← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 95700

شأن الدعاء

الخطابي

Полный текст (266 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يُرِيْدَ: المُسْمِعَ. وَيُقَالُ: البَصيرُ: العاِلم بخَفِيَّاتِ الأمُورِ. ٢٩ - الحَكَمُ: الحَكَمُ الحاكِمُ، ومنه المَثَلُ: "في بَيْتهِ يُؤْتى الحَكَمُ" (١). وَحَقِيْقتُهُ: هُوَ الذِي سَلِمَ لَهُ الحُكْمُ، ورد إلَيْهِ فِيْهِ (٢) الأمْرُ. كَقَوْلهِ [تعالى] (٣): "له الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُوْنَ) [القصص/ ٨٨] وَقَوْلهِ: (أنْتَ تَحْكُمُ بين عِبَادكَ فِيْمَا كانوا فِيهِ يَخْتَلِفُوْنَ) [الزمر/ ٤٦]. وَقِيْلَ: لِلْحَاكِمِ حَاكِمٌ؛ لِمَنْعِهِ الناس عَنِ التظَالُم، ورَدْعِهِ إيَّاهُمْ. يُقَالُ: حَكمْتُ الرجُلَ عَن الفَسَادِ: إذَا مَنَعْتَهُ مِنْهُ. وَكذَلِكَ: أحْكَمْتَهُ -بالألِفِ- أنْشدَنِي أبُو عُمَرَ قَالَ: أنْشَدَني أبو العَبَّاسِ لِجَريْرٍ (٤): أبَنِي حَنِيْفَةَ أحْكمُوا سُفَهاءَكُمْ ... إني أخَافُ عَلَيْكمُ أنْ أغْضَبَا وَمِنْ هَذَا قِيْلِ: حَكَمَةُ اللِّجَام، وَذَلِكَ لمنْعِهَا الدابةَ مِنَ التَّمَرُّدِ والذهَابِ في غْير جِهَةِ (٥) القَصْدِ.

стр. 107

٣٠ - العدل: هُوَ الذِي لَا يَميْلُ بِهِ (١) الهَوَى فَيَجُور فِي الحُكْمِ. وَأصْلُهُ المَصْدَرُ. مِنْ قَوْلكَ (٢): عَدَلَ، يَعْدِلُ، عَدْلاً، فَهْوَ عَادِلٌ. أُقِيْمَ مَقَامَ الاِسْم، وَحَقِيْقَتُهُ ذو العَدْلِ. كقَوْلهِ -سُبْحَانَهُ (٣) -: (وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق/٢] وَيُقَالُ: عَدَلْتُ الشَيْءَ أعْدلُهُ عَدْلا: إذَا قَوَّمْتَهُ. وَمِنْهُ الاعْتِدَال في الأمُورِ، وَهُوَ الاسْتِقَامَةُ فِيْها. ٣١ - اللطِيْفُ: هُوَ البَرُّ بِعِبَاده، الذِي يَلْطُفُ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وُيسَبِّبُ لَهُمْ مَصَالِحَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُوْنَ. كقوله -[سبحانه] (٤) -: (الله لَطِيْفٌ بِعِبَاده يَرْزقُ مَنْ يَشَاءُ وهُوَ القوي العَزيز] [الشورى/١٩]. وَحَكَى أبو عُمَرَ (٥) عَنْ أبِي العَباسِ عَنِ ابنِ الأعْرَابي (٦) قَالَ: اللَّطِيْفُ، الذِي يُوصِلُ إلَيْكَ أرَبَكَ فِي رِفْقٍ، وَمِنْ هذَا قَوْلُهُم: لَطَفَ اللهُ لَكَ، أيْ: أوْصَلَ إلَيْكَ مَا تُحبُّ فِي رِفْقٍ. وَيُقَالُ: هُوَ الذي لَطُفَ عَنْ أنْ يُدْرَكَ بِالكَيفِيةِ. وَقَدْ يَكُونُ اللطْف بِمَعْنَى الرِّقةِ، والغُمُوضِ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى الصِّغَرِ فِي نُعُوْتِ الأجْسَامِ، وذلك مما لَا يَلِيقُ بِصِفَاتِ البارِي -سُبْحَانَهُ-.

стр. 108

٣٢ - الخَبِيْر: هُوَ العَاِلمُ بِكُنه الشىءِ. المُطَّلِعُ عَلى حَقِيْقَتِهِ (١). كَقَوْله [تَعَالى]: (فَاسْألْ بِهِ خَبِيْرَاً) [الفرقان/٥٩]. يُقَالُ فُلَانَ بِهَذَا الأمْرِ خَبِيْرٌ؛ وَلَه بِهِ خبْرٌ، وَهُوَ أخْبَرُ بِهِ مِنْ فُلَانٍ؛ أيْ: أعْلَمُ. إلا أن الخُبْرَ فِي صِفَةِ المَخْلُوقينَ إنما يُسْتَعْمَلُ في نَوْعِ العِلْمِ الذِي يَدْخلُة الِاخْتِبَارُ، وُيتَوَصَّلُ إلَيْهِ بالِامْتحَانِ، والاِجْتِهادِ، دون النَّوعِ المَعْلُومِ بِبَدَائِهِ (٢) العُقولِ. وَعِلْمُ الله -سُبْحَانَهُ- سَوَاءٌ فِيْمَا غَمضَ مِنَ الأشْيَاءِ و [فيما] (٣) لَطُف، وَفيمَا تَجَلَّى بهِ (٤) مِنه وَظَهَرَ. وَإنما تختَلِف مَدارِكُ عُلُومِ الآدميِّينَ الذِيْن يَتَوَصَّلُونَ إلَيْها بِمُقدمَاتٍ مِنْ حِسٍّ، وَبِمُعَاناةٍ مِن نَظَرٍ، وَفكْرٍ؛ وَلذَلِكَ قِيْلَ لهم: لَيْسَ الخَبَرُ كَاْلمُعَايَنَةِ، وَتَعَالَى الله عَن هَذِهِ الصفَاتِ عُلُوّاً كَبِيْراً. ٣٣ - الحليم: هُوَ ذو الصفْحِ، والأنَاةِ، الذِي لَا يسْتَفزْه غَضَبٌ وَلَا يَسْتَخِفُّهُ جَهْلُ جَاهِلٍ، وَلَا عِصيَانُ عَاصٍ، وَلَا يَسْتحِق الصَافِحُ مَعَ العَجز اسمَ الحِلْمِ؛ إنما الحلِيمُ هُوَ الصفُوحُ مَعَ القُدْرَةِ. [و] (٥) المتأني الذِي لَا يَعجَل بِالعقُوَبةِ. وَقَدْ أنعَمَ بَعْض الشْعَراءِ بَيَانَ هذَا المَعْنَى فِي قَوْلهِ (٦):

стр. 109

لا يُدرِكُ المَجدَ أقوَامٌ وإنْ كَرُمُوا ... حَتى يَذِلُّوا وَإن عَزُّوا لأقوَام وَيُشْتَموا فَتَرى الألْوَانَ مُسْفِرَةً ... لَا صَفْحَ ذُلٍّ وَلَكِنْ صَفْحَ أحْلَامِ ويقال: لم يَصِفِ اللهُ -سُبحَانَهُ- أحَدَاً مِنْ خَلقِهِ بِصِفَةٍ أعَز من الحِلْم، وذلك حينَ وَصَفَ إسمَاعِيلَ بِهِ. وَيُقَالُ: إن أحَدَا لَا يَسْتَحِقُّ اسمَ الصَّلَاحِ حَتى يَكُونَ مَوصُوفَا بِالحِلمِ، وذلك أن إبرَاهِيْمَ -صَلَوَاتُ الله عَلَيهِ (١) - دَعَا رَبهُ فَقَالَ: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالحيْنَ) [الصافات/ ١٠٠] فَأجِيْبَ بقَوْلهِ: (فَبَشرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيم) [الصافات/١٠١] فَدَل عَلَى أَن الحِلمَ أعْلَى مآئر (٢) الصلاَحِ -وَاللهُ أعلَمُ- وَيقَال: حَلُمَ الرَّجُلُ يَحلُمُ حُلْماً، بضم اللاَّمٍ في المَاضِي والمُستَقْبَلِ، وحَلَم في النومِ، بِفتْحِ اللامِ يحلُم حلْماً، اللام في المُستَقْبَل، والحاءُ في المَصَدَرِ مِنه، مَضمُومَتَانِ. ٣٤ - العَظِيمُ: هُوَ ذو العَظَمةِ والجَلَالِ، وَمَعْنَى العِظَم فِي هَذَا منْصَرِفٌ إلَى عِظَمِ الشأنِ، وَجَلَالَةِ القَدْرِ دون العِظَم الذِي هُوَ مِنْ

стр. 110

نُعُوتِ الأجْسَامِ لِمَا يُوجَدُ فِيْها مِنْ زِيَادةِ الأجْزاءِ وَيُقَالُ للرجُلِ السَيدِ: هُوَ عَظِيْمُ قَوْمِهِ. وَقَالَ [الله] (١) -سُبْحَانَهُ- حِكايَةً عَنِ الكُفارِ: (وَقَالُوْا: لَوْلَا نُزلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَى رَجلٍ مِنَ القَرْيَتَين عَظِيْم) [الزخرف/٣١]. وَيُقَالُ: أعْظَمْتُ الرَّجُلَ أُعْظِمُهُ (٢) إعْظَامَاً: إذَا جَلَلْتَهُ، وَأكْبَرتَهُ. وَهُوَ أعلَى مِنْ قَوْلكَ: عَظمْتُهُ تَعْظِيماً. ٣٥ - الغَفُوْرُ: هُوَ الذي تَكْثُرُ منْهُ المَغْفِرَةُ. وَبِنَاءُ فَعُولٍ: بِنَاءُ المبالَغَةِ فِي الكَثرَةِْ. كقُولكَ: صَبُوْرٌ، وَضَرُوْبٌ، وَأكُوْلَ. وَمَا أشْبَهَها مِنَ النعُوتِ. وَقَد تَقَدمَ الكَلَامُ فِي تَفْسير: الغَفارِ، وَمَعْنَى اشْتِقَاقِهِ في اللغَةِ، وَسَبِيلُ الِاسمَيْن مِنْ أسماء الله -جل وعز (٣) - المذكورينِ عَلَى بِنَاءَيْنِ مُخْتَلِفين- وإنْ كَانَ اشْتِقَاقُهُمَا مِنْ أصْل وَاحِد -أن تطلب لكل واحد منهما فائدة مُسْتَجَدة، وَأنْ لَا يُحمَلَا عَلَى التكْرَارِ. فَيَحْتمِلُ -والله أعْلَمُ- أنْ يَكُوْنَ الغَفارُ، مَعْنَاهُ: السَّتَّارُ لِذُنُوبِ عِبَادهِ فِي الدنيَا بِأنْ لَا يهتِكَهُم وَلَا يُشِيْدهما عَلَيْهِمْ، وَيَكُونُ مَعْنَى الغَفُورِ: مُنْصَرِفَاً إلى مَغْفِرَةِ الذنُوبِ فِي الآخِرَةِ، والتَّجَاوزِ عَنِ العُقوَبةِ فِيْها. ٣٦ - الشكوْر: هُوَ الذِي يَشْكُر اليَسِيرَ مِنَ الطاعَةِ فَيثيْبُ عَلَيْهِ الكَثيرَ مِنَ الثوَابِ، وَيُعطِي الجَزِيلَ مِن النعْمةِ، فَيَرْضَى بِاليَسير مِن الشكْرِ. كقَوْلهِ -سُبحَانَهُ-: (إن رَبنَا لَغَفورَ

стр. 111

شَكورٌ) [فاطر/٣٤]. وَمَعْنَى الشكْرِ المُضَافِ إلَيْهِ: الرِّضَى بِيَسير الطاعَةِ مِنَ العَبْدِ وَالقَبُوْلُ لَهُ. وَإِعْظَامُ الثوَابِ عَلَيْهِ -وَالله أعْلَمُ- وَقَدْ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُوْن مَعْنَى الثنَاءِ عَلَى اللهِ -جل وعز (١) - بالشكُوْرِ تَرْغِيْبُ الخَلْقِ فِي الطاعَةِ. قَلَّتْ أو كثُرَتْ لِئَلا يَسْتَقِلُّوا القَلِيْلَ مِنَ العَمَلِ فَلَا (٢) يَتْرُكُوا اليَسيرَ مِنْ جُمْلَتِهِ إذَا أعْوَزَهُمْ الكثيرُ مِنْهُ. ٣٧ - العَليُّ: هُوَ العَالي القَاهِرُ. فَعِيْلٌ بِمَعْنَى فَاعلٍ، كالقَدِيْرِ وَالقَادرِ والعَلِيْمِ والعَاِلم، وَقَدْ يكُونُ ذَلِكَ مِنَ العُلُوِّ الذِي هُوَ مَصْدَرُ: عَلَا، يَغلُو، فَهوَ عَالٍ. كَقُوْلهِ: (الرحْمنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى) [طه/٥]. وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ عَلَاءِ المَجْدِ والشرَفِ. يُقَالُ مِنهُ: عَليَ يَعْلَى عَلَاءً. وَيَكُونُ: الذي عَلَا وجل أنْ تَلْحَقَهُ صِفَاتُ الخَلْقِ (٣)، أوْ تُكَيِّفَهُ أوْهَامُهُمْ (٤). ٣٨ - الكبيرُ: هُوَ المَوْصُوفُ بِالجَلَالِ، وَكبَرِ الشأنِ، فَصَغُرَ دون جَلَالِه كلٌّ كبير. وَيُقَالُ: هُوَ الذِي كبُر عَنْ شَبَهِ المَخْلُوقينَ. وَقَدْ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُ المُصَلي (اللهُ أكْبَرُ) مِنْ هَذَا كَأنه يَقُوْلُ: الله أكْبَرُ مِنْ كُل شَيْء. وَقُدِّمَ هَذَا القَوْلُ أمَامَ أفْعَالِ الصَّلَاةِ تَنْبِيْهَاً

стр. 112

لِلمصلي. كيْ يخطره بِبَالِهِ عِنْدَ قِيَامِهِ إلَى الصلاةِ فَلَا يَشْغَل خَاطِرَة بِغيرهِ، وَلَا يعلق قَلْبَهُ بِشَيْءٍ سِوَاهُ. إذَا (١) كَانَ يَعْلَم أنه أكبَرُ مِما يَشْتَغِل بِهِ. وَكَانَ أبو العَباسِ، محمد بن يزيد النحوِي (٢) لَا يَرْتَضِي هَذَا القول. ويَقُول: "لَيسَ يَقَعُ هَذَا عَلَى مَحْضِ الرؤيةِ لأنه ﵎: (لَيْسَ كَمِثلِهِ شَيْءٌ) [الشورى/١١] وَمِثلُ هَذَا إنما يَكُونُ فِي الشيْئَين يَكونَانِ مِنْ جِنْس [واحد] (٣). فَيقَال: هَذَا أكبَر مِنْ هَذا: إذَا شَاركَهُ فِي بَابٍ" (٤)، وَقَالَ أبو عُبَيدَةَ: الله أكْبَر مَعْنَاه: الله (٥) كبِيرٌ. وَأنشَدَ لِلفَرَزْدقِ (٦): إن الذِي سَمَكَ السمَاءَ بَنَى لَنَا ... بَيتَاً دَعَائِمه أعَزُّ وَأطوَلُ [أي: عزيزة طَويلة] (٧). ٣٩ - الحَفِيظُ: هوَ الحَافِظ. فَعِيلٌ بِمَعْنَى: فَاعِلٍ. كَالقَدِيرِ وَالعَلِيمِ. يَحْفَظ السَمَوَاتِ والأرْضَ وَمَا فِيهِمَا؛ لِتَبْقَى مدةَ بَقَائِهَا؛ فَلَا تَزْول وَلَا تُدْثَر. كَقَوْلهِ (٨) -: (وَلاَ يَؤودُهُ

стр. 113

حِفْظُهُمَا) [البقرة/٢٥٥]. وَقَالَ: (وَحِفْظَاً مِنْ كل شَيْطَانٍ مَارِدٍ) [الصافات/ ٧] أيْ: حَفِظْنَاهَا حِفظَاً. والله أعْلَمُ. وَهُوَ الذي يَحْفَظُ عَبْدَهُ مِنَ المَهَالِكِ (١) والمَعَاطِبِ، وَيَقِيْهِ مَصَارِعَ السْوءِ. كَقَوْلهِ -سُبْحَانَهُ-: (لَهُ مُعَقبَات مِنْ بين يَدَيْهِ وَمِنْ خَلفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللهِ) [الرعد/١١] أيْ: بِأمْرِهِ (٢) وَيَحْفَظُ عَلَى الخَلْقِ أعْمَالَهُمْ، وَيُحصِي عَلَيْهِمْ أقْوَالَهُمْ، وَيَعلَمُ نِيَّاتِهم وَمَا تُكِنُّ صُدورُهُمْ، وَلَا (٣) تَغِيْبُ عَنْهُ غَائِبَة، وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَة، وَيَحْفَظُ أؤليَاءَهُ، فَيَعْصِمُهُم عَن مُوَاقَعَةِ الذْنوبِ، وَيَحْرُسُهُمْ عَنْ مُكَايَدَةِ (٤) الشيطَانِ، لِيَسْلَمُوا مِنْ شَرهِ، وَفِتْنَتِهِ. ٤٠ - المُقِيْتُ: هُوَ المُقْتَدِرُ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَباسٍ -[﵁] (٥) - في قَوْلهِ: (وَكَانَ اللهُ عَلَى كُل شَيْءٍ مُقِيْتَاً) [النساء/٨٥] قَالَ: مُقْتَدِرَا. وَقَالَ: ألم تَسْمَعْ قَوْلَ الشاعِرِ: وَذِيْ ضِغْنٍ كَفَفْتُ النفْسَ عَنْهُ ... وَكُنْتُ عَلَى مَسَاءَتِهِ مُقيْتَا (٦)؟

стр. 114

والمقِيْتُ أيْضَاً: مُعْطِي القوْتِ. قَالَ الفَرَّاءُ: يُقَال: قَاتَهُ، وَأقَاتَه بِمَعْنى وَاحِدٍ. ٤١ - الحَسِيْبُ: هو المَكافِىءُ. فعِيْلٌ بِمعْنَى: مُفْعِلٍ، كقَوْلكَ (١): ألِيْمٌ بمَعْنَى مُؤْلم. تَقُولُ العَرَبُ: نزَلْتُ بِفُلَانٍ فَأكْرَمَني وَأحْسَبَني، أيْ: أَعْطَانِي مَا كَفَانِي حَتى قُلْتُ: حَسْبِي. وَمِنْهُ قَوْل الشاعِرِ (٢): وَنُقْفِي وَليْدَ الحَيِّ إنْ كَانَ جَائِعَاً ... وَنُحْسِبُهُ إنْ كَانَ لَيْسَ بِجَائِع وَأخْبَرَنَا ابْنُ الأعْرَابي قَالَ: حَدثَنَا: العَبَّاسُ الدُّورِي عَنْ يَحْيىَ بنِ مَعين قَالَ: قَالَ [شعْبَة] (٣): سَمِعْتُ سِمَاك بَن حَرْبٍ يَقُولُ

стр. 115

فِي كَلَام لَهُ: "ما أحسَبُوا ضَيفَهُم" (١). أي: مَا أكْرَمُوهُ. قُلْتُ (٢): وَهَذَا راجِعٌ إلَى المَعْنَى الأولِ لأنهم إذَا كفَوهُ المُؤونَةَ وَأحسَبُوا القِيَامَ -عافهُ (٣) -، فَقَد أكْرَمُوهُ. وَالحَسِيبُ أيْضاً بِمَعنَى المُحَاسِبِ (٤) كقَولهم: وَزِير، وَنَدِيمٌ: بِمَغنَى مُوَازِرٍ وَمُنَادمٍ. وَمِنهُ قَوْلُ الله (٥) -سُبْحَانَهُ-: (كفَى بِنَفسِكَ اليوم عَلَيكَ حَسِيبَاً) [الإسراء/ ١٤] أيْ: مُحَاسِبَاً -والله أعْلَمُ-. ٤٢ - الجَلِيل: هُوَ مِنَ الجَلَالِ، والعظَمَةِ. وَمَعْنَاه: مُنْصَرِفٌ إلى جَلَالِ القُدرَةِ وَعِظَمِ (٦) الشأنِ فَهُوَ الجَلِيلُ الذي يَصغُرُ لُوْنَهُ كل جَلِيْلٍ، وَيَتضعُ مَعه كُلُّ رَفِيعٍ. ٤٣ - الكَرِيم: قالَ بَعْضُ أهْل اللْغَةِ: الكَريمُ .. الكَثيرُ الخير. والعَربُ تسَمي الشىءَ النافِعَ الذِي يَدوْم نَفْعُه ويسْهُل تَنَاوُلهُ: تَكْرِيماً (٧). وَلذَلِكَ قيلَ لِلناقَةِ الحُوار (٨): كريمة، وذلك لِغَزَارَةِ لَبَنِهَا،

стр. 116

وكثرَةِ دَرِّهَا. وَللنخْلَةِ التي لَا يُخْلِفُ حَملُهَا، وَكانَتْ مَعَ ذَلِكَ غيرَ مُرْقِلَةٍ يَصْعُبُ الرُقَى فيهَا: هَذِهِ نَخْلَة كَريمَةٌ. وَقيْلَ لِشَجَرةِ العِنَب: كَرْمَةٌ، بِمَعْنَى: كَريمَة. وَذَلِكَ لِكَثرَةِ خَيْرِها وَقُرْب جَنَاهَا. وَقَدْ يُسَمى الشىءُ الذِي لَهُ قَدْرٌ وَخَطَرٌ: كَرِيمَا، وَمِنْه قوله -سُبحَانَهُ- في قِصَّةِ سلَيمَانَ [﵇] (١) وَبَلْقِيسَ: (إني أُلقِيَ إلَيَّ كِتَابٌ كرِيمٌ) [النمل/٢٩]. جَاءَ في تَفْسِيرهِ: كِتَابٌ جَلِيْل، خطِيرٌ، وَقِيلَ: وَصَفته بِذَلِكَ؛ لأنه كَانَ مَخْتوْمَاً. وَقِيلَ كَانَ حَسَنَ الخَطِّ، وَقِيلَ لأنهَا وَجَدَت فِيْهِ كَلَامَا حَسَنَا. وَقَالَ بَعْضُ الأعْرَابِ، وَبَاعَ ناقَة لَهُ: وَقَدْ تَنْزِعُ الحَاجَاتُ يَا أمَّ مَالِكٍ ... كَرَائِمَ مِنْ رَبٍّ بِهن ضَنينُ وِمِنْ كرَمِ اللهِ -سُبْحَانَهُ-[أنْ يَبْدأ بِالنعْمَةِ قَيْلَ استحْقَاقٍ، ويتَبَرعُ] (٢) بالإحْسَانِ مِنْ غير استِثابةٍ، وَيَغْفِرُ الذنبَ، وَيَعْفُو (٣) عَنِ المُسِيءِ، وَيَقُولُ الداعي فِي دُعَائِهِ. يَا كَرِيمَ العَفْوِ، فَقِيلَ: إن مِنْ كَرَمِ عَفْوِهِ، أن العَبْدَ إذَا تَابَ عَنِ السيئَةِ، مَحَاهَا عَنْهُ وَكَتَبَ لَهُ مَكَانَهَا حسَنَة. ٤٤ - الرقيب: قَالَ الزَّجَّاجُ (٤): الرَّقِيْبُ، الحَافِظُ الذي لا يَغِيْبُ عَنْهُ شَيْءٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللهِ -سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى (٥) -: (ما يلفظ

стр. 117

مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيْبٌ عَتِيْد) [ق/١٨]. قَالَ الشيْخُ (١) أبو سُلَيْمَانَ، وَهُوَ فِي نُعُوتِ الآدميينَ، المُوَكَّلُ بِحِفْظِ الشيْءِ، والمَتَرَصِّدُ لَهُ، المُتَحَرِّزُ عَنِ الغَفْلَةِ فِيْهِ، يُقَالُ مِنْهُ: رَقَبْتُ الشيْءَ أرْقُبُهُ رِقْبَة. ٤٥ - المُجيْبُ (٢): هُوَ الذِي يُجيْبُ المُضطرَ إذَا دَعَاهُ، وُيغِيْثُ المَلْهُوفَ إذَا نَادَاهُ. فَقَالَ: (ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر/ ٦٠]، [و] (٣) قَالَ: (وَإذَا سَألَكَ عِبَادي عَني فَإني قَرِيْبٌ أجِيْبُ دَعْوَةَ ْالداعي إذَا دَعَاني) [البقرة/١٨٦] وَيُقَالُ: أجَابَ وَاسْتَجابَ بِمَعْنى وَاحِدٍ. ٤٦ - الوَاسِعُ: الوَاسِعُ [هو] (٤) الغَنِّي الذي وَسِعَ غِنَاهُ مَفَاقِرَ عباده وَوَسِعَ رِزْقه جَميْعَ خَلْقِهِ. والسَّعَةُ في كَلاَمِ العَرَبِ: الغِنَى. وَيُقَالُ: اللهُ يُعْطِي عَنْ سَعَة، أيْ: عَنْ غِنَى، وَمِنْ هَذَا قَوْلُ الشاعِرِ: رَعَاك ضمَانُ الله يَا أُمَّ مَالكٍ ... وَللهُ عن يُشْقِيْكِ أغْنى وَأوْسَعُ (٥)

стр. 118

٤٧ - الحكيم: هُوَ المُحْكِمُ لِخَلْقِ الأشْيَاءِ. صُرِفَ عَنْ مُفْعِلٍ إلَى فَعِيْلٍ، كَقَوْلهم: ألِيْمٌ بِمَعْنى: مُؤْلم، وَسَمِيْعٌ بِمَعْنَى: مُسْمِعٍ؛ كَقَوْلهِ -جَلَّ وَعَزَّ-: (آلر، تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ الحَكِيْمِ) [يونس/١] وَقَالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ) [هود/ ١]. فَدَلَّ عَلَى أن المرادَ بالحَكِيْمِ هُنَا الذي أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ، صُرف عن مُفْعَل إلَى فَعِيْلٍ. وَمَعْنَى الإحْكَامِ لِخَلْقِ الأشْيَاءِ، إِنما يَنْصَرِفُ إلَى إتْقَانِ التَّدْبِيْر فِيْها، وَحُسْن التقْدِيْرِ لَهَاْ. إذْ لَيْسَ كُل الخَلِيْقَةِ مَوْصُوْفَا بِوَثَاقَةِ البِنْيةِ، وَشِدَّةِ الأسْرِ كَالبَقَّةِ، والنمْلَةِ، وَمَا أشْبههَما مِنْ ضِعَافِ الخَلْقِ، إلا أن التدبيرَ فِيْهِمَا، والدِّلَالَةَ بهمَا عَلَى كَوْنِ الصانِع وإثبَاتِهِ، لَيسَ بِدُوْنِ الدِّلَالَةِ عَلَيْهِ بِخَلْقِ السمَواتِ والأرْضِ والجبَالِ وَسَائِرِ مَعَاظِمِ الخَلِيْقَةِ، وَكَذلِكَ. هَذَا في قَوْلهِ -جَلَّ وَعزَّ-: (الذي أحسن كلَّ شيءٍ خَلَقَهُ) [السجدة/٧] لَم تَقَعِ (١) الإشَارَةُ بِهِ إلَى الحُسْنِ الرَّائِقِ فِي المَنْظَرِ، فَإن هَذَا المَعْنَى مَعْدُوْمٌ فِي القِرْدِ، والخِنْزيْرِ، والدُّبِّ، وَأشْكَالِهَا مِنَ الحَيَوَانِ، وإنما يَنْصَرِفُ المَعْنَى فِيْهِ

стр. 119

إلى حُسنِ التدبير فِي (١) إنشَاءِ كل شَىء مِنْ خَلقِهِ على ما أحبَّ أنْ ينشِئَهُ عَلَيهِ وإبرازه عَلى الهَيئَةِ التي أرَادَ أنْ يهيِّئَهُ عَلَيها. كقَوله [تعالى] (٢): (وخَلَقَ كُل شَيْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرَاً) [الفرقان/٢]. ٤٨ - الوَدوْد: هُوَ اسْم مأخُوذ مِنَ الوُد وفيه وَجْهان، أحدهمُا: أنْ يكون فعُوْلاً في محل مَفْعُولٍ. كَما قيل: رَجُل (٣) هَيُوْبٌ بمعْنى: مَهيْبٍ، وَفرَسٌ ركوبٌ بمعْنَى: مركوب -والله (٤) سبحانهُ- مودود في قُلوبِ أوليائهِ لما يتعَرَفُونهُ منْ إحسانه إليهم وكثرة عَوَائدِه عندهم، والوجه الآخَر: أنْ يَكون الوَدودُ بمعنى: الوادّ، أيْ: أنهُ يوَدُّ عباده الصالِحين بمعنى أنْ يَرْضَى عَنهُم ويتقبل أعمَالهُم، وقد يكون معناه أنْ يُوَدِّدَهُم إلى خَلقه؛ كقوله -جل وعَزَّ (٥) -: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهمُ الرحمنُ وُدَّاً) [مريم/٩٦]. ٤٩ - المجيد: المجيد [هو] (٦) الوَاسع الكرم، وأصل المجد في كَلامهمْ: السَّعَةُ. يُقالُ: رَجُل مَاجِدٌ إذا كان سخِيَّاً واسِعَ العَطَاء، وفي بعْضِ الأمْثالِ: "في كلِّ شجر نارٌ واستَمْجدَ المَرْخُ

стр. 120

والعَفَارُ" (١) أيْ: استَكْثرَا مِنهَا. وَقيلَ (٢) فِي تفسير قوْلهِ -[جل وعز] (٣) -: (ق، وَالقُرآنِ المَجِيدِ) [ق/ ١] إن مَعْنَاهُ: الكَرِيمُ، وَقيلَ: الشرِيفُ. ٥٠ - البَاعِث: هُوَ الذي يَبْعَثُ الخَلْقَ بَعْدَ المَوتِ، أيْ: يحييهِم فَيَحْشُرُهُم لِلحِسَابِ لِيَجْزِيَ (٤) الذين أسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا، وَيَجْزيَ الذين أحْسَنوا بِالحُسنَى. وَيُقالُ: هُوَ الذي يَبْعَثُ عِبَاده عِنْدَ السَّقطَةِ وَيَنعَشُهُم بَعْدَ الصَّرْعَةِ. ٥١ - الشهِيْدُ: هُوَ الذي لَا يَغِيْبُ عَنْهُ شيءٌ. يُقَالُ: شَاهِدٌ وَشهيدٌ كعَاِلم، وَعَلِيم. أي: كأنهُ الحَاضِرُ الشاهِدُ الذِي لَا يعْزبُ عَنْه شَيءٌ. وَقَدْ قَالَ -سُبحَانَهُ (٥) -: (فَمَنْ شَهِدَ منكُم الشهْرَ

стр. 121

فَلْيَصُمْهُ) [البقرة/١٨٥]. أيْ: مَنْ حَضر مِنْكُم فِي الشهْرِ [فليصمه] (١)، وَيكُونُ الشهِيْدُ، بِمَعْنَى: العَلِيْم. كَقُولهِ: (شَهِدَ الله أنهُ لَا إلهَ إلا هُو) [آل عمران/١٨] قيْلَ: مَعْنَاهُ: عَلِمَ اللهُ. وَقَالَ أبو العباسِ أحْمدُ بْن يحْيىَ مَعْنَاهُ: بَيَّن الله أنهُ لا إلهَ إلا هُو، وَهوَ أيْضُاً الشاهِدُ للمظلوم الذِي لَا شَاهِدَ لَهُ وَلَا نَاصِرَ عَلَى الظاِلم المتعَدِّيْ الذي لَا مَانِعَ لَهُ في الدُّنْيَا؛ لِيَنْتَصِفَ (٢) لَهُ مِنْهُ. ٥٢ - الحَق: هُوَ المُتَحَقِّقُ كَوْنُهُ وَوُجُوْدُهُ وكُلُّ شَيْءٍ صَحَّ وجُودُهُ وَكوْنُهُ فَهُوَ حَقٌّ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللهِ -سُبْحَانَهُ (٣) -: (الحآقةُ. مَا الحآقةُ) [الحاقة/ ١ - ٢] مَعْنَاهُ: -والله أعلم- الكَائِنَةُ حَقَّاً لَا شَكَّ في كَوْنِهَا، وَلَا مَدْفَعَ لِوُقُوعِهَا، وَيُقالُ: الجَنةُ حَقٌّ والنارُ حَقٌّ والسَّاعَة حَق. يُرَادُ ان هَذِهِ الأشْيَاءَ كَائِنَة لَا مَحَالَةَ. والعَرَبُ تَقُولُ: [إن] (٤) فُلَانَاً الرجُلُ حَق الرجُلِ. والشجَاعُ حَق الشُّجَاعِ، وحاقَّ الشجَاعِ، وَحَاقَّةَ الشجَاعِ، إذَا أثْبَتُوا لَهُ الشجَاعَةَ وَحَقِيقَتَهَا، وَقَدْ تَكونُ الحَق أيْضَاً بِمَعْنَىْ الوَاجِبِ؛ كَقَولِ أبِي محمد الأنْصَارِي: "إن الوِتْرَ حَقٌّ" (٥). فَقَالَ عُبَادةُ بنُ الصَّامِتِ: كَذَبَ أبو محمد،

стр. 122

يُرِيْدُ (١): أن الوتْرَ وَاجِبٌ، وَلَيْسَ هَذَا مِن الأوْلَ في شَيْءٍ. ٥٣ - الوَكيْلُ: قَالَ الفَرَّاءُ: الوَكِيْلُ: الكَافي، وَيُقَالُ مَعْنَاهُ: أنَّهُ الكَفِيلُ (٢) بِأرْزَاقِ العِبَادِ، والقَائِمُ عَلَيْهِم بِمَصَالِحَهِمْ، وَحَقِيْقَتُهُ أنهُ الذي يَسْتَقِل بِالأمْرِ المَوكُوْلِ إلَيْهِ وَمِنْ هَذَا قَوْلُ المُسْلِمِيْنَ: (حَسْبُنَا اللهَ ونعْمَ الوَكِيلُ) [آل عمران/١٧٣] أيْ: نِعْمَ الكَفِيْلُ بِأمُوْرِنَا وَالقَائِمُ بِهَا. ٥٤ - القَوِي: القَوِيُّ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى القَادرِ. وَمَنْ قَوِيَ عَلَى شَيْءٍ فقَدْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وًيكُوْنُ مَعْنَاهُ: التام القُوةِ الذي لَا يَسْتوْليْ عَلَيهِ العَجْز فِي حَالٍ مِن الأحْوَالِ. وَالمَخْلُوْقُ وإنْ وُصِفَ بِالقُوةِ فَإن قُوته مُتَنَاهِيَة. وعَنْ بَعْضِ الأمُورِ قَاصِرَة. ٥٥ - المَتِين: وَالمَتِين: الشدِيْدُ القَوي (٣) الذي لَا تَنْقَطِعُ قُوتُهُ، وَلاَ تَلْحَقُهُ في أفْعَالِهِ مَشَقة وَلَا يَمَسه لُغُوبٌ. وَقَد رَوَاهُ (٤) بَعْضُهُمْ:

стр. 123

المبين مَكَانَ المَتين. وَمَعْنَاهُ: البَيِّن (١) أمْرُهُ فِي الوَحْدَانِيةِ، وأنه لَا شَرِيكَ لَه، يُقَالُ: بانَ الشيْءُ وَأبَانَ، وَبين، واسْتَبَانَ. بمَعْنَىً وَاحِدٍ، والمَحفوظ هُوَ الأولُ؛ كقَوْلهِ -جَلَّ وَعَزَّ (٢) -: (إن الله هَوَ الرزاق ذوْ القوةِ المُتينُ) [الذاريات/٥٨]. ٥٦ - الوَلي: هُوَ الناصِرُ. يَنْصُرُ عِبَادهَ المُؤْمِنينَ. كقوْلهِ -سبْحَانَه-: (الله وَلِي الذِيْن آمَنوا يخرجهم مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النور) [البقرة/٢٥٧]، وَكقَوْلهِ [تعالى] (٣): (ذلِكَ بِأن الله مَوْلَى الذينَ آمَنوا، وَأن الكَافِرِيْنَ لاَ مَوْلَى لهمْ) [محمد/١١] المَعْنىَ (٤): لَا نَاصِرَ لهم. -والله أعْلَمُ-. والوَلِي (٥) أيضَاً المتوَلي لِلأمْرِ والقَائِم بِهِ. كَوَلِيِّ اليَتيْمِ، وَوَلي المَرأةِ فِي عَقْدِ النكَاحِ عَلَيْهَا، وَأصْلُهُ مِنَ الوَلْي؛ وَهوَ القُرْبُ. ٥٧ - الحَمِيدُ: هو (٦) المَحْمُود الذِي اسْتَحَق الحَمْدَ بِفَعَالِهِ، وَهوَ فَعِيْل بِمَعْنَى مَفْعولٍ، وَهوَ الذِي يُحمَدُ في السَّراء (٧) والضَّرَّاءِ، وَفي الشِّدةَ والرَّخَاءِ، لأنه حَكِيْم لَا يَجْرِي (٨) في أفْعَالِهِ الغَلَط، وَلاَ يعترِضُهُ الخطأ؛ فهو محمودٌ عَلى كل حَالٍ.

стр. 124

٥٨ - المُحْصِي: هوَ الذي أحْصَى كل شَيْءٍ بِعِلْمِهِ؛ فَلَا يَفُوته مِنْهَا دقِيْقٌ وَلَا يُعْجِزة جَلِيْلٌ، وَلَا يُشْغِلُهُ شَيْءٌ مِنهَا عَما سِوَاهُ. أحْصَى حَرَكَاتِ الخَلقِ، وَأنفَاسَهم ومَا عَمِلوه مِنْ حَسَنَةٍ، واجْترَحُوْهُ مِنْ سَيئةٍ. كقَوْلهِ [تعالى] (١): (مَا لِهَذَا الكِتَابِ لَا يُغَادر صَغِيْرَةً وَلَا كَبيْرَة إلا أحْصَاهَا) [الكهف/٤٩]. وَقَالَ -[ ] (٢) -: (أَحْصَاهُ الله، وَنَسَوْهُ) [المجادلة/ ٦]. ٥٩ - ٦٠ - المبدي المُعِيْدُ: المبدِيء الذِي أبْدَأ الأشْيَاءَ، أيْ: ابتَدَأهَا مختَرِعَاً فَأوْجَدَهَا (٣) عَنْ عَدَمٍ. يقال: بَدَأ وَأبدأ (٤)؛ بِمَعْنَى وَاحِدٍ. والمعيد: [هو] (٥) الذي يُعِيْدُ الخلْقَ بَعْدَ الحَيَاةِ إلَى المَمَاتِ ثم يعيدهم بَعْدَ المَوتِ إلَى الحَيَاة كَقَوْلهِ: (وَكُنتمْ أمْوَاتَاً فَأحياكمْ ثم يُميتكُم ثم يُحيِيْكمْ ثُم إلَيه تُرجَعُونَ) [البقرة/٢٨]، وَكَقَوْلهِ [تعالى] (٦): (إنه هُوَ يُبْدِىء وَيُعِيْدُ) (٧) [البروج/١٣]. ٦١ - ٦٢ - المُحْيي المميت: المُحْيِيْ (٨) هو الذِي يُحيي النُّطْفةَ الميِّتَةَ

стр. 125

فَيُخْرج مِنْها النسَمَةَ الحَيةَ وَيُحْيي الأجْسَامَ البَالِيَةَ بِإعَادة الأرْوَاح إلَيهَا عِنْدَ البَعْثِ وَيُحْيي القُلُوبَ بِنُوْرِ المَعْرِفَةِ، وَيُحْيي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا بِإنْزَالِ (١) الغَيْثِ، وإنْبَاتِ الرزْقِ. [و] (٢) المُمِيْتُ: هُوَ الذِي يميت الأحْيَاءَ وُيوْهِن بِالمَوْت قوةَ الأصِحاءِ الأقْوَياءِ (يُحيِي وَيميْتُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيْر) [الحديد/٢]. تَمَدّحَ سُبْحَانَهُ بِالإمَاتَةِ كَمَا تَمَدَّحَ بِالإحْيَاءِ لِيُعْلَمَ أن مَصْدَرَ الخَيْر وَالشرِ وَالنفْعِ وَالضر مِنْ قِبَلِهِ وَأنه لَا شَريكَ لَهُ في الملكِ اسْتَأثَرَ بِالبَقَاءِ وَكَتَبَ عَلَى خَلْقِهِ الفَنَاءَ. ٦٣ - الحَيُّ: [و] (٣) الحي مِنْ صِفَةِ الله -تَعَالَى (٤) - هو الذِي لم يَزَلْ مَوْجوْدَاً، وَبالحَيَاةِ مَوْصوْفَاً، لم تحْدث لَهُ الحَيَاة بَعْدَ مَوْتٍ، وَلَا يَعْتَرِضه المَوت بَعْدَ الحَيَاةِ. وسَائر الأحْيَاءِ يَعْتَوِرهمْ المَوْت أو العَدَمُ فِي (٥) أحَدِ طَرَفَيْ الحَيَاةِ (٦) أو فِيْهِمَا مَعَاً (٧) و (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكَ إلا وَجهَهُ) [القصص/ ٨٨]. ٦٤ - القَيومُ: هو القَاِئم الدَّائِم بِلا زَوَالٍ، وَوَزْنهُ (٨)،

стр. 126

فَيْعُولٌ. مِن القِيَامِ وَهُوَ نَعْتُ المُبَالَغَةِ فِي (١) القِيَام عَلَى الشىءِ وَيُقَالُ: هُوَ القَيِّمُ عَلَى كُل (٢) شَيْء بِالرعَايَةِ لَهُ [و] (٣) يُقَالُ قُمْتُ بِالشىءِ (٤) إذَا وَليْتَهُ بِالرِّعَايَةِ وَالمَصْلَحَةِ. ٦٥ - الوَاجِدُ: هُوَ الغَني الذِي لَا يَفْتَقِرُ، والوُجْدُ وَالجِدَةُ: الغِنَى، يُقَالُ: رَجُلٌ وَاجِدٌ؛ أي: غَنيٌّ وَمِنْهُ: [٣١] قَوْلُ النبِي ﷺ : "ليُّ الوَاجِدِ ظُلْمٌ" يُرِيْدُ: مَطْلُ الغَني ظُلم. وَيَكُوْنُ الوَاجِدُ أيْضَاً مِنَ الوُجُود، وَهُوَ الذي لَا يَؤوده طَلَبٌ وَلَا يَحُوْلُ بَيْنَهُ وبْينَ المَطْلُوبِ هَرَب. فَالخَلْقُ كُلُّهُمْ فِي قَبْضَتِهِ (٥) يَتَقَلَّبُونَ وَعَلى مَشِيْئَتِهِ يَتَصَرَّفُوْنَ.

стр. 127

٦٦ - المَاجِدُ: [و] (١) قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسير "المَجِيْدِ" وَبَيَّنَّا مَعْنَى المَجدِ واشْتِقَاقَهُ وَأن أصْلَهُ فٍى الكَلَامِ: السَّعَةُ. وَقَدْ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُوْنَ إنمَا أُعِيْدَ هَذَا (٢) الِاسْمُ ثَانِياً، وَخُوْلفَ بَيْنَهُ في البِنَاءِ وَبينَ المَجِيْدِ؛ لِيُؤكَّدَ (٣) بِهِ مَعْنَى الوَاجدِ الذي هُوَ الغني، فيدلُّ بِهِ عَلَى السَّعَةِ والكَثرَةِ في الوُجْدِ، وَليَأَتَلِفَ الاسْمَانِ (٤) أيْضَاً ويتَقَارَبَا في اللَّفْظِ؛ فإنهُ قَدْ جَرَتْ عَادةُ العَرَبِ بِاسْتِحْسَانِ هَذَا النَمَطِ مِنَ الكلَامِ وَهُوَ مِنْ بَابِ مُظَاهَرَةِ البَيَانِ. ٦٧ - الوَاحِد (٥): هُوَ الفَرْدُ الذِي لم يَزَلْ وَحْدَهُ؛ [و] (٦) لم يَكنْ مَعَهُ آخَرُ. وَقيْلَ هُوَ المُنقَطِعُ القَرِيْنِ، المَعْدُوْمُ الشرِيْكِ، والنظير، وَلَيْسَ كَسَائِرِ الآحَادِ مِنَ الأجْسام المُؤلَّفَةِ؛ إذْ كل شَيْءٍ سِوَاهُ يُدَعْى وَاحِدَاً فَهوَ وَاحِدٌ مِنْ جِهَةٍ غير وَاحِدٍ مِنْ جِهَاتٍ. وَالله -سُبْحَانَهَ- الوَاحِدُ الذِي لَيْسَ كَمِثلِهِ شَيْءٌ، وَالوَاحِدُ لَا يُثَنَّى مِنْ لَفْظِهِ وَلَا يُقَال وَاحِدَانِ (٧). ٦٨ - الأحَدُ: قَالَ النَحْوِيُّوْنَ: أصْلُهُ فِي الكَلاَمِ: الوَحَدُ

стр. 128

[و] (١) يُقالُ: وَحُدَ الشيءُ يَوْحَدُ فَهُوَ وَحَدٌ. كَمَا يُقَالُ: حَسُنَ [الشيءُ] (٢) يَحْسُنُ فَهُوَ حَسَن. ثُم أبْدَلُوا عَنِ الوَاوِ الهَمزَةَ. وَالفَرْقُ بَيْنَ الوَاحِدِ، وَالأحَدِ [أن الواحد] (٣) هُوَ المُنْفَرِدُ [بالذَّاتِ لا يضامُّهُ آخر، والأحد: هو المنفرد] (٣) بِالمَغنَى لَا يُشَارِكُهُ فِيْهِ أحَدٌ (٤) ولذَلِكَ قيل لِلْمُتَنَاهِي فِي العلْمِ والمَعرِفَةِ هُوَ أحَدُ الأحَدَينِ. وَمما يَفْتَرِقانِ بِهِ فِي مَعَانِي الكلَام: أن الوَاحِدَ فِي جِنْس المعْدُوْدِ، وَقَدْ يُفْتَتَحُ بِهِ العَدَدُ. والأحَدُ يَنقَطِعُ مَعَهُ العَدَدُ. وإنَّ الأحَدَ يَصلُحُ فِي الكَلَامِ فِي مَوْضِعِ الجُحُودِ. وَالوَاحِدُ فِي مَوْضِع الإثبَاتِ. تَقُوْلُ: لَمْ يَأتِني مِنَ القَوْمِ أحَدٌ. وجَاءَنِي مِنْهُم وَاحِدٌ. وَلَا يُقَال: جَاءني مِنْهم أحَدٌ. فَأما الوَحِيْد فَإنما يُوصَفُ بِهِ، في غَالِبِ العُرْفِ، المنفَرِدُ عَنْ أصْحَابِهِ (٥)، المنقطِعُ عَنْهُم [(٦) وإطلَاقُهُ فِي صِفَةِ الله -سُبْحَانَهُ- لَيسَ بالبيِّن عِندي (٧) صَوابُهُ. وَلَا أستَحْسِنُ التسْميةَ بِعَبدِ الوَحِيْدِ كَمَا أسْتَحْسِنُهَا بِعَبْدِ الوَاحِدِ، وَبعَبْدِ الأحَدِ. وَأرَى كَثِيرَاً مِنَ العَامةِ قَد

стр. 129

تَسَمَّوْا بِهِ. فَإنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِقَوْلِ اللهِ -عَزوجل (١) -: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيْدَا) [المدثر/١١] وَادَّعَى أنهُ مِنْ صِفَةِ الله -جل وعز (٢) - قِيْل: بَلْ هُوَ مِن صِفَةِ المَخْلُوقِ. والآيَة إنما نزلت (٣) في الوَليْدِ بنْ المُغِيْرَةِ المَخْزُومِي، وَالمَعْنَى: ذَرْني وَمَنْ خَلَقتُهُ وَحِيْدَا فَرْداً فقِيْرَا، لا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، ثُم جَعَلْتُ لهُ مَالا مَمدُوْدَاً وَبَنِيْن شُهُودَا وَقدْ رُوِيَ أن الوَليْدَ كَانَ يسمَّى الوَحِيْدَ في قُرَيْشٍ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُهُ وَحْدِيْ. أيْ (٤): فَإني أتَوَلى عَذَابَهُ يَوْمَ القِيامة وحْدِي كَمَا تَفَرّدْتُ بخَلْقِيْ إياهُ وَحْدِيْ. وَالأوّلُ: أصْوَبُ القَوْلَيْن -والله أعلم- قَالَ أبو سُلَيْمَانَ [﵀] (٥) وَقَدْ يَقَع الغَلَطُ كَثِيْرَاً في بَاب التسْمِيَةِ. وَأعْرِفُ رَجُلا مِنَ الفُقَهَاءِ كَانَ سَمى وَلَدَهُ: عَبْدَ المُطلِبَ. فَهو يُدْعَى بِهِ إلَى اليَوْمِ، وذلك أنهُ سَمِعَ بِعَبْدِ المُطلِب، جَدِّ رَسُولِ الله ﷺ فَجَرَى في التسْمِيَةِ بِهِ (٦) عَلَى التقْلِيْدِ وَلَمَ يَشْعُرْ أن جَدَّ رَسُولِ الله ﷺ إنمَا دُعيَ بِهِ لأن هَاشِمَاً أبَاهُ كَان تَزَوجَ أُمَّهُ بالمَدِيْنَةِ، وَهِيَ امْرَاة مِن بَني النَّجَّار، فَوَلَدَتْ لَهُ هَذَا الغُلامَ، وَسَمَّاهُ شَيْبَةَ. وَمَاتَ عَنْهُ وَهُوَ طَفْل فَخَرَجَ عَمه المُطلِب بن عَبْدِ مَنَافٍ أخُو هَاشم فِي طَلَبِهِ إلَى المَدِيْنَةِ فَحَمَلَهُ إلَى مَكةَ فَدَخَلَهَا، وَقَدْ أرْدَفَهُ خَلْفَهُ، فَقِيْلَ لَهُ: مَنْ هَذَا الغُلامُ؟

стр. 130

فَقَالَ: هَذَا عَبْدِي، وَذَلِكَ لأنهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ كَسَاهُ، وَلَا نَظَّفَهُ، فَيَزُوْلَ عَنْهُ شَعَثُ السَّفَرِ؛ فَاسْتَحْيَا أنْ يَقُوْلَ: ابْنُ أخِي. فَدُعِي بِعَبْدِ الُمطلِبِ بَاقِي عُمْرِهِ. عَلَى أنهُ لَا اعْتِبَارَ بِمَذَاهِبِ أهْلِ الجَاهِلِيَّةِ فِي هَذَا، فَقَدْ تَسَمَّوْا: بِعَبْدِ مَنَافٍ، وَعَبْدِ الدَّارِ، وَنَحْوِهِمَا مِنَ الأسَامِي. ٦٩ - الصَّمَدُ: هو السَّيِّدُ، الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ (١) في الأمُوْرِ، وَيُقْصَدُ فِي الحَوَائِجِ والنوَازِلِ، وَأصْلُ الصَّمْدِ: القَصدُ، يُقَالُ لِلرَّجُلِ: اِصْمِد صَمْدَ فُلَان. أيْ: اِقْصِدْ قصْدَهُ، وَجَاءَ فِي التفْسير: أن الصَّمَدَ [الذي قَدِ انْتَهَى سُؤدَدُهُ. وَقيْلَ: الصَّمَدُ] (٢): الدَائِمُ. وَقِيْلَ: البَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ الخلق. وَأصَحُّ هذِهِ الوُجُوْهِ مَا شَهِدَ لَهُ مَعْنَى الاشْتِقَاقِ. والله أعْلَمُ (٣). ٧٠ - القَادِرُ: هُوَ من القُدْرَةِ عَلَى الشَّيْءِ. يُقَالُ: قَدَرَ يَقْدِرُ قُدْرَةً فَهُو قَادِرٌ وَقَدِيْرٌ، كَقَوْلهِ [تَعَالى]: (وَكَانَ اللهُ عَلَى كُل شَيْء قَدِيراً) [الأحزاب/٢٧] وَوَصَفَ الله نَفْسَهُ بِأنهُ قَادر عَلَى كُل شَيْء، أرَاده: لَا يَعْتَرِضهُ عَجْزٌ وَلَا فُتوْرٌ، وَقَدْ يَكُوْنُ القَادرُ بِمَعْنَى المُقَدِّرِ لِلشيْءِ، يُقَال: قَدرْت الشيْءَ وقَدَرْتُه بِمَعْنَى وَاحِد كَقَوْلهِ: (فقَدَرْنا فَنِعْمَ القَادروْنَ) [المرسلات/٢٣] أيْ: نِعْم المُقَدِّرُوْنَ. وَعَلَى هَذَا يتَأوَّلُ قَوْلُه -سبْحَانَه-: (فَظَن أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) [الأنبياء/٨٧] أيْ: لَنْ نقَدِّرَ عَلَيْهِ الخَطِيئَةَ (٤) أو العُقُوبة إذْ لَا يَجُهْزُ عَلَى نَبِي اللهِ

стр. 131

أنْ يَظُن عَدَمَ قُدْرَةِ الله -جل وعز- عَلَيْهِ فٍى حَالٍ مِنَ الأحْوالِ. ٧١ - المُقْتَدرُ: هُوَ التامُّ القُدْرَةِ الذِي لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شيْءٌ وَلَا يَحْتَجِزُ عَنْهُ بِمَنَعَةٍ وَقُوة، وَوزْنُهُ مُفْتَعِلٌ مِنَ القُدْرَةِ إلا أن الاقْتِدَار أبْلَغُ وَاعَم لأنهُ يَقْتَضِيْ الإطْلاَقَ. وَالقُدْرَةُ قَدْ يَدْخُلُهَا نَوْعٌ مِنَ التضْمِيْن بالمَقْدُوْرِ عَلَيْهِ، قَالَ الله- سُبْحَانَهُ (١) -: (عِنْدَ مَلِيْكٍ مُقْتَدِرٍ) [القمر/٥٥] أيْ: قَادِرٍ عَلَى مَا يَشَاءُ. ٧٢ - ٧٣ - [٣٢] المُقَدِّمُ المؤخِّرُ: هُوَ المُنْزِلُ الأشْيَاءَ مَنَازِلَهَا يُقَدِّمُ مَا يَشَاءُ مِنْهَا وُيؤَخرُ مَا شَاء] (٢)، قَدَّمَ المَقَادِيْرَ قَبْلَ أنْ خَلَقَ الخَلْقَ وَقَدَّمَ مَنْ أحَبَّ مِنْ أوْليَائِهِ عَلَى غَيْرِهِم مِنْ عَبِيْدِهِ وَرَفَع الخَلْقَ بَعْضَهُمْ

стр. 132

فَوْقَ بَعْضٍ درَجَاتٍ وَقَدَّمَ مَنْ شَاءَ بالتوْفيْقِ إلَى مَقَامَاتِ (١) السابِقينَ، وَأخَّرَ مَنْ شَاءَ عنْ مَرَاتِبِهِمْ، وَثَبَّطَهُمْ عَنْهَا، وَأخَّرَ الشَيْءَ عَنْ (٢) حين تَوَقُّعِهِ لِعِلْمِهِ بِمَا في عَوَاقِبِهِ مِنَ الحِكْمَةِ لَا مُقَدمَ لِمَا أخرَ وَلاَ مُؤَخَرَ لِمَا قَدَّمَ. وَالجَمْعُ بينَ هَذَيْنِ الاسْمين أحْسَنُ مِنَ التَّفْرِقَةِ كَمَا قُلْنَاهُ في بَعْضِ مَا تَقَدمَ مِنَ الأسْمَاءِ. ٧٤ - الأولُ: هُوَ السَّابِقُ لِلأشْيَاءِ كُلِّها، الكَائِنُ [الذي] (٣) لَمْ يَزَلْ قَبْلَ وُجُودِ الخَلْقِ فَاسْتَحَق الأوّليَّةَ إذْ كَانَ مَوْجُوْدَاً وَلَا شيْءَ قَبْلَهُ وَلَا مَعَهُ وَكَانَ رَسُوْلُ الله ﷺ يَقُوْلُ فِي دُعَائِهِ: [٣٣] "أنْتَ الأولُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وَأنْتَ الآخِرُ فَلِيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ".

стр. 133

٧٥ - الآخِرُ: هُوَ البَاقِيْ بَعْدَ فَنَاءِ الخَلْقِ، وَلَيْسَ مَعْنَى الآخِرِ مَا لَهُ الانْتِهاءُ. كَما لَيْسَ مَعْنَى الأولِ مَا لَهُ الِابْتِداءُ؛ فَهُوَ الأولُ وَالآخِرُ (١) وَلَيْسَ لِكَوْنهِ أوَّلٌ وَلَا آخِرٌ. ٧٦ - الظَّاهِرُ: هُوَ الظَّاهِرُ بِحُججِهِ البَاهِرةِ، وَبَرَاهِيْنِهِ (٢) النَّيِّرَةِ وَبِشوَاهِدِ أعْلَامِهِ الدَّالَّةِ عَلَى ثُبُوتِ رُبُوِبيَّتِهِ، وَصِحَّةِ وَحْدَانيتِهِ وَيَكونُ الظَّاهِرُ فَوْقَ كُل شَيْءٍ بِقُدْرَتِهِ، وَقَدْ يَكُوْنُ الظهُوْرُ بمَعْنَى العُلُوِّ، وَيَكُوْنُ بِمَعْنَى الغَلَبَةِ. [٣٤] وَكَانَ ﷺ يَقُوْلُ في دُعَائِهِ: "أنْتَ (٣) الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأنتَ البَاطِنُ فَلَيْسَ دونكَ شَيْءٌ". ٧٧ - البَاطِنُ: هُوَ المُحْتَجِبُ عَنْ أبصَارِ الخَلْقِ، وَهُوَ الذِي لَا يَسْتَوْلِيْ عَلَيْهِ تَوَهُّمُ الكَيْفِيَّةِ، وَقَدْ يَكُوْنُ مَعْنَى الظُّهُورِ وَالبُطُوْنِ احْتِجَابُهُ عَنْ أبْصَارِ الناظِريْنَ، وَتَجَلِّيه لِبَصَائِرِ المُتَفَكرِيْنَ. ويكونُ مَعْنَاهُ: العَاِلمُ بِمَا ظَهَرَ مِنَ الأمُوْرِ وَالمُطَّلِعُ عَلَى مَا بَطَنَ مِنَ الغُيُوْبِ.

стр. 134

٧٨ - الوالي (١): هُوَ المَالِكُ لِلأشْيَاءِ، وَالمتولي لَهَا، والمُتَصَرِّفَةُ (٢) مَشِيْئتهُ فِيْهَا، يُصَرِّفُهَا كَيْفَ شَاءَ، يَنْفُذُ فِيْها أمْرُهُ، وَيَجْرِيْ عَلَيْهَا حُكمُهُ، وَقَدْ يَكُونُ الوَالِي بِمَعْنَى المُنْعِمِ، عَوْداً عَلَى بَدْءٍ، وَمِنْ هَذَا (٣) قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ (٤): لِني وَليَة تُمْرِعْ جَنَابيْ فَإنني ... لِوَسْميِّ مَا أوْلَيْتَني منك شاكرُ [وأصله من الوَلْي الذي يلي الوسمي] (٥) وهُوَ أوَّلُ مَطرِ يَسِمُ وَجْهَ الأرضِ. ٧٩ - المتعالي: هو المتنَزِّهُ عَنِ صِفَاتِ المَخْلُوقينَ، تَعَالَى أن يُوْصَفَ بِهَا، وَارْتَفعَ عَنْ مُسَاوَاتِهم في شَيْءٍ مِنْهَا، وَقَدْ يَكُوْنُ بِمَعْنَى العَالِي فَوْقَ خَلْقِهِ. ٨٠ - البَرَّ: هو العَطوفُ عَلَى عِبَادهِ، المُحْسِنُ إلَيْهِم، عَمَّ بِبِرِّهِ جَميْعَ خَلْقِهِ، فَلَمْ يَبْخَلْ عَلَيْهِم بِرِزْقِهِ، وَهُوَ البَرُّ بِأوْليَائه، إذْ خَصَّهُمْ

стр. 135

بِوِلاَيتهِ وَاصْطَفَاهُم لِعِبَادَتِهِ، وَهُوَ البَّرُ بِالمُحْسِنِ فِي مُضَاعَفَةِ الثَّواب لَهُ وَالبَرُّ بِالمُسِيْءِ فِي الصَّفْحِ، وَالتجَاوُزِ عَنْهُ. وَفِي صِفَاتِ المَخْلُوْقينَ: رَجُلٌ بَرٌّ وَبَارٌّ إذَا كَانَ ذَا خير وَنَفْعٍ، وَرَجُل بَرٌّ بِأبَويهِ وَهُوَ ضِدُّ العَاقِّ. ٨١ - التَّوَّابُ: هُوَ الذي يَتُوْبُ عَلَى [عبدِهِ، ويقْبَلُ توبته] (١) كُلَّمَا تَكرَّرَتْ التَوبةُ تكَرَّرَ القَبُوْلُ وَهُوَ حَرْفٌ يَكُوْنُ لَازِمَاً وَيَكُوْنُ مُتَعَدِّيَا. يُقَالُ: تَابَ الله عَلَى العَبْدِ: بِمَعْنَى وَفَّقَهُ لِلتوْبَةِ. فَتَابَ (٢) العَبْدُ كَقوْلهِ [تعالى] (٣): (ثُم تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبوا) [التوبة/١١٨] وَمَعْنَى التوبةِ: عَوْدُ العَبْدِ إلَى الطاعَةِ بَعْدَ المَعْصِيَةِ. ٨٢ - المنتَقِمُ: هُوَ الذِي يُبَالِغُ فِي العُقُوَبةِ لِمَن شَاءَ كَقَوْلهِ [تعالى] (٣): (فَلَما آسَفُوْنَا انْتَقَمْنَا مِنهِم فَأغْرَقْنَاهُم أجْمَعينَ) [الزخرف/٥٥]. والاِنْتِقَامُ: افْتِعَالٌ مِنْ نقَم يَنْقُمُ إذَا بَلَغَتْ بِهِ الكَرَاهَةُ حَدَّ (٤) السَخَط. ٨٣ - العَفُو: وَزْنُهُ فَعُولٌ مِن العَفْوِ، وَهُوَ بِنَاءُ المُبَالَغَةِ. والعَفْوُ: [الصَّفْحُ عن الذنوبِ، وترك مُجَازَاةِ المُسِيءِ وقيل: إن العَفْوَ] (٥)

стр. 136

مَأخوْذٌ مِنْ عَفَتِ الريْح الأثَرَ إذا درَسَتْهُ (١) فَكَانَ العَافِي عَنِ الذنْبِ يَمْحُوهُ بِصَفْحِهِ عَنْهُ. ٨٤ - الرَّؤُوْف: هُوَ الرحِيْمُ العَاطِفُ (٢) بِرَأفَتِهِ عَلَى عِبَاده، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الرأفَةُ أبلَغُ الرَّحْمَةِ وَأرَقُّهَا. وَيُقَالُ: إن الرافَةَ أخَصُّ، وَالرَّحْمَةَ أعَمُّ، وَقَدْ تَكُونُ الرحْمَةُ فِي الكَرَاهَةِ لِلْمَصْلَحَةِ، وَلَا تَكادُ الرَّأفَةُ تَكُونُ فِي الكَرَاهَةِ؛ فَهَذَا مَوْضِعُ الفَرْقِ بَيْنَهُما. ٨٥ - مَالِكُ المُلْكِ: مَعْنَاهُ أن المُلْكَ بِيَدِهِ يُؤْتيْهِ مَنْ يَشَاءُ كَقَوْلهِ [تعالى] (٣): (قُلِ اللهم مَالِكَ المُلْكِ، تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاء وَتَنْزِعُ الملك ممنْ تَشَاءُ [وتعز من تشاء] (٣)) [آل عمران/٢٦]. وَقَدْ يَكُوْنُ مَعْنَاهُ: مَالِكَ المُلُوْكِ، كَمَا (٤) يقَالُ: رَبُّ الأرْبَابِ. وَسَيِّدُ السَّادَاتِ. وَقَدْ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: وَارِثُ المُلْكِ يَوْمَ لَا يَدَّعِي المُلْكَ مُدَّعٍ وَلَا يُنَازِعُهُ مُنَازِعٌ. كَقَوْلهِ [تعالى] (٥): (المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرحْمنِ) [الفرقان/٢٦]. ٨٦ - ذو الجَلاَلِ والإكرَامِ: الجَلَالُ: مَصْدَرُ الجَلِيْلِ. يُقَال: جَلِيْلٌ بَيِّنُ الجَلَالَةِ وَالجَلَالِ. والإكرام: مَصْدَرُ أكْرَمَ يُكْرِمُ إكْرَامَاً وَالمَعْنَى: أن الله -جَلَّ وَعَزَّ- مُسْتَحِقٌّ أنْ يُجَلَّ وَيُكْرَمَ فَلَا يُحْجَدَ، وَلَا يُكْفَرَ بِهِ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنَى أنهُ يُكْرِمُ أهْلَ وَلَايَتهِ، ويرْفَعُ

стр. 137

دَرَجَاتِهم بالتوفيْقِ لِطَاعَتِهِ فِي الدنيا، وَيُجلُّهُمْ بِأنْ يَتَقَبَّلَ أعْمَالَهُمْ ويرْفَعَ في الجنَانِ درَجَاتِهم، وَقَدْ يَحْتَمِلُ [أن يَكُوْنَ] (١) أحَدُ الأمْرَيْنِ، وَهُوَ الجلَالُ، مُضَافَاً إلَى اللهِ -سُبْحَانهُ (٢) - بِمَعْنَى الصِّفَةِ لَهُ، والآخَرُ مُضَافَاً إلَى العَبْدِ بِمَعْنَى الفِعْلِ مِنْهُ، كَقَوْلهِ -سُبْحَانَهُ: (هُوَ أهْلُ التقْوَى وَأهْلُ المَغْفِرَةِ) [المدثر/٥٦] [فَانْصَرَفَ أحَدُ الأمْرَيْنِ وَهُوَ المَغْفِرَةُ إلَى الله سُبْحَانَه] (٣) والآخَرُ إلَى العِبَادِ (٤) وَهُوَ التَّقْوى. والله أعْلَمُ. ٨٧ - المُقْسِطُ: هُوَ العَادِلُ في حُكْمِهِ وَلَا يَحيْفُ وَلَا يَجُورُ. يُقَالُ: أقْسَطَ فَهُوَ مُقْسِطٌ، إذَا عَمَلَ في الحُكْمِ، كَقَوْلهِ [تعالى] (٥): (وَأقْسِطُوْا إن اللهَ يحبُّ المُقْسِطينَ) [الحَجرات/٩] وَقَسَطَ فَهُوَ قَاسِطٌ؛ إذَا جَارَ، كَقَوْلهِ [تعالى] (٥): (وَأمَّا القَاسِطُوْنَ فَكَانُوا لِجَهَنمَ حَطَبَاً) [الجن/ ١٥]. ٨٨ - الجَامِعُ: هُوَ الذِي يَجْمَعُ الخَلَائِقَ لِيَوْم لَا رَيْبَ فِيْهِ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الأرْوَاحِ الأبْدَانَ، وَبَعْدَ تَبَدُّدِ الأوْصَالِ، والأقْرَانِ لِيَجْزِيَ الذِيْنَ أسَاؤُوْا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الذِيْن أحْسَنُوا بِالحُسْنَى. وَيُقَالُ: الجَامِعُ هُوَ الذي جَمَعَ الفَضَائِلَ وَحَوَى المآثِرَ والمَكَارِمَ. ٨٩ - الغَنيُّ: هُوَ الذِي اسْتَغْنَى عَن الخَلْقِ وَعَنْ نُصْرَتِهمْ

стр. 138

وَتَأيِيْدِهِم لِمُلْكِهِ فليْسَتُ بِهِ حَاجَة إلَيْهم، وَهُمْ إلَيْهِ فُقَرَاءُ. مُحْتَاجُونَ كَمَا وَصَفَ نفْسَه [تعالى] (١) فَقَالَ [عز من قَائل] (٢): (وَاللهُ الغَنيُّ وَأنْتُم الفُقَراءُ) [محمد/ ٣٨]. ٩٠ - المُغْنيْ: هُوَ الذِي جَبَرَ مَفَاقِرَ الخَلْقِ وَسَاقَ إلَيْهِمْ أرْزَاقَهُمْ وَأغْنَاهُمْ (٣) عَمَّنْ سِوَاهُ، كَقَوْلهِ [تعالى] (٢): (وأنهُ هُوَ أغْنَى وَأقْنَى) [النجم/٤٨]. وَيَكُوْنُ المُغْني بِمَعْنَى الكَافي مِنَ الغَنَاءِ، مَمْدُوْدَاً مَفْتُوْحَةَ الغين، وَهْوُ الكِفَايَة. ٩١ - المَانعُ: هُوَ النَّاصِرُ الذي يَمنعُ أوْليَاءَهُ، أي (٤): يَحُوْطُهُمْ وَيَنْصُرُهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمُ وَيُقَالُ: فُلَان فِي مَنَعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ، أيْ: في جَمَاعةٍ تَمْنَعُهُ وَتَحُوْطُهُ. ويكُونُ المَانِعُ مِنَ المَنْعِ، وَالحِرْمَانُ لَمنْ لَا يَسْتَحِقُّ العَطَاءَ. [٣٥] كَقَوْلهِ [ ﷺ ] (٥): "لَا مَانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا

стр. 139

مَنَعْتَ" فَهوَ -سبْحَانَهُ- يَمْلِكُ المَنْعَ وَالعَطَاءَ، وَلَيْسَ مَنْعُهُ الشيْءَ بُخْلاً (١) بِهِ، لَكِن مَنْعَهُ حِكْمَةٌ، وَعَطَاؤه جُودٌ وَرَحْمَةٌ. ٩٢ - ٩٣ - الضَّارُ النَّافِعُ: وَهَذَانِ الِاسْمَانِ (٢) مما يَحْسنُ القِران في الذكْرِ بَيْنَهُما لأن فِي اجْتِمَاعِهِمَا وَصْفَاً لَه بِالقُدْرَةِ عَلَى نَفْع مَنْ شَاءَ، وَضَرِّ مَنْ شَاءَ، وذلك أن مَنْ لم يَكُنْ عَلَى النفْعِ وَالضَّرِّ قَادراً لم يَكنْ مَرْجُواً وَلَا مخوْفَا. وفيه إثْبَاتٌ أن الَخْيرَ والشَّرَ مِنْ قِبَلِ الله -جَل وعَز (٣) - وَقَدْ يَكون مَعْنَاهُ أيْضَاً: أنه يَقْلِبُ الضارَّ بِلَطِيْفِ

стр. 140

حِكْمَتِهِ مَنَافِعَ؛ فَيَشْفِي بِالسُم القَاتِلِ إذَا شَاءَ، كَمَا يُميْتُ بِهِ إذَا شاءَ؛ ليُعلمَ أن الأسْبَابَ إنمَا تَنْفَعُ وَتَضُرُّ إذا اتصَلَتْ المَشِيْئَةُ بِهَا. ٩٤ - النُّورُ: هُوَ الذِي بِنُورِهِ يُبْصِرُ ذو العَمَايَةِ وَبهدَايتهِ يَرْشُدُ (١) ذو الغَوَايَةِ وَعَلَى مِثل هَذَا يُتَأوَّلُ، قَوْلُه [جَل وَعَزَّ] (٢): (اللهُ نُوْرُ السمَوَاتِ والأرْضِ) [النور/٣٥] أي: مِنْهُ نوْرُ السَّمَواتِ وَالأرْضِ. وَلَا يَجُوزُ أنْ يتَوَهَّمَ أنْ الله -تَعَالَى (٣) - نُوْرٌ مِنَ الأنْوَار، وأنْ يَعْتَقِدَ ذَلِكَ فِيْهِ -سُبْحَانَهُ-؛ فَإنَّ النورَ تُضَادُّهْ الظُلْمَةُ، وَتُعَاقِبُهُ فَتُزِيْلُهُ (٤)، وَتَعَالَى الله (٥) أنْ يَكُونَ لَهُ ضدٌّ أو ندٌّ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: ذو النورِ، إلا أنهُ لَا يصِح أنْ يَكُونَ النورُ صِفَةَ ذاتٍ لَهُ، كَمَا يَصِح ذَلِكَ مِن اسْمِ السلاَمِ، إذَا قُلْنَاهُ (٦)، إنهُ ذو السلَامَ. وإنَّما يَكُوْنُ ذَلِكَ صِفَةَ فِعْل عَلَى مَعْنَى إضَافَةِ الفِعْلِ إلَيه إذْ هُو خَالِق النُّورِ وَمُوْجِدُهُ (٧). ٩٥ - الهَادي: هُوَ الذِي مَن بِهُدَاهُ عَلَى مَنْ أرَادَ مِنْ عِبَاده، فَخَصَّهُ بهدَايَتهِ، وَأكْرَمَهُ بِنُورِ تَوْحِيْدِهِ، كَقوْلهِ [تعالى] (٨): (وَيَهْدِي

стр. 141

مَنْ يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيْم) [يونس/٢٥] وَهُو الذِي هَدَى سَائِرَ الخَلْقِ مِنَ الحَيْوَانِ إلَى مَصَالِحهَا وَألْهَمهَا كَيْفَ تَطْلُبُ (١) الرزْقَ، وَكَيْفَ تَتَّقِي المَضَارَّ، وَالمَهَالِكَ، كَقُوْلهِ [تعالى] (٢): (الذي أعْطَى كُل شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُم هَدَى) [طه/٥٠]. ٩٦ - البدِيْعُ: هُوَ الذِي خَلَقَ الخَلْقَ، وَفَطَرَهُ مُبْدِعَاً (٣) لَهُ مُخْتَرِعَاً، لَا عَلَى مِثَالٍ سَبَقَ (٤)، وَوزْنُهُ فَعِيْلٌ بِمَعْنَى مُفْعِل، كقَوْلكَ (٥): ألِيْمٌ بِمَعْنَى مُؤْلم. ٩٧ - البَاقِيْ: هُوَ الذِي لاَ تَعْترِضُ عَلَيهِ عَوَارِضُ الزوَالِ وَهُوَ الذِي بَقَاؤه غيرُ مُتَنَاهٍ، وَلَا مَحْدُوْدٍ، وَلَيْسَتْ صِفَةُ بَقَائِهِ وَدوَامِهِ كَبَقَاءِ الجَنةِ والنارِ وَدوَامِهِمَا؛ وَذَلِكَ أن بَقَاءَهُ أزَليٌّ أبَدِيٌّ (٦) وَبَقَاءُ الجَنةِ وَالنارِ أبَدِيٌّ غير أزَليٍّ، وَمَعْنَى الأزَلِ: مَا لَمَْ يَزَلْ. وَمَعْنَى الأبَدِ: مَا لَا يَزَالُ، وَالجَنةُ والنَارُ مَخْلوقَتَانِ كائِنَتَانِ بَعْدَ أنْ لَم تَكُونَا، فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الأمْرَيْنِ. والله أعْلَمُ. ٩٨ - الوَارِثُ: هُوَ البَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ الخَلْقِ، والمُسْتَرِدُّ أمْلَاكَهُمْ وَمَوارِثَهُم (٧) بَعْدَ مَوْتِهم، وَلَمْ يَزَلِ الله باقياً مَالِكَاً لأصُولِ الأشْيَاءِ

стр. 142

كُلها، يُوَرِّثُها مَنْ يشاءُ وَيَسْتَخْلِفُ فِيها مَنْ أحَبَّ. [قَالَ أبُو سُلَيمَانَ ﵀] (١) وَأخْبَرَني أبو عُمَرَ عَنْ أبي العَباسِ قَالَ: قَالَ أبو عَمرِو بنُ العَلَاءِ: أوَّلُ شِعْرٍ قِيلَ فِي الجَاهِلِيةِ فِي الزهْدِ قَوْل يَزِيْدَ بن خَذَّاق (٢): هَوِّنْ عَلَيْكَ وَلَا تُولَعْ بِإشفَاقِ ... فَإنما مَالُنَا لِلْوَارِثِ البَاقي [في أبْيَاتٍ أنْشَدَنَاهَا] (٣). ٩٩ - الرَّشِيْدُ: هُو الذِي أرْشَدَ الخَلْقَ إلَى مَصَالِحهِمْ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى: مُفْعِلٍ وَيَكُونُ بِمَعْنَى الحَكِيْمِ فِي الرُّشدِ لاِسْتِقَامَةِ تَدْبِيْرِهِ، وإصَابَتِهِ فِي أفْعَالِهِ. ١٠٠ - الصَّبُوْرُ: هُوَ الذِي لَا يُعَاجِلُ العُصَاةَ بِالِانْتِقَامِ مِنْهُمْ بَلْ يُؤَخِّرُ ذَلِكَ إلَى أجَلٍ مُسَمَّى وَيُمْهِلُهُم لِوَقْتٍ مَعْلُوْم. فَمَعْنَى

стр. 143

الصبورِ فِي صِفَةِ الله -[سبْحَانَهُ] (١) - قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الحَلِيم إلا أن الفَرْقَ بَين الأمْرَيْنِ: أنهم لَا يَأمَنُونَ العُقُوْبَةَ فِي صِفَةِ الصبورِ، كمَا يَسْلَمُونَ مِنْهَا فِي صِفَةَ الحَلِيْمِ، -والله أعْلَمُ-[بالصواب] (٢). قَالَ [الشيْخُ] (٣) أبُو سُلَيْمَانَ -[﵀] (٣) - فَهَذَا تَفْسيرُ الأسْمَاء التِسْعَة والتِّسْعينَ التي رَوَاهاْ محمد بْنُ إسْحقَ [بن خزيمة] (٤) ﵀ فِي المأثوْرِ مِنْ طَرِيْقِ شُعَيْبِ بْنِ أبِي حَمْزَة عَنْ أبي الزِّنَادِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ. حَدثَنِيْهِ غيرُ وَاحِدٍ مِنْ أصْحَابِنَا مِنْهُم. مُحَمدُ بْنُ الحُسين بْنِ عاصِم. قَالَ: حَدثَنَا مُحَمدُ بْنُ إسْحقَ قَالَ: حَدثَنَا إبْرَاهِيْمُ بْنُ يَعْقُوبَ الجَوْزَجَاني قَالَ: حَدثَني صفْوَانُ بْنُ صَالِح قَالَ: حَدثَنَا الوَليْدُ بْنُ مُسْلِم قَال: حَدثَنَا شُعَيْبٌ، وَحَدثَنِيْهُ أحْمَدُ بنُ إبْرَاهِيْمَ بْن مَالِكٍ، قَالَ: حَدثَنَا الحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدثَنَا صفْوَانُ بْنُ صَالِح مِثلَه سَوَاء. [٣٦] وَقَدْ رَويتُ هَذِهِ الأسْمَاءَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيْرِيْنَ عَنْ أبي

стр. 144

هُرَيْرَةَ بِزِيَادَاتٍ لَيْسَتْ في خَبَر الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ (١) أخْبَرَنَا (٢) ابْنُ الأعْرَابي، قَالَ: حَدثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الرَّبِيْعِ النهْدِيُّ، قَالَ: حَدثَنَا خَالِدُ (٣) بْنُ مَخْلَدٍ القَطَوانيُّ، قَالَ: حَدثَنَا عَبْدُ العَزِيْز بْنُ الحُصين، قَالَ: حَدثَنَا أيُّوْبُ وَهِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنِ ابْنِ سِيْرِيْنَ عَنْ أبِي هُرَيْرَة عَنِ النبِي ﷺ قَالَ: إن للهِ تِسْعَة وَتسْعينَ اسْمَاً مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنةَ فَذَكَرَهَا، وَعَدَّ مِنْها: الرَّبُّ -[الحنان] (٤) المَنّانُ - البَاديِءُ (٥) - الكَافي- الدَّائِمُ- المَوْلَى- النَّصير- الجَمِيْلُ- الصادِق- المُحِيْطُ (٥) - المُبينُ- القَرِيْبُ- الفَاطِر- العَلامُ- المَلِيْكُ- الأكْرَم- المُدَبِّرُ- الوِتْرُ- ذو المَعَارِجِ-[ذُو الطَّوْلِ] (٦) - ذُو الفَضْلِ. إلا أن رِوَايَةَ عَبْدِ العَزِيْزِ بْنِ الحُصين لَيْس بِالقَوِيِّ فِي الحَدِيثِ. قَالَ مُحَمد بْنُ إسْمَاعِيْلَ [البخاري] (٧): عَبْدُ العَزِيْزِ بْنُ الحصين بن التَرجمانِ: لَيْسَ بِالقَوِي عِنْدَهمْ، غيرَ أن أكْثر هَذِهِ الأسْمَاءِ مَذْكوْرَة في القُرْآنِ. فأمَّا الرَبُّ: فَقَدْ رُويَ عَنْ غير وَاحِدٍ مِنْ أهْلِ التَّفْسير

стр. 145

في قَوْلهِ [تعالى] (١): (الحَمْدُ لله رب العَاَلمْينَ) [الفاتحة/١] أن مَعْنَى الرب: السيد. وهَذَا يَسْتَقيمُ إذَا جعَلْنَا (٢) العَاَلمْينَ مَعْنَاهُ: المُمَيزِيْنَ، دون الجَمَادِ، لأنهُ لَا يَصْلُحُ أنْ يُقالَ: سَيدُ الشجَرِ والجَبَلِ (٣) وَنَحْوَها، كَمَا يُقَالُ: سَيدُ الناسِ، وَمِنْ هَذا قَوْلُهُ -سُبْحَانَهُ-: (اِرْجِعْ إلَى رَبكَ فَاسْألْهُ مَا بَالُ النسْوَةِ) [يوسف/ ٥٠]. أيْ: إلَى سَيدِكَ وَمِنْهُ قَوْلُ الشاعِرِ (٤): بِقَتْلِ بَني مَالِكٍ رَبَّهُمْ ... ألا كُلُّ شيْءٍ سِوَاهُ جللْ يُرِيْدُ سَيدَهُمْ. وَقِيْلَ: إن الرب: المَالِكُ، وَعَلَى هَذَا تَسْتَقِيْمُ الإضَافَةُ عَلَى العُمُوْمِ. وَذهب كَثِيْرٌ مِنْهُمْ إلَى أن اسْمَ العَاْلَمِ يَقَعُ عَلَى جَميْع المُكَونَاتِ. وَاحْتَجُّوا بقَوْلهِ -سُبْحَانَهُ-: (قَالَ فِرْعَوْنُ، وَمَا رَب العاَلمْينَ قَالَ رب السموَاتِ والأرْض وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنْتُم مُوْقِنِين) [الشعراء/ ٢٣ - ٢٤]. وَأمَّا المنَّانُ: فَهُوَ كَثيرُ العَطَاءِ. وَالمَنُّ: العَطَاءُ لِمَن لاَ
следующие страницы →