Полный текст (580 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فأضحى الأعياصُ من بعد اعتياصِهمُ ... لانتْ لأحمدَ منهمْ كلُّ عَوْصاء
وأصبحت من أعاديهِ الليوثُ عنَتْ ... منه لليثٍ على الأعداء عَدّاء
ومنها:
وكان مولاهُ أخفاهُ ليُظهرَهُ ... أيعهدُ الناسُ إظهاراً بإخفاء
ما حنّ صادٍ كما حَنَّ الجذوعُ إلى ... نُونٍ إلى نطفةٍ في الوقطِ زَرْقاء
أفدى ذِراعا بسم الشاةِ أخبرَهُ ... بألسُنِ الإبلِ والبيقُورِ والشاء
ومنها:
وقد رأى العَمُّ مِنكَ الخالَ صدَّقهُ ... جَدٌّ بجِدّ يَشُبُّ النارَ بالماء
وقال أيضا:
أمُّوا الديارَ بجانبِ انكَكُّ ... وقفوا بهنَّ وسَلّمُوا وابكوا
وبها أذيلوا منْ مَدامعكم ... ما كان صان الحِلُم والنسْكُ
فجمالُ أهل الحبّ أن يَقفوا ... حَسْبَ الغرامِ بها وأنْ يبكوا
والدَّمْعُ يجري غَيْرَ مَزْج دَمٍ ... بين المنازِلِ جَوْلُهُ إفْكُ
إنَّ المنازِلَ حَقّهنَّ إذا ... غُشِيتْ ديارُ التَّائمِ السَّفْكُ
стр. 212
يا دارَ فاطمةٍ عِمي وعِمي ... وعميِ وقلَّ عِمي لأنكَكُّ
فَلعيشةٌ برُباهُ راضيةٌ ... ومَعيشةٌ في غيرِها ضنكُ
طافتْ بضيفِ الفلكِ فاطمةٌ ... ما كنتَ تدرى ويْكَ ما الفُلكُ
زارتكَ في فُلْكٍ عَلَى فَلَكِ ... مما تَناذَرَ هوْلهُ البُرْكُ
يا رُبَّ مأسدة يَهالُ لها ... آسادُها آراضُها نَبكُ
باتتْ تَعسَّفُ تِيهها وهنا ... يَرْمى بها في أمْتِهَا الدَّكُّ
بتنا هنالكَ وهْيَ طَوْعُ يَدي ... ولقدْ نبيتُ وطوْعُها الفَرْكُ
أنَّي وصلْتِ لنا وكنتِ إذا ... رُمْتِ التَّحرُّك منَّكِ الحَرْكُ
يا حاجةٌ قدْ طالما انبعثَتْ ... في نفْسِ يعقوبٍ متى الدَّركُ
يا جنةً تَركَ الصبابةُ في قلْ ... بي جَهنمَ شوْقِها تدكُ
ما حقّ مشتاقٍ دِيانتُهُ ... تركانُ تركك يا لهُ التركُ
قالوا ما تَنفَكُّ رَهْنَ هَوًى ... ما يُستطاعُ لرهنهِ فكُّ
والشيْبُ مشتَعِلٌ فقلتُ لهمْ ... بَلْهَ المَلامةَ لستُ أنفَك
لأرى مَلامَكُم لنا عَبثاً ... وأرى المسامعَ منهُ تَستكُّ
مالي وللأقوام أحْفظها ... وتَبْكُّني ما أمكنَ البكُّ
بَرْكو لتعثيري أخيَّ ولا ... ألفى لِتَعثيرٍ لَهُمْ أرْكُ
فنكايةُ الأعداءِ مكرُمَةٌ ... أمَّ الصَّديقَ فَلُؤْمَا أنْ تَنكو
стр. 213
ما كلُّ مَنْ يُبْدِي الإِخاَء أخاً ... ولوْ أنَّ كلَّ مُدَوَّر كعْكُ
وسافر مولود ﵀ إلى أرض السودان، فعرض له بحر، يقال له: ماو. وكان لا يعرف السباحة. فأخذوا أعوادا من شجر يسمونه (الفرنان)، وهو موجود بتهامة بكثرة. ومن خاصة ذلك الشجر، إنه لا يغوص في البحر، فجروه بها فقال:
قَدَرٌ ما قدَرٌ أيُّ قدَرْ ... ما أرَ عَيْنيَّ عَيْنيْ صَنْبَصرْ
عجبَ النَّاسُ لرأبِيهِ ولم ... يَنِ يجري بالتَّعاجيبِ القدرْ
إنَّ في عَبْري على مَعْبَرِهِ ... بحرَ ماوٍ عبْرَةً للمُعْتَبرْ
نَرْكبُ البحرَ غرُوراً لا على ... ذاتِ ألواحٍ ولا ذاتِ دُسُرْ
ولقدْ تعلمُ صحبي أنّني ... غيْرُ مَغروُرٍ إذا ما الغِرُّ غُرْ
ولقدْ تعلُم صحبي أنّ لي ... نفْسَ حُرٍّ حين لا منْ نفْسِ حُرْ
ولقدْ تعْلمُ صحبي أنَّني ... بلْوُ أسفارٍ إذا طال السَّفرْ
لسْتُ بالهِلْباجةِ الرَّامك لا ... يُصدِرُ الهمَّ إذا الهمُّ حَضرْ
يا لياليَّ بماوٍ طالما ... طُلْتِ طُولاً صَيَر الطولَ قِصَرْ
لا أعاد اللهُ لي أمثالَها ... منْ ليالٍ ليس تَجلوها نَهرْ
فإلى ابنَ مَفرّي لأفِرْ ... يا ابنَ أمّي يا ابنَ عمّي لا مَفرْ
هذهِ هَذِي وأني داخِلا ... بعدَها ماوًا بملكي لَسَعرْ
стр. 214
وقد رأيت له مقطعة ومطلعها:
ما مثلها من عتاق شعشعانات
إلى أن يقول:
أدمانة من بني المبروك حمّ لنا ... منها لعمري إدْمانُ الصَّباباتِ
ورأيت له رائية جيدة، في مدح أحد الأشراف، وليس في حفظي منها شيء. ومن أبياته التي يمرن بها صغار الطلبة، قوله:
قد غادروا نحيتي من بعد ما ملئت ... ملوية ضربوا ملوية جدُدَا
فملوية الأولى: خبر غادروا، والثانية، عن مصدر ضربوا، أي سياطا ملوية. فإن آلة المصدر تنوب عنه، كما نص عليه النحاة. وله أيضا:
الحقُّ أبلجُ حقاً والخفا بَرِحا ... والصبحُ أفصحَ إلا إنه وضَحَا
الناس تعلمنا والناس تعلمكمْ ... والناس تعلم منّا اللكن والفصحا
والناس تعلمنا والناس تعلمكمْ ... من غشَ جاراته منا ومن نصحا
وهذا ما تيسر لي من أشعاره الآن، وله قصائد فيما وقع بينه وبين ابن بون، ومع أدييج الكميلي وغيرهما، وقد رأيت له نظما في حجم مجلد وسط، جمع فيه
الأجوف والناقص، وسماه: بعج بطنه. وبالجملة فإنه من مشاهير فطاحل أرض شنقيط في فنون كثيرة.
لِمْجَيْدري بن حبيب الله
واسمه محمد، ويقال له محمذ - بالذال المعجمة - مصحف محمد، هو العالم الوحيد الذي ما له من نديد. قيل إنه أحد أربعة، لم يبلغ أحد في ذلك القطر مبلغهم، وهم: ابن رازكه المترجم أوَّل الكتاب، ثم ابن الحاج إبراهيم، الذي تقدّمت ترجمته ايضا، ومحمد اليدالي الآني في موضعه. هكذا قالوا.
وكان المختار بن بون، أحق بكونه في موضعه، لأنه أستاذه: ولأن المحققين يقولون: إن الحق مع ابن بون في المسائل التي خالفه فيها، ولا شك إنه كان من
стр. 215
العلماء الأجلاء. وكان أعظم تلامذة ابن بون من اليعقوبيين، ثم وقعت بينهما وحشة شديدة، حتى تألبوا عليه كلهم. وكان ابن بون يذكره في أشعاره بما كان يعاني من نصيحته فما أفاد ذلك، ومات في حياة المختار بن بون، فقال قصيدة مطلعها:
أودى الضلال ألا فليفرح الجذَلا ... من عاش مضل شاقق الرسلا
فنقضها مولود المتقدم بقصيدة مطلعها:
أودى الكمال ألا فليفرح الجذلا ... من لا يموت ومن لا ينقضي أجلا
وقد ألف العلامة، محنض باب بن اعبيد الديماني، رسالة في تضليله، وهذا لا يقدح فيه، لما هو مشهور عن العلماء من قديم.
واتصل بالسلطان سيدي محمد بن عبد الله، ونال الحظوة عنده. ورحل إلى المشرق، وأكرمه أمير مصر، وبالجملة فقد كان غاية في الفهم، ويكفيه أن الصالح الصوفي سيد أحمد بن إدريس الفاسي تلميذه، ورجع إلى أرضه ومات بموضع يقال له بير إبكن (بهمزة مكسورة وياء ساكنة وكاف ساكنة معقودة ونون
مكسورة) ولم أحفظ من شعره شيئا، وإنما رويت له أبياتا، فيما ورد من كلام العرب، على فاعول، ولامه سين، وهي:
خُذْ ما أتى وزن فاعول وآخره ... سين فمنه لداء الظفر داحُوسُ
وقيل للنار مأموس وموضها ... أيضاً كذاك وبعض الطير طاووس
وللنصارى بأوقات الصلا يرى ... ضربٌ لعودٍ وذاك العودُ ناقوس
ومظلم الليل داموس وصاحب س ... ر الشرّ والخير جاسُوسٌ وحاسوسُ
وللأخير بناموس مرادفة ... وللعواقلِ في الحيَّاتِ فاعُوسُ
وذو النمامةِ فانوس وفي بقَرٍ ... نَوْعٌ يقال له بمصر جاموسُ
والبحر معظمه القاموس عندهم ... وللرَّضيع من الأطفالِ بابوسُ
стр. 216
ووزن فاعلة من دَبَّ متِسمٌ ... بها اسمُها عندهمْ فاحفظه عاطوسُ
وله في الموشح، يتذكر بلاده وأصحابه، لما كان في المشرق، وهذا النوع يسميه أهل الصحراء، الغناء بالعربية، وتقدم تعريف الغناء العادي عندهم:
يا مَنْ يَرى ولا يُرى ... عَني الكرُوبَ نَفّسِ
لقد نفى عنى الكرى ... شَوقي لأهلِ تِيرِسِ
واجعلْ لأمر عَسُرا ... يُسْراً بلا تَعكُّسِ
لَهْفي عليهم نُبَلا ... مُهَذّبين فُضلا
إنْ قيسَ معبدٌ على ... غِرِّيدهم كالأخْرَسِ
أوْ قِيسَ سَحْبانُ على ... بَليغِهمْ لم يَنْبَسِ
حُبُّ المهَيمنِ جَرى ... في الدَّمِ منهمْ وسرَى
وامتثلوا ما أمرا ... بهِ أجلَّ قبسِ
واجتنبوا ما حَظرا ... منْ خبثٍ ورِجسِ
منزِلُهُمْ رَحْبُ الذرى ... وكومُهمْ شُمُّ الذرى
فاقُوا جميعَ مَن قرى ... وحَط بالأباخِسِ
همُ كرامُ ذِي الورى ... همُ ثمالُ البائسِ
стр. 217
المأمون
هو الشاعر المفلق، واللغوي المحقق، اشتهر بجودة الشعر وروايته، وإحكام صنعته ودرايته. سمعت من بعض المشايخ، إنه كان في صباه يتحدث إلى امرأة، يقال لها بشرى، فلما أسنا وتقلب عليهما الدهر، ونسيا ما كان، اجتمع بالمأمون بعض معاصريه، فأراد أن يختبره. فقاله له: إن بشرى ستنزل هنا عاجلا، كالمستهزئ به، فقال:
بشرتموني على أنْ مَسَّني الكِبرُ ... مِلَء الجوانح بشري دونها البُشَرُ
بُشرى نحادَث عنها لركبُ أنْ زَمَعت ... بصوْبنا سَفراً يا حبذا السفرُ
قالوا مَنِ المتغنّة بعدَ شَيْبتِهِ ... فنلتُ هاأنذا المأمونُ لا نُكرُ
وكان يهاجي المختار بن بون، وكان يؤلمه أكثر من غيره من شعراء قومه، روى أن المختار قال: لم يضيعني إلا أبو لفريرات، أي الساقط الأسنان، يعني المأمون. ومما قال فيه:
قد جرت معتسفاً يا هادي الطُّرُقِ ... وإنه البحر لا يقتلك بالغَرَقِ
أكثرتَ حزّكَ لوْ دَرَيْتَ مَفْصِلهُ ... فادْرِ المَاصِلَ قبلَ الحزّ واسْتفق
ما الدينُ إلا الذي تسعى لتُوهنهُ ... آي النبيّ وآثارُ الهدى العتقِ
لا كلُّ خبْطٍ عنِ اليونانِ مبتدعٍ ... قدْ سُنَّ بين أصولِ الدين مُختلقِ
نَحمْي قوعدَ رَسطاليس تحسبُها ... دِيناً لك الويلُ نبّهاك فاستفقِ
إنْ قلْتَ ساغتْ لمنْ تمت قريحتُهُ ... أو أن تُخلَّصْ لنا منْ مُسلم تَلقِ
رُدَّا بأنّ أبا حفص قد أوْرَدَها ... وردّها المصطفى منه على تأقِ
كما البخاريُّ في التوحيد أخرجه ... والحبر أحمد والبزار في طرق
стр. 218
إنْ كنتَ تُورِدُ نَسخاً أو مُعارضةً ... لِذي الأحاديثِ فاذكر ما تري وسُقِ
وإنْ تكنْ قاصراً عن كونها ثبتت ... فيما حوى سَرْحهُ الحفاظُ في الورق
فاعرفْ مقامَكَ في درَكِ العلومِ ولا ... تعرض لمن خاض فيها شاسعَ الشُّقَقِ
فأنتَ ويْحكَ في وهْدِ الحضيض فلا ... تمدُدْ يديك لمأوي فارقِ الأنُقِ
وله أيضا:
رُبَّ ليلٍ بجانب الينبوع ... بتُّ من خيبة الرَجا في النزوع
ولقد ساءني ولجلج همي ... خبر ترجمانه من دموعِي
البخاري بن المأمون
ويقال له لُيَّبْخِيريِي. شاعر مجيد وابن مجيد، وأوَّل ظهوره، أن أهله أجدبوا، فبعثوه يرتاد لهم، فاتفق إنه مرّ بحيّ، فهام بفتاة منهم، فمكث أياما، ثم رجع إلى أهله، من غير أن يأتيهم بفائدة. فلما طلع على أهله، تلقاه الرجال، ليعلموا ما أتى به من الخبر. فلما سألوه، أنشأ يقول:
وبيضا في الملاحة لا تباري ... ألا فاصْدَعْ بحبكَها جهارا
فبينا الناسُ ينتجعون غيثاً ... إذ المامِيَّ تأتزرُ ائتزارا
لهي الغيثُ أطلبُ لا سواها ... فلا شَوْلٌ لديَّ ولا عِشارا
فسر أبوه بما سمع منه، وقال: أشهدكم إنه حر من الاشتغال بالدنيا. فأكب على لغة العرب، فبرع فيها، وفي قول الشعر. ومن نظمه قوله:
يا ليت شعري متى أنمِ القُتودَ على ... ضخم العثانين ناءٍ رفعةَ العَضْدِ
стр. 219
وهلْ أرُوحنَّ مُرْتاحاً إلى حللٍ ... يَهدي إليها هَدِيرُ البْزلِ من بُعُدِ
في إبلٍ كصُفّي السيلِ أدْمَكَها ... سَيلُ السَّرِيّ من الجوزاءِ والسُّعُدِ
وهلْ أبيتُ ضجيعَ الحاذِ مفترِشاً ... منْ رَمْلِ لَبَّةَ كالعُذْريَّةِ الجُدُدِ
ونزل في مدينة شنقيط، عند محمد بن عبدي بن عبد الرحمن العلوي. وكانت
بالناس مجاعة عظيمة، وفتن شديدة أيضا، فأكرم منزله، فقال:
طرقت أميمة بعد ما سلوان ... عن ذكرها لتباعدِ البلدان
فهبْتُ منْ طربِ الفؤادِ لزورها ... فإذا بذاك تحالم النوْمان
فسألتُ من في الأرض ينتجع الفتى ... ويؤمّ منزِله الكسير الوان
بمحمدِ الأسنى الأمين أبي التُّقى ... نجلِ المجلّلِ عابدِ الرحمنِ
فأتيته مُسْياً فقرَّب منزلي ... وأفادني وأجادني وأساني
في أزمةٍ تسلى الودود عن ابنها ... جوعاً ولا يلفي بها خلاَّن
الغيثُ أخلف والسنونَ تتايعت ... والطيرُ يصْدَحُ منْ بني حسَّان
هذا ما تذكرت منها، وقد غلط في قوله: تحالم النومان، لان نومان، من الأسماء التي تلازم النداء.
شيخنا
ولا أدرى هل هذل لقب غلب عليه، أم هو اسمه الأصلي. اشتهر ذكر هذا الشاعر بين قومه، ولم أعثر له على شيء، سوى أربعة أبيات، وهي:
تحيةُ مِسْكٍ ضِيعَ وَهناً بضائعِ ... بدارِ وقير عِندَ غُصنِ الضَّفادع
стр. 220
سَقى الوقرَ مَنْ كانوا وحيث تيمموا ... رَوايا الثريا بالسُّيولِ الدَّوافع
ووقّاهُم الواقي أويْساً ورهَطهُ ... إذا رَوَّحُوا أو انفشوا في المراتع
بنفِسيَ عِرْضاناً وأوْطان مَعشرٍ ... تنِبُّ فيَحلو كالسماع لسامع
محمد مولود بن محمد بن تكرور
معدود في أدباء قبيلته، ويقال إنه كان مجذوبا، ولم أحفظ له إلا قوله في مقطعة يمدح بها عمنا العلامة مأمون:
مأمونُ يا خيرَ مَنْ يُرجى لما عَظما ... أنت الكرِيمُ إذا ما ضَنَّ من كَرُما
عمّتْ فواضِلُكَ الآفاقَ فانسكبت ... على البرايا كغيثٍ سحَّ وانسجما
وله في حي من العلويين مر عليهم، فنزل عندهم. فقال يمدحهم، وبعد أن عمهم، خص الصالح الناسك المختار بن بابان:
حُيّيتَ حَيِّ حيَّ تِنْبُيَعْلِ ... حَيَّ المَعالي حَيَّ إِبْدَوَعْلِ
آيةَ أنْ كانوا مَحطّ الرّحلِ ... وشُرَّعاً في منّهمْ للِبَذْلِ
والخلِطي المٌكثرِ بالمُقِلّ ... والمجْدُ كلاً فِيهمُ إنْ تُبْلي
ولهمُ فيهِ أشدُّ الهلِّ ... ومنهمُ المختارُ خيْرُ نَجلِ
مُسَدَّدُ القَوْلِ جميلُ الفِعلِ ... لا يَقرَبُ الحِرْمَ وَليُّ الحِلِّ
إنْ يُخفَرَ الدّينُ فليثُ شبلِ ... وَرْدٌ جريءٌ خادِرٌ ذو ذَحْلِ
стр. 221
قدْ سِيمَ خَسفاً شِبلُهُ بقتْلِ ... يا ناقَ إِنْ لم تثقلي بالحَمْلِ
فاحتملي من مجدِ أهلِ الفضل
العتيق بن محمد ابن الطلب
المتقدم. كان شاعرا مجيدا ورث الفصاحة عن والده، ولولا إنه اشتغل بالتصوُّف، ما كان دونه في الشعر، ومن نظمه قوله:
أرقْتُ لِطيْفٍ جابَ أرْديةَ الحَلَكُ ... سُحَيْراً منَ البَطحا إلى بِكَنْدَلَكْ
فقلتُ له أهلا وسهلاً ومرحباً ... بمَسْرَاكَ يا طيفَ الرَّبابِ وقلَّ لكْ
ووقعت بينه وبين العلامة سيد بن محمد الديماني، مخالفة في مسألة علمية. فقال أحد بني ديمان قصيدة يهجوه بها، فقال رداً عليه:
كم دوّنَ مَنْ بِنواهمُ حُمَّ تسهيدي ... سَوادَ ليليَ منْ مُغبرّة البيدِ
دَوّيَّةٌ لا ترى إلا النَّعامَ بها ... سَتَغتَلى جَوْفَهَا جَوْنيةُ العِيدي
أَإِنْ أشَرْتُ بمعرُوفٍ إلى سِيدِ ... اجْمعُتموا أمرَكم أنْ تَلتَحوا عُودي
وقامَ شاعرُ كم يبكي مَعاهِدَهُ ... هاجتْ غرامَك أطلالٌ بإيكيدِ
أغرى معَاشِرُا كْدرْ نيْتَ شاعِرَهم ... وَرشَّحُوهُ لتِنْقيصي وتفنيدي
واسْتنْشَدُوهُ سَفيهَ النّسجِ مُضطربا ... مُسْتَغرَبَ المتنِ مَجهولَ الأسانيدِ
شِعرٌ لَعَمرُكَ تأبى أنْ تفَوةَ بهِ ... حُصَّ المَقادِمِ من شيخانِ مافُودِ
стр. 222
الطعْنَ ويْحكَ يا هذا قد اختضبَتْ ... مِنكم عَواري رِماحِ الحُمْرِ والسُّود
أطْعَمْتَ عِرَضَكَ منْ أسْدِ الشرى قَرماً ... عبْلَ الذّراعينِ يأبى صَوْلةَ السّيد
لأرْمينَّ نَواديكم بمُنْدِيَةٍ ... مِنْ والدٍ مِنكمُ تُلقى لمْولودِ
ورأيت له قصيدتين، في مدح الشيخ ماء العينين، أجاد فيهما غاية، ولم أحفظ منهما شيئا. وكان فقيها دينا جوادا، وتوفى أواسط العشر الثانية من القرن الرابع عشر، رحمه الله تعالى.
صُلاَّحي بن المامي
هو العالم الوحيد في زيه وشكله، وفي تطوافه وإقامته، وللناس فيه اعتقاد، وفي أبيه قبله. وكان أبوه من أعلم قبيلته، وكان هو مولعاً بتحرير المسائل، وكان له طبل يحمله معه أينما توجه، فإذا عنت مسألة عويصة وفهمت، ضرب ذلك الطبل. وكان يحارب إخوته، لانه يراهم مانعين للزكاة، لان لهم أتباعا بمنزلة الرعية لهم، وكانوا يفتونهم بعدم وجوب الزكاة عليهم محتجين بأن حسان يأخذون منهم الأمكاس ظلما، فإن ملكهم ناقص، والشيخ خليل يقول: تجب زكاة نصاب النعم بحول وملك كملا وقاسوهم بمال العبد المملوك وكان يغير عليهم ببعض العرب أهل الشوكة، فذهب اخوته إليه، وكان مقيما عند محمذ فال بن متالي التندغي، وكانت الناس تهابه لعلمه وصلاحه، فرغبوا في الصلح معه، فعلم هو أنهم سيغدرون به، فلما أمره الشيخ بالذهاب معهم قال:
ما لي أراني كأني في هَوى مَسَكهْ ... مالي إلى الغِيدِ منْ بشرٍ ولا حَرمه
مذ قيل إنْ ضياَء الدين أسلمني ... للمعتدين وفيما قاله بَرَكهْ
عِندي لهم كلما جاءوا بغائلةٍ ... خَمْسٌ وفيها لِنفْسِ المُعْتدى هَلكهْ
سُمْرُ الحديدِ وعَوْنُ اللهِ لَّ وما ... جاَء البشيرُ بهِ منْ مَسْلَكٍ سَلكهْ
وشِيعَةُ الغَوث لي منْ دونهمْ تبعٌ ... ولي عَليْمْ أبو الزغما وما مَلكهْ
стр. 223
ولا يعترض علىّ معترض، بأن المترجم من أهل بارك الله، لان القبيلتين كالشيء الواحد، وجدهما يعقوب، فهما كالفخذين.
شعراء بني ديمان
محمد بن سعيد الديماني
يعرف بمحمذ (بالذال المعجمة) اليدالي، أحد العلماء الأعلام، والغطارفة الكرام، وتقدم إنه أحد الأربعة، الذيم لم يبلغ مبلغهم أحد في العلم في ذلك القطر. كان مشهورا بالفهم والحفظ والصلاح. وله التآليف المشهورة، منها: تفسيره الكبير، وسماه (الذهب) وكتاب (شيم الزوايا) وغير ذلك. ويقال: إنه ما ألف كتابا إلا على إثر طرب وقع له. وكان مدَّاحا لرسول الله ﷺ ، وانفق إنه كان في أرض ابن هيب، أحد رؤساء العرب، وكان له مدّاحون يمجدونه على عادة رؤساء حسّان، فسمع ما يقولون فيه، فقلبه في مدح النبي ﷺ ، فبلغ ذلك ابن هيب، فغضب منه، وأحضره وسأله عما بلغه، فقال قلبته فيمن هو خير منك، فلما أنشده مقالته الآنية سكن غضبه، وأذعن للحق، وكان جبارا، ومما كان يمجد به ابن هيب:
خبط نَخْبَطْهَ ... لاهِ نَنْصَحْهَ=أُبَحِبْرْ أنْفَعْهَ=يَوْمَ القيام
يعني بالخبطة: خبطة الوتر، وهذا النوع يسمى لغن، كما نقدم، وهذه منظومة اليدالي:
صلاة ربي ... مع السلام=على حبيبي=خَيْرِ الأنام
بادي الشَّفُوفِ ... داني القُطوفِ=بَرٍّ عَطوفِ=ليْثٍ هُمام
ذاك النبيُّ ... الهاشميُّ=ذاك العليُّ=الهادي التَّهام
ذاك الرفيعُ ... الغَوْث المنيعُ=ذاك الشفيعُ=يومَ القيام
عينُ الكمالِ ... عينُ الجمالِ=قُطبُ الجلالِ=قُطبُ الكرام
стр. 224
نافي الضلالِ ... ضافي الظلالِ=صافي الزُّلالِ=لكلّ ظامِ
جَمُّ الخِصالِ ... جَمُّ المَعالي=جَمُّ النَّوالِ=نَدَاهُ هام
زين الخلالِ ... زين الرجالِ=زينُ الفعَالِ=زَينُ الأسام
عالي المنارِ ... عالي الفَخارِ=عالي النّجارِ=عالي المقام
بَدْرُ السُّعودِ ... وافي الوُعُودِ=وافي العُهُودِ=وافي الذمام
قُطبُ الوُجودِ ... مُغْنى الوُفود=مُدنى الأسودِ=إلى الحِمام
هادي العباد ... هادي الأيادِ=جالِ الأعبادي=جالِ الظلام
حام الحقائق ... غوثُ الخلائق=صافِ الخلائق=كافِ الزُّنام
أسْنى الوَسائلْ ... أسْنى المحافلْ=مُسْدى الجلائلْ=مُرْدى اللئام
طَوْدُ الجلاَلَهْ ... بادي البسالهْ=نجْمُ الرِّسالهْ=بَدْرُ التمامِ
سَهْلُ السّجايا ... جَمُّ المَزايا=بينَ البَرايا=وسطَ النّظامِ
مبدى العَجائبْ ... مُهدي الرغائبْ=له كتائبْ=أسْدُ اللّطام
سُودُ الوقائعْ ... خُضرُ المرابعْ=بِيضُ الشرائع=حُمْرُ السِّهام
وجْهٌ جَميلٌ ... طرْفٌ كحيلُ=ظِلٌ ظليلُ=على الأنام
فخرٌ أصِيلُ ... مَجدٌ أثيلُ=خَدٌّ أسِيلُ=في الفخرِ سام
عِزٌّ قدِيمُ ... هَدْىٌ قوِيمُ=وَجْهٌ كريمُ=على السّلام
جاهٌ عَظيمُ ... مجدٌ صَميم=جودٌ عَميمُ=بلا انصرام
خلْقٌ صَبيحُ ... خُلْقٌ مَليحُ=نُطقٌ فصيحُ=أسنى الكلام
ليتٌ جريءُ ... غيثٌ مربئُ=غَوْثٌ بَريءُ=من كلّ ذام
هادٍ أمينُ ... حِصْنٌ حَصِينُ=حَبْلٌ مَتينُ=بلا انفِصام
ناءٍ مَداهُ ... هامٍ نَدَاهُ=مُولٍ عِداهُ=حَدّ الحُسام
стр. 225
ذو المعجزاتِ ... المبيناتِ=المحكاتِ=الغُرّ السَّوام
أبدي الإلهُ ... سَنا حُلاهُ=زارتْ عُلاهُ=ظبا الموام
والذئبُ عنَّا ... والجذعُ حَنَّا=له وأنَّا=كالمستهام
والبدْرُ شُقّي ... لمن تَرَقى=وباتَ يُلقى=بالاحترام
والصّخرُ سَلَّمْ ... والجوُّ أظلمْ=له تكلَّمْ=موتى الرِّجام
والبئرُ فارَتْ ... والسَّرْحُ سارتْ=دَعى فصارتْ=خُصباً أزام
والشاةُ أبدَتْ ... والشمْسُ رُدّتْ=له أُعِدَّتْ=دارُ السَّلام
والضّرْعُ دَرًّا ... والوحشُ قَرّا=له أقرَّا=ضَبُّ الإكام
والجذْعُ خارا ... والغيثُ فارا=لمَّا أشارَا=إلى الغمام
آياتُ طه ... ليْسَتْ تُباهي=ولا تَناهي=على الدَّوام
قلبي لديْهِ ... شَوْقي إليهِ=يَزْكو عليهِ=أزْكى السّلام
ما الدهرَ لاحتْ ... ذُكىً وفاحت=صَباً وناحَتْ=وُرْقُ الحمَام
عَلَى الإمامِ ... أعْلى الأنامِ=أنْمى السلامِ=من السلامِ
стр. 226
إني لشادِ ... خَيْرِ العِبادِ=راجي أيادِ=مِنهُ عِظام
يا مَنْ حَباهُ ... بما حباهُ=ثمَّ اصْطفاهُ=هب لي مَرامي
رَبّ امْحُ عَني ... ما كَان مني=سُوءًا فإني=بك اعْتِصامي
وحُط ذنبي ... وأحْي قَلبي=فأنْتَ رَبي=مُحيي العِظام
كفّرْ ذنوبي ... واستُرْ عُيوبي=واكشف كروبي=واغفرْ أثامي
حَقّقْ مُنانا ... فيكَ امتنانا=واغفر خَنانا=بذا الإِمام
قِنا البَلايا ... وافتحْ لنايا=جَمَّ العَطايا=سُبْلَ السَّلام
وارزقْ لَنايا ... بارِي البرايا=عِندَ المنايا=حُسْنَ الخِتام
وقال أيضا، يمدح سيدي عبد الله بن رازكه العلوي، المترجم في أوّل الكتاب:
بَراعة استِهلالِ ... بَدْرُ البَهى والجمال
إعارةُ الجفْنِ دَمْعا ... ينَهلُّ والجمرُ بالِ
ضِدَانِ كانا بجسمي ... فذاكَ عَينُ المُحالِ
فبرْجُهُ حَرُّ قلبي ... مِني رَهينُ القِلالِ
لمّا غدا الطيفُ يوْماً ... يَزُورني لِوِصال
كان السُّهادُ على مق ... لتي رَقيبَ الخَيال
فبِتُّ ليلى كأني ... فيه سليمُ الهلال
أجرُّ ذيل الهوى طا ... ئعاً له باختيال
لوْ لمْ أجبْهُ أجابت ... محاجرِي بانهمال
وبتُّ جانيَ غَضٍّ ... منْ زَهرِهِ المُتغالِي
والبرْقُ يهفو كقلبي ... لكنه ذو كلال
والزهرُ يَرْمُقُ شزرا ... كناظرِ الرئْبالِ
стр. 227
وبينَهما البدْرُ يَزْهو ... كشيخ نادٍ بجالِ
فقلتُ ذا وجهُ سُعْدي ... الباهرُ المتلالي
خَوْدٌ رَمَتْ حرَّ قلبي ... بناظرٍ ذي اعتلال
وحَمَّلَتْني مِنَ اعبا ... ءِ الحُبَِّ فوْقَ احتمال
تَحمى خَشي مُسْتهامٍ ... طلا بغير حمال
قّتالةٌ بهواها ... لا بالقنى والقتال
ولا بضربِ المواضي ... ولا بطعن العوالي
ولا بِرَمْيِ الزباري ... ط ورَشْقِ النّبَال
تَجَلُّدي واصطباري ... ووصلها في انفصالِ
ولَوْعَتي وغَرامي ... وهجرها في اتصال
وصرمها للمُحِب ... ين دائماً مُتوالِ
ووعدها وهوَاها ... للْحِبّ رَقْرَاقُ آلِ
وعُذَّلي في هوَاها ... أشباهُ صُهْبِ السّبال
يا هِندُ جودي لِصبٍّ ... بنار حُبِّكِ صالِ
وسيف هجرك أمضى ... من السيوف الصقال
ونار شوقِكِ دأباً ... في القلبِ ذاتُ اشتعال
مليحَةُ الوَجْهِ والغن ... جِ والغنا والدلالِ
стр. 228
اللوْنُ منها بَهيٌّ ... والحسْنُ شمس الزوالِ
والجسم منها لطيفٌ ... والقدُّ مثلُ الهَدَالِ
والفرعُ منها أثيث ... والوجه مثلُ الهِلال
والطرفُ منها غضِيضٌ ... والثغرْ رطْبُ اللآلى
والخدُّ منها أسيلٌ ... والجيدُ جيدُ غزال
والكشْحُ منها رخيصٌ ... والرِّدفُ مثل النهال
بهنَانةٌ خَدْلةُ السا ... قِ صفرُ مرسى الحجال
ألذ منطِقها من ... سُلافةٍ بزلال
لفظٌ تِكلّ المثاني ... من دونه والمثالث
لقد عدانِيَ عنها ... رغماُ صروفُ الليال
أغْرَتْ هموماً توالتْ ... علىَّ أيَّ توال
لها بميدان قلبي ... مجالٌ أيُّ مجال
عنِ التخلص منها ... كلَّتْ وجوهُ احتيالي
إن لذتُ بالسَّيِّدِ المَلْ ... كِ لستُ بعدُ أبالي
يجود سمحاً بحسن ال ... خلاص من مكرها لي
عبد الإلهِ الأديبِ الص ... در العريقِ الأثالي
стр. 229
صدر الأفاضل غوثِ ال ... عبادِ بدر الكمال
سعدِ الزمانِ كريم الن ... ثا سنيِّ الخصال
فخرِ الأنام جمال الإ ... سلام حِلوِ الشَّمال
هامِي البنان خصيبِ ال ... فنا جزيلِ النوال
تاج الفخار ذكيُّ ال ... حجا سديدُ الفعال
نورُ الأئمةِ قُطبٌ ... حَبرٌ فقيدُ المثال
قاضي القضاة سراجٌ ... لِسدفِة الجهل جال
ندبٌ سفيطٌ طموحٌ ... إلى الأمورِ العوال
ملجأً لكل طريدٍ ... مأوى العفاةِ ثمال
ذو المعلواتِ العوالي ... والموْهِبات الجزال
جالي دُجا كلّ خَطبٍ ... أعيا دُهاةِ الرجال
مُستمسِكٌ من هدى شِرْ ... عة النبي بحبال
وسيفُ حقٍّ على أه ... ل الزَّيغ والإعتزال
أماتَ ريحُ هداهُ ... هُوجَ الهوى والضلال
صارا به دائماً في ... مَهانةٍ وابتذال
فالحقُّ أضحى مُحلى ... به بأبهى المحال
ومهْيع الشرع يزهو ... مُطرَّز البرد حالي
стр. 230
قدْ صانه فهْوَ دأباً ... عن نصرِهِ غير آلِ
وذبَّ عنهُ ببيضٍ ... من الهدى والنِّصال
حتَّى غدا مستقيما ... ميزانهُ باعتدال
به العلومُ تحلَّتْ ... أبهى حُلىً وحِلال
قد فاز منها بما لم ... يخِطُرُ لإنسِ ببال
رسَتْ بأرضِ حِجاه ... للعلمِ يُهْمُ الجبال
جبالُ الأرضين أضحتْ ... في جنبهِ كالتِّلال
والبْاسُ في كلّ فنٍّ ... كانوا لهُ كالعيال
تهوِى له من بعيدٍ ... من موكبٍ ورجال
مقامهُ في الأعاري ... ب والعقائِدِ عال
وفي البلاغةِ نظماً ... وكلِّ سِحرٍ حَلال
وفي العلوم جميعا ... وفي علوم الأوَالِ
وشرح كلّ عويص ... صعْبِ المرام عُضَال
يهدى غرائبَ أشهى ... من قرقَفٍ وفِضال
بيدي الدقائق فهْماً ... يُنيلُ قبلَ السؤال
لا واكفُ الفطر يحكى ... كفيهِ في الانهمال
стр. 231
إذا السحائبُ يوماً ... غدَون صُهْبَ الظِّلال
والدهرُ طوعُ يديه ... يجري له بانفعال
وليسَ يسلم يوما ... من ذِي اغتباطٍ وقال
من معشر في الورى قد ... حازوا شعارَ الجلال
ذوو نهى ووجوه ... غرٍّ وأيدٍ طوال
ذوو حروفٍ ثلاثٍ ... ميمٍ وجيمٍ ودال
ذُكْرُ سراتٌ كرام ... شُمُّ الأنوفِ أعال
لهمْ خلائق زُهْرٌ ... تندى كزهْرِ المِآل
نالوا العلى والمزايا ... والعِزِّ غير عجال
هم في المكارم تبر ... وغيرُهمْ كالطُّفال
هُمْ في الجلال يمين ... وغيرهمْ كالشمال
همْ في الفخار صميمٌ ... وغيرُهمْ كالموالى
هُمْ في العلى كاللئالي ... وغيرُهمْ كالرمال
طرزتُ ديباجَ شِعري ... بنشرِ تلكَ الخلال
فاهنأ فقد نلت تاج الش ... عر العزيزِ المنال
فأنتَ حاملُ أعْبا ... ء المعلماتِ الثّقال
بسطُ الزمان علينا ... سعدٌ وأحسن حال
إليكها بِكرَ فِكْرٍ ... يا سيدي ذي كلاَل
أضحتْ بذكرِك فيها ... تبأى بِحَلْيٍ وخال
стр. 232
يُثنى عليك لسانٌ ... منها صدوق المقالِ
بنظم فضلك تشدو ... دأباً بغير مَلال
مستهدياً منك عطف ال ... سماح والاحتفالِ
فاعذُر لها والحظها ... بمقلةِ المتبالي
واسمح ولا تنقدنها ... وابسُطْ لها وجْهَ خال
لخاتمِ العِزّ أبقا ... ك فصًّا المتعالي
وقال سيدي عبد الله بن رازكه يحييه:
أحداجُ تلك الجمال ... مشجونةٌ بالجمال
زالتْ عليها شمُوسٌ ... فَفاتْ شموسَ الزوال
ما غابَ مُذْغِبنَ عنّا ... سُهْدُ الليالي الطوال
راجي الصباح بِلا شم ... سٍ بائتٌ في الضّلال
لم تخطِنا إذ رمتنا ... أرآمُ آلِ بلال
أترابُ حيّ لقَاحٍ ... عَرَنْدَسٍ ذي طلال
أهلُ الجيادِ المَذاكي ... والعوذِ عوذٍ متال
والبيضُ بيضٌ مواضٍ ... والسُّمْرُ سُمْرٌ عوَال
لله يومٌ شهدنا ... وغاهُ غيرَ عجال
ذوو العمائم فيه ... أسْرَى ذواتِ الحجال
وتترك الأسدَ صرعى ... ظِباؤه بالنبال
سلْ ما لسَلمى وخير ... إصغاؤها للسُّؤال
رُمن رضاها فرمنا ... حصولَ رِيٍّ بآل
محمودَةٌ أختها آ ... ختنا بمنع الوصال
стр. 233
فوصلُها ذو انصرام ... وصَرمُها ذو اتصال
دامتْ بكسرِ نصال ... في القلْبِ فوقَ نصال
محمودةٌ ما ذَمْمنا ... لجاجَها في الدلال
ولا مَلِلنا وإن لم ... تترُكْ دوامَ المَلال
إذ قلبها عَكَّ قلبي ... بصالبٍ وملال
وجفنها وهواها ... في صحَّةٍ واعتلال
أحِبُّها وأراها ... ترى وجوبَ اغتيال
فما اختيالي أطّباها ... ولا لطيفُ احتيال
ما طافَ أبخَلُ منها ... حتى بِطيفِ الخيال
يا ليتها بذلَ وسْعِى ... لكنها لا تبالي
براقةُ الخدِّ يُسْرِي ... لألاؤها في الذُّبال
فالحبُّ ينكُصُ مهمى ... دعى هواها نَزال
لا بالغَزَالة ترضى ... شِبْهاً ولا بالغزال
رطب اللئالي بعيد ... من ثغرها في الصقال
قاسَتْ بعطف خفافٍ ... حملان رِدفٍ ثقال
لا يخطرُ البانُ ما تخ ... طر الهوُينا ببال
والبدر قوبلَ تِماً ... من نعلها بالقبال
حسن التخلَّصِ من ح ... بها عزيز المنال
стр. 234
محمودةٌ في الغواني ... مُحمدٌ في الرجال
محمد كالمجَلّي ... من حلبة في المجال
هو الزكيُّ الذَّكيُّ ال ... حسَّانُ زِيُّ المعالي
والفرد في العلم والح ... لم والحجا والفعال
من ليس ينطِقُ إلا ... بالسِّحْرِ ذاك الحلال
الحافِظُ المتروِّي ... أمِنْ سَخي أمْ بكالي
والشارحُ المُشكلات ال ... مُسْتحْكماتِ الشِّكال
والصَّارِمُ الأشعري ال ... مخنى على الاعتزال
يزالُ رضوى انزعاجاً ... ولم يكنْ بالمُزال
عِلْمُ الكلامِ يسمَّى ... فيه حَذامِي المقال
جاري الأدلة ليست ... إجراَء ذاتِ العِقال
قطب اجتهادٍ مصِيبٌ ... في الفقه عندَ الجدال
منقولهُ يحْتَذِيه ... معقوله باعتدال
تميزه في الأعاري ... بِ لا يُوَازي بحال
ذو رتبةٍ بعدتْ عن ... تنازُعٍ واشتغال
مَن مِثلهُ حين يعيي ... في الفرعِ ضربُ مثال
يبديهِ فهماً وإلا ... أتى بثانٍ وثالث
стр. 235
عالي محمدْ سعيدٍ ... فلم ينلَهْ مُعالي
بنو محمدْ سعيدٍ ... حذوه حذو النّعال
الناسُ في المجد هضْبٌ ... وهمْ أعالي الجبال
يُمتُّ عند حبول ... لديهمُ بالحبال
شدُّوا الرّحالَ إليهم ... وهمْ محط الرّحال
طلاّبُ وجْدان أمثا ... لهمْ طلاب المُحال
والسَّادة القادة السَّا ... رة السَّراةُ الخلال
هيآتُهمْ زيَّنتْها ... هيْبات عزّ الجلال
يابن الكرام ارسُ طوداً ... ما أُرْسىَ ابنا رغال
حلّيْت منْ ليس أهلاً ... لمدحك المُتعالي
وجاَء شعرك سلكا ... فيه حسانُ اللئالي
يؤولُ عندي بذهنٍ ... سُداهُ حسن المآل
روْضٌ سقاه غمامٌ ... ملْو رد لا من سيال
فأرْق تحت سطورال ... أيام تحت الليالي
يقول رائي حُلاه ... بلتْ صداها بَلال
هذي يدُ ابن هلال ... وذا فمُ ابن هلال
حذوتني وعنائي ... فقط حذاَء الثّفال
كالطفل عارض شيْخاً ... عن تبره بالطفال
стр. 236
جازيته واليواقي ... تُ جُوزيتْ بالرمال
إن أمْليا فليقالا ... شتان بين الأمالي
فاعذُرْ فهذا مودي ... رويَّتي وارْتجالي
سجَّلْتُ حُكما بعجزي ... والعجزُ بوْنُ السّجال
قلْ هات أعط كنفْ ... سي فما ثوابُ كمالي
كُنِ اليمين فما النا ... سُ كلُّهمْ بالشمالي
برعْت في البدْءِ فازْدنْ ... براعة في الكمال
ولمحمد اليدالي أيضا يمدح قبيلته:
ديمان في الناس تبرٌ ... وغيرهم كالفخار
فيْومُهمْ يوْمُ عيدٍ ... وليلهم كالنّهارِ
وله بيت مشهور في هذا المعنى:
إنا بني ديمان إنْ ذُكر العُلى ... نذكرٍْ وإنْ ذُكرَ الخنا بُرآءُ
هذا ما تيسر من شعره الآن.
مَحَنْضْ بَابَ بْنُ أعْبَيْدْ الديماني
علامة شنقيط، وهو عقدها الوسيط، البدر المنير، والعلامة النحرير. سيف الله القاطع، وغيثه الهامع، شمر عن ساعد جده، وأدرك العلوم بفهمه وكده. هو مدره عصره، وعلم مصره، أبرزه الله لأهل إقليمه بدراً منيرا، وللصادين عذبا نميرا. ما ضاعت أوقاته، ولا خابت عفانه، وكان عند حسان حرما آمنا، وحصنا حصينا ساكنا، وإليه مرجع العلماء إذا اختلفوا، وما ظنك بمن كان يصلح لابن بون وهو هو، فقد وجده يحرف بيتين، أحدهما قول الشاعر.
стр. 237
مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم
فإنه كان يقرأه: من الرياح النواسم، فإنه من شواهد النحو، والشاهد فيه تأنيث الفعل المسند إلى مر، وهو مذكر، وإنما اكتسبت التأنيث من إضافته إلى الرياح، وقد بعث المختار المذكور لغزا في لفظه جاء إلى بني ديمان، في أبيات نظمها، فأجابه محنض باب بشطر، وجعل الثاني لغزا، وأول أبيات المختار:
ألا يا بني ديمان لازال مرتحل ... إليكم يريد المعضلات من المضل
وضاع مني آخرها، وبيت محنض باب:
لعل مراد الشيخ جاءٍ ومن لنا ... بحرف يثنيه ويجمع من عقل
يعني الكاف في ذلك، فإنها حرف تتصرف تصرف الكاف الاسمية، والحروف لا تتصرف.
وقد أراد إنسان ممن له به اتصال، أن يضبط شغله، قال: فرأيته في وقت الصباح، يسوق بقرة إلى موضع الرعي، ثم يذهب، والقدوم على عانقه، يقطع بها أعوادا من الشجر الرطب، ليطوى بها بئرا يحفرها في محل صعب، ثم يعود بكثير منها على عانقه، ثم يرجع إلى البئر ليقف على عبيده المكلفين بحفرها، ثم يرجع ليدرس للطلبة، ثم يشتغل بقرى الأضياف، لانه كان مورودا، ثم يبقى هكذا إلى أن تنام الناس، فيشتغل بتصنيف كتابه (ميسر الجليل على مختصر خليل) وكان لا تأخذه في الله لومة لائم. ولما اظهر ابن الأمين بن الحاج الشقراوي، أمورا تخالف مذهب الفقهاء، ألف في تضليله، لينفر الناس من تلك الأقاويل، وكان ابن الأمين المذكور تخافه الناس لعلمه وسلاطة لسانه، فهجاه ولم يبال بذلك، كما سيأتي بيانه، وما زال يوضح للناس فساد شبهه، حتى حبط مسعاه، ووقعت بينه وبين إدييج الكمليلي مخالفات، ولما هجا التجانيين، قال فيه، وفي أمثاله منظومة منها:
نَهوا عَنِ الطريقِ مَنْ أرادَها ... وأنكرُوا لعاً لهمْ أورادها
стр. 238
أليستْ الطريقُ ذكر اللهِ ... والنهيُ عنهُ منكر يا ناه
وأنكروا الجمع والاجتماعا ... للذكر وهو جائزٌ إجماعا
جرى على ذلك مذ أعصار ... شرقاً وغرباً عمل الأمصار
فوقع الإجماع بعد الخُلْف ... فيه فجاز اليوم دون خُلف
وله في النحو أنظام كثيرة، ومنها (نظم الجموع المحفوظة عن العرب) على ترتيب نظم ابن مالك في ألفيته، متبعا لكل مقيس ما حفظ فيه. وله قصيدة يمدح بها العلويين عامة، وأبناء القاضي خاصة، ومطلعها:
دع المدْحَ يَسْعى في مسارحهِ يرعى ... ولا ترعه إلا كلاً طيْبَ المرْعا
فعم به في إيد وعل وخصصن ... بني شيخنا قاضي القضاة نجد مرعا
فجدهم أستاذ تاشمشَ كلهم ... قد ارتضعوا من علمه الخلف والضرعا
لهم ذمة لا تنقِضش حُرُماتها ... يحق لهم طول الدهار ير أن تُرعا
وقد أجابها حرم بن عبد الجليل المتقدم، بقصيدة لم يبق في ذهني منها الا قوله:
فلا يحْسُنُ العقدُ النفيسُ جواهراً ... إذا لم يكن في جيد غانية تلعا
ومن نظمه:
ليس من أخطأ الصواب بمخط ... إنْ يَؤبْ لا ولا عليهِ ملامَهْ
إنما المخطئ المسييءُ الذي إن ... وضح الحق لج يحمى كلامه
ابن عَبْدَمْ الديماني
هو النحوي الشهير، الذي شاع ذكره وذاع، وانتشر في تلك الأصقاع، وما وقفت له على شعر، وله نظم متداول في نوني التوكيد وهو:
إن تسند الفعل لواو أو ليا ... ولامه إحداهما فأوليا
كلاّ من الحرفين حذفاً وصل ... بالنون عين الفعل والأمر جلي
стр. 239
أما لدى اتفاق لامٍ والضميرْ ... لفظاً فلا إشكال والأمر شهير
وعندما يختلفان فات ... بشكلة لمضمر توات
كارمنَّ يا قومُ بضم الميم ... وارجنَّ يا هندُ بكسر الجيم
وهذا ما في ذهني منه.
صُلاَّحي الديماني
هو الصالح المشهور، والعالم المذكور، ومن نظمه:
أحسن ما رأيت في رِحلتي ... يا نزهتي من بعدكم غيطلَهْ
أبصرتها تختال في ربْطة ... والريح في أردانها مرسلَهْ
بينا أنا في سُبْحَتي ذاهلٌ ... والنفْسُ في نَهْجِ التقى مُعْمَلَهْ
إذ لاحَ لي من ثغرِها لائح ... إنساني النسبيحَ والهيللَه
من أرسل الطرفَ إلى غيرها ... قد ضيع الإرسالَ والمرسَلة
المختار بن ألُمَّا
هو العالم الوحيد، ذو الرأي السديد، والجود العتيد، برع في النحو والعربية، وله اليد الطولى في الفقه والبيان والمنطق. وكان صالحا ناسكا، حليما مورودا، مهيبا عند قومه، معظما فيهم. وقد قرأت عليه نبذة من النحو، ومن أعجب ما رأيت فيه، إنه إذا حدثك في غير وقت الدرس، لا تفهم من كلامه إلا القليل. وإذا قعد يدرس، لا تجد من يُفْهِمُ الطالب مثله.
ومن أجل مشايخه الذين تلقى عنهم: محمذ فال بن متالي التندغي. وتوفي بعد العشر الأول من القرن الرابع عشر فيما أظن، وله مقطعات، لم يحضرني منها شيء وأنظام كثيرة في النحو، منها:
في القول خلف هل به يسمى ... لفظ به دُلّ على معنىّ ما
أو المركَّبِ بغير قيدِ ... أو المركب بقيد القيدِ
وله أيضا:
يجوز للكوفي أن تنادى ... معرفاً بأل بعكس الناد
стр. 240
تمسكا بقول من قد مرّا ... أيا الغلامان اللذان فرا
إياكما أن تحدثان الشرا
وكان العلامة محمد بن أحمد يور الديماي، قل بيتا وهو:
وخرنق بكسرتين عنتره ... أخت له فانظره في الروض تره
فقال رادًّا عليه:
وخرنق بكسرتين طرفه ... أخت له في الروض هذه الصفه
شعراء أولاد ابْيَيْرِ
الشيخ سيدي بن المختار بن الهيب الأبييري
ثم الإنتشائي، ونسبه الأصلي يرجع إلى تندغ، ثم إن فخذه أولاد انتشاييت كذلك، وإنما سكنوا في أولاد ابيير، وتواشجت بينهم الأرحام، ثم إن الله أعلا به أولاد ابيير وغيرهم. هو العلم الذي رفع على أهل قطره، واستظل به أهل دهره، وماذا أقول في رجل اتفق على إنه لم يظهر مثله في تلك البلاد، وقد رأينا من أحفاده ما يرفع العناد، إذ من المعلوم انهم قاصرون عن مداه، أو لم يجاوزوه إلى ما وراه.
واشتغل في شبابه بالعلوم وبرع فيها، بملازمته لحرم بن عبد الجليل العلوي، وكان يخدمه خدمة العبد لمولاه، فجازاه الله تعالى بذلك، حتى إن تلاميذه كانوا لا يدخلون عليه، إلا حبوا على ركبهم إجلالا له.
وحدّث من رآه في زمن اشتغاله عليه. قال: أرسل حرم المذكور إلى التلاميذ، أن يذهب أحدهم إلى المنهل ليسقي البقر، فإن العبد القائم بأمره غير موجود، فلم ينتدب لذلك إلا الشيخ سيديَّ، فلما أتى بالبقر، جعل يقرأ مع التلاميذ على ضوء النار، فأرسل إليهم أيضا أن يحلب أحدهم البقر، فلم ينتدب لذلك غير الشيخ سيدي، ثم إنه رجع بعد حلب البقر، وجعل يقرأ أيضا، فوافى
стр. 241
رسول من حرم أيضا، بأن يحضر أحدهم قرى الأضياف النازلين عنده، فلم ينتدب لذلك غير الشيخ سيديَّ.
ولما تضلع من علمه، شد الرحل إلى الشيخ المختار الكنتي بآزواد من مسيرة شهر، وأكثرها غامر. ثم وصل إليه، ولازمه ستة أشهر، ثم مات الشيخ المختار، فبقى عند ابنه سيدي محمد المعروف بالخليفة، لقيامه مقام أبيه، فلازمه عشرين سنة يخدمه فيها، حتى برع في معرفة الطريق، وعلم الأسرار، ثم رجع إلى بلاده، فنزل أوَّلا في تندغ، أصله القديم، فلم يكترثوا به، ثم رجع إلى قبيلته أولاد ابيير، فتلقوه بما هو أهله وأكرموه، واعترفوا بفضله، فلم تزل فضائله تبدو، حتى أذعنت
له الزوايا وحسَّان، وصار مثل الملك بينهم، فلا يعقب أمره. وكان أهلا لذلك، كرما وحلما وعلما، ولم تزل الدنيا تنثال عليه، ويفرقها في الناس، وقدم مُرَّاكش في أيام المولى عبد الرحمن، وأظنه كان متوجها للحج، فرجع بسبب المرض في الحجاز، ونال حظوة عظيمة من السلطان.
وحدثني الفاضل عبد الرحمن الجزولي، المعروف في مراكش بابن التلمود، وكان أبوه كاتبا للمولى عبد الرحمن: إنه لما قدم إلى مراكش، وجد المولى سيدي محمد بن المولى عبد الرحمن، ألكن لا يبين الكلام، فتفل في فمه، فانطلق بالكلام. وكان يبحث عن الكتب في مراكش ليشتريها. فإذا أراد أن يقضي الثمن، يسلم إلى البائع ما بقى عن المحاسبة بالغا ما بلغ.
وكانت العرب في أرض شنقيط، تجعله حرما آمنا، فيجتمع عنده أحدهم، بمن قتل أباه أو أخاه، فيجلسهما على مائدة واحدة. وإذا بلغ الجاني نواحي البلد الذي يقيم به، أمن على نفسه. ولم يمض عليه يوم، إلا وعنده آلاف من الناس، يطعمهم ويكسوهم، ويقضي جميع مآربهم، حتى لقي الله، ولا يسأله أحد حاجة إلا أعطاه إياها، بالغة ما بلغت.
وكان تلامذته يريدون أن يقللوا من ذلك، فما أمكنهم. وسأله يوما
стр. 242
شخص، حمارا. فقال: أعطوه الحمار الفلاني. فقالوا: إنه غائب. فقال: أعطوه الجمل الفلاني. فقالوا: إن الحمار قد حضر. فقال: أعطوه إياهما معا. وجاءه أحد أبناء شيخه، فأعطاه جميع ما يملك من الدنيا، ثم عاد إليه بعد مدة، ففعل ذلك ثلاث مرات.
وشكى إليه إنسان، سوء معاملة امرأته إياه. فقال له: وما مالكم؟ فأخبره بأن عندهم شيئا من الغنم، وحمارا وأمة. وقال: إن هذا لامرأته. فدعا بأحد تلامذته، وأمره أن يعطيه غنما وحمارا وأمة. وقال له: إنها سيسهل أمرها.
وشكا إليه تلامذته المكلفون بالأضياف كثرتهم. فقال: إنحروا من الإبل ما يكفي.
فقالوا: إنها مهازيل، وليس فيها من السمان إلا ناقة. روى من لبنها اثنان لكثرته. فقال: انحروها، فإنها ستشبع مائة.
وكان يبلغه أن الطريق منقطع في الجهة الفلانية، لعدم عمارتها، فيحفر فيها الآبار، ويبعث المؤن الطائلة لقرى المارين. وفضائله أكثر من أن تذكر، ﵀. وكان مجيدا. وما رويت له إلا القليل. قال يحض على حسن المعاشر:
أيا مَعْشرَ الإخوانِ دَعْوةَ نادبِ ... إلى الحقِّ والمَعروف ليس بكاذب
أعيرُونيَ الأسْماعَ أَهْدِ إليكمُ ... وصيةُ مُصْفى النصح غيْر مُخالب
فمن كان منكم ذا وِدادٍ وخلةٍ ... لمرتفع الأخلاق جمّ المناقبِ
لِيَسْحَبْ على عَيْبِ الخليل ذُيُولهُ ... ويَسْتُرْ فَشأنُ الخِلّ سَتْرُ المعايب
خِليلَّي لا أبدى إلى من يَذُمُّهُ ... طلاقَةَ وجْهي بلْ عُبوسَةَ حاجِبي
أحبُّ الذي يَهوى وأُبغضُ ما قلا ... ولستُ عليه إنْ يزِلَّ بعاتب
وماذا دعا يوْما لِصَدْمةِ حادِثٍ ... ألمَّ عليهِ كنتُ أوَّلَ واثبِ
فمنزلةُ الإخْوان فيها تفاضُلٌ ... فمنهمْ لذيذُ الطعْم عند المُصاحب
ومنهم زُعاقٌ لا تُطاقُ طِباعهُ ... معاشره يَرْتاحُ إذ لم يَقاربِ
ومن كان ذا لوْحٍ وهَمٍّ وطاعةٍ ... فلا يَدْنُ للمستصيباتِ اللَّواعب
стр. 243
وما أفسد الألواحَ والهمَّ والتُّقى ... كبيض التراقى مُشرفاتِ الحقائب
مِراضِ العيون النُّجْلِ حُوٍّ شفافُها ... رِقاقِ الثنايا حالكاتِ الذوائبِ
وله قصيدة بديعة، يمدح بها وليَّ الله الشيخ المختار الكنتى، وتستخرج منها ثلاث قصائد، لكل منها بحر، أعنى أنها كلها في بحر الكامل. ثم تقرأ أشطارها الأول، فتكون قافية من بحر المديد، ثم تستخرج من أوائل أشطارها الثواني، قافية من بحر البسيط، وليس من حفظي إلا مطلعها وهو:
طلعتْ ببُرجِكَ للبريَّةِ أسْعُدُ ... أيَّامَ جاد بك الزّمانُ الأجْود
وله قصيدة أخرى مطلعها:
أمَعالمُ الميمونةِ السُّعْدى هذِهِ ... أمْ أنتَ ناظرُها بمقلةِ أمْرهِ
وسيمر بك في هذا الكتاب من أمداحه، ما يشهد لما قلت، ورأيت من تآليفه، شرحا على لامية الأفعال لابن مالك، وبلغني إنه شرح مقصورة ابن دريد، وأخبرني بعض الثقاة، إنه مات سنة ثلاث وثمانين ومائتين وألف، أو نحو ذلك، ﵀ رحمة واسعة.
سيدي محمد بن الشيخ سيديّ
المتقدم، هو العلامة الأريب، اللغوي الأديب. نشأ في نعمة عظيمة، وكلاءة جسيمة. وما ظنك بمن أبوه الشيخ سيديّ، ولما ولد هذا الفتى، تباشرت به تلك الأقطار، واشرأبت إلى مآثره تلك الصحارى والقفار، ولما ميز بين الحيّ واللّيْ، وفرق بين النشر والطيْ. استجلب له أبوه المؤدبين والمتأدبين، وكان يعلمه الكرم كما يعلمه العلوم، ويدقق في محاسبته على ما يبدو منه في عنفوانه، حتى سما ونبل، واقتدى به حذو النعل بالنعل. حتى صار كما قال زهير في هرم بن سنان وأبيه وجده:
هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا
أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدما من صالح سبقا
стр. 244
وكان الناس يظنون أن الشيخ سيديّ، لا يسد أحد مسده، فلما مات، وبقى ابنه هذا في موضعه، ما تغير شيء مما كان يجريه أبوه عل الناس، إلا أن مدته لم تطل، فإنه عاش بعده سنة واحدة، وكان ﵀ شاعرا مجيدا، وصوفيا وحيدا ومن تأمل قصائده الغزليات، وجد في أواخرها، ما يدل على إنه كان على جانب عظيم من التصوُّف، ويقال إنه لما مدح أباه بأرجوزته الطنانة التي أولها:
يا سيدي إني فداكَ اللهَ بي ... جاري الحماما عنه لي من مذهب
قال له ما حاجتك؟ قال: حاجتي أن لا أعيش بعدك، فاسترجع والده، وبالجملة فكان سيدي محمد هذا، حسنة من حسنات الدهر، وترك قصائد تدل على طول باعه في الآداب، وله من النكت الأدبية، أشياء كثيرة، ومنها إنه كان له نديم، وأصله حداد، وأهل الصحراء يزعمون أن الحداين أصلهم يهود ثم أسلموا، وكان ذلك الشخص اسمه نحن، وكان يدعي إنه شريف، وكان يجيد اللقم، فأعطاه جملا على أن لا يغضب من أبيات نظمها فيه وهي:
ما هزّ عطفيْ كميٍّ يَوْمَ هيْجاءِ ... بين الأواني كذي النونين والحاءِ
فرد يقوم مقام الجمع وهو لذا ... يدعى بمضمر جمع بين أسماءِ
يسطو بأسلحة للأكل أربعة ... يدٍ وفمٍّ وبلعُومٍ وأمعْاءِ
تخال لقماتهِ العظمى براحته ... كراكر الإِبل أو جماجمَ الشاء
ما بين طلعتها فيها وغيبتها ... في فيه إلا كلمحِ الطرف للرائي
فتنهوي كدُلِيّ خان ما تِحَها ... أشْطانُها فترامَتْ بينَ أرْجاء
فبانَ أنَّ الذي يحويهِ من شرفٍ ... قد صحَّ لكنه بالهاء لا الفاء
وتزوج بامرأة من غير ان يستأذن والدته، فذهبت إليه، تصحبها عجائز، فضربنه، فكتب إلى أبيه يشكوهنَّ:
أمِنْ فعل أمرٍ في الشريعة جائز ... يروم اهتضامي بينكم كل عاجز
وكان بكم جند البغاو يهابني ... فصال علىَّ اليوم جند العجائز
стр. 245
فصرت كأني قد أتيت ببدعة ... وفاحشة من نحو فَعْلَة ماعِز
فلو انَّ أرضي ذات مُعْز رجمنني ... ولكنها ليست بذات أماعِزِ
وكان سلس العبارة، رقيق الشعر، فصيحا، لم نر من انتقد عليه شيئا، سوى النزر القليل، الذي تعفى عليه جودة معانيه، وسلاسة ألفاظه، فقد انتقد عليه ابن محمد قوله:
انكار من ليس يدري اشدد به غَرَرا ... إذ هو من جرف الألحان فوق شفا
فإن همزة أشدد، همزة قطع، وهذا لا يقدح لأجل الضرورة، وانتقد عليه قوله أيضا:
لو خضت لجة قاموس وجدت به ... دراً جلا جَلو مصباح الدجا السُّدفا
فإن جلا، مصدره جلاء لا جلو، وهذا غير صواب. وانتقد عليهم بعضهم أيضا قوله:
ولم يسحر فؤادي قطُّ طرف ... سوى طرفين فيها ساحِرَين
لأن الطرف لا يثنى ولا يجمع، وهذه مسألة خلاف، والأصح إنه لا يثنى ولا يجمع، كما قيل، ونحن ننقل قول القاموس وشرحه تتميما للفائدة، قالا: الطرف: العين، لا يجمع، لأنه في الأصل مصدر، أو هو اسم جامع للبصر، قاله ابن عباد. وقال الزمخشري: لا يثنى، ولا يجمع، لأنه مصدر، ولو جمع لم يسمع في جمعه أطراف. وقال شيخنا عند قوله لا يجمع، قلت: ظاهره بل صريحه إنه لا يجوز جمعه، وليس كذلك، بل مرادهم إنه لا يجمع وجوبا، كما في حاشية البغدادي على شرح بانت سعاد، وبعد خروجه عن المصدرية، وصيرورته اسما من الاسماء، لا يعتبر فيه حكم المصدرية، ولا سيما ولم يقصد به الوصف، بل جعله اسما كما هو ظاهر، وقيل أطراف، ويرد ذلك قوله تعالى: (فيهنَّ قاصرات الطرف) ولم يقل الأطراف الخ. وإذا فتشت أشعار العرب، لا تكاد تجده مثنى، فقد قال جرير:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا
стр. 246
ولم يقل الطرفين اهـ.
وكان عالي الكعب في معرفة النحو والتاريخ، وغير ذلك. وتوجه من بلاده إلى الحج، ثم رجع من غير ان يحج، لعارض اقتضى ذلك، ولما بلغ إلى الساقية الحمراء قال:
أحمراءُ السَّواقي ما وَرائي ... الآن غَرُبْتَ أيُّها الانتشائي
تخال نصيص فُتْل العيس شهراً ... يدومُ من الصباح إلى المساءِ
ولا ينأى به ما كان دانٍ ... ولا يدنو بهِ ما كان نائي
وكان ﵀، إذا قال شيئا من الشعر، يبعث به إلى أبيه، فكان كلما رأى شيئا من شعره يمرقه، حتى قال هذه القصيدة، يحرض الناس فيها على الاستعداد للنصارى، ويأمرهم بمحاربة أهل البغي من قبائل حسَّان، فلما عرضت على والده، قال للتلاميذ: صاحبكم الآن قال الشعر. والقصيدة هاهي:
رُوَيْدَك إنَّني شَبّهْتُ دارا ... على أمثالها تَقِفُ المَهارى
تأمَّلْ صاحِ هاتيكَ الرَّوابي ... فذاك التلُّ أحسبه أنارا
وتانِ الرَّمْلتانِ هُما ذواتا ... عُليَّانٍ وذا خطُّ الشُّقارا
وإنْ تُنْجدْ رأيت بلا مثالٍ ... جماهيرَ الكناوَيْن الكِبارى
هنالك لا تدعْ منهنَّ رسْما ... بدا إلا مررت به مرارا
ولا تقبل لعين في رُباها ... تصونُ دموعَهَا إلا انهمارا
стр. 247
ودرْبين الميامين العوالي ... فإِنّ على معاهدِها المدارا
إذا كنت الوفيَّ فعلت هذا ... فراعيت الذِّمامة والجوارا
وإلا خلني وخلاك ذم ... فإِن لديّ أحداقاً غزاراً
وقَدْني من إعانتك انتظاري ... أنياً رَيثما أبكى الديارا
وإن كنت الخليَّ ولا وفاءٌ ... لديك فنستطيَع لي انتظارا
فبلَه اللّوْمَ ثم إليك عَني ... فلا ضرراً أريد ولا ضِرارا
ولا عارٌ عليكَ فأنت مرؤ ... ترديت السكينة والوقارا
ولكنا رجالَ الحبّ قومٌ ... تهيجُ ربا الديار لنا ادكارا
سقانا الحبَّ ساقي الحبِّ صرْفا ... فنحن كما ترى قوم سُكارى
ترى كلَّ الهوى حَسَنا علينا ... إذا ما الجاهلون رأوْهُ عارا
وأحرارُ النفوسِ نذُوبُ شوقا ... فنأتي كلما تأتي اضطرارا
ومن يأتي الأمور على اضطرار ... فليس كمثل آتيها اختيارا
ترانا عاكفين على المغاني ... لفرط الشوق نندبها حَيارى
أسارى لوعةً وأسى ننادى ... وما يغنى النداء عن الأُسارى
ولو في المسلمين اليوم حُرٌّ ... يَفُكُّ الأسْر أو يحمي الذمارا
لفكوا دينهم وحموه لمّا ... أراد الكافرون به الصَّغارا
حماة الدين إن الدين صارا ... أسيراً للصوص وللنَّصارا
فإن بادرتموه تداركوه ... وإلاّ يَسْبق السيَّفُ البِدارا
بأن تستنصروا موليّ نصيراً ... لمن والى ومن طلب انتصارا
مجيباً دعوة الداعي مجيراً ... من الأسواء كلّ من استجارا
стр. 248
وأن تستنفروا جمعاً لُهاما ... تغص به السَّباسبُ والصَّحارى)
تمرُّ على الأماعز والثنايا ... قنابلهُ فتتركها غُبارا
ثنى رُبْدُ النعام بحافيته ... وتعيى دُون معظمه الحُبارى
يلوحُ زُهاؤه لك من بعيدٍ ... كما رفع العساقيلُ الحِرارَا
تخال سِلاحه شهباً تهارى ... ونَحْسِبُ ليلها النقعَ المثارا
ولولا النقع إن يلمع بليل ... لصيَّر ضوْءُهُ الليلَ النهارا
بكل طليعةٍ شهباء تبدى ... إذا طلعت من الصدإ اخضرارا
وتخفْقُ فوقها بالنَّصرِ رَأى ... فتحسبها بها روضاً أنارا
وفتياناً يرونَ الضيمَ صاباً ... وطعم الموت خُرْطوماً عُقارا
أحبوا الملّة البيضا فكانوا ... عليها من مُرَاوِدِها غَيارا
سُطاةٌ فوقَ متنىْ كلّ ساطٍ ... قليلٌ من ينالُ له عِذار
بما يحويه من وصف حميدٍ ... على أحزان فارسه أغارا
وسلهبةٍ مفاصلها ظِمَاءٌ ... قوائمها رِواء لا تجارا
стр. 249
عليها من محاسنها شهودٌ ... على أن لا تباع ولا تعارا
بأيديهم مذرَبَّةٌ طوالٌ ... ترى الأقران أعماراً قصارا
وبيضٌ مرهفاتٌ جرَّدوها ... وردَّوْها من العلق احمرارا
تفرَّى الأهْبُ قبل الضرب عنها ... ولا عظم يَفُلُّ لها غِرارا
وكلّ أخي فمينِ أبى اعتدالا ... وتقويماً عن الغرض ازورارا
مسلُّ شطبيةٍ في المتن منه ... إلى تسديد شارته أشارا
حَذاه بكالهلالِ موشّحوه ... بكالجوزاءِ صوْغاً وازدهارا
بوشىٍ حبَّروه وأوْدعوه ... تصاويراً ترى فيها اعتبارا
من العُدد الأولى آلا سِماكٌ ... بروحِ الله عيسى لن تُبارا
تلظى النار في الكانون منه ... إذا ما صافح الزَّندُ الشفارا
وليس لناره شرَرٌ تراما ... به إلا الموقَّعةَ الحِرارا
فمن يَمْرُرْ قُبالةَ منخريْه ... يكن كهشيم من رامَ احتظارا
جموعاً تنِطحُ الأعداَء جهراً ... فتترُكهم جديساً أو وبارا
جموعاً لا يقومُ لها مناوٍ ... ولا يخشى الصَّديقُ لها مغارا
تصوبُ على بلادِ السِّلم غيثاً ... وتوقِدُ في بلاد الحربِ نارا
بنصر الله واثقةٌ يقيناً ... فلا تدرى من الخلقِ الحِذارا
لها إعلاءُ كلمته مرامٌ ... فلا غنماً ترومُ ولا افتخارا
стр. 250
فمن يك هكذا يحيى حميداً ... ويستحلى بموطنه القرارا
ومن لا فالمماتُ به جديرٌ ... ولو للنار بعد الموت صارا
فيا للمسْلمينَ لها أموراً ... لها الأكباد تنفطرُ انفطارا
تهاونتم بموقِعها وما إن ... تهاونتم بها إلا اغترارا
لصوصٌ لا تخافُ البأسَ منكم ... ولا العقبى فترضىَ أن تدارا
ولا ينجو مقيمٌ من أذاهمْ ... ولا ابنُ تنائف اتخذ السفارا
ولا شِيبٌ عكوفٌ في المصلى ... ولا عونُ النساءِ ولا العذارا
فبينا الحيُّ خيَّمَ ذا طَلالِ ... تبوَّأ من فسيح الأرض دارا
بساحته محافلُ حافلاتٌ ... بأشياخٍ مهذبةٍ طَهارا
وكلِّ فتى يجرُّ الذَّيلَ تِيهاً ... وتفتُّر المِلاحُ له افترارا
إلى نسبٍ لهم بلغوا ادعاءً ... به أذواَء حْميَرَ أو نزارا
إلى أن يُبصروا شُعثاً كساهم ... لباسُ الجوع والخوفِ اغبرارا
رِعاءُ الشاءِ حقاً من رآهم ... يقولُ هم الرِّعاءُ وما تمارى
هنالِك لا ترى شيئاً نفيساً ... ولا مُستحسناً إلا مُوَارا
ولم يكُ قدرُ لمحَ الطرفِ إلا ... وقد سلبوا العِمَامة والخماراً
أجدَّ كمُ بذا يرضى كريمٌ ... وهلْ حرٌّ يُطيقُ له اصطبارا
ورومٌ عاينوا في الدين ضُعفاً ... فراموا كلما راموا اختبارا
فإِن أنتمْ سغيتمْ وانتدبتمْ ... برَغمٍ منهمُ ازدجروا ازدجارا
وإن أنتم تكاسلتم وخمتُمْ ... برغمٍ منكم ابتدروا ابتدارا
فألفَوْكم كما يبغون فوضى ... حيارى لا انتدابَ ولا ائتمارا
следующие страницы →