← Тараджим

Тараджим · id 95696

الوسيط في تراجم أدباء شنقيط

أحمد بن الأمين الشنقيطي

Полный текст (580 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ولم يقل الطرفين اهـ. وكان عالي الكعب في معرفة النحو والتاريخ، وغير ذلك. وتوجه من بلاده إلى الحج، ثم رجع من غير ان يحج، لعارض اقتضى ذلك، ولما بلغ إلى الساقية الحمراء قال: أحمراءُ السَّواقي ما وَرائي ... الآن غَرُبْتَ أيُّها الانتشائي تخال نصيص فُتْل العيس شهراً ... يدومُ من الصباح إلى المساءِ ولا ينأى به ما كان دانٍ ... ولا يدنو بهِ ما كان نائي وكان ﵀، إذا قال شيئا من الشعر، يبعث به إلى أبيه، فكان كلما رأى شيئا من شعره يمرقه، حتى قال هذه القصيدة، يحرض الناس فيها على الاستعداد للنصارى، ويأمرهم بمحاربة أهل البغي من قبائل حسَّان، فلما عرضت على والده، قال للتلاميذ: صاحبكم الآن قال الشعر. والقصيدة هاهي: رُوَيْدَك إنَّني شَبّهْتُ دارا ... على أمثالها تَقِفُ المَهارى تأمَّلْ صاحِ هاتيكَ الرَّوابي ... فذاك التلُّ أحسبه أنارا وتانِ الرَّمْلتانِ هُما ذواتا ... عُليَّانٍ وذا خطُّ الشُّقارا وإنْ تُنْجدْ رأيت بلا مثالٍ ... جماهيرَ الكناوَيْن الكِبارى هنالك لا تدعْ منهنَّ رسْما ... بدا إلا مررت به مرارا ولا تقبل لعين في رُباها ... تصونُ دموعَهَا إلا انهمارا

стр. 247

ودرْبين الميامين العوالي ... فإِنّ على معاهدِها المدارا إذا كنت الوفيَّ فعلت هذا ... فراعيت الذِّمامة والجوارا وإلا خلني وخلاك ذم ... فإِن لديّ أحداقاً غزاراً وقَدْني من إعانتك انتظاري ... أنياً رَيثما أبكى الديارا وإن كنت الخليَّ ولا وفاءٌ ... لديك فنستطيَع لي انتظارا فبلَه اللّوْمَ ثم إليك عَني ... فلا ضرراً أريد ولا ضِرارا ولا عارٌ عليكَ فأنت مرؤ ... ترديت السكينة والوقارا ولكنا رجالَ الحبّ قومٌ ... تهيجُ ربا الديار لنا ادكارا سقانا الحبَّ ساقي الحبِّ صرْفا ... فنحن كما ترى قوم سُكارى ترى كلَّ الهوى حَسَنا علينا ... إذا ما الجاهلون رأوْهُ عارا وأحرارُ النفوسِ نذُوبُ شوقا ... فنأتي كلما تأتي اضطرارا ومن يأتي الأمور على اضطرار ... فليس كمثل آتيها اختيارا ترانا عاكفين على المغاني ... لفرط الشوق نندبها حَيارى أسارى لوعةً وأسى ننادى ... وما يغنى النداء عن الأُسارى ولو في المسلمين اليوم حُرٌّ ... يَفُكُّ الأسْر أو يحمي الذمارا لفكوا دينهم وحموه لمّا ... أراد الكافرون به الصَّغارا حماة الدين إن الدين صارا ... أسيراً للصوص وللنَّصارا فإن بادرتموه تداركوه ... وإلاّ يَسْبق السيَّفُ البِدارا بأن تستنصروا موليّ نصيراً ... لمن والى ومن طلب انتصارا مجيباً دعوة الداعي مجيراً ... من الأسواء كلّ من استجارا

стр. 248

وأن تستنفروا جمعاً لُهاما ... تغص به السَّباسبُ والصَّحارى) تمرُّ على الأماعز والثنايا ... قنابلهُ فتتركها غُبارا ثنى رُبْدُ النعام بحافيته ... وتعيى دُون معظمه الحُبارى يلوحُ زُهاؤه لك من بعيدٍ ... كما رفع العساقيلُ الحِرارَا تخال سِلاحه شهباً تهارى ... ونَحْسِبُ ليلها النقعَ المثارا ولولا النقع إن يلمع بليل ... لصيَّر ضوْءُهُ الليلَ النهارا بكل طليعةٍ شهباء تبدى ... إذا طلعت من الصدإ اخضرارا وتخفْقُ فوقها بالنَّصرِ رَأى ... فتحسبها بها روضاً أنارا وفتياناً يرونَ الضيمَ صاباً ... وطعم الموت خُرْطوماً عُقارا أحبوا الملّة البيضا فكانوا ... عليها من مُرَاوِدِها غَيارا سُطاةٌ فوقَ متنىْ كلّ ساطٍ ... قليلٌ من ينالُ له عِذار بما يحويه من وصف حميدٍ ... على أحزان فارسه أغارا وسلهبةٍ مفاصلها ظِمَاءٌ ... قوائمها رِواء لا تجارا

стр. 249

عليها من محاسنها شهودٌ ... على أن لا تباع ولا تعارا بأيديهم مذرَبَّةٌ طوالٌ ... ترى الأقران أعماراً قصارا وبيضٌ مرهفاتٌ جرَّدوها ... وردَّوْها من العلق احمرارا تفرَّى الأهْبُ قبل الضرب عنها ... ولا عظم يَفُلُّ لها غِرارا وكلّ أخي فمينِ أبى اعتدالا ... وتقويماً عن الغرض ازورارا مسلُّ شطبيةٍ في المتن منه ... إلى تسديد شارته أشارا حَذاه بكالهلالِ موشّحوه ... بكالجوزاءِ صوْغاً وازدهارا بوشىٍ حبَّروه وأوْدعوه ... تصاويراً ترى فيها اعتبارا من العُدد الأولى آلا سِماكٌ ... بروحِ الله عيسى لن تُبارا تلظى النار في الكانون منه ... إذا ما صافح الزَّندُ الشفارا وليس لناره شرَرٌ تراما ... به إلا الموقَّعةَ الحِرارا فمن يَمْرُرْ قُبالةَ منخريْه ... يكن كهشيم من رامَ احتظارا جموعاً تنِطحُ الأعداَء جهراً ... فتترُكهم جديساً أو وبارا جموعاً لا يقومُ لها مناوٍ ... ولا يخشى الصَّديقُ لها مغارا تصوبُ على بلادِ السِّلم غيثاً ... وتوقِدُ في بلاد الحربِ نارا بنصر الله واثقةٌ يقيناً ... فلا تدرى من الخلقِ الحِذارا لها إعلاءُ كلمته مرامٌ ... فلا غنماً ترومُ ولا افتخارا

стр. 250

فمن يك هكذا يحيى حميداً ... ويستحلى بموطنه القرارا ومن لا فالمماتُ به جديرٌ ... ولو للنار بعد الموت صارا فيا للمسْلمينَ لها أموراً ... لها الأكباد تنفطرُ انفطارا تهاونتم بموقِعها وما إن ... تهاونتم بها إلا اغترارا لصوصٌ لا تخافُ البأسَ منكم ... ولا العقبى فترضىَ أن تدارا ولا ينجو مقيمٌ من أذاهمْ ... ولا ابنُ تنائف اتخذ السفارا ولا شِيبٌ عكوفٌ في المصلى ... ولا عونُ النساءِ ولا العذارا فبينا الحيُّ خيَّمَ ذا طَلالِ ... تبوَّأ من فسيح الأرض دارا بساحته محافلُ حافلاتٌ ... بأشياخٍ مهذبةٍ طَهارا وكلِّ فتى يجرُّ الذَّيلَ تِيهاً ... وتفتُّر المِلاحُ له افترارا إلى نسبٍ لهم بلغوا ادعاءً ... به أذواَء حْميَرَ أو نزارا إلى أن يُبصروا شُعثاً كساهم ... لباسُ الجوع والخوفِ اغبرارا رِعاءُ الشاءِ حقاً من رآهم ... يقولُ هم الرِّعاءُ وما تمارى هنالِك لا ترى شيئاً نفيساً ... ولا مُستحسناً إلا مُوَارا ولم يكُ قدرُ لمحَ الطرفِ إلا ... وقد سلبوا العِمَامة والخماراً أجدَّ كمُ بذا يرضى كريمٌ ... وهلْ حرٌّ يُطيقُ له اصطبارا ورومٌ عاينوا في الدين ضُعفاً ... فراموا كلما راموا اختبارا فإِن أنتمْ سغيتمْ وانتدبتمْ ... برَغمٍ منهمُ ازدجروا ازدجارا وإن أنتم تكاسلتم وخمتُمْ ... برغمٍ منكم ابتدروا ابتدارا فألفَوْكم كما يبغون فوضى ... حيارى لا انتدابَ ولا ائتمارا

стр. 251

وما ظنُّوا لعَظمٍ جابروه ... كُسارى بعد هيْضتهِ انحيارا وقالوا إنّ للفُرْسِ انتهازاً ... وثاروا كي ينالوا منه ثارا ولم أعرفْ وسوفَ ترون عمَّا ... قليلٍ صُبحَ ليلِكُمُ استنارا مهىً حورَ المدامع عاطفات ... تخوصُ بها القراقيرُ البحارا إذا التفتت لجانبها تلافت ... حِذارَ الموج لوْحاً أو دسارا لئن كانت مراكبها المهارى ... وإن كانت مراودها القفارا تلطُمها العلوجُ على خدودٍ ... كسى ألوانَها الفزَعُ اصفرارا يدرنَ لهم عيوناً حائراتٍ ... يغَرّقُ فيْضُ عبرتها احورارا فلاهم يرحمون لها بكاءً ... ولا يخشونَ أن تجد اقتدارا وحَلوْها خلاخل من قيود ... وقد كانت لجيناً أو نضارا وأغلالاً بأجيادٍ وأيدٍ ... تعوَّدتِ القِلادةَ والسوارا تُكلفُها بناتُ الرُّوم قسراً ... بخدمتها رواحاً وابتكارا وكانت كلَّما مشَتِ الهُوينا ... لكسر البيتِ تنبهر انبهارا فيشددْنَ الحبالَ بكل خصرِ ... رقيقُ الرَّيطِ كان له إزارا ويحملنَ الجذوعَ على رؤوسٍ ... غدائرها تضلُّ بها المدارى

стр. 252

وتكرَهُ للذي كانت تراهُ ... حلالا وهي طائعةٌ شنارا فيا للمُسلِمين لما دهاكُمْ ... إلى كم لا ترُدُّون الحِوارا أجيبوا داعِيَ المولى تعالى ... أو اعتذروا ولن تجدوا اعتذارا أجيبوه بدنيا كم تَعزُّوا ... وتدَّخرُوا من الأجر ادِّخارا فإحدى الحُسْنييْن لكم أعِدَّت ... حَمالةَ قادرٍ حازَ اليَسارا بجنةٍ اشترى منكم نفوساً ... ومالاً بأرباحكمُ نجارا وهذا ما أشرْتُ به عليكم ... ولوْ لم تجعلوني مستشارا فإِن أنتم توليتم فحسبي ... وجاري الله نعم الله جارا ومن يك جاره المولى تعالى ... كفاهُ فلن يضامَ ولن يضارا وربّي شاهدٌ وكفى شهيداً ... به أني دعوتكمُ جهارا وكم من ناصحٍ قبلي دعاكم ... جِهاراً بعد ما يدعو سرارا وكلٌّ حين يدعو لم يزدكم ... دوام دعائه إلا فرارا فربي اغفر لنا ولوالدينا ... ومن جعلوا هداك لهم منارا وزدنا مِلةَ الإِسلام عِزًّا ... ولا تزدِ العدا إلاّ تبارا وصلّ على الذي حازَت قريشٌ ... بنُسبتِه الزَّعامة والفَخارا إلى آلٍ وصحْبٍ معْه قاموا ... وساروا حيث قامَ وحيث سارا خذوها من بناتِ الفكر بكرا ... تغِيرُ الغانياتِ ولن تغارا لها عن رائد الأفهام خدرٌ ... حماها قبل هذا أن تزارا وقال أيضا: أدَمَعَا تُبْقيانِ بغَرْبِ عَينِ ... وَقدْ عايَنتُما دارَ الكُنَيْنِ

стр. 253

أليْسَ مِنَ الوَفاءِ لِقاطِنيها ... إذالةُ ما يُصانُ بكلّ عَينِ بَلى إنَّ البكاَء على المَغاني ... بمنْهاجِ الصَّبابَةِ فَرْضُ عينِ وإنْ لم يَبْق منها غيرُ رَسْمٍ ... كوَشْمٍ في نواشِرِ مِعْصَمَينِ فإنَّ لها يَداً دَيْناً علينا ... وحَتْمٌ أنْ يؤدّى كلُّ دَيْنِ أفاويقَ الصفاءِ بها ارْتُضِعنا ... مَدَى حَوْلين كانا كامليْن ولم يسْحَرْ فؤادِيَ قَطُّ طرْفٌ ... سِوى طرْفين فيها ساحِرَيْنِ فذانِكَ تاركا قلبي وَرُوحِي ... بنيران المحبةِ خالدين فعوجا يا خليليّ الذيْنِ ... هما منى بمنزلةِ اليدينِ عليها باكِييْنِ وحَيّيَاها ... معي حُيّيتُما مِنْ صاحِبين قِفا ثم ارْجعا الأبصارَ فيها ... وعُودا فارْجعاها كرّتين بها مُتَرَسّمينَ لها وكونا ... إذا لم تبكيا مُتباكِيَينِ وإنْ جمدتْ عُيونُكما كلاني ... إلى عَينين لي نضَّاختين وكونا عاذِريْن ولا تكونا ... إذا لم تُسعِداني عاذلين فما لكما سِوي الذكرى سَبيلٌ ... علىَّ فَلَستُما بمسَيْطرِينَ

стр. 254

وقدْ حَوتِ المَيامنُ مَنزِلاتٍ ... ورِيعُ بني المُبارَكِ مَنزِلين ومَغْنىً حَوْل ذاتِ القَرْم عافٍ ... وآخرَ دارس بالتيرسَين ودارٌ حوْل حِقْفِ النّصْفِ أقْوتْ ... وأُخْرى أَقْفَرَتْ بالتَّوْأَمَين سقاها كلُّ منْهَمرِ العزالي ... من الأزَماتِ يغسِلُ كلَّ ريْن فتصْبحُ غِبَّه الأجْرَاز تحكى ... مصَانُعها تعَاويذَ اللّجَين وتشبهُ في غلائِله هدايا ... برزنَ إلى الزِّفاف بكل زين معاهدُ عندنا في الحبّ فاقت ... معاهِدَ منعِج والرَّقمتين ليالِيَ لا أحاذرُ أن ألاقى ... صدوداً من سُعاد ولا بُثَيْن

стр. 255

ولم تقلِ العذارى أنت عمٌّ ... نعدُّك عندنا أحد الأبين تحنُّ إلى الشباب ولسْت منه ... على حظٍّ سوى خفي حُنَيْن فَقًلْتُ لهُنَّ إنْ يَكُ وخْطُ فَوْدِي ... يَسوءُ الفالِيَاتِ إذا فَلَيني فكم يَوْمٍ يَعِزُّ على الفَوالي ... بهِ مِنّي فِرَاقُ المَفْرِقَيْنِ وكمْ يَوْمٍ وَتَرْتُ بهِ العَذاري ... كَيوْمِ مُهَلْهِلٍ بالشَّعْثَمَيْنِ يُجِبْنَ إذا دعا الدَّاعُونَ بأسْمى ... كأني عِنْدَهُنَّ ابنُ الحُسَيْنِ تُلاحِظُني العَبُورُ مَعَ الغُمَيْصا ... فآنَفُ عنهُمَا لِلمِرْزَمَيْنِ وإنْ أَبْدَتْ ليَ الجَوْزَا وشاحاً ... سَلَكْتُ بها سَبيلَ الشِّعْرَيَيْنِ وإن تُشِر الثُّريَّا لي بكفّ ... خَضيب قلْتُ عَني للِبُطْين

стр. 256

وحيْثُ بنَاتُ نَعْشٍ دُرْنَ حَوْلي ... تَركْتُ وِصالَها للِفرْقَدَين وكم شمْسٍ بهالَتِهَا تَحلَّتْ ... ولاحَتْ بالزَّوالِ خِلالَ غين وغار البدْرُ إذْ وَلَّتْهُ مِنها ... نَوَاراً فازدريْتُ النّيّرَيْنِ ولا عَجَبٌ إذا خُنْتنِّ عَهْدِي ... وآثَرْتُنَّ إقْصائي وَبَيني فقدْ خُنْتُنَّ في القُدَماءِ عَبدَيْ ... نِ قبْلي للِمُهَيْمنِ صالِحَين ومنْ شرْخِ الشبابِ اعْتَضْتُ حِلْماً ... وحالُ الحِلْمِ إحْدى الحُسنَينِ وكنتُ إذا عضزَمْتُ على ارْعِواءِ ... وَجَدْتُ عَزِيمتَي إسْرَاَء قَيْن وكمْ سامَرْتُ سُمَّاراً فُتُوًّا ... إلى المَجْدِ انْتَموْا مِنْ مَحْتدين حَوَوْا أدَباً على حَسَبٍ فداسُوا ... أديمَ الفَرْقدينِ بأخْمُصين أُذاكرِ جمعَهُمْ ويُذَاكِرُوني ... بكلّ تخالُفٍ في مَذْهَبين كخُلْفِ اللّيْثِ والنُّعمانِ طَوْراً ... وخُلْفِ الأشْعرِيّ مَعَ الجُوَيني وأوْرادِ الجُنْيدِ وفُرْقتيْهِ ... إذا وَرَدوا شَرَابَ المشْرَبين وأقوالِ الخليل وسيبويهِ ... وأهلي كوفة والأخْفشين

стр. 257

نوضّحُ حَيثُ تلْتبسُ المعاني ... دَقيقَ الفرْقِ بين المعنيين وأطواراً نميلُ لذِكرِ دارا ... وكسرى الفارسيّ وذي رُعين ونَحوَ الستةِ الشُّعراءِ ننحُو ... ونحوَ مُهَلْهلِ ومُرَقّشيْن وشِعرَ الأعمييْن إذ أردنا ... وإن شئنا فشِعر الأعشيين ونذهبُ تارةً لأبي نواسٍ ... ونذهبُ تارةً لابن الحسين وإني والنُّهى تنْهى وتجلو ... خفايا اللبْسِ في المتشابهيْن عدتني أنْ أصافيَ كلَّ خلٍّ ... مخائلُ من مُداهنةٍ ومين كلا أخوىَّ يُظِهرُ لي وِداداً ... فاعرفُ ما يَسُرُّ كلا الأخين فمن يَكُ راغباً في القربِ منِى ... يجدني دون ماءِ المقلتين ومن يوثرْ قلايَ فليْسَ شيءٌ ... يُوَاصلُ بينهُ أبداً وبيني ألاحِظُ من خليِطيَ كلَّ زيْنٍ ... كما أغضى له عنْ كلِّ شين ولا أصْغِي إلى العَوْراءِ حتى ... يرى أني أصَمَّ المسمعين وما جَهْلُ الجهولِ بمستفزي ... وما لي بالدنَّيةِ من يدين وأحملُ كلَّ ما يأتي خليلي ... لهُ إلا عُبوس الحاجبين وليس يهولني منْ مستشيطٍ ... تهَدُّدُه بنفض المِذْرَوَيْن وعندي جانبٌ في الهَزل لينٌ ... وآخرُ عند جِديَ غير لين

стр. 258

وقد يُلفى إذا الجُليّ ادلهَمَّت ... أسامَة من يُظنُّ أبا الحصين ومهْما يعْرُني للهمِّ ضيْفٌ ... يجُرُّ من البلابل ضيفنين جعلتُ قراهُ أكومَ قيسريًّا ... هجانَ اللوْنِ جونَ الذِّفريين كأنّ صِنانه المنباعَ نقسٌ ... تحدَّر من جوانبِ قمقمين على ليتين كالتُّرسين مُداً ... إلى كالقصر رحب القُصْرَيين يزمُّ عن الكَلاَلِ وكلّ نعْتٍ ... يعابُ سوى انفتالِ المرفقين رعا روْضِ الحمى غضاً نضيراً ... فلم يحتجْ لماءٍ الدُّحرضين وعنْ صدَّا له السّعدانُ أغنى ... إلى أمدِ انسلاخ جُماديين) له افتر الكِمامُ بكلّ ثغر ... وبكّاهُ الغمامُ بكلّ عين فملكه الرُّعاةُ الأمر حتى ... كساهُ النّيَّ نسجُ المِشفريْن نثبطهُ أداهمُ من حديدٍ ... يَنُوءُ بها مُداني السَّاعدين إلى أن كاد وهو بلا جَناحٍ ... يطيرُ بقوةٍ في المنكبين

стр. 259

هناكَ علوْنه بقتودِ رحْلِ ... حماهُ الكتْرُ مَسَّ المتنيين فحاوَل أن يبارى في البراري ... هِجَفَّيْ سابقٍ بالدوْنكين يسير الخيْطفي حيناً وحيناً ... يراوحُ بين كلتا الخيزلين يولىّ المعزَ أخفاقاً خفافاً ... تغادرُ كلَّ صخْرٍ فلقتين تَقَاذفُ بينها الظِّرانُ شتى ... تقاذُفَ أيمنين وأعسرين به أحيى التّداني كلَّ حين ... وأدنو للتنائي كلَّ حين أغادِرُهُ وقبلي مستحيلٌ ... عليه الأينُ ذا ظِلَعٍ وأين وأرحِلهُ سليماً مَنسِماهُ ... وأرجِعُه رثيمَ المنسمين ولو لم ألقِه أصلاً لطارت ... بِيَ العزمات بينَ الخافقين فللعزماتِ أجنحةٌ تُدانى ... كلمْح الطرفِ بين الشاحطين فشطْرَ المشرقين تأمُّ آناً ... وآونةً تأمُّ المغربَين وليس كمثلِها وَزَرٌ لللاقٍ ... من الدهر ازورارَ الجانبين فما حُرٌّ يقِرُّ بدار هُونٍ ... ولو كانت مقرَّ الوالدين

стр. 260

وأهلُ المرءِ نَيْلُ غِنىً وجاهٍ ... وهل يسعى الرّجالُ لغير ذين ومسقَطُ رأسهِ ضرٌّ ونفعٌ ... وإلا فاتباعُ الفارظين فمالُ المنْذريْن يُعدُّ فقراً ... بلا عِزٍّ ومالُ الحارثين وعِزُّ الحاثَين يعُدُّ ذُلاً ... بلا مال وعزُّ المنذرين فعِش حُرًّا فإِن لم تستطعهُ ... فضرباً في عُراضِ الجَحْفَلين وهُوْنٌ في أقاصي الناس هَينٌ ... وهونٌ في العشيرةِ غيرُ هَيْن فما المنكورُ من أصل وعين ... بكالمعرُوفِ منْ أصْلٍ وعَين ولمَّا صاحَ من فوْدي نذيرٌ ... وصرَّحَ ثانياً بالعارضين وقبلَ الشّيبِ إيجادي نَعاني ... فليْسَ الشيْبُ أولَّ ناعِيَين وداعي القلب بالتجريبِ نادى ... وداعي الله أندى الداعيين سَلا قلبي عن الدُّنيا لكوني ... وما أهواهُ منها فانِيَّيْن وإني إنْ ظَفِرتُ به فلسْنا ... على حالٍ تدومُ بباقيين ولكنّا إذا طَبَقٌ تولى ... على طبقٍ ترانا راكبين وعن عهدِ الشّبيبةِ والملاهي ... وأيامِ الميامنِ والكُنين سِوى أني استباحَ حَريم صبري ... هَوى الحرمين أشرفِ موطنَين

стр. 261

وسوف تفي العزائم والمهاري ... بوعدٍ مُنْجَزٍ من وافيين فقد منيتني قبل المنايا ... مرور ركائبي بالدهْنَوَيْن ينازعنَ الأعنّةَ سالكات ... ممرَّ الجيش بين العُدوَتين تبادر بالحجيج ورود بدر ... ويحدوها الحَنينُ إلى حُنين قواصِد رابغاً تبغي اغتسالاً ... وإحراماً لديه وركْعتين تمرُّ بذي طُوّى متناسياتٍ ... لفرطِ الشوْقِ كلَّ طّوى وغَيْن من التنعيم يدعوها كداءٌ ... إلى البطحاءِ بين الأخشبين على بابِ السّلامِ مُسَلّماتٍ ... بتطوافٍ وسعْى عاجلين تُناخُ لحاجتيْ دنيا وأخرى ... هناك فتنثني بالحاجتين ببيت الله مَلمَسُ كلّ حاج ... تعالى الله عن كيفٍ وأين حِمىً إنْ أمّه لاجٍ وراجٍ ... يكونا آمنين وغانمين فمن يجهْلْ حمايتهُ يسائل ... أميرَ الجيش عنه وذا اليدين وقد بقي منها بعض أبيات لم تثبت في حفظي. ومن شعره المطرب قوله: ما حلَّ عُقْدَةَ عَزْمي سِحرُ حوْراء ... ولا ازدهى طود حلمي برقُ زهراءِ عصْر الصِّبا أيَقتني فافتديتُ بها ... سُبلُ الهُداتِ وأخلاقُ الأعِفاء حبْستُ نَفسي بسجنِ الصَّبر منتضياً ... عَزمي وقيَّدتُ ألحاظي بإِغضاءِ كي لا تمرَّ إذاً في وجْهِ غانيةٍ ... بروضةٍ من رياضِ الحسن غنَّاء

стр. 262

ماءُ الملاحة جارٍ في مسائلها ... إلى منيرِ أقاحٍ وسط حوَّاء فتنثني لفؤادي وهي رائدةٌ ... له فتخبرهُ بالرِّعْى والماء حتى إذا القيْهلُ التاثتْ حديقته ... به وهمَّتْ بإزهارٍ فإزهاء وكادَ يُصبحُ ليْلى بعد دُهمته ... وآن وقتُ انتباهي بعد إغفائي سرَّحْتها منْ وثاقي إذ وثقْتُ بها ... والعجْبُ أصل لما في النفس من داء فآنْستْ في صِوار العين آنِسةً ... وفي السَّحائب منها برقُ غرَّاء فانهدَّ إذ ذاك طوْدُ الحلم وانتكثت ... مِني عُرى العزم لمحَ الطرْفِ من راء حتى هممْتُ بشيءٍ ما هممتُ به ... أزمان لاقَ بأشكالي وأكفائي حسْناءُ هام بها قلبي ولا عجب ... كم هام قلبُ فتًى قبلي بحَسناء هُنَّ اللَّواتي أذقنَ الموتَ عُروةَ ... والنَّهديَّ عن مقلتي هندٍ وعَفراء وابن الملوّح قيساً في فتوَّته ... أصْمين وابنَ ذريحٍ أيَّ إصماء كم ذا هممْتُ بوصليها فتردَعني ... عنها روادِعُ من آيٍ وأنباء فانثنى وأقولُ اللهُ أرحمُ أنْ ... يولى انتقاماً على وصل الأحِبّاء ولمْ أزلْ هكذا حتى تُنَهْنِهني ... عداوةٌ ورَدتْ بين الأخِلاء هناكَ أزْورُّ كرْهاً عن زيارتها ... كيْ لا يُجرَّ لها المكروهُ جَرَّائي

стр. 263

وأيُّ شيءٍ على الأحرارِ أشنَعُ منْ ... تسبُّبٍ في مُعاداةِ الأوِدَّاءِ هذا وليْسَتْ يدٌ لي إن أعاديَ منْ ... شدَّت يديْهَا بقلبي بعد إيداء ولا ودَتني ولا انقادتْ إلى قَوَدي ... ولم ترقَّ كأرباب الأرقَّاء وأقبلتْ تتشكّى وهْيَ مُشكيَةٌ ... كالقَوْس رنّتْ وقد شاكَتْ بحرَّاء وشافعٌ في محياها شفاعتُه ... يَمحُو بها حوبَهَا من كلّ حَوْباء أمّا وعِزّةِ مَنم أهوى علىَّ على ... هُوني عليها وإبعادي وإقصائي لوْلا خشَاني عليها سُوَء عاقبةٍ ... لمَّا يُعقبْ تماديها بإنهاء لصُلْتُ للوصْل جهْراً لا تُنْهنهِني ... زُرْقُ الأسِنّةِ في أيدي الأشدَّاء حتى أمِرَّ حبالاً لا يُغيّرُها ... طولُ التنائي ولا مشيُ الإماء فامْزِجَنَّ برُوحي رُوحَها فنُرى ... رُوحاً بشخصَين مزْجَ الرَّاح بالماء وحينما شئتُ بتنا في مسرتنا ... سريْن يكتمنا حيزوم ظلماءِ أفٌّ على الصُّبح ما دامَ الوصالُ فإِنْ ... كان التّقاطُعُ فلينعم بسراء وقال أيضاً: خَليليَّ عل أحْرى بفيض المدامع ... من الأربعُ اللائي بكنْ المزارع أريقا بها ماَء الشؤون وخليا ... عَزَاليهُ ما بين هامٍ وهامع فليْس بغَدر صونُنَا عَبراتنا ... عن السَّح والتّذرافِ بين المرابع فرَعْيُ الفتى عهْدَ المرابع آيةٌ ... على إنه يرعى عُهودَ الروابع وإنْ يَطّلعْ ذو اللوم قولا لعلهْ ... يكونُ لبعض الأمر غيرَ مُطالع فما ضيْعةَ الأطْلال تبكي وإنما ... نؤبّنُ من أعمارنا كلَّ ضائع وأحْرَ بأن يَبْكِ الفتى فوتَ نفسه ... لطلعةِ ناعٍ في المفارق طالع

стр. 264

وقال أيضا ينصح بعض إخوانه: أيها العاقلُ الأريبُ الأبرُّ ... والفتى الماجِدُ السَّرِى الأغرُّ اصغ لي تستمعْ نصيحةَ ودٍّ ... أحْر أنْ لا يأبى النصيحة برُّ إنْ تقلْ لي أتأمُرُ الناسَ بالب ... رّ وتنْسَ لِمْ لا فهلا تَبرُّ قلتُ أمري سِوايَ أمرٌ لنفسي ... وبكيِّ الصَّحيح يبر الأعَرُّ اتقِ الله ما استطعت تُقاَهُ ... في الذي أنت مظهِرٌ ومُسِرُّ تائباً توبةَ اعترافٍ نصوحاً ... لا تقل تائباً وأنتَ مُصرُّ أَعْصِ أمْرَ الهوى لا تتعلَّقْ ... منكَ نفسٌ بكلّ ظبيٍ يمرُّ فاقتناصُ الظِباءِ قدْ لا يُسنَّى ... واتِّبَاعُ الفتى الهوى قد يَضُرُّ ولكمْ من سعى ليَصْطادَ فاصْطي ... دَ ولم يَحمه الصَّيودَ المفرُّ فِرَّ منها حيث استطعت فراراً ... ثمتَ اكْرُرْ إذا تعين كرُّ فالكَمِىُّ المحتالُ طوراً مِفرٌّ ... والكمِيُّ المحتالُ طَوراً مكرُّ وهبِ الدنيا كزائل ظِلٍ ... ليْسَ فيها لحادثٍ مستقرُّ وكغيْثٍ ينْهلُّ حتى إذا ما ... أعجَبَ النّاس نبتُه يصْفرُّ فمقيمٌ بها سيَرْحلُ عنها ... وقويمٌ عماده سيَخِرُّ كلُّ ذي جدَّةٍ بها سوفَ يبْلى ... وهِلاَلٌ بدا بها يسْتِسرُّ لا يَلذَّنْ مطعَمٌ لك فيها ... كلُّ حُلوٍ من بعد الموتُ مُرُّ وقال أيضا: وكان سافر إلى بني دليم، يريد منهم أن يردوا له إبلا أخذوها، لأحد المنتسبين إليه. وكانت بينهما مسافة بعيدة، مع اختلاف بلديهما، هواء وشكلا. فقال في ذلك:

стр. 265

عَينُ رُودى لترىْ ما لم ترىْ ... ذلك البحرُ وذي أكمُ متى كنتِ من قبل تخالين البرا ... قِبَل الغرب انتهت عند فُوىْ ولك اليوم مناديحٌ بها ... فاسرحي فيها ترىْ ما لم ترىْ يا نسيمَ الرّيح إنْ تمرُرْ بحيْ ... خَيْمُهمْ فوق الورى خِيماً وحيْ ولذاتِ اليْمنِ بلّغْ أنَّني ... إنْ تكُنْ سلمى فإِني بعض طيْ أو تكُنْ حَجَراً أكن يحيى لها ... أو تكن حُزوي أكُنْ غيْلان ميْ ولهُمْ بلّغْ بأنَّا هاهنا ... نرتجُّ بين ابترخْ فاللُّوَىْ بين أبناءِ دُلَيْمٍ لأنني ... نقتفي أحياَءهم حياً فحيْ نبتَغي أسْؤُرَ غاراتٍ لهمْ ... أسأروها من ذُوَيْدِ ابن تقي يُرسِلُ البحرُ علينا ريحهُ ... ونداهُ كلّ صُبْح وعشيْ ونرى الطيْرَ به نحسبها ... إبلاً ترعى بحمْضٍ ونصِيْ لسْتُ أبغي بَدَلاً في بلدٍ ... بكِ يا ميمونةٌ ما دُمتُ حيْ سوفَ يُدنى الأهلَ منَّا عاجِلاً ... فضْلُ ذي العرش بإِعمال المطِيْ إنّ لله تعالى فرجاً ... لا يراهُ غيرُ ذي الكَرْبِ الشّجيْ وله في سفره إلى أبناء دليم أيضا: طال في أرْبُع القرارِ قرارِي ... ليتَ شِعْري ما لي وما للقرارِ طال مُكْثي وإنما طال فيها ... باختيار المليكِ لا باختياري لمْ أكن مُزْمعَ القدُوم إليْها ... بل رَمتني لها يدُ الأقدار سئم القلبُ بَردها ونداها ... وخلاها البليل بالأسْحار

стр. 266

وصُفيَّا بها كحَدّ المواسى ... وجُذوعاً بها كحدّ الشِّفار ليت شعْري والعبد ذو إجبار ... وهو يَبدو في قالَبِ المختار هلْ يُسنى لنا سجيس الليالي ... عوْضُ من عوْدةٍ إلى أوكار حيْثُ تبدو لك المعالِمُ غُرًّا ... حُسنها سرَّ أعينَ النُّظار نَمَّقتها يدُ الحيا بلُعاعٍ ... شاب حُسنَ ابيضاضِها باخضرار تلك أرْضي التي أحِبُّ وأهوى ... وهي حقاً منازلُ الأحرار عذبة الماءِ ليس ينبت فيها ... شجرٌ غيرُ طيّب الأشجار تُنْبِتُ السرح والسيال وأرْطىً ... حاكياً في الرمال وشْمَ العذارى لا بلادٌ مياهها خمجريرٌ ... مُنبتاتٌ طعامَ أهل النار سكنتها تنْفكُّ فوضى ... لم تميّز من ليلها والنهار طرقتك الهمُومُ وهي سوارِ ... فماذا لِطَيْفِها أنت قار ما قرى طارق البلابل قار ... مثلُ إعمال يَعْمَلات المهار صحبتي شمروا فلم يبق إلا ... شدُّ فُتل المِطي بالأكوار قرَّبوها بويزلاتٍ عليها ... من ذُراها كعاليات المنار فَذُراها لركبها ضامناتٌ ... بعد شحْط المزار قرب المزار ملّكتها رعاتُهَا الأمر دهراً ... ترتعي ما شاَءت من الأزهار فهي طوْراً بأقحوانٍ وحمْضٍ ... وهي طوراً بقرقدٍ وجدار سلختْ في الربيع شهْر جُمادى ... تتوخى مواقع الأمطار وقال أيضا: لعَمرُكَ ما ترتابُ ميمونةُ السُّعْدى ... بإِنا تركنا السَّعيَ في أمرِها عمدَا

стр. 267

سِوى أننا كنّا عبيدَ مشيئَةٍ ... ولا عار في أن يُعجزَ السَّيدُ العبدَا فليْسَ علينا أن يُساعِدنا القضا ... ولكنْ علينا أننا نبذُل الجهدا ألم تر أنَّا قد رعيْنا عُهودَها ... على حينَ لا يرعى سِوانا لها عَهدا حبسنا عليها وهي جدبٌ سوامنا ... فما صدَّنا السَّعدان عنها ولا صدَّا ويظعن عنها الناس حال انتجاعِهم ... ولم ننتجعْ برقاً يلوحُ ولا رعْدا وإذ غدرتْ فانفضَّ من كان حولها ... وفْينا فلم نغدر ولم نخلِف الوعدا فجئنا لها حتى ضربنا قبابنا ... على نجدها الميمون أكرم به نجدا ومَرْجعَ سانيها جعلنا مخيما ... لئلا نصون الشيبَ عنها ولا المردا نَظَلُّ وقوفاً صائمينَ على الظما ... نخالُ سَموم القيظ في جنبها بَرْدا وتُذرى علينا الرامسات غُبارها ... فننشقه من حُب إصلاحها وَرْدا ويشرب كلُّ الناس صفو مياههم ... ونشربُ منها الطين نحسبهُ شهْدا بهذا ترى ميمونة أنّ تركنا ... لها لم يكن منا اختياراً ولا زُهدا على أننا والأمر عنَّا مُغّيبٌ ... ولله ما أخفى ولله ما أبدى منَ الله نرْجو أنْ ييَسر أمرها ... ويجعل بعد النحس طالِعَهَا سعْدا فيرأبَ مثآها ويجير كسرَها ... ويبقيَها ميمونة كاسمِها سُعْدى ومن رقيق شعره قوله: رفقاً بنا يا ذوات الأعينِ النُّجُلِ ... يُنَالُ بالرِّفقِ ما بالعُنْفِ لم يُنَل نحنُ العبيد الأُلى أنتُنَّ سادتُهمْ ... فارْعَيْنَ فينا وصاةَ الله بالخَوَل واحذرْن مما نهى عنه المهيمنُ من ... تكليفنا غير مسطاعٍ من العمل وله أيضا: يا ليْتَ شعريَ هلْ في زورة حرجُ ... لمنْ لها بعْدَ أن نامَ الورى دَلجُ منْ أعْظم البرّ مَثوى مغرمٍ دنفٍ ... عن وصل غانيةٍ في طرفِها دعجُ

стр. 268

لاسيَّمَا إن يكنْ بالقربِ منزلها ... ولا لها حارس يخشاهُ من يلجُ وله أيضا: يصف صوت مغن، يقال له: لِمْتَيّنْ، وكان أشج: صوتُ الأشجِّ هُنيْهَاتٍ فأحيانا ... كنا من الحزنِ أمْوَاتاً فأحيانا يا حسنَ ترداده فوق الكثيبِ لنا ... تأتيكَ من قبل الرَّيانِ أحيانا وله أيضا: عَضْبُ من لا أنالهُ باقتناصِ ... لا تَقِي منهُ كلُّ دِرْعٍ دِلاصِ صادني فاستغثتُ كلَّ مُغيثٍ ... لخلاصي ولاتَ حين مناص لم أزلْ أبتغيهِ جُهدي فلم أص ... طده واصطادني بغير افتناص طُلَ يالَ الإِله دمِّي فهَلْ لي ... من سبيلٍ للعقل أو للقصاص ليتَ شعري أقد خصِصْت بذا أمْ ... كلُّ صبّ بمثل ذا ذو اختصاص يا خليلَّي لم يسفه حليما ... كاللثا الحوِّ والبطون الخماص وخدودٍ وأعينٍ وقدودٍ ... هُنّ حتفُ الغَضنفرِ الوقَاص فاحذراها واعملا كلَّ سِرْدَا ... حٍ من العزمِ من جِلاَس قِلاص كيْ تنالا مخدرات المعالي ... بنجاها ووخدها البصباص والبسا من تُقى الإِله دروعاً ... توقَيا من مكيدة القُنَّاص وله أيضا: أزِفَ الرحيلُ فقرْبا أجمالنا ... ثم أعيا فوق الجمال رحالنا إنا إذا بلد نبا يوماً بنا ... حملت لآخر نجبنا أثقالنا دَيْدَانُنَا أن لا تنيطَ حبالنا ... إلا بأحْبل منْ يحبُّ وصالنا نطوى على الشّعث المواصل ما طوى ... صدراً على أن لا يشدّ حبالنا ستراً عليه وفي هواهُ ووصلِهِ ... نعصي ولو آباَءنا عذّالنا وإذا رماهُ الدهرُ كنَّا دونهَ ... تُرْساً ونمنحُ من رماهُ نضالناَ

стр. 269

ما إن تقى أموالنا مُهجاتنا ... كلاّ ولا مهجاتنا أموالنا وإذا دعاكنَّ الجوابَ وإن سَعا ... كنا حواليه وكان خلالنا ويصيبُ من صافَ العدوَّ عِدواؤنا ... وينالُ من والى الوليَّ نوالَنا خُلُقاً لنا لا صالحين لغيره ... خلقاً وليس بصالحٍ إلاّ لنا هذا وما كنَّا نحُومُ حوالَ منْ ... كنا نراهُ ولا يحوم حوالنا وإذا أبى إلاّ القطيعَةَ والجفا ... ورأى الصَّواب بغيرنا إبدالنا قمنا فعالجنا الوِصالَ فإِن أبا ... إلاّ قطيعتنا قطعنا يا لنا لِمَ لا ألسْنا الأغْنياَء بربنا ... يا ليت شعري مالنا ما خالنا والأرض لا تأبى إذا يأبى لنا ... مهما عكمنا بالرحال جمالنا إعمالنا قُتْلَ المهارى فوْقَها ... حتى ننالَ ببلدةٍ آمالنا وله أيضا: أأرقَتْ عيناكَ مِنْ طيفٍ ألَمْ ... هاج للمحزون مكنون الألَمْ زار ممن أنت تهوَى موهناً ... برخيم الصَّوتِ مكحولٍ أحم ابن بيدٍ باتَ يَسري مُدْلجاً ... ليله حتى إذا انجاب جثم عِندَ حدباءِ القَرى أسْأرها ... خَبْطُها فِيحَ المَوامي والظلم بين مُعْزٍ وتلالٍ وصُوًى ... ورمالٍ وبطاحٍ وأكَمْ وكتب على صديقين له: يا أيُّها الرَّاكبُ الموموقُ هبك لدىْ ... أخاً تقوم يداهُ لي مقامَ يَدىْ أنْتَ الأمينُ على ما آنَ مرسله ... إلى الأمين الذي دأبى هواهُ ودىْ دنى بلّغْهُ عني تحايا مالها كفؤٌ ... إلا اجتماعكما بعدَ الفراق لدىْ وأنَّ جُندَ الهوى في الصَّدر مُعتَركٌ ... بكلّ سَهْم ورُمْحٍ سمْهري ورُديْ نِيّ لذكَ قد سبقتْ لي منْكما عِدَةٌ ... وأعْدُ كان على أهل السماحةِ ديْنا

стр. 270

وهذا النوع، يسمى عند أهل البديع بالاكتفاء، وله أيضا: فدتك وقلّتْ للفدا كلُّ غانيهْ ... منَ العِين والأرآم يا عينَ رابيهْ وعنك عَفا ربي دِماَء أرقتشها ... ولم تبذلي فيها قصاصاً ولا ديهْ ولا أشْمتَ المولي بك الناسَ إنهم ... غدوا في طلاب الثأر منك سَواسيه فمنْ حسد قتلى وقتلى من الجوى ... فلم يبق جَحجَاحٌ ولم تبق غانيهْ وقد كان سُقم الطرف للعين زينةً ... ولكنَّها في أعين الحورِ خافيهْ فأظهرته للناس أنت لكي ترى ... عليك خفايا الحسن تبدو علانيهْ لئن صدَأت من غضبك اليوم صفحةٌ ... فما في صدًى عارٌ على الهنداونيهْ نهبتِ من الأعمار ما لوْ حَوْيتهِ ... لُهنّئتِ الدنيا بأنَّكِ باقيهْ وقال أيضا: يا معشر البلغاءِ هلْ منْ لوذعي ... يهدي حجاهُ لمقصدٍ لم يبدعِ إني همْمتُ بأن أقولَ قصيدةً ... بكراً فأعياني وجودُ المطلع لكمُ اليدُ الطولى علىَّ إن أنتمُ ... ألفيتموهُ ببقعَةٍ أو موضع فاستعملوا النَّظر السديد ومن يجدْ ... لي ما أحاولُ منكمُ فليصدع وحذارِ منْ خلع العذار على الديا ... ر ووقفة الزُّوار بين الأربُع وإفاضةِ العبرات في عَرصاتها ... وتردُّدِ الزّفرات بين الأضلع وتذاكر السُّمار بالأخبار من ... أعصار دولة قيصر أو تبَّع والفينة الشّنبا تجاذبُ مِزهراً ... والقهوةِ الصَّهبا بكأسٍ مُترع وتداعى الأبطال في رهج القتا ... ل إلى النزال بكلّ لدنٍ مشرع فجميع هذا قد تداولهُ الورى ... حتى غدا ما فيه موضعُ إصبع

стр. 271

والشعر ليس كما يقول المدع ... صعب المقَادة مستدقُّ المهيع كم عزَّ من قُحٍّ بليغ قبلنا ... أو من أديب حافظٍ كالأصمعي قلْ غادرت هل غادر الشعراء في ... بحرِ القصيد لطامعٍ من مطمع والحول يمكثه زهير حُجَّةٌ ... أنَّ القَوافَي لسن طوعَ الإِمَّعِ إنَّ القَريض مزَلَّةٌ مَنْ رامَها ... فَهْوَ المُكلَّفُ جَمْعَ ما لم يجمع إن يتبع الندَما أعاد حديثهم ... بعد الفُشُوِّ وضلَّ إن لم يتبع والشعر للتطريبِ أوَّلُ وضعه ... فلغيرِ ذلك قبلنا لم يوضع واليوم صار منكِدّاً ووسيلة ... قد كان مقصدها انتفا لم تشرع وإليه ترتاحُ النفوسُ غُلبّةً ... فيميلها طَبعاً بغيرِ تطبع ينساغ للأذهان أوّل مرّة ... ويزيدُ حُسْناً ثانياً في المرْجع فيخالُ سيقَ السَّمْعِ مَنْ لم يستمعْ ... ويعودُ سامعه كأن لم يَسْمع كالرَّوضِ يغْدُو السَّرْحُ فيه وتَنْثَني ... عند الرَّواحِ كأنه لم يُرتع من كان مُسطاعاً له فليأته ... وليقن راحتهُ امُرُؤ لم يسطع والجل من شعراء أهل زماننا ... ما إن أرى في ذا لَهُ من مَطمع ومنها: واليوم إما سارقٌ مستوجب ... قطعَ اليمين وحسمَها فليقطع أو غاصبٌ متجاسِرٌ لم يثنهِ ... عنْ همهِ حدُّ العوالي الشُّرَّع مهما رأى يوماً سواماً رتعاً ... شن المغار على السوام الرتَّع فكأنه في عدوه وعدائه ... فعلُ السُّلَيْك وسلمة بن الأكوع

стр. 272

هذا ما تذكرت منها، وربما وقع فيها تقديم وتأخير، لطول العهد بها. وقال أيضا: لا تَسمعي زُور واشٍ في محبكم ... ولا يريبكِ رَيثٌ في زيارته فليس بيتكِ إلا بيت عاتكةٍ ... به الفؤاد وإن أمرو بساحَته وإن تدم هكذا منهم مراقبة ... كلٌّ تعوَّدَها مغرى بعادته تركت دين أخي الأنصار منتصراً ... بما توخى اينُ بُرْدٍ في مقالتهٍ إذ قال لمَّا تشكي كثرة الرقبا ... من راقب الناس لم يظفَرْ بحاجته وإنْ كتمَ الهوى عبءٌ بحامله ... ويوم تبدو الخفايا يوم راحته وله من قصيدة يمدح بها أشياخه: هذا وطب نفساً وثقْ بالهنا ... فهو البسيط يَداً لمَنْ مَدَّ اليَدَا نحنُ العَبِدَّانُ الأُلى هُوَّ ربُهمْ ... والرَّبُّ إنْ يَعْزُزْ يُعِزَّ الأعْبُدا وكفى اصْطِفاءً كوْنُنا منْ أمَّةٍ ... وَسطٍ أجابَتْ مصطفاها أحمدا ولنا استنادٌ بعدُ للعَمَد الأُلى ... رُفِعوا فكانوا يرفعون المُسندا لهم التَّصَدُّرُ في قضِيَّاتِ العلى ... كلٌّ لإِسْنادٍ إليهِ تَجَرَّدا لا تَخْشَ إنْ رفُعوكَ نَسْخاً كائنا ... منْ فعلٍ أمْسى في الزّمانِ ولا غدا وإذ تصرَّف فعلُهمْ في جامِدٍ ... ما خافَ بعد تصرُّفٍ أن يَجمدا منهم جميعاً نفتدى بأئمّةٍ ... متحملين لأمر مَنْ بهمُ افتدا

стр. 273

وإذا سَهوْنا في القيام بأمرنا ... حَملوهُ عَنَّا رُكّعا أو سُجَّدا رَووا الصّحاح من الحقَائق أسندتْ ... عنْ سيدٍ في الفضل يقفوا سَيدا متواتِراً إسنادها متسلسلاً ... حتى انتهى للمنتهى متصعدا طبعوا على كرم النفوسِ جبلَّةً ... موْرُوثةً فيهم تراثاً مُتْلَدا لو انهُمْ عمدوا إلى فعل الخنا ... لأبتْ طباعُ نفوسهم أن تعمدا قوم هم دُعُمُ الهدى لا تعدُونْ ... عيناك عنهم إن ترد دعُمَ الهُدى فهمُ الألى كسوا العلى أبعى الحلي ... فيهم تجلّتْ لؤلؤاً وزبرجدا سمطا غدوا في جيدها وأساوراً ... في المعصمين وفي النواظر إثمدا الراشدون المرشدون إلى العلى ... الدافعون الذائدون الوُرَّدا فهم السيول المحييات من اجتدى ... وهم السيوف المرديات من اعتدى لحظاتهم تحيى الرميم وعندهم ... هممٌ قويات يذبْنَ الجلمدا لو حاولوا نيل السماكِ بعزمهم ... نالوا الثريا بعده والفرقدا ولهم بصائرُ نيرات تنجلي ... حُجُبُ الغيوب بها إلى أن تشهدا والكيمياءُ من السعادة عندهم ... إكسيرها يدَعُ الحجارة عسجدا فإذا هُم نظروا البغاث استنسرت ... وإذا هُم لحظوا أويسَ استأسَدا ولديهمُ جَعْلُ السُّكَيتِ مجلّياً ... ولديهمُ جعلُ الثفالِ خفيددا طرق الإرادة إن أرادوا طيها ... تركوا أقل من الذراع الفدفدا ومتى يحرْ في تيهها ذو حيرة ... ظهروا له بالدوّ منها أنجُدا وإذا ادلهمَّ ظلام ليلِ جهالة ... لاحوا ففاقوا النيراتِ توقدوا وإذا اشتكى لفح السَّموم أخو صدى ... أجروا من السَّلْسال بحراً مزبدا وتقدموا يهدونه في سيره ... لوردوه حتى يُرُوه الموْردا راحُ المعرف إن تعاطوا كأسَهَا ... لم يدفعوا عنها نديماً عربدا وكذاك إن دهم العدى لم يخذلوا ... ممن يواليهم جباناً عرَّدا

стр. 274

من كل حامٍ شولَهُ بعقاله ... تحمى خَشَاهُ مصاله المتمردا أو كل حامٍ غِيلهُ بمهابةٍ ... تعدو على غلب الليوث وما عدا منه فريص الأسد ترعد خيفةً ... لكن فريص حميّه لنْ تُرعدا أظفارُه حمرٌ خلقن من الردى ... وبنانه بيض طبعن على الندا فبهذه كان القضاءُ مسَلّطَا ... وبهذه كان العطاءُ معوَّدا أني يضيق خناقُ منسبٍ لهم ... أم كيف يخطي رفدهم مسترفدا أو يختشي من يحتمي بحماهُمُ ... أو يجتدي جدواهُم أن يطردا أهدى لهم أبكارَ فكرٍ صنُتُها ... عن غير تنسى العذارى النُّهدا غرر الطروس بها حَلِينَ فَأَصبحتْ ... طرر الجباه لها عليها حُسَّدا إذ لم تظنَّ الكونَ يحوي غيرها ... بيضا محلاةً بحَليٍ أسودا منساغَةً في الذهنِ دون إساغة ... فتكاد تسبق بالنشيد المنشدا في كل لفظ رق معنى رائقٌ ... كأبارقِ الياقوت نحوي الصرخدا فهْي الحُليُّ لناظرٍ متوسم ... فحواءُها وهي الحُليُّ لمنْ شدا أبغي بها مرضاة من برضاه عن ... حزب التُّقى نال العلى والسؤددا وقال أيضا في سفره إلى بني دليم: هاجَ التذَكُّرَ للأوْطانِ في الحِين ... بَرْقٌ تأَلْقَ مِنْ نحوِ المَيامِين بَرْقٌُ يحاكي اغتداَء الطير آونَةً ... ونَبْضَةَ العِرْقِ في بعضِ الأحايين فقلتُ إذ شمتهُ وهْناً أخاطِبهُ ... دورَ المَيامِين أو دورَ الكناوين سَقْيا لها أرْبعاً شطتْ بساكِنها ... عَن نازِحٍ مُسْتَهَامِ القلب محزون أخِي اغترابٍ رمى صَرْفُ الزَّمانِ به ... بحيْثُ يُجمعُ بين الضّبِّ والنُّونِ سُكناهُ بين أناس جل عقدهُم ... بيعُ المَلاقيح أو بيع المَضامين

стр. 275

أيمانهم كلُّها لغو ودأيهُمُ ... غصب الأباعير من كلّ الأناسين وقال أيضا في (نحن) المتقدم: لا تنكروا ما ادَّعَاه نحنُ مِنْ شَرَفٍ ... به استبدَّ عنْ آباءِ وأجدادِ هو الشريفُ بلا شكٍّ ولا رِيبٍ ... لكنهُ حلَّ في مِسلاخ حَدَّاد وله أيضا فيمن يحرم النبغ: دع الإكثارَ منْ قالٍ وقيلِ ... كفاكَ اللوْمُ بالكِلمِ القَلِيلِ أَقِلني إن عَثرتَ على عقاري ... فخير الصحبِ كلُّ فتى مُقيل وإلا تزدجر عمَّا عليه ... جُبْلتَ على التّهوُّرِ والصَّهيل فإني لستُ منك ولستَ مني ... وليس رَعيلُ خيلك من رعيلي ولستَ إلى لقاءِ اللهِ مني ... بمنزلة الرَّفيق ولا الزميل ولم تك في الحساب غداً حسيبي ... ولم تك لِي بمولّي أو وكيلِ تُلوِّمُ أن تعاطينا كؤوساً ... تذكرنا كؤوسَ السلسبيل تحاول أن تحرّمَها عليْنا ... فليس لما تحاولُ من سبيل تريد على إباحتها دليلا ... متى احتاج النهار إلى دليل أصول الحلِّ عدوها فعدوا ... نبات الأرض من تلك الأصول وقبلك ملَّ فيها القولَ قومٌ ... فما أغنوا بذلك من فتيل وليس اللوْم فيها اليومَ إلا ... أحاديثٌ تعدّ من الفضول وإنّ لها فوائدَ واضحاتٍ ... يراها كلُّ ذي نظر أصيل إزالةَ حِقد ذي الحقد المناوي ... وتَحبيب الخليل إلى الخليل وجبرَ خواطرٍ وقضاَء حاجٍ ... ومعرفةَ السخيّ من البخيل

стр. 276

وفوْزاً إن تعاطاها الندامى ... بتمييز الظريف من الثقيل وإيقاظَ النواظر من كراها ... وإبراَء المتيّمِ والعليل وزاد مسافرٍ ومتاع مُقْوٍ ... وأنسًا في الإقامة والرحيل وتحفة قادم وسرورَ أو ... أرى حين المبيتِ أو المقيل وفاكهة الشتاء إذا تأَذَّى ... وجوهُ الناسِ بالشَّمَلِ البليل وتطربُ مَنْ يدرّسُ كل فنّ ... وتفرجُ كرب ذي الهم الدخيل وتلى كل صبّ مستهام ... عن الخدّين والطرْف الكحيل وتدفع ذا التلصص فهي أغْنى ... إذا دفعت من السيف الصقيل وترضى المسلمين وفي رضاهم ... يؤمل أن ينال رضي الجليل وحسبك من فوائدها بهذا ... دع الإكثارَ من قال وقيل وله أيضا: من التّعْذَالِ حَسْبُكَ يا عذولُ ... فلَوْمُ أخي الغرام هو الفضولُ فما تغنى الملامةُ من غرام ... تزول الشامخات ولا يزول فلوْمُكَهُ عَسِيلٌ وهو صخرٌ ... مِن اصفاءِ تضمَّنَهَا مَسِيل فلومك لا يؤثر فيه إلا ... كما في الصخر أثره العسيل فلو شاهدت من أودى هواها ... به ما لمت صبًّا يا عذول ولكن قد جهلت الأمر منها ... وليس كعالم الأمر الجهولُ أغصّ مخلخلاها كلّ حجْلٍ ... فنادت من يغيثني الحُجول فقال الثغر عندي الخمرُ لكن ... نأت داري وما عندي رسول فقال الفرعُ أرسلني فإِني ... إلى تقبيل موطئها وصول إذا لم يعترض من دونها لي ... فأحبس دونها الكفل الثقيل

стр. 277

وله أيضا: منْ حبَّ صرْمكِ آئساً من غيره ... أقْصَيْتُ مَنْ أنا طامعٌ في خبره واخترتُ صرْماً منكمُ عن وصله ... واخترت لا كم عن أجَلْهِ وجيره واخترت صيراً منكم عن نفعه ... آه لنسبة نفعكم من ضيره وإذا سمعت الخائضين حديثكم ... أعرضتُ عن ذاك المجال وسيره صوناً لذكر حديِثكم عن غيركم ... حتى يخوضوا في حديث غيره شعراء تجكانت المختار بن بون الجكني تاج العلماء، الذي طوّق يحلى علمه كل عاطل. ووردت هيم الرجال زلاله، فصدر عنه كلهم وهو ناهل. ولا يوجد عالم بعده، إلا وله عليه الفضل الجزيل، بما استفاد من مصنفاته، وتلقى من مسنداته، ويكفيه إنه هو الذي نشر النحو بعد دفنه، وكفى الناس مشقات مؤنه. وكانوا لا يتجاوزون قبله ما في الألفية وشروحها، مع عدم معرفة الخطة التي يمكن للطالب أن يخزن في ذهنه بها، ما يكون قريب التناول عند الحاجة إلى ذلك، حتى نظم لهم ما تخلف عن الألفية، مما تضمنه التسهيل، وألصق كل شذرة بما يناسبها، وضم إلى ذلك طرته المفيدة، وأتى على كل مسألة بالشواهد من كلام العرب، وهو ثالث ثلاثة من قبيلته، كلهم اسمه المختار. وكان من أجل طبقته: النابي، المختار بن حبيب، وهو شيخه، الذي فتح عليه عنده. والمختار بن أبي، وهو من أهل القبلة منهم. نشأ المختار بن بون في بيت أبيه، ولم يشتغل بالقراءة إلا بعد أن كبر،

стр. 278

وكان في أول أمره، يضرب أقرانه من الصبيان، وينزع منهم ما بأيديهم: فاتفق إنه سطى ذات يوم على صبي فضربه، فانتصرت له أمه، وسبت المختار بن بون سباً قبيحاً، وعيرته بالجهل، فأنف لذلك، وسار من غير علم أبويه، يريد المختار ابن حبيب، فوصل اليه، وشرع في قراءة الأجرومية، فلم يفهمها، ثم فتح الله عليه. حدثني الأديب محمد أبَات بن عبد الباقي بن المختار صاحب الترجمة: أن المختار كان عند شيخه المذكور، وكان لشيخه ختن يغيب عنه ثم يجيء، فيبنى له خباء يقيم فيه مع أهله أياما، ثم ينصرف على عادة أهل تلك البلاد، أعنى أهل البادية، قبل أن ينقل أهله إلى محله المخصوص، فإذا ذهب، يطوى ذلك الخباء، ويجعل عليه شيء من الشجر يقيه وطأ الدواب، فإذا رجع بنى له الخباء أيضا. قال: فاتفق إنه ذهب، فبعد انصرافه وانصراف أهله، جاء المختار فدخل في طنب الخباء ونام، فجاءت الجارية الموكلة بالخباء، فطوته على المختار ولم تنتبه له. قال: فأقام هناك أياما في نومه ذلك. وقد سأل عنه شيخه فلم يعثر له على خبر. فلما رجع الرجل من سفره، شرعت الجارية في بناء الخباء، فما راعها إلا المختار، فانتبه مذعورا، وخرج في غاية الشحوب، فجاء إلى شيخه، فجعل يسقيه اللبن الممذوق بالماء، حتى قوى قليلا، فسأله عن أمره. فأخبره بما كان، وانتبه من نومه، يحفظ ما كان مكتوبا في ألواح التلاميذ الموجودين هناك، إلا إنه لم يفهم معناه. فعلم شيخه أن الله تعالى فتح عليه، فبنى له بناء منفردا، ومنعه من لقاء الناس، وجعل يحضر له الكتب ويتركه وإياها، ثم يتعهده ويسأله، فبعد مدة قليلة نبغ، فأبرزه شيخه للناس وقد تمكن، ثم أمره بالمسير إلى شيخ من أبناء ديمان، لم يحضرني الآن اسمه، لينظر في كتبه، فتوجه اليه، فنزل على تلاميذه، فأساءوا عشرته. فقال لهم: أني مقيم عندكم أياما قلائل ومنصرف، فعلام هذا الجفاء؟ ثم إنه اجتمع بذلك الشيخ، وجعل يستعير منه كتابا ثم يذهب إلى محل لا أنيس

стр. 279

به، حتى يتم نظره، ثم يرده ويأخذ غيره. فلما انتهى غرضه، دنا من تلاميذ الشيخ، وأصاخ لهم يكررون دروسهم، فجعل يناظرهم ويبين لهم الغامض. فلما كرَّ راجعا، صحبه منهم نحو أربعين، وتركوا شيخهم ولازموه هو. ولما ظهر المختار بن بون، انتشر ذكره في ذلك الإقليم، فصارت الناس تنثال إليه من كل وجهة، وأرى الناس الطريق النافعة في التعليم، على إنه وجد العلوم في ذلك العصر حية، وكان من اجل قبائل الزوايا في العلم: قبيلة إديقب. خصوصاً في علم العربية، فاستجلبوه إليهم، ليأخذوا عنه علم النحو والكلام. وكان لا يجارى فيهما. فأقام عندهم برهة فوقع بينه وبينهم مناظرات آله إلى الشقاق، وكان المناضل له حقيقة اكبر تلامذته محمد بن حبيب الله، المعروف بالمجيدري، ومولود بن أحمد الجواد. وصاروا كلهم يدا واحدة عليه. وكانوا إذا صاروا إلى الشعر يغلبونه، لأنهم أمهر منه في نسجه فإذا صاروا إلى الألغاز الكلامية يغلبهم. وقد ألغز لهم لغزاً وقال لهم: إن أجبتموه كفرتم، وإن سكتم غلبتم. وأطالوا الشقاق، ثم استسمحوه بعد ذلك وقالوا له: (تا لله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين) فقال: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين). ولم يكن والده من أهل العلم، فكانت إديقب تحضره للتبكيت عليه، وتسأله عن المسائل، لتحط من قدر المختار، وتخجله بذلك، ولم يزده ذلك عند الناس إلا رفعة وعلو منزلة. وهل ضر عكرمة بن أبي جهل كفر أبيه. واتفق يوما أن أحد إديقب، مر ببون في غنيمة له، وكان المختار يلزمه بيته، إذا كان معه ولا يتركه يخرج، فلما غاب، خرج هذه الخرجة فقال له: إن المختار يوجد قريبا وعنده لباس كثير، فدونك فاركب معي على هذا الجمل، فأراد أن يدس قدوما عنده، فقال له: إن تركتها شرقت. فحمله على حقيبة الجمل، ثم إنه لما استبطأ محل المختار، قال له: أنزلني، وأراد هو أن يثب من فوق الجمل،

стр. 280

فضرب الجمل، وجعل يعدو لئلا يتمكن هو من النزول عنه. فبينا المختار في حلقة عظيمة من أهل الفضل، إذ رمى له والده على تلك الحالة، ولكن المختار كان متسع الصدر، لا تزعزعه الرياح. ومما خاطبهم به قوله، يعمهم ويخص لمجيدري بن حبيب الله، ويقال له حبَّلَّ: على رسلكَ أرْيَعْ يابن حبَّلَّ إنما ... يقُدّمُ هذي الناسُ منَّا المقدَّما ومن قدّمتْه نفُسهُ دونَ غيره ... رأى غيرُه التأخيرَ ذاكَ التقَدُّما تقدَّمْتَ للتّصدير جهْلاً مؤخِّراً ... ذوي الرأي والتصدير أن تتقدما وقلتَ كما ضلتْ قريشٌ ضللتمُ ... ألا قاسموا هذا الفتى المتقدما قرَيْش قفت أهلَ الضلال ونحن في ... هدى سلفٍ منهاجه قد تقوَّما ومنها: فلا تُنكرِوني آلَ يعقوبَ واذكروا ... لياليَ أجلو ما على النّاس أظْلما وحين أحلِّي منكم كلَّ عاطلٍ ... بدرّي وأسقي باردي كلَّ أهْيَما فلا نولكم أنْ تكفروا كمحمَّدٍ ... سنى سُرُجٍ مني تسامى وأنعما فكم قد بذلتُ الوسعَ فيكم مُعلما ... له يقظةً كيْما يعيه ويفهما وأهدى إليَّ العابَ وَالشّتمَ جازياً ... وليس جزائي أنْ أعابَ وأشتما ألا قبَّحَ الله ابن حَبَّلّ إنه ... جزاني سنَّماراً وما كان أظلْما إلى ولد الخطَّاطِ أهدى بعيرهُ ... على أنه في النَّوْم منه تعَلّما وبقي منها قليل. وكان المختار ﵀ مكباً على تحرير العلوم، ومن انفع ما ألف، نظمه الذي

стр. 281

سماه: بالاحمرار، عقد فيه من تسهيل ابن مالك، ما يذكره في الألفية، ومزجه بها مزجا جيدا، يدل على مهارة تامة، وفيه أبواب كثيرة تركت منها، كالقسم وجوابه، والتسمية بلفظ كائن ما كان، وتتميم الكلام، والإلحاق، ومخارج الحروف والهجاء، وغير ذلك من الفصول الكثيرة، ولما أراد نظم التسهيل، لم يجد شرحا له يستعين به، فذُكر له الدماميني عند محمذ بن بابان العلوي، فقصده وقال: أتيتكمْ يا قضاةَ العلمِ والدين ... وليْسَ لي غرضٌ سوى الدمامينِ عنْ كلِّ حِبٍّ به قد كنتُ ذا كلفٍ ... وكادَ زائدةٌ قد كاد يُسليني كأنكم وهي للتحقيق ترتفعوا ... على ظنون فؤادٍ ذات تحسين فقال محمذ المذكور، أعطوه له على قبح أبياته: ولما شاع نبوغه بين الناس، جعلت الطلبة ترحل إليه من البلاد الشاسعة، وكان حسن الصحبة والمعاملة للطلبة، جوادا بما يملك، إلا إنه قليل الإقامة، فشق ذلك على تلامذته، لتعطل الأوقات وعدم من يقوم مقامه في الدروس، لأن الطريق التي اخترع للطلبة لا يقدر عليها غيره، فتعطلت دروس الطلبة مدة، ثم حضر ورحل بهم إلى بئر تسمى بودْرَيْك (بكاف معقودة مفتوحة) وهو في أرض تاكنانت، فقال لهم: أني سأقيم هنا سنة، لا أشتغل ليلا ولا نهارا إلا بتعليمكم، وكان لا يمل من التدريس الليل والنهار، فشرعوا يبنون الأخصاص، فلما أكملوها، رحل إلى السودان، وهم بعيدو الدار، فلما وصل إليهم، جاءه النذير

стр. 282

يخبره بأن ابنا دليم، أغاروا على إبله، وهذا من مسافة تزيد عن شهر، فانكفأ متوجهاً إلى أقصى تيرس، وكان يصحبه كبار تلامذته، فقال أحدهم: لكَ اللهُ مِنْ شيخٍ إذا ما تبوّأَتْ ... تلامذُه مأوى لنصبِ المدارسِ تيمّمَ ميمونَ الخصَاصةِ فاتِراً ... على ظهْرِ مفتولِ الذراعين عاتِسِ يفزعُ نون البحر طوراً وتارةً ... يُهدّمُ جُحْرَ الضَّبِّ فِي رأس مادِس وكان يشدد النكير، على وليّ الله الشيخ المختار الكنتي، وله في ذلك، وقد بلغه أن الشيخ قال إنه يسلبه: أسيّدَنَا المختار لا تكُ مفرِطاً ... وإياكَ والتفريطَ واعدلْ وأقسِطا فكونُكَ ذا مالٍ وجاهٍ وَرُتبةٍ ... عَلتْ في قلوبِ الناس لمْ يمنعِ الخطا وكونيَ لم أذكَرْ كذكرك لم يكنْ ... ليمنَعني التوفيقَ من مانح العطا أتسلبني واللهُ ما شاَء مثبتٌ ... إذاً أنتَ في تعظيم نفسك مفرطا وله أيضا في ذلك: لئن كنتمُ استظهرتموا أنْ جعلتموا ... أموراً علينا في الشريعَةِ لم تكنْ فلا تُنكروا إنْ كنّتِ الكتْبِ عنكم ... سرائِر عنا حالةَ البحثِ لم تكن ثم إنه رجع عن ذلك، وصارت بينهما مكاتبات وملاطفات، واتفقا على أن يجتمعا في تكانت، بأن يقدم ابن بون من أرض القبلة، ويتوجه الشيخ من أزواد. ثم إن المختار رحل من القبلة كما قال، ولما بلغ أول طرق تكانت، بلغه أن الشيخ عدل عن عزمه، وسأل عن ذلك المحل، فقيل له: يقال له التِّبرانن (بتشديد المثناة الفوقية مكسورة وفتح الموحدة وفتح الراء مرققة وبعدها ألف وكسر المثناة الفوقية مخففة وسكون النون) اسم طريق من طرق تكانت، فقال لهم: بلدة طيبة ورب غفور، وأخبرهم بأن ذلك محل تربته، وكان كما قال، هكذا تقول الناس، والله أعلم.

стр. 283

وله أيضا: وسوداَء رُمتُ الوصْلَ منها فأعرضت ... فقلتُ أمِثلي عنهُ مِثلكِ يَعرضُ فقالتْ بِلَوني عنكَ ما أنا راغِبٌ ... ولكن كلوني عن كلونكَ مُعرِض وقالتْ سمُاك النار إني أخافُها ... على جسدٍ للنار لَسْتُ أعرّض فقلتُ لها ما لفظُ نارٍ بمُحرقٍ ... ولكنَّ عُذراً لي أردتِ يُعرّض وقلتُ لنفسي عنْ هواها صِيانةً ... ففي الذّنْبِ كلُّ الذلِّ للمْرءِ يَعرض فإِن أَعْرضَتْ عني فيا رُبَّ روْدةٍ ... منَ البيضِ مني للهوى تتعَرض وله أيضا: وشادِنٍ رمى الحشى طرفُه ... بفاتر أضعفَ منْ حُجَّتي فبتُّ لا هجعةً منْ همهِ ... في ليلةٍ أطْوَلَ منْ حِجَّةِ تَعتادُني من ذِكرِهِ زفرةٌ ... أَحَطُّ للآئام منْ حَجَّةِ وله أيضا، أبيات يهجو بها جملا له، وقيل: هي لأحد إذا بلحسن: لحاك اللهُ من جَملٍ حيادي ... تفجِّعُه مخايلةُ الهواءِ بروكٌ إن تُردْ منه قياماً ... يميلُ من البُروك إلى اتكاءِ وأحْملُ للمضاربِ من جَمادٍ ... ويحرَنُ في الخلاءِ على الخلاءِ وكان المترجم ﵀ حيًّا، في أوائل القرن الثالث عشر، وقد طبعت طرته المسماة: بالاحمرار، في مصر، وطبع بعض تآليفه بمدينة فاس.

стр. 284

ابْن عَيْدُّ الجكني هذا أديب اشتهر في قومه، وهو ممن تخرج على يد المختار بن بون، ولم أقف له إلا على بيتين، تقدما في ترجمة حرم بن عبد الجليل العلوي، وورد بنوق له حديثات العهد بالنتاج، إلى منهل يقال له زار، فلما نهلن من الماء، قتلهن الماء، وهذا قد يقع في بعض المناهل هناك، ويقول الناس: أن المنهل الفلاني يقبض، أي قد يغدر فيقتل ما شرب منه، وبذلك المنهل قبر الصالح الناسك الفغ الحمد التاكنبتي. فقال: من كان ذا إبلٍ يرْعى مصالحها ... فليكُ ذا حذر يا قومِ من زارَا لا خيرَ في منهل تلفى بساحته ... كواهل العوذ أشاعاً وأوتاراً لكنْ به صالحٌ حقاً زيارته ... تحُطُّ عن حامِلِ الأوزارِ أوزارا ابن مقامي الجكني هو شاعر فصيح، ممن تخرج على يد ابن بون، من قبيلته، وكان يدافع عن شيخه، وله قصيدة ينقض بها قصيدة للمأمون اليعقوبي ومطلعها: من المأمون يحتملُ العتابُ ... وتحتملُ القطيعةُ لا السّبابُ الإِمام بن محمذ الفغ الجكني محمذ، بالمعجمة منون مكسور، وهو مصحف محمد، شاعر مفلق، وهو أشعر نجاكنت، ولم أقف له على غير قصيدته الآتية، ولو لم يكن له غيرها، لاستحق ان يعد مع أصحاب الواحدات، مثل سويد ابن أبي كاهل، وله قصائد يجيب بها المأمون اليعقوبي وعن شيخه، ابن عمه المختار ابن بون، وقد وصلت إلى المختار قصيدة جيدة، يهجوه بها المأمون، فقال لتلامذته: من يحسن أن يجيبها منكم؟ فقالوا له: الإمام تحت الشجرة، وهذه كلمة يقولونها، لمن لا ينبغي ان يتكلم فيما غيره أقدر على القيام به منه، وسافر الإمام المذكور، مع جماعة من قومه، إلى سجلماسة، فأصابهم بها جدري، فأوهن

стр. 285

قواهم، ولم يساعدهم أهل البلدة، فقال هذه القصيدة الطنانة، وأخبرني بعض الفضلاء، أن تجكانت أكان إلى الآن، لا يسمعونها إلا ووقع فيهم العويل، وهي واهاً لمْرضى رهان في سِجلِماسِ ... نائي المؤانِسِ والعُوَّاد والآسي واهاً لها من حُشاشاتٍ يُساوِقُها ... تَنوا جُسومٍ إلى تصعيد أنفاسِ ومِنْ عظامٍ وأشلاءِ مُمزّقةٍ ... كأنما لبثَتْ حِيناً بأرْماس ما كَانَ أطولَ أياماً عَلَى حَسَنٍ ... وصحبهِ ظَنتُها منهمْ على ياس كأنما شرِبوا فيها وما شرِبوا ... عُصارةَ للكرمِ من بَيْسانَ أوراس صَهْبَاَء طافَ مُهَينمُ اليهُودِ بها ... دَبَّابةً في عِظام الظهرِ والرَّاس سقاهُم الجُدري كأساً بها شرِقوا ... تَفديهمُ النفْسُ منْ شَرْبٍ على كاس من كلّ جَلدٍ على الضَّرَّاءِ مُصْطبرٍ ... يقْسو إذا لانَ مِنْ ضَرَّائه الناسي يصحو المرِيضُ وينَسى منْ معاهِده ... يوماً وما هوَ بالصَّاحي ولا الناس تهتزُّ منها ذَماءٌ كلما سَجَعتْ ... خَطباءُ تبْعث ما بالوَالِهِ الآسي تَبكى لها أخَرٌ أبدانُهُنّ كما ... خَطَّ الزّبورَ يَهُوديٌّ بقِرطاس يا بُعدَ منهمْ حُلولٍ قاطنين على ... عِدٍّ يُحَفُّ بدورٍ منهُ أدراس
следующие страницы →