Полный текст (580 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
أُرَاقِبُ الحيَّ حتى إذ رأيتُهُمُ ... جَدُّوا سِراعاً وما عاجوا لتوْدِيعي
وأجمعُوا الأمرَ أنْ لا وَعْيَ إذ رَحلوا ... عنْ جانبِ السّبْحةِ الشرْقيّ ذِي القيع
رَصَدْتُهمْ بالثنايا الخُضْرِ أرْقُبُهمْ ... كيما يَقيلوا مَقيلي بعدَ تَفْجيعي
فحادَ بالظُّعْنِ عَنْ قَصدي وَروّعني ... حادٍ لهمْ كانَ مَعْنِيًّا بتَرْويعي
ما زِلتُ أُتْئِرُ طرْفَ العَينِ نَحْوَهُمُ ... فالعَيْنُ قدْ مَسَّها طَرْحي بتَرْسِيعِ
حَتى إذا الشمسُ ألْقتُ في الظلامِ يداً ... وَجدّ أعْلامُها منه بتَلفيعِ
أتْبَعتُهنَّ سَبَنْداةً عَرَنْدسَةً ... تَنْضُو الجيادَ بموضوعٍ ومَرْفوع
تَرَبّعَتْ بينَ أصواء الثُّدِيّ إلى ... خَبْتِ الدَّوِيَّةِ في غُفْلٍ ممارِيع
كأنَّها لِقْوَةٌ شَقْواءُ عادِيَّةٌ ... للِصَّيْدِ نُطّقَ جَنباها بِتَوْلِيع
بَينا تَقَحَّمُ في الظلماء جافلِةً ... لاحَتْ لها النّارُ بالعَلْيا منَ الرّيع
стр. 177
إِذا سَجَتْ هَبَّ هَبُّ الرّيح يصْفَقَها ... صَفْقاً وألوَى بها رِيعُ المبْيدِيع
كأنّ بالجوّ شِملالاً تصِفُّ بها ... صَفًّا وتَقبِضُ منْ فُتْخِ المَلامِيع
يا مُوقِدَ النارِ أوقِدْها فلا شَلَلاً ... لازَال شملُكَ مَرْمُوماً بتَجمِيع
فِدّى لنارٍ هَدَتني أنتَ تُوقِدُها ... شُبّتْ بأرْطى وأطْلاحٍ وَيَتُوع
نارٌ تُشَبُّ بغارٍ في ذُرَى إضَمٍ ... هدَتْ حُميْداً إلى حُورِ المَداميع
والغارُ والنَّدُّ والعَلْياءُ منْ إضَمٍ ... تَفْدِى اليَتُوعَ وَعَلْياَء المُبيْديع
ما زلتُ أَهْوى ورأيُ العَينُ يُؤْبِسُني ... مِنها وَيُطمِعُني نَصّي وتَرْفيعي
حَتى أَضاَءتْ مَهىً صُفْراً تَرائِبُها ... بِيضاً مَحاجرُها حُمْرَ الأصابيع
فيها أُسَيْماءُ وَاأسْما لمُخْتَبِلٍ ... يَهذِي بذكراكِ لِلهجْرانِ مَصدُوع
стр. 178
لمَّا وَلَجْتُ عليها الخِدْرَ فانبهرَتْ ... والقَوْمَ ما بينَ وَسْنانٍ ومَصْرُوع
مَدّتْ إليَّ على ذُعْرٍ لتَعْرِفَني ... خُضْباً أيانيعَ أمثالَ اليَساريع
فَبِتُّ أقْصَعُ منْ حرِّ الجوى غُلَلاً ... حُمّلْتُهَا مُنْذُ أيَّامِ اليُنَيْبع
تَعرَّضَتْ ليَ مُغْتَرَّيْنِ وا أسفي ... فَفَجَّعْتني ولم تَشْعَرْ بتَفْجيعي
بذِي رِعاثٍ رَبيبٍ منْ مَهى رَجم ... أحْوى المَداميع بالجادِيّ مرْدُوع
فحلَّ بالقَلْبِ ما قدْ حَلَّ منْ شَغَفٍ ... منْ فاجِع ما دَرى ما خَطبُ مَفْجُوع
وقال أيضا:
هاجَ المَنازِلُ منْ نِعافِ عَقَنقَلِ ... تِنْوَا كُدَيْلَ عُقامَ شَوْقٍ مُخبِلِ
فالرّبعِ ذي العَرصاتِ فالقاع الذي ... دُونَ الأجارعِ منْ أميلِ تَمَرْذُل
دَارٌ لمْيمُونَ التي فعَلَتْ بهِ ... فَعَلاتِهَا ومَشَتْ كأنْ لم تفعَل
دارُ التي سَبَتِ الفؤادَ بِدَلّها ... يوْمَ النُّبيكةِ ثمَّ يوْمَ المعْقِل
стр. 179
صابتْ علائقَ قلْبِه بسِهامِها ... عَمداً على عينٍ ولمَّا تَحفِل
أصْمَتْ أخاك لَوَ أنّ ما فعلَتْ بهِ ... ساءِ لهُ منْ جُرْحٍ أو منْ مَقَتل
فعِمى صَباحاً دارَها ثمَّ اسْلمي ... وسقاك طوْعَكِ كلُّ غادٍ مُسْبل
عُوجا على الأطلالِ نقْضِ لُبَانَةِ ... نشكو الهوَى ونُحيّهنَّ ونسْألِ
إنّ المَنازلَ لوْ تُجيبُكَ عِندَها ... خبرُ المُكتّمِ منْ مَصون الدُّخْلُل
نصَفَ النَّهَارُ وصُحبتي يَدْعُونني ... وأنا أُسائِلهَا كمنْ لم يسألِ
فلئنْ سَقاني مرَّةً عِرْفانُهَا ... أنفاسَ تهمامٍ كطعْمِ الحَنظل
فلقدْ أظلُّ بغرَّةٍ أسْقى بها ... أشْهى وأطيَبَ منْ رَحيق السّلْسل
منْ ظلمِ بَاسِقَةٍ كأنّ أرِيجَها ... مَشمُومُ نافحةٍ بماءٍ قَرَنْفُل
قدْ أكملتْ ما شِئتَ إلا أنها ... عِشرُونَ منْ أعوامِها لم تكمل
ولقدْ قعدْتُ إلى الصباح لِناعِجٍ ... مُتَخمّط هَزِمِ الهَديرِ مُجَلْجِل
يَحْدُو بأبكارٍ هَجَائنَ دُلَّحٍ ... كُومٍ خرائعَ كالجمالِ البُزّل
стр. 180
ما زالَ ينَدْهُها فلما أنْ عَلا ... تَرْق إلى بَطن النشيرِ فأيْمُل
ألقى بَوَانِيَهُ بهنَّ مُعَرّساً ... ثمَّ انْتحى بجرانهِ والكَلْكل
يسقى الذِّراعَ فتيجريتَ مُدَوّما ... مَنْ خَبْتِ عَيْشَ إلى مَدافع تنْضُل
وغداة بها نحوَ الزّفالِ فتيرسٍ ... يَقضي منَ التسْحاح ما لم يفعلِ
وقال أيضا:
حَيّ منْ ساحةِ المبيْدِيع دُورَا ... جَنْيةَ الريع قدْ دَثَرْنَ دُثُورا
قدْ أضرَّ البلى بها غير لَوْح ... منْ رُسُوءٍ تَخالهُنَّ زَبُورا
وبقايا منَ ارْمِداتٍ تقَيها ... خالداتُ الصَّفا الصَّبا والدَّبُورا
حَبذا هنَّ منْ معاهدَ لولا ... أنّ للدَّهْرِ عَثرةً وحُبُورا
فقِفا وابكيا وعُوجا وَجُودا ... بمصُونِ الدّموع جَوْداً مَطُورا
وإذا ما لم تُسعِدانِي فعُوجا ... إنَّ غَدْراً أنْ تمنعَاني المُرُورا
стр. 181
إِنَّ عِندِي لها إذا لم تُعينا ... مِقْوَلا مُسْعِدَا وَجَفناً دَرُوُرَا
وفؤاداً على صُرُوفِ الليالي ... وانْصَرافِ الصِّبا لِجُمْلٍ ذَكورا
إِنَّ جُملاً مَتى تُلَّم بجُمْلٍ ... تَلْقَ جَيْدانةً عَرُوبَا ذَعُورا
أوْحَشَ النّيشُ بعدَ أترابِ جُملٍ ... ولقدْ كان آهلاً معْمُورا
فإلى الرَّقمتينِ منْ مُنْحنى المَوْ ... ج بحيثُ الصَّفا يرى التَّيْثورا
فالدِّيَارُ التي بجنْبِ قُديْسٍ ... عادَ مَعْمُورُ خَيْفِها مَهْجورا
فَلنا في لِوَاهُ أيَّامُ عِيدٍ ... عَزّ منْ قدْ بدا بهنَّ الحضورا
حِينَ إذ جُمْلُ منكَ غيرُ بعيدٍ ... لا يُعْنّيكَ أنّ ترى أو تزورا
حِينَ إذ هِيَ بالبناتِ تَلهَّى ... يا لَها شادِناً أغنَّ نَفُورا
وإذا رَيْتَ ثمَّ رَبْتَ نَعيما ... طابَ ما شئتَ لذَّةً وحُبُورا
قدْ قضينا به نذورَ التّصابي ... وتَغيَّرْنَ منهُ فيهِ الخمُورا
وتمتَّعْتُ منْ جناهُ ولكنُ ... ما مَتاعُ الحياةِ إلا غرُورا
دَرَّ دَرُّ الشبابِ من خِدْنِ صدْقٍ ... غيرَ أني ظننتُ أنْ لنْ يحُورا
إنّ في القلب منْ جَنَاهُ عُلالا ... تٍ أتى الشيْبُ دُونَها والنُّذُورا
وقال أيضا:
أقُولُ لِرَاع الذَّوْدِ بينَ شُلَيْشِلٍ ... ولَبَّةَ والعيْنانِ تنْهمِلان
стр. 182
أيا راعيَ الذَّوْدِ الهجَائنِ قِف مَعي ... سقاكَ حَييٌّ ذو أجَشَّ يمانِ
ولا زِلتَ في عَرْجٍ تُنتّجُ بكْرَهُ ... وجُلَّتَهُ ذا ثَرْوةٍ عكَنانِ
أسائلُ عنْ حيِّ الشقيقةِ إنني ... وإيَّاكَ يا راعِي لِمُسَّئِلانِ
فقال انْتموْا لِلْمَوج واحْتَثَّ ظعْنَهمْ ... غُديَّة حادٍ ليس بالمُتوانِ
فكلفْتُ همّي إثْرَهمْ ذا عُلالةٍ ... خَبيرٍ بنصّ الوخدِ والذَّمَّلان
به ظلعانٌ مُستبانٌ ومَنْ يجدْ ... كوَجدىَ لا يلوى على الظَّلَعان
وقال أيضا:
أخيراً سَرتْ بَعدَ الهُدُوّ بلابلُهْ ... فلا هَمّ إلا دون هَمٍّ يقاتلُهْ
لِشَيْمِ بُرَيْقٍ لاحَ من نحو ذي الغضا ... كلَوْح الضّيَاءِ المُسْتطيرِ مَخائِلُهْ
وتَكارُ أيامِ المُبيديع شاقني ... ألا حبَّذا أيامُهُ وليائِلهْ
عفا النيشُ ممنْ هُوَ بالأمسِ آهِلهْ ... مخارمهُ فسفحُهُ فمجادلهْ
فَسُهْبُ الكديد فالغُشيْواءُ فاللّوى ... لِوى السّاقِ بعد الأنْسِ قَفْرٌ منازلهْ
فَرأْسُ الذُّريْعِ فالطويلةُ فالأضا ... أضاءُ الغُوَيْرِ فالذراع المقابلُهْ
فَوادى النَّعامِ مُقفرٌ جلَهاتُهُ ... ففَرْشُ الخليج سَهْلهُ فُضلاضِلُهْ
فعُهدَةُ فالغُلاّنُ منْ ذي محارةٍ ... فخيشومةٌ قِيعانُهُ فمسائلُهْ
стр. 183
منازلُ لوْ غَيْلانُ ميّةَ شاهِدٌ ... بها إذ صِبانا لا ترُوعُ غوائلهْ
لما استَحبلتْ عينيهِ يوْماً محلّةٌ ... بحُزْوى ولا جَوّ الملاَ وجُلاجلُهْ
وقال أيضا:
عِندَ الأُخَيْضِر ما يشفيك لو نَطقا ... فحيّهِ حَيّهِ منْ أجلِ ما سبقا
إذْ كان يحملُ أمَّ المؤْمِنينَ لدى ... إنْيا شَوانَ تَرى في سيْرِهِ عنَقا
بينَ الظعائن لا أدْنُو لواحدَةٍ ... حتى إذا جُعِلَتْ مُطيُّها حِزَقا
أبدى التفرُّقَ ما قدْ كنتُ أكتمهُ ... وعُجْتُ نَحْوَ التي أهْوى بها يقَقا
أمْشى بجانبها حتى إذا رَفعتْ ... يدَ السّياطِ كما يجلو السَّنا غَسَقا
أرْمى بنَظرةِ عينٍ لا اصْطِبارَ لها ... منْ فُرْجةٍ صَغُرتْ من سجَفها سَرقا
إلى خُصورٍ لها مثلِ الجديلِ ترى ... إذا نظرْتَ لها منْ بينها عَرقا
أمْسَتْ أميْمُ لدى دامانَ منزِلُها ... سقاهُ كلُّ مُلِثٍّ يحملُ الودَقا
وقال أيضا:
ولمّا رأينا منزلا كان قبل ذا ... مَصيفاً لأُمّ المؤمنينَ ومرْبَعا
تداعتْ دواعي الشوْق منْ كلّ وجهةٍ ... فأذرَيتُ دمعَ العين مثنى ومرْبعا
стр. 184
وقال أيضا:
حيّ المنَازِلَ بالكدِيدِ الأحمرِ ... بالجنْبِ منْ طورِ الحِصانِ الأيسرِ
أمْسى الكديدُ طوامساً أعلامُهُ ... قَفْرَ المحلَةِ يا لهُ منْ مُقْفِرِ
ولقدْ أراهُ وهْوَ ذو مُتوسّمٍ ... تَنْدى أصَائلهُ أنيقَ المَنظر
كان الكديدُ من آل الأصْفِر آهِلا ... فاليومَ أَوْحَشَ بعدَ آل الأصفر
ما أنْسَ لا أنْسى أصيلا بتْهَمْ ... بين العذارى عاطلا في مئزر
بَرزتْ بجيدٍ جدايةٍ مذعورةٍ ... وبكشح جازئةٍ وعيني جُؤذُرَ
إنْ كنتَ تَدْرِبها الغداةَ فإنها ... صادتْ فؤادكَ وهي لمَّا تَدَّر
وقال أيضا:
سَرَتِ الجَنوبُ ولاحَ لي برْقُ ... صَوْبَ الخليج فعَادني أرْقُ
يخفو فيطرِينُي وليسَ سِوى ... خَفقِ الفُؤادِ كخْفِقِه خَفْقُ
فكأنما تَحدُو بوارِقهُ ... خَيلٌ تجُولُ جَلالَها بُلْقَ
قدْ لاحَ مُسْتَحراً فقلتُ لهُ ... رأسَ الذُّرَيّع أيُّهَا البَرْقُ
فاسقِ المُقَيْلةَ فالطويلةَ فالْ ... إفلاج حَيثُ تَصرَّمَ العَرْق
جاد الذُّرَيعَ ذو جَدىً هَمِرٌ ... يُرْويهِ لا رَنِقٌ ولا طَرْقُ
يا حبذا دَوْحُ الذُّرَيّع ذي ال ... ظِل الظليل وَرَمْلُهُ اليَلْق
بلْ حبَّذا عِينٌ تَقيّلهُ ... بيضُ التّرَائبِ خُرَّدٌ عُتْقُ
يَعْكفْنَ ضحواً في مكانِهِ ... فَطريقُهنَّ لِفَيئهِ دَعْقُ
стр. 185
حتى إذا ما الشمسُ قدْ جَنَحتْ ... واجْتابَ جِلْبابَ الدُّجى الأفق
رَجَعَتْ تَجُرُّ الرَّيْطَ رائحةً ... للِطيبِ منْ أرْدَانِها عَبْقُ
وتُرُوحُ عائشُ بينَهُنَّ كما ... قدْ ذَرّ بيْنَ سحائبٍ شَرْقُ
رَقْرَاقَة جَيدانةٌ أنُفٌ ... للِزّعْفرانِ بنَحرِها شَرْقُ
لم تعْدُ عَشْراُ واثنتين مَضتْ ... وسَما بها عنْ تِرْنهَا العِتْقُ
تَجلو ثَماناً هلْ رأيتَ بَنَا ... تِ الغيْثِ وَيْكَ لِظلْمها بَرْق
وكأنَّ رِيقَتَها إذا وسَنتْ ... صَهْباءُ أنْحلَ جِرْمَها الصَّفقُ
وكأنّ رَيَّاها إذا نشأتْ ... نَشْرُ الخُزام جَلا بها الوَدْقُ
أبصرْتُهَا مُغْتَرَّةً فكأنْ ... هَتْكَ السّقافَ مَعابلٌ زُرْقُ
راحتْ ورُحْتُ سليمةً وصِباً ... أو مثلَ ما منْ يفعل العشق
إنْ لا يكنْ سعْد السُّعودِ إذاً ... فله السُّعودُ جميعُها أُفقُ
كم دُون عائِشَ قدْ تَعَرَّضَ منْ ... فَجِّ تُصِيبُ أفِجّة عُمْقُ
هلْ تُبْلِغنّي دارَها أجُدٌ ... زَيَّافةٌ في مشْيها خُرْقُ
تغَنالُ أعماقَ الفِجاجِ إذا ... أمْسى تَغوَّلَ غَوْلهُ الخرْقُ
وقال أيضا يتألم من كثرة التيمم في الناس، وقلة الوضوء:
стр. 186
أهاجَكَ رَسْمٌ بالغُشَيْواءِ مائلُ ... كما لاح جفنُ السَّيْفِ والسَّيْفُ ثامل
ومَغْنىً بميثاءِ القرارةِ بَعثَرَتْ ... مُعالِمَهُ هُوجُ الرّياح الجَوافِلُ
وقفتُ بها فاسْتَجهلْتني رُسُومُها ... وما الجَهْلُ إلا ما تهيجُ المُنازلُ
فدعْ ذكرَ أيَّام الشبابِ فذكرُهُ ... أخيرٌ وقدْ ولّى ضلالٌ وباطلُ
ولكنْ إلى الرَّحمن فاشْكُ مُصيبةً ... ألمَّتْ بنا ما إنْ إليها المَعاضِلُ
مُصِيبةُ دينِ اللهِ أَمْسى عِمادُهُ ... كمنفُوسِ حُبْلى غَرَّفتهُ القوابلُ
تظاهرَ أقوامٌ عليهِ فطمَّسُوا ... هُداهُ فهمْ عادٍ عليهِ وخاذلُ
فحسَّانُ عادٍ والمُهدَّى بهَدْيهِ ... وجُلَّ الزّوايا فيه عنهمْ يُجادلُ
يُجادلُ عنهمْ ذِلَّةً وطماعةَ ... ألا لُحيتْ تِلك اللّحى والحواصلُ
فهمْ يدّعون الدِّينَ والدينُ منهمُ ... مَناط الثريا رامها المُتناوِلُ
يُصلون لا يأتونها بطهارةٍ ... وعندَ الأذانِ نَوْؤُهمْ مُتكاسلُ
يُصلون دَأباً بالترابِ جَهالةً ... بأفوَاهِهمْ تُرْبُ الحصى والجنادِلُ
يقولونَ مَرْضى هلْ سمعْتَ بأمةٍ ... بها مَرضٌ قدْ عمَّها لا يُزايلُ
نَعمْ مرضُ القلْبِ المعَدّ لأهلهِ ... بهِ درك النارِ الحِرارُ الأسافلُ
وأما تكاليفُ الرّجالِ التي أتَتْ ... منَ اللهِ آياتٌ بهنَّ نَوَازِلُ
стр. 187
فقدْ أغفلوها مُسْتَحَلّينِ تَرْكَها ... وقدْ أغفلوها فهيَ منهمْ بواهلُ
لخانوا أماناتِ الإِلهِ وعَهْدَهُ ... وما اللهُ عما يعملُ القومُ غافلُ
ويبكونَ أنْ ضلّ البعيرُ سفاهةً ... وأن تظمأ الشَّولُ الجوازى الأوابل
وأن تَقفَ البَيْقُورُ عندَ وُرُودِها ... هُناك التّبكي مِنهُمُ والتقاتُلُ
فَهلاّ على الدينِ الحنيفِ بكيْتُمُ ... فلا رقأتْ تلك الدُّموعُ الهواملُ
لِيبكِ لدينِ اللهِ منْ كان باكياً ... فقدْ قُطعتْ منهُ العُرى والوسائلُ
ولم يَحْمِ دِيناً مُستباحاً حَريمُهُ ... منَ المعتدى إلا القنا والقنابلُ
وفِتيانُ صِدْقٍ صابرون لربهمْ ... يُحامون عنه وهو عنهمْ يُناضلُ
يَحْشُّون حَوْماتِ الوغى بنفوسِهم ... إذا هابها الثّبْتُ المِحَشُّ المُباسل
وقال أيضا:
أولى له أنْ يريهِ الهمُّ والشَّجنُ ... إذْ لَمْلَمَ الظُّعْنَ يَوْمَ الرحلةِ الظَّعنُ
أشكو إلى اللهِ ما لاقيْتُ بعدَهُمُ ... غُدَيَّةَ المَوْجِ لمَّا اعْرَوْرَفَ الظعنُ
وضحضَحَ الآلُ بالمَعْزاءِ دونَهُمُ ... كما تكَفَّأ وَسْطَ اللجةِ السُّفُنُ
وفي الحُمُولِ بخَنْدَاةٌ مُخدَّرةٌ ... ما شانَها خَوَرٌ فيها ولا دَنَنُ
كسْلى منَ اللاَّءِ تُمسى وهي نائمةٌ ... إذا نفي النَّوْمَ عنْ جاراتِها المَهَنُ
стр. 188
أمَا ومنْ حَجَّ أرْبابُ الحجيج لهُ ... وحيثُ تُنْحَرُ عِندَ المَشعْرِ البُدْنُ
لولا أمَيْمَةُ والماءُ النَّميرُ وما ... منْ طابةٍ طابَ إذ يجري النَّدى الوهَنُ
لمَا تَبِعْتُ حُدُوجاً بالمَطيّ ولا ... باليْتُ ما جرَّ منْ إحداثهِ الزّمنُ
وله أيضا:
بتُرارِين مَرْبَعٌ للِرَّبَّابِ ... حَسنٌ لوْ أبانَ نُطْقَ الجوابِ
وبآمِلِّ حَوْلهُ رَبْعُ سَلْمى ... صَيَّرَتْهُ اللّيال رَقْمَ الكتاب
أقفَرَ اليوْمَ من سُعادَ وسُعدى ... لُجَّ يا قلْبُ في شَجىً واكتتاب
وله قصيدة من بحر الخفيف، ولم يبق في ذهني منها إلا بيت واحد وهو:
بكَرَ العاذلاتُ باللّوْماءِ ... رُبَّ لوْمٍ أحثَّ منْ إِغراءِ
وليس هو مطلعها، ومطلع قصيدة يمدح بها بكار بن أسويد أحمد شيخ إدوعيش:
بكّارُ إنّكَ رَوَّاحٌ وَبكّارُ ... للِمَكرمُاتِ وَنَفَّاغ وضَرَّارُ
وله من قصيدة، يرثى بها العلامة مولود بن أحمد الجواد الآتي بعده. ومطلعها:
أقولُ لمَّا نعى النَّاعُون مَوْلودا ... نَعَيْتُمُ العِلَم والمعروفَ والجودا
نعى النُّعاةُ الجوادَ ابنَ الجوادِ ومنْ ... أمسى به الضيفُ بعدَ الجدّ مَجدودا
نعى النُّعاةُ الجوادَ ابنَ الجوادِ فقدْ ... أضحى الفؤادُ لنعى الجودِ مَعْمودا
ومنْ إذا الهمُّ ضافْتهُ بلابلُهُ ... كان القِرى أنْ يَنُصّ الضُّمَّرَ القُودا
ومنْ إذا ثرَ المُنْجابُ منْ خَورٍ ... نَوْماً ودِفءً تراهُ يألفُ البِيدا
على تِنِجَّنْ ألِمَّ تَبكيانِ بها ... صِنديدَ مجدٍ لأشياخٍ صَناديدا
كم شَنَّ مَصْرَعُهُ منْ دَمعِ باكيةٍ ... مِنَّا وباكٍ لهُ لم يُبقِ مَجلودا
стр. 189
ومنها:
دَعِ الحواصِنَ يَنْدُبْن الهُمامَ فلا ... عُدّتْ من البيضِ منْ لَمْ نْبكِ مَوْلودا
يَنْدُبْنَ نَدْباً أبيَّ الضَّيْم ذا فخرٍ ... حُلْوَ الشمائلِ في العَزَّاءِ محمودا
قدْ كان لِلمَجْدِ والعَلْيَاءِ مَشْهدُهُ ... رُكناً فأصْبَحْ رُكنُ المَجدِ مَهدودا
ومنها:
يا رَبَّنا أَوْلِ منْ نُعْمَاكَ مَوْلودا ... عَفْواً وظلاً من الفرْدَوْسِ ممدودا
وَأَوْلهِ الماَء مسكوباً وفاكهةً ... والسّدْرَ والطلْحَ مخضوداً ومنضودا
وقال أيضا:
لا القلْبُ عنْ ذكرِ أمّ المؤمنين سلا ... ولا أرى عاذلاتي تتركُ العَذلا
بلْ لا أرى لوْمَ من يَلْحُو ومن عذلا ... ألاّ يزيدُ عليَّ الهمَّ والخبلا
ولا أراني أرى رَسْماً ولا طللا ... إلاّ وساءلتُ عنها الرسْمَ والطللا
هي التي أنا لا أبغي بها بدَلا ... منْ غِيدِ عَثْمةَ ذاتِ الضّالِ من أجلا
هي التي لِلقاها أفْرَحُ الجَذَلا ... ونَيليَ الوصلَ منها نيليَ الأمَلا
هي التي ألبَسَتْ غِيدَ الورى الخجلا ... وتحتَ أخماصِها اليافُوخُ من زُحلا
فإنْ تكنْ تَبتغي أن تُدْرِكَ الأملا ... فَلْتَتبِعنْ حَيَّها أَيَّان ما ارْتحلا
وارْحلْ مراحلهُ واعملْ كما عمِلا ... وانْزِلْ منازِلهُ أيَّان ما نَزَلا
ومنها:
أرى الهوى غيرَ ما حمّلتني جَللا ... ولا أرى غيرَ ما حمّلْتني جَللا
فمنْ يكنْ سالياً عمّن يُحبُّ فَلا ... ذَا القلْبُ عن ذكرِ أمّ المؤمنين سلا
стр. 190
وله أيضا من أبيات:
لجَّ في دائهِ القدِيمِ المُمَاني ... منْ جُنونِ الصّبا وَلاَتَ أَوانِ
لجَّ في غيهِ فلَجَّ بهِ الهَتْ ... رُ لِعِرْفانِ دارِساتِ المَغَانِ
وله أيضا:
حَيّ بين النقا فآدُكْمارِ ... أرْبُعاً قدْ بَلينَ مُذْ أعصارِ
أرْبُعاً منْ مَلاعبِ البيضِ أمْستْ ... مَلْعباً للِرّياحِ والأمطارِ
أرْبُعاً في الحشى حَششْنَ أُواراً ... منْ قديمِ الهوى لاِعْوَيْشَ وارِ
إلى هاهنا، تم ما تسنى من شعر نابغة شنقيط، وما عثرت له على قصيدة وفاتتني كلها، إلا قافية في مدح النبي ﷺ ، رأيتها مرة واحدة عند شخص، وكان الوقت ضيقاً.
مولود بن أحمد الجواد
ويعرف بأحمدا جويد، بالتصغير العامي.
هو العلامة النحرير، اللغوي الشهير، أحد أعلام تلك البلاد، وإليه المرجع وعلى أقواله الاعتماد. وكان مشهورا بسرعة الجواب، مرهوب الجناب، نزل يوما عند
العلامة الصالح، ولي الله أحمد بن العاقل الديماني، فلم يقابله بنفسه إلا بعد بطء، فعاتبه على ذلك، فصرّح له بأن السبب تمزيقه لأعراض المسلمين، فقال: إنهم يبدؤني فأتقن. وتلا قوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) فعارضه الشيخ بآية، لم تحضرني الآن. فقال له: أنتم إذاً تؤمنون ببعض الكتاب، وتكفرون ببعض.
وتكلم رجل في مجلس هو فيه وقال: هذا لا يمكن، وفتح حرف المضارعة،
стр. 191
فقال: هو لا يمكن لا يمكن، ففتح أولا على الحكاية، وضم ثانيا ليوضح غلطه، وقال رجل أيضا: هذا يَزرى بالمروءة، وفتح حرف المضارعة. فقال له: يَزْرى بالمر والمروءة يُزْرى بالمروءة، ففتح حرف المضارعة أولا على الحكاية، وضم ثانيا ليبين خطأه. وهذا ﵀ وقع منه على طريق التبكيت لذينك الرجلين. وقد وقع منه هو ما يناقض هذا، فقد خطأه يوما إنسان، وكان يقرأ، فقال له: أتريد مني أن أجمع لك بين القراءة والإعراب، اقرأ أنت، وانظر ما أخطئك أنا فيه، وهذا هو الصحيح. فإن محمد بن يزيد المعروف بالمبرد، لحن يوما في مجلس أحد الخلفاء، فعاب ذلك عليه، وقال له: كيف تلحن وأنت إمام اللغة، فقال له: إن الفصاحة في حقنا تكلف، فإذا جريت على الطبع ألحن، وإذا أحضرت ذهني لا ألحن، فاستحسن ذلك منه، ولو استحضر هذه الحكاية بعض العلماء في مصر، كان أحسن لهم، فإني كثيرا ما حضرت في مجالس بعض أفاضلهم، الذي تتردد عليه العلماء، وله عليهم الفضل الوافر، فإذا قرأ في كتاب، تراهم يردونه من غير أن يعهد إليهم ذلك، ولابد إنه يتأثر في الباطن، لأنه تجهيل له في الحقيقة، ولله در القائل:
ومصلح الشكل لدى حكايه ... غير حديث المصطفى والآيه
من غير إذن منه أو قرينه ... قد فاته الأدب والسكينه
ومن أجوبة مولود الحاضرة، إنه كان في مجمع من أهل الفضل، وكلهم غرباء.
وكان ذلك في شهر رمضان، في آخر ليلة منه، فخرجوا ينظرون الهلال، فقال مولود: يا رب صائمه لن يصومه، وقائمه لن يقومه، كلمة كانوا يقولونها عند انقضاء رمضان، فقال أحد الحاضرين: من هذا الذي لم يبلغ حروف الجر في الألفية، فقال مولود: من ذا الذي لم يتجاوز حروف الجر إلى ما بعدها، يشير الأول إلى قول ابن مالك في حروف الجر:
واخصص بمذ ومنذ وقتا وبرب ... منكراً والتاء لله ورب
стр. 192
ويشير مولود إلى قوله في الإضافة:
وإن يشابه المضاف يفعل ... وصفا فعن تنكيره لا يعزل
المراد بمشابهته ليفعل، كونه للحال أو للاستقبال، وكان مولعا في شعره بالمعاني البعيدة التي تشبه اللغز ومن ذلك قوله:
أيها الناس للصلاة أقيموا ... واستعينوا بها على كل بوس
قدّموها وأخروا ما سواها ... إنها فرض عين كل أنيس
قدِّموها وأخروا ما سواها ... لا يصلي الصلاة غير مجوسي
هي ليلاي فرتنايَ ربابي ... هي جملي وميتس ولميسي
معنى: لا يصلي الصلاة غير مجوسي، لا يمتنع منها ويوليها بصلاة إلا المجوسي، والصلا: وسط الظهر. ومن معانيه الغريبة، قوله وكان خرج في طلب نوق له ضلت:
فما هبةُ الصعلوك حيثُ الأصابع ... وتهجيرُ من شُمّ الجبالِ الينابعِ
بأصْعَبَ منْ وجدانِ نوقٍ تتابعتْ ... على إِثْرِها مَرُّ الرياحِ الزعازعِ
قوله: حيث الأصابع، بمعنى منقبضها، كناية عن بخله، كما قال الحريري في مقاماته:
وإنما الدهر المسيءُ المعتدى ... مال بنا حتى غدونا نجتدي
كل ندى الراحة عذب المورد ... وكل جعد الكف مغلول اليد
فحيث الأصابع، صفة مشبهة، مثل حسن الوجه، وليست حيث هذه، هي التي تلزم إضافتها إلى الجمل، فمن توهم هنا إنه أخطأ لذلك، فهو المخطئ على أن
стр. 193
حيث، تجوز إضافتها إلى المفرد عند الكسائي، وسمع في أشعار العرب قال:
ونطعنهم تحت الحبا بعد ضربهم ... ببيض المواضي حيث لَيّ العمائم
وقال الآخر:
أما ترى حيث سهيلٍ طالعاً ... نجماً يضيءُ كالشهاب لامعاً
ومن ظريف ما اتفق له، إنه أراد قول قصيدة، فنظم الشطر الأول وهو:
أمربع الغصن ذا أم تلك أعلامه
فارتج عليه سنة، فورد يوما منهلا ليسقي جملا له، فتخاصمت جاريتان في المنهل، فقالت إحداهما للأخرى: والله ما ذلك كذلك، ولا كانت أيامه كما تقولين، أو ما هو قريب من هذا، فضرب جمله من غير ان يسقيه، ودخل الحي وهو يجري به، فظن الناس إنه رأى ما يذعره، فسألوه، فأخبرهم بأنه وجد شطرا يتم به مطلع قصيدته فقال:
أمربع الغصن ذا أم تلك أعلامه ... لا هّو هّو ولا الأيام أيامه
ومثل هذا وقع لذي الرمة، فانه لما شرع في نظم بائيته المشهورة التي أولها:
ما بال عينك منها الماءُ ينسكب ... كأنه من كِلا مفرية سَرِب
ارتج عليه لما قال:
كَحْلاَءُ في دَعج صفراءُ في بَرَج
حتى رأى جارية تحمل صينية، بعضها ذهب وبعضها فضة، فقال:
كأنها فضة قد مسها ذهب
وكان مولود ﵀، من أكابر تلاميذ العلامة المختار بن بون الجكني، حتى
وقع بينه وبين قبيلته ما وقع، فصار هو خصمه الألد. وكان المختار أقل منهم مرتبة في الشعر، وهم أقل منه في علم النحو والكلام، فكان يلقى عليهم الألغاز، فيتصدى مولود لحلها، فربما حل البعض وعجز عن البعض، فانفق إنه ألقى
стр. 194
عليهم لغزا وقال: إن أجبتموه كفرتم، وإن سكتم غلبتم، فمكث مولود مدة معتزلا عن الباس، يفكر في ذلك اللغز، فخرج عليهم في وقت حر فقالوا له: ما فعلت مع زركة المختار؟. والزركة (بزاي وراء وكاف معقودة مفتوحة وبعدها هاء تأنيث) بمعنى الرمية، وهم يعبرون عن اللغز بذلك، إلا من أراد أن يتفاصح، فقال: بركت عنها. وروى إنه خطأه في كلمة في مجلس، فقال مولود: إنها في المقامات، فقال له المختار: في أي مقامه؟ فقال: في قبحت من شيخ وأنا أعتقد أن هذا موضوع، لان مثل مولود لا يليق به أن يقابل مثل ابن بون بهذا، خصوصا وهو شيخه. ولما قال في قصيدته التي يمدح بها رسول الله ﷺ :
حسبي إذا كنت استجدي أخا كرم ... بالحاتم الهاشمي من حاتم الطائي
قال المختار: أن حاتما ليست من أسماء رسول الله ﷺ ، ثم إن معنى هذا، تشبيه رسول الله ﷺ بحاتم، والمشبه دون المشبه به، فاحتج مولود بأن حاتما وردت في دلائل الخيرات، معبرا بها عن رسول الله ﷺ . وقال في ذلك قصيدة، لم يحضرني منها إلا بيت واحد، وهو قوله:
لم يكن من دلائل الخيرات ... جهل ما في دلائل الخيرات
وهذا غاية التحامل منه، عفا الله عنه. وهو متقدم على امحمد، المتقدم في السن، وقد أدركه ورثاه كما تقدم، والناس مختلفون أيهما أشعر، فطائفة تقدم هذا، وطائفة تقدم ذاك، وكنت على مذهبها، فلذلك بدأت به. وقد سئل امحمد نفسه عن ذلك، فقال: هو أكثر حلفة وأنا أفتل. - الحلفة - هي سعف الحلفاء وأهل الصحراء
يفتلون منها الحبال، يعني أن مولودا أكثر منه لغة، وهو أجود منه نسجا، وليطالع شعرهما بإمعان من أحب أن يحكم، ثم ليحكم بما بدا له.
وكان مدّاحا لرسول الله ﷺ ، ومن ذلك قصيدته المعروفة بالمرجانية وهي:
стр. 195
أزْكى صلاةٍ وتسليمٍ على قمرٍ ... بدرٍ بهِ قدْ أنار اللهُ أكوانَهْ
أزكى صلاةٍ وتسليمٍ كذاك على ... خَيرٍ قد اختارَهُ الرحمنُ عِبدانَهْ
يا ربّ صلّ عليهِ دائماً أبداً ... ما حلّ أعراض هذا الكون أعيانَهْ
من أي مَرجان ربّ العرش مَرجانه ... تبدو لعينيك في تركيب إنسانهْ
أمْسى بها القلْبُ مَفتُوناً وكان أبي ... على الفواتنِ لم تَفْتِنْهُ فتَّانَهْ
لمَّا بَدَتْ تَتَهادَى في خرائدِها ... تَثْنى مَعاطِفَها خُرْعُوبَةُ البانَهْ
قالوا أشمساً نرى تمشى فقلتُ لهمْ ... تَرَوْنَ إنسانةً كالشمسِ حُسّانهْ
لها مصائدُ تُصمى منْ مَحاسِنِها ... تَصيدُها الصِّيدَ لا هَيْقاً وبَيْدانهْ
تَرنُو إليك بمغْضوضٍ كما نظرتْ ... مَزْؤودةٍ أمُّ ساجى الطررْفِ جَيْدانهْ
تَرى الدّماليجَ منها والبُرى بقَنىً ... خَدَلّجٍ مالئٍ للعينِ مَلْئانهْ
تَنُوءُ لأياً بدِعْص كادَ يُقعِدُها ... ما ضَرَّهُ إنه رِدْفٌ لِخُمْصانهْ
ما ساقطتْكَ حديثاً ساقطتكَ بهِ ... أبْصارُنا تَحسُدُ الأَسْماعَ صَيدانْه
стр. 196
لمَّا رأتنيَ منْ فرْطِ الغرامِ بها ... بعدَ ارْعوائِي عَميدَ القلْبِ حَيْرانْه
قالت أحافرة منْ بعدِ زاجِرةٍ ... منْ عِلمِ ما شان ذا التقوى وما زانهْ
فقلْتُ لا تَعجبي منَ أمرِ خالقنا ... أتَعجبينَ منَ أمرِ اللهِ سبحانهْ
أكان للناسِ يا للمُرْتَضى عجباً ... إدْمانُ تَهيامِ مَشغوف بإدْمانهْ
تأبى على ذي النُّهى أنْ يَرْعَوِي ذِكرٌ ... تَرُدُّ إبَّانَ غَيرِ الجهل إبَّانهْ
أما تراهُ مَتى يَمْرُرْ دِيارَهُمُ ... هاجَتْ عليهِ دِيارُ الحيّ أحْرانهْ
قالتْ فسبْحان فَعَّالٍ بلا غَرَضٍ ... لِمَا يُرِيدُ بنا قُلْنا وسُعْدَانهْ
قالت فهل لكَ في حُسْنِ التَّخلُّصِ منْ ... ما دانَ قَيْسٌ إلى ما المصطفى دانهْ
فقُلْتُ فيهِ أشَدُّ الهلِّ لِي وَلِمَنْ ... لم يَعلمِ اللهُ قبلَ الكونِ خِذلانه
إني رَضيتُ به دِيناً عَسايَ بهِ ... غَداً أُجاوِرُ في الفرْدَوْسِ رِضوانه
دِينٌ حَنيفٌ مَحا المَاحي بهِ وعفا ... آثارَ منْ كان في خُسْرٍ وأدْيانْه
стр. 197
دِينٌ لهُ جَعلَ اللهُ الحيا خُلُقاً ... به كسى أوْلياَء الله أزْيانهْ
دِينٌ يَزِينُ لمنْ يعتاضُ زِينتَهُ ... منْ غيْرِهِ شانُه اللَّذْ غيرُهُ شانهْ
دِينٌ هو الدّينُ يخْزي ذو بَطالتهِ ... أحبارَ دِينٍ يُنافيهِ وَرُهبانْه
دِينٌ سَيَسْبِقُ مَنْ قدْ كان سَاوَعَ من ... مُسْتأجَرِيهِ الذي منْ غيرِهم سانه
دينٌ شرٍيفُ أتانا منْ سعادِتنا ... آتٍ بهِ حَمدَ الكوْنانِ إتيانهْ
محمدٌ خيرُ مَبعوثٍ أقامَ على ... ما يَدّعيهِ مِنَ أمرِ اللهِ برْهانهْ
وخيرُ منْ قد نفَتْ عنهُ أمانتهُ ... وصِدْقُهُ الكذبَ والكتمانَ والخانهْ
وخيرُ طاعٍ لمنْ لم يَعْصِ طاعتهُ ... وخيرُ خاشٍ لمنْ يخشاهُ خِشيانهْ
وخيرُ منْ محضَ المَوْلى عِبادتهُ ... وخيرُ منْ دانَ دِينَ اللهِ دَيَّانهْ
وخيرُ منْ رَحِمَ الموْلى العبادَ به ... وخيرُ منْ عَرَفَ المولى عِرِفَّانه
وخيرُ داعِ سَقى منْ لم يُجِبْهُ إلى ... هُدَاهُ عَلْقَمَ إصْغارٍ وذيفانهْ
وخيرُ منْ شامَ للهِ السُّيوفَ ومنْ ... نمى القُتُودَ على وجْناَء عَيْرانه
وخيرُ مَنْ أمِنَ الإسلامُ بيضتُهُ ... أمْناً بهِ صوْلةَ العادى وسُلْطانه
стр. 198
وخَيرُ مَن فيْضَ المولى لِشَانِئهِ ... ما كان قُوّضَ منْ مغناهُ بُنيانهْ
وخيرُ منْ حَمدَ اللاقِيهِ ذا تَرَبٍ ... لِقْيانهُ حَمْدَ ذي الإتْرابِ عِقْيانه
يا منْ إذا حُسِدَ المِضيافُ طِيب قرى ... ضِيفانهِ حَسَد المِضْيافُ ضِيفانه
ومنْ إذا أخلَفَ الناسَ النُّجومُ يكنْ ... لِلناسِ غيْثاً هَزِيمَ الوَدْقِ هَتَّانهْ
ومنْ إذا عامُ تَحْرِيجٍ يكونُ يكنْ ... جَدًى يَعُمُّ الورى غَوْطاً وحَوْمانه
ومنْ يَصُدّ عنِ الدُّنيا ولوْ برَزتْ ... في زِيّ عَذراَء تُصبى القلْب مُزدانه
ومنْ أرى أجْبُلَ الإذهابِ إذ عُرِضت ... عليهِ كيفَ يَعافُ العِفُّ ذُهبانه
ومَنْ أَوَدُّ بأن ألقى على أوَدِى ... حَتى مَ لم تتفقْ لي منك لِقْيانه
يا نُونُ يا نورُ يا بشرَى المسيحِ لنا ... يا رَوْحَ منْ كان ذا رَوْح وريحانه
لو كان ذا الكوْنُ إنسانا لكنتَ له ... طرْفا ولو كان طرْفا كنتَ إنسانه
أنتَ الذي طهَّرَ الرحمنُ أزْرَتَهُ ... وَجَيْبَهُ وحشاياهُ وأرْدانه
أنتَ الطهُورُ بك القدُّوسُ طهّر من ... أرْجاسِ دين سوى الإسلام تِربانهْ
أنتَ السراجُ المنيرُ اللَّذْ أنارَ بهِ ... نورُ السّمواتِ والأرْضينَ أكوانهْ
أنْتَ الذي رَجح الخيراتُ إذ وُزِنَتْ ... بكَ الخلائقُ عندَ الوضع مِيزَانه
أنتَ الذي طاعةُ الرحمنِ طاعتُهُ ... فكان عِصْيانُهُ إذ ذاك عِصيانهْ
أنتَ الذي أزْلف الوالي الجنانَ لمن ... والى وأبْرَز للعادِيِه نِيرانه
стр. 199
أنتَ الذي خصّهُ الموْلى سُراهُ به ... لَيْلاً كما خصهُ بالعينِ رُؤيانهْ
إذ باتَ يخترِقُ السبعَ البُرَاقُ به ... كالبرْقِ مُتّخذاً فيهنّ مَيدانهْ
فنال فوق السمواتِ العُلى دَرجاً ... منْ قابِ قَوْسين ما شان امرؤٌ شانه
لك الكراماتُ والآي التي تُ ... عَقْلَ الأنامِ إنائيهِ وذُكرانه
كتابٌ انْزِلَ للإِعجازِ مُلُهُ ... مِنَ الأباطيلِ والتَّحرِيفِ قد صانه
نورٌ مبينٌ عليكَ اللهُ أنزلهُ ... فُرْقَانَ ما كان منْ شيءٍ وتبيانه
يَهدي الإلهُ بهِ سُبْلَ السلامةِ مَنْ ... قد كان يتبعُ بالإيمانِ رِضوانه
عنى المَصاقعُ أرْبابُ اللسانِ لهُ ... وأذعنوا عَنْوَ إفْحامٍ وإذعانه
بسُؤدِكَ السُّودُ والحُمْرانُ قد شَهدوا ... ضَبٌّ وظبْيٌّ وثُعبانٌ وسِيدانه
والبدْرُ إذ شُقّ والبْيضاءُ إذ حُبسَتْ ... حتى لقد حَسِبُوا يوما أصَيلانه
والجذعُ إذ حَنَّ سَجْعَ النيْب من ولهٍ ... لَوْلا النزامُكهُ لم يَقْضِ تَحْنانه
стр. 200
والجذل إذ صارَ عَضْباً لم يكلَّ ولم ... يَقنْهُ قَيْن ولم يمسسْهُ سَوْهانه
وكفُّهُ إذ سَقَتْ ألفاً وإذ هَزَمَتْ ... ألفاً وإذ وَهبتْ ألفاً وَرِعْيانه
كفٌّ تمرُّ على ضَرْعٍ فيُحْسِبُ مَنْ ... تبغيهُمُ حَلَباً منْ غيرِ حِلْبانه
مَنّانةٌ واكفُ المُزْنِ حارِدةٌ ... ولا تَراها بمنَينا بمَنَّانهْ
فكم أنالتْ غِنى الدارَينِ وافدَها ... وكم أزاحَتْ عنِ المَفْتُونِ شيطانه
أكرِمْ بها رُفعتْ عن شَبْعةٍ وضِعت ... فيها الأكفُّ ألوفاً وهيَ شَبعَانه
صاعٌ يزِيدُ على الإنفاقِ منهُ تَرى ... ما جَرّ نُقْصَانُهُ ما جَرَّ زَيدانه
وباركتْ كفُّهُ عَجراَء ذاوِيةَ ... تَهتزُّ منْ حِينِها خَضراَء فينانه
عَيدانةٌ قَعدَتْ في الجوّ قاعدةً ... تؤتيهمُ أُكلَها شيشاً وحُلْقانه
إبانُ رُؤيَتها في الأرْضِ مُثمرةً ... إبَّانُ رُؤيتها في الجوّ صَوْجانه
стр. 201
للهِ للهِ ما قد أسْمَعَتْ وأرتْ ... فَتاةَ سَعْدٍ منَ الآياتِ سِنْدانه
لوْ لم تكنْ منهُ آياتٌ لأخبرَ عنْ ... ما حلَّ إسرارهُ ما حلَّ إعلانه
ضِياءٌ وجهٍ يُرى ضَوَء المُضيءٍ دُجىً ... ودُرُّ لفظٍ يُرى حَصْباَء مَرْجانه
نَفْسٌ مُطهرةٌ من كلّ مَنقصةٍ ... عن اهتمامٍ بغيرِ اللهِ مُصْطانه
نفْسٌ إذا اكتربت نفْسٌ بما اكتسبت ... كانت بما كسبت في الله فرْحانه
نَفيٌ لفاقِرَةٍ هَدْىٌ لحائرَةٍ ... شَمْسٌ لناظرةٍ لِلأَنف رَيْحانه
تكتَانُ حِرْصاً علينا أن نصيبَ خَناً ... إذا النفوسُ على ما فاتَ مُكتانه
كم ضاربٍ طاعنٍ رامٍ أخي ثقةٍ ... بالمشرَفيّ وبالخطيّ والقانه
تيسي جَعارِ وعيثِي إنها لَمُنىً ... تُرى المُمنى ثِقَاةً أخون الخانه
ما راَء طلعتهُ ضِرغامُ مأسدةٍ ... إلا استحلَ بنصرِ اللهِ قمنانه
سائلْ رُكانةَ إذ لاقى النبيَّ على ... وحْدَيهما أينَ منهُ ظنَّ أركانه
стр. 202
وسلْ تميما وسلْ قَيْساً ومن مكثوا ... بمكةٍ وأناساً بالجِعرّانه
وسلْ رَبيعةَ أو سَلْ اختها مُضراً ... لُقْيان منْ وَجدَ اللاقُوُهُ لُقيانه
لُقيانُ مَنْ إنْ رأتهُ في مَوَاطِنِها ... أسْدُ المواطنِ حاصَتْ حَيْصةَ العانهْ
سَلِ المقوْقِسَ إذ أهدى إليه وسَلْ ... دارَا وسلْ كلّ إقليمٍ ودِهُقانهْ
وسَلْ هِرَقْلَ وسلْ كِسرى ونُعْمَانه ... والمُوبَذَانَ لأيٍّ أمّ كهانهْ
إنَّ المُقوْقِسَ إذ أهْدى إليه لذو ... حَزْمٍ رأى إنه إن لم يَدِنْ دانه
كسرٌ لِكسرى أنُوشَرْوَانَ رُؤيتُهُ ... شَرْواهُ ليسَ بذي إيواءِ إيوانه
لمّا رأى الشُّرُفاتِ السَّاقطاتِ رأى ... حُدوثَ أمرٍ رأى ما راَء حِدثانه
стр. 203
وقد رأى المُوبَذَانُ الخيلَ قد وسَطت ... فرْسانُها وسَطتْ في الفرْسِ بُلدانه
للهِ عِلم أخي ذئبٍ غَداةَ غدا ... عَبدُ المسِيحِ له بَحْتَثّ بُعرانه
فهْوَ اسْتَحقّ إن العِلمُ استحق به ... حِلْوانَهُ كاهنٌ بالعلم حِلوانه
إذ أخبر القْومَ من أمرِ النبيّ بما ... يَدْرِيهِ من كان يدرِي الحق دَرْيانه
بأنّ مَوْلاهُ موليهُ خصائصَ لا ... تولى فسبحان مولاهُ ورَيْحانه
روى السيوطي في كبرى الخصائص عن ... طه عن الروح عن ذي العرش
سبحانه
لا يعرف اللهَ إلا اللهُ جَلَّ كما ... لا يعرفُ المصطفى إلاء عرفانَهْ
فمبلغ العلم فيه إنه بشرٌ ... ما كان خلق على ما كان ما كانَهْ
وإذ ذكرت رسول الله ممتدحاً ... فاذكر بخير ذوى الخيرات صحبانه
أولى الفضائل والتُّقى أُسُود وغى ... عند اللطام ترى خرفاناً أسدانه
البائعين نفيسات النفوس لمن ... لم يخش من باع منه النفسَ خسرانه
والواصلين لذي الإِسلام وأصلهم ... والهاجر بن لذي الكفران هجرانه
لمّا دَجى جُندُ هِندٍ كالدُّجَنّ جَلا ... أبو دُجانَةَ بالهِنْدِيّ أدْجانه
قومٌ تَرى ما لذاتِ الله همهمُ ... وهمُّ غيرهم مالٌ وقنيانه
стр. 204
همُ النجومُ التي ما ضرّ طالعها ... أن لم يكن برْجه ثوراً وسرطانه
من كلّ أرْوَعَ ذي نفس لمقتلها ... في الله تحت ظلال البيض حنّانه
يهز ذا شُطَبٍ ليست مضاربُهُ ... خوَّانةً وقناةً غيرَ خَمَّانه
برٌّ منيته في الله منيته ... يرى سلامة حزب الله موتانه
لا عيبَ في القوم إلا أن برهم ... ينسى الغريبَ أهاليه وأوطانهْ
أيديهم أخوات الوابلين لها ... خونٌ له يحقر التيميُّ إخوانه
أحلهم موطنَ العلياءِ دينهُمُ ... محلّهمْ منْ رياض القدسِ مِيطانهْ
كفاهمُ مجدا إن اللهَ ألزمهم ... سبحانه كِلْمةَ التّقوى كما بانهْ
كانوا أحق بها منْ غيرْهمْ فهُمُ ... كانوا بها عن عبادِ اللهِ خُصَّانهْ
فاللهُ فضَّلهمْ فضلاً وشرَّفهم ... بجعلهم حشمَ الهادي وأعوانه
ومنهمُ جعلَ الرحمنُ يالهُمُ ... أصهار أحمد أحماه وأختانه
منهم أبو بكر الصدّيقُ صاحبه ... فاديهِ بالنفْسِ والأموال مِعْوانه
من لم تكن طاعةُ الرحمن ديدنَهُ ... فإنما كان تَقْوَى الله ديدانه
ومنهمُ عمرُ الفارُوقُ فارِقُ ما ... بين الضلال وبين الحق فرْقانه
стр. 205
ومنهم الشيخ ذو النورين فاشدُبه ... مِلَء الفَما واتّخِذُ للشدوِ ألحانه
واذكرْ علياً ولا تغفل أبا حسنٍ ... ساقي كؤوسِ زؤامِ الموتِ أقرانه
ليثٌ تكونُ ليوث الأسدِ طُعْمتَهُ ... بحرٌ تكونُ بحور العلم نينانه
منْ كان من جسمه يبغي استراحتَهُ ... أتاه مستصحباً في الجيش جسمانه
من ذا الذي يُشحنُ العضبَ المهندَ مِن ... غِمْدٍ ويُشحنه في الهام إشحانه
وجدان طالبه إياه في رهج ... فِقْدانُهُ الرأسَ والأطرافَ والمانه
لا يَستحي وجهَ ليثٍ في مبارزةٍ ... لكنهُ يستحي إن خَرَّ خورانه
باهى به اللهُ جِبْرِيلاً وأرْسَلهُ ... ليلاً لِيكلأهُ حِفْظاً ويَصطانهْ
واذكرْ بني هاشمٍ عُمْرِ المَكارِم آ ... فاتِ المَلاطِمِ أُسْدِ اللهِ بيزانهْ
التَّرِكي جُثَثَ القَتْلى وإنْ جَسُمَتْ ... لا ذاتَ عُمْقٍ ولا طولا ولا وانهْ
يا مَنْ أرى المَدْحَ إلا مَدْحَهُ هَوساً ... يَحِقُّ وَسْواسُهُ للِمرْءِ بُهتانهْ
أُثْنى عليكَ على ما كان مِنّيَ كيْ ... ما يَمْأَنَ المرْءُ في خيرِ امرئ مانه
أحسنتُ شِعْراً ولا أنفكُّ شاعرَهُ ... لو كنْتُ أحسن زَفناً كنْتُ زَفّانه
стр. 206
أرْجو بمدْحِ شفيعِ العالَمينَ غداً ... عَفْوَ الإِلهِ وَرُحْماهُ وَغُفرانهْ
وأنْ يُثَبّتَ إيماني وَيجعلهُ ... إيمانَ منْ لا يُضيعُ اللهُ إيمانهْ
وأنْ أنالَ بهِ ما كان أصْغرُهُ ... حُورَ النَّعيمَ وطُوباهُ وَولدانه
وأنْ أكونَ خَليطَ الفائزينَ إذا ... ما المجرِمُ امتارَ عنهمْ ضائناً ضانه
ما قرَّبَ العبدُ للموْلى مدائحهُ ... إلا تَقْبّلَ منهُ اللهُ قُرْبانه
يا خَيرَ منْ أمّهُ جانٍ يَضُمُّ إلى ... جَناهُ من كِبرِ الآئامِ إدْمانه
هذا طريدُ جناياتٍ أنابَ إلى ... رَبٍّ يراهُ رَحيمَ الكونش رَحمانه
أتاكَ يا خيرَ منْ يؤتى لتُؤتيهُ ... مما يخافُ يأذنِ اللهِ إيمانهْ
أنْتَ المجيرُ الذي لا يُستباحُ له ... جارٌ إذا ما أباحَ الجارُ جيرانهْ
حامى الحُمَيَّا إذا يَحْمى الوطيسُ بنا ... عندَ اللقاءِ وخلاّ الخِلُّ خِلاَّنه
هذا وكم عَملٍ عِندي كلا عملٍ ... قَصَّرْت فيهِ ولم أُتِقْنْهُ إتقانه
فاقبلهُ رَبيَ واسْتْبدِلْ بهِ عملاً ... يُرْضيكَ ما ذامَهُ شَرْعٌ ولا ذانه
واسْتبدِلِ المُغدقاتِ المُثمراتِ لنا ... من كلّ قُلاَّمةٍ منهُ وبركانه
وإنني إن عدى العادون عدوَهُمُ ... علىَّ وارْتكبَ الطاغوتُ طُغْيانه
لمستجيرٌ برَبّ المصطفى وبه ... منهمْ ومنْ كلّ شيطانٍ وشيطانهْ
стр. 207
وكلِّ من كثّرَ الموْلى بأنْعُمهِ ... على ذوى أنعم الرحمانِ أضْغانه
فاللهُ يرْحَمُ بانيها ووالدَهُ ... وأُمّهُ ومُحبيهِ وَوُلدانه
واللهُ يحفظ قاريها وحافِظها ... وأُمَّهُ ومُجلّيهِ وإخوانهْ
وكلَّ مَنْ كان من أهلِ الوجودِ يَرى ... دِيوانَ سُنَّةِ خيْرِ الخلقِ دِيوانه
ثمّ الصلاةُ عليهِ والسَّلامُ معاً ... حتى تُرى تاركات الجسْم أكوانه
قال أيضا يمدحه ﷺ :
صلاة ربي وتسليمٌ على قمرٍ ... بَدْرٍ جَلا ظُلُماتِ الفِتْنةِ الدُعُجا
خَرَجْتُ ضَيفاً إلى رَبي ومنْ خرجا ... ضيفاً إلى رَبهِ لا يَلتقي حَرَجا
خرَجْتُ ضيفاً إلى من لا شريك له ... يا رَبِّ وجَهْ إلى الخيراتِ من خرجا
قرايَ عافيةٌ مما أُحاذِرُ مَعْ ... قضاءٍ حاجي وأنْ تُعلى لي الدّرَجا
أرجوكَ يا خيرَ من يُرجى ولسْتُ أرى ... راجيك يا خيرَ من يُرجى يخيبُ رَجا
لأنْتَ أكرمُ أنْ تَرْمى بمتلفَةٍ ... أخا رَجاك فيرميهِ رَجا لرجا
ما ضاق كلاّك ما ضاقت مذاهب من ... مهمى تضايق أمرٌ يَنْتظرْ فرَجا
ما سُدّ بابُ كرِيمٍ دُونَ قارِعهِ ... فاقْرَعْ تجِدْ بابَ مُولى الأنْعمِ انفرجا
وأدْمِنِ القَرْعَ ما تبقى له فَحَرٍ ... لِمُدْمِنِ القَرْعِ للأبوابِ أنْ يَلجِا
وسِرْ إلى اللهِ مَعْ ما فيك من عَرَج ... كم بَلّغ الصّدْقُ مَنْ لم يعْدَمِ العَرَجا
وكم وكائنْ تَنى التّعْنيج نحو هُدًى ... عَنِ الضَّلالةِ عَوْداً عُوِّدَ العَنجا
وارْغَبْ إلى ربك الأعلى ليجعلنا ... مِمّنْ على النَّهْجِ نهْجِ المصطفى دَرجا
نهج الذي أنْزَلَ الله الكتابَ هدى ... لنا عليهِ ولم يجعلْ له عوجا
стр. 208
نَهْجِ السّراجِ المُنير المستضاءِ به ... طه أبي السُّرُج المُستعْملِ السُّرُجا
مِنهُ استفادَ النبيُّونَ النبوَّةَ إذ ... مما له ما لهمْ منها قد اختُلِجا
له طرِبْتُ وما شوْفا تَطرَّبني ... حوْلَ اللوى طَللٌ أبْصرْتُهُ فشجا
ولا تَضَرَّمَ في القلْبِ الغرامُ ولا ... فاض الجمانُ لِطيرٍ مُثّلَثْ سَبَجا
ولا لِظُعْنٍ تولّتْ بغتةً لنوَى ... مَشمولةٍ طالَ ليلى بعدَها ودَجا
ولا لنأى حبيبٍ منْ أحِبتنا ... مِن آلِ ليلى نأتْ سلمى بهِ أو اجا
أبي فؤاديَ إلا حُبَّ مَلْجئنا ... مَلْجا البريةِ مَنْجا مَنْ إليهِ لجا
أبي فلا شنباً يَهوي ولا بلجا ... يَهوى ولا برَجاً يهوى ولا دَعجا
أبي فليسَ براءٍ منظراً بَهجا ... من غَيْرِ مَنْظرِ طه منظراً بَهُجا
بل كلُّ ما كان منهُ أو بهِ بَهجا ... وغيرُ ما كان منه أو به سَمُجا
ضياءُ وجهٍ يريك الشمسَ حالكةً ... ودُرُّ لفظٍ يُرِيكَ اللؤلؤ السبجا
لي لهجةٌ بامتداحِ المصطفى لهجتْ ... ولي فؤادٌ بحبّ المصطفى لهجا
ألا طرِبْتُ ألا إني طرِبْتُ إلى ... مَن حُبُّهُ معَ لحمي والدَّم امتزجا
نورٌ بهِ عنْ تَهَجٍّ صَحْبُهُ غَنيتْ ... وغير أصحابهِ منَّا وحا وهجا
محمدٌ خيرُ مُسْتنْبٍ أقامَ على ... ما يدَّعيهِ من اسْتنبائهِ الحُججا
خيرُ النبيئين أذكى العالمين حجاً ... أعلاهمُ دَرَجاً أذكاهُم أرَجا
سبحان رب بجثمان النبيّ سَرى ... مِنْ حيثُ لم يدْلج السّاري ولا ادّلجا
مَنْ للنّبيين مَنْ للرُّسْلِ أين لهم ... مِنْ قابِ قَوْسينِ معراجٌ كما عرجا
أراهُ صلى عليهِ الله شمسَ هدًى ... والأنبياء حواليْهِ بُدُورُ دُجا
стр. 209
والأنبياءُ جميعاً في اسمهِ اندرجوا ... عدًّا كما آيهُمْ في آيهِ اندرَجا
قد انقضت بانقضاءِ الرسلِ حجتهم ... وللهُدى حُجَجٌ ما تَنقضي الحِججا
أليسَ للعبدِ أنْ يُسمى اسم سيدِهِ ... يُسمى اسمهُ دَرَجٌ قد فاق منْ دَرجا
دعْ ما به كفرتْ قَوْمٌ المسيح وعن ... مَحامدِ المصطفى حَدّثْ ولا حرَجا
به مكارِمُ أخلاق الرجالِ غدتْ ... مُكملاتٍ وكانت قبلهُ خُدُجا
هو الشفيعُ إذا ما لم يكن شُفَعا ... يشْفعْ فكان لمسلوبٍ نجاه نجا
هو المَلاذ إذا ما الخطبُ طمَّ ومن ... يَلُذْ بأحمدَ حِين الخطبُ طمَّ نجا
هاجت أعاديه إذ لاقتهُ نار لظى ... حربٍ يزيد على إطفائها وهجا
يلقى الوغى بكماةٍ كالجبالِ لها ... ضربٌ يصيرُ لظىً منْ حرّهِ ثَلَجا
كأنما الموتُ في أفواههمْ عَسِلٌ ... من رِيقِ مكتفلاتٍ بالثرى مشجا
من كلّ أروع يلقى الصبح منبلجاً ... فظلَّ يُحِشمُ وجهَ الصُّبْحِ مُنبلِجا
همُ الأسودُ فإن لاقتهُمُ أُسدٌ ... لاقت بهمْ أُسداً لاقوا بها الهمجا
هذا ما تيسر منها الآن، وبقي ثلثها تقريبا.
وله من قصيدة يمدح بها النبي ﷺ :
صلىَّ وسلم ذو العرشِ المجيدُ على ... خيرِ البرِيةِ عندَ اللهِ جَمْعاءِ
ليس الوقوف على نأى الأحباءِ ... على المنازِلِ يشفي الدّائمَ الدَّاءِ
قبحاً لِغيّكَ تستشفى لدائكِ منْ ... مطموسةٍ غيرِ سُفْعٍ حَوْل آناءِ
نعم تَصَابَيْتَ من فَرْطِ الغرامِ إلى ... مَغْنىً به كنت تَصبو للأحباءِ
فما غداةَ لِوى سَلْع بأوّلِ ما ... ألوي بصبْرِكَ أطْلالٌ بألواءِ
стр. 210
ولا عشيةَ وادي الخيفِ أوّلُ ما ... أودى بحلمك داراتٌ بأوْداء
قد طالَ ما نحتَ واستعبرتَ في دِمن ... قفرِ المعاهدِ منْ هندٍ وأسماء
عَلَّ المعاهِدَ تحييني وكيف لها ... وقد عَفَتْ بعدَ أحياءِ بأحياءِ
أضَعْتُ حزمي بانسائي الإيابَ وما ... أضاعَ حزمَ أخي حَزْمٍ كإِنْساءِ
إلى مَتى أنتَ في غَيّ الصّبا ثملاً ... منه بخُرْطُومِ خمرٍ غَيْرِ صَهْباء
فالآن آن لك التخليصُ منه إلى ... نَهْجِ الأغرّ الأبرّ الرَّائق الرَّاء
مَوْلى الشفاعةِ محمودُ المقام إذا ... حُقَّ الفرارُ منَ الآباء والأبناء
غوث البَراساءِ إن عَضَّ الزمانُ وإنْ ... قَلّتْ لغوثته غوث البَراساء
ليْثُ البَراكاء إنْ عَظّ الهِياج وإن ... قَلّتْ لصوْلتهِ ليثُ البراكاء
ومنها بيته المتقدم، الذي خطأه فيه ابن بون وهو:
حسبي إذا كنتُ أستجدي أخا كرم ... بالحاتمي الهاشمي من حاتم الطائي
ومنها قوله:
غداةَ إذ جاَءتِ الكفارُ تعثرُ في ... أذيالِ أُبّهَةِ الشُّوسِ الأشدَّاءِ
بَاؤا خزايَا بأنَّ اللهَ عَوَّضَهمْ ... بالعزّ ذُلاً على عِزٍّ وبأوَاه
من حرّ ضرْبٍ لو انّ الماَء كافحهُ ... أعيا من اللوبِ دأماً كلّ دأماء
стр. 211
فأضحى الأعياصُ من بعد اعتياصِهمُ ... لانتْ لأحمدَ منهمْ كلُّ عَوْصاء
وأصبحت من أعاديهِ الليوثُ عنَتْ ... منه لليثٍ على الأعداء عَدّاء
ومنها:
وكان مولاهُ أخفاهُ ليُظهرَهُ ... أيعهدُ الناسُ إظهاراً بإخفاء
ما حنّ صادٍ كما حَنَّ الجذوعُ إلى ... نُونٍ إلى نطفةٍ في الوقطِ زَرْقاء
أفدى ذِراعا بسم الشاةِ أخبرَهُ ... بألسُنِ الإبلِ والبيقُورِ والشاء
ومنها:
وقد رأى العَمُّ مِنكَ الخالَ صدَّقهُ ... جَدٌّ بجِدّ يَشُبُّ النارَ بالماء
وقال أيضا:
أمُّوا الديارَ بجانبِ انكَكُّ ... وقفوا بهنَّ وسَلّمُوا وابكوا
وبها أذيلوا منْ مَدامعكم ... ما كان صان الحِلُم والنسْكُ
فجمالُ أهل الحبّ أن يَقفوا ... حَسْبَ الغرامِ بها وأنْ يبكوا
والدَّمْعُ يجري غَيْرَ مَزْج دَمٍ ... بين المنازِلِ جَوْلُهُ إفْكُ
إنَّ المنازِلَ حَقّهنَّ إذا ... غُشِيتْ ديارُ التَّائمِ السَّفْكُ
стр. 212
يا دارَ فاطمةٍ عِمي وعِمي ... وعميِ وقلَّ عِمي لأنكَكُّ
فَلعيشةٌ برُباهُ راضيةٌ ... ومَعيشةٌ في غيرِها ضنكُ
طافتْ بضيفِ الفلكِ فاطمةٌ ... ما كنتَ تدرى ويْكَ ما الفُلكُ
زارتكَ في فُلْكٍ عَلَى فَلَكِ ... مما تَناذَرَ هوْلهُ البُرْكُ
يا رُبَّ مأسدة يَهالُ لها ... آسادُها آراضُها نَبكُ
باتتْ تَعسَّفُ تِيهها وهنا ... يَرْمى بها في أمْتِهَا الدَّكُّ
بتنا هنالكَ وهْيَ طَوْعُ يَدي ... ولقدْ نبيتُ وطوْعُها الفَرْكُ
أنَّي وصلْتِ لنا وكنتِ إذا ... رُمْتِ التَّحرُّك منَّكِ الحَرْكُ
يا حاجةٌ قدْ طالما انبعثَتْ ... في نفْسِ يعقوبٍ متى الدَّركُ
يا جنةً تَركَ الصبابةُ في قلْ ... بي جَهنمَ شوْقِها تدكُ
ما حقّ مشتاقٍ دِيانتُهُ ... تركانُ تركك يا لهُ التركُ
قالوا ما تَنفَكُّ رَهْنَ هَوًى ... ما يُستطاعُ لرهنهِ فكُّ
والشيْبُ مشتَعِلٌ فقلتُ لهمْ ... بَلْهَ المَلامةَ لستُ أنفَك
لأرى مَلامَكُم لنا عَبثاً ... وأرى المسامعَ منهُ تَستكُّ
مالي وللأقوام أحْفظها ... وتَبْكُّني ما أمكنَ البكُّ
بَرْكو لتعثيري أخيَّ ولا ... ألفى لِتَعثيرٍ لَهُمْ أرْكُ
فنكايةُ الأعداءِ مكرُمَةٌ ... أمَّ الصَّديقَ فَلُؤْمَا أنْ تَنكو
стр. 213
ما كلُّ مَنْ يُبْدِي الإِخاَء أخاً ... ولوْ أنَّ كلَّ مُدَوَّر كعْكُ
وسافر مولود ﵀ إلى أرض السودان، فعرض له بحر، يقال له: ماو. وكان لا يعرف السباحة. فأخذوا أعوادا من شجر يسمونه (الفرنان)، وهو موجود بتهامة بكثرة. ومن خاصة ذلك الشجر، إنه لا يغوص في البحر، فجروه بها فقال:
قَدَرٌ ما قدَرٌ أيُّ قدَرْ ... ما أرَ عَيْنيَّ عَيْنيْ صَنْبَصرْ
عجبَ النَّاسُ لرأبِيهِ ولم ... يَنِ يجري بالتَّعاجيبِ القدرْ
إنَّ في عَبْري على مَعْبَرِهِ ... بحرَ ماوٍ عبْرَةً للمُعْتَبرْ
نَرْكبُ البحرَ غرُوراً لا على ... ذاتِ ألواحٍ ولا ذاتِ دُسُرْ
ولقدْ تعلمُ صحبي أنّني ... غيْرُ مَغروُرٍ إذا ما الغِرُّ غُرْ
ولقدْ تعلُم صحبي أنّ لي ... نفْسَ حُرٍّ حين لا منْ نفْسِ حُرْ
ولقدْ تعْلمُ صحبي أنَّني ... بلْوُ أسفارٍ إذا طال السَّفرْ
لسْتُ بالهِلْباجةِ الرَّامك لا ... يُصدِرُ الهمَّ إذا الهمُّ حَضرْ
يا لياليَّ بماوٍ طالما ... طُلْتِ طُولاً صَيَر الطولَ قِصَرْ
لا أعاد اللهُ لي أمثالَها ... منْ ليالٍ ليس تَجلوها نَهرْ
فإلى ابنَ مَفرّي لأفِرْ ... يا ابنَ أمّي يا ابنَ عمّي لا مَفرْ
هذهِ هَذِي وأني داخِلا ... بعدَها ماوًا بملكي لَسَعرْ
стр. 214
وقد رأيت له مقطعة ومطلعها:
ما مثلها من عتاق شعشعانات
إلى أن يقول:
أدمانة من بني المبروك حمّ لنا ... منها لعمري إدْمانُ الصَّباباتِ
ورأيت له رائية جيدة، في مدح أحد الأشراف، وليس في حفظي منها شيء. ومن أبياته التي يمرن بها صغار الطلبة، قوله:
قد غادروا نحيتي من بعد ما ملئت ... ملوية ضربوا ملوية جدُدَا
فملوية الأولى: خبر غادروا، والثانية، عن مصدر ضربوا، أي سياطا ملوية. فإن آلة المصدر تنوب عنه، كما نص عليه النحاة. وله أيضا:
الحقُّ أبلجُ حقاً والخفا بَرِحا ... والصبحُ أفصحَ إلا إنه وضَحَا
الناس تعلمنا والناس تعلمكمْ ... والناس تعلم منّا اللكن والفصحا
والناس تعلمنا والناس تعلمكمْ ... من غشَ جاراته منا ومن نصحا
وهذا ما تيسر لي من أشعاره الآن، وله قصائد فيما وقع بينه وبين ابن بون، ومع أدييج الكميلي وغيرهما، وقد رأيت له نظما في حجم مجلد وسط، جمع فيه
الأجوف والناقص، وسماه: بعج بطنه. وبالجملة فإنه من مشاهير فطاحل أرض شنقيط في فنون كثيرة.
لِمْجَيْدري بن حبيب الله
واسمه محمد، ويقال له محمذ - بالذال المعجمة - مصحف محمد، هو العالم الوحيد الذي ما له من نديد. قيل إنه أحد أربعة، لم يبلغ أحد في ذلك القطر مبلغهم، وهم: ابن رازكه المترجم أوَّل الكتاب، ثم ابن الحاج إبراهيم، الذي تقدّمت ترجمته ايضا، ومحمد اليدالي الآني في موضعه. هكذا قالوا.
وكان المختار بن بون، أحق بكونه في موضعه، لأنه أستاذه: ولأن المحققين يقولون: إن الحق مع ابن بون في المسائل التي خالفه فيها، ولا شك إنه كان من
стр. 215
العلماء الأجلاء. وكان أعظم تلامذة ابن بون من اليعقوبيين، ثم وقعت بينهما وحشة شديدة، حتى تألبوا عليه كلهم. وكان ابن بون يذكره في أشعاره بما كان يعاني من نصيحته فما أفاد ذلك، ومات في حياة المختار بن بون، فقال قصيدة مطلعها:
أودى الضلال ألا فليفرح الجذَلا ... من عاش مضل شاقق الرسلا
فنقضها مولود المتقدم بقصيدة مطلعها:
أودى الكمال ألا فليفرح الجذلا ... من لا يموت ومن لا ينقضي أجلا
وقد ألف العلامة، محنض باب بن اعبيد الديماني، رسالة في تضليله، وهذا لا يقدح فيه، لما هو مشهور عن العلماء من قديم.
واتصل بالسلطان سيدي محمد بن عبد الله، ونال الحظوة عنده. ورحل إلى المشرق، وأكرمه أمير مصر، وبالجملة فقد كان غاية في الفهم، ويكفيه أن الصالح الصوفي سيد أحمد بن إدريس الفاسي تلميذه، ورجع إلى أرضه ومات بموضع يقال له بير إبكن (بهمزة مكسورة وياء ساكنة وكاف ساكنة معقودة ونون
مكسورة) ولم أحفظ من شعره شيئا، وإنما رويت له أبياتا، فيما ورد من كلام العرب، على فاعول، ولامه سين، وهي:
خُذْ ما أتى وزن فاعول وآخره ... سين فمنه لداء الظفر داحُوسُ
وقيل للنار مأموس وموضها ... أيضاً كذاك وبعض الطير طاووس
وللنصارى بأوقات الصلا يرى ... ضربٌ لعودٍ وذاك العودُ ناقوس
ومظلم الليل داموس وصاحب س ... ر الشرّ والخير جاسُوسٌ وحاسوسُ
وللأخير بناموس مرادفة ... وللعواقلِ في الحيَّاتِ فاعُوسُ
وذو النمامةِ فانوس وفي بقَرٍ ... نَوْعٌ يقال له بمصر جاموسُ
والبحر معظمه القاموس عندهم ... وللرَّضيع من الأطفالِ بابوسُ
следующие страницы →