← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 95700

شأن الدعاء

الخطابي

Полный текст (266 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

مَنْ يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيْم) [يونس/٢٥] وَهُو الذِي هَدَى سَائِرَ الخَلْقِ مِنَ الحَيْوَانِ إلَى مَصَالِحهَا وَألْهَمهَا كَيْفَ تَطْلُبُ (١) الرزْقَ، وَكَيْفَ تَتَّقِي المَضَارَّ، وَالمَهَالِكَ، كَقُوْلهِ [تعالى] (٢): (الذي أعْطَى كُل شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُم هَدَى) [طه/٥٠]. ٩٦ - البدِيْعُ: هُوَ الذِي خَلَقَ الخَلْقَ، وَفَطَرَهُ مُبْدِعَاً (٣) لَهُ مُخْتَرِعَاً، لَا عَلَى مِثَالٍ سَبَقَ (٤)، وَوزْنُهُ فَعِيْلٌ بِمَعْنَى مُفْعِل، كقَوْلكَ (٥): ألِيْمٌ بِمَعْنَى مُؤْلم. ٩٧ - البَاقِيْ: هُوَ الذِي لاَ تَعْترِضُ عَلَيهِ عَوَارِضُ الزوَالِ وَهُوَ الذِي بَقَاؤه غيرُ مُتَنَاهٍ، وَلَا مَحْدُوْدٍ، وَلَيْسَتْ صِفَةُ بَقَائِهِ وَدوَامِهِ كَبَقَاءِ الجَنةِ والنارِ وَدوَامِهِمَا؛ وَذَلِكَ أن بَقَاءَهُ أزَليٌّ أبَدِيٌّ (٦) وَبَقَاءُ الجَنةِ وَالنارِ أبَدِيٌّ غير أزَليٍّ، وَمَعْنَى الأزَلِ: مَا لَمَْ يَزَلْ. وَمَعْنَى الأبَدِ: مَا لَا يَزَالُ، وَالجَنةُ والنَارُ مَخْلوقَتَانِ كائِنَتَانِ بَعْدَ أنْ لَم تَكُونَا، فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الأمْرَيْنِ. والله أعْلَمُ. ٩٨ - الوَارِثُ: هُوَ البَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ الخَلْقِ، والمُسْتَرِدُّ أمْلَاكَهُمْ وَمَوارِثَهُم (٧) بَعْدَ مَوْتِهم، وَلَمْ يَزَلِ الله باقياً مَالِكَاً لأصُولِ الأشْيَاءِ

стр. 142

كُلها، يُوَرِّثُها مَنْ يشاءُ وَيَسْتَخْلِفُ فِيها مَنْ أحَبَّ. [قَالَ أبُو سُلَيمَانَ ﵀] (١) وَأخْبَرَني أبو عُمَرَ عَنْ أبي العَباسِ قَالَ: قَالَ أبو عَمرِو بنُ العَلَاءِ: أوَّلُ شِعْرٍ قِيلَ فِي الجَاهِلِيةِ فِي الزهْدِ قَوْل يَزِيْدَ بن خَذَّاق (٢): هَوِّنْ عَلَيْكَ وَلَا تُولَعْ بِإشفَاقِ ... فَإنما مَالُنَا لِلْوَارِثِ البَاقي [في أبْيَاتٍ أنْشَدَنَاهَا] (٣). ٩٩ - الرَّشِيْدُ: هُو الذِي أرْشَدَ الخَلْقَ إلَى مَصَالِحهِمْ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى: مُفْعِلٍ وَيَكُونُ بِمَعْنَى الحَكِيْمِ فِي الرُّشدِ لاِسْتِقَامَةِ تَدْبِيْرِهِ، وإصَابَتِهِ فِي أفْعَالِهِ. ١٠٠ - الصَّبُوْرُ: هُوَ الذِي لَا يُعَاجِلُ العُصَاةَ بِالِانْتِقَامِ مِنْهُمْ بَلْ يُؤَخِّرُ ذَلِكَ إلَى أجَلٍ مُسَمَّى وَيُمْهِلُهُم لِوَقْتٍ مَعْلُوْم. فَمَعْنَى

стр. 143

الصبورِ فِي صِفَةِ الله -[سبْحَانَهُ] (١) - قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الحَلِيم إلا أن الفَرْقَ بَين الأمْرَيْنِ: أنهم لَا يَأمَنُونَ العُقُوْبَةَ فِي صِفَةِ الصبورِ، كمَا يَسْلَمُونَ مِنْهَا فِي صِفَةَ الحَلِيْمِ، -والله أعْلَمُ-[بالصواب] (٢). قَالَ [الشيْخُ] (٣) أبُو سُلَيْمَانَ -[﵀] (٣) - فَهَذَا تَفْسيرُ الأسْمَاء التِسْعَة والتِّسْعينَ التي رَوَاهاْ محمد بْنُ إسْحقَ [بن خزيمة] (٤) ﵀ فِي المأثوْرِ مِنْ طَرِيْقِ شُعَيْبِ بْنِ أبِي حَمْزَة عَنْ أبي الزِّنَادِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ. حَدثَنِيْهِ غيرُ وَاحِدٍ مِنْ أصْحَابِنَا مِنْهُم. مُحَمدُ بْنُ الحُسين بْنِ عاصِم. قَالَ: حَدثَنَا مُحَمدُ بْنُ إسْحقَ قَالَ: حَدثَنَا إبْرَاهِيْمُ بْنُ يَعْقُوبَ الجَوْزَجَاني قَالَ: حَدثَني صفْوَانُ بْنُ صَالِح قَالَ: حَدثَنَا الوَليْدُ بْنُ مُسْلِم قَال: حَدثَنَا شُعَيْبٌ، وَحَدثَنِيْهُ أحْمَدُ بنُ إبْرَاهِيْمَ بْن مَالِكٍ، قَالَ: حَدثَنَا الحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدثَنَا صفْوَانُ بْنُ صَالِح مِثلَه سَوَاء. [٣٦] وَقَدْ رَويتُ هَذِهِ الأسْمَاءَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيْرِيْنَ عَنْ أبي

стр. 144

هُرَيْرَةَ بِزِيَادَاتٍ لَيْسَتْ في خَبَر الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ (١) أخْبَرَنَا (٢) ابْنُ الأعْرَابي، قَالَ: حَدثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الرَّبِيْعِ النهْدِيُّ، قَالَ: حَدثَنَا خَالِدُ (٣) بْنُ مَخْلَدٍ القَطَوانيُّ، قَالَ: حَدثَنَا عَبْدُ العَزِيْز بْنُ الحُصين، قَالَ: حَدثَنَا أيُّوْبُ وَهِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنِ ابْنِ سِيْرِيْنَ عَنْ أبِي هُرَيْرَة عَنِ النبِي ﷺ قَالَ: إن للهِ تِسْعَة وَتسْعينَ اسْمَاً مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنةَ فَذَكَرَهَا، وَعَدَّ مِنْها: الرَّبُّ -[الحنان] (٤) المَنّانُ - البَاديِءُ (٥) - الكَافي- الدَّائِمُ- المَوْلَى- النَّصير- الجَمِيْلُ- الصادِق- المُحِيْطُ (٥) - المُبينُ- القَرِيْبُ- الفَاطِر- العَلامُ- المَلِيْكُ- الأكْرَم- المُدَبِّرُ- الوِتْرُ- ذو المَعَارِجِ-[ذُو الطَّوْلِ] (٦) - ذُو الفَضْلِ. إلا أن رِوَايَةَ عَبْدِ العَزِيْزِ بْنِ الحُصين لَيْس بِالقَوِيِّ فِي الحَدِيثِ. قَالَ مُحَمد بْنُ إسْمَاعِيْلَ [البخاري] (٧): عَبْدُ العَزِيْزِ بْنُ الحصين بن التَرجمانِ: لَيْسَ بِالقَوِي عِنْدَهمْ، غيرَ أن أكْثر هَذِهِ الأسْمَاءِ مَذْكوْرَة في القُرْآنِ. فأمَّا الرَبُّ: فَقَدْ رُويَ عَنْ غير وَاحِدٍ مِنْ أهْلِ التَّفْسير

стр. 145

في قَوْلهِ [تعالى] (١): (الحَمْدُ لله رب العَاَلمْينَ) [الفاتحة/١] أن مَعْنَى الرب: السيد. وهَذَا يَسْتَقيمُ إذَا جعَلْنَا (٢) العَاَلمْينَ مَعْنَاهُ: المُمَيزِيْنَ، دون الجَمَادِ، لأنهُ لَا يَصْلُحُ أنْ يُقالَ: سَيدُ الشجَرِ والجَبَلِ (٣) وَنَحْوَها، كَمَا يُقَالُ: سَيدُ الناسِ، وَمِنْ هَذا قَوْلُهُ -سُبْحَانَهُ-: (اِرْجِعْ إلَى رَبكَ فَاسْألْهُ مَا بَالُ النسْوَةِ) [يوسف/ ٥٠]. أيْ: إلَى سَيدِكَ وَمِنْهُ قَوْلُ الشاعِرِ (٤): بِقَتْلِ بَني مَالِكٍ رَبَّهُمْ ... ألا كُلُّ شيْءٍ سِوَاهُ جللْ يُرِيْدُ سَيدَهُمْ. وَقِيْلَ: إن الرب: المَالِكُ، وَعَلَى هَذَا تَسْتَقِيْمُ الإضَافَةُ عَلَى العُمُوْمِ. وَذهب كَثِيْرٌ مِنْهُمْ إلَى أن اسْمَ العَاْلَمِ يَقَعُ عَلَى جَميْع المُكَونَاتِ. وَاحْتَجُّوا بقَوْلهِ -سُبْحَانَهُ-: (قَالَ فِرْعَوْنُ، وَمَا رَب العاَلمْينَ قَالَ رب السموَاتِ والأرْض وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنْتُم مُوْقِنِين) [الشعراء/ ٢٣ - ٢٤]. وَأمَّا المنَّانُ: فَهُوَ كَثيرُ العَطَاءِ. وَالمَنُّ: العَطَاءُ لِمَن لاَ

стр. 146

تَسْتَثِيْبُهُ. وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ -سُبْحَانَهُ-: (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغير حِسَابٍ) [ص/٣٩]. وَأما البَادي فَمَعْنَاهُ (١): مَعْنَى المبدِي؛ وَهُوَ مَذْكُوْرٌ فِي خَبَرِ أبِي الزِّنَادِ (٢) يقال: بَدَأ وَأبْدَأ بِمَعْنَى وَاحِدٍ؛ وَهُوَ الذِي ابْتَدَأ الأشْيَاءَ مُخْتَرِعَاً لَهَا مِنْ (٣) غَيْر أصْلٍ. وَأما الكَافي: فَهُوَ الذي يَكْفِي عِبَادَهُ المُهِم، وَيَدْفَعُ عنهم (٤) المُلِمَّ؛ وَهُوَ الذِي يُكْتَفَى بِمَعُوْنَتِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَيُسْتَغنَى بِهِ عَمَّنْ سِوَاهُ. وأما الدَّائِمُ: فَهُوَ المَوْجُودُ لَمْ يَزَلْ، المَوْصُوْفُ بِالبَقَاءِ الذِي (٥) لَا يَسْتَوْلي عَلَيْهِ الفَنَاءُ. [المولى] (٦): وَالموْلَى: الناصِرُ: وَالمُعينُ (٧)، وَكَذلِكَ النصِيْرُ؛ فَعِيْلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ كَمَا تَقُوْلُ: قَدِيْر وَقَادر، وَعَلِيْم وَعَاِلمٌ. كَقَوْلهِ تَعَالَى: (وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكمْ فَنِعْمَ المَوْلى ونعْمَ النصِير) [الحج/٧٨].

стр. 147

وَالجَمِيْلُ: [هُوَ المُجْمِلُ المُحْسِنُ؛ فَعِيْل بِمَعْنَى مُفْعِلٍ. وَقَدْ يَكُوْن] (١) الجَمِيْلُ مَعْنَاهُ: ذو النُّورِ وَالبَهْجَةِ. [٣٧] وَقَدْ رُوِيَ فِي الحَدِيْثِ: "إن الله جَميْلٌ يُحبُّ الجَمال". وَالصادقُ: هُوَ الذِي يَصْدُقُ قَوْلُهُ، ويصْدُقُ وَعْدُهُ. كقَوْلهِ [تعالى] (٢): (وَمَنْ أصْدَقُ من اللهِ قِيْلا) [النساء/١٢٢] وَقَوْلُه [تعالى] (٣): (الحمدُ لله الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ) [الزمر/٧٤]. [و] (٤) المُحِيْطُ: هُوَ الذي أحَاطَتْ قُدْرَتُهُ بِجَمِيْع خَلْقِهِ، وَهُوَ الذي أحَاطَ بِكُل شَيْءٍ عِلْمَا، وَأحْصَى كُل شَيْءٍ عَدَدَاً. [و] (٤) المُبِيْنُ: هُو البَيِّن أمْرُهُ فِي الوَحْدانيةِ، وَإنه لَا شَرِيْك لَهُ. يُقَالُ: بَانَ الشَيْءُ، وَأبانَ، وَاسْتَبَانَ بِمَعْنَى وَاحِدٍ. [و] (٤) القَرِيْبُ: مَعْنَاهُ: أنهُ قريب بعلْمِهِ مِنْ خَلْقِهِ،

стр. 148

قَريبٌ ممنْ يَدْعُوْهُ بِالإجَابَةِ كَقَوْلهِ [تعالى] (١): (وَإذَا سَألَكَ عِبَادي عَنيْ فَإني قَرِيْبٌ، أُجِيْبُ دَعْوَةَ الداعِي إذَا دَعَانِي) [البقرة/١٨٦]. وَالفَاطِرُ: هُوَ الذِي فَطَرَ الخَلْقَ: أيْ: ابْتَدَأ خَلْقَهُمْ كَقَوْلهِ [تعالى] (٢): (قُلِ الذي فَطَرَكُمْ أولَ مَرةٍ) [الإسراء/ ٥١] وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ: فَطَرَ نَابُ البَعِيْرِ، وَهُوَ أولُ مَا يَطْلُعُ. [٣٨] وَأخْبَرني الحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرحِيْمِ، قَالَ: حَدثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدَانَ، قَالَ: قَالَ أبُو رَوْقٍ عَنْ ابْنِ عَباسٍ: (لَمْ أكُنْ أعْلَمُ مَعْنَى "فَاطِر السَموَاتِ والأرض" حَتى اخْتَصَمَ أعْرَابِيَّانِ فِي بِئرٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أنَا فَطَرْتُهَا). يُرِيْدُ أنَا الذي اسْتَحْدَثْتُ حَفرَهَا. [و] (٣) العلاَّمُ: بِمَنْزِلَةِ العَلِيْمِ، وَبِنَاءُ فَعَّالٍ بِنَاءُ التكْثير. وَقَدْ تَقَدمَ تَفْسيرُ العَلِيْمِ. [و] (٣) المَلِيْكُ: هُوَ المَالِكُ، وَبِنَاءُ فَعِيْلٍ لِلْمُبَالَغَةِ في الوَصْفِ، و [قد] (٤) يَكُوْنُ المَلِيْكُ بِمَعْنَى المَلِكِ كَقَوْلهِ [ ] (٥): (عِنْدَ مَلِيْكٍ مُقْتَدِر) [القمر/٥٥]. وَالأكرَمُ: هُوَ أكْرَمُ الأكْرَمينَ لاَ يُوَازِيْهِ كريم، وَلَا

стр. 149

يُعَادِلُه فيه نَظِيرٌ. وَقَدْ يَكُوْنُ الأكْرَمُ بِمَعْنَى الكَرِيْمِ كَما جَاءَ: الأعَزُّ، وَالِأطْوَلُ، بِمَعْنَى العَزِيْزِ وَالطويلِ، وَقَدْ تَقَدمَ تَفْسيرُ الكَرِيْمِ فِيْمَا مَضى. وَالمُدبر: هُوَ العَاِلم (١) بِأدْبَارِ الأمُوْرِ وَعَوَاقِبِهَا، وَمُقَدِّرُ المَقَادِيْرِ وَمُجْرِيها إلَى غَايَاتِهَا. يُدَبِّرُ الأمُوْرَ بِحِكْمَتِهِ، وَيُصَرِّفُهَا (٢) عَلَى مَشِيئتهِ. وَالوِتْرُ: هُوَ الفَرْدُ الذِي لاَ شَرِيْكَ لَهُ وَلَا نَظيرُ. وذو المَعَارج: المَعَارِجُ: الدَّرَجُ، وَاحدُهَا مَعْرَجٌ، وَهُوَ المَصْعَد. يُقَالُ: عَرَجَ يَعْرُجُ عُرُوجَاً بِمَعْنَى: صَعِدَ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ -سُبْحَانَهُ-: (يُدَبِّرُ [الأمْرَ] مِنَ السمَاءِ إلَى الأرْضِ ثُم يَعْرُجُ إلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ ألفَ سَنَةٍ مما تَعُدُّوْنَ) [السجدة/٥]. وَهُوَ الذِي يُصعَدُ إلَيْهِ بِأعْمَالِ العِبَادِ، وإلَيْهِ يُصْعَد بِأرْوَاحِ المُؤْمِنينَ. [٣٩] عَلَى مَا جَاءَ فِي الحَدِيْثِ. مِنْ عُرُوْجِ الأرْوَاحِ في المَعَارِجِ، وَهِيَ الطرَائِقُ التي [يُصْعَدُ بِالدَّرَجِ فِيْها] (٣). وذو الطول [وذو الفضل] (٤): مَعْنَاهُ أهْلُ الطَّوْلِ

стр. 150

وَالفَضْلِ. وذْو: حَرْفُ النِّسْبَةِ. كَقَوْلهِ (١) [تَعَالى] (٢): (ذُو الجَلاَلِ وَالإكْرَامَ) [الرحمن/ ٢٧]. قَالَ أبو سُلَيْمانَ -[﵀] (٣) -: وَمما يَدْعُو بِهِ الناسُ، خَاصُّهُمْ وَعَامُّهُمْ، وَإنْ لم تَثبُتْ بِهِ الروَايَةُ عَنْ رَسُوْلِ الله ﷺ قولهم: [الحنَّان والمنَّانُ] (٤). قوله: الحنان: معناه: ذو الرحْمَةِ والعَطْفِ، والحَنَانُ -[مخففٌ] (٥) -: الرحمة. قال طرفة (٦): أبَا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بعضَنا ... حَنانَيْك بعضُ الشرِّ أهْوَنُ مِنْ بَعْضِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُم: (الدَّيَّان): وَهُوَ المُجَازِيْ. يُقَالُ: دِنْتُ الرجُلَ (٧)؛ إذَا جَزَيْتَهُ، أدِيْنُهُ. والدِّيْنُ: الجَزَاءُ. وَمِنْهُ المَثلُ: (كمَا تَدِيْنُ تُدَان) (٨) والدَّيَّانُ أيْضَاً: الحَاكِمُ. وَيُقَالُ: مَنْ دَيَّانُ أرْضِكُمْ؟ أيْ: مَنْ الحَاكِمُ بِهَا؟.

стр. 151

[٤٠] وَقَالَ أعْشَى بَنِي مَازِنٍْ لِرَسُولِ الله ﷺ حينَ قَدِمَ عليه: يَا سَيدَ الناس ودَيَّانَ العرب ومما جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الحكامِ فِي تَغْلِيْظِ الأيمَانِ وَتَوْكِيْدِهَا، إذَا حَلَّفُوا الرجُلَ لِخَصْمِهِ، أنْ يَقُوْلُوا: باللهِ الطالِبِ الغَالِبِ المهْلِكِ المدرك (١) فِي نَظَائِرِهَا، وَلَيْسَ يَسْتَحِق شَيْءٌ مِنْ هَذِه الأمُوْرِ أنْ يُطْلَقَ في بَاب صِفَاتِ الله -جَل وَعَز- وَأسْمَائِهِ، وإنمَا اسْتَحْسَنُوا ذِكرَهَا فِي الأيمَانِ لِيَقَعَ الرَّدْعُ بِهَا فَتَكُونَ أدنى (٢) لِلْحَالِفِ أنْ لاَ يَسْتَحِل حَق أخِيْهِ بِيَمِيْن كَاذِبَةٍ لأنه إذَا تُوُعِّدَ بِالطالِبِ والغَالِبِ، استشْعَرَ الخَوْفَ، وَارْتَدَع عَنِ الظلْمِ، إذْ كَانَ يَعْلَمُ أن الله [تعالى] (٣) سَيُطَالِبُهُ بِحَق أخِيْهِ، وأنه سَيَغْلِبُهُ عَلَى انْتِزَاعِهِ مِنْهُ، وَيَقْهَرُهُ عَلَيْهِ. وَإذَا قَالَ: المُهْلِكُ المُدْرِكُ، عَلِمَ أنهُ يُدْرِكهُ إذَا طَلَبَهُ، وَيهلِكهُ إذَا عَاقَبَهُ. وَإنما إضَافَةُ هَذِهِ الأفْعَالِ إلَيْهِ عَلَى مَعْنَى المُجَازَاةِ مِنْهُ لِهَذَا الظاِلم عَلَى مَا يَرْتَكِبُهُ مِنَ الإثمِ، وَعَلَى مَا يَستبِيْحهُ مِنْ حق أخِيْهِ المُسْلِمِ. وَلَو جَازَ أنْ يُعَد ذلِكَ في أسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، لَجَازَ أنْ

стр. 152

يُعَدُّ في أسْمَائِهِ: المُخْزِي، والمضِلُّ؛ لأنهُ (١) قَال: (وَأن الله مُخْزِي الكَافِرِيْنَ) [التوبة/٢]. وَقَال كَذَلِكَ: (يُضِل اللهُ (٢) مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِيْ مَنْ يَشَاءُ) [المدثر/٣١] فَإذَا لَمْ يَصِح أنْ يُدْخَلَ مِثلُ هَذَا فِي صِفَاتِهِ؛ لأنه كَلَامٌ لَم يُرْصَدْ (٣) لِلْمَدْحِ وَالثنَاءِ بِهِ عَلَيْهِ، لم يَصِح كَذَلِكَ (٤) أنْ يُعَدَّ مِنْهَا سَائِرُ مَا تَقَدمَ ذِكْرُهُ -والله أعلم-. [قَالَ الشيْخُ] (٥): ومما (٦) جَاءَ فِي الحَدِيْثِ مما لَا يُؤْمَنُ وُقوعُ الغَلَطِ فِيهِ: [٤١] قَوْلُهُ ﷺ : "لَا يَسُبَّنَّ (٧) أحَدُكمُ الدَّهْرَ، فَإن الله هُوَ

стр. 153

الدَّهْرُ" إذْ لَسْتُ أُبْعِدُ أنْ يَظُن بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ أنَّ الدَّهْرَ مِنْ أسْمَاءِ الله -سُبْحَانَهُ (١) -. وَذَلِكَ مَا (٢) لَا يَجُوزُ، وَلَا يَسُوْغُ تَوَهمُهُ بِحَالٍ. وإنما مَعْنَى هَذَا الكَلَامِ أن أهْلَ الجَاهِلِيَّةِ كَانَ منْ عَادَاتِهم، إذَا أصَابَ الوَاحِدَ مِنْهُمْ مَكْرُوْهٌ، أو نَالَهُ ضَرَرٌ، أوْ نَزَلَتْ بِهِ مُصيْبَةٌ أنْ يُضِيْفَهَا [إلَى الدَّهْرِ] (٣)؛ فَيَقُوْلُ: (يَا خَيْبَةَ الدَّهْر) [ويا سوءة الدهر] (٤) وَنَحْوَهَا مِنَ الكَلَامِ، يَسُبُّونَ الدَّهْرَ عَلَى أنهُ الفَاعِلُ لِهَذَهِ الأمُوْرِ وَلَا يَرَوْنَهَا صَادِرَة مِنْ قِبَلِ اللهِ -[جَل وَعَز] (٥) - وَكَائِنَة بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، فَنَهَاهُم عَنْ هَذَا القَوْلِ وَأعْلَمَهُمْ أن جَميْعَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الله -سُبحَانهُ- وَأنَّ مَصْدَرَهَا مِنْ قِبَلِه وَأنكمْ مَهْمَا سبَبْتُمْ فَاعِلَهَا كَانَ مَرْجِعُ السَّبِّ إلَى اللهِ -سُبْحَانَهُ-[وتعالى] (٦) وَكَانَ أبو بَكْرِ بْنُ دَاودَ الأصْبَهَاني لَا يَرَى أنْ يُرْوَى هَذَا الحَدِيْثُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ، وَكَانَ يَزْعُمُ أنهُ إنما اخْتَصَرَهُ بَعضُ الرُوَاةِ ثِمنْ (٧) لَا بَصَرَ لَهُ بِمَعَانِي الكَلَامِ. وَكَانَ يَرْويهِ مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ المُسَيِّبِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ بِزِيَادةِ ألفاظٍ (٨) مُحْتَمِلَةٍ لِلْتأويلِ (٩)، وَقَدْ حدثناه أحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيْمَ بنِ مَالِكٍ، قَالَ: حَدثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوْسَى، قَالَ: حَدثَنَا الحُمَيْدِيُّ، قَالَ:

стр. 154

حَدثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدثَنَا الزهْرِي عَنْ سَعِيْدِ بْنِ المُسَيبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: [٤٢] قَالَ رَسُولُ الله ﷺ (١) -: "قَالَ الله تَعَالَى: يُؤْذِيْني ابْنُ آدم، يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأنَا الدهرُ، بِيَدِي الأمْرُ، أقَلبُ الليْلَ وَالنهارَ"، كَانَ أبو بَكْرٍ يَرْويهِ وَأنَا الدهْرَ، مَفْتُوْحَةَ الراءِ، مَنْصوباً عَلَى الظرْفِ أيْ: أنَا طُولَ الدهْرِ، بِيَدِي اْلأمْرُ، اقلِّبُ الليْلَ والنهَارَ. وَكَانَ يَقُولُ: لو كانَ مَضْمُومَاً لانقلَبَ الدهرُ اسْمَاً مِنْ أسْمَاءِ الله -جلَّ وعزَّ وَعَلا (٢) -. قُلْتُ (٣): وَوَجهُ الحَدِيْثِ وَمَعنَاهُ مَا ذَكَرْتُهُ أولاً [والله أعلَمُ] (٤) وَهَاهُنَا حَرْفٌ يُروَى عَنْ مُجَاهِدٍ، أنَا مُرتَابٌ بصحته (٥) أبَدَاً- وَهُوَ مَا يُروَى عَنْهُ (٦) مِنْ قَوْلهِ: [٤٣] "لَا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ جَاءَ رَمَضَانُ، وذَهَبَ رَمَضَانُ فَلَعَلَّهُ

стр. 155

اسْم مِنْ أسْمَاءِ الله" (١). حَدثنا ابْنُ السَّماكِ، قَالَ: حَدثَنَا يَحْيىَ بْنُ أبِي طَالِبٍ، قَالَ: حَدثَنَا عَبْدُ الوَهابِ بْنُ عَطَاءٍ، قَالَ: حَدثَنَا طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ حُمَيْدٍ الأعْرَج عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: ذلكَ. وَهَذَا شَيْءٌ لا أعْرِفُ لَهْ وَجْهَاً بِحَالٍ، وأنَا أرْغَبُ عَنْهُ وَلَا أقُولُ بِهِ.

стр. 156

فصل (*) [قَالَ أبو سليمانَ ﵁] (١): وَمِنْ عِلْمِ هَذَا البَابِ، أعني: الأسْمَاءَ والصفَاتِ، ومما يَدْخل في أحْكامِهِ [وَيَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ شَرَائِط] (٢) أنه لَا يُتَجَاوَز فِيْها التوْقيْفُ وَلَا يُسْتَعْمَل فِيْهَا القِيَاسُ؛ فيلحق بالشيْءِ نَظِيْرُهُ في ظَاهِرِ وَضْعِ اللغة وَمتَعَارَفِ الكَلَامِ، فَالجَوَادُ: لَا يَجُوْز أنْ يُقَاس عَلَيْهِ: السَّخِى وَإنْ كَانَا متَقَارِبين في ظَاهِرِ الكَلَامِ. وَذَلِكَ أن السخِى، لَمْ يَرِدْ بِهِ (٣) التوْقِيفُ كَما وَرَدَ بالجَوَادِ، ثم إن السخَاوَةَ مَوضوْعَة في بَابِ الرخاوة واللين، يقال: أرْضٌ سَخِية وَسَخَاوِية إذَا كانَ فِيْهَا لين وَرَخَاوَةٌ وَكَذَلِكَ لا يُقَاسُ عَلَيْهِ السَّمْحُ لِمَا يَدْخلُ السَّمَاحَةَ مِنْ معْنَى

стр. 157

اللِّين والسُّهُوْلَةِ. وأما (١) الجُوْدُ فَإنما هُوَ سَعَةُ العَطَاءِ مِنْ قَوْلكَ: جَادَ السحَابُ إذَا أمطَرَ فَأغْزَرَ، وَمَطَرٌ جَوْدٌ، و (٢) فرَسٌ جَوَادٌ؛ إذَا: بَذَلَ مَما فِي وُسْعِهِ مِنَ الجَرْيِ. وَقَدْ جَاءَ في الأسْمَاءِ: "القَوِيُّ" وَلَا (٣) يُقَاسُ عَلَيْهِ الجلْدُ وإنْ كانَا يَتَقَارَبَانِ في نعُوْتِ الآدميينَ، لأن بَابَ التجلُّدِ يَدْخُلُهُ التْكَلُّفُ والاجْتِهادُ وَلَا يُقَاسُ عَلَى "القَادِرِ" المطُيقُ وَلَا المُسْتَطِيْعُ لأن الطاقَةَ والاسْتِطَاعَةَ إنما تُطلَقَانِ عَلَى مَعْنَى قوةِ البُنيَةِ، وَتَرْكيْبِ الخِلْقَةِ وَلَا يُقَاسُ عَلَى "الرحِيمِ" الرَّقِيقُ، وإنْ كانَتِ الرَّحْمَةُ في نُعُوتِ الآدميينَ نَوْعَاً مِنْ رِقَّةِ القَلْبِ، وَضَعْفِهِ عَنِ احْتِمَالِ القَسْوَةِ. وَفِي صفَاتِ اللهِ -سبْحَانَهُ (٤) -: "الحَلِيمُ" وَ "الصَّبُوْرُ" فَلَا يَجُوْزُ أنْ يُقَاس عَلَيْهَا الوَقُوْرُ والرَّزِينُ. وَفِي أسمَائِهِ "العَلِيْمُ" وَمِنْ صِفَتِهِ العِلْم؛ فَلَا يَجُوزُ قياسه (٥) عليه أن يسمى "عارفاً" لما تقتضيه المعرفة من تقديمِ الأسبابِ التي بِهَا يُتَوَصَّلُ (٦) إلَى عِلْمِ الشيْءِ. وَكَذَلِكَ لَا يُوْصَفُ بِالعَاقِلِ. وَهَذَا

стр. 158

البَابُ يَجبُ أنْ يُراعَى، وَلَا يُغْفَلَ، فَإن عَائِدَتَهُ عَظِيْمَة، وَالجَهْلُ بِهِ ضَارٌّ [وباللهِ التوْفيْق] (١). [وصلى الله على محمد وآله وسلم كثيراً] (٢).

стр. 159

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [قَالَ الشيخ] (١): فَهَذَا (٢) مَا حَضَرَنِي في تَفْسير الأسماء وَمَعَانِيهَا، وَنَحْنُ نُتْبِعُهُ (٣) الآنَ: تَفْسِيرَ الدَّعَوَاتِ المأثوْرَةِ فَصْلاً فَصْلاً عَلى نَظْمِ الكِتَابِ وَتَرْتِيْبِهِ، بِعَوْنِ الله وَتَوْفيْقِهِ، [إن شاء الله، وهو المستعان] (٤).

стр. 160

مِنْ بَابِ مَا يَقُوْلُ إذَا أصبَحَ [٤٤] [قال] (١): إذَا أصْبَحْتَ فَقُلْ: "الحَمْد لله الذِي أحْيَانَا بَعْدَمَا أمَاتَنَا وَإلَيْهِ النُّشُوْرُ" قَالَ الشيْخُ (٢): مَعْنَى قَوْلهِ (٣) [ ﷺ ] (٤): "أحْيَانَا بَعْدَمَا أمَاتَنَا" مَعَ إحَاطَةِ العِلْمِ مِنا أن الحَيَاةَ في حَالَتَيْ اليَقَظَةِ وَالنوْمِ قَائمةٌ غيرُ زَائلةٍ، هُوَ أنهُ جَعَلَ النوْمَ الذِي يَكوْن مَعَهُ زَوَالُ العَقلِ، وَسُكْوُنُ الحَرَكَاتِ بِمَنْزلَةِ المَوْتِ الذِي يَكُوْنُ بِهِ عَدَمُهَا وَبُطلَانُهَا، وَهَذَا (٥) عَلَى سَبِيْل التشْبِيْهِ، والتمْثِيْلِ لَا عَلَى وَجْهِ التحقيقِ. وَقَالَ بَعْضُ أهْلِ اللغة أصْلُ المَوْتِ فِي الكَلَامِ السُّكُوْنُ

стр. 161

يُقَالُ: مَاتَتِ الريْحُ إذَا رَكَدَتْ، وَأنْشَدَ (١): يَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ تَمُوْتُ .. الريْحُ فَأسْكُنُ اليَوْمَ وَأسْتَرِيْحُ ثُمَ عَقبَهُ (٢) بِقَوْلهِ [ ﷺ ] (٣): "وَإلَيْهِ النشُورُ" لِيَدُلَّ بِإعَادَةِ اليَقَظَةِ بَعْدَ النوْمِ عَلى إثْبَاتِ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ. وَالنشُوْرُ مَصْدَرٌ، يُقَالُ: أنشَرَ الله المَيْتَ [إنشاراً: إذا أحياه، فَنَشَرَ الميتُ] (٤) نُشُوْرَا، فَهُوَ نَاشِرٌ بِلَفْظِ فَاعِلٍ. قَالَ الأعْشَى (٥): حَتى تَقُوْلَ (٦) الناسُ مما رَأوْا ... يَا عَجَبَا لِلْمَيتِ الناشِرِ [٤٥] [وقوله] (٧): [وَأصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الإسْلاَمِ، وَكَلِمَةِ الإخْلَاصِ، وَعَلَى ديْنِ نَبِينَا محمد ﷺ : مَعْنَى الفِطْرَةِ: ابْتِدَاءُ

стр. 162

الخِلْقَةِ، وَهِي إشارة إلى كَلِمةِ التوْحِيْد حِيْنَ أخذَ اللهُ العَهْدُ مِنْ ذريةِ آدمَ، [فقال] (١): (ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى] [الأعراف/١٧٢] وَقَدْ تَكُوْنُ الفِطْرَةُ بِمَعْنَى السُّنةِ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ [ ﷺ ] (١): [٤٦] "عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ فَذَكَر السِّوَاكَ وَالمَضْمَضَةَ وَأخوَاتِها" (٢)] (٣). [٤٧] وَقَوْلُه [ ﷺ ] (٤): "نَسْألكَ مِنْ خير هَذَا اليَوْمِ وَخير مَا

стр. 163

قَبْلَهُ وَخير مَا بَعْدَه وَنَعُوذ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذَا اليَوْمِ وَشَرِّ مَا قَبْلَهُ وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ". قَدْ (١) يُسألُ عَنْ هَذَا فَيُقَالُ: مَا مَعْنَى اسْتِعَاذَتِهِ مِنْ سُوْءِ (٢) زَمَانٍ قَدْ مَضَى وَقْتُهُ وَتَقضَّى (٣) حكْمُهُ؟ وَالمَعْنَى: أنهُ طَلَبَ عَفْوَ اللهِ عَنْ ذَنْب كَانَ [قد] (٤) قَارَفهُ في أمْسِهِ. وَالوَقْتُ -وإنْ كَانَ قَدْ مَضَى- فَإن تَبِعَتَهُ بَاقِيَةٌ. وَمَعْنَى مَسْألَتِهِ خَيْرَ مَا قَبْلَهُ: قبُولُ الحَسَنَةِ التي كَانَ قَدمَهَا في أمْسِهِ. والزمَانُ -وَإنْ كَانَ فَائِتَاً- فَإن الحَسَنَةَ التي عَمِلَهَا فِيْهِ مَوْجُوْدة وَبَرَكَتُهَا مَرْجُوَّةٌ (٥) وَالخَيْرُ وَالشرُّ لَا يَتَعَلَّقَانِ بِأعْيَانِ الأيامِ، وإنما أُضِيْفَا إلَيْها عَلَى مَعْنَى أنهَا أوْقَاتٌ وَظُرُوْفٌ لَهُمَا يُوْجَدَانِ فِيهَا بِكَسْبِ الفَاعِلِيْنَ لَهُمَا (٦). [٤٨] وَقَوْلُهُ: "وَأعُوْذُ بِكَ مِنَ الكَسَل وَالهَرَمِ، وسُوءِ الكبَرِ"؛

стр. 164

الكَسَلُ: خَصْلَةٌ ذَمِيْمَةٌ تَصُدُّ عَنِ الحُقُوْقِ، وتحرِمُ صَاحِبَها خيرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَهُوَ عَدَمُ انْبِعَاثِ النفْسِ لِلْخير، وَقِلَّةُ الرَّغْبَةِ فِيْهِ مَعَ وُجُودِ الاِسْتِطَاعَةِ لَهُ. وَالعَجْزُ: عَدَمُ القوةِ والاسْتِطَاعَةِ لَهُ (١)، والعَاجِزُ مَعْذُوْرٌ، وَالكَسْلَانُ غَيْرُ مَعْذُوْرٍ. [٤٩] وَأخْبَرَنِي (٢) أبو محمد [أحْمَدُ بْنُ محمدٍ] (٣) الكُرَانيُّ، قَالَ:

стр. 165

حَدثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُسَيِّب (١)، قَالَ: حَدثَنَا زَكَرَيا بْنُ يحيىَ المِنْقَرِي، قَالَ: حَدثَنَا الأصْمَعِي، قَالَ: قَالَ الأحْنَفُ بْنُ قَيْس: "إياكَ وَالكَسَلَ والضَّجَرَ؛ فَإنكَ إنْ كسِلْتَ. لَمْ تَطْلُبْ حَقَّاً وَإنْ ضجِرْتَ لَمْ تُؤَدِّ حَقَّاً". وَأما سُوْءُ الكِبَرِ فَإنما اسْتَعَاذَ بِاللهِ مِنْ آفَاتِ (٢) طُولِ العُمْرِ، وَمَا يَجْلِبُهُ الكِبَرُ مِنَ الخَرَفِ، وَذهَابِ العَقْلِ وَضَعْفِ القُوَى. [٥٠] وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النبِي ﷺ أنهُ قَالَ: "مَا أنْزَلَ الله

стр. 166

[من] دَاءٍ إلا جَعَلَ لَهُ دوَاء إلا الهَرَمَ"، فَجَعَلَ الهَرَمَ [دَاءَ مَنْ لَا دوَاءَ لَهُ] (١). [٥١] [قَالَ أبو سُلَيْمَانَ] (٢): وَأخْبَرَني (٣) إبْرَاهِيْم بْنُ عَبْدِ الرَّحِيْمِ العَنْبَرِي، قَالَ: حَدثني ابْنُ أبِي قُمَاشٍ، قَالَ: حَدثَنَا ابْن عَائِشَةَ، قَالَ: حَدثَنَا حَمَّادٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "لَوْ لَمْ يَكُن لاِبْنِ آدمَ إلا السَلاَمَةُ والصحةُ لَكَانَ كَفِى بهما دَاءً قَاضِياً" قَالَ ابن (٤) عَائِشَة: فحدثتُ بِهِ (٥) أبي فَقَالَ: يَا بُني مَاَ عَلِمْتُ أن في هَذَا خَبَراً، وَإنما كُنْتُ أعْرِفُ فِيْهِ قَوْلَ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ (٦): أرَى بَصَرِي قدْ رَابَني بَعْدَ صِحَّةٍ ... وَحَسْبُكَ داءَ أنْ تَصِحَّ وَتَسْلَمَا

стр. 167

وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُم: مِنْ سُوْءِ الكِبْرِ، سَاكنَةُ البَاءِ. مِنْ كِبْرِ النَّخْوَة. والصَّوَابُ هُوَ الأوَّلُ (١). [٥٢] وَقَوْلُهُ: "أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَشَرِّ الشيْطَانِ وَشِرْكِهِ" يُرْوَى هَذَا عَلَى وَجْهين. أحَدُهُمَا: الشِرْكُ، بِكَسْرِ الشْين وَسُكْونِ الرَّاءِ، وَمَعْنَاهُ: مَا يَدْعُو إلَيْهِ الشيْطَانُ وُيوَسْوِسُ بِهِ مِن الإشْرَاكِ بِاللهِ -سُبْحَانَهُ-. وَالوَجْهُ الآخَرُ: وَشَرَكِهِ، بِفَتْحِ الشْين والرَّاءِ، يُرِيْدُ: حَبَائِلَ الشيْطَانِ وَمَصَايده.

стр. 168

[٥٣] [وقوله] (١): "وَأنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ" يَحْتَمِلُ وَجْهين مُخْتَلِفَيْ المَحَلَّيْن. أحَدُهُمَا: إني مُقِيْمٌ عَلَى مَا عَاهَدْتُكَ عَلَيْهِ مِنَ الإيمَانِ بِكَ والاعْتِقَادِ لِوَحْدَانِيتِكَ لَا أزُوْلُ عَنْهُ مَا اسْتَطَعْتُ، وإنما اسْتثنَى بِقَوْلهِ: مَا اسْتَطَعْتُ مَوْضِعَ القَدَرِ السَّابِقِ في أمره (٢)، يَقُولُ: إنْ كَانَ قَدْ تَقَدمَ القَدَرُ فِي أمْرِي، وَجَرَى القَضَاءُ بِأني انْقُضُ العَهْدَ يَوْمَاً مَا، وَأزوْلُ عَنْهُ فَإني (٣) أفْزَعُ عِنْدَ ذَلِكَ إلَى التنَصُّلِ، والاعْتِذَارِ بِعَدَمِ الاسْتِطَاعَةِ لِدَفْعِ مَا قَضيْتَهُ عَلَيَّ وَالامْتِنَاعِ مِنْ وُقوْعِهِ بِي (٤). والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ يَكُوْنَ مَعْنَاه: إني متمسكٌ بِمَا عَهِدْتهُ (٥) إليَّ مِنْ أمْرِكَ، وَنَهْيِكَ، ومُبْلٍ العُذْرَ (٦) فِي الوَفَاءِ بِهِ قَدْرَ الوُسْعِ،

стр. 169

والاسْتِطَاعَةِ، وإنْ كُنْتُ لاَ أبْلُغُ كُنْهَ الوَاجِبِ مِنْ حَقكَ وَلاَ أفي بِمَا يَلْزَمُني مِنْ مَوَاجِبِ (١) طَاعَتِكَ. وَنَظيرُ هَذَا. [١٨ مِكرر] قَوْلُهُ ﷺ : "استقِيْمُوا وَلَنْ تُحْصُوا" أيْ: لَنْ تُطِيْقُوا (٢) كُلَّ الاسْتِقَامَةِ. أيْ: فَاجْتَهِدُوا وَأبْلُوا العُذْرَ فيما تُطِيْقُوْنَ مِنْهَا. [٥٤] وَقَوْلُهُ [ ﷺ ] (٣): "أبُوءُ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأبوء بِذَنْبِيْ" مَعْنَاهُ: التِزَامُ المِنَّةِ بِحَق النعْمَةِ والاعْتِرَافُ بالتقْصير في شُكْرِهَا وَاحْتِمَال اللاَّئِمَةِ فِيْهِ، وَأصْلُهُ مِنْ قَوْلكَ: بُؤْتُ بِكَذَا، إذَا احْتَمَلْتَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الله (٤) -سبْحَانَهُ-: (فَبَاؤُوْا بِغَضَب مِنَ اللهِ) [آل عمران/١١٢] قَالَ [بَعْضُ] (٥) أهْلِ التفْسير، [مَعْنَاهُ] (٥): احْتَمَلُوْهُ وَرَجَعُوْا بِهِ. [٥٥] وَقَوْلُهُ (٦): "اللهم احْفَظْني مِنْ بين يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَميْنيِ وَعَن شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي، وأعُوْذُ بِعَظَمتِكَ أنْ أُغْتَالَ مِنْ

стр. 170

تَحْتي" أقْسَامُ الجِهَاتِ سِتة وَكُلهَا سُبُل لِلآفَاتِ، وَطُرُق لَهَا لَا يُؤمَنُ وُرُوْدُها مِنْهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غير وَاحِدٍ مِنْ أهْلِ التفْسير فِي قَوْلِهِ -جَل وعز-: (ثم لآتِيَنهُم مِنْ بِين أيْدِيْهم [ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) [الأعراف/١٧] قالوا: "من بين أيديهم"] (١): الدنيا. "وَمِنْ خَلْفِهِمْ": الآخِرة. "وَعَنْ أيْمَانِهم": الحَسَنَاتُ. "وَعَن شَمَائِلهِم": السيئَات. وَالمَعْنَى: أنه يُزَيِّنُ: لَهُمْ الدنيا، وَيُثَبِّطُهُم عَنِ الآخِرَةِ، وَيَصُدُّهُم عَنِ الحَسَنَاتِ، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى السيئَاتِ. وأما جِهَةُ فَوْق: فَمِنْهَا يَنْزِلُ البَلاَءُ، والعَذَابُ والصَّوَاعِقُ. وَمِنْ تَحْتُ: تَقَعُ الزلَازِلُ (٢) وَالخَسْفُ، وَقَدْ يَكُوْنُ مَعْنَاهُ: أنْ يُستَدْرَجَ، فَيُؤْتَى مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ؛ فَيُغْتَالُ، وَيَهْلِكُ. [٥٦] وَأخْبَرَنِي أبو عُمَرَ (٣) عَنْ أبي العَباسِ أحْمَدَ بْن يَحْيىَ، قَالَ: العَرَبُ تَقُوْلَُ: "اللهم وَاقِيَةً كَوَاقِيَةِ الوَليْدِ". قَالَ: وَذَلِكَ أن الصَّبِيَّ قَدْ يَتَعَرَّضُ لِلآفَاتِ فَيَقِيْهِ الله، وَيَحْفَظُهُ مِنْ غَيْر حَذَرٍ وَلَا اتِّقَاءٍ.

стр. 171

[٥٧] وَحدَّثَني فِي إسْنَادٍ لَهُ أن بَعْضَ الأنبِيَاءِ -صَلَوات الله عَلَيهم- كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: "اللهم احفَظْني حِفْظَ الصبي" وَهَذَا قَدْ يَكُوْنُ مِنَ الوَجهِ الذِي ذَكَرنَاهُ، وَهُوَ مَا يَحْدُثُ عَلَيْهِ فِي الدْنيَا مِنْ آفَاتِهَا. وَقَد يُتَأوَّلُ (١) أيضَاً عَلَى مَعْنَى طَلَبِ العِصمَةِ وَأنْ يُحْفَظَ مِنَ الذنُوْبِ كَمَا حُفِظَ الصبي؛ فَلَم يُكْتَبْ عَلَيهِ ذَنْبٌ. والاغْتِيَالُ: أنْ يُؤْتى المَرْءُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ وَأنْ يُدْهَى بمَكرُوهٍ لم يَرْتَقِبْهُ، وَيُقَالُ: قُتِلَ فُلَانٌ غِيْلَةً إذَا ظُفِرَ بِهِ في حَالِ غِرَّةٍ، وأوَانِ غَفلَةٍ فَقُتِلَ. وَأصْلُ هَذَا مِنَ الغُوْلِ، الذي (٢) يُقَالُ: إنهَا تَغُولُ الناسَ، وَتَضِلْهُم، وَيُقَالُ: الخَمْر غُولُ العَقْلِ؛ وَذَلِكَ أنهَا تُذْهِبُ العَقْلَ، وَمِنْ هَذَا قولُهُم: غَالَتْ فُلَانَاً غَائِلَة إذَا أصَابَتْهُ دَاهِيَةٌ قَالَ ذو الرُّمَّةِ (٣): فأيقَنَ (٤) قَلْبِي أنني لَاحِقٌ أبي ... وَغَائِلَتيْ غُوْلُ الرّجَالِ الأوَائِلِ يُرِيدُ المَوْتَ. [٥٨] و (٥) قوله: "اللْهُم عَافِنِي فِي سَمْعِي، اللهم عَافِنَي فِي

стр. 172

بَصَرِي. لَا إلهَ إلا أنْتَ" قَدْ (١) تَكُوْنُ العَافِيَةُ فِي السَّمْعِ وَالبَصَرِ بِأنْ يَسْلَمَا مِنَ الآفَاتِ، كَالصَّمَم (٢) وَالعَمَى، وَالرَّمَدِ والأوْجَاعِ، [وتَكُونُ بِمَعْنَى السَّلَامَةِ مما يَسُوءُ السَّامِعَ لَهُ والنَّاظِرَ إلَيْه، وَقَدْ] (٣) تَكُونُ بَمَعْنَى العِصْمَةِ مِنَ المآثِمِ فَلَا يَنْظُرُ بِعَيْنِهِ (٤) إلَى محظُوْرٍ وَلَا يُصْغِي بِأذُنِهِ (٤) إلَى مَكْرُوْهٍ. [٥٩] وَقَوْلُهُ: "لَبَّيْكَ اللهم لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ". لَبَّيْكَ: كَلِمةٌ

стр. 173

مَعْنَاهَا سُرْعَةُ الإجَابَةِ، وإظْهَارُ الطاعَةِ. وَقَالَ النحَويُّونَ: أصلُهُ مَأخُوْذ مِنْ لَبَّ الرجُل بِالمَكانِ، وَألَبَّ بِهِ، إذَا لَزِمَه وَأقَامَ بِهِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشاعِرِ (١): لَبَّ بأرْضٍ ما تَخَطَّاهَا الغَنَمْ (٢) أيْ: أقَامَ بِهَا. وَأخْبَرَنِي ابْنُ مَالِك، قَالَ: أخْبَرَنَا محمد بنُ إبراهِيْم بن سَعِيْدٍ العَبْدِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَائِشَة يَقُوْلُ: دَعَا أعرَابيٌّ غُلَامَاً لَهُ فَأبْطَأ فِي الإجَابَةِ، ثُم قَالَ: لَبَّيْكَ. فَقَالَ: لبَّ

стр. 174

عَمودٌ (١) جَنْبَيْك. دَعَا عَلَيْهِ بِأنْ يُضْربَ عَلَى جَنْبَيْهِ فَيَلْزَمَهما (٢) العَمُوْدُ (٣) بِالضرْبِ، قَالُوا: وَكَانَ الأصْلُ فِي لَبَّى لَبَّبَ (٤) فَأبْدَلُوا مِنْ إحْدَى البَاءَاتِ ياءً طَلَبَاً لِلخِفَّةِ كَما قَالُوا: تَقضَّى [البَازِي] (٥) [الطائر] (٥) مِنْ تقضَّضَ. وتظني مِنْ تَظَنَّنَ (٦). كَقوْلِ النابِغَةِ: قَوافٍ كالسَّلامِ إذَا اسْتَمَرَّتْ ... فَلَيْسَ يَرُدُّ مَذْهَبَهَا التَّظَنِّي قَالُوا: وَمَعْنَى التَّثْنِيَةِ (٤) فِيْهِ: التَّوْكِيْدُ، كَأنه قَالَ: إلْبَابَاً بِبَابِكَ بَعْدَ إلْبَاب، وَلُزُوْمَاً لِطَاعَتِكَ بَعْدَ لُزُوْم، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَسَعْدَيْك، مَعْنَاهُ: إسعَادَاً بَعْدَ إسْعَادٍ وَطَاعَةً لَكَ بَعْدَ طَاعَةٍ. كَمَا قَالُوا: حَنَانَيْكَ، أيْ: تَحَنُّنَاً بَعْدَ تَحَنُّنٍ. وهذَا ذَيْكَ، أيْ: هَذَّاً بعد هَذٍّ (٧) وَأصْلُ الهَذِّ: الإسْرَاعُ. [٦٠] وَقَوْلُهُ: "اللهم مَا قُلْتُ مِنْ قَوْلٍ أوْ حَلَفْتُ مِن حَلْفٍ أو

стр. 175

نَذرْتُ مِنْ نَذْرٍ فَمَشِيْئَتَكَ بينَ يَديْ ذَلِكَ كُلِّه". الصوابُ: أن تَنْصِبَ المَشِيْئَةَ عَلَى إضْمَارِ فِعْلٍ، كَأنهُ قَالَ: فَإني أقَدِّمُ مَشِيْئَتَكَ فِي ذَلِكَ [كله] (١) وَأنوِيْ الاسْتثنَاءَ فِيْهِ طَرْحَاً لِلْحَنَثِ عَني عِنْدُ وقُوْعِ الخُلْفِ. وَفِيْهِ حُجَّةٌ لِمَنْ ذهب مَذْهَبَ المَكِّيينَ في جَوَازِ الاسْتثنَاءِ مُنْفَصِلاً عَنِ اليَمين. ومما يَحْتَجُّوْنَ بِهِ فِي ذَلِكَ. [٦١] حَدِيْثُ ابْنِ عَباس قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَالله لأغْزُوَنَّ قُرَيْشَاً، وَالله لأغْزُوَنَّ قُرَيْشَاً، وَالله لأغْزُوَنَّ قُرَيْشَاً". ثُم سَكَتَ سَاعَة ثُم قَالَ: "إنْ شَاءَ اللهُ". أخْبَرنَاهُ ابْنُ الأعْرَابي. قَالَ: حَدثَنَا الحَسَنُ (٢) بُنْ مُكْرَم، قَالَ: حَدثَنَا الحَسَنُ بْنُ قُتَيْبَةَ، قَالَ: حَذثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْب عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَباسٍ. وَمَنْ رَوَاهُ، بِضَمِّ المَشِيْئَةِ كَانَ مَعْنَاه الاعْتِذَارُ بِسَابِقِ الأقْدَارِ العَائِقَةِ عَنِ الوَفَاءِ بِمَا ألزَمَهُ نَفْسَهُ مِنْهَا وَفِيْهِ طَرَفٌ مِن مَذْهَبِ الجَبْرِ، وَالأولُ

стр. 176

أحْسَنُ وَأصْوَبُ. وَالله [تَعَالى] (١) أعْلَمُ. [٦٢] وَقُوْلُه: "اللهم مَا صَلَّيْتُ مِنْ صَلَاةٍ فَعَلى مَنْ صَلَّيْتَ، وَمَا لَعَنْتُ [من لَعنة] (٢) فَعَلَى مَنْ لَعَنْتَ". [و] (٣) الوَجْهُ أنْ تَرْفَعَ التاءَ مِنْ "صَلَّيْتُ" وَمِنْ "لَعَنْتُ " في الأولِ وَأنْ تَنْصِبَهَا مِنْهُما (٤) فِي الآخِرِ، والمَعْنَى كَأنهُ يَقُوْلُ: اللهم اصْرِفْ صَلاَتِي وَدُعَائِي إلَى مَنْ أحْقَقْتَهُ لِصَلَاتِكَ، وَرَحْمَتِكَ، وَاجْعَلْ لَعْنِي (٥) عَلَى مَنِ اسْتَحَقَّ اللَّعْنَ عِنْدَكَ، واسْتَوْجَبَ الطَّرْدَ والإيْعَادَ (٦) فِي حُكْمِكَ، وَلَا تُؤَاخِذْنيْ بِالخَطَأِ مِني فِي وَضْعِهِمَا غَيْرَ مَوْضِعِهِمَا، وَإحْلَالِهمَا فِي غير مَحَلِّهِمَا. وهُوَ (٧) إنما يصحُّ عَلَى هَذَا التأوْيل إذَا كَانَ قَدْ سبقَتْ منْهُ صَلَاةٌ، أوْ بَدَرَ مِنْهُ لَعْنٌ لِغير المُسْتَحِقيْن (٨)، وقَدْ يَحْتَمِلُ أنْ يَكوْنَ إنما دَعَا بِالتوفيقِ وَاشْتَرَطَ في مَسْألَتِهِ العِصْمةَ؛ لأنْ لَا يَجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ ثَنَاءٌ إلا لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الثنَاءَ مِنْ أوْليَائِهِ، وَلَا ذَمٌّ إلا لِمَنْ يَسْتَحِقهُ (٩) مِنْ

стр. 177

أعْدَائهِ، كَأنهُ يَقُوْلُ: اللهم احْفَظْني (١) حَتى لَا أوَالِيَ إلا أوْليَاءَكَ، وَلَا أعَاديَ إلا أعْدَاءَكَ. فَالوَجْهُ (٢) الأول إنما يَنْصَرِفُ إلَى المَاضِي، و [الوجه] (٣) الآخَرُ إلَى المُسْتَقْبَلِ. وَالله أعْلَمُ. [٦٣] وَقَوْلهُ: "اللهم إني أسْألُكَ الرِضَى بَعْدَ [نُزُوْل] (٤) القَضَاءِ، وبرْدَ العَيْشِ بَعْدَ المَوْتِ" إنما سَألَ الرضَى بَعْد نزُولِ القَضَاءِ بِه لأن الرِّضَى قَبْل ذَلِكَ دَعْوَى مِنَ العَبْد، وَإنما يَتَحَققُ ذَلِكَ عِنْدَ وُقوْعِ القَضَاءِ بِهِ (٥)، وَوُرُوْدِ كَرَاهَتِه عَلَيْهِ، سَألَ الله [تعالى] (٦) التثبيت لَهُ، وَتَوْطين النفسِ عَلَيْهِ. وبَرْدُ العَيْشِ: خَفْضهُ، وَنِعْمَتُهُ. وَأصْلُ البَرْدِ فِي الكَلَامِ: السُّهُوْلَة. وَمِنهُ:

стр. 178

[٦٤] قَوْل النبِي ﷺ : [(١) "الصَّوْم في الشتَاءِ الغَنِيْمَة البَارِدة" أيْ: السَّهْلَةُ. وَقَالَ بَعْضُهمْ: إنمَا قِيْلَ لَهَُ: الغَنِيْمَةُ البَارِدَةُ؛ لأنْهُ لم يُشهَدْ فِيْهِ (٢) حَرُّ قِتَالٍ. وَقيْلَ: لأن حَرَّةَ (٣) العَطَشِ لَا تَنَالُ

стр. 179

الصَّائِمَ فِيْه. قَالَ الشاعِرُ (١): قَلِيْلَةُ لَحْمِ الناظِرَيْنِ يَزِيْنُهَا ... شَبَابٌ وَمَخْفُوْضٌ مِنَ العَيْشِ بَارِدُ أيْ: نَاعِمٌ سَهْلٌ. [٦٥] وَقَوْلُهُ عِنْدَ سَمَاعِ الأذَانِ: "اللهم رب هَذِه الدّعْوَةِ التامةِ وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمدَاً الوَسِيْلَةَ وَالفَضِيْلَةَ، وَابْعَثهُ المَقَامَ المَحْموْدَ الذي (٢) وَعَدْتَهُ". [٦٦] قَالَ: وَقَالَ [النبِيُّ] (٣)، ﷺ : "مَنْ صَلى عَلَيَّ صَلاَة صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرَاً".

стр. 180

قَالَ [الشَيْخُ] (١) أبو سُلَيْمَانَ: إنما وَصَفَ هَذِهِ الدعْوَةَ بِالتمَامِ لأنهَا ذِكرُ الله [تعالى] (١) يُدْعَا بِهَا إلَى طَاعَةِ الله، وَعِبَادَتِهِ، وَهَذهِ (٢) الأمُورُ هِيَ (٣) التي تَسْتَحِقْ صِفَةَ الكَمَالِ، وَالتمَامِ وَمَا سِوَاهَا مِنْ أمُوْرِ الدنْيَا فَإنهَا بِعَرْضِ النقْضِ وَالفَسَادِ، وَكَانَتْ دَعَوَاتُهُمْ فِي الجَاهِلِيةِ إنما هِيَ دَعْوَى القَبَائِلِ، كقَوْلهم: يا لَبَكْرٍ (٤) ويَا آلَ خِنْدِفَ، أوْ دَعْوَةَ نَعِيٍّ [وَنُدْبَةٍ] (٥)، كقَوْلهِم عِنْدَ مَوْتِ الرجُلِ الشرِيْفِ مِنْهُمْ: يَا نَعَاءِ فُلَانَا، ويا فُلَانَاهُ، أوْ دَعْوَةً إلَى طَعَامٍ وَنَحْوِه. وَكُل هَذِهِ الأمُوْرِ لَا تَخْلُو مِنْ آفَةٍ (٦) أوْ نَقْصٍ يَدْخُلُها، وَدَعْوَةُ الأذَانِ إنما شُرِعَتْ فِي الإسْلَام لإقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ -جل وعز (٧) - فَوَصَفها بالتَّمامِ تَحْرِيْضَاً علَيْهَا، وَتَرْغِيْبَاً فِيْها، وَصَرْفاً لِلْوُجُوْهِ إلَيْهَا. وَالله أعلَمُ. وَنَظيرُ هَذَا [٦٧] قَوْلُهُ ﷺ : "أعُوْذُ بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّاتِ كُلِّهَا مِنْ شرِّ
следующие страницы →