القدر (١) ... . ومنها ما يحجبك عن النار أصلاً أو يحاجج عنك أمام الله تعالى كالصيام والقرآن يقول الصيام: يا رب منعته الطعام والشراب، ويقول القرآن منعته النوم (٢). والذي يعنينا هنا هو العمل الذي جاء الخبر الصحيح بلفظ صريح أنه يشفع لصاحبه كالصبر على الأواء المدينة، مثلاً (٣)، وغيرها، أو جاء يخبر أنه يحجب النار، أو يحاجج صاحبه، فما كان من النوع الأول فأننا حاولنا الا يفوتنا منه شيء، وما كان من النوع الثاني فاننا اقتصرت على الامثلة فقط، لضيق الوقت أولاً، ولأنه لو كتب بالشكل المطلوب لكتبت به رسائل.

стр. 108

المطلب الأول:- شفاعة كلمة التوحيد- لا اله إلا الله محمد رسول الله -. باديء ذي بدء لابد أن نقف على معنى "كلمة" ومعنى" توحيد" وما معناهما مركبتين؟. فالكلمة: هي اللفظ الموضوع لمعنى مفرد (١). والتوحيد: واصلها: وحَّد، يوحد، توحيداً، ومعناها: الافراد (٢). وكلمة التوحيد تعني: لا اله إلا الله محمد رسول الله (٣). وتزداد قيمة الكلمة وأهميتها بازدياد أهمية موضوعها، وهل موضوع أعظم من توحيد الله؟ فالإنسان أذن يدخل الإسلام بكلمة، ويخرج من الإسلام بكلمة، يدخل الجنة بكلمة ويدخل النار بكلمة. وأصل دعوة النبي ﷺ "كلمة":يا قوم "قولوا لا اله إلا الله تفلحوا" (٤) ونحن نحكم بإسلام كل من يقول"لا اله إلا الله محمد رسول الله" فإذا قالها دخل حصن الإسلام ويعصم نفسه وماله، ويجب له ما للمسلمين من حقوق، وعليه من الواجبات ما عليهم (٥). ولكلمة التوحيد في الدنيا منزلة خاصة بالإضافة إلى ما سبق: فمن قالها فلا يحل دمه ويصبح حراماً على المسلمين وحادثة أسامة بن زيد- ﵂ حينما قتل ذلك الرجل الذي قال لا اله إلا الله خوفاً ورهبة من السيف - كما ظنّ أسامة- ولما علم النبي ﷺ عاتبه وقال له: ((أقتلته بعد أن قالها؟)) (٦) خير دليل. أما في الآخرة فإنها ذات مكان عظيم فهي تشفع لكل من قالها خالصاً من قلبه ... فـ"لا اله إلا الله" مع ضميمتها "محمد رسول الله" تعتبران البطاقة الرابحة يوم القيامة ومن

стр. 109

لم يحمل البطاقة فليس له أن يدخل الجنة البتة ولابد من الإقرار أن محمداً رسول الله، يقول الحافظ أبن حجر: ((والمراد بقوله لا اله إلا الله في هذا الحديث وغيره كلمتا الشهادة فلا يرد أشكال ترك ذكر الرسالة)) (١)، ولا يعرف معنى لا اله إلا الله ومستلزماتها إلا بالإقرار أن محمداً رسول الله ﷺ (٢) ولهذا كان الصحيح: ((أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا اله إلا الله لا النظر ولا يقصد إلى النظر ولا يشك كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم، بل أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد ... الشهادتان ... .)) (٣). إذن فالإقرار بالتوحيد عمل بل من أسمى الأعمال وأفضلها. النصوص ومناقشتها:- جاءت الأحاديث الصحيحة التي تصرح أن من شهد بالتوحيد ومات على ذلك فقد حرم على النار فقد أخرج الشيخان وغيرهما من حديث أبي ذر ﵁ يقول ﵁:- ((أتاني جبريل فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة فقلت وأن زنى وان سرق؟ فقال وأن زنى وأن سرق)) (٤). وأخرج الإمام مسلم بسنده من حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من شهد أن لا اله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار)) (٥). وأخرج الشيخان وغيرهما من حديث عتبان بن مالك ﵁ مرفوعاً: ((لا يشهد أحد أن لا اله إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار أو تطعمه)) (٦). وجاء من طريق معاذ بن جبل ﵁ بلفظ ((من قال لا اله إلا الله مخلصاً من قلبه أو يقيناً من قلبه دخل الجنة ولم تمسه النار)) (٧). فهذه النصوص وغيرها فيها بيان أن كلمة التوحيد تشفع لصاحبها فهي قد تحجبه أصلاً فلا تمسه النار، إذا كان ممن أدى حقها ولم ينقضها. ولا اريد أن أذكر الأحاديث

стр. 110

التي تتكلم عن كونها -لا اله إلا الله- تدخل الجنة فأنه لا ينفي دخول النار أولاً (١). وقد عدها الحافظ أبن حجر من أنواع الشفاعات الأخروية فقال (( ... وشفاعة أخرى، وهي شفاعة فيمن قال لا اله إلا الله ولم يعمل خيراً قط)) (٢). ومن مجموع الأحاديث الواردة نجد التعارض قائماً-ظاهراً- فالاحاديث التي مرت تفهم أن من قال لا اله إلا الله لم تمسه النار مطلقاً، وإلا فما معنى: لا تمسه النار؟؟ أو لاتطعمه النار؟؟ وفي المقابل جاءت أحاديث أخرى صحيحة تصرح أن من قال لا اله إلا الله قد يكون من أهل النار ثم تدركه الشفاعة كما جاء في الحديث: ((يخرج من النار من قال لا اله إلا الله وكان في قلبه مثقال شعيرة من خير ... )) (٣) الحديث. وقد إختلف أهل العلم في توجيه هذه النصوص اختلافاً بينا، فقد ذهب الإمام البخاري إلى أن معنى "وأن زنى وأن سرق": أي من تاب عند الموت قبل الغرغرة وهذا هو ما فهمه أبو ذر ﵁. وذهب قسم آخر إلى ان دخول الجنة قد يكون ابتداءً، وقد يكون بعد المجازاة على المعصية، وفي ذلك يقول الحافظ أبن حجر: ((والأول هو وفق ما أفهمه أبو ذر، والثاني أولى للجمع بين الأدلة)) (٤). وروي عن سعيد بن المسيب والزهري -رحمهما الله- في تأويل الأحاديث الواردة في أن "من شهد أن لا اله إلا الله دخل الجنة" وفي بعضها "حرم على النار": أن ذلك قبل نزول الفرائض والأمر والنهي. ذكره الحافظ ابن حجرثم تعقبه فقال: ((ووجه التعقيب ذكر الزنا والسرقة فيه)) (٥). وروي عن الحسن البصري: ((على من قال الكلمة وأدى حقها بأداء ما وجب واجتناب ما نهى)) (٦)، وقد رجحه الطيبي (٧).
следующие страницы →