← Тараджим

Тараджим · id 95696

الوسيط في تراجم أدباء شنقيط

أحمد بن الأمين الشنقيطي

Полный текст (580 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

(لِكْدَيمْهْ) تصغير القدم، بالتصغير العامي، وهي عين كثيرة الماء. تنحدر من جبل عظيم: يقال له العاكر (بكاف معقودة) ومعناه العاقر، وبهذا الجبل عيون كثيرة تجرى، وأشهرها الكرْ كوبيات، وهي أربع عيون كثيرة الماء، وبها شجر التيدوم، وإمجيج، وفيه سباع وفيلة كثيرة. (حنْكْ النعامهْ) هو واد وسط جبل عظيم، ينحدر من العاقر، وفيه مزارع كثيرة، وماؤه جار لا ينقطع. (تِنْكارَه) واد كبير. (إسبيخه) تصغير سبخة، وهي منهل مشهور. (شرطو) مسيل كثير الأشجار. (ليبَهْ) منهل مشهور. (الطّيْنْطانْ) منهل أيضا. (أينْ كرْيهْ) هو مسيل، مشهور بعيونه الجارية. وبه وقعة أهل سيدي محمود المشهورة، بين سيدي محمد، وأخيه سيدي المختار، وهُزم سيدي المختار ومن معه. (إيْنقانْ) جبال عظيمة سود، وبها ماء كثير، وهي آخر حدود أفَلّهْ، مما يلي السودان. الكلام على الحوض (الحوض) أرض مشهورة بعد آوكارْ. أولها مما يلي تيشيت، ومن محالها: (تيبوشاتنْ) وهي تلال مشرفة بيض، وبجانبها تيارِتْ، أي أرض مستوية صلبة، يقال لها الواسعة، وهي كاسمها.

стр. 457

(أم الاحياظ) بالظاء المشالة، تصحيف الأحياض، جمع حوض على لغتهم، وهي بئر غزيرة الماء. (أم للّيِ) بئر بينها وبين ما فوقها، نحو يوم ونصف. (صَوَّانهَ) تل عظيم أبيض، وبها تامورت، أي غيضة عظيمة فيها غضى كثير. (فَوَقْ) بئر عظيمة. (بُلَكْلاَل) وأصله أبو الأكلال، بئر مشهورة كثيرة الماء، قريبة مما قبلها. (الرَّكْ) أرض عظيمة، تشتمل على آبار كثيرة منها: (بُحكتى) بئر ملح تردها الإبل كثيرا. (البِدْعْ) بئر قريبة مما قبلها. (إنَوَله) ويقال لها ركْ انْوَلهْ، وهي بئران مشهورتان ملحان، واحدتهما لا تقدر الناس على شرب مائها. (إدْريس الصالحين) بئر مشهورة. (إدريس الأخضر) أي الأسود، وهو من الأضداد، وهذه لغة أهل الحوض وتكانت وآدرار، وهي بئر أيضا. (محموده) تامورت، أي غيضة كثيرة الغضى، وبها مياه لا تغور. (ادْيادَهْ) تامورت عظيمة، وبها ماء لا يغور، وبها قبر الصالح الشيخ محمد فاضل، والد الشيخ ماء العينين. (تِيجطِى) واد مشهور، وهذا آخر ما وقع لنا علمه من بلاد الحوض، وهي أرض كبيرة، وتسكنه قبائل كثيرة. الكلام على أظهر (أظهر) أرض بعد الحوض قبل ازواد، وهو غير اظهر آدرار.

стр. 458

(إجَّنْكه) أرض مستوية، وبها كثبان دخن. (المَدُّوبْ) هو كثيب كبير بعيد المسافة، يسير فيه الراكب أياما. الكلام على أزواد (أزواد) (بزاي مفخمة بين الظاء والزاي) وهي أرض كبيرة بعد أروان، وفيها كثير من قبيلة كنت، وكانت بها إقامة العالم الصالح الشيخ سيدي المختار المتقدم، ولم تزل أولاده بها، أعنى أولاد أولاده. ومن أشهرهم: باي، وهو عالم صالح مشهور، وهو في قيد الحياة إلى وقتنا هذا، ولا علم لي بأسماء مواضعه. الكلام على أروان (أرَوانْ): قرية مشهورة، بينها وبين تينبكتو عشرة أيام، واقعة في رمال ولا نبات بها، وليس بها شجر ولا زرع ولا نخل. ودورها مبنية من الطين فقط، والناس يقولون: إن المطر لا ينزل على البيوت بسبب دعاء صالح، دعا لهم بذلك، ولو نزل عليهم لتهدمت أبنيتهم. وقد اجتمعت برجل منهم سنة ١٣١٧ بالمدينة المنورة، وسافرنا إلى أن قضينا الحج، ثم سافرنا إلى بلاد الترك ثم تفرقنا. ولم أنتقد عليه شيئا من جهة دينه، فسألته عما يقال من ذلك. فقال: إن المطر لا ينزل على تلك البلاد إلا نادرا، وأنه إذا نزل لا يصيب تلك القرية منه إلا شيء يسير، وأنهم ربما نظروا إلى الآكام حولهم تمطر، ولا يصل إلى الدور إلا شيء لا أهمية له، فسبحان القادر على ما يشاء. الكلام على لمرية (لِمْرَيَّة): أرض متوسطة بين شنقيط وأروان، صعبة المسلك، لا ماء بها ولا شجر، وهي خطرة على من سلكها، وإذا عصفت فيها الريح، لا تقدر الرفقة السالكة لها أن تسير، خوفا من أن تتيه، لأن الريح ترفع التراب، حتى لا يفرق

стр. 459

بين السماء والأرض، وكانوا إذا أرادوا حمل الملح من شنقيط، يظمئون الإبل حتى تتعود على الشرب، بعد عشرين يوما أو نحو ذلك. ويحمل كل رجل ما يسقيه في المزاد الجيدة، ويكون ذلك في فصل الشتاء، وربما نفد على الرفقة الماء، فينحرون الإبل، ويأخذون ما حوته بطونها، ويعلقونه في كروشها، ويوقدون تحته النار، فإذا صفى ماؤه، يتركونه حتى يبرد فيشربونه، وقد فعله خالد بن الوليد ﵁ في زمن الردة، لما توجه بعد وقعة اليمامة إلى نواحي العراق. وكان دليله رافع الصحابي، المعروف بالهداية. وقد تضل الرفقة في لمرية، فتهلك عن آخرها، ويقولون: إن الدليل فيها إذا سار مع الركب يتقدمهم، فيتبعونه ولا يكلمهم، خوفا ان يذهل فيهلكوا، وهي مسيرة عشرة أيام. الكلام على تيشيت (تِيشِيتْ) مدينة مشهورة بعد تكانت، قريبة من الحوض، بينها وبين تيججكه نحو خمسة أيام، وبها نخل. وأهلها أدرى من أهل تلك البلاد بالتجارة، وهي أقرب مدن تلك البلاد للسودان، وكان أهلها ثلاثة أقسام، قسم يقال له: الشرفاء، وقسم يقال له: إماسْنَهْ. وقسم يقال له: أولاد بلّهْ. فوقعت حرب بين القسمين الآخرين، فخرج أبناء بله، وبنوا بلدة آغْرَيْجيتْ. (آغْرَيْجيتْ): مدينة لأبناء بله، وبها نخل ليس بالكثير، وعمارتها قريبة من هذا العصر. (ولاتَه) مدينة مشهورة، وهي آخر مدن شنقيط مما يلي بنباره. وأهلها عرب، وجلهم أو كلهم من الزوايا، وفيها علم وصلاح. ولأهل لمْحَيْميدْ عليها سيطرة، وهم من حسّان، وأصلهم من اللحمة. وكانوا يعطون المكس لإدوعيش، فحاربوهم حتى تخلصوا منهم، وتركوا أرضهم، ولجئوا إلى الحوض، فكثروا وكثرت مواشيهم، وانتشر ذكرهم، وكل ذلك بعزم محمد محمود ابن لمحيميد.

стр. 460

(النعمهَ) مدينة مشهورة، وما فوقها أقدم منها، وبينهما مسافة يوم أو نحوه. (تِيْنبُكتُو) مدينة مشهورة، والمعروف عندنا أنها خارجة عن شنقيط، وأصل أهلها السودان، وفيها كثير من تجار سوس، وغيرها من بلاد المغرب. (بُواجْبَيْها) تصغير جبهة، وهي قرية من نواجي تينبكتو فيما أظن، وهي من شنقيط. وبعض سكانها من ادَوعل، استطوطنوها بعدما تفرقوا، بسبب الحرب التي وقعت بينهم، ولم تزل بقاياهم هناك. (سَبْخِتْ تاوْدَتي) هي سبخة مشهورة بين شنقيط وأروان، وبينها وبين أروان عشرة أيام، ولعلها منكبة عن شنقيط إلى جهة الشمال الغربي، ويحمل منها الملح إلى تينبكتو والسودان، وملحها دون ملح آدرار في القيمة عند السودان. ولنعد إلى ما بعد تكانت، على جهة القبلة، فأول محاله آكان. الكلام على آكان (آكان) هي أرض كبيرة جيدة الهواء، وتتفاوت في ذلك. فما يلي آدرار أجود، إلا إنه كثيرا ما يعتر به القحط. وما يلي تكانت أجود منه بالنسبة إلى المواشي. لأنه قليل القحط. يبتدئ من إجبيتين. وهي جبال سود مما يلي جنوب آدرار قبل الحيط، من جهة أرض القبلة. ثم يمتد مشرقا، وفيه حزون وسهول وجبال وآكام. ومن أماكنه المشهورة: (إيجِّبِيتنْ) وهي جبال سود، قبل الأرض المستوية، التي تحف حيط آدرار وتكانت، ولا أدرى ما يقال لها من هذه الجهة، أعنى من جهة القبلة، مع أني سلكتها، وتقدم انها يقال لها من جهة غرب آدرار الباطن، وكذلك من شرقي تكانت، وأنها من جهة جنوبها الغربي يقال لها: التاغْصَهْ. (ازْكيْمِيرْ) (بهمزة وصل، وزاي ساكنة، وكاف معقودة مفتوحة،

стр. 461

وياء ساكنة، وميم مكسورة، وياء ساكنة أيضاً) وهو جبيل أحمر طويل، وقد رأيته. (الْكُرَارِيَّه) أضاة كبيرة، إذا امتلأت ماء تصير كقطعة من بحر، وتردها الناس، ومعناها: مقطوعة الأذن. (بُوناكهْ) أصله أبو، وحذفت الألف، وناكه (بكاف معقودة مفتوحة) أصله القاف، منهل مشهور، تستمرئه الإبل، وبجانبه جبل أسود، وقد رأيته، ومن مناهله المشهورة: (تيِدِنْ يَكُّوتْ) وهو منهل مشهور متوسط، بين آدرار وتكانت، وبه جبال من الرمال، ويضرب المثل بحسن قفاه، وقد رأيته. وهو كما قيل. (تَمَسُّميتْ) جبل كبير أسود، يقرب ما قبله. وقد رأيته. (زَالْ) جبل أحمر، في وسط أكان، بين تكانت وآمشتيل وآوكار. (أنْتِشليتْ) منهل مشهور، يعد من آكان. (آيْمُ) (بمدة بعدها مثناة تحتية ساكنة وميم مضمومة) وهو أحساء في آخر آكان، من جهة آوكار، وآخره مما يلي آدرار غربا. الكلام على فاي (فَايْ) أرض مشهورة صلبة، تمتد من آكان، مما يلي آدرار، ويحفها من غربيها الشمالي تيماشنن. ثم تستمر إلى قريب من أجار. ومن مناهلها المشهورة: (آكلالْ) (بمدة بعدها كاف معقودة مكسورة، ولا مان بينهما ألف وآخرهما ساكنة) ومعناه مقطوع الذنب في العامية، ويقال له آكلال فاي. الكلام على آوكار (آوكارْ) أرض كبيرة المساحة، فيه مناهل وقفار، متوسط بين آكان

стр. 462

وآمشتيل، وآفطوط والعُقل، أوله مما يلي آمشتيل ما بعد آيْمُهْ، وقد أجاد ابن الشيخ سيدي، في وصفه له، في قصيدته التي تقدمت. (زَارْ) منهل مشهور به قبر الصالح الفغ الحُمُّدْ التاكنيتي، وذكرته شعراء تلك البلاد، في أشعار كثيرا. قال ابن عيد الجكنى من أبيات تقدمت. من ذا إبل يرعى مصالحها ... فليك ذا حذر يا قوم من زارَا وقال ابن أحمد دام في قصيدة تقدمت ايضا: وجادت على أطلال زار مربّة ... بها كلُّ غراء الجبين دَلوحُ وقال العتيق بن امحمد ابن الطلب اليعقوبي، الذي تقدمت ترجمته: بينما نحن نوَّم حول زارٍ ... إذ أتتنا تميس ثم لميس وعجبنا بأن ألمت بزارٍ ... وبعيدُ زارٌ على من يميس (آولَيك الاْحمَرْ) (بمدة بعدها واو ساكنة ولام مفتوحة وياء مشددة، مكسورة وكاف معقودة ساكنة) والأحمر من تمام اسمه، لأنه مركب من صفة وموصوف، وهو تصغير آوليك، بمعنى البئر الواسعة الأرجاء، وهو بئر قديمة ولا ماء بها. ويقال: إن الناس أرادوا أن يصلوا إلى قعرها، فما أمكنهم ذلك، ومن مناهل آوكار المشهورة: (انجَيْدِي) (بهمزة وصل ونون ساكنة ودال مكسورة) وهو بئر مشهورة لأولاد ابيير، وكثيرا ما يزدحم الناس عليها في زمن الخريف، وقد وردها العلامة محمد فال بن باب العلوي، فصادف عندها المختار بن حميد الأبييري، فسقى له قبل كل أحد، ثم وردها ثانية، وصادف رجلا من حلفاء المختار المذكور، فأساء معاملته. فقال: عليّ ورود ابجيد بعدُ محرمِ ... إذا لم يك المختار بالعُقْرِ واقِفا أمختارُ إلا تزجُرُنّ محالفاً ... لكم كان في صنع الجميل مخالفا

стр. 463

فلا يَكُ إلا حيث أنت فأنتما ... جناحا ذباب ذاك داء وذا شفا (البئر الأصْفَرْ) بئر مشهورة لأبناء أبيير أيضا. (تامْرزْكيتْ) بئر مشهورة لأهل الشيخ سيدي، وهي التي يعني سيدي محمد بن الشيخ في قصيدته المتقدمة. (علب أولاد امْبَاك) كثيب عظيم أبيض، والعلب عندهم بمعنى الريع. (إيْمرِزْ كانْ) (بهمزة مكسورة، وياء ساكنة، وميم ساكنة أيضا وراء مكسورة، وزاي ساكنة وكاف معقودة بعدها ألف ونون ساكنة) تلال عظيمة في آوكار، وقد رأيتها، وإياها عني ابن الشيخ سيدي مع ما قبلها بقوله من قصيدة تقدمت. وقد حوت الميامن منزلات ... وريع بني المبارك منزلين الميامن: هي إيمرزكان، وريع بني المبارك، هو علب أولاد امبارك المتقدم. (نبكت آمخول) النبكة: الأكمة، وآمخول: فحل الإبل، وإياها عنى ابن الشيخ سيدي، في قوله في القصيدة المذكورة: ومغنى حول ذات القرم عاف ... وآخر دارس بالتيرسَينْ (علبْ النّصْ) العلب: الكثيب، كما تقدم. والنص: بمعنى النصف، وهو المراد بقول ابن الشيخ سيدي: ودار حول حقف النصف أقوت ... وأخرى أقفرت بالتوأمين (أنَيْزْ) (بهمزة ونون مفتوحة، وياء مثناة من تحت ساكنة، وراء ساكنة أيضا)، تل عظيم في آوكار، وقد رأيته. وهو المعنى بقول ابن الشيخ سيدي في قصيدته المتقدمة: تأمل صاح هاتيك الروابي ... فذاك التل أحبه أنارا (خَطْ اشكارَه) أرض مستوية، قريبة مما قبلها، وقد رأيتها، وهي المراد بقول ابن الشيخ سيدي، في قصيدته المذكورة:

стр. 464

وتانِ الرملتان هما ذواتا ... عُلَيَّان وذا خط الشُّقارَا (إنْوَاكِلْ) بئر مشهورة، لأبناء ابيير، في آخر آوكار، قريبة من فاي، بينها وبين ازكيمير، نحو يومين أو ثلاثة. الكلام على آمشتيل (آمشتيل) أرض متوسطة بين العُقل وآفطوط وآوكار، فما قبل انتشليت يعد من آمشتيل، حتى ينتهي في العقل، ومن مناهله المشهورة: (إتويرسات) وهو بئر مشهورة. (بوطليحيَّه) تصغير طحاوى، وهو بئر مشهورة أيضا. (أغْدَّ كَلْ) بئر مشهورة أيضا. (كندلك) بئر مشهورة أيضا. (انْتاطراتْ) بئر مشهورة أيضا. (مايْكومْ) بئر مشهورة لتندغا. (انْتُجَىْ) ويقال له: مراجيع انتجى، وإياه يعني ابن حنبل بقوله في قوله: جُدْنَ ذا الرسل بسيل مفعم ... والمراجيع بسحساح لجبْ (أبَّيْراللبن) هو بئر مشهورة ايضا، وهي المعنية بالرسل، في بيت ابن حنبل لأن الرسل بمعنى اللبن. (تِنْ دَوْجه) منهل مشهور، وبه الوقعة المشهورة بين إدوعل، وإدابلحسن، وبها قتل الأحول الشاعر المشهور، وسيأتي بيانها. (بُتِيلِميتْ) بئر مشهورة لأهل الشيخ سيدي، وقد مضى عليها زمان في حياة الشيخ سيدي، لا يصله خائف إلا أمن، ولا فقير إلا استغنى، ولا جائع إلا شبع، فهي كقبة ذي الأعواد، وقد صدق الأسود بن يعفر في قوله: ولقد علمت سوى الذي حدثتني ... أن السبيل سبيلُ ذي الأعواد

стр. 465

الكلام على لعكل (لِعْكُلْ) (بلام مكسورة وعين ساكنة وكاف معقودة مضمومة ولام ساكنة) جمع مغير عن أصله، لأن واحده بالعاميه عُكلَهْ (بعين مضمومة وكاف معقودة ساكنة ولام مفتوحة، وبعد لام ساكنة) لأنهم يقولون: بنو فلان عند عكلتهم، فقياس الجمع العقل على فعل بضم ففتح، لأن مفرده على فعلة في الحقيقة وهي آبار قصار، بالنسبة لما يقال له بئر، في اصطلاحهم، لأن ما يمتح على الأيدي يقال له: عكلة، وما يمتح على السواني يقال له: بئر، في عرف أهل تلك البلاد، وفي التسمية الأولى توسع، لأنه في الأصل يقال: لما يمتح بالعقال وهو قصير، فصار يطلق على ما طوله خمس قامات، تبدى العقل من زار المتقدم، لأن له عقلة وئرى. (إنواكلميش) (بهمزة مكسورة ونون ساكنة وواو مفتوحة بعدها ألف وكاف مكسورة معقودة، ولام ساكنة ايضا، وميم مكسورة بعدها مثناة تحتية ساكنة، وشين معجمة ساكنة) وهو منهل لأولاد ابييري. (إنْوَاتِيلْ) منهل مشهور لناكنيت، وهو المراد بقول ابن أحمد دام في مطلع قصيدته المتقدمة. تألق لمّاع الوميض لموح ... بذي السرح يخفى تارة ويلوح (إنتيشط) منهل مشهور لتاكنيت أيضا. (بُغَابه) أصله أبو غابه، منهل مشهور، وبه يجتنون العلك، المشهور على ألسنة المشارقة بالصمغ، وهو منهل مشهور لتاكنيت، وإياه عنى ابن حنبل بقوله من قصيدته المتقدمة: وانهمى بالعين منها أيمن ... وبذي الغاب مياسير سُكُبْ (الفُرْغَيْلِيهْ) منهل مشهور، وأظنه لتيمركيون، وبعدها مناهل لم تحضرني الآن.

стр. 466

(تِنْدَعُمَرْ ابَيْلْ) منهل مشهور، وأهله تاكنيت. (انْوَدْكِي) (بهمزة وصل ونون ساكنة وواو مفتوحة ودال مهملة ساكنة وكاف معقودة مكسورة) منهل مشهور، لإداشغره، احدى قبائل إدابلحسن. (أبْيَضُ الماء) منهل مشهور، لإدَغْمَاجِكْ (بكسر الهمزة ودال مفتوحة وغين معجمة ساكنة وميم بعدها ألف وجيم مكسورة وكاف ساكنة) إحدى قبائل الزوايا، يقولون: إن أصلهم من تندغه. (لُمَّيْلْحَهْ) منهل لإدوعل، قبيلة من قبائل الزوايا، ويقال لهم: العلويون، نسبه إلى علي - كرم الله وجهه - وهو المذكور في أبيات ابن محمد المتقدمة: حول المليحة خَيِّمْ واغدونّ ورحْ ... ثم اغدرن ورح ثم اغدرن ورح (المُزَمْزمهْ) منهل قريب مما قبله، سمى بذلك، لأن بعض من يملكه، قدم من الحجاز وصب في بئره شيئا من ماء زمزم، وهو لإدوعل أيضا. (النُّباغِيه) مشتقة من نبوغ الماء، لكثرة مائها، وهي منهل لإدوعل أيضا. (إتوامهَ) منهل لإدوعل أيضا. وبعد أتوامه، مناهل لأبناء اعمر أكداش، قبيلة من قبائل إدابلحسن، ومن أشهرها: (تِنْدِيجمَارْ) (بمثناة فوقية مكسورة ونون ساكنة ودال مفتوحة ومثناة تحتية ساكنة وجيم مكسورة وميم بعدها ألف وراء ساكنة) وهي منهل مشهور. (شُبُكْ) منهل مشهور، كثير الماء، لا أدرى لأي قبائل إدابلحسن، وبه وقعة مشهورة بين قبائل من الترارزة، كان الظفر فيها لأبناء دامان، وبها مات الأفجح الشجاع المشهور. وقال قائله: أنا قتلت الأفجح. فقال له أحد قومه: كلهم فجح، يعني أن قومه كلهم شجعان. (المَسُّومِيه) منهل مشهور لأبناء اعمر أكداش.

стр. 467

(تِنْدَغْمَاجِكْ) منهل مشهور، لأبناء اعمر أكداش أيضا. (اغَوْرَطْ) منهل مشهور، لا أدرى لأي قبائل إدابلحسن. وهو المذكور في قصيدة أبَّدَّ المتقدمة: وأخرى أغرنا على آخرين ... بتنديجمارَ وآغورطا وهو الذي عربه إدييج الكمليلي في قوله من قصيدته التي تقدمت: لم أنس أيامنا حول الكُلَيم وإن ... شطَّ المزارُ وراءت قَوْلَة الواشي (بُوغبَيْرَه) منهل لأبناء بانَعْمر، إحدى قبائل إدابلحسن، وهو المراد بقول ابن أحمد دام، في مقطعته المتقدمة: إلى جنبتي ذي قسطل متنزه ... فإني إليها دائم الهيمان (إنْدُومْرِى) (بهمزة مكسورة ونون ساكنة ودال مضمومة بعدها واو وميم ساكنة بعدها راء) وهو منهل مشهور، وقد عربه ابن أحمد دام بقوله في قطعته المشار اليها بقوله: وهل لي بجنبيْ تغرريت إلى الصفا ... إلى الأجرع الغربي فالجرذان إلا أن الجرذان: جمع جرذ. فلعل اندومرى باللغة الشلحية، معناه الجمع. وبه سمى المنهل. (تَغْرَرَيْتْ) (بمثناة فوقية مفتوحة) منهل لأبناء بانعمر أيضا، المتقدم ذكرها في البيت المتقدم. (تِنْ بامْ) منهل لأدابلحسن، وقد ذكره أبد بن محمود العلوي حياته في أبيات. وكان قد بات بها ضيفا عند بطن من إدغاجك. يقال لهم: أولاد عام، فلم يحسنوا ضيافته. وأبد هذا غير المتقدم، وأبد هذا غير المتقدم، وإنما هو ابن أخيه، وأول الأبيات: يا ليلة بتها شرقيّ تِنْبام ... غالت بنِي ليلة فيها بنو عام

стр. 468

(آمنيكيرْ) منهل لبني ديمان. (إشنكاطْ) منهل لبني ديمان أيضا. (تِن محمد) منهل لإدابلحسن. (إجَّلَّهْ) منهل مشهور، وبه وقعة عظيمة بين اعل بن محمد لحبيب التروزي، وأخيه أحمد سالم، وانهزم فيها أحمد سالم ومن معه. (تِنْكرُكه) منهل من مناهل إدابلحسن. (لِمَّيْلحْ) تصغير الملح، بالتصغير العامي. وإنما لم نقل تصغير المالح، لما هو مشهور عند أهل اللغة من الخلاف فيه، هل يقال ماء مالح أو لا؟ والصحيح جوازه بقلة، وإن جعلناه تصغير مالح، فهو تصغير ترخيم، مع أن العامي خارج عن القواعد العربية، إلا أن الاشتقاق فيه ظاهر، وهذا منهل قديم، صيته أكبر منه، وهو الذي جر الحرب بين إدوعل وإدابلحسن، مع إنه لا قيمة له، ولو تركته إحدى القبيلتين للأخرى، كان أليق مما سال من دماء المسلمين بسببه وبه أول وقعة، وكانت الدابرة فيه على إدابلحسن، على ما يأتي بيانه، وقد صدق طرفة في قوله: قد يبعث الأمر العظيم صغيره ... حتى تظل له الدماء تصيب ومن العجب، إنه لم يستقر في ملك إحدى القبيلتين، بل بقى مهملا. (لِخْوَاويَّه) منهل مشهور لإدوعل. (العَين) بلفظ الباصرة، وهي منهل لإدوعل كثير الماء. (تِنْ وَغَيْمِلْ) منهل لإدوعل أيضا، وليس ماؤه بكثير. (إجَرَّارِيه) منهل مشهور لإدوعل، قريب مما قبله، وهو آخر العقل من جهة آتكور. (انْبَيْطِيه) منهل من مناهل إدوعل، كثير الماء، وهو من جهة الشمال عن تن وغيمل.

стр. 469

(انْبَيْطِيه) الثانية، منهل لأدابلحسن، قريب مما قبله. (تِنْكادُومْ) منهل لأدابلحسن، قريب مما قبله، ومن تنبَيعْلِ. (تِنْ بُيَعْلِ) منهل مشهور، وهو مختلف الأرض مع صغر مساحته، فمنه محل طوله نحو ثمان قامات، وهو كثير الماء جيده، وربما انهار على من يحفره فيموت، ويسمى هذا الموضع تنبعل البيضاء، ونوع يقال له: تاحميريت. وهذا أقل ماء مما قبله، وأقصر منه، ولا خوف على حافره، وهو متصل بما قبله، ولا حاجز بينهما، ومن هذا المنهل، نوع آخر يسمى تنيغرف، وهو أقصرها. وقد يكثر ماؤه وقد يقل. (أتويفجِّيرت) منهل يبعد عما فوقه بنحو ساعة، وهما لإدوعل أيضا. (آتْكُورْ) هو أرض بعد لِعْكُلْ، متوسط بينها وبين إرْكِيزْ، وبين آفطوط الشرقي، فأوله مما يلي العقل: (بَارَيْنا) (بباء موحدة وراء مفخمة مفتوحة وياء ساكنة ونون مفتوحة) وهي بئر مشهورة، تعد من آتكورْ، واقعة بين العقل وأركيز واكِيدِ، وهي المراد بقول ابن محمد المتقدم: حتى إذا عمت السقيا مسارحها ... فاسْق المسارح من بارين واسترح وهي لإدوعل، وهي ملقط للعلك (أي الصمغ) وقريب منها بئر لأبناء اعمر أكداش، نسيت إسمها، ويليها من شرقيها الجنوبي: (أبَّيَّرَاتْ تاكُنَانِتْ) وعن غربي هذه الجنوبي. (العَرْكُوبْ) بمعنى العرقوب، وهي بئر لإداشُغْرَه وبعدها: (إتْوَيدِرمى) بئر لإداشغره أيضا، وهي التي عناها لحنف المجلسي المتقدم بقوله: أهْلُ اليُنَيْبيع لا تعبأ بما فعلوا ... من دأبهم خلتان اللؤم والبخل وبعدها:

стр. 470

(بئْر البرْكهْ) بئر لإدَاشُغْرَهْ ايضا. (أبَّيْرْ أولادْ عِيسى) بئر لأولاد بنعمر، وما بعد ذلك من جهة الغرب الجنوبي، يقال له ايكيدي. (آمْكَيْني): بئر قريبة من إركيز، وهي آخر آتكور، مما بعد بئر البركه. (إبلحنوشهْ): ويقال له: إبلحلوبه، وهي بئر تقرب من أبيرات تاكنانت، وهو لأبناء اعمر أكداش، وبه وقعة مشهورة، بينهم وبين إدوعل، كانت الدابرة فيها على أبناء اعمر أكداش. (أنَكيمْ): كثيب متوسط بين آمكيني، وآفطوط، وأكثر ذلك الكثيب مشتد، وبعضه أعلا من بعض. (آفْطوطْ الشرْكِي): أي الشرقي هو أرض مشتدة، كثيرة الأشجار، مسيرة أيام عديدة طولا. (إرْكِبزْ): بحر عريض جدا، يقدَّر عرضه بثلث يوم، وهو راكد، ويسيل في بعض السنين على جهة الغرب، وسيله إنما يكون إذا كثر سيل شمامه. (حَبْايَهْ) هذا علم على الموضع الذي يحرث، إذا سال ارْكبز، وكانت حبايه لطائفة من السودان، فرحلوا عنها إلى موضع يقال له: (إدْوَفّالْ) بفاء مفخمة، فاشتراها منهم أحمد بن خيار العلوي، بأربعة فحول من الخيل العتاق، وفرقها في قومه، وهي مسيرة نصف يوم أو أزيد، وأولها من جهة الغرب الجنوبي: البْيبيدِي، وآخرها من جهة الشرق الشمالي: أخشيم اندرايه، ومن أماكن نواحيها الشمالية المشهورة: (بَرَّك) أي أنخ جملك: قالوا سمى بذلك، لأن أحمد بن خيار المذكور، كان ينزل هناك، فكان إذا مر به راكب يقول له: برك: أي انزل لأطعمك، ومن أماكنه المشهورة:

стр. 471

(لِغْبَيبيرِي) وبه وقعة بين أدوعل، وإدابلحسن مشهورة، كانت الدابرة فيها على إدابلحسن، وسيأتي بيانها. (سَهْوة الماء): أي آخره، هذا موضع انتهاء بحر إركبز، وفي هذا الموضع غيضة عظيمة، يقال لها (الكانه)، وهي أشجار ملتفة، وتسكنها السباع كثيرا، وتأوي إليها اللصوص، وقد ينزلها أبناء دامان، إذا خافوا، فيتحصنون بها من عدوهم، ولم يقدر أحد ان يغزوهم بها، غير ابن اعل بن محمد لحبيب. فإنه اقتحم عليهم فيها، ومزقهم كل ممزق. (المُيَسَّرْ): بئر مشهورة لأبناء اعمر أكداش، قريبة من الكانه، وهي ملقط للعلك، وهي في آفطوط. (إتْوَيْدِيمتْ بالِي): موضع لأبناء اعمر أكداش، قريب مما قبله. (إمْلازِمْ إرْعُودْ) الملزم عندهم. تقال للموضع الصلب الكثير الأشجار، الذي يجتمع فيه ماء المطر، ولا معرفة لي بأماكن آفطوط، وهذه المواضع هي المرادة بقول ابن حنبل: فاضا الرَّعودِ فملتقى أعراضِها ... فالدومةِ البيضاءِ فالسندانِ (إحْسَىْ اللبنْ): موضع قريب من رأس إركبز، وبه بئر قصيرة، تمتح على الأيدي. (بُوطْرَيفيهْ) موضع به غيضة عظيمة، وبه نخل لا أعرف لمن هو، وبه سباع، ودببة، وبه واقعة مشهورة بين إدوعل، وإدابلحسن، وكانت الدابرة فيها عل إدَوَعْل، وسيأتي بيانها. (المِذَّرِ ذْرَهْ): ومعناها المتساقطة الورق: هي بئر تمتح على الأيدي، لتاشدبيت، بين الكرعان وإجيد وإركبز. (إدْخَلْ): جمع دخلة على اصطلاحهم، وهي ما بعد رأس إركيز، مما يلي شمامه، وهذا يطلق على مواضع كثيره، ولم تحضرني أسماؤها الآن، وكل موضع

стр. 472

فيه أشجار، وترعاه المواشي، متوسط بين نهرين يقال له: دخلة عندهم. وتنتهي إدَخَلْ في لخشومه، وهي كثبان كثيرة الأشجار قبل شمامه، وهي مأسدة دائماً، وينتجعها الناس من أول الشتاء إلى آخر الصيف، وهي وبيئة جدا، وتمتد إلى أرض إكمليلن، وتندغ مغربة، وتلفت، محاذية إلى أرض البراكنه. الكلام على إكيدي (إكِيدِي): (بهمزة مكسورة، وكاف معقودة مكسورة، وبعدها مثناة تحتية ساكنة، ودال مكسورة) مناهل متعددة، وكلها آبار تمتح على الدواب، وهي عن غربي العقل الجنوبي، وكل أرض إكيد، كثبان إلا أنها ليست بدهسة وآبار تطوى بالحشيش وأغصان الشجر، وأشهر مناهلها: (تِنْيِخْلِفْ): بئر لبني ديمان. (أمْنَيكير): بئر لبني ديمان أيضا. (التَّاكلالِتْ): أي مقطوعة الذنب، هي بئر لبني ديمان ايضا. (إكدْرنيتْ): بئر لبني ديمان ايضا، وهو المذكور في شعر العتيق اليعقوبي المتقدم. (المحرد): بئر لإدكففه. (إنتيشط): بئر لإِدكففه ايضا. (تندغما جك الطَّلْحْ): بئر لبني ديمان. (إنْبَنْبهْ) بئر لبني ديمان أيضا. (المنار) بئر لبني دسمان أيضا. (النمجاطْ): بئر للتياب، وهو المذكور في شعر امحمد بن الطلب اليعقوبي المتقدم. (إنْككُو): بئر للتياب أيضا، وهو المذكور في شعر مولود اليعقوبي المتقدم.

стр. 473

(أخْرُوفهْ): بئر للتياب. (تندكْسِمىّ): هذا آخر إكيدي، مما يلي إحساء تاكنانت، وأكثر من ينزلها بني ديمان. (آوْلَيكات فاوه) بصيغة الجمع، المشم رائحة التصغير العامي، وواحدها آوليك، ومعناه البئر القديمة الواسعة القعر، وهي بئر لأبناء الفغ حبيب الله، قريبة مما قبلها. (حسيان تاكنانت): بمعنى الإحساء: وتاكنانت قبيلة معروفة من قبائل الزوايا، وحسيانهم تبتدئ من أواخر إكيدي إلى أجار، ومن جهة الشرق من عقل إدابلحسن إلى أجار أيضا، فمن أشهرها مما يلي إكيدي: (إنْواذِيبو): وهي بئر تعمر في بعض السنين، ويرحل أهلها عنها فتنكسر. (إحْسَىْ لِغْنَمْ): بئر لتاكنانت، قريب مما قبله. (تندك فظمهْ): بئر لتاكنانت، قريب مما قبله. (لِمهْيْريد) بئر لتاكنانت. (بَيْرْوَارَهْ)؛: بئر لتاكنانت أيضا، وأصله أبواير واره، واير واره بمعنى شجر القتاد، فأهل القبلة يسمونه إيروار، ويقولون لواحدته إيراواره، وأهل تكانت والحوض، يسمونه آوروار، ويقولون لواحدته: آور واره. (بُودْرَيكَهْ): بئر من آبار تاكنانت، تقرب من آجار. (إنْزَمَدّى): (بزاي مفخمة) بئر لتاكنانت، واقعة في أجار، من جهة الشمال أرض إديقب، وما رأيتها، وأشهرها: (تِنْيافيلْ) منهل مشهور. (تيمَجكفانين): منهل مشهور أيضا.

стр. 474

الكلام على أظهر وانوللان (أظْهَرْ وانوللاَنْ) أرضان بعد أكيدي، وهما أرض تندغ، ومن معهم من الزوايا وحسان، وقد مررت منهما، الا أني لا خبرة لي بهما، ولا أفرق بينهما، ومن أشهر مواضع تلك الجهة، ويقال لها الساحل: (تِنْضلهْا) وهي منهل مشهور، وكانت به أغلب إقامة العالم الصالح، باب بن محمذ بن حمدي الحاجي، أحد علماء تلك البلاد، وفيه أماكن كثيرة غيرها، لم أتذكر أسماءها. (آفْطوط السَّاحِلي) أرض صلبة فيها أشجار كثيرة، مسافته طولا بعيدة جدا، بحيث يسير فيه الراكب أياما. (إزْبارْ) رمال مرتفعة جدا، تحف المحيط الأطلانطيقي، ولا علم لي بتفاصيلها. الكلام على شمامه (شَمَامَهْ) أرض سوداء كبيرة المساحة، لا تسكن إلا من مبدأ فصل الشتاء، إلى آخر الصيف، وهي متفاوتة في الهواء، تبتدئ من قريب من الزيرة مما يلي أندرْ، ويقال له عند الجغرافيين: سنكال، وتلوى مع بحر أبجك، إلى أرض ابن هيبه، وهي كثيرة السباع والنمور، في أغلب السنين، وأخبرني من له بها خبرة أن السيل يعلو على رأس شجرها المسمى عندهم بآمور، وهذا الشجر فيه ما لا يقل عن خمس قامات طولا، وفيها مزارع كثيرة من الدخن، ويعرف عندهم بالبشْنَهْ، يبتدئ سيلها من آخر الصيف، إلا إنه يقتصر في أول أمره على الأنهار الجارية، ثم يعم الأرض كلها، فإذا انقطع هذا السيل، وجفت مجاري تلك الأنهار، تبقى كالأخدود العميق، وينقص الكبير منها، وتبقى نواحيه مرتفعة عن الماء بقامات، كما شاهدناه مرارا، فإذا كان في آخر الخريف، يتجاوز السيل إلى

стр. 475

جميع شمامه حتى يغطى أكثر أشجارها التي تقدم وصفها، فإذا كان السيل جاهلا (أي كثيرا) فذلك دليل على سيل حباية، التي تقدمت، ويكون سيلها بعد رجوعه من شمامه، هكذا يقولون. وبعد أن تجف شمامه، يبتدئ أهلها في زرعها، ويكون ذلك غالبا في شهر يناير. وهواء شمامه، رديء جدا، وماؤها مضر استعمالا وشربا. وهي أرض خصبة بالنسبة إلى ذلك القطر، قريبة من قرى فرانسة. وقد قال بض الأدباء في صفتها: صاح شمّر معي بكورَ غراب ... نسترح من بلاد بوله وجانب سئم القلب ماؤها وغضاها ... واكتفى من غَنيمها بالإياب كل أرض لأهلها جعلت شا ... ما وشامام أهلها في العذاب انتهى بنا الكلام على شنقيط وتخطيطها وبلدانها، بحسب ما علمناه. وهنا نتكلم على سكانها وجنسيتهم، وبعض شئونهم. الكلام على سكان شنقيط وجنسهم سكان شنقيط من حيث الجنس: في الأصل قبائل من البربر، التي كانت تقطن صحراء الغرب. ثم دخلها العرب في الفتوح الإسلامي، وتغلبوا عليهم. فصاروا قسمين: عرباً، وبربراً. ثم تجنسوا جنسين: الزوايا، وحسان. وانقسمت قبائل حسان إلى قسمين: العرب، واللحمة. فصار بهذا الاعتبار سكان شنقيط، ثلاثة أجنس، فالأول: كان يتوغل في البلاد، ينشر فيها دين الإسلام، وهم المجاهدون. والثاني: اشتغل بإحياء العلوم. والثالث: اشتغل بإصلاح الأموال، وكان يدفع للمتعلمين الزكاة، ويعطى الإعانة للمجاهدين. فغلبت على الأول حسان. وعلى الثاني الزوايا. وعلى الثالث اللحمة. فلما وضعت الحرب أوزارها، واجتمعت هذه الطوائف، بقى الزوايا على شأنهم من طلب العلم،

стр. 476

وإقامة الدين. وصارت حسان تتناهب الأموال، ويتقاتل بعضها بعضا، وصار ما كانوا يأخذون من اللحمة ملكا متوارثا، إلى أن صاروا يبتاعون رقاب اللحمة. أعني: إنه يبيع أحدهم من يتولاه للآخر، مع اعترافهم بأنهم أحرار، ولا يعنون بالبيع: الاسترقاق الشرعي، بل مرادهم بيع المكس، الذي يؤخذ من أحدهم. ويسمون اللحمة أزناكه، والأصحاب أيضا، والأمكاس التي يأخذونها عليهم، ليست إلا على الرجال البالغين، واعلم أن اللحمة أيضا يحملون السلاح، ويشتركون معهم في الحروب ونهب الأموال، وربما حاربوهم، فإذا وقع الصلح يعطونهم ما هو مقرر عندهم. بقى شنقيط منذ فتحه المسلمون إلى سنة ١٣١٧، لا يوجد فيه فرد واحد خارجا عن الإسلام، إلا أن أهله متفاوتون في الاستقامة. فالأغلب على الزوايا: الدين، وربما وجد فيهم بعض السفهاء، كما إنه ربما وجد في حسان، من ينسب إلى الاستقامة، بالنسبة إلى غيره منهم. ومن أعجب أمرهم: أنهم لا يعدون ظلم اللحمة ظلما، ويقولون: فلان يدافع عن المسلمين، إذا كان ينصر الزوايا على من ظلمهم، ولا يقدح عندهم في استقامته سفك حسان ولا ظلم اللحمة. وربما اعترض علىَّ بعض من وقف على أمور أهل تلك البلاد، بأن بعض زوايا أهل القبلة، له أتباع من اللحمة، يأخذ عليهم المكس، وكذلك بعض أهل تيرس، فهم في هذه كحسان. والجواب: إنا أردنا الأكثرية، ولا ريب في أن الذي قاله صحيح. وحيث أوضحنا لك انقسامهم في الأصل، فلنتكلم على ما هم عليه الآن، فنقول: ما رأينا منهم من يقر على نفسه بأن أصله من سكان تلك البلاد، إلا أن قبيلة لمتونة حفظ لها التاريخ أصلها. والخلف في لمتونة بين المؤرخين قديم. فالأكثر أنهم من حمير، ودخلوا بلاد المغرب في الجاهلية، وقد مشى عليه صاحب عمود النسب، فقال:

стр. 477

وآل عبادٍ ملوكُ الأندلسْ ... من نسل ذي الطوق وغالها الندسْ يوسفٌ العدل ابن تاشفينا ... الحميريُّ ثم من لمتونا وقال بعض الشعراء المتقدمين: قوم لهم شرف العلى من حمير ... وإذا دعوا لمتونه فهمُ همُ لما حووا علياء كلِّ فضيلةٍ ... غلب الحياءُ عليهمُ فتلثموا وقد ذكر بعض العلماء، انهم من البربر، والأول أصح. إذ يقال: إنهم خرجوا من زمن التبابعة من اليمن، واستوطنوا المغرب الأقصى، وملكوه في القرن الخامس. ومن أشهر ملوكهم: يوسف بن تاشفين، وهو الذي اختط مدينة مراكش. وذكر ابن خلكان: إنه كان لا يحسن العربية، وهذا دليل على انهم تناسوا العربية على القول الأول. أما بقاياهم الموجودة الآن، فأكثرها في أرض الحوض، وقد اجتمعت ببعض أفراد منهم، وما سمعتهم يتكلمون بغير العامية، ولعلهم تناسوا لغتهم الأخيرة. أما القبائل الأخرى، فأغلبها من العرب، والكل يدعي ذلك، سواء كان يتكلم بالعربية أو بالشلحية، ولابد أن يكون فيهم من أصله شلحي، وإلى ذلك يشير ابن الشيخ سيدي، في قصيدته المتقدمة بقوله: إلى نسب لهم بلغوا ادعاءً ... به أذواء حمير أو نزارا وفيهم قبائل، متحقق عند النسابين هناك صدقهم في نسبهم، فمن ذلك: القبيلتان المسمى بمدينتهما القطر كله، وهما إدوعل والأغلال، لم نر من خالف في أن الأولى علوية، والثانية بكرية، وكقبيلة كنت ومدلِشْ، فلا خلاف أنهما من بني أمية، مع تباين مشاربهما، وكذلك إدوعيش وتجكانت، وإدولحاج، فلا خلاف أنهم من حمير. وكذلك إدْيبسات، فلا خلاف انهم من الأنصار، وكإديقب وإدكبهني، من قبائل تشمشه. فالأولى من ذرية جعفر بن

стр. 478

أبي طالب، والثانية لم نر من طعن في شرفها، وكأبناء اخطيره، من قبائل إدا بلحسن، فإنا لم نر من طعن في شرفهم. الكلام على الزوايا ولما افترقت سكان شنقيط، إلى الأنواع الثلاثة المتقدمة، صار لفظ الزوايا علما على قبائل كثيرة، أغلب سيرها في تعلم العلم وتعليمه، وتعمير الأرض، بحفر الآبار وتسيير القوافل، وقرى الضيف، وبقيت هذه الطائفة التي هي عمارة الأرض مستمرة على ذلك، وربما وقعت حرب بين القبيلتين منهم، أو القبيلة الواحدة مع بعضها، وقل من نجا من هذا، إلا إنه قليل الوقوع بالنسبة إلى قبائل حسان. ومن العجيب، أن الزوايا على ديانتهم وعلمهم، أهل حقد على بعضهم، فترى القبيلتين إذا وقعت بينهما حرب، لا تنمحي أضغانها من الصدور، ولا يكون إلا صلح على دخن، بخلاف حسان، فإنك ترى الطائفتين المتحاربتين بعد قليل، صارتا يدا واحدة، واصطفتا لقتال غيرهما، وربما التجأ إلى القبيلة منهم بعض عدوهم، فآووه ونصروه. وماتوا يدافعون عنه. ما يحمد من أمر الزوايا وما يذم يحمد من أمرهم: عدم شهادة الزور، والتحرج من مال الغير. وأن أهل الجاه منهم لا يأخذون على جاههم ثمنا، وأن التعليم والإمامة يكونان مجانا عندهم. أما القرآن، فلا يرون بأخذ الأجرة على تعليمه بأساً، وربما تعلق الحيّ منهم بأحد العلماء الأجانب عنه، فشارطه سنة أو سنتين بشيء معلوم، على ان يعلمهم، ففعل. لكن من كان مع العالم في بلد واحد، لا يأخذ منه أجرة. ومن رحل إليه لا يأخذ منه أيضا، وربما التزم هذا العالم نفقة الغريب وكسوته، وعلمه أيضا. وهذا الذي ذكرت، إنما هو الأكثر. ومما ينتقد عليهم، أعنى زوايا القبلة، وتيرس، والحوض، كثرة التيمم صيفا

стр. 479

وشتاء، وقد أنكر ذلك بعض العلماء عليهم وشنع، فمنهم من يحتج بأن النابغة الغلاوي، أنكر ذلك عليهم. ثم إنه زكم بعد سنة، فصار يتيمم. وما أظن النابغة يتيمم إلا في أيام مرضه، ثم يعود إلى الوضوء. وبعضهم يزعم أن جده العالم الفلاني، أضرّ به الماء فصار يتيمم. وقد رأينا بعضهم يأخذ الدلو على فم البئر، ويصبه في الحوض المسمى عندهم بالتكدَّه، فيخوض في الماء إلى الكعبين، ثم يخرج ويتيمم. وممن أنكر ذلك عليهم، العلامة باب بن أحمد بيب العلوي، وقال في قصيدة: هذا وإني أرى أن التظهر لا ... يكون إلا بماء حيث يوجد ما ومنْ تيمم لا يجدي تيممه ... وقد أتى بذنوب لم تكن لمما وهي نحو الثلاثين بيتا، وأورد فيها النصوص على ذلك. وله في ذلك منظومة منها: وقد رأيناهم يعومون البحار ... ويتيممون ذلك النهار وقد رأينا المتوضئينا ... أطول أعماراً من الذين لم يتوضؤوا ولم يغتسلوا ... وقسم الرزق وحدّ الأجل وتقدمت قصيدة امحمد بن الطلب اليعقوبي في هذا المعنى، في ترجمته، ومع هذا، فإنك ترى أحدهم لو ائتمن على مال ما خان فيه، ولا يرضى أن يمر من مزرعة في طريقه، إلا بأذن مالكها، ولا تفوته صلاة في الجماعة، مع خشوع زائد. لكنه قام في ذهنه، إنه متى توضأ، فقد ألقى بنفسه إلى التهلكة. الكلام على حسان وسيرتهم إن حسان في أرض شنقيط، لهم ضرر ونفع، وبعضهم أكثر ضررا من بعض. أما نفعهم فهو خوف بعضهم من بعض، لأن في ذلك نفعا للزوايا وحسان،

стр. 480

فضرر حسان لمن جاورهم من الزوايا، أقل من ضرر البعيد عنهم. وما أقول في قوم يعيبون من مات منهم حتف أنفه، وإذا ذكر أحدهم ميتا له قتل في معركة، يقول: مات متفرشا، يعني إنه قتل آخر. وفي طبقتهم العليا أبَّهة عظيمة، فإنهم يحتكرون لفظة العرب لأنفسهم، ولا يسمحون بهذه اللفظة لغيرهم، كالزوايا مثلا. وكالطبقة الوسطى منهم أنفسهم، ولا يدعون أن من ذكرناه عجمي الأصل، بل لأنه عندهم لا يستحق ذلك الاسم لضعفه، ومثال من يقال له عربي عندهم من الترارزة، أبناء أحمد من دامان، وأهل عَبَّلَّ وأبناء دامان. أما أبناء آكُمتارْ، فأكثر ما يقال لهم: أعريب. بالتصغير العامي، وجدهم أخو أجداد المتقدمين، وكأبناء البوعليَّه وموسات، لانهم أضعف من السابقين. وتنقسم قبائل حسان في أرض شنقيط، إلى أربعة أقسام: قسم يقال له أولاد احيى من عثمان، وهم سكان آدرار، وقد يخرجون عنه أحيانا للنجعة. وقسم يقال له: إدوعيش، وهؤلاء يسكنون تكانت في أغلب أوقاتهم. وقسم يقال له: الترارزة، وهم سكان القبلة، أي من حدود سنغال إلى إكيدي والعُقلْ. وقسم يقال له: أولاد عبد الله، ويقال له البراكنة أيضا، وهم متفرقون. منهم من يسكن شمامه، وهم أبناء السيد، ومنهم من يسكن فيما بين آمشتيل وأفطوط، وهم أبناء أحمد إكيدي. وبعض يسكن الرك، أي القاع، وهم ابن هيبة وأبناء نُغْماشْ. الكلام على الترارزة الترارزة: هم آخر أجناس حسان شنقيط، مما يلي سنغال، وهم أحسنهم، لقلة مضرتهم للزوايا، بالنسبة إلى غيرهم، متفاوتون في ذلك. فأبناء أحمد من دامان، يدافعون عنهم الظلمة، ويخاطرون بأنفسهم في ذلك، ويرونه فخرا لهم، ولا يضر

стр. 481

الزوايا منهم إلا رئيسهم، فإنه قد يأخذ من بعضهم شيئا. وإذا وقعت فتنة في الزوايا، فإنه يرى أن الضغط عليهم أصلح لهم. وهذه كانت حالتهم في القديم، حتى انتهى الأمر إلى المتأخرين منهم، فإنهم أفرطوا في الظلم، وصاروا يدسون الدسائس بين الزوايا، ليجدوا طريقا لأكل مالهم. وهذا بخلاف قديمهم. وقد قال بعض الزوايا: يومان لا ظلم فيهما، يوم القيامة إذ يقول الله تعالى: لا ظلم اليوم. ويوم ينظر الإنسان إلى خيم أبناء أحمد من دامان، لأنه يكون يومئذ آمنا. وفي الترارزة نوع آخر، يسمونه حمر الترارزة، مثل العلب ولبيدات وغيرهم. وهؤلاء أعنى العلب، أصبر على الحرب وروغها من غيرهم. فهم يماثلون أحْيي من عثمان في آدرار، وفيهم قبيلة يقال لها: الرحاحلة. يغصبون من لفظ عرب، لأنهم يعرفون أنهم أحط من ذلك، ومن اللحمة لأنهم يرون أنفسهم فوقهم. الكلام على أبناء دامان هذه اللفة في الأصل، تطلق على خمس قبائل. وهم: أبناء أحمد من دامان (أي ابن دامان)، وأبناء ساسي، وأهل عتام، وأهل عَبّلَّ، وأهل آكْمتّارْ، يقال أنهم أبناء رجل واحد. وهو: دامان. فأبناء أحمد من دامان، هم الشيوخ الذين أبادوا أبناء رزكْ، وأول من ظهر منهم، اعل شنذوره، الذي أعطاه السلطان مولاي إسماعيل، المحلة التي أفنى بها أبناء رزكْ، والمحلة بمعنى العسكر. وهذا بدء ملك الترارزة. وكان ابن رازكه العلوي، هو السبب في ذلك كما تقدم. وبقي الاسم الجامع، وهو أبناء دامان، علما على أبناء ساسي وأهل عتام، مع من انضم إليهم. أما أبناء أحمد من دامان، فإنهم هم الشيوخ كما تقدم. ولهم مال سنوي على الدولة الفرنسية، من عهد اعل شنذوره، إلى قريب من زمننا هذا. وهذا المال للرئيس منهم، ويسمونه: آمْكبّلْ. وهو معظم أسباب الغدر بينهم، ليأخذه من

стр. 482

كان رئيسا بعد صاحبه. ويقال: انهم ما مات منهم رئيس، إلا بالغدر من أهل بيته وقومه، وهم متغلبون على الترارزة كلهم. ولا يعاندهم منهم إلا أبناء دامان. فإنهم من قديم، يحاربونهم وتكون الحرب بينهم سجالا، ثم تختم بنصرهم. ويقال: إن أحد رؤساء بني دامان، حضره الموت، فبعث إلى الشبان من قومه، وكشف لهم عن جسده، وأراهم آثار الرصاص في كل عضو من أعضائه. وقال: اعلموا أن الرصاص لا يقتل ما لم يصب هذا الموضع. ووضع إصبعه على ناصيته، وانحدر ماراً بها بين عينيه، ومنخريه وترقوتيه، إلى أن وصل إلى بطنه. ثم قال: أوصيكم بعدم الصبر لبني أحمد من دامان. فإن قتلوكم صباحا، فاقتلوهم مساء. وإن قتلوكم مساء، فاقتلوهم بكرة. ومات بعد هذا، وقد عملوا بوصيته، وإذا أراد أحد بني أحمد من دامان، أن يحارب رئيسه انضم إليهم، إلا أنهم لم يفلح منهم أحد، بسبب بغضهم عند عامة الترارزة، غير اعمر سالم بن محمد لحبيب، ثم إنهم صاروا شؤماً عليه في الآخر، كما يأتي: الكلام على حروب الترارزة ما وقع بين الترارزة مع غيرهم، لا يذكر بالنسبة لما وقع بين بعضهم وبعض. فقد تقدم أن أعيان الترارزة، هم أبناء أحمد من دامان، وتقدم ذكر العداوة بينهم وبين أبناء دامان، وأما ما وقع بين أبناء أحمد من دامان مع بعضهم، فأغلب ذلك إنما هو طلب الملك، مثاله ما وقع بين سيدي بن محمد لحبيب، وأبناء اعل خملش. لما بلغ سيدي المذكور الحلم، كان أبوه رئيسا على الترارزة، وكان عادلا مهيبا، فحسده أخوه أحمد بن الليكاط، فنازعه الملك فنفاه، ثم قتله بعد ذلك. فقال أحمد بن عيده يعيره: محمد لحبيب السلطان ... إعلَ سمعُ حَتَّ ما عَسْ أقتل خوه اشكيكُ في المان ... داير بيه أخلاص الملحسْ

стр. 483

ثم تآمر سيد أحمد بن اعل خملش وأخوه، على قتله. وكانا ابني أخيه، واسمه إعل، وأضيف إلى خملش، وهو لسم موضع. لأنه ولد عنده، كما أن الليكاط المتقدمة، اسم نرضعة أرضعت أخاه أحمد، فغلبت عليه. الكلام على غدرة محمد لحبيب تآمر ابنا إعل خلمش، على قتل عمهما، مع من أطاعهما من أبناء أحمد من دامان، فعينا لذلك ليلة مخصوصة، وكان أكبر أولاده سيدي المتقدم، فاتفقوا على قتله مع أبيه، فاتفق أن سيدي المذكور، خرج في اليوم الذي قبل الليلة المعينة مع بعض رجاله، وكان يريد المبين عند حيّ من أتباعه، فخرج معه سيد أحمد بن إبراهيم اخليل، يريد اغتياله تلك الليلة، وهو لا يدري. فلما وصل إلى الحيّ الذي كان يقصده، وجده قد رحل، فبات على مكان عال، ولم يضطجع لشدة حزمه. فبينما هو جالس آخر الليل، إذ سمع الرصاص في ناحية الحيّ، الذي خرج من عنده، فعلم أن أباه قتل. فأمر أصحابه بالقبض على ابن إبراهيم اخليل، وأن ينزعوا السلاح منه، وأن يقودوا به فرسه، خوفا ان يهرب عليها، فرجع إلى أهله فوجد الناس يظنون إنه قتل أيضا. فلما رآه الناس انضموا اليه، ولم يبق الا قتلة أبيه، وكانوا اثني عشر رجلا، فقتلهم في ذلك اليوم عن آخرهم، ما عدا إبراهيم ابن بوحُبّيْني، فإنه تركه احتقارً له. الكلام على غدرة سيدي بن محمد لحبيب كان سيدي المذكور، عادلا، محباً للزوايا، مكرما لهم. وكان يجتهد في الحكم بالشريعة، أعنى في منازعات الناس. ويعين لذلك العلماء، ويدقق في تحري ذلك. أما أمر اللحمة، فقد تقدم أن حسان لا يرونه ظلما، مثل ما قال الفرزدق لأحد ملوك بني أمية، وقد دخل عليه هو وجرير، فسألهما عن سبب المهاجات بينهما، فقال له جرير: إنه يظلمني. فقال له الفرزدق: وجدت آبائي

стр. 484

يظلمون آباءه، فسرت على نهجهم، وكان سيدي المذكور، يستعمل الحرس، خوفا على نفسه من الغدر. فلما بلغ أخوه أحمد سالم، وكان صاحب بطش، أمن على نفسه من الغير، فترك الحرس، فصارت الشياطين من قومه يقولون له: أنت أحق بالرئاسة منه، لأن لك سبعة أخوة أشقاء، وهو لا شقيق له، وخالك شيخ أبناء دامان، كما ان أباك شيخ على جميع الترارزة، فغدره. وكان اعل ابن محمد لحبيب في أخواله، أعنى السودان، وكانت أمه أميرة من السودان. يقال لها: جنبت. فلما بلغه غدر أخيه، زحف بمن معه من السودان، وانضم إليه كثير من الترارزة، فالتقى معه عند منهل يقال له: إجلَّهْ. وقد تقدم، فهزمه أشنع هزيمة، ولم يزل يتوالى له النصر عليه، حتى أخرجه إلى تكانت، في طائفة من أبناء دامان، فاستعان بادوعيش عليه، فأمدوه بجيش، وخرج معه أحد أهل اسويد أحمد، فكانت وقعة (أيشايَهْ) اسم موضع، فقتل هو وانهزم جيشه. الكلام على غدرة اعل بن محمد لحبيب لما تولى اعل المذكور، رئاسة الترارزة، استتبت له الأمور، وكان مظفرا. فإن أبناء دامان ما أذلوا قبله، ولقد كانت الحرب بينهم وبين قومه سجالا كما تقدم. فلما انضموا إلى أخوته، لم يهزموه يوما واحدا؛ وكان لا يغزو أحدا. فإذا غزاه، فإنما يكون مراده الإرهاب، ولا يوقع به، وكان لا يطرد المنهزم. فلما غلب إخوته، وقتل من قتل منهم، واستتب له الأمر، استولى على قلبه الطمع. فجمع من المواشي من كل نوع ما لا يحصى، ونشر العدل، حتى إنه لا يتجرأ أحد من الترارزة على ان يغصب شاة لطالب، ولا يركب جملا له، وجعل على جميع الناس، إذا ضرب أحدهم الآخر، ولو لطمة بيده، مائة على الضارب، ومصلها على المضروب، حتى ما بقي أحد يقدر على ضرب الآخر، فوقع مرة أن اثنين تشاتما، فصار كل واحد منهما يبصق في وجه الآخر، ولا يقدر أن

стр. 485

يضربه، فلما طالت أيامه، ملّه الناس، فغدره أبناء أخيه سيدي المتقدم، الذي كان هو الآخذ بثأره، وبعد قتله، أخذ أخوه سالم بثأره، وتولى مكانه، فلما استتب له الأمر، حاربه ابنه - أي اعل المذكور - فقتله لبغض الناس لأخواله، الذين تقدم أنهم صاروا شؤما عليه، فصار رئيسا، إلا أن الوقت ضاق على رئاسته، بخروج النصارى إلى شنقيط، ثم غدر به أحد أقاربه، فقتله في أثناء مراوغته للنصارى، فانتهى الأمر، أي رئاسة الترارزة. الكلام على حروب حسان إن الحرب في حسان، أصل معهود بينهم، فتراهم مرة يحارب أحد أقسامهم المتقدمة بعضا، كما وقع بين إدوعيش والترارزة، وبين إدوعيش، وأبناء أحمد من دامان، وبين احيى من عثمان، وإدوعيش، وبين الترارزة والبراكنة، وبين البراكنة، وإدوعيش، وقد ينقسم الجنس الواحد منهم إلى قسمين، فيتحارب مع بعضه، كما وقع بين إدوعيش، حيث انقسموا قسمين، وكما وقع بين قبيلتين من قسميهم السابقين كما وقع بين أبناء طلحه، واندايات، وغير ذلك من قبائلهم. حروب تفرجنت وأبناء بنيوك هذه الحروب قريبة العهد، ولما اتفق الحيان المذكوران على الحرب، جعل كلهما يرحل إلى الآخر، فاصطفا للقتال وقت الظهر، فجعلوا يتضاربون بالرصاص، ويدنو كل منهم من صاحبه، حتى اختلطوا، فصاروا يتضاربون بالخناجر، فاتفق أن أحدهم ضرب الآخر بخنجره، فعض المضروب إصبعه، وقال للضارب: لو كان عندي خنجر لانتقمت منك. فقال له: خنجري يكفيني وإياك، فجعل أحدهما يضرب صاحبه. ثم يناوله الخنجر حتى ماتا، ولم تزل المعركة مستمرة، حتى انتصف الليل، فتحاجزا، ولم يرتد أحدهما على عقبيه.

стр. 486

حروب إدوعيش كانت إدوعيش أهل ظفر في حروبها، فلذلك كان يقال لهم مفنيين الدول، أي مبيدوهم. لأنهم أبادوا أبناء امبارك، وكانت السيطرة لهم، ولأنهم قد كسروا الترارزة، أعني قبل عصر اعل بن محمد لحبيب بكثير، وأما أبناء احيى من عثمان، فأمرهم معهم مشهور، من السيطرة عليهم. وكانت إدوعيش يدا واحدة، تحت رئاسة أهل اعمر بن امحمد، ويقال لهم أهل امحمد بن خونه، وكان أشهر رؤسائهم، محمد بن امحمد شين، وكان عادلا، وكان يعتقد كفر قومه، فلذلك كان يضطهدهم، وتقدمت قصته مع ابن باه، في ترجمة سيدي محمد بن سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي، ولما مات، تنازع اخوته مع ابنه اسويد أحمد فانقسموا قسمين. قسم يقال له: اشراتيت، ورؤساؤه اخوته، ومعنى اشراتيت: الدببه، لقبوا بذلك، لأكلهم أموال الناس، وقسم يقال له: أبكاك، ومعناه الصمغ الأسود، ولعلهم لقبوا بذلك، لكثرة ما فيهم من أطراف الناس، ويرأس هذا القسم، أسويد أحمد بن محمد بن امحمد شين، فتغلب اسويد أحمد على أعمامه، وتولى بعده أخوه سليمان، فغدره ابن أخيه المذكور، واسمه محمد بن اسويد أحمد والد سيد أحمد لبات، الفارس المشهور، فغدره عبد لكنته، فتولى بعده أخوه بكار، الذي ملأ صيته أرض شنقيط، وقد اشتهر بالصبر، وسياسة الحرب، وإكرام الزوايا، ولم يدخل إدوعيش أكرم منه، وطال عمره، وكثرت أولاده، وقتله فرانسة، بعدما جاوز المائة، وقد بلغنا ذلك، ونحن بمصر، وكان ذلك آخر أمر إدوعيش. الكلام على أولاد امبارك تقدم أن أبناء امبارك، كانوا هم أهل الشوكة، حتى تغلبت عليهم قبائل إدوعيش، ومن انضم اليها، وكانوا أهل أبهة عظيمة، وكرم وعدل ومما يحكى عنهم من النخوة، أن أحدهم كان يعتاد أن يدخل على أمه في كل ضحوة، فيجد عندها

стр. 487

شيئا من اللبن، في قدح نظيف لا يشرب فيه غيره، فدخل عليها يوما على العادة، فلما أدنى اللبن من فمه، اقشعر جلده، فعلم إنه قد شرب منه أحد. فقال لأمه: أصدقيني من شرب من هذا اللبن. فقالت له: شرب منه شقيقك فلان، وهو مثلك، فقال لها: إني رأيته وهو صبي، عض صبيا من الحدادين بأسنانه، فامتنع من الشرب من ذاك الإناء بعد ذلك، ورآه نجس العين. ومن نخوتهم، أن (الكفيه) المشهور، وقد أدركنا من يعرف شخصه، نزل ببكار بن اسويد أحمد، رئيس إدوعيش، فبنى له بيتا، وكان بكار يذهب إليه بنفسه، ويواكله في محله، فأتاه ليلة مع من يحمل له شيئا من اللحم، فلما وضعه بين يديه امتنع من أكله، فسأله عن السبب. فقال: إني لست سبعا، فإن هذا الوقت لا يأكل اللحم فيه غير السباع. وخرجا يوما يتريضان على فرسين، فمرا بمنهل غاص بالناس، يسقون إبلهم فيه، فأتوهم باللبن، فشرب منه بكار أولا، وناوله، فامتنع من الشرب، فسأله عن السبب، فصرح له بأنه لا يشرب في المنهل، إلا أوباش الناس، فحقد عليه بكار، فكان هذا سببا في دس من يقتله بعد ذلك واشتهر الكفيه هذا، بالنظم المسمى عندهم بالغناء، ومنه قوله يعتبر بما فعل بهم مشظوف، وكانوا خولا لهم، فحاربوهم وغلبوهم، فقال: أسْكِ عنْ تصريفْ القيُّومْ ... وَاسْكِ يَذاك التّصرُّوفْ مشظوفْ أكبلْ ملْكِ واليُومْ ... عِدْتْ آنَ مالِكْن مشظوفْ أسك عندهم: كلمة بمعنى التعجب، ويذاك: بمعنى يا ذلك، والتصروف: مصدر بمعنى التصرف، وأكبل: بمعنى قبل، وعدت: بمعنى صرت، وهي عربية، يعني انهم كانوا ملكه فانعكس الأمر. ومن نظمه أيضا: مَحَدْ الدّنْييَ مايْلَ ... شَوْرَكْ واعْليهَ مايِلْ اعْلمْ بعْدْ إنه زايْلَ ... وأنتَ واياهَ زايِلْ محد: بمعنى ما دامت، وشورك: بمعنى إليك، أي ما دامت الدنيا تميل

стр. 488

إلى ناحيتك، وتميل إليها بقلبك، فاعلم بعد ذلك انكما زائلان. مَذَ مِنْ حَدْ اشْتاكْهَ ... واجْمَعْهَ بعْدْ افْرَاكْهَ مِلْكْ اذْهَبْهَ وانْياكُهَ ... يِمِرْكاتِنْ واشْوايلْ وامْشَ عَنْهَ ما ظاكْهَ ... وانَ ذا الِّ كايلْ مذ: بمعنى ماذا، واشْتاكهَ: بمعنى اشتقاقها، وأفراكه: بمعنى فراقها، وأنياكه: بمعنى نياقها، وتمركاتن: بمعنى أنها غير حلوبة، واشوايل: بمعنى حلوبة، وهذه اللفظة عربية، إلا أنهم عكسوا معناها، لأن الشائل عند العرب، هي التي شالت بذنبها اللقاح، ولا لبن لها أصلا، والشائلة ايضا: تقال لما بقي في ضرعها بقية، وامش: بمعنى ومشى، وظاكه: بمعنى ذاقها، وان ذا الّ كايل: أي وأنا هذا الذي أقول: فاتُ مُلْكُوهَ لوْلِينْ ... الِّ مُلْكوهَ مُلْكْ زينْ أعْكبتْ فيْدْ التّاليبن ... هاذُوْكْ ارْحايلْ وانْزايلْ غَيْرْ الِّ يِمْشُ كامْلِينْ ... عَنْهَ مشْيِتْ لَوَايلْ ارحايل، وانزايل: بمعنى راحلين ونازلين، هاذوك: بمعنى أولئك. الكلام على انمادِي انمادِي، علم على أناس تجمعوا للصيد من قبائل شتى، وسكون في القفار والمهامه، ولا يملكون غير الكلاب، وليس لهم طعام إلا لحوم الوحوش، ولباسهم الجلود، ومهور نسائهم الكلاب، وهم أشد الناس عدواً، حتى ان أحدهم ليطارد هو وكلبه الظبي، فيبسق كلبه، وهم أصبر الناس على العطش، وأشدهم هداية في مجهول الأرض، وأغلب إقامتهم فيما بين تيشيت وآوكار، وآخر تكانت، وأدافر، حيث تكثر الوحوش، وتخلو الأرض من الناس،

стр. 489

وهم أشد الناس وفاء، بحيث لو أن إنسانا أطعم أحدهم أو كساه ثوبا، لجعل ذلك منة لا ينقضي شكرها، فإذا وجده في خلاء من الأرض دله على الماء، وسار معه إلى أن يبلغه حيث أراد. وهم آفة لضالة الإبل، وكانت مضرتهم قليلة حتى صاروا يقتلون من يقدرون من المسافرين، ففعلوا ذلك بأناس ايديبسات، وكان فيهم - أعني اديبسات - رجل مدبر يعلم أمور انمادي، فعزم على إبادة جميعهم، إلا إنه كان يخاف من حسان، فذهب إلى رؤسائهم، فذكر لهم ما لقي قومه منهم فتبرؤا منهم، فنزل منهلا في جمع من قومه بخيمهم ومواشيهم، فمر عليه أناس منهم، فكساهم وأطعمهم، وأظهر لهم البشاشة، حتى أمنوه، فصاروا يأتون إليهم جماعات جماعات، فيقتل فيهم حتى لم يبق منهم إلا القليل، ولغة هذا الجنس من الناس، هي العامية الدارجة إلا أنهم لا ينطقون بميم الجمع، فيقولون: السلام عَليكُ، في السلام عليكم، وكيف حالْكُ، في كيف حالكم، والاستغناء بالضمة عن الواو، من لغات العرب، وأفردنا هذه القبيلة بالذكر لغرابتهم، وهم معدودون من اللحمة. ومن هدايتهم ووفائهم، أن تاجرا من أبناء أبي السباع، كان في مجهول من الأرض، يحمل بضاعة، متوجها إلى تينبكتو، فبينا هو يسير صباحا، إذا بأثر شخص جديد، فجعل يقص أثره، فإذا هو به نائم، فوثب على صدره، وجعل خنجره في نحره، فسأله عن خبره، فلما عرفه أعطاه ثوبا، على أن يذهب معه، ويرده غل موضعه. وكان في رمال عظيمة، فلما نفد ما عنده من الماء، أظهر جزعا عظيما، فسكنه، وفحص له في وسط رمل عن صخرة، تحتها عين جارية، فلما سقوا إبلهم، وملأوا قربهم، واراها كما كانت، لئلا يعلم موضعها غيره، حتى إذا أوصله إلى الموضع الذي يقصد قال فيه: أني لا آمن هؤلاء الناس، فواعده على يوم معين يجده فيه، ليرجعه إلى الموضع الذي أخذ منه، فوفى له.

стр. 490

الكلام على حسان شنقيط من حيث الشجاعة في الحرب حسان شنقيط، متفاوتون في الشجاعة. فالترارزة أهل ثبات وإقدام، إلا أنهم لا يصبرون على المراوغة، كما يصبر عليها إدوعيش، وأثبتهم الترارزة الكحل، أعنى أبناء بنيوك، وتغرجنت، وزنَبتِّ، وأبناء عايد، ومعنى الكحل، انهم سود الألوان، لكناهم شمامه. وهؤلاء عادتهم عند اللقاء أن يحمل بعضهم على بعض، حتى يقتتلوا بالخناجر، وكان أبناء عايد في محاربتهم لأبناء الفاغي، يحملون عليهم، ويجعلون أفواه مدافعهم إلى الخلف، وأولئك يضربونهم بالرصاص غير مبالين برصاصهم، حتى يختلطوا معهم، فلذلك اشتد خوفهم منهم. أما إدوعيش، فهم أعرفهم بركوب الخيل، ومعرفة القتال عليها، والناس يرمونهم بالجبن وحقيقتهم أنهم لا يسمحون بمهجهم، إلا إذا صال عليهم عدوهم، ووافاهم عند حريمهم، وأولادهم، فإنهم يكونون إذ ذاك أسود وغى، وترى الفارس منهم يقتل، وهو فار عن عدوه، كما يقتل وهو مقبل، وإذا رأوا عدوهم اليوم أقوى منهم، فروا عنه، ثم يرجعون إليه، حتى تضعف قواه بذلك، وكان بكار بن اسويد أحمد رئيسهم، يقول: عدوى لا يستريحون إلا إذا غلبتهم. أما قبيلة أحيى من عثمان، فإقدام وثبات ومراوغة، وإذا فروا لا يحسنون الكرة. حرب بكار واشترتيت كان بكار وأبناء عمه، على ما عليه جده وأعمامه، فإذا كان صلح، فبكار هو الرئيس المطلق، وإذا تحاربوا، يهزمهم مرة، ويهزمونه أخرى، وقد يستعين بكار بكنت، ويستعين أبناء عمه، بأهل سيدي محمود، وأغلب حروبهم، إنما هي مناوشات. فإذا كان زمن البلح، يستبقون إلى وادي

стр. 491

تيججك، فأيهما سبق إليه، يرجع عنه الآخر، وقد يبقى لمن هزم الآخر منهما، ووقعت بينهم أيام كثيرة، لم تحضرني تفاصيلها. حروب الترارزة لم تبق طائفة من الطوائف، الا حاربت الترارزة. فأما البراكنه، فإنهم لم يقووا عليهم. وأما إدوعيش، فقد صالوا عليهم، ونزلوا أرضهم وهزموهم. وأما أحيى من عثمان، فقد حاربوا محمد لحبيب أحد رؤساء الترارزة إذ ذاك، وكان ينتجع المراعي، وأكثر الترارزة في أرض القبلة بعيد منه، وكان نازلا عند الملحس، فغزاه أحمد بن عيْدَّ فهزمه، وأخذ ما معه من المال، وقطع بعض قومه أذني امرأته، أم رأس، فصار محمد لحبيب، يتحين الخريف، ليقدر على غزوه، لبعد ما بينهما، فقال أحمد بن عيد: محمد لحبيب السلطان ... ما بان إنَّ لاه يمتانْ شَتَّيْنَ في الخطّ أُفكان ... ماجَ فيه ولاحَ في الصَّيف هوكاعْ الَّ بو جِعْرَانْ ... بخبارُ بِسْتنَّ لِخْرِيفْ كاع: بمعنى لا يجاوز أن يكون إياه، وأبو جعران: دويبة معروفة، تألف النجاسة، ولا توجد إلا في الخريف، وكان ابن عيد المذكور متحصنا بجبل آدرار، فغزاه سيدي بن محمد لحبيب، فلم يجده، فقطع نخله ورجع. الكلام على أحيى من عثمان إن الناس ينطقون باحيى بغير ألف، وأظن أصلها أحياء، فقصروها، ثم تركوا الألف، لكثرة الاستعمال، وهذه اللفظة، تطلق على قبائل، كأهل عمنّى وأولاد غيلان وأولاد سَلْمُون وأولاد آكشر وغيرهم، والرئاسة في آدرار منذ زمن في قبائل حسان، إنما هي لأهل عيدَّ يتوارثونها، ويقتل بعضهم بعضا من

стр. 492

أجلها، ومع ذلك فلأهل اسويد أحمد، السيطرة عليهم. ولم نطل الكلام على حروب حسان لكثرتها، وعدن معرفتنا بتفصيل مواقعها وأسبابها. حروب الزوايا وحسان هذا النوع من الحروب نادر، لأن الزوايا أصلهم أهل تؤدة وصبر، ومشربهم الدين، إلا أن هذا النوع قد وقع. فمنه ما كان الباعث عليه الدين. كما وقع بين زوايا القبلة وحسانها، كما سنبينه قريبا. ومنها ما جلبه إفراط حسان في الظلم، كما وقع بين كنته وإدوعيش. وكما وقع بين أولاد الناصرو تِنْوَاجِيو وغير ذلك. حرب شرْبَبّهْ هذه حرب دينية، سببها ان واحدا من اللحمة اسمه ببَّهْ، منع الزكاة، فأراد الزوايا أخذها منه بالقوَّة. فدافع عنه حسان، وقالوا لا يعطيها إلا عن طيب نفس منه، فصاروا يدا واحدة. وأما الزوايا: فإن بعض قبائلهم حارب بأجمعه، كقبائل تشمشه وإجَيْجبهْ، وبعض القبائل انقسم قسمين: فمنه من دخل، ومنه من اعتزل هذه الحرب، كإدوعل وإدابلحسن. فإن إدوعل إذا ذاك لم يصل إلى تلك الأرض منهم إلا عدد قليل. رئيسه عبد الله بن الطالب، المعروف بالغاظي، أي القاضي. وذلك قريب من حربهم التي وقعت بينهم في مدينة شنقيط، كما سيأتي بيانه. فدخل في حرب شربَّبه منهم ثلاثون رجلا، فاستشهد نصفها، ونجا النصف الآخر. وأما إدابلحسن: فبعض الناس يزعم أنهم اعتزلوها كلهم، وذلك يعارضه ما روى

стр. 493

أن وقعة من الوقائع، سبق فيها الزوايا حسان إلى غدير لا يوجد غيره من الماء، وكان النهار حارا. فلما رأوهم عنده، أحجموا عنهم، فأراد الزوايا أن يحملوا عليهم. فقال لهم الميمون، وكان شابا: دعوهم يشربوا، لئلا يقولوا: لولا العطش ما غلبونا، فتنحى عنهم الزوايا. فلما شربوا أفسدوه عليهم. فعطش الزوايا وكانت الدابرة عليهم. وكان الميمون هذا، من إدابلحسن. ويقال إنه جد أهل مكر. وأما من اعتزل الحرب: فقبائل كثيرة، منها أبناء أبييري. ناصر الدين لقب عالم من علماء أبناء ديمان. نصبه الناس رئيسا لذلك القتال، ولا أدرى اسمه. وكان صالحا ناسكا، فمات في تلك الحرب. ولهذه الحرب أيام مشهورة، لم تحضرني تفاصيلها. فمنها يوم ترتلاس (بتاء مثناة فوقية مكسورة وراء ساكنة ومثناة فوقية مكسورة أيضا، ولام مشددة وبعدها ألف وسين مهمله ساكنة) اسم موضع. ومنها يوم اعليب الغظيا. اعليب تصغير علب، بالتصغير العامي، وهو الكثيب العظيم، وهي عربية، إلا أن العرب يخصونه بالمكان الذي لا ينبت، وأهل شنقيط، يطلقونه على المكان الغليظ مطلقا. والغظيا بمعنى القضاة. وقد ألف العلامة اليدالي، تأليفا في تلك الحرب مستوفى، إلا أني لم أره. وانتهت هذه الحرب بغلب الزوايا، لقلة معرفتهم بتدبير الحرب، بعدما كان النصر حليفهم. وأغلظ عليهم حسان في شروط الصلح. فمنها أن قبائل حسان من ذلك التاريخ، لا يحفرون الآبار، بل كل بئر للزوايا وردوا عليها، لهم ثلث مائها. ومنها إن المسافر منهم إذا نزل بحيّ من الزوايا يحملونه على دابة، حتى يصل إلى حيىّ آخر، حتى ينتهي إلى مقصده، إلا أن هذا لا يرضاه لنفسه أهل المناصب والأقدار من حسان. وهذه الحرب، هي التي ذكر امحمد بن الطلب صنيع قومه فيها، في عينيته المتقدمة. فقال:

стр. 494

على حافظ من عهد شرببَّ حافظوا ... على ملكه مثل المجرة مهيع حروب كنته وإدوعيش كانت كنته، تعط الغفر لإدوعيش على عظمتها، وشدة شكيمتها، لأن الزوايا لا يقدر أحد منهم ان يذهب بقافلة إلى السودان، ويرجع بها موفورة، إلا إذا كان يعطى الغفر لأحد قبائل حسان، ويكون ذلك الحساني صاحب شوكة، وإلا أكلته حسان، وكانت أشراتيت تبالغ في ظلم كنته، للخصوصية التي بين إشراتيت وإدولحاج، والتي بين كنته وأبكاكْ، وربما تقابل الفئتان، فتقابلت كنته وإدولحاج وأبكاك وأشراتيت. فمضى زمن على ذلك. ثم إن أبكاك، أفرطوا في ظلم كنته، إلى أن وقعت موجدة بين بكار، وإبراهيم ابنه المعروف بإبراهيم بن إبراهيم، أضيف إلى نفسه، لأنه لما تكدر من أبيه، أقسم أن لا يضيفه أحد إليه إلا قتله، فأضيف إلى نفسه. فرحل إبراهيم عن أبيه، ونزل مع إشراتيت، وأهل سيدي محمود. ثم إنه ذهب في فرسان منهم واستاق إبلا لكنته، فتبعه فرسان منهم، فأتوه من الأمام، وقالوا له: أنت غالط أو متعمد. فقال لهم: بل متعمد. فقالوا له: إن كنت تريد بالإبل أباك، فاذهب بها إليه، وإن كنت تريد أن تسوقها إلى أعدائنا، فإن ذلك لا يكون، فقال: إنه سيكون، ثم إنهم قتلوه وردوا إبلهم، فعلم أبوه بذلك، فقال: هذا ظالم يستحق القتل، ثم إن كنته، قتلوا أيضا اثنين من أبناء بكار، فغضب لذلك، فعلم كنته أنهم لا يقدرون على حربه، وكان ذلك زمن قتل إديشلِّي لأحمد بن امحمد بن عَيْدَّهْ، رئيس حسان في آدرار، وكان ابن أخت بكار المذكور، فاحتمى به قتلته، فأجارهم، فرأى قبيلة كنته ذلك فرصة، فانضموا إلى أحمد بن اسويد أحمد بن أحمد بن عيده، واصطف بكار، وأشراتيت لقتال كنته، وأحيى من عثمان، (أي ابن عثمان) فتلاقى الجيشان في تكانت، فقاتل كنته وأشراتيت، فهزمهم

стр. 495

كنته، وتقابلت أبكاك، وأهل آدرار، فهزمهم أبكاك، ثم إن بكار حارب في أثناء ذلك أشراتيت أيضا، فصار يضارب هؤلاء من ناحية، وهؤلاء من ناحية، حتى غلب الجميع. حروب الزوايا مع بعضهم قدمنا أن حروب الزوايا قليلة بالنسبة لروب حسان، فلذلك أخرناها لكونها كالفرع لها، وتلك كالأصل، ولنبدأ منها بحرب أهل مدينة شنقيط نفسها، لأن القطر كله سمى به، فهو تابع له، وإنما لم نبدأ بها قبل حروب حسان، لأنها خاصة بالزوايا، كانت مدينة شنقيط بسكنها ثلاث قبائل كما قدمنا، إدوعل: ولهم الرئاسة المطلقة، والأغلال، والسماسدة، فأعطى إدوعل الإمامة في الصلاة للسماسدة، ثم نزعوها منهم وأعطوها للأغلال، وبقيت فيهم، ولما نزعت الإمامة من السماسدة، خرجوا وبنوا مدينة آطار وأوجفت، وكان السماسدة صمموا على ان يوقعوا بادوعل، الا انهم كانوا يعلمون انهم أضعف منهم، فترقبوا خروج القافلة، لعلمهم أن معظم رجالهم يخرج فيها، وبلغ إدوعل ما هم عازمون عليه، فخرجوا وكمنوا لهم قريبا من المدينة، وبثوا عيونهم، فلما أخبروهم بخروجهم للغدر بمن بقى منهم، تلقوهم وهزموهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، ولم يحدث بينهم غير ذلك. حرب إدوعل البيض والكحل اعلم أن البيض والكحل، لقبان لرجلين تفرعت منها هذه القبيلة، وكانا أخوين شقيقين، وكان لهما عم، فمرض، وكان له شراب مخصوص، فلما أخبرا بأنه يخصه، امتنع أحدهما من شربه، شفقة عليه. فسماه الأبيض، وشربه الثاني وقال كلمة تؤذن بعدم الاكتراث بعمه، فسماه الأكحل، فغلب اللقبان عليهما،
следующие страницы →