← Тараджим

Тараджим · id 95696

الوسيط في تراجم أدباء شنقيط

أحمد بن الأمين الشنقيطي

Полный текст (580 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

تيججك، فأيهما سبق إليه، يرجع عنه الآخر، وقد يبقى لمن هزم الآخر منهما، ووقعت بينهم أيام كثيرة، لم تحضرني تفاصيلها. حروب الترارزة لم تبق طائفة من الطوائف، الا حاربت الترارزة. فأما البراكنه، فإنهم لم يقووا عليهم. وأما إدوعيش، فقد صالوا عليهم، ونزلوا أرضهم وهزموهم. وأما أحيى من عثمان، فقد حاربوا محمد لحبيب أحد رؤساء الترارزة إذ ذاك، وكان ينتجع المراعي، وأكثر الترارزة في أرض القبلة بعيد منه، وكان نازلا عند الملحس، فغزاه أحمد بن عيْدَّ فهزمه، وأخذ ما معه من المال، وقطع بعض قومه أذني امرأته، أم رأس، فصار محمد لحبيب، يتحين الخريف، ليقدر على غزوه، لبعد ما بينهما، فقال أحمد بن عيد: محمد لحبيب السلطان ... ما بان إنَّ لاه يمتانْ شَتَّيْنَ في الخطّ أُفكان ... ماجَ فيه ولاحَ في الصَّيف هوكاعْ الَّ بو جِعْرَانْ ... بخبارُ بِسْتنَّ لِخْرِيفْ كاع: بمعنى لا يجاوز أن يكون إياه، وأبو جعران: دويبة معروفة، تألف النجاسة، ولا توجد إلا في الخريف، وكان ابن عيد المذكور متحصنا بجبل آدرار، فغزاه سيدي بن محمد لحبيب، فلم يجده، فقطع نخله ورجع. الكلام على أحيى من عثمان إن الناس ينطقون باحيى بغير ألف، وأظن أصلها أحياء، فقصروها، ثم تركوا الألف، لكثرة الاستعمال، وهذه اللفظة، تطلق على قبائل، كأهل عمنّى وأولاد غيلان وأولاد سَلْمُون وأولاد آكشر وغيرهم، والرئاسة في آدرار منذ زمن في قبائل حسان، إنما هي لأهل عيدَّ يتوارثونها، ويقتل بعضهم بعضا من

стр. 492

أجلها، ومع ذلك فلأهل اسويد أحمد، السيطرة عليهم. ولم نطل الكلام على حروب حسان لكثرتها، وعدن معرفتنا بتفصيل مواقعها وأسبابها. حروب الزوايا وحسان هذا النوع من الحروب نادر، لأن الزوايا أصلهم أهل تؤدة وصبر، ومشربهم الدين، إلا أن هذا النوع قد وقع. فمنه ما كان الباعث عليه الدين. كما وقع بين زوايا القبلة وحسانها، كما سنبينه قريبا. ومنها ما جلبه إفراط حسان في الظلم، كما وقع بين كنته وإدوعيش. وكما وقع بين أولاد الناصرو تِنْوَاجِيو وغير ذلك. حرب شرْبَبّهْ هذه حرب دينية، سببها ان واحدا من اللحمة اسمه ببَّهْ، منع الزكاة، فأراد الزوايا أخذها منه بالقوَّة. فدافع عنه حسان، وقالوا لا يعطيها إلا عن طيب نفس منه، فصاروا يدا واحدة. وأما الزوايا: فإن بعض قبائلهم حارب بأجمعه، كقبائل تشمشه وإجَيْجبهْ، وبعض القبائل انقسم قسمين: فمنه من دخل، ومنه من اعتزل هذه الحرب، كإدوعل وإدابلحسن. فإن إدوعل إذا ذاك لم يصل إلى تلك الأرض منهم إلا عدد قليل. رئيسه عبد الله بن الطالب، المعروف بالغاظي، أي القاضي. وذلك قريب من حربهم التي وقعت بينهم في مدينة شنقيط، كما سيأتي بيانه. فدخل في حرب شربَّبه منهم ثلاثون رجلا، فاستشهد نصفها، ونجا النصف الآخر. وأما إدابلحسن: فبعض الناس يزعم أنهم اعتزلوها كلهم، وذلك يعارضه ما روى

стр. 493

أن وقعة من الوقائع، سبق فيها الزوايا حسان إلى غدير لا يوجد غيره من الماء، وكان النهار حارا. فلما رأوهم عنده، أحجموا عنهم، فأراد الزوايا أن يحملوا عليهم. فقال لهم الميمون، وكان شابا: دعوهم يشربوا، لئلا يقولوا: لولا العطش ما غلبونا، فتنحى عنهم الزوايا. فلما شربوا أفسدوه عليهم. فعطش الزوايا وكانت الدابرة عليهم. وكان الميمون هذا، من إدابلحسن. ويقال إنه جد أهل مكر. وأما من اعتزل الحرب: فقبائل كثيرة، منها أبناء أبييري. ناصر الدين لقب عالم من علماء أبناء ديمان. نصبه الناس رئيسا لذلك القتال، ولا أدرى اسمه. وكان صالحا ناسكا، فمات في تلك الحرب. ولهذه الحرب أيام مشهورة، لم تحضرني تفاصيلها. فمنها يوم ترتلاس (بتاء مثناة فوقية مكسورة وراء ساكنة ومثناة فوقية مكسورة أيضا، ولام مشددة وبعدها ألف وسين مهمله ساكنة) اسم موضع. ومنها يوم اعليب الغظيا. اعليب تصغير علب، بالتصغير العامي، وهو الكثيب العظيم، وهي عربية، إلا أن العرب يخصونه بالمكان الذي لا ينبت، وأهل شنقيط، يطلقونه على المكان الغليظ مطلقا. والغظيا بمعنى القضاة. وقد ألف العلامة اليدالي، تأليفا في تلك الحرب مستوفى، إلا أني لم أره. وانتهت هذه الحرب بغلب الزوايا، لقلة معرفتهم بتدبير الحرب، بعدما كان النصر حليفهم. وأغلظ عليهم حسان في شروط الصلح. فمنها أن قبائل حسان من ذلك التاريخ، لا يحفرون الآبار، بل كل بئر للزوايا وردوا عليها، لهم ثلث مائها. ومنها إن المسافر منهم إذا نزل بحيّ من الزوايا يحملونه على دابة، حتى يصل إلى حيىّ آخر، حتى ينتهي إلى مقصده، إلا أن هذا لا يرضاه لنفسه أهل المناصب والأقدار من حسان. وهذه الحرب، هي التي ذكر امحمد بن الطلب صنيع قومه فيها، في عينيته المتقدمة. فقال:

стр. 494

على حافظ من عهد شرببَّ حافظوا ... على ملكه مثل المجرة مهيع حروب كنته وإدوعيش كانت كنته، تعط الغفر لإدوعيش على عظمتها، وشدة شكيمتها، لأن الزوايا لا يقدر أحد منهم ان يذهب بقافلة إلى السودان، ويرجع بها موفورة، إلا إذا كان يعطى الغفر لأحد قبائل حسان، ويكون ذلك الحساني صاحب شوكة، وإلا أكلته حسان، وكانت أشراتيت تبالغ في ظلم كنته، للخصوصية التي بين إشراتيت وإدولحاج، والتي بين كنته وأبكاكْ، وربما تقابل الفئتان، فتقابلت كنته وإدولحاج وأبكاك وأشراتيت. فمضى زمن على ذلك. ثم إن أبكاك، أفرطوا في ظلم كنته، إلى أن وقعت موجدة بين بكار، وإبراهيم ابنه المعروف بإبراهيم بن إبراهيم، أضيف إلى نفسه، لأنه لما تكدر من أبيه، أقسم أن لا يضيفه أحد إليه إلا قتله، فأضيف إلى نفسه. فرحل إبراهيم عن أبيه، ونزل مع إشراتيت، وأهل سيدي محمود. ثم إنه ذهب في فرسان منهم واستاق إبلا لكنته، فتبعه فرسان منهم، فأتوه من الأمام، وقالوا له: أنت غالط أو متعمد. فقال لهم: بل متعمد. فقالوا له: إن كنت تريد بالإبل أباك، فاذهب بها إليه، وإن كنت تريد أن تسوقها إلى أعدائنا، فإن ذلك لا يكون، فقال: إنه سيكون، ثم إنهم قتلوه وردوا إبلهم، فعلم أبوه بذلك، فقال: هذا ظالم يستحق القتل، ثم إن كنته، قتلوا أيضا اثنين من أبناء بكار، فغضب لذلك، فعلم كنته أنهم لا يقدرون على حربه، وكان ذلك زمن قتل إديشلِّي لأحمد بن امحمد بن عَيْدَّهْ، رئيس حسان في آدرار، وكان ابن أخت بكار المذكور، فاحتمى به قتلته، فأجارهم، فرأى قبيلة كنته ذلك فرصة، فانضموا إلى أحمد بن اسويد أحمد بن أحمد بن عيده، واصطف بكار، وأشراتيت لقتال كنته، وأحيى من عثمان، (أي ابن عثمان) فتلاقى الجيشان في تكانت، فقاتل كنته وأشراتيت، فهزمهم

стр. 495

كنته، وتقابلت أبكاك، وأهل آدرار، فهزمهم أبكاك، ثم إن بكار حارب في أثناء ذلك أشراتيت أيضا، فصار يضارب هؤلاء من ناحية، وهؤلاء من ناحية، حتى غلب الجميع. حروب الزوايا مع بعضهم قدمنا أن حروب الزوايا قليلة بالنسبة لروب حسان، فلذلك أخرناها لكونها كالفرع لها، وتلك كالأصل، ولنبدأ منها بحرب أهل مدينة شنقيط نفسها، لأن القطر كله سمى به، فهو تابع له، وإنما لم نبدأ بها قبل حروب حسان، لأنها خاصة بالزوايا، كانت مدينة شنقيط بسكنها ثلاث قبائل كما قدمنا، إدوعل: ولهم الرئاسة المطلقة، والأغلال، والسماسدة، فأعطى إدوعل الإمامة في الصلاة للسماسدة، ثم نزعوها منهم وأعطوها للأغلال، وبقيت فيهم، ولما نزعت الإمامة من السماسدة، خرجوا وبنوا مدينة آطار وأوجفت، وكان السماسدة صمموا على ان يوقعوا بادوعل، الا انهم كانوا يعلمون انهم أضعف منهم، فترقبوا خروج القافلة، لعلمهم أن معظم رجالهم يخرج فيها، وبلغ إدوعل ما هم عازمون عليه، فخرجوا وكمنوا لهم قريبا من المدينة، وبثوا عيونهم، فلما أخبروهم بخروجهم للغدر بمن بقى منهم، تلقوهم وهزموهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، ولم يحدث بينهم غير ذلك. حرب إدوعل البيض والكحل اعلم أن البيض والكحل، لقبان لرجلين تفرعت منها هذه القبيلة، وكانا أخوين شقيقين، وكان لهما عم، فمرض، وكان له شراب مخصوص، فلما أخبرا بأنه يخصه، امتنع أحدهما من شربه، شفقة عليه. فسماه الأبيض، وشربه الثاني وقال كلمة تؤذن بعدم الاكتراث بعمه، فسماه الأكحل، فغلب اللقبان عليهما،

стр. 496

وعلى أولادهما إلى الآن، ولما كثروا وكثرت دنياهم، وانتشر صيتهم في تلك البلاد، وصار من في حوزتهم تبعا لهم، تنافسوا في الرئاسة، فوقع بين طائفتين من الكحل، منازعة في بعض المماليك، والطائفتان أولاد أبوهم وآمكاريج، هكذا كنا نسمع، وسمعت أيضا ممن يوثق به، ان المنازعة مع بعض البيض والكحل، وعلى كل، فإن أولاد ومعظم البيض، صاروا يدا واحدة على بقية الكحل، وبعض الطائفتين اعتزل الحرب، ثم إنهم بقول كلهم في مدينة شنقيط، وكانوا يقتتلون الليل والنهار، فإذا كان القتال ليلا تنهزم الكحل، لأن الأغلال يعينون البيض عليهم، فإذا كان نهارا ينهزم البيض، وكانوا إذا انهزم المنهزم منهم، لم يتبعه الآخر، ولا يقتل الجريح، وكانوا لا يتناهبون الأموال، وكانوا لا يقتتلون الا في الصف، فإذا لقي أحد منهم عدوه في غير المعركة لا يزعجه، وكانوا يصلون في المسجد جماعة، ويقسمون الضيوف على عادتهم، إلى أن وجد بعض قتلى الأغلال بين الأموات من البيض، فتذمم الأغلال وخرج معظمهم إلى أرض الحوض، وخرج القاضي ابن الطالب العلوي إلى أرض القبلة، ثم التحق به من التحق منهم، وداموا على ذلك، إلى أن جلس اثنان من البيض على حافة البطحاء، فنظرا رجلا من الكحل، على حافتها الثانية جالسا، فقال أحدهما لصاحبه: أترى سهمك يصل إليه، فرماه فقتله، وكان قصده على ما يقال إنما هو اختبار مسافة سهمه، فغدر بهم الكحل، وقتلوا منهم أربعين رجلا، فخرجوا إلى تيججكه وبنوها، كما قدمنا، ومات في تلك الحرب أربعمائة من الفريقين، وكان أموات الكحل أكثر، ولما تم بناء تيججكه، اكترى البيض رؤساء قبائل حسان، فوافوهم بتججكه ليغزوا معهم، ويهدموا مدينة شنقيط، فبلغ ذلك رئيس الكحل إذ ذاك، فخرج ليلا ومعه عبد له، وتوجه إلى تججكه من غير أن يعلم به أحد، وكانت أخته عند رئيس أهل تججكه، فنزل قريبا،

стр. 497

من المدينة ليلا، وبعث عبده إلى أخته، فدخل عليها خفية، فخرجت إليه وألبسته كساء عندها، فسار بجنبها ولم ينته له أحد، فلما دخل زوجها طلب طعامه، فقالت له: عندك ضيف، فقال: أخرجيه إلى، ولم يظن إنه أخوها نفسه، فتباطأت عليه، فقال: هو آمن، ولو إنه فلان. فقالت: هو فلان. فسقط في يديه. فقال له: ما أفعل بهذه الجموع وبقومي، فإنهم موتورون محنقون، فأشار إليه بأن يتمارض، فمكث ثلاثة أيام يدعى المرض، وكان ضيفه خرج إلى رؤساء حسان سرا، وأعطاهم كثيرا من المال، فرجعوا بقومهم، ولما علم به أهل المدينة اخترطوا سيوفهم ليقتلوه، فتلقاهم أبناء أبوهم، ودافعوا عنه، لأن الرئيس الذي آواه منهم، فخيرهم رئيس أهل شنقيط المذكور، بين أن يرجعوا إلى دورهم ونخلهم، وبين أربعين دية، ولا شيء لهم في شنقيط. فاختاروا الديات، وتم الاتفاق بينهم. حرب أهل شنقيط وأهل وادان هذه الحرب واقعة بعد التي قبلها، وتقدم أن بين البلدين نحو يوم. وكان سكان وادان، من قبيلة كنته وإدولحاج، وكانوا كالشيء الواحد. فوقعت الحرب بين أهل المدينتين، ومن أصح ما نورد عنها، رسالة حرم بن عبد الجليل العلوي، وقصيدته. وكان حرم المذكور موجودا إذ ذاك، وموضعه من العلم والورع معلوم، وهذا نصهما: عفت والعياذ بالله معاهد الإسلام، وغدى المستضيئ بها في أعظم الغياهب والظلام، وصار سلوك مسالك الفسق فخرا بين الأنام، واشتد اشتداد كاهله، وبلغ أشده، وجاوز في كل المواطن حدَّه. وذاع فلم تدرك يد العَدَّ عدَّه. ولكن من أعظم ما سمعنا به في الزمان، ما فعلته وندمت عليه أهل وادان، وذلك أنهم مر منهم بأهل شنجيط رجلان، فقتلهما من غير يمالئ رجل قتلوا قبل أباه، وطالب الثأر منا ليس ينساه، فحاولوا ما صميم الشرع يأباه. فقلنا لهم: هذه دية مهذبة الوسط والنواح:

стр. 498

فإنْ ترضوا فإنا قد رضينا ... وإلا فأطراف الرماح مقومة وبيض مرهفات ... تبين جماجماً وبنانَ راح فقال سيدهم: لتفعلُنّ كيت وكيت، أو لأطأنكم عما قليل بجحافل، لكنه مضى من ملتقى المحافل، والحال منه يضحك: وينشد قول القائل: عقبي اليمينِ على عقبي الوغى ندمُ ... ماذا يزيدك في إقدامك القسمُ وفي اليمين على ما أنتَ واعده ... ما دل أنك في الميعاد متّهم وقلنا لهم: لما رأينا مقالهم، يوم التقى الجيشان كذب الفعل: أبيتم قبول السلم منّا فكدتمُ ... لدى الحرب أن تغنوا السيوف عن السلِّ فصاروا أضحوكة بين أهل السهل والجبال. فحرضتهم نساءهم إذ ذاك على القتال، فوجهوا إلينا في الشهر الحرام جيشا لهاما، وكان من مضى من أهل الملل كفرا وإسلاما، يرى القتال في الشهر الحرام حراما. فلم نبق منهم غاربا ولا سناما. فمن دعاه حب الحمد إلى القتال بقى منشورا، ومن دعاه حب التمر إلى الفرار فر مذعورا: يفر من فر منهمْ للِعدى دهشا ... كأنهم في الموامى لم يروا سبلا وضاقت الأرض حتى كان هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا فلا تلم جيشكم من بعد هزمهم ... إذا رأيت رجالا منهم سلموا عليك هزمهمُ في كل معترك ... وما عليك بهم عار إذا انهزموا ولما أغرقهم اللعين، نكص على عقبيه، كما فعل بقريش في غابر الأزمان. فصاروا كأهل قرية كانت آمنة مطمئة؛ يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، فكفرت بأنعم الله، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون، وصاروا حسبنا الله ونعم الوكيل؛ عبرة يعتبر بها المعتبرون. وصاروا ألين من الماء بعد الصلابة، فمتُّول إلى كُنْتَ حينئذ بالقرابة فملكوهم حينئذ ملك الأمراء، بل

стр. 499

لم يبلغوا لهم درجة الوزراء، فألجموا الخيل، وزموا الإبل؛ وأتى منهم من يملأ السهل والجبل، ولما رأينا ما سمعنا من أمرهم، تذكرت ما قال بعض الولائد: تجمعتمُ من كل أوب ووجهةٍ ... على واحد لا زلتمُ قِرن واحد فأتوا معشرا معاطاة كؤوس الحِمام، أشهى إليهم من معاطات كؤوس المدام: فَجُلْ بقولك في أقصى مآثرهم ... إن أنت في ذاك بالإفعال لم تجل لقد وجدت مكان القول ذا سعة ... فإن وجدت لساناً قائلاً فقل أولئك قوم كلُّ من جد غيرهم ... ترى جِدَّه هزلاً إذا ما هُم جَدّوا ولا ترج يوماً صالحاً لعدوّهم ... وإن هو منهم كان أكثر إن عُدوا ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... قليل إذا عُدُّوا كثير إذا شَدُّوا فسقط في أيدي تلك العساكر وولوا خائبين، فكم من فئة قليلة، غلبت فئة كثيرة بإذن الله؛ والله مع الصابرين، فقُطع دابرُ القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين: إذا الدهر بالمكروه سامك فاصبرا ... ولا تجزعنْ منه أقلَّ أو اكثرا فما دام شجوٌ لامرئٍ ومسرة ... أرى الدهر من هذا وهذاك أكثرا لقد كنتُ أحجو الهجر أكبرَ فاجع ... فألفيته من أصغر البين أصغرا أرى البين عن ساقيه أضحى مشمّراً ... وشجوك لما شمّر البين شمرا وليس يرد الحزن من شطّ وليُهَا ... فأقصرْ عن الأحزان إن كنت مقصرا تغيرتَ أحوالا كما أن رسمها ... وحُق له من بعدها قد تغيرا غدا رائحُ الأرواح والمعْتدى به ... إذاً بدلاً منه أصمّ وأعورا أمرُّ على أكنافه متجاهلا ... لأني متى أعرِفه جَفْتَيَ أمطرا كأني حنيناً من تذكر أهلها ... مسنٌ لأيام الشباب تذكرا تقول وقد أضمرتُ ما بي أترْتضى ... هوىً لم يزل في مضمر القلب مضمرا

стр. 500

فقلت لها أمسى وأصبح أمره ... من الشمس أو من فتح وادان أظهرا أقرَّ بذاك الفتح من كان منكراً ... له وغدا يُخفيه من كان مظهرا وأدلج إدلاجاً به كلُّ راكبٍ ... على رغم أنف الحاسدين وهجّرا وسيّر في الآفاق أمرَ وقائع ... تُطيل إذا فَكرت فيها التفكرا دعا عاجلُ الآجال للحَيْنِ معشراً ... بوادان لنْ يُدعى مدى الدهر معشرا لئن وردتْ شنجيطَ يوما ظماؤهم ... لقد شربوا بوازُعْقاً من الموت أكدرا وكان لهم شر الموارد مورداً ... وكان لهم شر المصادر مصدَرا هم حزبوا الأحزاب من كل جانب ... كما حزّبت أحزابها أهل خيبرا أتوا بالرعايا يَنشدون وعيدهم ... فصاروا على البطحاء لحما منشرا وفاض أتيٌّ من نجيع دمائهم ... به شجرُ البطحاء أصبح مثمرا فمن كرَّ منهم قد تكسر عمره ... ومن فرّ منهم صبره قد تكسرا نجا مُذعَراً مما رأت عينه وما ... نجا من نجا من مأزِق الحرب مذعرا إذا هو في المِرآة أبصر وجهه ... توهّم وجه القرب ما كان أبصرا وإن نام لو حفته منهمْ عساكر ... رأى مَشْرفياً بين فوديه أحمرا لكان لهم صبر شديد وشدَّة ... ولكنهم لاقوا أشد وأصبرا تطوف بهم صير هناك تخالها ... إذا وقعت حول العساكر عسكرا ترى الذئب مسروراً يقول لصحبه ... يزوّدنا هذا سنيناً وأشهراً أبوا وطلبنا السلم منهم قبولَها ... وقالوا لقد كنا على الحرب أقدرا فولوا على أعقابهم خشية الردى ... غداة غدا بازِ المنايا مصرصرا غدت كُنْتَ تقضي دونهم ما ينوبهم ... من الأمر كانوا غائبين وحُضّرا فأقبل من آكان جندٌ لنصرهم ... وأدبر عنه النصر إذا فرَّ مدبرا فشنجيط ظنوا هدمه متيسراً ... فألفَوْه من إحياء كبّادِ أعْسرا كلهمُ لم يعرفوا بأس أهله ... ولو سالوا بانُمَّ والمسكَ أخبرا

стр. 501

أتوا بخميس لم تكن خمس خمسه ... فقلْ فيه لو ساواه أو كان أكثرا أتاه يجوبُ البيد والقفر صائلاً ... فآب من الأبطال والدين مقفرا بدا إذ بدا ما قد رأوه تواضعٌ ... لمن كان منهم طاغياً متكبرا فقال زعيم القوم أصبحتُ راضياً ... بما كان من أمر القدير مقدرا فنالوا إذاً عبداً ببعض دمائهم ... ونِيماً وتنوريْن والبعضُ أهدِرا دمٌ أهدرته سادة علوية ... وما كان فيهم مثلُ ذلك منكرا وما استنصروا غير الصوارم ناصرا ... وأغنتهمُ عمن أتى متنصرا يخوضون يوم الروع في لجج الردى ... كأنَّ منال العز فيهنَّ أبحرا يسابق عَزرائيلَ وقعُ سيوفهم ... إذا ما مُحَيّا الحرب أصبحَ مسفرا فكم مشهدٍ في الحرب يثنى عليهمُ ... وكم معشر من بأسهم صار أزورا تراهم وليس الدهر إلا نوائباً ... إذا كَبُرَتء تلك النوائب أكبرا سما للمعالي منْ تقدّم منهمُ ... فيسموا على آثاره من تأخرا مآثرهُمْ حَلْىُ الزمان لو إنه ... على صورة الإنسان كان مصوّرا فكم من فتى فيهم يروقك علمه ... ويَهزم من أجناد وادان عسكرا ويجعل في إحدى يديه مهنداً ... طريراً وفي الأخرى كتاباً مطرَّرا يحب الردى يوم الوغى فكأنه ... إذا مات فيه لا يزال معمَّرا بعينيك فانظر كيْ ترى بعض مجدهم ... إذا أنت عن إدراكه كنت مُقْصِرا ولما أراد كنت، أن ينصروا إدولحاج على إدوعل، وقام لذلك (كبادى) وقعد. وكان من رؤساء كنته. فحذرته امرأته من البغي وخوفته من إدوعل. فقال لها: إن رُصَيَّصهم لا يقتل، لأنهم لا يجعلون في مدافعهم من البارود إلا إصبعين، فبلغتهم المقالة. فعرفه رجل من آحاد الناس وضربه وقال له (صرت عباس الّ صبعين) صرت: أصله سرة. وسرة الإنسان: معروفة. وعباس قريب

стр. 502

الضارب. ومعنى الّ صبعين: يعني لم أجعل في بندقيتي غيرهما. وصرت قسم عندهم، كما يقول أهل المشرق، ورأس فلان، قالوا: وكان جعل مع باروده ذلك نواتين، عوضا عن الرصاص. فمات كبّادي المذكور من تلك الضربة. وبعد تلك الواقعة، التي تقدمت هزيمتهم فيها، صالوا على شنقيط أيضا، فذهب إليه أحد علماء أهل شنقيط، ليفاوضهم في الصلح، فقتلوه ومن معه من تلامذته. وكان أهل شنقيط لا يذهبون إليهم، فإذا أتوهم أنذروهم. فإن لم ينتهوا قاتلوهم. فطلب ابن الشيخ المقتول من قومه، أن يأخذوا معه بثأر أبيه. فقالوا: لا نصول عليهم ما لم يوافونا. فرجع القوم، فذهب حتى أتى أهل تيججك. فأخذ شيئا من صعاليكهم، وغزا بهم قتلة أبيه. فوجدوا قافلة عظيمة من إدولحاج خارجة من تيشيت. فقتلوا أهلها عن آخرهم، ونهبوا إبلهم. ثم أن إدولحاج، جمعوا جموعا كثيرة، وحاصروا مدينة شنقيط. فسافرت بينهم السفراء، ووقع بينهم الصلح، على أن يعطوهم مائة من كل شيء. فتحملوا لهم ذلك، ورهنوا لهم ما في تنوشرت من النخل. فبقى النخل تحت أيديهم إلى الآن. حرب إدوعل وإدابلحسن لما اشتدت الحرب بين إدوعل في شنقيط، كان الغاظي: أي القاضي بن الطالب المتقدم، هو أعلم من فيهم، وكان يسعى في الصلح بينهم. فلما اتسع الخرق بينهم، خرج عنهم إلى أرض القبلة، وبقى بعض إخوته مع قومه. فلما وصل إلى أهل القبلة، وجدوه بحرا لا ساحل له. وكان من أولهم إقبالا عليه، إدابلحسن وتاشمشه، كما أشار إليه: محنض باب الديماني، في قوله من قصيدته المتقدمة: فجدّهم أستاذ تاشمش كلَّهمْ ... قدار تضعوا من علمه الخلف والضرعا

стр. 503

ثم التحق به بعض قومه، وكانوا مجاورين لإدابلحسن. فوقعت بينهم منازعة في موضع صغير المساحة يحرث وتحفر فيه الإحساء. فطلب منهم إدوعل أحد أمرين: إما أن يعطوهم عشرين بيضة، وإما أن يأخذوها منهم، وإما أن يحاكموهم إلى الشرع. فلم يقبلوا. فوقعت بينهم معركة، انجلت عن قتل أربعة من إدابلحسن، وعن شجاج كثيرة من الطرفين. فتوسط بينهم وفود الزوايا، فاصطلحوا على أربع ديات، أخذها إدابلحسن من إدوعل. ثم غدرت بهم إدابلحسن، فقتلوا منهم رجلين، يقال لهما ابنا الخطاط. فاضطرمت الحرب ثانية، وكان الذي جرّ الحرب من إدابلحسن: قبيلة أبناء اخطيره. فلما اشتدت اعتزلوها وحل موضعهم أبناء اعمر أكداش. وكانوا أشد قبائل إدابلحسن شكيمة، وأكثرهم عددا، وانضم إليهم تياب أبناء البوعلية. وفي بعض المواقع أعانهم بعض حسانهم، فكانت الحرب أكثرها مناوشات، إلا أنها كانت دائمة. ومكثت هذه الحرب سبع سنين. وأشهر أيامها يوم الغبيبيري، ويوم إيرزيكْ، ويوم بوطريفيه، ويوم إبلحنوشه، ويوم تندوجه. يوم لِغبيبيري لِغبيبيري: موضع قريب من إركيز. وكان إدابلحسن، خرجوا مع من معهم من التياب، فصبحوا إدوعل، فبرزوا إليهم. فاشتعل بينهم الرصاص، وصبر كلا الجيشين. فانتهت المعركة بهزيمة إدابلحسن. ولم أحفظ ممن قتل من أعيانهم غير محمذ بن محمد بوَّة البوعلي، ثم التائب. أما إدوعل، فأعلم من قتلاهم: حرم بن محم بن عثمان، وكان بطلا مشهورا صاحب رئاسة، وأحمد بن المزدف، والطفيل ابن المختار نلمين، هكذا ينطق باسم أبيه.

стр. 504

يوم ايرْزيكْ موضع قريب من إرْكيز أيضا، غزا فيه إدابلحسن إدوعل، مع من معهم من التياب، فانهزم إدوعل، وفي هذه الواقعة، قتل الصالح الناسك محمد بن العباس العلوي، وكان منفردا عن الحي، ومعه ولد له قبل البلوغ، وكان يسرد عليه القرآن، فقتلوه مع أبيه. يوم بوطريفيه بوطريفيه: تقدم تعريفه، لما انهزم إدوعل في يومهم السابق، رحلوا إلى بوطريفيه، وكانت بها أجمة عظيمة يقال لها: الركنه، أي أنها تكون حصناً لمن دخل فيها، فبعثوا قافلة لتأتيهم بالميرة، فصبحهم جيشان. أحدهما إدابلحسن ومن معهم، والثاني: يقوده أحمد بن اعمر بن المختار التروزي، المعروف بابن الليكياط: أخو محمد لحبيب الأمير المشهور، فتلقاهم من وجدوا من الرجال، فمات سبعة رجال من إدوعل؛ وانهزموا أول وهلة؛ وكان ابن اللكياط المذكور يريد أن يأخذ أمة، عند باب بن أحمد بيبه العلوي غصباً؛ لأنه كان طلبها منه؛ فلما منعه إياها، ههده بالانضمام لإدابلحسن؛ ثم أن إدوعل فروا بتلك الأمة؛ وأدخلوها الغيضة المذكورة؛ فرجع أحد بن الليكياط خائبا؛ وبعد هذه الواقعة، أحضر محمد لحبيب أمير الترارزة، رؤساء القبيلتين؛ وأراد أن يصالحهم بشروط، رأى إدوعل؛ إنها ظلم لهم ولم يتفقوا على قبولها. فآلوا إلى أن ضمن بينهم شهرا، لا يمس أحدهم الآخر فيه، ففي ذلك الشهر رحل من رحل من إدوعل إلى تكانت؛ حيث انضموا إلى قومهم هناك؛ وبقى من بقي منهم بضمانة محمد لحبيب؛ فلم يقدر ابن الليكياط ولا إدابلحسن على إخفاره؛ ولما وصل إدوعل إلى تكانت، مكثوا سنة مشتغلين بمعالجة مرضاهم؛

стр. 505

مهتمين بصحة أبدانهم؛ فبلغتهم أغاني من إدابلحسن بالعامية، يعيرونهم فيها، فأخذوا جيشا متوسطا منهم، ومن أهل تكانت، أعني من قومهم خاصة؛ فكانت وقعة إبلحنوشه. يوم إبلحنوشه غزا إدوعل من تكانت؛ فصبحوا أبناء اعمر أكداش بهذا الموضع، وكان ذلك وقت الصبح؛ فقابلهم بعضهم، إلا أنهم لم يثبتوا لهم، فذلك قول ابن محمود، في قصيدته المتقدمة: فما راعهم غيرُ قيل الكماةِ ... أتى الغرماء وَهَبْ وَاخبطا فقتلوا منهم مقتلة عظيمة. ومن أشهر من مات منهم: محمد بن عبدي؛ وكان شجاعا معروف المنزلة فيهم، ولم يمت من إدوعل أحد. يوم تندوجه ثم أن إدوعل أيضا، غزوا من تكانت، بجيش أعظم من الأول. فأغاروا على أحياء من أدابلحسن متفرقين، فاستاقوا إبلا كثيرة، فتجمعت ابناء اعمر أكداش ومن معهم من التياب، واقتفوهم. فمروا على الصالح الفغ الحمد التاكنيتي. فسألهم أن يرجعوا وأن يعطيهم ديات جيش ادوعل. لاعتقاده أنهم لا يقوون على مدافعتهم لكثرتهم. فأجابوه بأنا سنقتل منهم البيض، ونقرن باقيهم في الحبال. فنشفعك فيه. فلحقوا بهم بعد اختلاط الظلام. وكان أحد النزول واقفا ناحية، فضربوه برصاصة، قطعت بعض أصابع يديه. فقال لهم: بقي ما يجذب الغرس فبات الجيشان ينظر بعضهما إلى بعض، فلما أصبح الصبح

стр. 506

تصافا للقتال. فصبر بعضهما لبعض حتى ارتفع النهار. فانهزم إدابلحسن، وتركوا كثيرا من أبطالهم في المعركة، وممن مات منهم الأحول الشاعر، وتقدمت ترجمته، وهمر بن اتكيرير البوعلي، ثم التائبي، وإبراهيم بن محمد بوَّهْ، وهو قريب من الذي قبله، والباشا اليوسفي، ولم يمت من إدوعل سوى الأمين من أحمد محمود، المعروف باكيصاص، وكان من الأبطال، وأحمد بن المختار نلمين، أخو الطفيل المتقدم، وعبد اللامين بن المزدف، وكان محمد فال بن حمين، ذبح اللج بن البوساني البوحسني، فظن إنه أتى عليه، فلما خلاله الموضع، وقت مطاردة الناس لقومه، ربط موضع الذبح لئلا يقطر دمه، فيقتفوا أثره، واختفى ناحية خوفا من أن يذفوا عليه. ثم إنه برأ بعد مدة، فصارت الناس تعيره هو وأبناءه بذلك، وهذا حيف كبير، فإن دريد بن الصمة، فارس هوزان، قد وقع فيه مثل هذا. ولم نر من عيّره به ولم يمثل إدوعل بأحد من القتلى، غير همَّر بن انكيرير، لنكايته فيهم. ولأنه من حسان. وكانوا يسمون هذا اليوم بدراً الكبرى. إلا أن بدراً، كان أول وقعة. وهذا آخرها. فاصطلح القوم، ولم تزل الضغائن كامنة في صدور الفريقين إلى هذا الوقت. حرب كنته وإدولحاج بعد أن انقضت حرب أحل شنقيط، وأهل وادان، وكانت الحرب أولا، بين إدوعل وإدولحاج، وكان إدولحاج وكنته، كالشيء الواحد، فنصروهم حينئذ أشد نصر، ثم صاروا بعد ذلك، يمنون عليهم بمساعدتهم لهم، ويضطهدونهم. فصبروا لهم كثيرا كما تقدم. قام عبد الله بن سيدي محمود، وشمر عن ساعده، لمحاربة كنته، ونصره الله عليهم، وطالت هذه الحرب كثيرا من الزمن، وهي أكثر مدة من حرب البسوس، التي وقعت بين بكر وتغلب، فإن تلك استمرت أربعين سنة، كما قال صاحب عمود النسب:

стр. 507

وأبناء تغلبَ وبكر قاما ... على الشقاق أربعين عاماً أما هذه الحرب، فتقرب من مائة سنة، لأنها استمرت أيام عبد الله المذكور، وابنه محمد محمود، وزمنا من مدة سيدي المختار، إلى أن وقعت الحرب بينه وبين أخيه سيدي محمد، فكنت نوعا. إلا أنهم لم يأمن بعضهم بعضا، ولا يمر أحدهم من أرض الآخر، ولهذه الحرب أيام كثيرة، لم يحضرني تفصيلها، إلا أن الغلبة في أكثرها، لإدولحاج على كنته، وكانت تقع بينهم هدنة مؤقتة، حتى يرى أحدهم فرصة فينتهزها حرب كنته وتجكانت هذه الحرب غير بعيدة العهد، لأنها كانت في أيام بكار بن اسويد أحمد، ولا نعلم من تفصيلها، إلا يوم (الفلح). وهو شق في تكانت، مثل الأخدود. يقال: إنه لم يبلغ أحد قعره، ولم أشاهده بعيني، وكان بكار بن اسويد أحمد، ظاهر تجكانت في هذا اليوم. على كنته، فالتقوا قريبا من ذلك الفلح، وكان إلى ظهر تجكانت، فلما التحم القتال، هزمهم كنته، وألجأوهم إليه، فمن حاد عنه نجا، ومن اقتحمه سقط فيه، ومات ولم يثبه من الخيل الأفرس، تحت بكار، وفرس آخر، لا أدري لمن هي، ولا ندري تفاصيل حربهم الأخرى، وقد سافرت مع أناس من تجكانت، وكانوا يحدثونني بفوزهم على كنته، لكن لم أسمع ذلك من غيرهم. حروب تجكانت والأغلال هذه الحرب، كانت قبل إدوعل وإدابلحسن بقليل، لأن أحمد المقري العلوي، اشترك فيهما، لأن الأغلال كانوا أخواله، فحارب معهم تجكانت، ولم يصل إلينا من خبر تلك الحرب، إلا يوم تاغطافت، ولا أظن أنهم اقتتلوا في غيره

стр. 508

وكان الأغلال اجتمعوا بهذا المحل لقتال تجكانت، واجتمع تجكانت لقتالهم، وكانت عدة الحرب قليلة عند الفريقين، فاتفق أن بطون الأغلال تخاذلت، فمنهم من رحل ليلا تحرجا، وأظن إنه لم يشهد تلك الواقعة منهم، إلا أولاد يبوية، وكان قدم إليهم أحمد المقري المذكور ببارود كثير، فلما رأوا خذلان قومهم إياهم، باتوا يشعلون البارود، ليرهبوا تجكانت. فظن تجكانت أن لهم قوة لا يقدرون على مقاومتها، فرحلوا ليلا، فاقتفوهم وقتلوا منهم كثيرا، وطلب أحمد المقري من الأغلال بعد ذلك، أن ينصروه في حرب إدابلحسن، فلم يفعلوا، فذلك سبب مفارقته إياهم. حروب انبيز انبيز: موضع اجتمعت فيه إدوعيش، ومظوف، وأولاد الناصر، وأهل سيدي محمود، وكنته، وتجكانت، لحرب الأغلال. وسبب هذه الحرب: أن الأغلال، كثروا في أرض الحوض، وكثرت الدخلاء فيهم والأشرار، ودخلت فيهم أولاد امبارك، بعدما أجلاهم إدوعيش عن تكانت، وقتلوا منهم من قتلوا، وكان يجنى عليهم الدخيل فيهم جناية من هذه القبائل المذكورة، فينسب ذلك للأغلال، وربما أخذ أولاد امبارك سفهاء من الأغلال، وشنوا بهم الغارة على بعض القبائل المتقدمة، باسم الأغلال. فتمكنت العداوة بينهم، وبين جميع القبائل، فرحلوا إليهم من كل جهة عن مؤامرة، وكال الأغلال بلغهم ذلك، فاجتمعت بطونهم. وكان هذا في آخر الخريف، في شهر يعرف عندهم بالاوه. أي حيث يلوى البقل من شدة الحر. وكانوا نازلين عند انبيز. فمكثوا سبعة أيام يتضاربون بالرصاص. وكل بطن من الأغلال يضارب قبيلتين. فحالت الجموع بين الأغلال والماء. فحلوا عقل إبلهم ليلا. وتعلقوا بأذنابها. فأقحمتهم إبلهم الناس، حتى أمكنهم الفرار. ومات كثير منهم عطشا.

стр. 509

حرب كنته وأولاد بسباع أي (أبي السباع) اعلم أن كنته. على ثلاث فرق، فرقة تسكن تكانت وهي معظمها، وفرقة تسكن الحوض، وأخرى في نواحي آدرار. وهي التي تملك سبخة اجِّلْ، التي يحمل منها الملح. وهي معظم تجارة أهل تلك البلاد. ما عدا أهل القبلة وتيرس. أما أولاد أبي السباع، فثلاث فرق أيضا. فرقة منهم في حوز مراكش. وأخرى في سوس. وأخرى في تيرس. وهذه الفرقة هي التي حاربت كنته. وكانوا يتحملون الأمور التي تبدو لهم منهم، حتى تفاقم الأمر. وكان أولاد أبي السباع مسلحين بسلاح جيد، يصل رصاصه من مسافة بعيدة، لا يصل منها رصاص غيرهم من أهل تلك البلاد، لأن سلاحهم يأتيهم من سوس. وأما سلاح غيرهم، فإنه رديء يأتيهم من فرانسة. فالتقت القبيلتان بموضع يقال له: تُرِينْ، فهزمتهم أبناء أبي السباع، ثم انتصرت أحيى من عثمان لكنته. فهزم الجميع للعلة المتقدمة. فصار أبناء أبي السباع، يغيرون على جميع الناس، لا فرق بين عدوّهم وغيره. ولا يعرض أحد دون ماله إلا قتلوه، فآل أمرهم إلى أن اشتبكوا مع الرقيبات، وكانوا متسلحين بسلاح مثل سلاحهم، فضعضعوهم، وألجئوا بقيتهم إلى القائد ابن هاشم في تازروالت، فأجارهم. ولنتكلم هنا على بعض متعلقات الحرب في أرض شنقيط: أن الحرب في تلك البلاد لا تخلو عن ظلم، فإذا قتل فرد من قبيلة قتيلا من غيرهم، فلا ضابط عندهم في أخذ ثأر المقتول، فربما كان القاتل ملصقا في القبيلة التي هو فيها، فيؤخذ في جريرته الصميم. وعرب الحجاز في هذا، أضبط خطة من أهل شنقيط، زواياهم وحسانهم. فإن الحجازي إذا قتل قتيلا، لا يخاف أحد من أقاربه، ما دام غير نتغيب، وتمشي بينهم السفراء لإعطاء المهلة، فيمهلونهم شهرا مثلا، أو نحوه. فإذا انقضت المدة، ربما جددوها أيضا. وفي أيام الأمن: أن لقوا القاتل فلا يغيرونه. فإذا تغيب القاتل: لا يؤخذ به من كان يجتمع معه في النسب، فوق الأب الخامس.

стр. 510

وأما الصلح عندهم، فيكون بسفارة تمشي بين الطائفتين. والأكثر أن يكون ذلك الوفد من الزوايا، ويسمونه الصربة، ورؤساء حسان يتبادلون إرسال أولادهم الصغار، ويبقى ولد هذا عند هذا، والعكس، ويسمون الولد امنازله وغفيرا. أما الزوايا: إذا سئموا من الحرب، فإنهم يتبادلون السفراء، حتى يتفقو على الصلح. والأكثر أن يضمن بينهم رئيس من رؤساء حسان. واعلم أن حروب الزوايا: أكثرها إنما يكون في تكانت والحوض والرقيبا وآدرار. أما أرض القبلة، فأعظم حرب وقعت فيها: إنما هي حرب إدوعل وإدابلحسن. وقد وقعت حرب قديما، بين أولاد ابيير وتندغا، ولم تحضرني تفاصيلها، وسببها: أن تندغا استجار بهم بعض من يعادي أولاد ابييري، فأجاروه ولذلك يقول بعض الناس في شأنهم: الحربُ أولُ شابَ اجْمِيلَ ... واعْكابُ عَزْبَ بالزُّورْهَ مأتْلَ تَنْدَغ يحكَمْ ادْخيلَ ... إلا اتْلَ وَلْدْ اوْلادْ ابييرِ إدَوُرْهَ اجميل: بمعنى جميلة. واعكاب: بمعنى آخره، وذكر الحرب، وهي مؤنثة، لأن العامي أكثره لحن. والعزبة عندهم: بمعنى المعصر، أي التي قاربت البلوغ. وآزور: ضفيرة تكون لمن هذه سنها. وماتل: بمعنى ما بقى. ويحكم: بمعنى يمسك، والدخيل: الذي يدخل في كنف من يستجير به. يعني أن تندغ لا يجيرون أحدا بعد هذه الحرب أبدا، لما وقع فيهم، وأن أبناء ابييري لا يحاولون أن يسلم لهم الشخص من أجاره، لما نالهم أيضا. وظاهر هذا الكلام: أن القبيلتين تعبتا من الحرب، وهذا شأن كل المتحاربين، فغالبهم مغلوب. أما حرب تندغ وتاكنيت، فإنها قليلة الأهمية، وليس فيها إلا مناوشات خفيفة. وأما حرب أولاد ابييري وإجيجبه، فإنها قريبة العهد، وكانت الناس تظن أن إجيجبه لا يقدرون على مناوأتهم، لقلتهم وكثرة أولاد ابييري. وزد على ذلك: أن أكثر حسان حسان والزوايا مع أولاد ابييري، لمكان أهل الشيخ سيدي

стр. 511

عند الناس، وما لهم من الإحسان عندهم وسبب هذه الحرب أن أحد القبيلتين مر بمنهل، فترك جمله يشرب في حوض، فضرب بعض أهل الماء جمله، فتشاتما، وآل الأمر إلى ضرب صاحب الجمل. فتحزب لكل واحد منهما قومه، وكان ابن الشيخ سيدي الموجود في وقتنا هذا، مسموع الكلمة، وكان من أهل الإصلاح وسعى جهده فيه، وبذل الماء الكثير، لكنه لم يقدر على إطفاء تلك الثائرة، فانضم كثير من الترارزة إلى أولاد ابييري، وانضم ابن أحمد، رئيس البراكنة إلى إجيجبه. فلما التقى الجمعان، تقابلت الترارزة والبراكنة، فهزمهم الترارزة. وتقابل أولاد ابييري وإجيجبه، فزمهم إجيجبه، فرجع البراكنة من حيث أتوا، وبقى إجيجبه يلعبون هيب (وهي لعبة معروفة) ويحرقون أثاث أبناء ابييري. فتراجعت الطوائف عليهم، وهزموهم شر هزيمة. ثم أن أولاد ابييري رحلوا إلى أرض الترارزة، وكان هذا من الأسباب الداعية لتوجه فرانسة إلى أرض شنقيط لكثرة القلق والنهب فيها. الكلام على لغات أهل شنقيط وأصلها يقال: أن لغات تلك الأرض، كانت قبل دخول العرب هناك قسمين، قسم يسمى أزَيرْ. وقسم يقال له: أكلام أزناكه. أما القسم الأول، فلم يبق له أثر، إلا في مدينة وادان، فإنه إلى الآن يوجد من يتكلم به، والأغلب في ظني أن القسمين واحد. وقد ذكر سيدي عبد الله بن محمد بن القاضي العلوي، الذي جعلناه أول ترجمة من هذا الكتاب، هذه اللغة بقوله: لقد شمخت أنفاً علينا خديجة ... وقالت بآزار لها إدَوارنِ ونحن الأنوف الشامخات على الورى ... تقاصر عنا كل أنف ومازن وسبب قوله لهذه الأبيات، إنه كان مقيما بوادان لطلب العلم، فاتفق إنه كان

стр. 512

جالسا بقرب بيت من بيوت وادان، فأرادت امرأة فيه الخروج إلى محل، فأمرت وليدة لها أن تنظر لها من في الطريق لتعلمه فإن كان ممن يعتد به عندها، تتأخر عن المرور، لئلا يراها. وإن كان ممن لا أهمية له عندها، تذهب لشأنها. فلما سمته لها، خرجت من غير مبالاة به. وقالت كلمتها، التي ذكرها في شعره. فخطبها بعد ذلك. فلما زفها النساء إليه، قال لهن: ما خبركن. فقلن له: زففنا إليك فلانة. فقال: ومن فلانة؟ ثم خرج عنهن، ولم يعد إلى الآن. وقال البيتين: وأما القسم الثاني: فإنه كثير في الزوايا القاطنين في أرض الترارزة، ولأهل تلك البلاد، لسان آخر يسمى عندهم بالحسانية، وهي العربية الممزوجة بالعامية، وهي اللسان العام. الكلام على كلام أزْناكهْ هو نوع من أنواع البربرية المغربية، وهو موافق للسان الشلحي، ويختلف معه اختلافاً قليلاً، كما بين لسان الترك والتتر، فإنا رأيناهم في سوسة يتفاهمون من أول وهلة، كما يتفاهم التركي والتتري، وليس لهذا اللسان كتابة مخصوصة، ولا أعلم من قواعده، إلا أن المؤنث تكون التاء منه في أوله مثال ذلك: أغْرَبظْ، بمعنى الطفل التاغْرَبْظتْ، بمعنى الطفلة وهذه اللفظة في أولها وآخرها التاء أوبَلْ، بمعنى العبد توبَّلْ، بمعنى الأمة إِجم، بمعنى الجمل نجم، بمعنى الناقة أزْكرْ، بمعنى الثور

стр. 513

تَشَّ، بمعنى البقرة: والجمع إتْشئداً. بمعنى البقر. إترْكِ، بمعنى العجل تيرك، بمعنى العجلة آجِلْ، بمعنى الحمار تاجل، بمعنى الحمارة. والجمع أُجَجاً، الجيم الأولى: مغربية والثانية: مشرقية. الكلام على اللغة الحسانية أهل اللغة الحسانية، يسمونها كلام حسان، ولا أدرى من هو حسان، وأهل اللغة الأخرى، يقولون لها كلام حسان، وكلام العرب. وهي لغة بعضها - وهو القسم الأكثر - عربي ظاهر، إلا أن تسكين المحرك كثير فيه، وبعضها لا تعرف له اشتقاقا، وليس مأخوذا من اللغة البربرية، لأنه لا يوجد فيها، وتختلف هذه اللغة باختلاف لهجات أهل البلاد المتباعدة. مثال ذلك: أن أهل آدرار وتكانت والحوض. يجعلون القاف غينا محضة، يقولون: عبد الغادر، في عبد القادر وأغديم: في آقديم، بمعنى الذي يخدم في السفر، وأشباه ذلك وكأهل آفطوط. فإنهم يعسكون هذه القضية، وكأهل القبلة، وهم الترارزة، ومن في جوارهم. فإن كثير منهم يجعل التاء طاء. يقول: الطراب، في التراب. والطمْر في التمر. وكل طوائف أهل هذه اللغة، يرى إنه أفصح من الآخر، إلا أن بعض زوايا أهل القبلة، يرى أن الصلاة خلف أهل اللغة الأولى باطلة، لأنهم يلحنون في الصلاة لحنا يغير المعنى، مع إمكان تعليمهم للغة الفصحى، ومن هذا مسألة الجيم المتفشاة، والجيم الشديدة. فإن كل أهل ذلك الفطر، متفقون على النطق بالجيم الأولى في كلامهم الجاري بينهم، وفي قراءة الشعر والكتب العلمية، ويختلفون في قراءة القرآن والحديث، فأهل القبلة - وهم أكثرهم علما - يقرءون الكل، بالجيم

стр. 514

المتفشاة، إلا قليلا فإنهم يقرءونهما بالجيم الشديدة، وهؤلاء مثل إدوعل، ومن يقلدهم في ذلك، وأهل تكانت والحوض وآدرار، يقرؤون بالجيم الشديدة أيضا، وأهل اللغة الأزلي، يقولون لأهل اللغة الثانية: ويجعلون لله ما يكرهون، لأنهم ينطقون في كلامهم العادي، وفي الأشعار، وفي الكتب والفقه، بالجيم المغربية، وأما القرآن والحديث: فلا ينطقون فيهما إلا بالجيم الشديدة، أما هؤلاء فإنهم يجيبون بأنهم راعوا في القرآن والحديث، وجوب النطق باللغة الفصحى، وفيما عداهما، اتبعوا السهل مع جوازه. لأنه لغة توجد بمرجوحية. حجة أهل الجيم المفتشاة: أن الجيم الشديدة لغة السودان، وهم أعجام، وتأولوا كلام التسهيل الآتي، بما لم يحضرني الآن. وحجة أهل الجيم الشديدة: أن الجيم المتفشاة، لغة الشلح والبربر، فكما طعنتم في لغتنا، نطعن في لغتكم، وحيث وقع دليلان متقابلان بالنسبة إلى العجم، فالحكم بيننا إنما هو كتب الأئمة. قال سيبويه في كتابه: (ومن الحروف الشديدة، وهو الذي يمنع الصوت أن يجري فيه، وهو الهمزة والقاف والكاف والجيم والطاء والتاء والدال والباء، وذلك أنك لو قلت الحج، ثم مددت صوتك، لم يجز ذلك. وقال الدماميني عند قول التسهيل: (ومنها: شديدة يجمعها أجدك قطب) ومعنى الشدة على ما ذكر سيبويه: امتناع الصوت أن يجري في الحرف، ويعتبر ذلك في النطق، فنقول: الحق والحج مثلا، فلو رمت مد صوتك في القاف والجيم وغيرهما من حروف الشدة لامتنع. وقال ابن الأنباري في أصول اللغة: ومعنى الشديدة أنها حروف صلبة لا يجري فيها الصوت، ولذلك سميت شديدة. وفي القاموس وشرحه: والحروف الشديدة ثمانية. وهي الهمزة والجيم والدال والتاء والطاء والباء والقاف والكاف. قال ابن جني: ويجمعها قولك: أجدت حبقك. وقولهم: أجدك طبقت: وأجدك قبطت. وفي الهمع: الشدة امتناع الصوت أن يجري

стр. 515

في الحرف، والفرق بين المجهور والشديد. أن المجهور يقوى الاعتماد فيه، والشديد يقوى لزومه في موضعه. فعرفت أن منع الجرى في الجيم ولزومه لموضعه، يمنعان دخول الجيم المغربية تحت هذين المعنيين، لأنها متفشية قطعا، وذلك النوع فرع من غير نكير، فلا يجعله التعود أصلا يعتمد عليه. وهذه النصوص المتقدمة، لا تقبل التأويل، وقد رأينا قراء مصر - وهم من أكثر بلاد الإسلام قراء - لا ينطقون بالجيم المغربية، وإن كان بعضهم يجعلها كافاً معقودة، إلا أن هذه أقرب إلى الجيم الشديدة من المغربية، فإنها تقارب الشين، والكاف أقرب إلى الجيم الشديدة من الشين. أما أهل الحجاز واليمن ونجد والعراق، فكلهم ينطقون بالشديدة. وأما أهل الشام: فواسطة بين النوعين، وهم ينطقون به دون المغربية بكثير، وهي بعيدة من الحجازية والحاصل أن الجيم فصحى، وهي الشديدة. وفرعية، وهي المغربية، وأكثر القراء في جميع الأرض على الفصحى، إلا المغرب، وأهل القبلة من صحراء شنقيط. وقد عدّ سيبويه الجيم التي كالشين، من الحروف غير المستحسنة، التي لا تكثر في لغة من يرتضي عربيته. وقال: إنها لا تستحسن في قراءة القرآن، ولا في الشعر. ثم قال: وهي الكاف التي بين الجيم والكاف، والجيم التي كالكاف، والجيم التي كالشين. وهذا نص صريح لا يقبل التأويل. فإن الجيم المذكورة يجري فيها الصوت، كما يجري في الشين. الكلام على الضاد كل أهل شنقيط، ينطق بالضاد الموجودة في مصر وغيرها، سوى العلامة اللقن الفهم، محمد فال بن باب حفظه الله، فإنه ينطق بها قريبة من الظاء المألوفة، وكان أحدث القراءة بهذه الضاد، بعد أن رجع من الحج في آخر أيام السلطان مولاي الحسن ﵀. وقد أنكر عليه بعض أهل شنقيط ذلك. وقدمت

стр. 516

من القسطنطينية سنة ١٣١٩، فاجتمعت ببعض أفاضل الشام. فذكروا أن الفقيه الصالح عبد الحكيم الأفغاني ﵀. ذكر أن الضاد التي ينطق بها الدمشقيون وغيرهم غير صحيحة. منكرين ذلك عليه. فقلت لهم: هذا الذي قال: قال به أحد علمائنا، أعني محمد فال المتقدم. وهو ظاهر ما في الكتب. فقالوا لي: اكتم هذا. وإلا نفيت أنت وهو، من دمشق. وذكروا أن العلماء سلطوا عليه الوالي، فنهاه عن القول بذلك. فطلب منه المحاكمة إلى ما في الكتب بينه وبين العلماء، فما قبل. والحاصل أن هذه الضاد المألوفة عندي، وعند غيري غير صحيحة. لأنها تباين التي وصفها سيبويه ولفظه. ومن بين أول حافة اللسان وما يليه من الأضراس، مخرج الضاد. وفي التسهيل: وأوَّل حافة اللسان وما يليه من الأضراس للضاد. وقال السيوطي في جمع الجوامع: وأوَّل حافتيه وما يليهما من الأضراس للضاد، وهي من الأيسر أقيس. قيل تختص به، وقيل: بالأيمن. ولا ينطق بها وبالحاء، غير العرب. وقال في الشرح نقلا عن أبي حيان: والضاد أصعب الحروف في النطق. وهي من الحروف التي انفردت العرب بكثرة استعمالها، وهي قليلة في لغة بعض العجم، ومفقودة في لغة الكثير منهم. قال: والضاد لا يخرج من موضعها غيرها من الحروف عندهم، وذهب الخليل، إلى أن الضاد شجرية، من مخرج الجيم والشين. فعلى هذا يشركها غيرها فيه، ومعنى شجرية: خارجة من شجر الحنك، وهو ما يقابل طرف اللسان. وقال الخليل: الشجر، مفرج الفم أي منفتحه. وقال غيره: هو مجتمع اللحيين عند العنفقة، وعلى رأى الأولين. قال أبو حيان: خروج الضاد من الجانب الأيسر عند الأكثر، والأيمن عند الأقل. ويحكى عن عمر بن الخطاب ﵁، إنه كان يخرجها من الجانبين معا. وقال الصيمري: بعض الناس يخرجها من اليسرى، وبعض الناس يسهل عليه إخراجها من

стр. 517

الجهتين معا. قال: وكلام سيبويه أيضا، يدل على أن الضاد تكون من الجانبين، وقد ذهب بعض من لا ضبط له ولا معرفة، إلى أن الجهة اليمنى تختص بها، اهـ. فعلمت أن الضاد، التي ينطق بها أكثر الناس، غير التي مضت صفتها، وأنها أقرب إلى الدال منها إلى الضاد المذكورة. ومما بين طرف اللسان، وأصول الثنايا، مخرج الطاء والدال والتاء، فهذا هو مخرج الضاد الموجود الآن عند أكثر الناس، وقد أطلنا في هذين الحرفين، لفساد الأول عند المغرب، ولفساد الثاني عند الجميع. الكلام على العلم في شنقيط مرادنا بالتعميم، إنما هو بالنسبة إلى الزوايا فقط، وإلا فإن حسان واللحمة ولحراطين (أي المعتقين من الرق) والمعلمين، أي صناع الحديد، وإكاون، وهم ناس يقال أن أصلهم قيون كما تقدم، لا يدخلون في ذلك العموم، وإن كان قد وجد فرد من هذه الأجناس عالما، فذلك شاذ لا يجعل أصلا. أما الزوايا، فلا يوجد من بينهم ذكر أو أنثى إلا يقرأ ويكتب، وإن وجد في قبيلة غير ذلك فإنه نادر، بحيث لا يوجد في المائة أكثر من واحد، على تقدير وجوده. كيفية التعليم عندهم إذا بلغ الصبي خمس سنين يمتحنونه، بأن يعلموه من الواحد إلى العشرة، فإن تابعها من غير تقديم ولا تأخير، يعلموا إنه صار ينجح تعليمه، وإن لم يعلم كيفية العد يتركوه، ثم يبدءون في تعليمه، وأكثر من يتولى تعليمه إذ ذاك، النساء، ثم بعد معرفة الحروف الأبجدية، يعلمونه كل شكلة، يقولون: فتحة أو نصبة، وكسرة أو جرة، وضمة أو رفعة، وجزم أو سكون وفي بعض الحروف

стр. 518

يعبرون بما لا يعرف عند غيرهم، مثل الياء المكتوبة هكذا (ي) يقولون: أي انظرزه. ولا أدري من أين أخذوه، ويقولون في النون التي تكتب هكذا (ن) النن أعْرك، وحتى أن بعض الأدباء، شبه حظيرة على حرث بها، فقال يذكر دارا: أمست لِسيدان الفلا مألفا ... وكلَّ حرث مثل نونٍ عَرَكْ إلا إنه حذف الألف ضرورة، أو لغة لم أسمعها، ويقولون في هاء الضمير التي تكتب مثل هاء ضربوه: أهذونْ. وفي التاء التي تكتب هكذا (ة) التذوت. ويعبرون بالصط: موضع الصاد، والضط: موضع الضاد. وهم مختلفون في ذلك، فمنهم من يقول: الكسرة موضع يا انطرزَّه، ويستمر التعليم في القرآن، إلى أن يبلغ الصبي، أو نحو ذلك، أعني إذا لم يحفظ القرآن قبل ذلك، فإن حفظه إما أن يشتغل بعلم القراآت، ويسمونه التجويد، وإما أن يبقى يكرر تلاوة القرآن، لئلا يضيع من حفظه، ويقولون: أيطيب صراته، بمعنى سوره، جمع سورة، هكذا ينطقون. فإن بلغ الحلم، يبدأ في غير القرآن، وتختلف الناس إذ ذاك، بحسب البلدان والقبائل. أما أهل آدرار وتكانت ومن حذا حذوهم، فإنهم يبدءون بالأخضري وابن عاشر والرسالة ثم الشيخ خليل. وأما أهل القبلة، فإنهم يختلفون في ذلك أيضا، ففيهم البعض، يقرأ بعض دواوين العرب، قبل البلوغ، ثم العقائد الأشعرية، ويمضي سنين عديدة في إتقان تآليف السنوسي، حتى لا يبقى عليه منطوق ولا مفهوم، ليصير عندهم مؤمنا حقيقة، وإلا فإنه إذا كان لا يقدر على معرفة أنواع الصفات، وتعيينها بالألفاظ المتداولة عندهم، فهو عرضة للكفر، ثم يقرؤونه النحو والفقه. وفيهم مواضع، تتأنق أهلها في البيان والمنطق، ولكل جهة اعتناء ببعض العلوم، أكثر من غيرها. تعب العالم في شنقيط وما يكابده من المشاق إذا نظرت إليه من جهة التدريس، تجده يكابد من الأتعاب ما لا يحصى،

стр. 519

فقد يستغرق يومه كله في التدريس، لأن الشيخ عندهم، لا يلزم الطلبة أن يشتركوا في درس واحد، من فن من الفنون، فتراه مثلا يدرس لعشرة من التلامذة الألفية، فبعضهم يقرأ من أولها، وبعضهم يقرأ من وسطها، وبعضهم يقرأ من آخرها، ويلقى لكل درسه من موضعه الذي يليق به. وهكذا في الفقه وغيرهما من العلوم، وقد يضم أشخاصا في محل واحد من فن واحد، ويضم آخرين في محل منه آخر، ويسمون المشتركين في الدروس: دولة. أما ما يكابده العالم من مشاق الدنيا، فهو إنه يكون موردا للضيوف وللمستفتين ولطالب الحاجة، وليس للقاضي ولا للمدرس، هناك أوقاف تصرف عليهما، ولا يأخذ أحدهما من الطلبة، بل قد يعطيهم من يده، والمفتى أيضا لا يأخذ شيئا في مقابلة الفتوى. وقد يكون لبعض العلماء ما يسمونه: كبط. أي عطية، يعطيه إياها حسان، أو اللحمة، أو الأحراطين، أي المعتقين. وهذه العطية: شاة من الغنم على كل ذي غنم، أو إمداد من الزرع، على كل ذي حرث، وهذا النوع قليل جدا بالنسبة إلى من لا يأخذ شيئا. وإذا ظلم حسان أحدا ممن ينسب إليه، يذهب في طلب استرداد ما أخذ، وربما جلس في استرداد ذلك سنة أو نصفها. كيفية إلقاء الدرس عندهم لا ضابط للهيئة التي يلقي عليها المدرس عندهم، فتراه يدرس مرة ماشياً مسرعاً، ومرة جالسا في بيته، ومرة في المسجد، ومنهم من يدرس في أثناء الارتحال، من جهة إلى أخرى، سواء، كان ماشيا، أو راكبا، وقد يكون راكباً، والطلبة يمشون على أقدامهم في ناحيته. تأديب المدرس للطلبة إذا بلغ الشيخ أن أحد التلاميذ أساء، فإنه يعاتبه برفق، بأن لا يلتفت إليه

стр. 520

حتى يعلم التلميذ ذلك من حاله، وكان العلامة محمذ فال بن أحمد فال التندغي، تجتمع عنده الطلبة من الزوايا، ومن قومه فإذا بلغه عن أحدهم قولا لا يليق، تركهم حتى يجتمعوا عنده. فيقول: وقول ما لا ينبغي لا ينبغي ... لِتنْدغٍ ولا لغير تندغِ فإذا كان الذي بلغه فعل قال: وفعل ما لا ينبغي لا ينبغي ... لتندغ ولا لغير تندغ وكان رسول الله ﷺ ، يفعل ذلك على جهة التعميم. فيقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا، أو يقولون كذا، وما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، وهذا النوع أردع للناس) فليت أن علماء الأزهر فعلوا مثله، وتركوا عنهم، يا ابن الفاعلة، أو يا ابن الكلب، أو يا حمار، فإن هذه الألفاظ، تذهب هيبة الشيخ من قلب الطالب. الكلام على طلب العلم إذا تأملت يا مشرقي، طلب العلم في أرض شنقيط، علمت أنك تجد من الإعانة ما لا يجد، لأن لك من الأوقاف ما يكفيك، ووراءك امتحان يحملك على الاجتهاد، لأنك إذا سقطت، قطعت من الدفتر، وإذا لم تكن عالما، جعلت عسكريا، وإذا صرت عالما، تأخذ من الأوقاف ما يكفيك أنت ومن تمون. أما الطالب في أرض شنقيط، فبعكس هذا كله، فإنه إذا لم يعلم لا يؤخذ للعسكر، وإذا طلب العلم، لا يجد وقفا يتقوَّت منه، وإذا صار عالما، ليس وراءه وقف يضمن له ما هو مضمون لك، فهذا كله، يثبط عن العلم. وإذا اشتهر عالم بالمهارة في العلم، أكثر من يتعلم عليه، إنما هم الغرباء، لأن الشخص في أرض شنقيط، يصعب عليه أن يتعلم في بيت أهله، إذ يلزمه أن يتفقد مواشيه، وأن يواظب على الضيوف التي تقصده دائما، وبالنظر في الشئون

стр. 521

المنوطة به، فيتغرب لذلك، إذ لا يهمه إذا كان غريبا، غير شؤون نفسه. أما ما يعيش به، فأكثر أن يأخذ بقرة حلوباً، أو بقرتين إلى ثلاث، إلا أن الثلاث لا يقدر عليها إلا القليل، وهكذا أغلب من يتغرب. وإذا كان الشيخ صاحب إبل، يذهب الطالب بناقة أو ناقتين إلى ثلاث، فإذا اجتمعوا عند شيخ يكونون طوائف، كل طائفة تشترك فيما عندها، لا فارق بين من عنده واحدة، أو ثلاث. فيحلبون واحدة مثلا، ويحلِّقون كل يحسو حسوة، ويناول الآخر وهكذا. أما ما يسكنون فيه من الأمكنة، فيصدق عليه قول بعضهم: تلاميذ شتى أَلَّف الدَّهْرُ بينهم ... لها همم قصوى أجَلُّ من الدَّهرِ يبيتون لاكِنٌّ لديهم سوى الهوى ... ولا من سرير غير أرمدة غبر ويتناوبون رعي مواشيهم، فيخرج أحدهم اليوم يرعى الإبل، ويأخذ كتابه أو لوحه، يظل يقرأه، ثم يخرج غيره بعده، وهكذا حتى يدور ذلك عليهم. وقد يوجد شخص معه عبد، يرعى له نياقه، وهذا قليل جدا. وإذا كانت الطلبة أهل بقر: يتناوبون الورود على المنهل لسقيها لأن البقر يشرب كل يوم، بخلاف الإبل، فإنها في أيام الصيف، تغب يومين أو ثلاثة، وفي غيره أسبوعا وأسبوعين، إلى الشهر أو الشهرين، وقد تمكث ثلاثة أشهر لا تشرب، إذا كانت الأرض مخصبة. ومما يحكى عن تلاميذ أهل محمد سالم المجلسيين: أن أحدهم كرع في ماء يشرب منه، فنقرته وليدة وقالت له: أنت شربت أمس، ولا يشرب في هذا اليوم، إلا من لم يشرب أمس. وكان ذلك في شدة الحر. التجارة في شنقيط إن التجارة في شنقيط، كانت في القديم رائجة. وأعظم ما يتجرون به الملح إلى السودان. يقال: أن العبد كان يباع بحذائه، أي نعله. وذلك أن الملح يقطع على هيئة اللوح الكبير، فيشد بالحبال، ويوضع على ظهر الجمل، فإذا صار إلى

стр. 522

السودان، يجعل تحت قدم العبد منه مقدار نعل، فيكون قيمة له، وهذا العصر تقادم. أما الذي نعرفه نحن، بعد الكساد، أن حمل الجمل، يباع في عبد أو أمة، ويبقى ما يوفره من الزرع، وكل ما عند السودان يباع في الملح، كالخيل والثياب والزرع والعبيد. ويقال: أنهم كانوا يبيعون أولادهم فيه. ويقطع هذا الملح من سبخة آجِّلْ. وهي تبعد عن مدينة شنقيط بنحو خمسة أيام أو ستة، وأهلها المالكون لها: كنته، والناس يدفعون لهم ثمنا قليلا جدا، بالنسبة إلى ما يبيعونه به، وتسافر الناس من الحوض وتيشيت واركيبه وتكانت، لذلك الملح، وأكثرهم يشتريه من مدينة شنقيط، وربما ذهب بعضهم إلى محل السبخة، فأخذه منها. ثم يباع جميعه في السودان. أما العبيد التي يأخذها أهل الملح، فإنهم يرجعون بها إلى أهلهم، فما كان الشخص مدينا به منه، سلمه إلى من يطلبه، وما ليس بمطلوب منه، فإن شاء باعه في محله، وإن شاء جلبه إلى أرض القبلة. ويمسك من العبيد ما يحتاج اليه. والمسافة بين السودان وبين محله متفاوتة. فمنها شهر، ومنها ما هو أزيد. وكلما توغل صاحبه في السودان، يكون أروج له. ومما يأتي به جالب الملح: القماش المعروف بالأكحال، ويسمونه الأنصاف. وأردية يسمونها: دماس وديسه، وبنائق تبنى منها القبب، ويسمونها اجِّيفْ، والدخن المسمى عندهم بالبشنة، وكرته، المعروفة عند المصريين بفول السودان، وعند أهل الشام، بفستق العبيد، وعند أهل الحجاز، باللوز الهندي. أما تجارة أهل القبلة، التي تخرج منها إلى غيرهم: فهي العلك، المعروف عند المشارقة، بالصمغ. وكيفية اجتنائهم له: أنهم يذهبون إلى المحل الكثير القتاد، الذي يبلغهم أن الصمغ يوجد فيه بكثرة، ولا ينضبط قانون ذلك، لأنه يكثر في جهة سنة، ويقل فيها أخرى. ويأتون بعبيدهم ثم يبعثونهم يوميا اليه، ويرجعون إليهم مساء، فيوقدون النار في الليل، ويقايسون ما جناه العبيد، فإن أتى أحدهم

стр. 523

بقليل عن مماثله يوبخونه، وربما ضربوه والعبد بنفسه يخجل، إذا رأى جناه أقل من جنى غيره. وهذه الحرفة، خاصة بأهل القبلة، وأهل الرقيبة والحوض. وهذا الجنى: يباع كله في فرانسة، ويؤخذ منهم عوضه من القماش المسمى عندهم بالخنط، وهو أنواع: منه أسود ومنه أبيض ومنه أخضر. والدخن والسكر والعسل وهو دبس جيد. أما عسل النحل: فإنه قليل، ويسمونه عسل لعماله. تجارة أهل شنقيط فيما بينهم تكلمنا على ما يخرج من بلادهم وما يأتون به، فبقى أن نتكلم على ما يتعاملون به بينهم، عوض الدراهم. فإن أكثر ذلك، إنما هو القماش والغنم، وكل جنس المواشي معروف الأثمان. فالبيصة: وهي علم على ثلاثين ذراعا من القماش، مثل الريال عند غيرهم. فيقولون: بكم تبيع هذا العبد، أو الجمل، أو البقرة مثلا. فيقول: بعشر بيصات. فإن كان ذلك في تكانت أو الحوض: فالبيصة المطلقة إنما يراد بها فلتور، وهو جنس غليظ ليس بالجيد. وعند أهل القبلة: أغلب ما يراد الميلس، تصغير الأملس، بالتصغير العامي. وهو جنس جيد، يتفاوت بحسب أنواعه إلا إذا عينت، فتكون بحسبها عند الجميع، أما سعر البيصة: فالأغلب أن يعلم بالغنم. فيقولون: كم ثمن البيصة من الغنم، فيقولون: ثلاث جدعات. أي جذعات، أو أربع أو نحو ذلك. ومن البقر: التافكيت، بمعنى التبيعة. أما إذا كانت القيمة بين البقر والغنم، فيقولون: ثمن هذا الجمل، أربع تيفُكاتن مثلا، والتافكيت من الغنم: علم على ست جذعات، وإذا قالوا شاة دية، فمعناها أنها تساوى جذعة ونصف، وإذا قالوا: كاطعه، فمعناها: أنها تقطع جذعتين، أي نفى بثمنهما. الصناعة في شنقيط لو قلنا: أن أرض شنقيط لا صناعة فيها، لكان ذلك وجه من الصحة،

стр. 524

إذ ليس فيهم من يقدر أن ينسج ثوبا يلبسه، ولا سيفا يتقلده، وفيهم حدادون يصنعون السكاكين الصغار، وإذا فسدت البنادق المسماة عندهم بالمدافع يصلحونها، لكن لا يقدرون على صنعها ابتداء، وهؤلاء الحدادون إنما يصنعون أواني الخشب، والعمد والإشفا، ويصنعون الفراء إذا دبغت، ورجالهم ونساؤهم يعيشون من عمل أيديهم. فالرجال يصنعون الفؤوس والخناجر والعمد، والحدائد التي تكون آلة للحراثة، ويسمونها أوجيل، ومنهم من يقول: أواجيل، ونساؤهم يخطن كل ما يصنع من الجلود، وحسان يظلمون هذا الجنس، ويأخذون عليه المكس، ولم نفرده بالذكر لقلته، والناس يزعمون أن أصلهم يهود ثم أسلموا، ودينهم ضعيف جدا، والناس ينسبون إليهم الكذب والشر، ولا يناكحونهم. الزراعةُ في شنقيط هي من أضعف البلاد في الزراعة، ما عدا نجد، والحجاز، وهي متفاوتة في ذلك، فآدرار: كثير النخل، وليس بأرض زراعة، وقد يزرعون القمح والشعير تحت النخل في الشتاء، ويحصدونه قبل الصيف، ويزرعون الفندي، وهكذا في تججكه، وتكانت فيها أودية، قد تحرث في آخر الصيف، وتحصد في الشتاء، إذا كثرت الأمطار، وهذا لا يغنى أهلها عن القافلة، لقلة ما يحصل منه. عاداتهم في الزواج والولائم أما الزواج عندهم، فعقده إنما هو على مذهب الإمام مالك، سواه في ذلك الزوايا، وحسان، واللحمة، أما الزوايا: فهم مطلعون بمعرفة أحكامه، وأما حسان، واللحمة: فإنما يتولى لهم العقد أحد الزوايا، ولا يتولونه بأنفسهم، وإذا لم يكن معهم أحد الزوايا، أحضروه حتى يتولى ذلك، وحسان شنقيط

стр. 525

في هذا، أرقى من بوادي نجد والحجاز، لأن كيفية العقد عند بوادي الحجاز ونجد غريبة جدا، ولا يسوغ لنا أن نكتب ما أخذناه خبره منها. أما المهور عندهم: فإنها بحسب عرف القبيلة، فمن زوايا القبلة من يأخذ نصف المهر، ويرد للزوج نصفه. أما حسان مطلقا، وزوايا آدرار، والحوض، وتكانت: فيأخذونه كله، وأما الجهاز فبحسب العرف. والوليمة في أرض شنقيط، كلها مخالقة للسنة، سواء في ذلك الزوايا أهل العلم، وحسان أهل الجهل، لأنها عند الكل على ولى المرأة، قبل البناء، ولا يدعى لها أحد مطلقا، وأكثر الأطعمة، يأكله الأوباش، وتحمل منها موائد إلى أقارب الزوج، وتبقى المرأة في كل عيد، تبعث موائد إلى أقارب الزوج، كما أن نساء أقارب زوجها، يبعثن بمثل ذلك إليه، والوليمة في الشرق، باقية على الزوج بعد البناء، ولا ينتقد فيها إلا التكلف المنهي عنه، المبيح لعدم إجابة الدعوة، ودعوة الأغنياء دون الفقراء، فإذا كان أحدهم لين القلب يدعو الفقراء، ويطعمهم من سؤر الأغنياء. الكلام على التاريخ في شنقيط السائر في أرض شنقيط، إنما هو التاريخ بالأمور المشهورة، كالحروب والجدوب، وموت الأعاظم. يقول أهل القبلة مثلا: كان ذلك سنة غدرة محمد لحبيب، أو سنة غدرة سيد بن محمد لحبيب، وفتنة أجله مثلا، أو سنة ملكي اصرب ملكي، بمعنى ملتقى، واصرب جمع صربة، بمعنى الوفود التي اجتمعت لعقد الصلح بين الترارزة، ويقولون: كان ذلك سنة شر بني فلان، وبني فلان، أي حربهم، أو سنة خير بني فلان وبني فلان، أي صلحهم، أو سنة اكبيظ الشمس، اكبيظ: بمعنى قبضها، أي كسوفها، وسنة حواطه، وهي سنون محدبة، يزعمون أن المطر حبس سبع سنين، وفيت المواشي، وأكل الناس

стр. 526

الجلود، وهذه اللفظة عربية، وأصلها تحوط أو تحيط. قال أوس بن حجر، يرثى فضالة بن كلدة من أبيات: والحافظ الناس في تحوط إذا ... لم يرسلوا تحت عائذ ربعا ويقول أهل آدرار: سنة غدرة امحمد بن أحمد بن عيد، وسنة غدرة أحمد ابن امحمد. وسنة الطيحة الفلانية، وهذه الأخيرة، مشتركة بينهم كلا، أي يسمون الغارة طيحة، ويقول أهل تكانت: سنة غدرة محمد بن اسويد أحمد، وسنة شر اشراتيت وأبكاك، وسنة شر إدوعيش، وأحيى من عثمان، وهكذا. ويقول أهل تيرس: سنة النعم الفلاني، أي الخصب، وسنة أذريره وهي سنة أدركنا من يعرف زمنها، قالوا: أن تيرس مكثت أزمنة كثيرة، تتوالى عليها الأمطار، وهي من أجود الأرض في الإبل، وإذا وقع فيها الخصب، تحدث فيها أمور عجيبة، منها أن الفصيل يركب قبل سنة، ومنها أن الناقة تلد في كل سنة. ويحكى أن بعص أهلها، حدَّت إنه شرب لبن أنثى، قبل أن تتم سنة، أو عند تمامها، وصورة ذلك، أن الفحل ضربها، وهي بنت ستة أشهر أو سبعة، فأسقطت جنينها بعد ثلاثة أشهر أو أربعة، فعطفوها على فصيل آخر، فصارت تحلب. وهذا من الأمور الخارقة للعادة، لأن الأنثى لا تلد غالباً قبل أربع سنين، في غير تيرس. ويحكى أن أهل بارك الله، وهم أعظم قبيلة في تيرس، من الزوايا، مكثوا أربعين سنة، لم يروا جنازة قبل هذه السنة، فصاروا لا يقرؤون أحكام الجنائز، لعدم الاحتياج إلى ذلك. ثم أن الله تعالى سلط بعض القبائل على بعض، فصاروا يقتتلون ويغير بعضهم على بعض، ووقع الجدب، فهربت الناس إلى أرض القبلة، وأصاب هذا البلاء، أدرار وانيشيري. ويحكى أن أهل تيرس، صاروا يهربون عن أولادهم.

стр. 527

ومن المسائل التي وقعت إذ ذاك، أن رجلا يقال له ابن الديك، كانت عنده امرأة فتعشقها آخر، يقال له: البخاري، ففداها منه بمال، فطلقها. فبينا هو ينتظر انقضاء عدتها ليتزوجها، وقعت أذريره، فخرجت تلك المرأة مع نساء هاربات على أقدامهن، فأضربهنَّ الجوع، فوجدن بقراً لمحبوبها، فذبحت منه تبيعة، فوفاها محبوبها وكلمها كلاما عنيفا، وهددها بالضرب، وطلب منها أن تقضي له تبيعته. فقال بعض الأدباء يعتبر بحالها: أنظر إلى معشوقة البخاري ... وعنها الآئلِ للصّغارِ كانت لنجل الديك عرساً وهولا ... يبغي بها من النساء بدلا ففرق البخارِ بالفداء ... بينْهما للاعج الأهواء وكرعا كأسَ الصّبا زمانا ... وكان من أمرهما ما كانا غَصَّ بها المِجْوَلُ والحجالُ وطاب منها ذلك المجالُ وأسْهِرَتْ من هجرها الرجالُ ... وأعلمت في وصلها الجمالُ واخضرَّ جلدها من اللباسِ ... منْ فاخرَات الهند أو دُماسِ وأسْقيتْ خوالصَ الألبانِ ... عَنْ كثْرةٍ والدَّهرُ ذو ألوانِ راحَتْ سعُودُ سَعْدِها أوافِلا ... وانقلبت رياحُها شمائِلا وشامَتِ الخُلّبَ في أمصارها ... ونعِبَ البارَحُ عن يسارها وأثرتْ عُرَى خَوالصِ الادُمْ ... في جيدها وغيرُ ربي لم يدمْ ولم تزلْ في تيلك الحال إلى ... نعوذُ باللهِ منْ أنواع البلا أن ذبحت بنت لبون من بَقرْ ... عاشقِها الذي بها قد اشتهر فرام أن تَقْضِيّه في الحين ... بعد كلام غيرِ مستلين بل همَّ أن يوجعَها بضربها ... على خدود كان مفتوناً بها نفْسَ الأريب انتبِهي واعتبرِي ... وجددي العبرة أيضاً وانظري

стр. 528

بين التلطفِ إلى المعشوقِ ... وسطوةِ الطالبِ بالحِقوقِ وبين لمس الجلدِ باغتباطِ ... وسومه بمؤلم السياطِ هذا ما تذكرت منها، وأين البخاري هذا، من جميل حيث يقول: فلو أرسلت يوماً بثينة تبتغي ... يميني وإن عزّتْ علىَّ يميني لأعطيتها ما جاء يبغي رسولها ... وقلت لها بعد اليمين سليني سلينيَ مالي يا بُثين فإنما ... يبينُ عند المال كل ضنين ومن كُثَيْر، حين مطلت عَزّة عبده، في دين له عليها، فتمثل بقول سيده: قضى كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنّى غريمها فلما علم أنها محبوبة سيده، قال لها: أنت في حل مما لي عليك، فبلغ ذلك كثير، وقال: أنت جر وما عندك لك، وقال: سيهلك في الدنيا شفيق عليكم ... إذا غاله من حادِث الدهر غائلهْ يودُّ بأن يمسى سقيما لعلها ... إذا سمعتْ عنه بشكوى تراسله ويرتاح للمعروف في طلب العلى ... لتحمد يوماً عند عَزٍّ شمائلهْ أما الحساب عندهم، فمنه عربي، وهو الحساب بالشهور القمرية، وأسماؤها منه ما أبقوه على أصله، ومنه ما غيروه، يقولون: رمضان، والفطر الأولى والثاني، فالأول شوَّال، والثاني ذو القعدة والعيد. وفي بعض الأحيان يقولون: عيد اللحم، احترازاً من عيد الفطر، وعيد المولد النبوي، وعاشور، أي عاشوراء، واتبيع: بمعنى صفر، والمولود: أي المولد: والبيظ الثلاثة، بمعنى البيض، وهي ربيع الثاني، وجمادى الأولى والثانية، ويقولون: لكصير الأول: ولكصير الثاني: مصغران، بمعنى القصيران، ولو قال قائل مثلا: صفر والمولد الثاني، وجماديان، ورجب وشعبان، ما فهمه إلا من كان من أهل العلم. وأما الأشهر العجمية، ففي ألفاظها بعض اختلاف عن أهل المشرق، يقولون:

стр. 529

يناير فبراير إبريل مي يوني يولي أغشت شتنبر آكتوبر نونبر دجنبر، ففي يناير ابتداء حراثة شمامه. وفي مارس تأبير النخل. ويكثر الصمغ فيه. وفي يوليه يزهو النخل. وفي أغشت تكثر الأمطار، وتطوى الحصر التي ينشر عليها التمر. ما عدا مدينة شنقيط. فذلك وقت أكل بلحها. الكلام على المكاتبة في أرض شنقيط المكاتبة عندهم، أكثر أحوالها أن لا تكون متكلفة، إلا إذا كانت فيها تعمية، كما وقع للمجيدري، وكان بمراكش، فبعث إلى أهله مع شخص: سلهاما أي برنسا وزربية، وكان غير مطمئن عليهما من جهة حاملهما، وعادة الكتب عندهم أن لا تكون في ظروف، فكتب مع حاملها: (سلام بزيادة لام ماء إلى لامه) وإحدى خبر كأن، في قول الشاعر: ترديت. . . إلى آخر كلامه فلام سلام، لامه الهجائي، ولام ماء، المراد به لامه وزنا، فماء أصله موه، بدليل مياه، وإذا قرنت لام ماء، إلى لام سلام، يصير اللفظ سلهاما، وأشار بقوله إحدى خبر كأن، إلى قول الشاعر: ترديت من ألوان نور كأنها ... زرابيّ وانهلت عليك الرواعد فزرابى في البيت، خبر كأن، وإحدى زرابى: زربية. وقد كتب بعض أدباء تجكانت، إلى صديق له يسأله شيئا من تبغ، ولا أدرى لفظ كتابه، ولعله من جنس الجواب وهو: (أما بعد، فإن ابن أخت خالتي، مصاحب لما جلاؤه من الميم، وما في حمى الوحاف الصم، لما يستحقه المغذُّ إلى المهم). المعنى: ابن أخت خالته، يعني به نفسه، لأن أم الإنسان أخت خالته، وما: بمعنى الذي. وجلاؤه: ظهوره، والميم: البحر، يعني به موسى ﵇، لما ألقاه اليم بالساحل، وما: الثانية، بمعنى الذي أيضا، والوحاف: الأثافي،

стр. 530

ويستخفه: يجده خفيفا، فيحمله معه. والمغذ: المسرع، يعني إنه ليس عنده من آلة الدخان، إلا موسى من الحديد، ليقطع به الجلدة، التي كانت لباساً لتبغ، يفعلون ذلك إذا عدموها. فورَّى بموسى ﵇، عن موسى الحديد. وما في حمى الوحاف. هو الفحم، يخلطونه مع قطع الجلدة المذكورة. فيشربونهما عوضا عنها. وقد يكتب بعضهم إلى بعض شعرا، فيجيبه الآخر في بحره ورويه. على مقتضى شعره. وقد يكون ذلك صادرا عن موجدة. كما تقدم في هذا الكتاب. مما وقع بين باب بن أحمد بيب العلوي، وادييج الكمليلي، وكما وقع بين ادييج المذكور، ومحنض باب بن اعبيد الديماني، وبين محنض باب، وحرم بن عبد الجليل العلوي، وكما وقع بين حرم، وشيخه المختار بن بون الجكنى، فإن حرم وعد المختار بإرسال شيء من الزرع، فأبطأ عليه، فقال المختار: لك الفضل أن واعدت يا حرم والفضل ... ولكنما ميقات إيجازك الفصل فزرعك هذا لم يشخص بخارج ... ولم يتعلق فيه كيلٌ ولا أكلُ فأجابه حرم بقوله: هنيئاً لشيخي قوله فيَّ والفعلُ ... وما نال من عرضي وزرعي له حل فلا تك عون الدهر يا شيخُ إنه ... لأبنائه في مقتضى صرفه شغل يعوق فتهجو من يعوق بصرفه ... ولو إنه ما شاب أخلاقه بخل وإني امرؤ عن هفوة الشيخ أن هفا ... صفوحٌ على أني لما قاله أهل وكتب غالي بن المختار فال البستاني، إلى حرم المذكور، وكان غالي حسن الخط: من كاتب الخط منشيه وكاتبه ... لحائز المجد عن ارث وكاسبه محمدٍ حرمةِ الله الذي مَحَقَتْ ... ذُكاءُ حِكمتِهِ ظَلْما غَياهبه أزكى سلام وأنماهُ وأطيبه ... ما يسمّرَتْ عُسْرَةً جَدوى مواهِبه فأجابه حرم: رَدُّ السلام إذا أكدى محاوله ... فكيف يحسِنُ إجلالا لجالبهِ
следующие страницы →