← Тараджим

Тараджим · id 95696

الوسيط في تراجم أدباء شنقيط

أحمد بن الأمين الشنقيطي

Полный текст (580 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

سماه: بالاحمرار، عقد فيه من تسهيل ابن مالك، ما يذكره في الألفية، ومزجه بها مزجا جيدا، يدل على مهارة تامة، وفيه أبواب كثيرة تركت منها، كالقسم وجوابه، والتسمية بلفظ كائن ما كان، وتتميم الكلام، والإلحاق، ومخارج الحروف والهجاء، وغير ذلك من الفصول الكثيرة، ولما أراد نظم التسهيل، لم يجد شرحا له يستعين به، فذُكر له الدماميني عند محمذ بن بابان العلوي، فقصده وقال: أتيتكمْ يا قضاةَ العلمِ والدين ... وليْسَ لي غرضٌ سوى الدمامينِ عنْ كلِّ حِبٍّ به قد كنتُ ذا كلفٍ ... وكادَ زائدةٌ قد كاد يُسليني كأنكم وهي للتحقيق ترتفعوا ... على ظنون فؤادٍ ذات تحسين فقال محمذ المذكور، أعطوه له على قبح أبياته: ولما شاع نبوغه بين الناس، جعلت الطلبة ترحل إليه من البلاد الشاسعة، وكان حسن الصحبة والمعاملة للطلبة، جوادا بما يملك، إلا إنه قليل الإقامة، فشق ذلك على تلامذته، لتعطل الأوقات وعدم من يقوم مقامه في الدروس، لأن الطريق التي اخترع للطلبة لا يقدر عليها غيره، فتعطلت دروس الطلبة مدة، ثم حضر ورحل بهم إلى بئر تسمى بودْرَيْك (بكاف معقودة مفتوحة) وهو في أرض تاكنانت، فقال لهم: أني سأقيم هنا سنة، لا أشتغل ليلا ولا نهارا إلا بتعليمكم، وكان لا يمل من التدريس الليل والنهار، فشرعوا يبنون الأخصاص، فلما أكملوها، رحل إلى السودان، وهم بعيدو الدار، فلما وصل إليهم، جاءه النذير

стр. 282

يخبره بأن ابنا دليم، أغاروا على إبله، وهذا من مسافة تزيد عن شهر، فانكفأ متوجهاً إلى أقصى تيرس، وكان يصحبه كبار تلامذته، فقال أحدهم: لكَ اللهُ مِنْ شيخٍ إذا ما تبوّأَتْ ... تلامذُه مأوى لنصبِ المدارسِ تيمّمَ ميمونَ الخصَاصةِ فاتِراً ... على ظهْرِ مفتولِ الذراعين عاتِسِ يفزعُ نون البحر طوراً وتارةً ... يُهدّمُ جُحْرَ الضَّبِّ فِي رأس مادِس وكان يشدد النكير، على وليّ الله الشيخ المختار الكنتي، وله في ذلك، وقد بلغه أن الشيخ قال إنه يسلبه: أسيّدَنَا المختار لا تكُ مفرِطاً ... وإياكَ والتفريطَ واعدلْ وأقسِطا فكونُكَ ذا مالٍ وجاهٍ وَرُتبةٍ ... عَلتْ في قلوبِ الناس لمْ يمنعِ الخطا وكونيَ لم أذكَرْ كذكرك لم يكنْ ... ليمنَعني التوفيقَ من مانح العطا أتسلبني واللهُ ما شاَء مثبتٌ ... إذاً أنتَ في تعظيم نفسك مفرطا وله أيضا في ذلك: لئن كنتمُ استظهرتموا أنْ جعلتموا ... أموراً علينا في الشريعَةِ لم تكنْ فلا تُنكروا إنْ كنّتِ الكتْبِ عنكم ... سرائِر عنا حالةَ البحثِ لم تكن ثم إنه رجع عن ذلك، وصارت بينهما مكاتبات وملاطفات، واتفقا على أن يجتمعا في تكانت، بأن يقدم ابن بون من أرض القبلة، ويتوجه الشيخ من أزواد. ثم إن المختار رحل من القبلة كما قال، ولما بلغ أول طرق تكانت، بلغه أن الشيخ عدل عن عزمه، وسأل عن ذلك المحل، فقيل له: يقال له التِّبرانن (بتشديد المثناة الفوقية مكسورة وفتح الموحدة وفتح الراء مرققة وبعدها ألف وكسر المثناة الفوقية مخففة وسكون النون) اسم طريق من طرق تكانت، فقال لهم: بلدة طيبة ورب غفور، وأخبرهم بأن ذلك محل تربته، وكان كما قال، هكذا تقول الناس، والله أعلم.

стр. 283

وله أيضا: وسوداَء رُمتُ الوصْلَ منها فأعرضت ... فقلتُ أمِثلي عنهُ مِثلكِ يَعرضُ فقالتْ بِلَوني عنكَ ما أنا راغِبٌ ... ولكن كلوني عن كلونكَ مُعرِض وقالتْ سمُاك النار إني أخافُها ... على جسدٍ للنار لَسْتُ أعرّض فقلتُ لها ما لفظُ نارٍ بمُحرقٍ ... ولكنَّ عُذراً لي أردتِ يُعرّض وقلتُ لنفسي عنْ هواها صِيانةً ... ففي الذّنْبِ كلُّ الذلِّ للمْرءِ يَعرض فإِن أَعْرضَتْ عني فيا رُبَّ روْدةٍ ... منَ البيضِ مني للهوى تتعَرض وله أيضا: وشادِنٍ رمى الحشى طرفُه ... بفاتر أضعفَ منْ حُجَّتي فبتُّ لا هجعةً منْ همهِ ... في ليلةٍ أطْوَلَ منْ حِجَّةِ تَعتادُني من ذِكرِهِ زفرةٌ ... أَحَطُّ للآئام منْ حَجَّةِ وله أيضا، أبيات يهجو بها جملا له، وقيل: هي لأحد إذا بلحسن: لحاك اللهُ من جَملٍ حيادي ... تفجِّعُه مخايلةُ الهواءِ بروكٌ إن تُردْ منه قياماً ... يميلُ من البُروك إلى اتكاءِ وأحْملُ للمضاربِ من جَمادٍ ... ويحرَنُ في الخلاءِ على الخلاءِ وكان المترجم ﵀ حيًّا، في أوائل القرن الثالث عشر، وقد طبعت طرته المسماة: بالاحمرار، في مصر، وطبع بعض تآليفه بمدينة فاس.

стр. 284

ابْن عَيْدُّ الجكني هذا أديب اشتهر في قومه، وهو ممن تخرج على يد المختار بن بون، ولم أقف له إلا على بيتين، تقدما في ترجمة حرم بن عبد الجليل العلوي، وورد بنوق له حديثات العهد بالنتاج، إلى منهل يقال له زار، فلما نهلن من الماء، قتلهن الماء، وهذا قد يقع في بعض المناهل هناك، ويقول الناس: أن المنهل الفلاني يقبض، أي قد يغدر فيقتل ما شرب منه، وبذلك المنهل قبر الصالح الناسك الفغ الحمد التاكنبتي. فقال: من كان ذا إبلٍ يرْعى مصالحها ... فليكُ ذا حذر يا قومِ من زارَا لا خيرَ في منهل تلفى بساحته ... كواهل العوذ أشاعاً وأوتاراً لكنْ به صالحٌ حقاً زيارته ... تحُطُّ عن حامِلِ الأوزارِ أوزارا ابن مقامي الجكني هو شاعر فصيح، ممن تخرج على يد ابن بون، من قبيلته، وكان يدافع عن شيخه، وله قصيدة ينقض بها قصيدة للمأمون اليعقوبي ومطلعها: من المأمون يحتملُ العتابُ ... وتحتملُ القطيعةُ لا السّبابُ الإِمام بن محمذ الفغ الجكني محمذ، بالمعجمة منون مكسور، وهو مصحف محمد، شاعر مفلق، وهو أشعر نجاكنت، ولم أقف له على غير قصيدته الآتية، ولو لم يكن له غيرها، لاستحق ان يعد مع أصحاب الواحدات، مثل سويد ابن أبي كاهل، وله قصائد يجيب بها المأمون اليعقوبي وعن شيخه، ابن عمه المختار ابن بون، وقد وصلت إلى المختار قصيدة جيدة، يهجوه بها المأمون، فقال لتلامذته: من يحسن أن يجيبها منكم؟ فقالوا له: الإمام تحت الشجرة، وهذه كلمة يقولونها، لمن لا ينبغي ان يتكلم فيما غيره أقدر على القيام به منه، وسافر الإمام المذكور، مع جماعة من قومه، إلى سجلماسة، فأصابهم بها جدري، فأوهن

стр. 285

قواهم، ولم يساعدهم أهل البلدة، فقال هذه القصيدة الطنانة، وأخبرني بعض الفضلاء، أن تجكانت أكان إلى الآن، لا يسمعونها إلا ووقع فيهم العويل، وهي واهاً لمْرضى رهان في سِجلِماسِ ... نائي المؤانِسِ والعُوَّاد والآسي واهاً لها من حُشاشاتٍ يُساوِقُها ... تَنوا جُسومٍ إلى تصعيد أنفاسِ ومِنْ عظامٍ وأشلاءِ مُمزّقةٍ ... كأنما لبثَتْ حِيناً بأرْماس ما كَانَ أطولَ أياماً عَلَى حَسَنٍ ... وصحبهِ ظَنتُها منهمْ على ياس كأنما شرِبوا فيها وما شرِبوا ... عُصارةَ للكرمِ من بَيْسانَ أوراس صَهْبَاَء طافَ مُهَينمُ اليهُودِ بها ... دَبَّابةً في عِظام الظهرِ والرَّاس سقاهُم الجُدري كأساً بها شرِقوا ... تَفديهمُ النفْسُ منْ شَرْبٍ على كاس من كلّ جَلدٍ على الضَّرَّاءِ مُصْطبرٍ ... يقْسو إذا لانَ مِنْ ضَرَّائه الناسي يصحو المرِيضُ وينَسى منْ معاهِده ... يوماً وما هوَ بالصَّاحي ولا الناس تهتزُّ منها ذَماءٌ كلما سَجَعتْ ... خَطباءُ تبْعث ما بالوَالِهِ الآسي تَبكى لها أخَرٌ أبدانُهُنّ كما ... خَطَّ الزّبورَ يَهُوديٌّ بقِرطاس يا بُعدَ منهمْ حُلولٍ قاطنين على ... عِدٍّ يُحَفُّ بدورٍ منهُ أدراس

стр. 286

أرْسْوا على كلّ نجدٍ منْ محاضرِه ... خَيْما مثابةَ أضْيافٍ وجُلاَّس يلقُونَ للضَّيفَ ما ألقى مراسيهُ ... منها مراسيَ أوتادٍ وأمراس حتى تَهُبَّ عنْ أيسار الخيام صَباً ... تنْحَلُّ منها عزالي كلّ عراس حتى إذا انجدبَ العاميُّ وانتسَجتْ ... من وارق النَّبتِ أجناسٌ بأجناس حَلُّوا عواليَ أنجادٍ على نُطَفٍ ... زُرقٍ دُموع مُلِثّ الودْقِ رجَّاس ما زالَ منْ معصِراتِ الدلو يسكبُها ... على الأبطاح فيْضاً غير إبساس على بِطاح فلاةٍ لا أنيسَ بها ... إلاّ مَراويدَ أَرْآمٍ بأكناس ترتاحُ مُغزِلةٌ منها لمغزِلةٍ ... من أمّ درَّاج أو من أم خنَّاس كأنهُنَّ عَذارى بين أحوِيةٍ ... ترتاحُ منهنَّ ميناسٌ بميناس حتى غدتْ مثل جُحْر الضّبِّ واحتملت ... منها السيُّولُ جماهيراً لأجناس وأضمرَتْ نُطفاً منهُنَّ وابتسمَتْ ... عن ثَغرِ كلّ شنيبِ الثَّغر نوَّاس كأنه ونداها منْهُ مُنتشِرٌ ... زجاجة نُثرِتْ من زيتِ نِبْرَاس أَحَوى أغرُّ تحاماهُ الرِّماحُ فلا ... يدعو النفوسَ لهُ تزيينُ وَسْواس إلا ظَعائنَ منْ جاكانَ تَرتَعهُ ... لا عَنْ ذِمامٍ ولا تجسْاس أَحْراس لا بلْ مَهابةَ ساداتٍ إذا اختلفتْ ... أهلُ النَّوادي وآسادٍ لدى الباس غيْظِ العِدى وَرِضى المسْتنجدين إذا ... هبّتْ رياحُ الصَّبا إدْبار عَسعْاس تغدو عليها المتالي من منازِلهمْ ... نَثْرَ الدَّراهِم من أَفْوَاهِ أكياس

стр. 287

شوْلٍ تَريعُ إلى بيضٍ مُعطَّفةِ ... طيَّ الأهِلَّةِ في ألوانِ كُرَّاس سُودٌ حَقائبها من طُولِ ما نضَجتْ ... منها توالِيَ أَبْرَاجٍ وَأَقْوَاس وترتعيهِ حَواليْها مُؤبَّلَةٌ ... منَ الهُنَيْداتِ لا أذوادُ مِفلاس فيها الحواني وأَمَّاتُ الرّباع سُدًى ... لا مِنْ صِرارٍ ولا منْ زجْرِ بسباس كومٌ تروح وتغدو فيهِ منْ كثَبٍ ... تأوي إلى خَيم أرقاضٍ وسُوَّاس شعراءُ إِدَا بْلِحْسَنْ سيدي عبد الله بن أحمد دام الملحوظ بالإعظام، من أقرَّ بتقدمه جميع معاصريه، وأذعن له من أهل قطره حاضره وباديه برع في صوغ القريض، حتى كان طوع فكره. ويقال: أن أول ما نظم قوله: أما والغواني من أناةٍ وناهِدِ ... وما طاب من أَيَّامها والمعاهِدِ وما لذَّ للعينين منْ بَشراتها ... وللسمع قدماً من حديث الخرائد لقد نزلَتْ أرضاً أميمةُ منزلا ... من القلب لم تظهر به عينُ رائدِ وكان حرّ الأفكار، سالماً من التعصب، يعتمد على فكره، من غير متابعة الناس، على ما يعتقد خطأهم فيه. ووقعت بينه وبين الصالح الناسك، محّمْ بن

стр. 288

أحمد البو حسني وحشة، سببها أن بعض القبائل، وقعت بينه وبين إذابلحسن فتنة، فقتل إذابلحسن من تلك القبيلة رجلين، فوفد إليهم محمد المذكور، فتحمل لهم خمس ديات مغلظة، فقال: أيا شَيخَنا الأستاذَ أنتَ إمامُنا ... وكنتَ لنا عندَ الخطوبِ مَلاذا حملتَ رعاكَ اللهُ ما لا نطيقُهُ ... وهل حملت تبزكَّ قبلك هذا مذوا يُسقطون المُدّ ثمَّ تبدَّلوا ... بهِ عُكَّةً إذْ يَحْضُرُونَ جِذانا فذي ديةٌ من غيرِ عقْلٍ ولا دَمٍ ... وتانِ قضاءٌ وَاثنتانِ لماذا فقال محم المذكور: أن لماذا لا ترد في عجز الكلام، لان الاستفهام له الصدر، فقال: هيَ العُرْبُ تأتي منْ وجُوهٍ كثيرةٍ ... يتيهُ بها بعض النُّحاةِ الأكابرِ لذلك أضْحى بعض أشياخ معشري ... يقولبون ماذا لا تُرى في الأواخر وألفٌ لماذا في النوادِرِ كرّرَتْ ... وهل تجهل الأشياخ ما في النوادر يشير إلى قصة الاعرابي، الذي سأل بعض الأمراء، فقال له: ما يجبر كسرك؟ فقال: ألف وألف وألف. فقال الأمير: ألف لماذا، وألف لماذا، وألف لماذا؟ فذكر الأعرابي لكل ألف وجها يصرفها فيه، وهي في أمالي أبي عليّ القالي، وكتاب (الأمالي) يعرف عند أهل الصحراء بالنوادر. قالوا: فقال الشيخ - أبعد الله - فكان ذلك سبب جولاته. ووقعت بينه وبين إدييج مشاعرات، تقرب من المهاجاة، وسببها أن إدييج كان يهجو التجانيين. وكان سيدي عبد الله المذكور يعتقدهم. ومما قال يخاطب إدييج: صاح لا تَسْعض أَنْ تُلمَّ بنادِ ... يتعاطَوْنَ غِيبةَ العُبَّادِ عَدِّ عَنْ ذكَ وَلْيَكُنْ لك شُغْلٌ ... بالذي فِيكَ مِنْ خَفيٍّ وَبَادِ كيفَ لا يَغْنَمُ السّلاَمَةَ مِنّى ... رَائحٌ في عِبادَةِ اللهِ غادِ

стр. 289

إن بَدَا ما يُقَرّرُ الشَّرْعَ عِنْدِي ... مِنْهُ سَلَّمْتُ تَارِكاً لِلْعِنَادِ وإذا ما بَدَا بعيدُ احْتمالٍ ... لِسَدَادٍ نَسَبْتُهُ لِسَدَادِ إِنَّ نُكْراً نكِير مَنْ ليس يدري ... وقمينٌ بالعُزْلِ تَرْكُ الجِلاَدِ وإذا لم يكنْ لديْكَ نِصَابٌ ... فلّيُزَكَ المَليُّ ذُو الأذْوادِ إنَّ أمراً قد أحْجَمَ الحبْرُ عَنْهُ ... نَجْلُ عَبدِ الجليلِ وَابنُ الجَواد لَجَدِيرٌ أن لا تَكُرَّ إليه ... كَيْفَ كَرُّ البِغالِ بعْدَ الجيادِ وغلطة إدييج في قوله - إن نكرا نكير من ليس يدري - حيث نكر اسم إن، وذلك غير صواب، لان الأعشى ميمون، من الطبقة الأولى من الجاهليين، وقد نكره، قال: إنَّ محلا وإنَّ مرتحلا ... وإنَّ في السّفر إذ مضوا مهلا وفي قوله - فليرك الملي ذو الأذواد - لأن الذود، تقال للثلاث وما فوقها إلى العشر، وأفعال جمع قلة، وهو أيضا من الثلاث إلى العشر، والحاصل أن من عنده أذواد لا يقال له ملي، وهذا غير سديد، لان الذود قيل فيه: انه من الثلاث إلى العشرين، وقيل إلى الثلاثين، فإذا جمعنا ثلاثين عشر مران صار مليا، ولأن جمع القلة قد يرد للكثرة. قال تعالى: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام) ولا يقال: إن أقلاماً هنا للقلة معنى، وله أيضا في هذا المعنى: من كان في مَذهب التيجان مُمتْرِيا ... فإنني لكمال الشيخ معتقدُ مَن ينظرِ الكُتُبَ التي أفاد بها ... ينظر كلام محق كله رشدُ أمَّا الذين تعاطوا ورده فلقد ... أعيا على العدِّ حصراً منهمُ العدد وليس يُعدَمُ في الاعراج غَصَّ بها ... فِيح الفلا عَرَجٌ في البعض أو حرد إن يأتِ منتسب ينمى إليه بما ... يخالف الحق عقَّ الوالدَ الولدُ فاردد عليه بمضمون الثلاثة في ... قيد عن الشيخ لا يْجمح بك الحَسدُ سُمٌّ وحيٌّ فلا تذهب لتلعقهُ ... إن العقول عن أسباب الردى صفد

стр. 290

وله في إدييج، قصائد عديدة، ولادييج قصائد يجيبه بها، وما حفظت من ذلك إلا ما تقدم، وقد رأيت رائيتين لهما في بحر واحد، ومطلع كل واحدة منهما: سلام كما هب النسيم المعطَّرُ ... وإلا فمسك طيب النشر أذفرُ ثم تفترقان بعد البيت، إلا أنهما ما أقذعا فيما وقع بينهما، وجال سيدي عبد الله جولة عظيمة، في كل ناحية من نواحي السودان، وله أبيات جيميمة قالها لما وصل إلى بير: أفي الحق أني كلما مرَّ قافلٌ ... طغَتْ زفرات في الحشا ونشيج ووارى غُروبُ الدمع إنسان مقلتي ... فيالمَعينٍ سال وهْوَ مشيجُ ومنها: كذاك حسبتُ الأفقَ حَلقةَ خاتمٍ ... غداةَ بدتْ مِنْ دَيْرِ بَيْرَ بُرُوج ثم قال في آخر بيت منها - فأعيج - وغلطوه فيه، لأنه استعمل عاج في الإيجاب، وهذا غير صحيح، لأن عاج وإن كان الأكثر مجيئها في النفي، فقد وردت في الإيجاب. قال الشاعر: ولم أر شيئاً بعد ليلى ألَذُّهُ ... ولا مَشربا أروى به فأعيج كوسطى ليالي الشهر لا مقسئنّة ... ولا وثباً عجلى القيام خروج وقال وهو في أرض إسنغان: ألا ليت شعري هل إلى معهد النوى ... خلاص من أيدي النَّأي والجَولان وهل لي بجنبي تغَرَرَيتَ إلى الصفا ... إلى الاجرع الغربي فالجُرُذان إلى جنبتيْ ذي قَسْطلٍ متنزّهٌ ... فإِني إليها دائم الهَيَمانِ وتبدو لعيني بلدة وأحِبَّةٌ ... عَداني طويلا عَنْهُما المَلوَانِ فيرأبَ ما أثأتْهُ أيّامُ سالمٍ ... وأيَّامُنا في ساحةِ السُّنُغانِ

стр. 291

وأخرى أقمنا في قُرى جُلُفِ الَّتي ... أقمنا بها في ضَيْعةٍ وهوانِ فمنْ منظرٍ تَقْذى به ورطانةٍ ... نصِمُّكَ أخزى مَنظرٍ ولسانِ بلادٌ رَمتْنا بينها لا مُحبَّبٌ ... إلى العين مرآها يدُ الحدثان ومَنْ صحب الأيامَ أنأين جاره ... وأدْنَتْ لهَ منْ ليس بالمُتدان وقال وهو في أرض السودان: مِن أينَ وأنيّ للِفؤادِ صُدُودُ ... وفي كلّ أرْضٍ من بلادِكَ رُودُ إذا أنا أزْمَعْتُ الصُّدودَ تلاعَبَتْ ... بِعُقْدَةِ عَزْمي أعْيُنٌ وخُدُوَدُ فأصْبحتُ مشغُوفَا بكلّ مليحةٍ ... بَدَتْ لي فبيضٌ بعضُهُنَّ وسُودُ وقال أيضا: بينما نحن بالنتجالَ نُوَامُ ... إذْ أتَتنا تميسُ ثمَّ أمامُ وانتبهْنا وقد مُلِئنا سُروراً ... فإِذا الأمر كله أحْلامُ وله من قصيدة، يمدح بها العلامة، حرم بن عبد الجليل العلوي، ويهجو بُلاَّ بن مَكبد الشقراوي: جابَتْ على شحَط المزار نوارُ ... فِيحاً إليكَ مُتُوتهُنَّ قِفارُ يُلفْى بها غَرِد الصّدى متوسطا ... تيها يتيهُ بها القطا ويَحارُ لوْلا القتيرُ وأربعون لا سْبَلتْ ... مِنّى عليها دمْعةٌ مِدْرارُ وليس في حفظي منها، إلا هذه الأبيات، وهي من أجود شعره. وقال أيضا: ما سَفَّهَ الحلمَ واسْتَصْبي أخا كِبَرٍ ... كالكاعبِ الرُّودِ لم تَعْدُ اثنتى عَشرَهْ كأنها فَنَنٌ طَوْعَ الرّياحِ فما ... تَنْفكُّ مُسْفِرَةً طوْراً ومُخْتَمِرَهْ عَجْلي القِيامِ ضحُوكٌ عَنْ مُؤَشّرَةٍ ... تُنْسى مَلاحَتُها ذا لؤلؤٍ دُرَرَهْ وفي الجوابِ وفي كلّ الذي نَطقَتْ ... ظيْشٌ ترُدُّ بهِ الأكبادَ مُنفَطِرَهْ يَخالُ ذو الجهلِ أنّ الخوْدَ ليس لها ... لُبٌّ وَيُعْجبُهُ مِنْ ذاكَ ما اختبرَهْ

стр. 292

فغضبت امرأتُهُ من هذه الأبيات، وخرجت من بيته، وقالت له: ابن بيتاً من الشعر، فقال: منْ يهْجُرُ الشعر جَرَّا عاذلٍ زجَرَهْ ... أم من يطيق صدودَ الحِبِّ إنْ هَجَرَهْ أضحتْ صَفيَّةُ عن لُقْياكَ مُعْرِضَةً ... والشّعْرُ يَعْرِضُ مِنْ مكنُونِهِ دُرَرَهْ لم أدْرِ أيُّهما أدْهى مُفارَفَةً ... كلٌّ يحِنُّ فؤادي دائما أثرَهْ قد كنتِ ياذي إلى نفسي محببةً ... ورُبما صَدَّقَتْ حالُ امرئ خبَرَهْ طئَتْ عن القلب رمياتُ الحسانِ سِوي ... سَهْمَيْكِ قدْ قَرَعا أعْشارَهُ العَشَرَهْ فما عليكِ إذاً لو رُحْتِ عالمةً ... أنَّ القَرِيضَ جناً للفكر لَنْ يذرَهْ أمْ خلتني مثلَ أقْوامٍ عَهِدْتهِمُ ... طُوعَ الحلائل لا يعصونَ أمر مَرَهْ كلاَّ لعَمْرُ بناتِ الفِكرِ ثمَّقَها ... حَرَّانُ ذاد بها من همه شرره بَلْ لَيْتَ يومَا فتاةَ الحيّ إذ أمرتْ ... أن ابتني من قريضي واسعَ الحُجُرهْ تدرِي حقيقتَهُ علمَ اليقين لِكيْ ... تَرى البيُوتَ سِواهُ غيْرَ مُعْتَبَرهْ وقال أيضا يمدح الشيخ سيديَّ: ما للمشيبِ وفعل الفتيةِ الشَّبَبَهْ ... وللبيب يواصي في الصّبا خَببهْ آنت لذي شَمَطِ الفودينِ رجعته ... إنَّ القتيرَ ليَحمي ذا النُّهى طرَبهْ لمَّا تأوَّبني منْ طولِ ما جَمحَتْ ... نفْسي هُمومٌ رَمتْ صَبْرِي بما سَلبهْ ناجَيْتُ فكري وقد أمعَنْتُ من نظري ... ثمَّ استمر بيَ الرَّأْيُ الذي اكتسبَهْ أن يمْمَتْ شرَفَ الدينِ الكمالَ بنا ... علياءُ تعتسف الآكام والهضبهْ حتى وضعتُ عَصى سَيْري بباب فتىً ... يؤوِى الطريد ويولي الراغب الرغبهْ من نبْعة طيّبَ الباري أرُومتها ... بيتاً أحلَّ ذُرى المجدِ العُلى نسبهْ حارتْ أناسٌ بجَدْوى حاتمٍ ولقد ... نَرى سَخاءً كمالَ الدينِ قد غلبَهْ أغْنى العماعِمَ مِنْ راجيهِ سَيْبُ نَدَا ... مَنْ لا يُمنَّ على العافينَ ما وَهبهْ مَن كان يَفْضُلُ لِلمُعْتَرِّ إِنْ عَرضَتْ ... عزَّاءُ تعْدُو عَليهِ أُمَّهُ وَأَبَهْ

стр. 293

أَحْني على الشُّعْثِ والأيتام مِنْ نَصَفٍ ... على صَغيرٍ لها قدْ أكبرتْ عَطبهْ أشدُّ عندَ تمادي أَزْمَةٍ فرَحاً ... بالمُعْتقين مِن العافي بكلّ هِبهْ يلقى العفاة بوجهٍ من سماحتهِ ... كالهِنْدُوانيِّ تجلو متنَهُ الجَلَبهْ وَإنْ أَلَمَّ بهِ ضَيْفٌ فمرتحل ... يُثنى وكان جميلَ الظنّ إذْ رَغِبَهْ ولَّى يفرّقُ حمدَ الشيخ في فِرَقٍ ... شتًّى ويكثرُ مما قدْ رأى عجبَهْ رأى هنالكَ أخلاقَ الكرامِ إلى ... زِيِّ الملوكِ وَزِيِّ السَّادَةِ النخبَهْ رأى مُصَرَّعَةَ الأنعام قد قسمتْ ... بين الصفيفِ وبين الجَونَةِ الرَّحَبه رأى الوُفُودَ على بابِ الكمالِ كما ... يرى الدُّنُورَ على عِدٍّ حمتْ قُلُبَهْ من مُعْتفٍ وأخيِّ فتْوى ومُلتمِسٍ ... فَصْلَ القَضا ومريدٍ كشف ما حُجِبه أو كشْفَ مسألةٍ والكل قد وسعت ... جفائه ولكلّ منه مَا طلبهْ فاللهُ بارك في نفْسِ الكمالِ وفي ... ما اللهُ موليهِ من قُصوى ومقترَبهْ إنْ تستَبِقْ حَلباتُ المجدِ راكِضةٍ ... خَيلَ المعالي تَراهُ سابق الحَلَبهْ لا يضمرُ الضَّجْرَ من جارٍ أساء ولا ... مِنَ المُرافِقِ يوهي صَبرَ من صَحِبَهْ ولا يضيقُ ذراعا بالذي صَنعتْ ... أبدِى الحوادثِ تبنز الفتى سَلَبهْ وكم ثأيً بينَ ما حَيْين أصْلَحَهُ ... خَرْزَ الصّاعِ لمسني أجرة قِرَبَهْ أمَّا الرِّقاعُ فأعْلاقٌ يجودُ بها ... والسيرُ نصحُ بلغٍ يَبتغي القرُبه رآهُ ذو العرْش علامُ الغيوب لذا ... أهْلاً فساق لهُ مِنْ قبله سَببَهْ عِلماً وفَهماً بَصيدُ المشكلاتِ بْهِ ... دَرْكَ الطِّمِرَّةِ مَنْ سرْبِ المَهى عطبه ومَصَّ كلَّ درورٍ من مسلسلةٍ ... دُرًّا تَخيَّرَهُ للملك مِنْ ثقبهْ لما تغلْغلَ في علمِ الشريعةِ منْ ... صافيهِ أعَملَ في نَيْلِ العُلى بُحبهْ شدَّ الرحالَ على عُتْقِ الرِّكابِ إلى ... تاج الأجِلّةِ من ساداتِنا النُّخَبهْ فنال ما نال إذ حطّ الرحالَ وما ... أدراك ما نال يأواها لها رتبهْ فأصبح الشيخُ مأوى كل ذي ظمإِ ... كما يُصَبَّحُ مُسْقى دجلةَ القربَهْ

стр. 294

ترى الوقار عليه والسكينة في ... حال الحفيظة مما أن ثنى غضبه وقال أيضا: وسبب هذه القصيدة، انه لما كان في أقاصي السودان، اشتاق إلى أوطانه وأهله، فترك أولادا له صغارا، ورجع إلى أهله. فلما أقام مدة بين أظهرهم، اشتاق إلى أولاده، وحن إليهم، فأراد قومه أن يثبطوه عنهم. فلما علموا انه لا يمكنه تركهم، جعلوا يعدونه برفقاء ليأتي بهم، فقعد سنة ينتظر وعودهم. فلما تحقق خلفهم، شد رحله على جمله، ووافاهم في مسجدهم، فلما قضوا صلاتهم، قال لهم: لا يخرج أحد حتى أتم كلامي، فأوَّل ما نطق به، ان أقسم لهم أن لا يصحبه أحد منهم، ولا يأخذ منهم زادا ولا غيره، ثم أنشد القصيدة، وركب جمله، فبعد مدة طلع عليهم في مسجدهم ذلك ومعه أولاده، وعنده خمسة عشر عبدا. وهاهي القصيدة: تجلدتُ للتَّوْديع والقلبُ جازعُ ... وأخفيتُ ما كادتْ تبينُ المدامعُ ترقرق دَمعٌ لَوْ أطعتُ غرُوبه ... ذرفْنَ كأجرى ما تُفيضُ الدَّوافعُ فيا عجبا أخشى الفراقَ وطالما ... حَرَصْتُ عليهِ مكرَهاً أنا طائعُ أَمَرُّ النَّوى مَنأى حَبيبٍ إذا دنا ... لَوَتْكَ بمحبوبٍ بلادٌ شواسِعُ هما طرفا ميزانِ شوقٍ كلاهما ... تُطلّقُني أَهْوَالُهُ وَتُرَاجعُ أُتيحتْ لغرْبِ الأرْضِ منى زيارةٌ ... وفي الشرْقِ أرْضٌ في المزارِ تُنَازعُ ألا فارْحَلا قبلَ الصَّباحِ مَطِيّنا ... فلمْ يَبْقَ إلا أنْ تُجابَ البلاقعُ إلى حاجةٍ لم يثْنِ عنها عَزيمتي ... صَديقٌ بألوانِ الملامَةِ صادِعُ غدا إذْ غدا فَرْخاهُ منهُ بمنظَرِ ... يُثبَّطُ لو أَنَّ الشجيَّ يُطاوعُ أَأُصْغي وأفْرَاخي قدَ أعْرَضَ دُونَهُمْ ... عِراضُ الفيافي والجبالُ الفَوارعُ دعاني إلى نسيانهمْ كلُّ راقمٍ ... على الماءِ صَمَّتْ عَنْ دُعاهُ المسامعُ إذا وَعدوا بالمالِ ثمَّ ذكرْتُهُمْ ... تلاشَنْ إذاً لو يعلمونَ المَطامعُ

стр. 295

وإنْ خدعُوا بالغِيدِ غادرَ ذكرُهمْ ... لَدَيَّ هباءً ما وَشاهُ المخادعُ وإن قيلَ في أهلِ التغرُّبِ أَسْوةٌ ... فما أنا للضَّاوِينَ في العَجزِ تابعُ سَأُعْمِلُ سَيْرَ النُّجْبِ نَصًّا إليْهُمُ ... وأهملُ لغْواً رأْىَ مَنْ هُوَ راجعُ وَمُعْطى عُهودٍ أنْ يُرافِقَ أَصْبَحَتْ ... تَمُرُّ بها نُكَبُ الرِّياحِ الزَّعازعُ يُضاعَفُ منْ عزمي على السَّيْرِ كلما ... بَدَتْ مِن ضميرِ المخلفين الجنادعُ بدا ما طوى مَن كان يزعمُ أنه ... سَيطوي إلى البيد والحقُّ ناصعُ تكاسَلَ إخواني الأقاربُ في الرَّخا ... لَدُنْ صَدَعتْ شملي الليالي الصَّوادعُ فما اسْتأجَروا لي صاحِباً مِن سِواهُم ... فَرُبَّ أجيرٍ في المضايق نافعُ ولكنْ كفتني منّةً سَيَمُنُّها ... فتىً لم تدُمْ مِني لديهِ الصَّنائعُ جَلادَةُ نفسٍ بَيْنَ جَنْبيْ مُجَرِّبٍ ... تهابُ قتادَ المنِّ منهُ الأصابعُ ويصغُرُ في عينيهِ ما استعْظمَ الذي ... تَهُونُ لدَيْهِ الدَّاهِياتُ القَوَارِعُ أَمَا والمَوامي والهواجرِ والسُّرى ... وأنضائها منها رَهيصٌ وظالعُ لئن أسْلموني للنوى لم يكنْ معي ... أخٌ لِحُميَّا وِحْشةِ البينِ دافعُ لمَا أسلموا حيران يعيى بأمرِهِ ... إذا راحَ كلُّ الناسِ وَهْوَ مُقاطعُ ولكنْ غنىَّ النفْسِ أمْضى عزيمة ... مِن العضْبِ جَلاَّهُ الكمِيُّ المصارعُ تعَوَّدَ فقدانَ الرَّفيقِ بأمْكُنِ ... تغول بها نفْسَ الجَبانِ الرَّوائعُ خَليليَّ مَنْ يخشى اعتسافَ تَنُوفَةٍ ... لَوَاهُ بِحَوْجا وهْدُها والأجارعُ فإني لَمِقدامٌ على كلّ مَهْمهٍ ... يَتيهِ به لو كان يغشاهُ رافعُ

стр. 296

جَسُورٌ على دُهْمِ المخاوف في يدي ... عُرَى الحَزْمِ لا يلفي بها وهو ضائعُ صَبُورٌ على برح المشقَّاتِ يَنثني ... عَنَ أهْوالها الزرقُ العيون السمادعُ ولستُ لأمرٍ إنْ تعاصى بتارِكً ... ولسْتُ لِمَرءِ في أمُورِي أطاوعُ أصِيخُ إذا قالوا وأتبعُ ما أرى ... وما سَيفُ منقادِ القَرِينةِ قاطعُ وما ضمَّ ثَوْبي عاجزَ الهَوْءِ كلَّمَا ... أشار عليه غيرُهُ فهوَ طائعُ شكوتُ إلى المُبْدي المُعِيدِ بمثلِ ما ... شكوتُ به إذْ عَوَّقَتني المَوانعُ فَسنَّ امتناناً أمرَ حوْجاَء طالما ... لوَتْ فانثنى باليأسِ مَنْ هُوَ طامعُ ألا ليْتَ شعري هلْ أراني بصبيتي ... طليقاً من أيدي النَّأي والشملُ جامع عَلَىَّ إذاً إطعامُ أضعافِ من مضى ... وصَوْمٌ بصيْفٍ سَبْعةً مُتتابعُ وقال أيضا يمدح النبي ﷺ : تألَّقَ لَمَّاعُ الوَميضِ لَمُوحُ ... بذي السَّرْحِ يَخفي تارةً ويلوحُ جَلا عَنْ رَوايا بتْنَ يَمأدْنَ مثل ما ... ينَوءُ مُداني الساعدَيْنِ طَليحُ سَقي دِمناً حَوْلَ اللُّوَى وأرْبُعاً ... على الغارِ نجاَّجُ الفُواقِ سَحُوحُ وجادتْ على أطلالِ زارَ مُرِبَّةً ... بها كلُّ غَرَّاءِ الجبينِ دَلُوحُ مَعاهِدُ يَرْتاحُ الفؤادُ لِذكرِها ... وأهْتِفُ شَوْقاً باسمها وأبوحُ وتعتادُني منها طوارِقُ لوْعةٍ ... كما انقَضَّ رَوَّعُ الرَّعيلِ جَرُوحُ فَدَعْ ما تَرى وافْزَعْ إلى الصّبْرِ إنما ... أخُو الصبرِ في عُقْبي الأمور تَجوحُ

стр. 297

وإياك أن تُلْفي هيوباً يَصدُّهُ ... عَنِ الأمر حيناً أن يَمُرَّ سَنيحُ وعرجْ على صَدآَء واسْتسق وِردَها ... عَسى أن يتيحَ الرِّيَ منهُ مُتيحُ سَلامٌ بأنفاسِ العَبيرِ يفَوحُ ... على النورِ يغَدُو دائما ويَرُوحُ سلام على قطب العُلى الأوحد الذي ... يُرَوّحُ منه السَّامعين مديحُ سلام على شمس الضحى قمر الدُّجى ... وَنَجم الهدى ذو عَوضُ ليس بزيح سلامٌ على عِزِّ الحجازِ وأهْلهِ ... مَنْ اتْبأهمْ شِقٌّ به وسَطيحُ وأدْهَشَ منهُ الوافدين جَلالةً ... وَسيمٌ أغرُّ الوَجنتينِ صَبيحُ وسكّن لما استأنسوا بعضَ رُعْبِهم ... بهِ خُلُقٌ حُلْوُ الجناةِ مَليحُ لكم جاد فقرْاً عندَ بابِ ابنِ هاشمٍ ... رَوايا نَدًى مِنْ راحتيهِ سَفُوحُ ونالَ عَظيمُ السُّؤالِ أوْفرَ نائلٍ ... يجودُ بهِ رَحْبُ الذّراعِ سَموحُ وخاضَ وغى الهَيْجاءِ منه بصَحبهِ ... أخُو عَزماتٍ في الخطوبِ مُشيحُ وجَدَّتْ به جُرْدٌ إلى حومةِ الوغى ... مَذاكٍ ويَجْبٌ للِمَشاعِرِ رُوحُ فما شغلتْهُ الحَربُ عن صَوْبِ مَنْسِكٍ ... ولا نُسُكٌ أن يُستباحَ جَموحُ إذا ما أبي إلا جِماحا عَنِ الهدى ... فَرِيقٌ بَداء باللّيانِ نَصوحُ غزاهُ فأمسى عُرْضَهَ البيضَ والقَنا ... فما منهُ إلاّ فائظٌ وجَرِيحُ فلما رأوا أنْ لا مَناصَ وأنه ... لِسائمتيهمْ والحريمِ مُبيحُ غَدًَوا مُسْعِدينَ الدينَ من كل وِجهَةٍ ... وأنْفُ مَناةٍ في الرَّغامِ طرِيحُ فَراحَ سَناهُ في سَناءِ وأدْبَرتْ ... بنجْدة غيّ المُشرِكينَ طَموحُ حَمى حُرُماتِ اللهِ لوْلا انتِهاكُهُمْ ... لها ما انتهى حِلْمٌ هناك صَفوحُ فكم سَفِهَتْ ناسٌ عليهِ وما ازدَهَتْ ... وقاراً يُحاكيهِ أشَمُّ مَروحُ

стр. 298

كما انقَضَّ للميلادِ شهْبٌ ولم ينَلْ ... مِن الملاءِ قُصْوى العُدْوَتين سَبُوحُ فما مِثْلُ مَجدِ المصطفى قطُّ ماجِدٌ ... ولا النَّجْمَ ساعٍ ان يَنالَ شحيح يَرُوقكَ مِنْ قَوْمٍ عُلاً تَستَفِلًّها ... إذا اشْتَمَّ مِنْ رَيَّا المؤمّلِ رِيحُ وتستَعْظمُ الأطوادَ ما لم تُسامِها ... به فمدَى فَضْلِ الأمينِ نَزُوحُ إذا ما تولّي ماجدٌ راحَ مَدْحُهُ ... وفي جِدَّةِ الإشعارِ منهُ نُزُوحُ سِواهُ ستلفِي نَفخةُ الصُّورِ السُناً ... مِن الناسِ دَأباً تَغْتَدِي وترُوح ليُهدَى إليهِ مِنْ ثناءِ يَحُوكُهُ ... قَرِيضٌ يُرَوِّى السامِعينَ صَليحُ وكلُّ جَزى مَدْح وإنْ جَل ينقضي ... سِوي مَدْح طهَ إنه لرميحُ أُعِدَّتْ لهم جَنَّاتُ خلدٍ تزخرفَتْ ... وحورٌ بأبوابِ الخِيامِ جُنوح وإني وتَعدَادي حُلاهُ كحاسِبٍ ... مِن الرَّمْلِ ما ضمَّتْ مهامِهُ فيحُ تواصفَ خيرَ الخلْقِ ناسٌ وقصَّرُوا ... ونى الجهد منهمْ والمجالُ فسيحُ تولَّتْ يَدُ الغاياتِ مِن دُونِ فضلهِ ... فسيَّانِ مِنَّا باقِلٌ وَفصِيحُ سِوى أنَّ صَدْيانَ المَحبّةِ واردٌ ... فمغتبقٌ إمَّا لواهُ صَبُوحُ نَعمْ أبْنَ مِنّا قَدْرُ مدحِكَ بَعدَما ... أتى النَّاسَ وَحيٌ بالثناءِ صحيحُ أيا مصطفىً والناسُ لا ناسَ راغبٌ ... ببابكُمُ هَوْلُ الجَنانِ طريحُ يَهابُ حَياءً أن يَبوحَ بُسؤلهِ ... لدَي مَنْ لِخَلاَّتِ البّزِيلِ لَمُوحُ تَحيَّةُ ربّ العالمين يُرِيُحها ... عَليكم وَيَغدُو مُبكرٌ ومُرِيحُ ورَيَّا سَلامٍ دونَهُ المِسْكُ نَفْحةً ... نَفُوعٌ لمِهُدْيهِ الجَرُوعِ تَفُوحُ وعَرْفُ صَلاةٍ تَفضُلُ العَدلا انِقضى ... لها ما جَزى حُسْنَ الثناءِ جَزوحُ وعَظّتْ مُلِمَّاتُ الزمانِ فأفظعَتْ ... وما عِيلَ صبْرٌ للنبيّ رَجوحُ تَخيّرَهُ منْ خيرِ خيْرِ أرُومَةٍ ... نمى نَحرَها سامُ بْنُ نُوحٍ ونوحُ لِيمُنَحَ مالا يَقدُرُ الناسُ قدْرَهُ ... سِوى لَمْعِ نَزْرٍ مِنْ سَناهُ يَلوحُ وأسْعَدَهُ في اللهِ أسْعدُ شيعة ... قدِ اجتاحَ منها الجاحِدينَ جُرُوح

стр. 299

وأخْمدَ طُغيانَ الضَّلالِ وإنَّه ... لأعْيُنِ أصحابِ العَمى لَفَتُوحُ وأرْغمَ أنْفَ اللاّت واللاَّءِ بَعدَهمْ ... عَذارى قُرَيْشٍ لا تَزَالُ تَنُوحُ ومهَّدَ بيضاً ليْلُها كنهارِها ... بمسْكِ معالي المَكرُماتِ تفُوُحُ تَكلَّفَ أعْباَء العبادةِ جاهداً ... فليسَ لهُ مِنْ وَنْيَةٍ فَتَرِبحُ عجبْتُ لحزبٍ يَمْتَرِي في اصْطِفائه ... وقدْ شُقَّ مِنْ بَدْرِ التَّمامِ صَفيحُ وجاَء خِطابٌ أنْ يَجيئوا بمثلِ ما ... تَنزَّلَ مِنْ حُسْنِ الحديث صحيح فلمْ يَقْدُروا بَلْ لمْ يكادُوا وما أتَوْا ... بهِ هَوَسٌ يُخْزِى ذوِيهِ قَبيحُ وفَوَّهَتِ الأحْبارُ تَتْرَى بَبعثِهِ ... وأعْلَنَ مُوسى باسمهِ ومَسَيحُ وفاهَ جمادٌ طِبْقَ عَجْماَء أفْصَحَتْ ... وهاتِفُ جِنٍّ لا يَزالُ يَصُيحُ وجيشاً كفى صاعا طعامٍ ومَشْرَبٍ ... ومُسْتَهزِئٌ أرْدى عَمىً وقيوحُ وَخَدْشَةُ سُمٍّ يَقْصُرُ السُّمُّ دُوتَها ... ونَقْعى وبطنٌ مِنْ أذاهُ مُريحُ وكان ﵀ في صدر القرن الثالث عشر، وقد رأيت بعض ولده لصلبه. محمذ بن السالم (بذال معجمة مكسورة منونة) مصحف محمد البوحسني ثم البانعمري، وهو من قبيلة الذي قبله: شاعر مجيد رقيق الألفاظ سلسها، وقد رأيته، وهو أسمر، وكف بصره في آخر عمره، وكان يقول إذا سمع الناس يطرون الأحول الآني: أنا أشعر منه وأحول، وكان القياس أن يقول: وأشد حولا،

стр. 300

لأن أفعال العاهات، لا يأتي منها فعل التعجب، ولا اسم التفضيل. وإنما جرى في ذلك على مصطلح العامة، وكان في صدر القرن الرابع عشر. ومن جيد شعره يمدح الشيخ سيديَّ: قفا نَستَنْطِقِ الدّمِنَ البَوالي ... ونبكي أعصُرَ اللهْوِ الخوالي قِفا بي لحظة أسكُبْ دُموعي ... بأغْبَرَ موحِشِ العَرَصاتِ بال بشقّ البَيْتِ غيَّرَهُ السّوافي ... وأقدَمَ عهدَهُ مَرَّ الليالي تكنسه ذواتُ شوًى ضئالٍ ... مكانَ مَهيً ذواتِ شوَى خِدالِ وكم غَنِيَتْ بساحَتهِ عَرُوب ... تبسَّمُ عَنْ عَوارِضَ كللّئالي خَدَلّجَهُ المُخَلْخلِ عُلَّ فُوها ... شآمِيةً كلوْنِ دمِ الغَزالِ تماطلُ بالمؤَمل من جناها ... بُغَاتِ البُسْلِ هيّنَةُ الحلالِ فدعْ هذا ولكنْ ما لسلمى ... كلفت بها وترْقَبُ عنْ وصالي تأوَّه إن تغمدها نحيفٌ ... يضمُّ لحاقُهُ شخصَ الهلالِ وعابَتْ خِلقتي والعضبُ يلفى ... صقيلا تصله والجفن بال وقافيةٍ بذلْتُ الوسْعَ فيها ... لتصلحَ أن تُزَفَّ إلى الكمال أُحاوِلُ أن أضمنَها خِلالا ... تَضَمَّنَهَا فمنْ لي بالمُحال إمامٌ في مصالح ذي البرايا ... وفي كسبِ المَحامدِ غيرُ آل يقصر عن مداه أبو عدِيٍّ ... ويحيى وابنُ مامةَ في النوالٍ وتَخْجَلُ مِنْ سَناهُ إياتُ يوحٍ ... فتكسفُ حين تدنو للزَّوال ولم أرَ قبلَ مسجدِهِ مَصلىًّ ... تضمَّنَ وابلاً سَرِبَ العَزال

стр. 301

يداه غمامتانِ على البراسا ... على التدآب دائمتا الهِمَال فذي عمَّتْ بصَيّبِهَا وهَذي ... تخصُّ به ذوي الهمم العوالي تجرَّد للعُلى شيخان يبغي ... مقامات عَصين على الرجال لمعترٍّ وجارٍ وابنِ عمٍّ ... وأرملةٍ تُؤَاكلها الموال وعَرْجَلةٍ من الغرْباءِ شُعْثٍ ... من اللّؤْاواء تجْأر كالسعالي جَمَعْتٌ على مُكلَّلةٍ رداحٍ ... كجابيةِ المخوّلِ وفْرَ مالِ وعانٍ قد فككتَ ومستضيفٍ ... حَضأتَ له الزَّخيخ على التّلال كِلا الغَوْثين علكَ قهوتيه ... ولم تترك لغيرك من فضال فرحْت ولا يعابُ عليك فعِلٌ ... ولا ألفيتَ مغلوبا بحال تخالقُ بالجميلٍ الخَلْقَ طُرًّا ... وأنْتَ معَ الخليلِ الفردِ خال حوتْ ما دون مرتبة التنبّي ... يداكَ من المكارمِ والمعالي وأنت إذاً من الثقلين طُرًّا ... بمنزلةِ اليمين من الشمال هذا ما تذكرت منها، وما أدري أبقي منها شيء أم لا. وسمعت بعض الأدباء، يحدث انه كان مقيما عند الشيخ سيديَّ، وكان يقابل مع بعض تلامذته الحماسة، فمر ببيتين وهما: ما استحسن الناسُ من أكرومة سلفت ... إلا رأوها على استحسانها فيكا ولا تحلوا بمعنى يستحب لهم ... إلا وكان معاراً من معانيكا

стр. 302

فضمنهما قصيدته الآتية، ولعل مراده حماسة أبي تمام، فإنهما لا يوجدان بها، والقصيدة هاهي: ودق الرَّواعيد نزرٌ من أياديكا ... ونفحةٌ المسك هبَّتْ من نواحيكا ومن جَداك استَمدَّ البحرُ مادته ... فما جرى البحر إلا من جداويكا والشمسُ تخجلُ من أنوار غُرَّتكم ... كما تضاَءل رَضْوي أنْ يساميكا تدنى القَصيَّ متى قصاه أقربهُ ... حتى يرى أنه أدنى مواليكا نيل الأماني قليل من تفضلكم ... على جميع الورى في حَقّ عافيكا وقد أرى الناسَ فيكم ينشدون وما ... منهم محيط بأدنى من أدانيكا ما استحسن الناس من أكرومة سلفت ... إلا رأوها على استحسانها فيكا ولا تحلوا لمعنى يستحب لهم ... إلا وكان معاراً من معانيكا مرآهمُ الظلَّ يدعوهم لما وصفوا ... حتى رأوا أن ذا وصف يكافيكا وهل تنال بمرأى الظلّ معرفةٌ ... أم كيف وصفك مجهولا بماحيكا فشأنيَ الصُّمْتُ إنّ الصُّمْتَ أبلغُ من ... نُطقِ الألى زعموا أن بالغوا فيكا أقررتُ بالعجزِ عمَّا فيك يا أملي ... إذْ فيكَ ما فيك مما اللهُ مُوليكا أقررت بالعجز عن أدنى حُلاك فلا ... تحْرِمْ نوالك ملهوفا يناديكا وقال ايضا، وهو مقيم عند الشيخ سيديَّ: أهلاً وسهلاً بطيفِ الخودِ فاطمةٍ ... لكنَّ ربقةَ آلِ الشيخ في عُنقِ طافتْ بنا بعد تهجيعٍ فقلتُ لها ... بنتَ الكِرامِ ألا لا وصل فانطلِقِ لا تَحْسبي نفثاتِ الشيخ مبقِيَةً ... مَرمى لنبلِ لحاظِ الجُؤذُرِ الخَرِقِ لو كنتُ أصبو إلى خَودٍ لكنتِ ول ... كن ليس وصْلُ الغَواني اليوم من خُلُقِ لا ينبغي لامرئٍ أمْسى تعلقُهُ ... بالشيخ يصبو إلى الجيدانةِ الفُنُقِ

стр. 303

ما حضرة الشيخ ملهى عاشقٍ كلفٍ ... ولا الكلى والعُجَى يُجْمَعْنَ في شُدُقِ وقال أيضا: يا باحثاً عن طباعي كيْ ليعْرِفَها ... فِعلى يُعبّرُ عنْ ما رُمْتَ تعبيرا إني امرؤ لم تكنْ يا زَيدُ راحَتُهُ ... ولم يكنْ مالهُ يوْماً دنانيرا لكنما تلوه التمييزُ مُظِهرةٌ ... ضَرِيبةَ المَرْءِ إنْ لؤماً وإنْ خيرا وقال أيضا: أميمةُ إنْ يكنْ خَلقَاً ردائي ... فقدْ يَبلى جفيرُ الهِندواني وإنْ يك يا أميمُ الجسم خلاّ ... فما يُزرى النحولُ بأفْعُوَان وإنْ لم ألفَ ذا مالِ فإني ... أنا الطرْفُ المضمَّرُ للرِّهان وقال أيضا: وقد نزل عند امرأة ضيفا، وهي لا تعرفه، فلم تفرشه، ولم تكترث به فمر به إنسان يعرفه، فلام المرأة، وعرفها بضيفها، فاعتذرت إليه، فقال: نزيلَك فأمنى أبداً أذاه ... نزيلٌ غيرُ مرهوبِ المصال ضعيف لا يُخَاف البطشُ منه ... عفيف لا يسب على النوال قراهُ إذا ألمَّ بأرْضِ قومٍ ... مُفاكهةُ اللبيب من الرجال وقال أحد أدباء قبيلته بيتين يفخر بهما. ورد هو عليه ببيتين من رويهما، أو العكس، وللأول منهما:

стр. 304

فما بالشعر كان المجد مني ... ونفسي ليس ذلك منتهاها فإني قد أرى الشعراء تحتي ... عصافيراً تطاردها بُزْاها فقال الثاني منهما: أنا ليث الشرى أحمى عريني ... بِعُصْل غير مفلول شباها وهل تخشى بزاة أو صقوراً ... ليوثُ الغاب تزأَر في حماها ومن جيد شعره، وقد بقى فريدا ليس معه غير كلب يقال له، فيداح: أصخْ لسرد قريض الشعْرِ فيداحُ ... إن كنت ممن لسرد الشعر يرتاحُ قد أصبح الشعر عمري لا رواة له ... إن لم يكن من رواة الشعر فيداح نعمَ المرافقُ لولا قبحُ منظرهِ ... ينفي الذئاب إذا يعوي فتنزاح إنْ يطرِحونّي أرْضاً لا يُصاحُبني ... إلاّ ألص هريت الشدقِ نبَّاح فقد يُسامرُني في مجلس عَطِرٍ ... شُمُّ الأنوفُ لهم كُتْبٌ وألواح وقدْ أعارلُ جماَء العظام على ... أنْيابها العنبر الهندي والرَّاح ورأيت له قصيدة جيدة، ومطلعها: إنّ الدَّيار بجنب ذات الجيأل ... هاجت عليك عماية لا تنجلي ومات - رحمه الله تعالى - في أوائل القرن الرابع عشر. الأحول واسمه عبد الله، وقد أغنته شهرة لقبه، عن معرفة اسمه واسم والده، هو الفصيح الشاعر، ذو الصوت الطائر. اشتغل في صغره بتثقيف اللسان، حتى صار كشباة السنان، ولازم يوسف بن المختار، وباب ابن أحمد بيب العلويين، مدة مديدة، حتى وقعت الحرب التي شتت العباد، وأفنت الأمجاد، وانحاز إلى قومه، وصاغ فيها قصائده الطنانة. ومما نقم الناس عليه فيها، أنه هجا أستاذه باب المتقدم، في قصيدته التي أوَّلها:

стр. 305

أَلا بلغن باب جانِ الحروب ... وجان الحروب رهين الخطا وكان سلس العبارة، كأنما يأخذ الشعر من جيبه، لقرب مأخذه، على أشياء أخذت عليه. منها قوله في وصف خيال: أهلاً به من مُلِّمٍ صوبنا قذفتْ ... بيدا لبيدٍ وأصحاراً لأصحار فإن صحراء لا تجمع على أصحار، وإنما تجمع على صحروات، وعلى صحارَى، صحارِى، وإنما اغتر ببيت الأنصاري: مَن كان في نفسه حوجاَء يطلبها ... مني فإِني له رهن بإِصحار فإن إصحار هنا، مكسور الهمزة، مصدر أصحر، أي برز للصحراء. وقد رأيت هذا البيت مكتوبا هكذا: بيدا لبيد وأسحاراً لأسحار وهذا غلط أشد من الأول، لان الأول صحيح المعنى، وهذا فاسده، ولأن الطيف لا يصح أن يقذف، أي يرمى سحراً لسحر. والمحافظة على المعنى، أولى من المحافظة على اللفظ. وأخذ عليه قوله في صفة سلاح ناري: ومهمى مرت خِلْفَيْهِ أيد تطايرَتْ ... مِنَ الجوْفِ شتى أمّهاتُ الذوائب لأن الأم من غير الإناس. تجمع أمات، وأما من الإناس. فإنها تجمع أمهات، وهذا هو الكثير، وقد جمعت أم من العقلاء: أمات، ومن غيرهم أمهات، وقيل إن من قال في المفرد أم، قال في الجمع أمات، ومن قال أمهة. قال أمهات، والحاصل أنه لا يسوغ تلحينه، فيما قيل إنه جائز بقلة، ولا على هذا التفصيل، وكلما غلط فيه، يوجد له جواب يقنع، غير أصحار. ونقض أبَّدَّ بن محمود قصائده غير البائية، قالوا: لأنه مات قبل بلوغها إلى ابن محمود، والناس يفضلون الأحول عليه، لسلاسة ألفاظه، وبعضهم يعكس. قال: لأن كل معنى وقع في شعرهما، إذا تؤمل يظهر ذلك فيه، فإن الأحول، قال في صفة سلاح ناري:

стр. 306

وجلجل رعد ينهمي عند هزمه ... نجيع العدى لا ماء غرّ السحائب وابن محمود قال في صفته: بأجري فرانس فيها صواعق ... تُصمي الفتى قبل أن يسقطا فإِن الأوَّل على سلاسة ألفاظه، ليس فيه كبير معنى. فإن غايته أنه شبه صوت الرصاص الخارج من السلاح بالرعد، وجعل سيلان الدم، أشد من سكب السحائب. وابن محمود، نسب السلاح لفرانس، وشبه صوت الرصاص الخارج بالصاعقة، وهي أبلغ من الرعد، وجعل المصاب بها يموت قبل وصوله إلى الأرض، والذي نزفه الدم، كثيرا ما يرقأ دمه، ثم يسلم بعد ذلك. وقالوا: إن الأحول قال لما هزم عدوّه هو وقومه: لمَّا رأوا عابدَ الرحمنِ منقبضاً ... تحت العجاجة مثل الضيغم الضار ولّوا فُرادى ومثنى مدبرين ولمْ ... يثنو من الرعب وجهاً بعد إدْبار وابن محمود، قال لمَّا دارت رحى الحرب، وهزموا عدوّهم، بعد الأيام التي كانت عليهم: سقوناً ذنوبا سقيناهموه ... بضعف وكنا لهم أضغطا فإنه أنصفهم، حيث ذكر نكايتهم فيه أولا، ثم ذكر أنهم ضغطوهم وهزموهم، وقال في رائيته: والعلويون ركبانٌ تنوشهم ... بالأندرية تردى كلَّ ختار حتى إذا أثخنوهم محنقين وهم ... ما بين ملتزم أو واجب خار ولوّا فُرَادى ومثنى مدبِرِينَ ولم ... يثنوا من الرعب وجهاً بعد إدبار فإنه أنصفهم حيث قال: إنهم فروا بعد أن أثخنوهم، حال كونهم - أي العدو - محنقين، فليس من انهزم بعد أن لم يترك دفاعا، مثل من فرَّ أول وهلة، ولأن العلويين في اليومين الذين دارت عليهم رحى الحرب، تركوا في موضع المعركة

стр. 307

كثيرا من أبطالهم موتى، ولو كانوا انهزموا لما رأوهم، لم تبلغ موتاهم ذلك العدد. ومما جعلوه عبرة قوله: ومن شاء فلينظر عواقب معشر ... جنى حربنا يزجره شوم العواقب لأن آخر وقعة وقعت، هي فتنة تندوج، وقتل فيها هو نفسه، ولم يعقبها شيء فأنه قضى على نفسه فيها، ولأن الحرب في الأصل بين أولاد اخطير والعلويين، وكان أولاد اخطير، أخذوا ديات قومهم، على يد جموع كثيرة من الزوايا، فنقض أبناء اعمر أكداش ذلك، وغدروا با بني الخطاط العلويين، ثم انه هو من قبيلة كنيت (بكاف معقودة) وليس من إدا بلحسن، فهو الباغي، وهذا لا يخلو عن تحامل، فإن ذلك الأصل قد اندثر وصار نسياً منسياً، حتى ان فخذه في ذلك الوقت وبعده، من أفضل أبناء اعمر أكداش، وكذلك قوله: وجدَّل حتى جاذبته عصائب ... من الطير غرثى تهتدي بعصائب فإنه هو بقي جديلا وجاذبيته الطير، فسبحان من لا يعلم الغيب غيره، فإنه لو كان يدري أن عاقبة أمره كذلك، ما كان سره ما سره، من تجديل ذلك الشيخ، ولله در الشاعر حيث يقول: فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا وقال من يفضل ابن محمود، إن الأحول لما قال هذا البيت: ما أبعد العار منا في الحروب وما ... أدنى سيادة محمود من العار لو هجا أبناء اعمر أكداش غير ملوم، لأن شاعرهم أقذع على أبيه. ولما انطلق لسانه بالأيام المتوالية، كيوم ابلحتوش ويوم تندوج، رأى أن أخذ الثار بقتل الأبطال ونهب الأموال، أبلغ من أخذه بالهجاء، وأي عار على محمود، في أن هزم هو وقومه مرتين، وأخرجوا من بلاد غير بلادهم الأصلية وعشيرتهم. ثم هزموا أعداءه هزائم أبلغ من هزيمته في يوميه السابقين، ولم تزل الحرب سجالا من قديم الزمان. ومن ذا الذي يخطر في باله، أن يحارب قبيلة مثل إدابلحسن

стр. 308

في الكثرة، وما انضم إليهم من أبناء البوعلى، وتيابهم، ويظن أنه لا يهزم؟ بل العار في أن لا يهزمهم هو، وفي أن يخرج من أرضه ولا يبعث الجيوش حتى ينتصف. أما إذا انهزم يوما بعد يوم، ولم يلن لذلك جانبه، فهذا دليل على صلابة عوده وقوَّة عزمه. وهل أمكن عدّوه أن يوافيه في أرضه وعشيرته، بجيش واحد فيغنم، أو يخسر، فمحمود مثل ما قال الشاعر: وأخرجت منها ولكنني ... رجعت على رغم أنف الجميع وسيأتي بيان أن إدابلحسن، لم يخرجوه على كثرتهم وقلة قومه، بل أخرجه تضافر الترارزة عليه وعلى قومه، ما عدا أبناء دامان وأهل عبل. وكان ﵀ موصوفا بحسن الأخلاق، حدثني عمنا مأمون، انه لما وقعت الحرب واعتزلها من اعتزلها من الفريقين، كان - هو أعني مأمون - قبل البلوغ، فذهب مع العلامة المختار بن عبد الجليل يقرأ عليه. وكان الأحول صديقا لأخيه أحمد، لما كان يقرأ على يوسف وباب المتقدمين. فاتفق أنه مر على المذكور، فرأى مأمون فعرفه، فأسرع اليه وضمه إلى صدره، وجعل يتوجع مما وقع، ولامه على عدم مجيئه إليه لما رآه ولما بلغ موتة الشيخ سيديَّ، قال: ذهبوا به إلى غير فنه، يعني أن فنه صوغ الشعر الجيد. وليس من فئة مناضلة الأبطال، ضنا به عن الموت. هكذا يقول الناس، ويجعلون الضمير عائد على من قتله. ولا يخفى أن هذا فاسد المعنى، لان المعنى توبيخ قومه على حملة الغزو، فإن الفتنة لو كانت وقعت عند حيّه، لكان لذلك وجه، ولكن الفتنة وقعت خارجا عن بلادهم، وسببها: أن العلويين أغاروا على آبال لهم، فأتبعوهم مسيرة يومين أو نحوهما. وكان هو في مقدمتهم، واختلف في قاتله. فأهل تكانت يزعمون، أن قاتله محمد أحيد بن سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم. وأهل القبلة يزعمون، أن قاتله محمد بن الحسن بن الأمين، قالوا: ووجد في كانون مدفعه (أي موضع ثوران البار ودمنه) شيء من الشوك، لأنه كان يتحرج من قتل مسلم، وما أظن هذا صحيحا،

стр. 309

بل لا يتأتى أن يطلب عدواً أنكى فيهم من مسافة بعيدة، ويكون على هذا من ترك الحزم. وقال في الحرب التي وقعت بينهم وبين العلويين، إثر هزيمة كانت لأعدائهم. وتقدم بعض التي نقضت بها، لما انهزم قومه، وقتل هو: جادت بطيفٍ سرى لي أمُّ عمَّارِ ... للهِ لله لقيَا طيفها الساري أهلا به من مسلم صوبنا قذفت ... بيداً لبيد وَأصحاراً لأصحارِ لا وصْلَ من أمّ عمَّارٍ أُ أمّلُهُ ... ما لم تَزُرْ في منامي أمّ عمَّارِ لو كنتُ زير نساء كنتُ زائرها ... بل زيرُ حرْب أخوها غيرُ زوَّارِ إنا بنو الحرب لا نشكو أظافرها ... لو جرَّحتنا بأنياب وأظفار خضنا لِواها وجنبنا بني حسن ... حمل المغارم من حمل وأوزار والخيل فيها على الأبناء نؤثرها ... صوناً فيا لك من صون وإيثار والوفد نقريه في اللاوى ونكرمُهُ ... طول الثوى إذ يجل المكرم القاري ما أبعد العار منا في الحروب وما ... أدنى سيادة محمود من العار لمَّا رأوا عابد الرحمن منقبضاً ... تحت العجاجة مثل الضيغم الضار ولوّا فرادى ومثنى مدبرين ولم ... يثنوا من الرعب وجهاً بعد إدبار وقال أيضا في تلك الحرب: تداعتْ حُداةُ الركبِ من كل جانْبِ ... فَودّعْ سُليمى قبلَ سَيرِ الركائبِ فإنْ ضَعُفَتْ أسبابُ ذلك بينَها ... وبينَكَ إلاّ سَرْق وَمْإِ الحَواجبِ وكيف وداعُ الحب آخرَ كلما ... دنا منهُ صَدَّتْهُ مخافةُ راقب سلامٌ عليها أين غابتْ بها النَّوى ... عن العينِ منْ حِبّ عن العين ذاهب ففاضتْ دموع العينِ حتى تناثرت ... تناثرَ نظْمِ اللؤلؤ المتراكبِ فقلتً لصَحْبٍ أكثر والعيب في البكا ... وليس بكاء الوجدِ بعض المعائب

стр. 310

دعوني وتسكابي الدُّموعَ فرُبما ... يُقلُّ الأسى فيضُ الدموع السَّواكب فإن كنتمُ صَحْبي فموتوا معي أسىً ... ولا تتركوني هالكا دون صاحبي كما فرَّ محمودُ ليسلَمَ وحدَهُ ... وأسلم من إخوانه والأقارب هُمُ جلَبوا الحربَ العَوانَ فلم نَزلْ ... نُبيدُ ونقصى منهمُ كلَّ جانبِ شفى التائبونَ الغيظَ من نهب مالِهمْ ... ولوْ علموا لم يَنْهبوا مال تائب وزرناهُمُ منْ آلِ أعوجَ فائقٍ ... بأسْدٍ وأسْدٍ من حبيبٍ وطالب وإخوانِنَا الشمّ الألى إن تقحموا ... لقاءً تجلى بأسُهُمْ غيرُ كاذب غداةَ أرادَ الشيخُ ما لا يُطيقُهُ ... فلاقى الذي لاقى يسترَ الكواكب وجُدّلَ حتى جاذبْتهُ عصائبٌ ... من الطيرِ غَرْثى تَهتدي بعصائب لدى مشهدٍ دارتْ رحاهُ فجرّعتْ ... صَناديدَهُمْ حَتْفاً مَريرَ المشارب وولَّوْا سِراعاً مُدْبرِينَ كأنْهُمْ ... بُغاثٌ تهَادى من صُقورٍ دوارب وقَهْراً طردْناهمْ وخُضنا حماهُمٍ ... وهجنا هُمومَ المُعْولاتِ النّوادب فَطوْراً يُلَطْمنَ الخدُودَ وتارةً ... يُلَطّمْنَ بالأيدِي أعالي التَّرائب لعمرك ما قَوْمي بعُزْلٍ أذِلّةٍ ... إذا يَممُوا أرْضَ العَدُوّ المُحارب بأرْعَنَ مَجْرٍ يذْعرُ الوَحْشَ بالندى ... وزَجْرِ المهارى والجيادِ الشوازِب فكم هَيّئوا مِن كلّ جَرْداَء وَرْدةٍ ... ومُنْجَرِدٍ عَبل الشَّوى غيرِ لاغِب وأزْهَرَ مصْقولِ الحديدةِ متْئمٍ ... سَخِي نقيَّ اللوْنِ وارِ المناقِبِ أجادتهُ أرْبابُ الجريدةِ ميْسما ... ونقْشاً كفي منْ رائقاتِ الغرائبِ وحَلَّوْهُ نَقلاً مِنْ لُجيْنٍ وَدَوَّرُوا ... مِنَ الدُّرِّ في أَوْساطِهِ والجوانبِ ومَهْمى مَرَتْ خَلْفَيهَ أيدٍ تطايرَتْ ... مِنَ الجَوْفِ شَتَّى أُمَّهاتُ الذوائبَ وجَلْجلَ رَعْدٌ يَنْهمي عِندَ هَزْمهِ ... نَجيعُ العِدى لا ماءُ غُرِّ السحائب بنو الحربِ لا نُعْطى القوىً مَقادةً ... ولا نَشتكى فيها نُزُولَ المصائبِ ولكننا نحمى الحمى ونحُوطُهُ ... ونزدادُ صَبْراً تحتَ كل النَّوائب

стр. 311

ومنْ شاَء فلينظرْ عَواقبَ مَعشرٍ ... جَنى حَرْبنا يَزْجُرْهُ شُؤمُ العواقب ومما ينسب إليه: أَضْنَوْكَ بالبينِ حتى قِيلَ مَن راقِ ... والْتَفَّتِ السَّاقُ يَوْمَ البَيْنِ بالسَّاقِ يا أُخْتَ يوسُفَ إني بعدَ بينِكُم ... أشْبَهْتُ يَعْقوبَ في حُزْنٍ وأشواقِ لوْلا القميصُ الذي جاَء البشيرُ بهِ ... حَتى انجلى بَثُّ يعقوبَ بن إسحاقِ وله أيضا: شَدُّوا المَهاري بأكوارٍ وأحْحداجِ ... وأدْلجوا تحتَ ليْلٍ أَلْيَلٍ داجِ وأصْبَحَتْ دارهم قَفْرًا مُعْطلةً ... مبكى دواعي هديل شجوُها شاج تلوحُ آثارُ مَن بانوا بمعْهدِها ... مثلَ البرُودِ وشَتْهَا كفُّ نسَّاج فما عَلمتُ ولم أشعَرْ ببينهِمُ ... إلا بجونٍ مِنَ الغِرْبان شَحّاج فظلَّ يَشْحَجُ فاهتاجَ الفؤادُ لهُ ... لله ما هاج شَحَّاجٌ لمُهتاج تبًّا لِعيسٍ نأتْ عَني بناعِمةٍ ... غَيْداَء رَيَّانةِ الحِجْلين مِغْناج تَسبى فؤادَ الحليمِ المرعوي بدُجى ... ليْلٍ ووجهٍ كضوْءِ الصُّبْحِ وهَّاج ومات ﵀ في صدر القرن الثالث عشر، في وقعة تندوج، كما تقدم. محمدُّ بن حنبل بن الفال البوحسني أصله من تاكنيت، كفخذه أهل محملفك، هكذا ينطق الناس بهم، ولعل الأصل، محم بن فك. وهو من أقارب الأحول، المتقدم قبله. كان محمد هذا، من العلماء الأعلام، واشتهر في اللغة في ذلك القطر، حتى قيل بتقدمه على معاصريه فيها. وكان نحويا، وله اليد الطولى في البيان. وكان حريصا على طلب العلم، يقال أنه مكث سبع سنين منقطعا لطلب اللغة، وأنه في تلك السنين، لم يذهب إلى زيارة أهله مع قربهم منه. وقد انتقد عليه بعض

стр. 312

الناس قوله في قصيدة، يمدح بها سيد بن محمد لحبيب، شيخ الترارزة في صفة الخيل: فتبيتُ نافشة هناك جياده ... خضر الجحافل من غمير خلاها فإن النفش خاص بالغنم، كما نقل عن ابن دريد، وأدخل القاموس الإبل مع الغنم. وعن بعضهم: انه قد يطلق على جميع الدواب، فلا اعتراض إذا، وانتقد عليه بعضهم أيضا قوله: إن صبا متيما مستهاما ... ثم في أوفدى سقيت الغماما قد من اقتاد حسن قدك قدما ... قدر ما إن تكلميه كلاما لوم في حبها الملامِ اللواغي ... ولو استشعر الغرام الملاما فإن البيت الثاني، اجتمعت فيه خمس قافات، وهذا مستكره على السمع، وقد عاب الأصمعي مثله على إسحاق بن إبراهيم الموصلي في معاتبته للمأمون: يا سرحة الماء قد سدَّت موارده ... أما إليك طريقٌ غيرُ مسدود لحائمٍ حام حتى لا حوام بهِ ... محلإِ عنْ سبيلِ الماءْ مطرود فقال الأصمعي: أحسنت في الشعر، غير أن هذه الحاءات لو اجتمعت في آية الكرسي لعابتها. وكذلك عيب عليه قوله: م اللواغي. فإن أصله من اللواغى. ونون من، إنما حذفتها العرب قبل آل المظهرة، ولم تحذفها قبل المدغمة، كقول الشاعر: كأنهما م الآن لم يتغيرا ... وقد مرَّ للدار بن من بعدنا عصر وانتقدوا عليه أيضا من تلك القصيدة. قوله يعني سيد بن محمد لحبيب: ملك تدين له الملوك مطيعة ... وبعزّ خدمته تحوط حماها لأن الممدوح ليس بملك، ولا قريب منه، ولأنه يعطي الغفر لِتُكنَ

стр. 313

وقائدهم، من صغار قياد السلطان. ومما فضل له عمر بن الخطاب زهير. إنه كان لا يمدح أحدا بغير ما فيه. وقال المعري: فلا تمدحاني بمين الثناء ... فأحسن من ذاك أن تهجواني وأراد أن يفاضل بين بطنين من أولاد ابيير، اسم أحدهما: أهل احميد (بكسر الدال) واسم الثاني: أهل باب (بضم الموحدة) فقال: حين دون الجميل أغلق بابُ ... فتح البابَ دونه آل بابُ ليس تخفى علامة الرَّفع فيهمْ ... حين خفضٌ لغيرهم إعرابُ فأجابه شاعر من المعرض بهم. فقال من أبيات لم تحضرني: ما على معربٍ بخفض عتابُ ... وببسم الباقي يساقُ الصوابُ المعنى: إن أسماء الله تعالى، وقعت مجرورة في القرآن، نحو بسم الله الرحمن الرحيم. فقال ابن حنبل: الكتابُ العزيز نعمَ الكتابُ ... من به احتجَّ ما عليه عتابُ واعتراضٌ به أحجُّ اعتراضٍ ... فبماذا يكون عنهُ الجوابُ لكن انْسدَّ باب صوبِ مرادي ... عنكَ فانسدَّ عنك منهُ الصّوابُ إنّ نحو النحاةِ لو كان نحوي ... لأتى حجة عليّ الكتابُ إن نحوي في سورة وهبت لي ... فنفى الفقر عَنيَ الوهَّابُ وأحاديثُ ثيباتِ المعالي ... كان فيها عن مقصدي إعرابُ وفنون البديع يفتحُ منها ... للمورّي البليغ إن شاَء بابُ

стр. 314

وكان مولعا بالعلم منكبا على طلبه في أول أمره، فلما حصل عليه، اشتغل بتعليمه للناس، وكان يحضهم في أشعار عليه. ومن جيد شعره، قصيدته التي مدح بها الشيخ سيدي، ثم حض على العلم فيها، وقد عاب عليه بعض الناس فيها كثرة السناد وهي: أضْرَمَ الهمَّ سُحَيْراً فالتهبْ ... لَمْعُ بَرْقٍ برُبَيَّاتِ الذَّهَبْ في شمارِيخ ثِقالٍ دُلَّحٍ ... كتهادي العِيس في الوعْثِ النُّكُبْ أسَدِياتٌ عليها ألْوَةٌ ... أن نَجُودَ الأرْضَ سَبْتاً وتُرِبْ جدْنَ ذا الرِّسْلِ بسَيْلٍ مُفعَمِ ... والمَراجيعَ بسحساحٍ لَجِبْ وعلى ذي التَّيْلميتِ اسْتَوْسَقَتْ ... لمَزارِ الشيْخِ تَهْدِى بالهِضَبْ وأنْهَمي بالعينِ مِنها أبْمُنٌ ... وبذِي الغاب مياسِيرُ سكُبْ فحدَتْها الريحُ هَوْناً تَقْترِى ... كلَّ وادٍ وَرِهاءٍ وصَبَبْ يُرْزِمُ الرَّعدْ خطِيباً بينها ... كهرِيمِ القَرْمِ في الشَّوْلِ الخِدَبْ فرنا العقلُ إليها مثلَ ما ... نظرَ الصَّبُّ إلى الخوْدِ الوصِبْ فأجَنّتْ حسداً أهضامها ... لرباها والجماهيرُ اللبَبْ

стр. 315

ثمَّ وافتها رواءِ هُمّعاً ... لِذُرُورِ القرْنِ لوْ لم يحتجبْ بسجالٍ من منيفاتِ الذُّرَا ... وطُفِ الاكتافِ جِمَّاتِ السَّرَبْ فكأنَّ المُزْنَ تبكي مُلْحَداً ... في رُبا العقلِ بدَمْعٍ منْسَكِبْ تذَرُ السَّرْحَ صريعاً للقفا ... خاشِعَ الأرواقِ مرْفوعَ الطُنَبْ وتَهُدُّ التَّلَّ مِن أعرافِهِ ... بأخادِيدَ تُملّيكَ رُعُبْ يا لها من غادِبَاتٍ قدْ كفَتْ ... مانحَ العُقْلِ لها شَدَّ الكرَبْ فتَحلَّتْ يِلُجَبنٍ حَوْلهُ ... من نَضيرِ النبتِ أبرادٌ قُشُبْ فأقامَ الذُّبُّ في الرَّوْضِ الغَنا ... وأقام البتر في الماءِ الصَّخَبْ وشنوف الطَّلْحِ قدْ نِيطتْ بهِ ... كشُنُوفِ الغِيدِ خُضْراً تضطرِبْ والحمامُ الوُرْقُ تشدُو بالضحى ... فتذُوَبُ النفْسُ شَوْقاً وطرَبْ رُبَّ بيضاَء خَلوبٍ لحظها ... مالها في العُجْمِ شِبهٌ والعرَبْ تحتَ ليلِ الفَرْعِ منها قمرٌ ... فوق غصنٍ فوْق حِقْفٍ مُنكثِبْ يُقْبِلُ الشَّوْقُ إذا ما أقبلتْ ... يُدْبرُ الصبرُ إذا ما تَنقلِبْ بابليُّ السّحْرِ في أجْفانِها ... بابليُّ الرَّاحِ منها في الشنَبْ زُرْتُ والظلْماءُ مُرْخىً سَدْلُها ... غَيْبةَ الواشي وفقْدَ المرْتَقِبْ رُبَّ تَيهاء نزُوَحٍ ماؤها ... يَنْأمُ البُومُ بها كالمنتحِبْ وتضلُّ الكُدْرُ في أرْجائها ... بالحُسا الصُّفْرِ عَن أفراخٍ زُغُبْ

стр. 316

جُبْتُ والليلُ مُغطٍّ قُورَها ... بفُتِيّ ومَارسِيلَ نُجُبْ وقَرِيضٍ بتُّ أبني فَغَدا ... مِثلَ نظمِ الغِيد تقصارَ الذهَبْ آخذاً منْ لحنِ أقْحاحِ اللُّغى ... مُضَّغَ القيْصُومِ والشيخ النُّخَبْ مَنْ لآلى حاضِريهِمْ أصطفى ... ومن الأعرابِ رُشافَ العُلَبْ ما تعاطى اللُّسْنُ في أندئهمْ ... وتَعاطْوهُ بأفواهِ القُلُبْ وأداروهُ عُصوراً بينهمْ ... لابتناء الفخرِ أيامَ الغَلَبْ إنّ خيرَ الزّادِ يا صاحِ التُّقى ... فبهِ المجدُ التمسْ لا بالنسَبْ في التقى عِزٌّ وكثرٌ وغنىً ... دون سُلطانٍ وجُندٍ ونَشَبْ هُوَ دون العلمِ عَنقا مُغْرِبٍ ... فاطّلِبْهُ فلنعم المُطَّلَبْ جَرّع النفْسَ على تحصيلهِ ... مَضَضَ المُرَّينِ ذُلٍّ وسغَبْ وَدَعِ المالَ إلى تطلابهِ ... تكتسبهُ فلنعمَ المكتَسَبْ هو حَلْيُ المرْءِ في أقرانهِ ... وهو عند الموت زَحْزاحُ الكُرَبْ وهو نورُ المرءِ في اللحدِ وإذ ... ينسِلُ الأقوام منْ كلّ حدَبْ يا غريباً يطْلُبُ العلمَ اصْطبِرْ ... إنَّ مَبْدأ العلم من قبل غرُبْ ما سعى في الرّبحِ ساعٍ سَعْيكم ... بَلْ سِواكم سعْيُهُ جِدُّ نَصَبْ إنْ تقُولوا مَنَعَتْنا دَرْسَهُ ... أزُمُ الدَّهرِ والأعْوامُ الشهُبْ قلتُ هلْ يحتالُ في دفعِ العصي ... مَنْ أظلَّتْهُ الحُساماتُ القضُبْ فكأني بذوي العِلمِ غداً ... في نعيمٍ وحبُورٍ وطرَبْ يَحمدُونَ اللهَ أنْ عنهمْ جَلا ... كلَّ حُزْنٍ وعناءِ وتَعبْ

стр. 317

بادرو العلمَ بداراً قبلَ أنْ ... يبغت الحين بهولٍ وشغبْ صاح لا تُلْفَ بجهلٍ راضِياً ... فذوو الجهلِ كأمثالِ الخُشُبْ واصحبِ الدائبَ في استنباطِهِ ... لا جَهولٍ خِدْنَ لهوٍ ولَعِبْ إنما القُنْيَةُ عِلمٌ نافعُ ... لا العتاق الجُرْدُ والخُورُ الصُّهُبْ لا يُزَهّدْكَ أخي في العلمِ أنْ ... غَمَر الجُهَّالُ أرْبابَ الأدبْ زَبدُ البحرِ تراهُ رابياً ... واللآلى الغُرّ في القَعْرِ رُسُبْ لا تَسُؤْ بالعلم ظناً يا فتىً ... إنّ سُوَء الظنّ بالعلم عَطبْ إنْ تر العالم نضواً مُرْمِلا ... صِفْرَ كَفٍّ لم يُساعِدْهُ سبَب وترى الجاهلَ قد حازَ الغني ... مُحْرِزَ المأمولِ منْ كلّ أربْ قد تَجوعُ الأسدُ في آجامِها ... والذِّئابُ الغُبْسُ تَعتامُ القَتَبْ رأتِ الدُّنيا خبيثاً مثلها ... لم تمالَكْ أن أتَتهُ تَنْسِلبْ فحَبتْهُ الحبَّ منها خالصاً ... وكذاكَ الشكلُ للشكلِ مُحِبْ ورأتْ ذا العلم فَوَّاحَ الشذا ... آبىَ الذّامِ فآلتْ تَصطِحبْ فقلتْهُ وقلاها يا لهُ ... قمرٌ عنهُ قد انجابَ الحُجُبْ فغِني ذي الجهل فاعلم فتنةٌ ... وافتقارُ الحَبْرِ تأسيس الرُّتبْ فخذِ النصْحَ ولا تَعْبأ بمنْ ... بدل النصح فطاوعه تَصبْ أضْيَعُ الأشْياءِ حُكمٌ بالغٌ ... بينَ صُمٍّ ونداءٌ لم يُجَبْ ولوْ أرْسلْتُ عِناني في مدَى ... ما بدا لي مِنْ أساليب العربْ ومنْ الحثِّ لأرْباب النهى ... لقَرَيْتُ الأذنَ منها بالعَجَبْ لكنَّ الشّعْرُ انقَضَتْ أيَّامُهُ ... لا ترى اليوْمَ إليهِ مُنتدِبْ غيرَ راوٍ خافِضٍ مَرْفوعَهُ ... ناصِبٍ مخفوضهُ أو ما انتصَبْ ونزوحُ الفَهْمِ عنْ ميزانهِ ... ليسَ يَدْري كاملاً من مُقتَضَبْ

стр. 318

وليعلم المطالع لها، إذا رأى عدن مناسبة في ترتيبها، أتى لم أكتبها على أصول، بل أمليتها من حفظي. وقد طال عهدي بتعهدها، فربما وقع فيها تقديم وتأخير لذلك. وقال أيضا في ذلك المعنى: عِمْ صَباحاً أفلحتْ كلَّ فلاح ... فِيكَ يا لوْحُ لم أطعْ ألفَ لاحِ أنتَ يا لوْحُ صاحبي وأنيسي ... وشفائي من غُلّتي ولُواحي فانتِصاحُ امرئ يَرُومُ اعتياضي ... طلبَ الوافر منك شَرُّ انتصاح بكَ لا بالثرا كِلفْتُ قديماً ... وَمُحَيَّاكَ لاَ وُجوهِ المِلاح رُبّ خودٍ ماءُ النّعيمِ عليها ... جَرَيانًَ الزُّلالِ في الصُّفّاح تَستبي المُرْعوى بثَغْرِ الأفاحي ... وَجَبينٍ مثل انبِلاج الصباح وعلى ثغرِها بُعَيْدَ كراها ... قهوةُ الرَّاحِ بالمَعينِ القَراح في عُقُودِ الجُمانِ والدُّرّ منها ... جيدُ جَيْداء من ظِباء رُماح خدلةٌ غَصَّ قُلبُهَا وَبُراها ... غَصَصَ المِرْطِ فهي غرثى الوشاح لا تبالي هبَّ الرياحِ إذا ما ... أشفق الرُّسْحُ منْ هبوبِ الرياح أقصد القلب من صميم هواها ... فعل نبل صوائبٍ ورماح قد تسلّيتُ عن رسيس هواها ... بك حتى كأنني جدُّ صاح بل يميناً بواردات البطاح ... يتبارَيْن ضمراً كالقداح بعد ليلٍ سَرَيْنَهُ بعد يوْمٍ ... تصل الهجر بانسلاب الرواح أفتأ الدّهرَ هاجراً للغواني ... وَوَصُولا للكتبِ والألواح وله منظومة جيدة، يحط فيها على أهل الجهل، ومنها: حلْىُ الفتى إعرابه لا ماله ... ولا نجارُه ولا جماله

стр. 319

كلُّ فتىً شبَّ بلا إعرابِ ... فهوَّ عندي مثل الغراب وإن رأيته لخودٍ عاشقا ... فقل لها اتّقى الغراب الناعقا لا انتفعت بالأكل والشراب ... من آثرتْ مالا على أعراب وقال أيضا: يمدح الشيخ سيديَّ، ويعارض مقصورة أبي صفوان الأسدي: أشاقتكَ بعد توَلي الصّبا ... حَمولٌ بكَرْنَ بأدْمِ الظّبا بدُعْجِ اللواحظِ بيض الوجوهِ ... ثِقالِ المُرُوطِ ثقالِ البُرَى فأوْقدَ في القلب نارَ الغرامِ ... أنْ آذنَ بالبيْنِ داعٍ دعا فبِتُّ كظيماً وباتَ الحِسانَ ... مستبشراتٍ بقرب النّوى فلما طوى الصَّبحُ ثَوْبَ الظلامِ ... مسَحْن الكَرى عنْ بُدورِ الدُّجى وقُرَّبَ بُزْلٌ منْ آلِ الجديلِ ... شُمّ الكواهِلِ شُمّ الذُّرا فشُدَّ الحدوجُ ومُدَّ الخدورُ ... عليها وتحت الخدور المَهى وحَثَّ الحداةُ بها أسْطُراً ... ثمانيةً من نخيل رِوى فأمْسَتْ منازِلُهُمْ بَلْقَعاً ... يُرَجّعُ فيها الحمامُ الغِنا فأعملتُ في إثرِهمْ جَسْرَةً ... أنيلَتْ محالاً كصُمّ الصَّفا عوجَ الصَّباح وسوج الرواحِ ... نَعُوب الهجيرِ خَبوبَ السُّرى كأبي وَرَحْلي على قارحٍ ... من الحُقْبِ جأبٍ خميص الحشى

стр. 320

أقامَ بمَرْبَعِهِ قائماً ... على أرْبعٍ كقِسيِّ السرى فلما حدا النَّجمَ هادى الصباح ... وآنفهُنّ نصالُ السفى حدا بنحائصه قارباً ... أشَدَّ الحداَء ذُنابي الشبا فباتتْ تَبارَى فلما انجلى ... تبيَّنَ ماءً خِلالَ الأشا وعندَ شمائلها نابلٌ ... خَفيٌّ حَرامٌ عليه الكرى أبو دَرْدَقٍ سبعةٍ مالَها ... من الكسب إلا بناتُ الملا فجِئنَ السَّرِيَّ على هيلةٍ ... فلما سَلَكْنَ شطورَ الشوى طوى شخصهِ فرمى رميةً ... ثنتْها عنِ الحُقْبِ أيدي المنا فنادى الثُبورَ وأعلا العويل ... وخالَ السماحيجَ بَرْقاً خَفا ألم يعلمْ انّ الفتى مَن إذا ... دها الخطبُ ولاَّهُ ركنَ العزا وهلْ لا أراحَ يداً أفنيتْ ... بحفرِ القراميص بين الصُّوى يؤمُّ الكمال ويغشى الظلالَ ... ويلقى النَّوالَ ويلقى الندى هو البحرُ منهُ جرى الرافدان ... ومنه شفى الخافقانِ الصَّدى فردهُ مضافا تجدْ مَأمناً ... وزره مجوداً تجدْ مُرْنوى وَزُرْهُ جَهولاً تَنلُ حِكمةً ... وَزُرْهُ عديماً تنلْ مُقْتنى
следующие страницы →