← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 95700

شأن الدعاء

الخطابي

Полный текст (266 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أحْسَنُ وَأصْوَبُ. وَالله [تَعَالى] (١) أعْلَمُ. [٦٢] وَقُوْلُه: "اللهم مَا صَلَّيْتُ مِنْ صَلَاةٍ فَعَلى مَنْ صَلَّيْتَ، وَمَا لَعَنْتُ [من لَعنة] (٢) فَعَلَى مَنْ لَعَنْتَ". [و] (٣) الوَجْهُ أنْ تَرْفَعَ التاءَ مِنْ "صَلَّيْتُ" وَمِنْ "لَعَنْتُ " في الأولِ وَأنْ تَنْصِبَهَا مِنْهُما (٤) فِي الآخِرِ، والمَعْنَى كَأنهُ يَقُوْلُ: اللهم اصْرِفْ صَلاَتِي وَدُعَائِي إلَى مَنْ أحْقَقْتَهُ لِصَلَاتِكَ، وَرَحْمَتِكَ، وَاجْعَلْ لَعْنِي (٥) عَلَى مَنِ اسْتَحَقَّ اللَّعْنَ عِنْدَكَ، واسْتَوْجَبَ الطَّرْدَ والإيْعَادَ (٦) فِي حُكْمِكَ، وَلَا تُؤَاخِذْنيْ بِالخَطَأِ مِني فِي وَضْعِهِمَا غَيْرَ مَوْضِعِهِمَا، وَإحْلَالِهمَا فِي غير مَحَلِّهِمَا. وهُوَ (٧) إنما يصحُّ عَلَى هَذَا التأوْيل إذَا كَانَ قَدْ سبقَتْ منْهُ صَلَاةٌ، أوْ بَدَرَ مِنْهُ لَعْنٌ لِغير المُسْتَحِقيْن (٨)، وقَدْ يَحْتَمِلُ أنْ يَكوْنَ إنما دَعَا بِالتوفيقِ وَاشْتَرَطَ في مَسْألَتِهِ العِصْمةَ؛ لأنْ لَا يَجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ ثَنَاءٌ إلا لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الثنَاءَ مِنْ أوْليَائِهِ، وَلَا ذَمٌّ إلا لِمَنْ يَسْتَحِقهُ (٩) مِنْ

стр. 177

أعْدَائهِ، كَأنهُ يَقُوْلُ: اللهم احْفَظْني (١) حَتى لَا أوَالِيَ إلا أوْليَاءَكَ، وَلَا أعَاديَ إلا أعْدَاءَكَ. فَالوَجْهُ (٢) الأول إنما يَنْصَرِفُ إلَى المَاضِي، و [الوجه] (٣) الآخَرُ إلَى المُسْتَقْبَلِ. وَالله أعْلَمُ. [٦٣] وَقَوْلهُ: "اللهم إني أسْألُكَ الرِضَى بَعْدَ [نُزُوْل] (٤) القَضَاءِ، وبرْدَ العَيْشِ بَعْدَ المَوْتِ" إنما سَألَ الرضَى بَعْد نزُولِ القَضَاءِ بِه لأن الرِّضَى قَبْل ذَلِكَ دَعْوَى مِنَ العَبْد، وَإنما يَتَحَققُ ذَلِكَ عِنْدَ وُقوْعِ القَضَاءِ بِهِ (٥)، وَوُرُوْدِ كَرَاهَتِه عَلَيْهِ، سَألَ الله [تعالى] (٦) التثبيت لَهُ، وَتَوْطين النفسِ عَلَيْهِ. وبَرْدُ العَيْشِ: خَفْضهُ، وَنِعْمَتُهُ. وَأصْلُ البَرْدِ فِي الكَلَامِ: السُّهُوْلَة. وَمِنهُ:

стр. 178

[٦٤] قَوْل النبِي ﷺ : [(١) "الصَّوْم في الشتَاءِ الغَنِيْمَة البَارِدة" أيْ: السَّهْلَةُ. وَقَالَ بَعْضُهمْ: إنمَا قِيْلَ لَهَُ: الغَنِيْمَةُ البَارِدَةُ؛ لأنْهُ لم يُشهَدْ فِيْهِ (٢) حَرُّ قِتَالٍ. وَقيْلَ: لأن حَرَّةَ (٣) العَطَشِ لَا تَنَالُ

стр. 179

الصَّائِمَ فِيْه. قَالَ الشاعِرُ (١): قَلِيْلَةُ لَحْمِ الناظِرَيْنِ يَزِيْنُهَا ... شَبَابٌ وَمَخْفُوْضٌ مِنَ العَيْشِ بَارِدُ أيْ: نَاعِمٌ سَهْلٌ. [٦٥] وَقَوْلُهُ عِنْدَ سَمَاعِ الأذَانِ: "اللهم رب هَذِه الدّعْوَةِ التامةِ وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمدَاً الوَسِيْلَةَ وَالفَضِيْلَةَ، وَابْعَثهُ المَقَامَ المَحْموْدَ الذي (٢) وَعَدْتَهُ". [٦٦] قَالَ: وَقَالَ [النبِيُّ] (٣)، ﷺ : "مَنْ صَلى عَلَيَّ صَلاَة صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرَاً".

стр. 180

قَالَ [الشَيْخُ] (١) أبو سُلَيْمَانَ: إنما وَصَفَ هَذِهِ الدعْوَةَ بِالتمَامِ لأنهَا ذِكرُ الله [تعالى] (١) يُدْعَا بِهَا إلَى طَاعَةِ الله، وَعِبَادَتِهِ، وَهَذهِ (٢) الأمُورُ هِيَ (٣) التي تَسْتَحِقْ صِفَةَ الكَمَالِ، وَالتمَامِ وَمَا سِوَاهَا مِنْ أمُوْرِ الدنْيَا فَإنهَا بِعَرْضِ النقْضِ وَالفَسَادِ، وَكَانَتْ دَعَوَاتُهُمْ فِي الجَاهِلِيةِ إنما هِيَ دَعْوَى القَبَائِلِ، كقَوْلهم: يا لَبَكْرٍ (٤) ويَا آلَ خِنْدِفَ، أوْ دَعْوَةَ نَعِيٍّ [وَنُدْبَةٍ] (٥)، كقَوْلهِم عِنْدَ مَوْتِ الرجُلِ الشرِيْفِ مِنْهُمْ: يَا نَعَاءِ فُلَانَا، ويا فُلَانَاهُ، أوْ دَعْوَةً إلَى طَعَامٍ وَنَحْوِه. وَكُل هَذِهِ الأمُوْرِ لَا تَخْلُو مِنْ آفَةٍ (٦) أوْ نَقْصٍ يَدْخُلُها، وَدَعْوَةُ الأذَانِ إنما شُرِعَتْ فِي الإسْلَام لإقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ -جل وعز (٧) - فَوَصَفها بالتَّمامِ تَحْرِيْضَاً علَيْهَا، وَتَرْغِيْبَاً فِيْها، وَصَرْفاً لِلْوُجُوْهِ إلَيْهَا. وَالله أعلَمُ. وَنَظيرُ هَذَا [٦٧] قَوْلُهُ ﷺ : "أعُوْذُ بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّاتِ كُلِّهَا مِنْ شرِّ

стр. 181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 182

مَا خَلَقَ، وَذَرَأ، وبرأ" فَوَصَفَهَا بالتَّمامِ؛ إذْ لَا يَجُوْزُ [أنْ يَكُونَ] (١) في شَيْءٍ مِنْ كَلَامِهِ عَيْبٌ، أوْ نَقْصٌ، كَمَا يَكُوْن ذَلِكَ فِي كَلَامِ الآدميين. وَقِيْلَ فِيْهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أن كُل كَلِمَةٍ كَانَتْ عَلَى حَرْفين؛ فَإنهَا عِنْدَهم نَاقِصَة، وَالتامةُ مِنْهَا مَا كَانَ أقَلُّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أحْرُفٍ، وَقَدْ أخْبَرَ الله -سُبْحَانَهُ- أنهُ إذَا أرَادَ أمْرَاً قال له: (كُنْ فَيكوُن) [يس/٨٢]. وَكَلِمَةُ (كُنْ) نَاقِصَةٌ فِي الهِجَاءِ: فَنَفَى ﷺ (٢) - النقْصَ عَنْ كَلِمَاتِ الله قَطْعَاً لِلأوْهَامِ.

стр. 183

نسخة الشيخ: قال أبو سليمان أحمد بن إبراهيم الخطابي ﵀] (١): واعلمْ أن حُكْمَ كَلامِهِ. ْ [(٢) خلافُ حُكْمِ كلامِ بني آدمَ، وإن نَقْصَ الهِجَاءِ [في الكِتابةِ] (٣) لا يسلُبُهُ صفةَ الكمالِ والتمام، وقيل: إن معنى التمامِ فيها أنها تنفعُ المتعوذَ بها، وتشفيهِ، وَتحفظُة [من الآفات] (٤)، وتكفيهِ. وكان أحمد بن حنبل ﵀ يستدلُّ بهِ على أن القرآنَ غيرُ مخلوقٍ، قال (٥): وذلك لأنهُ ما مِنْ مخلوقٍ إلا وفيهِ نقصٌ. وأما الوَسِيْلَةُ: فَقَد [٦٨] رُوِيَ عن النبي ﷺ أنه سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ: "هي درجةٌ

стр. 184

في الجنَّةِ لا يَنالُها عبدٌ غِيْرِي". وقيلَ في "المقام المحمود": إنه الشفاعةُ. وأمَّا قَوْلُهُ [٦٦ مكرر] ﷺ : "مَنْ صلى عليّ صلاةً صلى اللهُ عليهِ عَشْراً" فإن هذهِ فَضِيلةٌ عظيمةٌ، ومرتبة في الاختصاص والاصطفاء جليلة، وهو مشبهٌ في عُرْفِ أهل الدنيا وعاداتهم بالرَّجلِ يكونُ لهُ الحميمُ والصَّديقُ، قَدْ غابَ عنهُ، فيذكُرُهُ بَعْضُ مَنْ يحضرُهُ بالجميلِ مِنَ القولِ فيردُّ عليهِ صاحبهُ جَميلاً، ويُضاعِفُ الثَّناءَ عليهِ مجازاةً لهُ ونيابةً في الشكْر عَنْهُ" (١).

стр. 185

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أخبرنا الشيخُ الحافظُ أبو مُسلمٍ عمرُ بن عليٍّ اللَّيثي البخاري بقراءتي عليه، قلتُ: أخْبَرَكُمْ الشيخُ أبو القاسِمِ عبدُ الوَهَّابِ بن محمدِ بنِ مُحَمدٍ الخطابيُّ قراءةً عليه، قَال: قَالَ أبو سليمانَ الخطابي] (١): [٦٩] [و] (٢) قولُهُ: عندَ دُخُولِ الخَلَاءِ: "اللَّهُمَ إني أعوذُ بِكَ مِنَ الخبثِ والخَبائِثِ"، الخُبُثُ -مضمومةَ الباءِ- جمع الخبيثِ. والخبائث: جمعُ الخبيثةِ، يريدُ: [بِهِ] (٣) ذكرَان (٣) الشياطِين وإنَاثَهُمْ. وعَامَّة أصحابِ الحديثِ يَقُولونَ: الخبثُ -سَاكنَةُ الباءِ- وَضَمُّهَا أصْوَبُ عَلى ما فَسَّرنَاهُ. وَرَوَاة أبو عُبَيْدٍ: "مِنَ الخُبْثِ" -سَاكِنَةَ

стр. 186

الباءِ- وَقَالَ: مَعْنَاهُ ذو الخُبْثِ (١). [٧٠] قَوْلُهُ عنْدَ خُرُوجِهِ (٢) منَ الخَلَاء: "غُفْرَانكَ [رَبَّنَا وَإلَيْكَ المَصِيْرُ] (٣) ". [الغُفْرَانُ: مَصْدَرٌ كالمَغْفِرَةِ، وَنَصَبَهُ على إضْمَارِ الطلَب وَالمسْألَةِ، كَأنهُ يَقُولُ: اللهم إني أسْألكَ غُفْرَانَك. كَمَا يقُولُ: "عفْوَكَ يا رَبُّ وَرَحْمَتَكَ" أيْ: هبْ لِي عفوَك ورحمتَك. والمَعْنَى في تَعْقيبِهِ الخُرُوجَ مِنَ الخَلَاء بِهَذَا الدُّعَاءِ يحتَمِلُ وَجْهين: أحَدُهُما: أنه إنما اسْتَغْفَرَ لِترْكِه ذِكْر اللهِ -سُبْحَانَهُ- مدة لُبْثِهِ عَلَى الخَلَاءِ. وَكَانَ ﷺ : "لا يَهْجُرُ ذِكْرَ اللهِ إلا عِنْدَ الحاجَة والخلَاءِ". فَكَأنَهُ رَأى هجرانَ الذكْرِ في تِلك الحالِ تَقْصِيراً، وعدَّهُ عَلَى نَفْسِهِ ذنْبَاً فَتَدَارَكَهُ بالاسْتِغْفارِ. وَقِيْلَ: مَعْنَاهُ: التوبَة مٍنْ تقْصِيْرِه في شُكْرِ النِّعْمَةِ التي أنْعَمَ بِهَا اللهُ عَلَيه؛ فَأطْعَمَهُ، ثم هضَمَهُ، ثم سَهَّلَ خُروجَ الأذى مِنْهُ؛ فَرأى شُكْرَهُ قاصِرَاً عنْ بُلوغِ حُقُوقِ هذِه النِّعْمَةِ (٤)؛ فَفَزِغ إلَى الاسْتِغْفَارِ] (٥) [مِنْهُ] (٦) وَكَان

стр. 187

الحَسَنُ البَصْرِيُّ يقولُ إذَا بَالَ: "يا لَها نِعْمَةً، تَدْخُل لَذَّةً، وتخرجُ سُرّحَاً". وأخْبَرَنِي أبو محمد الكُرَّانيُّ، قَالَ: حَدثَنَا عبدُ اللهِ بنُ شَبِيْب، قَالَ: حَدَّثَنَا زكرِيّا بُن يَحْيَى المِنْقَرِي، قَالَ: حَدثَنَا الأصمعيُّ، قَال: دَخَلَ ابنُ السمَّاكِ (١) عَلَى هارونَ، فَقَالَ لَهُ: "عِظْني" فَقَالَ: " [يا] (٢) أميرَ المؤمنينَ، أرَأيْتَ (٣) إنْ مُنِعتَ شَرْبَةَ ماءٍ عنَدَ العَطَشِ أكنْتَ تَفْدِيْهَا بِنِصْفِ مُلْكِكَ؟ قَالَ (٤): نَعَمْ، فَقَالَ: أرأيتَ إنْ مُنِعْتَ خُرُوجَهَا عندَ الحاجَةِ، أكُنْتَ تَفْديهِ (٥) بالشَّطْرِ الآخَرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فما فرحُكَ بِشيءٍ قيمتُهُ شَرْبةٌ وبولةٌ (٦)؟! ". [٧١] [و] (٧) قولُهُ: عندَ الفَراغ مِنْ وضوئهِ: "سبحانَكَ اللهم

стр. 188

وبحمدِكَ". قَالَ النَّحوُّيون: "سُبْحَانَ" مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلك: سَبَّحْتُ الله تَسْبِيحَاً وَسُبْحَانَاً، أيْ: نَزَّهْتُهُ تَنْزِيْهَاً وَ [بَرأتُهُ] (١) تَبْرِئَةً. وَمِنْهُ قَوْلُ الأعْشَى (٢): أقولُ لَما جَاءَنِي فَخْرُهُ ... سُبْحانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ يُرِيدُ: التَعَجُّبَ (٣) مِنْ فَخْرِهِ، والتبرُّؤَ. مِنْهُ. وَيُقَالُ: إن التسْبِيحَ مأخُوذ مِنْ قَوْلكَ: سَبَحَ الرَّجُلُ في الأرْضِ، إذَا: ذهب فِيْهَا. وَمِنْهُ قِيْلَ للفَرَسِ -إذَا كَان جيّد الرَّكْضِ-: سابحٌ. وأما دُخُولُ الوَاوِ في قَوْله: "وَبِحَمْدِكَ" (٤) فَإن الحَسَنَ بنَ خَلاَّدٍ أخْبَرَنِي، قَالَ: سَألْتُ عَنْهُ الزَّجَّاجَ؛ فَقَالَ: سَألْتُ عَما سَألْتَنيِ [عَنْهُ] (٥) أبَا العَباسِ، مُحَمَّدَ بنَ يَزِيدَ، فَقَالَ: سَألْتُ أبَا عُثمان المازِنيَّ عَما سَألْتَني [عَنْهُ] (٥)، فَقَالَ: المَعْنَى: سَبَّحْتُكَ اللهم بِجَمِيع

стр. 189

آلائِكَ، وَبِحَمْدكَ سَبَّحْتُكَ قالَ: وَمَعْنَى سُبْحَانَك: سَبَّحْتُك. قَال أبو سُلَيْمانَ يُرِيدُ بِقَوْلِه: "وَبِحَمْدِكَ سَبَّحْتُكَ" أي: وَبِمَعُونَتِكَ التي هِيَ نِعْمَةٌ تُوجبُ عليَّ حَمْدَاً (١) سَبَّحْتُك، لَا بحَولِي وَقُوَّتِي. وَسَمِعْتُ أبَا عُمَرَ (٢) يَقُولُ: سُئِلَ أبُو العَباسِ أحْمَدُ بنُ يَحْيىَ عَنْ قوْلِهِ: "وَبِحَمْدِكَ" فَقَالَ: أرادَ: "سَبَّحْتُكَ بِحَمْدِكَ" كَأنَّهُ يَذْهَبُ إلَى أنَّ الوَاوَ صِلَةٌ. [٧٢] [وَ] (٣) قوْلُهُ: "اللهم اجْعَلْ فِي قَلْبي نُوْرَاً وَاجْعَلْ في لِسَانِي نُورَاً واجْعَلْ فِي سَمْعِي نُوْرَاً، واجْعَلْ فِي بَصَرِي نُوْرَاً، واجْعَلْ [مِن] (٤) خَلْفِي نُوْرَا، ومِنْ أمَامِي نُوْرَا، واجْعلْ مِن فَوْقِي نُوْراً، وَمنْ تَحْتي نُوْرَاً". معنى النُّورِ في هَذا: ضِيَاءُ الحَق وَبَيَانُهُ، كَأنهُ يَقُولُ: اللهم اسْتَعْملْ هذِهِ الأعْضَاء مني في الحَقِّ، واجْعَلْ تَصَرُّفِي وَتَقَلُّبِي فِي هذه

стр. 190

الجِهَاتِ على سَبِيْلِ الحَقِّ. وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلهِ بَعْدَ رَكعَتَيْ السُّنةِ (١): [٧٣] "اللهم اجْعَلْ نُوْرَا في قَلْبِي، وَنُوْرَا فِي سَمْعِي، وَنُوْرَاً

стр. 191

فِي بَصَرِي، وَنُوْرَاً في شَعْري، وَنوْرَاً في بَشَرِي، وَنُوْرَاً فِي لَحْمِي، وَنُوْرَاً فِي دمِي، وَنُوْرَاً فِي عِظَامِي". وَإنما ذَلِكَ لأن القَلْبَ أميرُ البَدَنِ، وَهُوَ الذِي يَسْتَعْمِلُ سَائِرَ الأعْضَاءِ، وَهِيَ (١) عَلَى إرَادَتِهِ تَتَصَرَّفُ، فَإذَا استَنَارَ القَلْبُ انْبَثَّ نُورُهُ فِي سَائِرِ البَدَنِ (٢)، وَفَاضَ عَلَى جَميعِ أجْزَائِهِ. وَقَدْ يَكُونُ أيْضَاً مَعْنَى النورِ: فِي اللَّحْمِ، والدَّمِ، والعِظَامِ، والشعْرِ، والبَشَرِ مُنْصَرِفَاً إلى القُوتِ الذِي بِهِ يَغْتَذِي البَدَنُ وَمِنْه تَسْتَمِدُّ هذِهِ الأعْضَاءُ (٣) قُوَاهَا. سَألَ الله بِأنْ (٤)

стр. 192

يجعَلَ رِزْقَهُ طَيِّبَاً، فَإن أكْلَ الحَلَالِ يَصلُحُ عَلَيْهِ القَلْبُ وَتَحْسُنُ مَعَهُ الأخْلَاقُ، وَأكْلُ الحَرَام يَفْسُدُ عَلَيْهِ القَلْبُ وَتَخْبُثُ مَعَهُ الأخْلَاقُ. وَقَدْ ضَرَبَ اللُهُ -سُبْحَانَهُ- مَثلَ الحَق والبَاطِلِ بالنورِ والظُّلُمَاتِ، كَقَوْلهِ -سُبْحَانَهُ (١) -: (اللهُ وليُّ الذينَ آمَنُوا يخرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النورِ والذِينَ كَفَرُوا أوْليَاؤُهُمُ الطاغُوتُ يُخْرِجُونَهمْ مِنَ النورِ إلى الظُّلمَاتِ) [البقرة/٢٥٧] وذلك أن أمْرَ الضلاَلَةِ (٢) والبَاطِلِ مُظْلِمٌ غيرُ بَيّن، وَأمْرُ [الهُدَى و] (٣) الحَق بيّن واضِحٌ كبيانِ النورِ. [٧٤] [و] (٤) قوله: [ ﷺ ] (٥): "أسْالكَ يا قاضِيَ الأمورِ ويا شَافِيَ الصُّدورِ كَما تُجيرُ بين البحورِ أنْ تُجيرني من عذابِ السَّعيرِ وَمِنْ دَعْوَةِ الثُّبورِ و [من] (٦) فِتْنَةِ القُبورِ". أصلُ الثبورِ: الهلاكُ، [يقال] (٦): ثُبِرَ الرجلُ فهو مثبورٌ، إذا: أصابَهُ الهلاكُ. ومن هذا [قولُ الله تعالى] (٧): (وإني أَظُنُّكَ

стр. 193

يا فرعونُ مثبوراً) [الإسراء/ ١٠٢] أيْ: [أظنك] (١) مُهْلَكاً. وقالَ الفرَّاءُ في قولهِ: "مَثْبُوْرَاً" أيْ: ملعوناً ممنوعاً من الخير. يُقَالُ: مَا ثَبَرَكَ عنْ هذا الأمرِ؟ أيْ: مَا مَنَعَكَ [منه] (٢) ومَا صَدَّك عنه؟ ودعوةُ الثُّبورِ: دعوةُ أهلِ النارِ، يدعونَ عَلَى أنْفُسِهِمْ بالهَلَاكِ وبالموتِ (٣)، ليتخلَّصُوا مِنَ العذابِ. باللهِ نَستَعِيذُ مِنْ عَذَابِهِ وسَخَطِهِ. وفتنةُ القبورِ؛ مَعْنَاهَا: مسألةُ القَبْرِ، [٧٥] [و] (٤) رويَ عن النبِي ﷺ أنهُ ذَكَرَ فتنةَ القبرِ فَقَالَ: "بي تُفْتَنُونَ وَعَني تُسْألونَ" يريد قولَ الملكِ: "مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَنْ نَبيُّكَ؟ " ومعنى الفتنةِ: الامتحانُ. وأخْبَرَنِي أبو عُمَرَ عن أبي العبَّاسِ، قَالَ: أصلُ الفِتْنَة مِنْ قَوْلكَ: فتنت الذَّهبَ، إذَا أدْخَلْتَهُ [في] (٥) النارِ؛ تَمتحِنُهُ؛ لتعرفَ جيِّدَهُ مِنْ رَدِيئهِ.

стр. 194

[٧٦] [و] (١) قولُهُ: "اللهم اجعَلْنَا هُداة مُهْتَدِينَ غير ضَاليْنَ وَلَا مُضلِّينَ، حَرْبَاً لأعْدَائِكَ، سِلْماً لأوْليَائِكَ". الحرب: المحارب. والسِلم: المُساِلمُ، أُقيمَ الاسمُ فيهِ مقامَ الفِعلِ. يقالُ: رجلٌ حربٌ وقومٌ حربٌ، ورجلٌ سلمٌ، وقومٌ سِلمٌ الواحدُ والجمعُ فيه سواءٌ ومثلهُ رَجُلٌ عدوٌّ، وقومٌ عدو، كقولهِ [تَعَالى]: (وَهُمْ لَكُمْ عدو) [الكهف/ ٥٠] ويُقَالُ: هُوَ لَكَ صَدِيْقٌ، وَهُمْ صَدِيْقٌ. وَحَكَى أبو حاتِم: أنَّ عَجُوْزَاً مِن الأعْراب أقْبَلَتْ مِنَ السُّوقِ، وكانَ الطريقُ غاصَّاً بأصْحابِ أبي زَيْدٍ النحويِّ فَقَالَت (٢): تَنَحَّ للعَجُوزِ عَنْ طَرِيْقِهَا إذْ أقْبَلَتْ جَاثِيَة مِنْ سُوْقِهَا دَعْهَا فَمَا النَّحويُّ مِنْ صَدِيْقِها تريدُ: مِنْ أصدقَائِهَا. [٧٧] [و] (٣) قوله: "اللهم ذَا الحبل الشديد، والأمر الرشيد،

стр. 195

أسألكَ الأمن يوم الوعيد، والجنة يوم الخلود" الحبل: السبب الذي يتمسك به، والحبل: العهد؛ ومنه قوله [تعالى] (١): (واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَميْعَاً) [آل عمران/١٠٣] قَالَ الأعْشَى (٢): وإذَا تُجَوِّزُها حبالُ (٣) قَبيلةٍ ... أخَذَتْ من الأخْرَى إلَيْكَ حِبَالَهَا وقيلَ: حبلُ اللهِ: القرآنُ. وفيهِ عهدُهُ، وأمرُهُ، ونهيُهُ. ووصفَ الحبلَ بالشدةِ لأن من تعلَّقَ بِهِ أمِنَ انبِتَاتَهُ وانقِطَاعَهُ. [٧٨] [و] (٤) قولُهُ: "سُبْحَانَ مَن (٥) تعطفَ العِزَّ وقالَ بهِ، سُبْحانَ الذِي لَبسَ المجدَ وتكرَّمَ بهِ". تَعَطَّفَ مَأخُوذ مِنَ العِطافِ، وهوَ الرِّدَاءُ. وإنما هُوَ مَثَلٌ كَما جاءَ: "أن الكبرياءَ رداءُ الله" (٦) ومعناهُ: الاختصاص بالعزِّ والاتصافُ بهِ لا يفارقُهُ بمنزلةِ الرِّدَاءِ للابِسِهِ الذي اتَّخذَهُ زينة ولباساً، لا يَضَعُهُ ولا يُفَارِقُهُ. ومعنى "قالَ بِهِ": حَكَمَ بِهِ فينفذُ حكمُهُ، ولا يُرَدُّ أمرُهُ. يقالُ مِنْهُ: قَالَ الرجل، واقتالَ، إذَا: تَحَكَّمَ فمضَى حُكْمُهُ، ومِنْهُ سُمِّي "القَيْلُ" وهوَ المَلِكُ. وأنشَدَ أبو العبَّاسِ عن ابن الأعرابي (٧):

стр. 196

نحنُ ضَربْنَاهُ عَلَى نِطابِهِ ... قُلْنَا بِهِ قُلْنَا بِهِ قُلْنَا بِهِ قال أبو العباس: مَعْنَاهُ: حَكَمْنَا بِهِ. وقال علقمة بن عبدة (١): فَلَوْ أن مَيْتَاً يُفتدَى لفَدَيْتهُ (٢) ... بِمَا اقْتَالَ مِنْ حُكْمٍ عَلَيَّ طبيبُ

стр. 197

وقوله: "لَبِس المجدَ" مثله (١)، والقولُ فيه كَما قَلنا في "تعطَّف" سواءٌ. [٧٩] [و] (٢) قوله: "والخيرُ كُلُّهُ في يَدِكَ والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ"

стр. 198

معنى هذا الكلام الإرشادُ إلى استعمال الأدب في الثناء على الله تعالى (١) والمدحِ لهُ بأنْ تضافَ إليهِ محاسِنُ الأمُورِ (٢) دوْنَ مساوِئهَا ولم يَقَعِ القَصْدُ إلَى إثْبَاتِ شيْءٍ وإدخالهِ له (٣) تحتَ قُدْرَتِهِ ونفي ضدِّهِ عَنْهَا، فإنَّ الخيرَ والشرَّ صادرانِ عَنْ خَلْقِهِ (٤)، وقدرَتهِ، لا موجدَ لشيءٍ منَ الخَلْقِ غَيْرُهُ. وَقَد تُضَافُ محاسنُ الأمورِ ومحامدُ الأفعالِ إلى الله تعالى (٥) عند الثناءِ عليهِ دونَ مساوِئهَا ومذامِّهَا كقولِهِ [تَعالى] (٦): (وإذا مَرِضْتُ فَهُو يَشْفِيْن) [الشعراء/ ٨٠] [وكقوله تعالى] (٧): (وَقَدْ أحسَن بي إذْ أخْرَجَني مِنَ السِّجنِ) [يوسف/١٠٠] ولم يُضِفْ سببَ وقوعِهِ في السِّجن إليهِ. وكما تضافُ مَعَاظِمُ الخليقَةِ إِليهِ عندَ الثَّناءِ والدُّعاءِ فيُقَالُ: "يا رب السمواتِ والأرضِين" كما يُقالُ: "يا رب الأنبياءِ والمرسلين" ولا يَحْسُنُ أن يقال: يا ربّ الكلاب، ويا ربَّ القِرَدةِ والخنازيرِ، ونحوها مِن سَفَلِ الحيوانِ، وحشراتِ الأرْضِ، وإنْ كانتْ إضافةُ جميعِ المكوَّناتِ إليهِ من جِهَةِ الخلقِ (٨) لَهَا، والقدرَةِ عَلَيْها شامِلَة لجميعِ أصْنافِهَا. وسُئِلَ الخَليْلُ عَنْ قَوْلهِ: "والشَّرُّ ليْسَ إلَيْكَ" فقالَ: معناهُ:

стр. 199

ليسَ مما يُتَقَرّبُ بهِ إليكَ؛ كَأنهُ يذهبُ إلى مثلِ قَوْلِ القائِلِ لِرَئيسِهِ: أنَا منكَ وإليكَ، أيْ: عِدادي مِنْكَ (١)، ومَيْلي وانْقِطَاعِي إِلَيكَ، في نحوِ هذا مِنَ الكَلامِ. [٨٠] (٢) [و] (٣) قولهُ [ ﷺ ] (٤) في الركوع [والسجودِ] (٤): "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَب الملائِكَةِ والرُّوحِ". السُّبُّوحُ: المُنَزهُ عنْ كُل عَيْب. [جاءَ] (٥) بِلَفْظِ: فُعُّول مِنْ قولكَ: سبَّحتُ اللهَ؛ أيْ: نَزهْتُهُ. وَقَدْ [٨١] رُوِيَ عَن النبي ﷺ : أنّهُ سُئِلَ عن تَفْسِير قَوْلهِ: "سُبْحانَ اللهِ" فقال: "إنْكافُ الله منْ كُل سوءٍ"؛ أيْ: تنزيهُهُ. والقُدُّوسُ: قَدْ فَسَّرْنَاهُ في الأسْماءِ. والرُّوح: فيه قولان: أحدُهُما: أنه جبريلُ -صلواتُ الله عليهِ (٦) - خُصَّ بالذِّكر

стр. 200

تفضيلاً لهُ على سائرِ الملائِكةِ، ويُقالُ: إن الرُّوح خلْق منَ المَلاِئكةِ يُشَبَّهونَ في الصُّوَر بالإنسِ وليسوا بإنس (١). [٨٢] [و] (٢) قولُهُ: "سَمِعَ الله لمنْ حَمدَهُ، اللهمّ رَبَّنَا لك (٣) الحمدُ ملءَ اِلسمواتِ وَمِلْء الأرضِ. وملءَ ما شئتَ منْ شَيْءٍ بَعْدَهُ". قَدْ يَحتَمِلُ أن يكونَ قَوْلُهُ: "سَمِعَ الله لمن حمده" دعاءً منَ الإمامِ للمأمُومِين لأنهم يقولونَ: "ربَّنا لكَ الحمدُ" (٤) وهذا عَلَى مَذْهَبِ من يقولُ: إن المأمومَ لا يقولُ: "سَمِعَ الله لمن حمِدَهُ" وعلى مذهبِ أكثر العلماءِ يجمعُ الإمامُ والمأمومُ بْين الكَلِمتينِ فَتَشيْعُ الدَّعْوَةُ من كُلٍّ من الطائِفتينِ لِنَفْسِهِ، ولأصْحابِهِ. ومعنى سَمِعَ: استجابَ. فأمَّا (٥) قولُهُ: "مِلءَ السمواتِ وملءَ الأرضِ" فإن هذا كلامُ تمثيلٍ وتقريب، والكلامُ لا يُقَدَّرُ بالمكاييلِ ولا تُحشَى بِهِ الظروفُ، ولا تسعُهُ الأوْعِيَةُ وإنما المرادُ بِهِ (٦) تكثير العددِ. حتى لو يُقَدَّرُ أنْ تكونَ تِلْكَ الكلماتُ أجساماً تملأُ الأماكنَ لَبَلَغَتْ منْ كَثْرَتِهَا ما يملأُ (٧) السمواتِ والأرضينَ.

стр. 201

وَقَدْ يحتملُ أيْضَاً (١) أنْ يكونَ المرادُ بِهِ (٢) أجرُها وثوابُها. ويحتملُ أنْ يرادَ بهِ التعظيمُ لها والتفخيمُ لِشَأنِهَا؛ كَمَا يقولُ القائلُ: تكلَّمَ فلان اليومَ بكلمةٍ كأنها جبلٌ، وحلفَ بيمينٍ كالسمواتِ والأرضين؛ وكَما يُقالُ: هذه كلمةٌ تملأُ طِباقَ الأرضِ، أيْ: أنها تسيرُ وتنتشرُ في الأرضِ، كما قَالُوا كلمة تملأُ الفَمَ وتملأ السَّمْعَ، ونحوَها من الكَلَام. والمِلءُ -بكسر الميم- الاسم. والمَلء: المصدرُ من قولكَ ملأتُ (٣) الإِناءَ مَلْئَاً. [٨٣] [و] قولُهُ: "وأعوذ بكَ مِنْ فتنةِ المسيحِ الدّجَّالِ" عوامِ الناس يولَعُونَ -بكسر الميم- من المَسيْح، وتثقيل السين -لِيَكون ذلِكَ عندَهُم فَرقَاً بينَ عِيسى [﵇] (٤) وبينَ مَسِيْحِ الضَّلاَلَةِ (٣). والاختيارُ في كل واحدٍ [منهما: فتحُ الميم] (٥) وتخفيفُ السين. وإنما سُمِّيَ الدَّجَالُ مَسِيْحاً لأنَهُ مَمْسُوحُ (٣) إِحدَى العَيْنين. وَسُمِّيَ عيسى -[صلواتُ الله عليه] (٦) - مَسِيْحاً لأنهُ [كان] (٧) إذا مَسَحَ ذَا عَاهَةٍ بَرَأ. فَهُوَ في نعْتِ عِيْسى [﵇] (٧) فَعيلٌ

стр. 202

بمعنى فاعلٍ. وفي نَعْتِ الدَّجَّالِ فعيلٌ بمعنى مفعولٍ. [٨٤] [و] (١) قَوْلُهُ: "اللهم أنتَ السَّلامُ" إِلى قَوْلهِ: "وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجدُّ". قَدْ (٢) فَسَّرْنَا السَّلامَ [في الأسماء] (١)، وَذَكَرْنَا أن مَعْنَاهُ: ذو السلامِ. وَأشْبَعْنَا بَيَانَهُ هُناكَ (٣) فَأغْنى ذلك عنِ إِعادتِهِ. وَأما قولُهُ: "وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ"، فَإن الجَدَّ يُفسَّرُ عَلَى وَجْهين، أحَدُهُما: الغِنَى، وَمِنْهُ [٨٥] قَوْلُهُ ﷺ في الفُقَرَاءِ: "أنَهم يَدْخُلونَ الجَنَّةَ وَإذَا

стр. 203

أصْحابُ الجَدِّ محبُوسُونَ" يريدُ أن أصحابَ الأموالِ محبوسُوْنَ لِلمُحَاسَبَةِ. والجدّ (١) أيضاً بمعنى البَخْتِ، يُقالُ: لِفُلانٍ جَدٌّ في هَذا الأمرِ، أيْ: حظٌّ. يَقُولُ: إن المالَ والغِنَى والبَخْتَ لا يَنْفَعُ أحَدَاً إنما النفْعُ والضرُّ من قِبَلِ الله -سبحانَهُ-. وأما قولُ الله -جل وعز-: (وأنهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا) [الجن/٣]، فَمَعْنَاهُ: الجَلالُ والعَظَمَةُ. وقَوْلُهُ: "مِنْكَ الجَدُّ" مِنْ -هَا هُنَا- بمَعْنَى البدلِ، كَقَوْلهِ : (وَلَو نَشَاءُ لَجَعْلَنَا منكُمْ مَلَائِكَة في الأرضِ يَخلُفُونَ) [الزخرف/ ٦٠] أيْ: بدلَكُمْ. [٨٦] [و] (٢) قوله: "أعُوذُ بِرِضَاكَ منْ سَخَطِكَ، وأعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ نِقْمَتِكَ (٣)، وأعُوذُ بِكَ مِنْكَ".

стр. 204

قلتُ (١): الرِّضَى: ضدُّ السّخْطِ، والنقْمَةُ: ضِدُّ العَفْو. فلِذَلِكَ قابلَ الضد بالضدِّ [في موضِع اللغة] (٢)، فَلَما انتهى إلى ذكرِ ما لا ضِدَّ لَهُ وَلَا نِدَّ -سبحانَهُ- أظْهَرَ العَجْزَ. والانْقِطاعَ، وفَزِعَ منهُ إليهِ، واستعاذَ بهِ مِنْهُ، واسْتَجَارَ بفَضْلِهِ مِنْ عَدْلِهِ. وفيهِ دَلِيْلٌ عَلَى أن النفْعَ والضُرَّ والَخْيرَ والشر مصدَرُهُما جَميْعا مِنْ قِبَل الله . [٨٧] [و] (٣) قوله: "سبحانَ اللهِ عَدَدَ خلقِهِ، ورِضَى نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، ومدادَ كلماتِهِ" المداد: مصدر كالمدد، يقالُ: مددْتُ الشيءَ أمدّهُ مَدَدَاً ومِدَادَاً قال الشاعر (٤): رَأوْا بارقاتٍ بالأكفّ كأنها ... مَصَابِيْحُ سُرْجٍ أُوقدتْ بمدادِ أيْ: بِزَيْتٍ يَمُدُّها. وَرَوَى سَلَمَةُ عن الفَرّاءِ، قَالَ: قَالَ الحارثي: يَجْمَعُونَ المُدَّ: مِدادَاً. وأنشدني (٥):

стр. 205

مَايَرْنَ في البحرِ بخير سِعْرِ ... وخير مُدٍّ من مِدادِ البحرِ فعَلى هذا يكونُ معناهُ المِكْيَالُ، والمعيارُ. وَكَلِمات الله -سُبْحَانَهُ- لا ينتهي إلى أمدٍ، ولا تُحَدُّ، ولا تُحصَى بعَدَدٍ، ولكنهُ ضَرَبَ بهما (١) المثلَ ليدلَّ على الكثرةِ والوُفُورِ، ونَصَبَ "العَدَدَ، والمِدادَ" على المصْدَرِ. و"زنةُ العرشِ": ثِقْلُهُ ورَزَانَتُهُ. والعَرْشُ: خلْقٌ عظيمٌ للهِ (٢) - لا يَعْلَمُ قَدرَ عِظَمِهِ ورزانَةَ ثِقْلِهِ أحدٌ غيرُ اللهِ -[سبحانَهُ] (٣) - وهو مَخُلوقٌ، ومحدودٌ؛ ألا تَرَاهُ يقولُ: (وتَرى الملائِكَةَ حافينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ)؟ [الزمر/٧٥] وهوَ محمولٌ عَلَى كواهِلِ الملائكَةِ، واللهُ -سُبحانَهُ- حامِلٌ حملتَهُ، لا حاجةَ بِهِ إلى العَرْش، وَلَيْسَ بِمكانٍ لَهُ، ولا هُوَ مُتَمَكَنٌ فيهِ وَلَا مُعْتَمِدٌ عليهِ لأن هَذَا كلهُ من صفاتِ الحدَثِ (٤)، لكنهُ بائِنٌ منْهُ ومنْ جميع خلْقِهِ، وإنما جاءَ في التنْزِيلِ: (الرحْمنُ على العَرْشِ اسْتَوى) [طه/٥] فنحنُ نؤمنُ بما أُنزِلَ، ونقولُ كما قالَ، وَلَا نُكيِّفُهُ، ولا نَحُدُّهُ، وَلا نَتَأوَّلُهُ. كما فَعَلَهُ نُفَاةُ الصِّفَاتِ، وَهَذا بابٌ من العلمِ الذِي يَجبُ عَلَيْنَا الإيمانُ بِظَاهِرِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَنَا الكَشْفُ عنْ باطِنِه. [٨٨] [و] (٥) قَوْلُهُ: [ ﷺ ] (٦): "أفْضَلُ الكَلَامِ أربعٌ هُنَّ مِنَ

стр. 206

القرْآنِ وَلَسْنَ (١) بِقُرآنٍ "سبحانَ الله" و "الحمدُ لله" و "لَا إله إلا اللهُ" و "اللهُ أكبَرُ". يريد بِقَوْلهِ: "هُنَّ مِن القرآنِ" أن (٢) هذهِ الكلماتِ موجودةٌ في القرآنِ وَلَيْسَتْ بقُرآنٍ مِنْ جِهَةِ النظْمِ، فيكونَ آية متلوَّةً. [وهذا يدل على أن إعجازَ القرآنِ إنما هوَ في لفظِهِ ونظمِهِ مَعَاً لَا في لفظِهِ فحسب] (٣). [٨٩] [و] (٤) قوله: "لَا حَوْلَ وَلَا قوةَ إلاَّ باللهِ كَنْزٌ من كُنُوزِ الجَنةِ". معنى الكَنْزِ في هذا: الأجْرُ الذي يحوزُهُ (٥) قائِلُهُ، والثَّوابُ الذِي يُدَّخَرُ لَهُ (٦) ومعنى كَلِمَةِ "لا حَوْلَ وَلَا قوةَ إلا بالله" إظهارُ

стр. 207

الفَقْرِ إلى الله -جَل وَعز- وَطَلَبُ المَعُونَةِ مِنْهُ عَلَى كُلّ مَا يُزاوِلُهُ مِنَ الأمُورِ، وَهُوَ حَقِيْقَةُ العُبُودِيَّةِ. وَقَالَ ابنُ الأنبارِي: الحَوْلُ مَعْنَاهُ في كَلَام العَرَبِ: الحِيْلَةُ، يُقَالُ: ما للرجُلِ حَوْلٌ، وَمَالَهُ، احْتِيَالٌ، وَمَالَهُ مَحَالَةٌ، وَمَالَهُ مِحَالٌ؛ بمعنى واحد. يريد: أنهُ لا حيلَة لَهُ في دفِعِ شرٍّ، ولا قوَّةَ لَهُ في درْكِ خير إلا باللهِ، ومعناهُ: التَّبَرُّؤُ من حَوْلِ نفْسِهِ وَقُوتهِ، والانْقِطَاع إلى الله [ ] (١) في جميعِ الأمورِ. وقالَ أبو الهَيْثَم الرَّازِي قولُهُ: "لا حَوْلَ" أصلُه من حَال الشيءُ إذَا تَحَرك، يقولُ: لا حَرَكَةَ ولا اسْتِطَاعَةَ إلا بالله. وَقَدْ رُوِيَ عن ابن مَسْعُودٍ أنهُ قالَ في تَفْسِيْرِهِ: "لَا حَوْلَ عنْ مَعْصِيَةِ الله إلا بِعِصْمَةِ اللهِ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ الله إلا بِعَوْنِ اللهِ". قال أبو سليمانَ: وهذا (٢) أحسنُ ما جاءَ فِيْهِ. [٩٠] [و] (٣) قوله: "أسألك النعيم يوم العيلة، والأمن يوم

стр. 208

الخوف"، العَيْلة: الفقر، يقال منه: عال الرجل يعيل عَيْلَة، إذا: "افتقر، وعال يَعُول، إذا: جارَ. وأعَالَ يُعيلُ [إعالة] (١)، إذا: كَثُرَ عِيَالُهُ. [٩١] [و] (١) قوله: "اللهم عَائِذٌ بِكَ مِن شَرِّ مَا أعْطَيْتَنَا وَمِنْ (٢) شرِّ مَا مَنَعْتَنَا". قالَ أبو سليمانَ: من رَواهُ "عائذٌ" بضمِّ الذالِ -كان معناهُ: أنا عائذ بكَ (٣)، وأضْمَرَ (٣) الاسمَ. ومن رواه: "عائذاً بكَ" -مفتوحة الذال- كانَ معناهُ: المصدَرَ. كأنهُ يقولُ: "أعوذُ بكَ عِيَاذَاً" وقَدْ جاءَ مِنَ المصادرِ على وزْنِ فاعلٍ "العافِيَةُ" وفَلَجَ الرجلُ "فالِجَاً" وما بَالَيْتُ بِهِ "بَالِيَةً وبالَةً". [٩٢] [و] (١) قَوْلُهُ: "ألحِقْنَا بالصّالِحينَ غَير خَزَايَا ولَا مفتُونْينَ"

стр. 209

خزايا: جمعُ خَزْيَانَ. [و] (١) أصلُ الخِزْي [الذلُ] (٢) الذِي يُسْتَحْيَا مِن مِثلِهِ لِمَا يُخافُ مِنَ الفَضِيْحَةِ [فِيهِ. يُقَالُ] (٣): خَزِيَ الرجُلُ يخزَى خَزيَاً، إذَا: هَانَ وذَلَّ. وخَزِيَ خِزَايَةً، إذَا: اسْتَحْيَا. [٩٣] [و] (٤) قوله: "اللهم أعِنِّي ولا تُعِنْ عَلَيَّ، وامْكرْ لي وَلَا تَمْكُرْ عليَّ" معناهُ: أن يُنفِذَ مكرَهُ وحِيْلَتَهُ في عَدُوِّهِ، وَلَا يَنفَذُ مَكْرُ عدوِّهِ وحِيلتُهُ فِيه. وقد يكونُ معنى المَكْرِ: الاسْتدرَاجُ في الطَاعَاتِ؛ فَيُتَوَهَّمُ أنها مَقْبُولَة مِنْهُ وهيَ مَرْدُوْدَةٌ عَلَيْهِ، ويحسَبُ أنهُ مُحسن وهوَ مُسيءٌ. كَقَوْلهِ -سبحانَهُ-: (وهُمْ يَحْسبُونَ أنهم يُحْسِنُونَ صُنْعَاً) [الكهف/١٠٤] [وكقوله -تعالى-] (٥): (وَبَدَا لَهُم مِنَ الله ما لَم يَكُونوا يَحْتَسِبُونَ) [الزمر/٤٧].

стр. 210

[٩٤] ورُوِيَ عن النبي ﷺ : "أنَّهُ (١) قالَ: "إِذَا رَأيْتَ الله يُعطي العَبْدَ ما يُحبُ، وهوَ مُقيمٌ عَلَى مَعاصِيهِ، فإِنَّما ذَلِكَ مِنْهُ اسْتدرَاجٌ"، ثُمّ تَرْجَم بهذِه الآيةِ: (فَلَما نَسُوا مَا ذُكَرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أوتُوا أخَذْنَاهُم بَغْتَة فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [الأنعام/ ٤٤]. حَدَّثَنَاهُ ابنُ الأعْرابِي، قَالَ: أنْبَأنا أبو إسماعِيْلَ الترمِذِي (٢)، قَالَ: أنبأنا أبو صالح [هو] (٣) كاتبُ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثنِي حَرْمَلَةُ بنُ عِمْرانَ عَنْ [عقبة] (٤) بن مُسْلم عن عُقْبَةَ بن عامِرٍ عن النبي ﷺ . [٩٥] [و] (٥) قولُهُ: "رَبَ اجْعَلْنِي [لك] (٦) شَكّارَاً، لَك

стр. 211

ذَكَّارَا، مخبِتَاً لَكَ أوَّاهَاً، رب تَقَبَّلْ تَوْبَتي، واغْسِلْ حَوْبَتي، واسْلُلْ سَخِيْمَةَ قَلْبِي". المخبتُ: الخاشع، ويقالُ: المخلصُ في خُشوعِهِ. والأوَّاه: الموقِنُ. ويُقَالُ: البَكاءُ. ورُوِيَ في قَوْلِهِ -[سبحانَه] (١) -: (إن إبراهيمَ لَحَلِيْمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ) [هود/٧٥]: أنه كانَ إما ذَكَرَ النارَ [ضَجّ وتأوّهَ] (٢). والحَوبةُ: كُل ما يُتَحوَّبُ مِنْهُ، أيْ: يُتَحَرَّجُ مِنْ فِعْلِهِ؛ والاسمُ مِنْهُ (٣): الحُوبُ والحابُ، يقالُ: حابَ الرجُلُ يحوبُ، قالَ الشاعرُ: وإنَّ مُهَاجِرَيْنِ تكنَّفاهُ ... غَداةَ ئِذٍ لَقَدْ ظَلَمَا وَحَابَا (٤) والسَّخِيْمَةُ: غِلُّ القلبِ ونَغَلُهُ. [٩٦] [و] (٥) قولُهُ: (اللهم عافِنِي في سَمْعِي وَبَصَرِي مَا

стр. 212

أبْقَيْتَني، واجعلهُ الوارثَ مِنِّي" مَعْنَى الوارِثِ -هَا هُنا- الباقِي، وحقيقَةُ الوارِثِ أنَّهُ هو (١) الذِي يَرثُ مُلْكَ الماضِي. سأل اللهَ أنْ يُبْقِيَ لَهُ قوةَ هاتَين الحاسَّتَيْن إِذَا أَدْرَكَهُ الكِبَرُ، وَضَعُفَ مِنْهُ سائِرُ القُوى؛ لِيَكُونَا وارِثَي سائِرَ الأعْضَاءِ والباقِيَين بَعْدَهَا. وقِيْلَ: إنَهُ (٢) دَعَا بِذَلِكَ لِلأعْقَابِ والأوْلَادِ (٣). وَقَوْلُهُ: "واجْعَلْهُ الوَارِثَ مِني" بلفظ الواحد، وَقَدْ ذَكَرَ قَبْلَهُ السَّمْعَ والبَصَرَ، وَهُمَا اثْنَانِ؛ فَإِنَهُ رَدَّ الفِعْلَ إِلَى واحدٍ منْهُما كَقَوْلِ الشَّاعِرِ (٤): إنَّ شَرْخَ الشَّبَاب] (٥) والشَّعَرَ الأسْـ ... ـوَدَ مَا لَمْ يُعَاصَ كانَ جُنُونَا وَلَم يَقُلْ: مَا لَمْ يُعَاصَيَا؛ لأنَهُ أرَادَ: مَا لَم يُعَاصَ كُلُّ واحِدٍ منهُما. وَفِيْهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أن كُلَّ شَيْئَيْن تقارَبَا في مَعْنَيَيْهِمَا، فَإن الدّلَالَةَ عَلَى أحَدهِمَا دِلَالة عَلَى الآخَرِ (٦). [٩٧] [و] (٧) قَوْلُه: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَألْحقْنِي بِالرَّفِيْقِ الأعْلَى".

стр. 213

الرَّفِيْقُ: الخَلِيْطُ المُرْفِقُ، فَعِيْلٌ بِمَعْنَى مُفْعِلٍ. كَقَوْلهم: ألِيْمٌ بِمَعْنَى مُؤْلم، يُقَالُ لِلْوَاحِدِ وَللجَمَاعَةِ: رَفِيْقٌ. كَما يُقَالُ (١) لِلْوَاحِدِ وللجَمَاعَةِ (٢): صَدِيْقٌ. يُرِيْدُ المَلَائِكَةَ المُقَربينَ، وَهُمْ المَلأ الأعْلَى. كَقَوْلِهِ [تعالى] (٣): (لَا يَسَّمَّعُونَ إلَى المَلأ الأعْلَى) [الصافات/٨] يُرِيْدُ المَلَائِكَةَ. وَالله أعْلَمُ. [٩٨] [و] (٣) قوْلُهُ: "يَا كَائِنُ قَبْلَ أنْ يَكُوْنَ شَيْءٌ، وَالمُكَوِّنَ لِكُل شَيْءٍ، وَالكَائِنُ بَعْدَمَا لَا يَكُوْنُ شَيْءٌ" الوَجْهُ (٤) فِي حَركَةِ الأولِ ضمُّ النُّونِ لأنهُ نِدَاءٌ مُفْرَدٌ، وَفي الثانِي نَصْبُهَا لأنَّهُ عَطْفٌ عَلَى مَوْضِعِ المُنَادي. كَقَوْلِه -جَل وعزَ (٥) -: (يَا جِبَالُ أوِّبي مَعَه، والطير) [سبأ/ ١٠] [و] (٦) كَمَا قَالَ الشاعِرُ (٧):

стр. 214

ألَا يَا زَيْدُ والضَّحَّاكَ سِيْرَا ... فَقَدْ جَاوَزْتُمَا خَمَرَ الطَّرِيقِ فَعَطَفَ عَلَى مَوْضعِ المُنَادَى. [قوله] (١): "والكَائِنُ بَعْدَمَا لَا يَكُوْنُ شَيْءٌ" مَضْمُومُ النوْنِ عَلَى اسْتِئْنَافِ النِدَاءِ؛ إِذَا طَالَ الكَلَامُ قُطِعَ، وَاسْتُؤْنِفَ مَا بَعْدَهُ، وَكأنه أضمر (٢) فِيْهِ أنتَ. [٩٩] [و] (٣) قَوْلُهُ: "اللهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاء الثَّلْجِ وَاِلبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبي مِنِ الخَطَايَا كَمَا نَقيْتَ الثَّوْبَ الأبْيَضَ مِنَ الدَّنس، وَبَاعِدْ بَيْني وَبين خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بين المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ" [قَالَ أَبو سُلَيْمَانَ] (٤): مَعْنَى ذِكْرِهِ (٥) الثَّلجِ وَالبَرَدِ تَوْكِيْدٌ لِلتَّطْهير، وَمبَالَغَةٌ فِيْه، وَذَلِكَ أن الثَّلْجَ وَالبَرَدَ مَاءَانِ مَفْطُوْرانِ عَلَى خلْقَتهِمَا، لَمْ تَمترِسْهُمَا الأيْدِي، وَلَم (٦) تَخُضْهُمَا الأرْجُل كَسَائِرِ المِيَاهِ التي قَدْ

стр. 215

خَالَطَتْ تُرْبَةَ الأرْض، وَجَرَتْ (١) فِي الأنْهَارِ وَالحِيَاضِ وَنَحْوِهَا (٢)؛ فَكَانَا أحَقَّ بِكَمَالِ الطَّهَارَةِ، وَكَذَلِكَ هَذَا المَعْنَى في قَوْلِهِ: "كَما يُنَقَّى الثَّوبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ" إشْبَاعٌ فِي بَيَانِ (٣) التطهير، وَتَوْكِيْدٌ لَهُ. والله -سبْحَانَه (٤) - مُسْتَغْن عَنْ (٥) أنْ يُضْرَبَ لَهُ الأمْثَالُ، وَأنْ يُظَاهَرَ لَهُ البَيَانُ مِن طَرِيْقِ التشبِيْهِ، والتمْثيْلِ، وَلَكِنهُ عَادةُ الكَلَامِ، وَبِهِ يَحْسُن البَيَانُ، وَيَقْرُبُ الشيْءُ مِن الأفْهَامِ. [والله أعْلَمُ] (٦). [١٠٠] [و] (٧) قَوْلُهُ: "اللَّهُمَّ إنيِ أعُوذُ بِك مِنْ طَمَع يَهْدِي إلَى طَبعٍ". قَالَ أبو عُبَيْدٍ: الطَبَعُ: الدَّنَسُ، وَالعَيْبُ، وَكُلُّ شْين فِي دِيْنٍ أو دُنْيَا فَهُو طَبَعٌ (٨)، يُقَالُ مِنْهُ: رَجُل طَبَعٌ (٨)، وَأنْشَدَ الأعْشَى (٩):
следующие страницы →