← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 95700

شأن الدعاء

الخطابي

Полный текст (266 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ذَكَّارَا، مخبِتَاً لَكَ أوَّاهَاً، رب تَقَبَّلْ تَوْبَتي، واغْسِلْ حَوْبَتي، واسْلُلْ سَخِيْمَةَ قَلْبِي". المخبتُ: الخاشع، ويقالُ: المخلصُ في خُشوعِهِ. والأوَّاه: الموقِنُ. ويُقَالُ: البَكاءُ. ورُوِيَ في قَوْلِهِ -[سبحانَه] (١) -: (إن إبراهيمَ لَحَلِيْمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ) [هود/٧٥]: أنه كانَ إما ذَكَرَ النارَ [ضَجّ وتأوّهَ] (٢). والحَوبةُ: كُل ما يُتَحوَّبُ مِنْهُ، أيْ: يُتَحَرَّجُ مِنْ فِعْلِهِ؛ والاسمُ مِنْهُ (٣): الحُوبُ والحابُ، يقالُ: حابَ الرجُلُ يحوبُ، قالَ الشاعرُ: وإنَّ مُهَاجِرَيْنِ تكنَّفاهُ ... غَداةَ ئِذٍ لَقَدْ ظَلَمَا وَحَابَا (٤) والسَّخِيْمَةُ: غِلُّ القلبِ ونَغَلُهُ. [٩٦] [و] (٥) قولُهُ: (اللهم عافِنِي في سَمْعِي وَبَصَرِي مَا

стр. 212

أبْقَيْتَني، واجعلهُ الوارثَ مِنِّي" مَعْنَى الوارِثِ -هَا هُنا- الباقِي، وحقيقَةُ الوارِثِ أنَّهُ هو (١) الذِي يَرثُ مُلْكَ الماضِي. سأل اللهَ أنْ يُبْقِيَ لَهُ قوةَ هاتَين الحاسَّتَيْن إِذَا أَدْرَكَهُ الكِبَرُ، وَضَعُفَ مِنْهُ سائِرُ القُوى؛ لِيَكُونَا وارِثَي سائِرَ الأعْضَاءِ والباقِيَين بَعْدَهَا. وقِيْلَ: إنَهُ (٢) دَعَا بِذَلِكَ لِلأعْقَابِ والأوْلَادِ (٣). وَقَوْلُهُ: "واجْعَلْهُ الوَارِثَ مِني" بلفظ الواحد، وَقَدْ ذَكَرَ قَبْلَهُ السَّمْعَ والبَصَرَ، وَهُمَا اثْنَانِ؛ فَإِنَهُ رَدَّ الفِعْلَ إِلَى واحدٍ منْهُما كَقَوْلِ الشَّاعِرِ (٤): إنَّ شَرْخَ الشَّبَاب] (٥) والشَّعَرَ الأسْـ ... ـوَدَ مَا لَمْ يُعَاصَ كانَ جُنُونَا وَلَم يَقُلْ: مَا لَمْ يُعَاصَيَا؛ لأنَهُ أرَادَ: مَا لَم يُعَاصَ كُلُّ واحِدٍ منهُما. وَفِيْهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أن كُلَّ شَيْئَيْن تقارَبَا في مَعْنَيَيْهِمَا، فَإن الدّلَالَةَ عَلَى أحَدهِمَا دِلَالة عَلَى الآخَرِ (٦). [٩٧] [و] (٧) قَوْلُه: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَألْحقْنِي بِالرَّفِيْقِ الأعْلَى".

стр. 213

الرَّفِيْقُ: الخَلِيْطُ المُرْفِقُ، فَعِيْلٌ بِمَعْنَى مُفْعِلٍ. كَقَوْلهم: ألِيْمٌ بِمَعْنَى مُؤْلم، يُقَالُ لِلْوَاحِدِ وَللجَمَاعَةِ: رَفِيْقٌ. كَما يُقَالُ (١) لِلْوَاحِدِ وللجَمَاعَةِ (٢): صَدِيْقٌ. يُرِيْدُ المَلَائِكَةَ المُقَربينَ، وَهُمْ المَلأ الأعْلَى. كَقَوْلِهِ [تعالى] (٣): (لَا يَسَّمَّعُونَ إلَى المَلأ الأعْلَى) [الصافات/٨] يُرِيْدُ المَلَائِكَةَ. وَالله أعْلَمُ. [٩٨] [و] (٣) قوْلُهُ: "يَا كَائِنُ قَبْلَ أنْ يَكُوْنَ شَيْءٌ، وَالمُكَوِّنَ لِكُل شَيْءٍ، وَالكَائِنُ بَعْدَمَا لَا يَكُوْنُ شَيْءٌ" الوَجْهُ (٤) فِي حَركَةِ الأولِ ضمُّ النُّونِ لأنهُ نِدَاءٌ مُفْرَدٌ، وَفي الثانِي نَصْبُهَا لأنَّهُ عَطْفٌ عَلَى مَوْضِعِ المُنَادي. كَقَوْلِه -جَل وعزَ (٥) -: (يَا جِبَالُ أوِّبي مَعَه، والطير) [سبأ/ ١٠] [و] (٦) كَمَا قَالَ الشاعِرُ (٧):

стр. 214

ألَا يَا زَيْدُ والضَّحَّاكَ سِيْرَا ... فَقَدْ جَاوَزْتُمَا خَمَرَ الطَّرِيقِ فَعَطَفَ عَلَى مَوْضعِ المُنَادَى. [قوله] (١): "والكَائِنُ بَعْدَمَا لَا يَكُوْنُ شَيْءٌ" مَضْمُومُ النوْنِ عَلَى اسْتِئْنَافِ النِدَاءِ؛ إِذَا طَالَ الكَلَامُ قُطِعَ، وَاسْتُؤْنِفَ مَا بَعْدَهُ، وَكأنه أضمر (٢) فِيْهِ أنتَ. [٩٩] [و] (٣) قَوْلُهُ: "اللهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاء الثَّلْجِ وَاِلبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبي مِنِ الخَطَايَا كَمَا نَقيْتَ الثَّوْبَ الأبْيَضَ مِنَ الدَّنس، وَبَاعِدْ بَيْني وَبين خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بين المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ" [قَالَ أَبو سُلَيْمَانَ] (٤): مَعْنَى ذِكْرِهِ (٥) الثَّلجِ وَالبَرَدِ تَوْكِيْدٌ لِلتَّطْهير، وَمبَالَغَةٌ فِيْه، وَذَلِكَ أن الثَّلْجَ وَالبَرَدَ مَاءَانِ مَفْطُوْرانِ عَلَى خلْقَتهِمَا، لَمْ تَمترِسْهُمَا الأيْدِي، وَلَم (٦) تَخُضْهُمَا الأرْجُل كَسَائِرِ المِيَاهِ التي قَدْ

стр. 215

خَالَطَتْ تُرْبَةَ الأرْض، وَجَرَتْ (١) فِي الأنْهَارِ وَالحِيَاضِ وَنَحْوِهَا (٢)؛ فَكَانَا أحَقَّ بِكَمَالِ الطَّهَارَةِ، وَكَذَلِكَ هَذَا المَعْنَى في قَوْلِهِ: "كَما يُنَقَّى الثَّوبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ" إشْبَاعٌ فِي بَيَانِ (٣) التطهير، وَتَوْكِيْدٌ لَهُ. والله -سبْحَانَه (٤) - مُسْتَغْن عَنْ (٥) أنْ يُضْرَبَ لَهُ الأمْثَالُ، وَأنْ يُظَاهَرَ لَهُ البَيَانُ مِن طَرِيْقِ التشبِيْهِ، والتمْثيْلِ، وَلَكِنهُ عَادةُ الكَلَامِ، وَبِهِ يَحْسُن البَيَانُ، وَيَقْرُبُ الشيْءُ مِن الأفْهَامِ. [والله أعْلَمُ] (٦). [١٠٠] [و] (٧) قَوْلُهُ: "اللَّهُمَّ إنيِ أعُوذُ بِك مِنْ طَمَع يَهْدِي إلَى طَبعٍ". قَالَ أبو عُبَيْدٍ: الطَبَعُ: الدَّنَسُ، وَالعَيْبُ، وَكُلُّ شْين فِي دِيْنٍ أو دُنْيَا فَهُو طَبَعٌ (٨)، يُقَالُ مِنْهُ: رَجُل طَبَعٌ (٨)، وَأنْشَدَ الأعْشَى (٩):

стр. 216

لَهُ أَكَالِيلُ بِاليَاقُوْتِ فَصَّلَهَا ... صَوَّاغُها لَا تَرَى عَيْباً وَلَا طَبَعَا [١٠١] قَوْلُهُ (١): "وأعُوذُ بكَ منَ الغَرقِ والحَرَقِ" (٢) والحَرَقُ (٣) -مفتُوحةُ الرَّاءِ-. [١٠٢] [و] (٤) قَوْلُهُ: "اللهم إني أعُوْذُ بك مِنْ جَارِ السَّوْءِ فِي دَارِ المُقَامَةِ" فَإن جَارَ البَادِيَةِ يَتَحَوَّلُ. سَأل (٥) سَائِل عَنْ هَذَا فقَالَ: مَا مَعْنَى هذَا الشَّرْط؟ وَمَا وَجْهُ التَخْصِيْصِ فِيْهِ؟ وَالمَعْنَى (٦) -والله أعْلَمُ- أن حُكْمَ الشَيْءِ الخَاصِّ النَّادِرِ خِلافُ حُكْمِ الشَّيْء العَامِّ الدَّائِمِ. وَاليَسِيْرُ منَ الأذَى وَالمَشَقَّةِ مُحْتَمَلٌ فَلَمْ يَسْتَعِذْ بالله مِنْه لأن في احْتِمَالِهِ، والصَّبْرِ عَلَيْهِ أجْرَاً وَمَثُوْبَةً وَقَدْ أُمِرْنَا بالصَّبْرِ والرِّضَى فِي

стр. 217

المَكْرُوْهِ ما احْتَمَلَهُ الإنْسَانُ، واسْتَقَلَّ بِهِ، فَأما الكَثيرُ الدَّائِمُ منْهُ فَغيرُ مُحْتَمَلٍ وَلَا مُسْتَطَاع وَإذَا ابْتُلِيَ بِهِ الإِنْسَانُ افْتُتِنَ فِي دِيْنِهِ، وَخِيْفَ عَلَيْهِ الوُقُوعُ في المأثَمِ، فاسْتَعَاذَ باللهِ منْهُ، وَفَزِعَ إِلَيْهِ فِي صَرْفِهِ عَنْهُ. وَجِوَارُ (١) البَوادي جِوَارُ نُجْعَةٍ وَمُقَامُهُمْ فِيْها مُقَامُ قُلْعَةٍ؛ لأنهُم إِنما يبْتَغُونَ (٢) مَوَاقِعَ الغَيْثِ، فَإذَا نَفِدَتْ تِلْكَ المِيَاهُ انَتَقَلُوا، وَتبَايَنَتْ بهمُ المَحَالُّ. وجِوَارُ المَقَامِ فِي البُلْدَان جِوَاز يَتَّصِلُ مَدَى العُمْرِ، وَيَدُوْمُ وَلا يَنْقَطِعُ، وَيُقَالُ: هَذِهِ دَارُ مَقَامٍ، وَدَارُ مَقَامَةٍ، وَنَظيرُ هَذَا (٣). [١٠٣] قَوْلُهُ ﷺ : "أعُوْذُ بكَ مِنَ الصَّمَمِ، وَالبكَمِ، والجنونِ، وَالجُذَامِ، وَالبَرَصِ، وَسَيِّىَءِ الأسْقَامِ" فَيُقَالُ كَيْفَ لَمْ يَسْتَعِذْ مِنَ الحُمَّى، والصُّداعِ، والرَّمَدِ ونحوِها مِن العِلَل والأمْرَاض؟ وَالجَوَاب (٤) في هَذَا كَالأولِ أوْ قَرِيْبٌ مِنْهُ، وَذَلِكَ أن هَذِهِ الأمُورَ آفَاتٌ (٥) وَعَاهَات تُفْسِدُ الخِلْقَةَ، وَتُغَيرُ الصُّورَةَ، وتُورِثُ

стр. 218

الشَّيْنَ، وَتؤَثِّرُ فِي العَقْلِ، وَالمِحْنَة بِها تَعْظم، وَالبَلاَءُ فِيْهاْ يَجْهَدُ ويشْتدُّ. [١٠٤] وَقَدْ كَانَ [النبي] (١) ﷺ "يَسْتَعِيْذُ باللهِ مِن جَهْدِ البَلَاءِ". فَأما الحُمَّى والصُّدَاع والرَّمَدُ وَنَحْوُهَا مِنَ الَأوْجَاع (٢) فإنها [-وإن كانت أعراضاً مؤلمة-] (٣) تَزوْل وَلَا تَدُوْم وَفِيْهَا أجْر وَتَكْفيرٌ للذنوْبِ، فَلَم يَصْرِفْ (٤) الاسْتِعَاذَةَ إلَيْهَا لِخفَّة الأمْرِ فِيْها (٥)، وَإمْكَانِ الصَّبْرِ عَلَيْها. [١٠٥] [و] (٦) قَوْله: "اللهم إني" (٧) أعُوذ بِكِ مِن الذِّلَةِ

стр. 219

وَالمَسْكَنَةِ، وَأعُوْذُ بِكَ مِنَ الفَقْرِ". مَعْنَى اسْتِعَاذَتِهِ مِنَ الفَقْرِ وَالمَسْكَنَةِ، إنما هُوَ فَقْرُ النفْسِ وَمَا يَعْتَرِيْهَا مِنَ الحِرْصِ وَالجَشَعِ، وَلَم يُرِدْ بِهِ (١) قِلَّةَ المَالِ، وَعَدَمَ اليَسَارِ، فَقَدْ كَانَ مَعْلُوماً مِنْ أمْرِهِ ﷺ أنه كَان يُؤْثِرُ الِإقْلَالَ مِن الدنيا وَيَكْرَهُ الاسْتِكْثَارَ مِنْ حُطَامِ أعرَاضِهَا (٢). وقال بَعْضُ العُلَمَاءِ قَدْ جَاءَ فِي الحَدِيْثِ مَدْحُ الفَقْرِ، وَذَمُّهُ، والاسْتعَاذَةُ مِنْهُ، وَإنما المَذْمُوْمُ مِنَ الفَقْرِ أنْ يَكْرَهَهُ خَوْفَاً مِنَ الذُّلِ والصَّغارِ وانْحِطَاطِ القَدْر عِنْدَ الناس، فَأما مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ لأجْل مَا يَخَافُ مِنْ فِتْنَتِهِ. فَلَيْسَ بِمَذْمُوم؛ لأن سُوء احْتِمَالِ الفَقْرِ رُبما دَعَا إلى التقْصير في إِقَامَةِ الفَرَائِضِ، والذَّهَابِ عَن الحُقُوقِ الوَاجِبَةِ. [١٠٦] [و] (٣) قَوْلُهُ: "وَاجْعَلْني فِي النِّدَاءِ الأعلَى" وَقَدْ يُرْوَى: " [في] (٤) النَّدِي الأعْلَى". النِّدَاءُ مصدَرُ نَادَيْتُهُ نِدَاءً، وَمَعْنَاهُ أنْ يُنَادَى لِلْتَّنْويهِ بِهِ. والرَّفْعِ منْهُ، وَقَد يَحْتَمِلُ [أنْ] (٥) يَكُونَ أرَادَ

стр. 220

بِـ "النَدَاءِ الأعْلَى" نَدَاءَ أهْلِ الجَنَة أهْلَ النارِ كَقَوْلِهِ [تَعَالى] (١): (وَنَادى أصْحَابُ الجنَّةِ أصْحَابَ النَّارِ أنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا ربُّنَا حَقَّاً) [الأعراف/٤٤] والندَاءُ الأسْفَلُ: نِدَاءُ أهْلِ النَارِ أهْل الجَنَّةِ: (أن أفِيْضُوا عَلَيْنَا مِنَ المَاءِ أوْ ممَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) [الأعراف/٥٠]. وَلهَذَا قِيْل: لِيَوْمِ القِيَامَةِ: "يُوْمُ التنَادي" (٢) وَقِيْلَ إنَّما سُميَ يَوْمَ التَّنَادي (٢)، لأن كُل وَاحِدٍ يُدْعَى باسْمِهِ فَيُعْطَى كِتَابَهُ. وَأمَّا النَّدِيُّ: فَأصْلُهُ المَجْلِسُ الذي قَدِ اجْتَمَعَ فِيْهِ أهْلُهُ. يُقَالُ مِنْهُ نَدَوْتُ القَوْمَ أنْدُوْهُم نَدْواً: إذا جَمَعْتَهُمْ. وَمِنْهُ سُمِّيَتْ (٣) "دَارُ النَّدْوَة" وَيُقَالُ: فُلَانٌ في نَدِيِّ قَوْمِهِ وَنَاديْهمْ. وَقَالَ حَاتِمٌ الطائِيُّ (٤): وَدُعِيْتُ فِي أُولَى الندِيِّ وَلَمْ ... يُنْظَرْ إليَّ بأعيُن خُزْرِ فَالنَّدِيُّ الأعْلَى: هُمُ المَلَائِكَةُ -صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِم (٥) - وَيُقَالُ (٥): لَا يَكُوْنُ النَّدِيُّ إلا الجَمَاعَةَ مِنْ أهْلِ النَدَى وَالكَرَمَ. [١٠٧] [و] (٦) قَوْلُهُ: "مَا مِنْ مُسْلِم يَبِيْتُ طَاهِرَاً عَلَى ذِكْرِ الله

стр. 221

[تعالى] (١) فَيَتَعَارَّ من اللَّيْلِ يَسْألُ الله خَيْرَاً مِنْ أمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إلا أعْطَاهُ". يَتَعَارَّ: مَعْنَاهُ: يَسْتَيْقِظُ مِنْ نَوْمِهِ. قَالُوا: وَلا يَكَادُ يَكُوْنُ ذَلِكَ إلا مَعَ صَوْتٍ أوْ كَلاَمٍ وَيُقَالُ (٢): إنهُ مَأخُوذ مِنْ عِرارِ الظَّلِيْمِ. وَهُوَ صَوْتُهُ. [٤٥ مكرر] [قَوْلُهُ: (أصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الإسْلاَمِ، وَكَلِمَةِ الإخْلاَصِ، وَعَلَى دِيْنِ نَبِيِّنَا محمد ﷺ " (٣). مَعْنَى الفِطْرَةِ ابْتِدَاءُ الخِلقَةِ، وَهِيَ إشَارَة إلَى كلِمَةِ التوحِيْدِ حينَ أخَذَ الله العَهْدَ مِن ذُرِّيَّةِ آدم فَقَالَ: (ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) [الأعراف/١٧٢]. وَقَدْ تَكونُ الفِطرَةُ بِمَعْنَى السُّنةِ وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ: "عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ فَذَكَرَ السِّوَاكَ وَالمَضمَضَةَ وَأخَواتها"] (٤).

стр. 222

[آخر كتاب شأن الدعاء وتفسير الأدعية المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وآله أجمعين، التي جمعها محمد بن إسحاق بن خزيمة وفرغ من تسويده في الليلة الخامسة من ذي القعدة من شهور سنة سبع وثمانين وخمسمائة علي بن محمد بن عثمان المؤذن النيسابوري حامداً لله تعالى ومصلياً على رسوله محمد وعلى آله وسلم] (١).

стр. 223

بسم الله الرحمن الرحيم (١) ومن لواحق الدعاء الذي لم يذكر في (٢) المأثور [١٠٨] قَوْلُهُ ﷺ عِنْدَ الخُرُوْجِ إلَى السَّفَر: "اللهم بِكَ ابتَسَرْتُ، وَإلَيْكَ تَوَجَّهْتُ، وَبِكَ اعْتَصَمْتُ". مَعْنَى ابْتَسَرْتُ: ابتَدَأتُ سَفَرِيْ، وَكُلُّ شَيْءٍ أخَذْتَهُ غَضَّاً فَقَدْ بَسَرْتهُ، وابْتَسَرْتَهُ، وَيُقَالُ: بَسَرْتُ النبَاتَ أبسُرُهُ بَسْرَاً: إذَا رَعَيْتَهُ غَضَّاً، وهَذَا هُوَ الصحِيح فِي الروَايَةِ. والعَوَامُّ تَرْويه: "اللهم بِكَ انْتَشرْتُ" وَهُوَ صحِيْحٌ فِي المَعْنَى أيْضَاً، إلا أن الرِّوَايَةَ مَا ذَكَرْتُهُ لَك أوَّلاً، وَقَدْ فسَّرْنَاهُ فِي غَرِيْبِْ الحَدِيْثِ (٣).

стр. 224

[١٠٩] [و] (١) قَوْلُهُ - قَوْلُهُ ﷺ إِذَا انْصَرَف مِنَ السَّفَرِ: "ثَوْبَاً (٢) لِرَبِّنَا أوْبَاً لَا يُغَادِرُ عَلَيْنَا حَوْبَاً" الثَّوْبُ (٣): مَصْدَرُ ثَابَ يَثُوْبُ [ثوباً] (٤)، وَنَصَبَهُ عَلَى المَصْدَرِ كَأنهُ قَالَ: أثوْبُ ثَوْبَاً، وَقَوْلُهُ أوْبَاً مَصْدَرُ آبَ يَؤُوْبُ إذَا رَجَعَ وَمعْنَاهُ (٥): الرُّجُوعُ عَنِ الذَّنبِ. كَقَوْلهِ -سُبْحَانَهُ-: (فإنَّهُ كَان لِلأوَّابْينَ غَفُوْرَاً) [الإسراء/٢٥]. وَكَقَوْلهِ: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا داوُد ذا الَأيْدِ إنهُ أوَّابٌ) [ص/١٧]. [قَالُوا] (٦) الأوَّابُ: الكَثيرُ الرُّجُوْع إلَى الله [ ] (٧).

стр. 225

والحُوْبُ -بِضَمِّ الحاءِ- المأثمُ، والحَوب (١) -بفتحها- مَصْدَرُ حَابَ يَحُوْبُ: إذَا أثِمَ. [١١٠] [و] (٢) قَوْله: [ ﷺ ] (٣) إذَا سَافَرَ: "اللهم إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبةِ المُنْقَلَبِ وَالحَوْرِ بَعْدَ الكَوْنِ (٤) وَسُوْءِ المَنْظرِ في الأهْلِ وَالمَالِ". وَعْثاءُ السَّفَرِ: شِدةُ النَّصَبِ وَالمَشَقَّةُ، وَأصْلُهُ مِنَ الوَعْثِ وَهُوَ الدَّهَسُ، وَالمَشْيُ (٥) يَشْتَدُّ فِيْهِ عَلَى صَاحِبِهِ فَصَارَ مَثلاً لِكُل مَا يَشُقُّ عَلَى فَاعِلِهِ. وَقَوْلُهُ: "كَآبة المُنْقَلَبِ" يَعْنِي أنْ يَنْقَلِبَ مِنْ سَفَرِهِ إلَى أهْلِهِ بأمْر يَكْتَئِبُ مِنْهُ. مِثْلَ أنْ يُصِيبَهُ فِي طَريْقِهِ مَرَضٌ أوْ يَنَالَهُ خُسْرَانَ أو يَقْدَمَ عَلَى أهْلِهِ فَيَجِدَهُمْ مَرْضَى، أَوْ يَكُونَ قَدْ هَلَكَ بَعْضُهُمْ إلَى مَا يُشْبِه ذلِكَ مِنَ الأمُوْرِ التي يكْتَئِبُ لَهَا الإنْسَانُ. قَوْلُهُ (٦): الحَوْرُْ بَعْدَ الكَونِ [هكذا يُروى] (٧) بِالنونِ؛ وَمَعْنَاهُ،

стр. 226

النُّقْصَانُ بَعْدَ الزَيَادةِ، وذلك أنْ يَكُوْنَ الإنْسَانُ عَلَى حَالَةٍ جَميْلَةٍ، فَيَحُورَ عَنْ ذلِكَ؛ أيْ: يَرْجِعُ. وَأخْبَرَنِي عَبْدُ الرحْمنِ بنُ الأسَدِ عَنِ (١) الدَّبَرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ: سُئِلَ مَعْمَر عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ (٢): هُوَ الكُنْتيُّ، وَمَعْنَى الكُنْتي أنْ يَكُونَ الإنْسَانُ قَدْ بَلَغَ حَالَةً مِنَ النقْصِ لَا يَزَاَلُ يُخْبِرُ الرَّاهِنَ مِنْهَا بِالمَاضِي فَيَقُولُ (٣): كُنْتُ مُوسِراً فَأهَبُ، وَكُنْتُ شَابَّاً فَأغْزُو، وَنَحْوَ هَذَا مِن الأمْرِ (٤). وَأنْشَدَ أبو زيدٍ (٥): إذَا مَا كُنْتَ مُلْتَمِسَاً صَدِيْقَاً ... فَلَا تَظْفَرْ بِكُنْتيٍّ كَبيرِ وَقَدْ جَاءَ فِي غير هَذَا الحَدِيْثِ. الكَوْرُ، وَهُوَ مَأخُوْذ مِنْ كَوْرِ العِمَامَةِ. يَقُولُ: قَدْ تَغَيَّرَ وَانْتَقَضَ كَما يُنْقَضُ (٦) كَوْرُ العِمَامَةِ. [١١١] [و] (٧) قَوْلُهُ ﷺ عِنْدَ دُخُوْلِ الخَلَاءِ: ["اللهم إني

стр. 227

أعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النَّجِس الخَبِيْثِ [المخبث] (١) الشيْطَانِ الرَّجِيْم". الرِّجْسُ النَّجِسُ، زَعَمَ الفَرَاءُ أنهُمْ إذَا بَدَؤُوا بالنجس وَلم يَذْكُرُوا الرِّجْسَ فَتَحُوا النُّونَ والجَيْمَ، وإذَا بَدَؤوا بِالرجْسِ ثُم أتْبَعُوهُ (٢) النِّجْسَ كَسَرُوا النُّونَ. وَقَوْلُهُ: "الخَبيْث المُخْبِث" الخَبيْثُ (٣) هُوَ ذُوْ الخُبْثِ فِي نَفْسِهِ، وَالمُخْبِثُ: هُوَ الذِي أصْحَابُهُ وَأَعْوَانُهُ خُبَثَاءُ. كَقَوْلهمْ (٤): قَوِيٌّ مُقْوٍ، وَضَعِيْفُ (٥) مُضْعِف، وَنَحْوَهُمَا (٦). [١١٢] [و] (٧) قَوْلُهُ [ ﷺ ] (٨) إذَا اسْتَفْتَح الصَّلاَةَ: "أعُوْذُ بالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرجِيْمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنفْثِهِ " (٩) فَقِيْلَ: يَا رَسُولَ الله مَا هَمْزُهُ وَنَفْثُهُ وَنَفْخُهُ؟ قَالَ: "أَمَّا هَمْزُهُ فالمُوتة، وَأَما نَفْثُهُ

стр. 228

فَالشعْرُ؛ وَأما نَفْخُهُ فَالكِبْرُ". قَالَ أبُو عُبَيْدٍ: فَهَذَا (١) تَفْسير مِنَ النبِي ﷺ وَلتَفْسِيْرِه تَفْسير؛ فالمُوْتَةُ: الجنوْنُ، وَإنَّمَا سَمَّاهُ هَمْزَاً؛ لأنهُ جَعَلَهُ من النَخْسِ وَالهَمْزِ (٢) وَكُلَّ شيْءٍ دَفَعْتَهُ فَقَدْ هَمَزْتهُ، فَأما (٣) الشعْرُ فَإنما سَمَّاهُ نَفْثَاً لأنهُ كَالشَّيْءِ. يَنْفُثهُ الإنْسَانُ مِنْ فِيْهِ مِثلُ الرقْيَةِ وَنَحْوَهَا. وَأما الكِبْرُ. فَإنَّما سُمِّيَ (٤) نَفْخَا لِمَا يُوَسوس إلَيْهِ الشيطان في نَفْسِهِ فَيُعَظِّمُهَا عِنْدَهُ وَيَحْقِرُ الناسَ في عَيْنهِ حَتى يَدْخُلَهُ لِذَلِكَ الكِبرُ وَالنَّخْوَةُ (٥). [١١٣] [و] (٦) قَوْله [ ﷺ ] (٧) - إذَا عَوَّذَ الحَسَنَ والحُسينَ: "أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ [شرّ] كُل (٨) شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُل عين لَامَّةٍ". الهَامَّةُ يَعْني: الوَاحِدَةَ مِنْ هَوَامِّ الأرْضِ، وَهِيَ دوَابُّهَا المُؤْذِيَةُ، كَالحَيَّةِ، وَالعَقْرَبِ ونَحْوِهما. وَقَوْلُهُ: "لَامَّةٌ" وَلَمْ يَقُل

стр. 229

مُلِمَّة، وَأصلُها (١) مِنْ ألمَمْتُ إْلمَامَاً فَأنَا مُلِمُّ. يُقَالُ: ذَلِكَ الشيْءُ (٢) يَأتِيْهِ ويُلِمُّ بِهِ، وذلك لأنهُ (٣) لَمْ يُرِد طَرِيْقَ الفِعْلِ، وَلَكِنْ أرَادَ أنهَا ذَاتُ لَمَمٍ. كَقَوْلِ النابِغَةِ (٤): كِلِيْنِيْ لهمٍّ يَا أُمَيْة نَاصِبِ أيْ (٥): ذِيْ نَصَبٍ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُ الله -سُبْحَانَهُ (٦) -: (وَأرْسَلْنَا الريَاحَ لَوَاقِحَ) [الحجر/ ٢٢] وَاحِدَتُها: لاَقِحٌ؛ يَعْني أنهَا ذَاتُ لَقحٍ وَلَو كَانَ عَلَى مَذْهَبِ الفِعْلِ لَقَالَ (٧): مُلْقِحٌ؛ لأنهَا تُلْقِحُ (٨) السَّحَابَ وَالشَّجَرَ (٩). وَأمَّا قَوْلُهُ: "كلِمَاتُ الله التامَّةُ" فَقَدْ فسَّرْنَاهُ فِيْمَا تَقَدمَ، وَبَيَّنَّا مَعْنَى التمَامِ فِيْهَا؛ فَأغْنَى ذلِكَ عَنْ إعَادَتِهِ هَا هُنَا (١٠). [١١٤] [و] (١١) قَوْلُهُ: "إنه (١٢) ﷺ كَان يَتَعَوَّذُ مِنْ [خمس] (١٣) العَيْمَةِ

стр. 230

وَالغَيْمَةِ وَالأيمَةِ وَالكَزْمِ وَالقَرَمِ". العَيْمَةُ: شَهْوَةُ اللَّبَن حَتى لَا يُصْبَرَ عَنْهُ، يُقَالُ: عَامَ الرجُلُ يَعِيْمُ عَيْمَاً، ورَجُلٌ عَيْمَانُ. وَالغَيْمَةُ: أَنْ يَكُوْنَ الإنْسَانُ شَدِيْدَ العَطَشِ، كَثيرَ الاسْتِسْقَاءِ لِلْمَاءِ. وَالأيمَةُ: طُوْلُ التَّعَزُّبِ، مِنْ قَوْلِكِ رَجُلٌ: أيْمٌ، وَامْرأة أيْمٌ. إذَا كَانَا عَزْبَيْن. وَأخْبَرَنِي أبو عُمَر (١) عَنْ أبِي العَباسِ، أحْمَدِ بْنِ يَحْيىَ (٢)، قَالَ: العَرَبُ تَقُوْلُ في الدُّعَاءِ عَلَى الإنْسَانِ: مَا لَهُ! عَامَ وغامَ وَآمَ، فمعنى (٣): عَامَ: أنْ تهلِكَ إبلُهُ وَمَاشِيَتُهُ؛ فَلَا يَجدُ لَبَنَاً يَحْلِبُهُ. وَمَعْنَى غَامَ: أنْ يَشْتَدَّ عَطَشُهُ فَلَا (٤) يَجدُ مَاء يَشْرَبُهُ. وَمَعْنَى (٥) آمَ: أنْ تَطُوْلَ أيمَتُهُ؛ فَلَا يَجدُ نِكَاحَاً. وَأما القَرَمُ: فَهُوَ فِي اللَّحْمِ كَالعَيْمَةِ في اللَّبَنِ؛ يُقَالُ: قَرِمْتُ إِلَى اللَّحْمِ فَأنَا قَرِمٌ إلَيْهِ. وَأما الكَزْمُ: فَشِدَّةُ الأكْلِ، [مِنْ قَوْلِكَ] (٦): كَزَمَ الرجُلُ الشيْءَ بِفيه يَكْزِمُهُ كَزْمَاً؛ إذَا كَسَرَهُ، المَصْدَرُ سَاكِنُ الزاي، وَالاِسم بِفَتْحِهَا. وَيُقَالُ: كَزَمَ، وَأزَمَ، وَبَزَمَ، وَكَدَمَ، وَعَذَمَ، كُلُّهُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ.

стр. 231

[١١٥] [و] (١) قَولُهُ -[ ﷺ ] (١) - إذَا نَزَلَ مِنْ (٢) سَفَرِهِ أرْضَاً: "يَا أرْض، رَبِّيْ وَرَبّكِ الله أعُوْذُ بالله مِنْ شَرِّكِ، وَشَر مَا فِيْكِ، وَشَر مَا يَدِبُّ عَلَيْكِ من أسَدٍ، وَأسْوَدَ، وَمِنْ سَاكِنِ البَلَدِ، وَمِنْ (٣) وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ". يَعْني بِالأسْوَد: الحَيَّة، وَسَاكِنِ البَلَدِ: الجِنَّ (٤)؛ وَذَلِكَ أنَّهمْ سُكانُ الأرْضِ. وَالعَرَبُ تُسَمَّي الأرْضَ المُسْتَوِيةَ: بَلَدَاً، وَإنْ لَمْ تَكُنْ مَسْكُوْنَةً وَلاَ ذَاتَ أبْنِيَةٍ. قَالَ الشَاعِر (٥): وَبَلَدٍ لَيْسَ بِهِ أنِيْسُ ... إلا اليَعَافيرُ وَإلاَّ العِيْسُ

стр. 232

وَقَالَ النابِغَةُ (١): هَا إنَّ تا (٢) عِذْرَةٌ إنْ لَم تَكُنْ نَفَعَتْ ... فَإن صَاحِبَهَا قَدْ تَاهَ فِي البَلَد يُرِيْدُ مَتَائِهَ الأرْضِ وَمَجَاهِلَهَا. وَالوَالِدُ (٣): إبْلِيْسُ، وَمَا وَلَدَ: نَسْلُهُ وَذرِّيَتُهُ. [١١٦] [و] (٤) قَوْلُهُ -[ ﷺ ] (٥) -: (اللهم إني أعوْذُ بِك مِنَ

стр. 233

الضِّبَنَةِ فِي السفَرِ (١)، وَكَآبة الشطةِ، وَسُوْءِ المُنْقَلَبِ". الضِّبنَة: عِيَالُ الرَّجُلِ [وَمنْ يَلْزَمُهُ فِي نَفَقَتِهِ] (٢). وَسُمُّوْا ضِبْنَةً؛ لأنَّهُم فِي ضِبْنِ مَنْ يَعُولُهُمْ. وَالضِّبْنُ: مَا بين الكَشْحِ وَالإبِطِ؛ تَعَوَّذ بِاللهِ مِنْ كثرَةِ العِيَالِ، وَخَصَّ بِهِ (٣) حَالَ السَّفَرِ، لأنهُ مَظِنةُ الإقْوَاءِ (٤). وَفِيْهِ وَجْهٌ آخَرُ: وَهُو (٥) أنْ يَكُوْنَ إنما تعَوَّذَ مِن صُحْبَةِ مَنْ لَا غَنَاءَ (٦) فِيْهِ، وَلَا كِفَايةَ، وَإنما هُوَ كَلٌّ، وَعِيَالٌ عَلَيْهِ. وَالشِّطَّةُ: بُعْدُ المَسَافَةِ. يُقَالُ: شَطَّ المَكَانُ: إذَا بَعُدَ يَشُطُ ويَشِطُ. وَيُقَالُ: شَطَّتْ بِهِ النَّوَى إذَا بَعُدَتْ. [١١٧] [و] (٧) قَوْله -[ ﷺ ] (٨) - حين قَنَتَ فِي صَلَاةِ الفجرِ فَقَالَ: "اللهم قَاتِلْ كَفَرَةَ أهْلِ الكِتَابِ، وَاجْعَلْ قلُوبَهُم كَقُلُوْبِ نِساءٍ كَوَافِرَ".

стр. 234

المعنى (١): كقُلُوبهِنَّ في الاخْتِلَافِ، وَقِلَّةِ الائْتِلَافِ، وَأرَاهُ عَنَى الضَّرَائِرَ مِنْهُنَّ لأن ذَلِكَ أشَدُّ لِاخْتِلَافهِنَّ وَمُنَافَسَةِ بَعْضِهِنَ بَعْضَاً. وَفي الكَوَافِرِ وَجْهَانِ؛ أحَدُهُما: الكُفْرُ بِاللهِ -جَل وعَز (٢) - وَذَلِكَ أشَد لاخْتِلَافِهِنَّ. قَال اللهُ [تَعَالَى] (٣): (وَألقَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إلَى يوْمِ القِيَامةِ) [المائدة/٦٤]. وَالقَوْلُ الآخَرُ: أنْ يَكُوْنَ ذَلِكَ مِنْ كُفْرَانِ النَّعَمِ وَهُنَّ مِنْ أقَلِّ الناسِ شُكْرَاً لِلْعَوَارِفِ وَكَذَلِكَ (٤) [١١٨] قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ : "إِنكُنَّ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشيرَ". وَفِيْهِ وَجْهٌ آخَرُ؛ وَهُوَ أن الكَوَافِرَ يُرَعْنَ أبَدَاً بالصَّبَاحِ والبَيَاتِ فِيْ عُقْرِ دَارِهِن فَقُلُوْبُهُنّ تجب (٥) أبداً. [١١٩] [و] (٦) قَوْلُهُ (٧) -حِيْنَ اسْتَأذَنَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِنَ

стр. 235

اليَهُوْدِ فَقَالُوا: "السَّامُ عَلَيْكُِم أبَا القَاسِمِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ [﵂] (١): عَلَيْكُمُ السَّامُ واللَّعْنَةُ والأفْنُ والذَّامُ". السَّامُ: فَسَّرَهُ أبُو عُبَيْد فَقالَ: هُوَ الموْتُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُو السَّآم مَمْدُوْدٌ مَهْمُوزٌ؛ أيْ: تَسْأمُوْنَ ديْنَكُمْ. مَصْدَرُ سَئِمَ سَآمَةٌ وَسَآمَاً، والأفْنُ: النَّقْصُ. والذَّامُ: العَيْبُ. وَمِثْلُهُ الذَّانُ. [١٢٠] [و] (٢) قَوْلُهُ: [كَانَ رَسُولُ اللُهِ ﷺ يَقُوْلُ] (٣): "إذا هَاجَتِ الرِّيْح اللهم اجْعَلْهَا رِيَاحَاً وَلَا تَجْعَلْهَا رِيْحَاً". مَعْنَى ذلِكَ -والله أعْلَم- أن الريَاحَ إذَا كَثُرَتْ جَلَبَتِ السَّحَابَ وَكَثر المَطَرُ (٤) فزكَتِ الزُرُوْعُ والثِمَارُ وِإذَا لَمْ تَكْثر وَكَانَتْ رِيْحَاً (٥) وَاحِدَة؛ فَإنها تَكُوْنُ عَقِيماً وربما كَانتْ عَذَابَاً. وَالعَرَبُ تَقُوْلُ: لَا تَلْقَحُ السَّحابُ إلا مِنْ رَياحٍ. وَقَالَ الأصْمَعِيُّ عَنْ بَعْضِ الأعْرَابِ: إذا كَثُرَتْ المُؤتَفِكَاتُ زَكَتِ الأرْضُ. [١٢١] وَقدْ رُوِيَ مَعْنَى مَا ذكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَباسٍ، حدثناه

стр. 236

الأصَمُّ، قَالَ: حَدثَنَا الرَّبِيْعُ، قَالَ: أخْبَرَنَا الشَافِعِي، قالَ: أخْبرَنَا مَنْ لَا أتَّهمُ، قَالَ: أخْبَرَنَا العَلاَءُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: فِي كِتَابِ الله -يَعْني آيةَ الرَّحْمَةِ- (وَأرْسَلْنا الرِّيَاحَ لَواقِحَ) [الحجر/٢٢] وَقالَ: (وَهُو الذِيْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرَاً بينَ يَدِيْ رَحْمَتِهِ) [الأعراف/٥٧]. وَقَالَ (١) -يَعْني فِي آيَةِ العَذَابِ-: (وَفِي عَادٍ إذْ أرْسَلْنَا عَلَيْهِم الرِّيحَ العَقِيْمَ) [اَلذاريات/ ٤١]. وَقَالَ: (إنا أرْسَلْنَا عَلَيْهِم رِيْحَاً صَرْصَرَاً) [القمر/١٩]. [١٢٢] [و] (٢) قَوْلُهُ: "اللهم عَلَى الآكام والظِّرَابِ" الأكَامُ: جَمْعُ الأكمَةِ، وَالظِّرَابُ: "الهِضَاب جَمْعُ الظِّرْبِ (٣). قَالَ الشاعِرُ (٤): إنَّ جَنْبِي عَنِ الفِراشِ لَنَابي ... كَتَجَافِي الأسَرِّ فَوْقَ الظِّرَابِ [١٢٣] [و] (١) قَوْلُهُ: "اللهم اشْدُدْ وَطْأتَكَ عَلَى مُضَرَ،

стр. 237

وَاجْعَلْهَا [عليهم] (١) سِنينَ كَسِنيِّ يوسُفَ" مَعْنَى الوَطْأةِ: العُقوبَةُ وَالمَشَقَّةُ (٢)، وَأرِيْدَ بِهِ (٣) هَا هُنا: ضِيْقُ المَعِيْشَةِ وَهُو (٤) مَأخوذٌ [مِنْ وَطءِ الدَّابَّةِ الشيْءَ] (٥)، وَرَكْضِهَا إياهُ برِجْلِهَا، وَقَدْ يُوْصَفُ بَعْض السَّلَاطِين بِثِقَلِ الوَطْأةِ. يُرَادُ: سُوْءُ السِّيْرَةِ، والعُنْفُ في السيَاسَةِ. قَالَ (٦) الشَّاعِرُ (٧): ووَطئْتَنَا وَطْئاً عَلَى حَنَقٍ ... وَطْءَ المُقَيَّدِ يَابِسَ (٨) الهَرْمِ (٩) وَسِنيُّ يُوسُفَ: هِيَ المَجَاعَةُ التي ذَكَرَهَا الله فِي قَوْلِهِ [تَعَالَى] (١٠): (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سنينَ دَأبَاً) الآية [يوسف/٤٧]. [١٢٤] [و] (١) قوْلهُ لِعَلِيٍّ: "سَلِ الله الهدَى وَأنتَ تعْنِي

стр. 238

بِهُدَاكَ هِدَايَةَ الطرِيْقِ وَسَلِ الله السَّدَادَ وَأنْتَ تَعْنِي بِذَلِكَ سدَادَ السَّهْمِ" مَعْنَى هَذَا الكَلَامِ: أن الرامِي لا يَرْمِي إلا بِالسَّهْمِ الذي قَدْ سُوِّيَ قِدْحُهُ وَأصْلَحَ رِيْشَهُ وَفُوْقَهُ، حَتَى يَعْتَدِلَ وَيَتَسَدَّدَ، وَإنهُ مَهْمَا قَصُر عَنْ شَيْءٍ [من هذا] (١) لَمْ يَتَسَدَّدْ رَمْيُهُ وَلَمْ يَمْضِ (٢) نحْوَ الغَرَضِ سَهْمُهُ. فَأمَرَ الدَّاعي إذَا سَألَ الله السَّدَادَ أنْ يُخْطِرَ بِبَالِهِ (٣) صِفَةَ هَذَا السَّهْمِ المُسَدَّدِ، وَ [أن] (٤) يُحْضِرَهَا لِذِكْرِهِ؛ لِيَكُوْنَ مَا يَسْألُ الله -جَل وَعَز- منه عَلَى شَكْلِهِ وَمِثالِهِ؛ وَكَذلِكَ هَذَا المَعْنَى في طَلَبِ الهُدَى، جَعَلَ هِدَايَةَ الطَرِيْقِ مَثَلاً لهُ، إذْ كَانَتْ (٥) الهُدَاةُ لا يَجُورُوْنَ عَنِ القَصْدِ، وَلَا يَعْدِلُوْنَ عَنِ المَحَجَّةِ، إنما يَرْكَبُوْنَ الجَادَّةَ فَيَلْزَمُوْن (٦) نَهْجَهَا [و] (٧) يَقُوْلُ: فَلْيَكُنْ مَا تَؤُمُّهُ مِنَ الهُدَى، وَتَسْلُكُهُ مِنْ سَبِيْلِهِ كَذَلِكَ. [١٢٥] [و] (٧) قَوْلُهُ: "أعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ وَضَلَعِ الدَيْن" [الهَمُّ: لِمَا يستقبلُ، والحَزَنُ: لِمَا مَضَى] (٨) وَضَلَعُ الدَّيْنِ:

стр. 239

ثِقلُهُ، وَغِلَظُهُ؛ وَالضَّلِيْعُ: الغَلِيْظُ (١) مِنْ كُل شَيْءٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: أكَلَ الرَّجُلُ حَتى تَضَلَّعَ. [١٢٦] [و] (٢) قَوْلُهُ: "اللَّهُمَّ (٣) إنِّي أعُوْذُ بِكَ من فقر مُرِبٍّ أو مُلِبٍّ". المُلِبُّ: المُقْعَدُ (٤) المُلْزَقُ بِالأرْضِ. يُقَالُ: أرَبَّ بِالمَكَانِ، وَألَبَّ بِهِ؛ إذَا أقَامَ، وَهَذَا كَقَوْلِ النَّاسِ قَدْ لَزِقَ فُلَانٌ بالتُّرَابِ (٥) إذا افْتَقَرَ، قُلْتُ (٦): وَلَيْسَ هَذَا بِخِلَافٍ. [١٢٧] لِقَوْلِهِ: "اللَّهُمّ أحْيِنيْ مِسْكِيْنَاً، وأَمِتْني مِسْكِيْنَاً، وَاحْشُرْني في زُمْرَةِ المَسَاكين" وَمَعْنَىَ المَسْكَنَةِ، هَا هُنَا (٧)، التوَاضُع، وَالإخْبَاتُ، وَإنما سَألَ الله أنْ لَا يَجْعلهُ مِنَ الجَبَّارِيْنَ المتكَبِّرِيْنَ، وَأنْ

стр. 240

لاَ يحشُرَهُ في زُمْرَتِهمْ، وَقَال بَعْضُهُمْ: المَسْكَنَةُ حَرْفٌ مَأخُوْذٌ مِنَ السُّكُوْنِ، يُقَالُ: تَمَسْكَنَ الرَّجُلُ: إذَا لَانَ، وَخَشَع. قَالَ: والميْمُ فِيْهِ زِيَادةٌ (١)، وَهَذَا كَمَا قِيْلَ (٢): تمَدْرَعَ الرجُلُ، وَأصْلُهُ: تَدَرَّعَ من الدُّرَّاعة (٣). قُلْتُ (٤): وَتَعَوُّذُهُ مِنَ الفَقْرِ فِي سَائِرِ الأخْبَارِ إنمَا هُوَ فَقْرُ النفْسِ، وَقَدْ يَكُوْنُ إنمَا تَعَوَّذَ مِنْ سُوْءِ احْتِمَالِ الفَقْرِ، وَقِلَّةِ الرِّضَا بِهِ. [١٢٨] [و] (٥) قَوْلُهُ: "اللهم إني أسْألُكَ غِنَايَ، وَغِنَى مَوْلَايَ" المَوْلَى: الوَلي هَا هُنا (٦). وَكُلُّ وَليٍّ لِلإنْسَانِ فَهُوَ مَوْلَاهُ، مِثلُ الأب والأخِ وَابْنِ الأخِ، وَالعَمِّ وَابْنِ العَمِّ وَمَنْ وَرَاءَهُمْ مِنَ العَصَبَةِ

стр. 241

كلِّهِم؛ وَمِنْهْ قَوْل الله -سبحَانَهُ (١) -: (وَإني خِفْتُ المَوَاليَ مِنْ ورَائي) [مريم/٥] ومما يُبَيِّن لَكَ أن (٢) المَوْلَى كلُّ وَليٍّ [١٢٩] قَوْلُ النبي ﷺ : "أيمَا امْرأةٍ نُكِحَتْ بِغير إذْنِ مَوَالِيهَا فنِكَاحُهَا بَاطِلٌ" أَرَادَ بِالموَالي: الأوْليَاءَ. [١٣٠] [و] (٣) قَوْلُهُ لِعَائِشَةَ [﵂] (٤): وَسَمِعَها تدْعُو عَلى سَارِقٍ سَرَقَهَا: "لَا تُسَبِّخِي عَنْهُ بِدُعَائِكِ عَلَيْهِ" قالَ الأصْمَعِي: يُريْدُ لَا تُخَفِّفِي عَنْهُ بِدُعَائِكِ. ويقال (٥): اللهم سَبِّخْ عَني الحُمَّى؛ أَيْ: سُلَّهَا وَخَفِّفْهَا. وَمِنْ هَذَا قِيْلَ لِقطعِ القُطْنِ إذَا نُدِفَ: سَبَائِخُ.

стр. 242

وَقَالَ (١) أعْرَابيٌّ فِي كَلَامِهِ: الحَمْدُ للهِ عَلَى تَسْبِيخِ العُرُوْقِ، وَإسَاغَةِ الرِّيقِ. [١٣١] نَهيُهُ ﷺ أنْ يُقَال: "بالرِّفَاءِ وَالبَنين"، قَالَ الأصْمَعِي: مَعْنَاهُ: الاتِّفَاقُ، وَحُسْنُ الاجْتِمَاع، وَمِنْهُِ أُخِذَ رَفْؤُ الثوْبِ لأنهُ يُرْفَأ فَيُضَم بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ، ويكوْنُ الرِّفَاءُ (٢) مِنَ الهُدُوْءِ والسُّكُوْنِ أيْضَاً. قَالَ أبو خِراش (٣): رَفَوْني وَقَالُوا يَا خُويلِدُ لَم تُرَعْ ... فَقُلْتُ وَأنْكَرْتُ الوُجُوْهَ: هُمُ هُمُ (٤) [١٣٢] [و] (٥) قَوْلُهُ: "عَطَسَ عِنْدَ النبِي [ ﷺ ] (٦) رَجُلَانَ

стр. 243

فَشَمَّتَ أحَدَهُمَا، وَلَمْ يُشَمِّت الآخرَ" قَوْلُهُ: شَمَّتَ، مَعْنَاهُ: دَعَا له، [١٣٣] كَقَوْلهِ: "يَرْحَمُكُم اللهُ، أوْ يَهْدِيْكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ". [أخْبَرَني عُمَرُ بْنُ أحْمَدَ المتوْثيُّ، قَالَ: سَمِعْثُ أبَا مُسْلِمٍ الكَجِّي (١) يَقُوْل: سَمِعْتُ أبَا زيدٍ، (٢) يَقُوْلُ: شمَّتَ، وَسَمَّتَ: لُغَتَانِ، والشيْن أعْلَى فِي كَلَامِهِمْ. [١٣٤] [و] (٣) قَوْلُهُ -[ ﷺ ] (٤) -: "إنهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِيْ حَتى أسْتَغْفِرَ اللهَ كَذَا [و] (٥) كَذَا مَرَّةً" [و] (٥) قَال أبو عُبَيْدَةَ (٦): يَعْنِي

стр. 244

أنه يَتَغَشَّى القَلْبَ مَا يُلْبِسُهُ، وَقَالَ غيرُ أبي عُبَيْدةَ (١): كَأنهُ يَعني (٢) مِنَ السَّهْوِ. وَقَالَ (٣) الأصْمَعِيُّ: غِيْنَتِ الَسمَاءُ غَيْنَاً، قَالَ (٤): وَهوَ إطْبَاقُ الغَيْم السماء (٥). قلْتُ (٦): وَلَيْسَ هَذَا عَلَى أنه كَانَ يَغْشَىِ قَلْبَهُ شَكٌّ بَعْدَ المَعْرِفَةِ، أوْ رَيْبٌ بَعْدَ اليَقين، وَإنما ذلِكَ لأنه -[ ﷺ ] (٧) -: كَانَ لَا يَزَالُ فِي مَزِيْدٍ مِنَ الذِّكْرِ، وَالقرْبَةِ، وَدَوَامِ المُرَاقبَةِ. فَإذَا سَهَا عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا فِي بَعْضِ الأحْوَالِ، وَغَلَب عَلَيْهِ النسْيَانُ لِمَا فِيْهِ مِنَ الطبْعِ البَشَرِي عَدَّهُ عَلَى نَفْسِهِ ذَنْبَاً، وَفَزِعَ إلَى التوبةُ والاسْتِغْفَارِ. وَمِنْ دُعَائِهِ [ ﷺ ] في الاستسقاء (٨): [١٣٥] "اللهُم ضَاحَتْ بِلَادُنَا، وَاغْبَرَّت أرْضنَا، وَهَامَتْ

стр. 245

دوَابُّنَا، اللهم ارْحَمْ بَهَائِمَنَا الحَائِمَةَ (١)، وَالأنْعَامَ السَّائِمَةَ، وَالأطْفَالَ المُحْثَلَة" (٢). [و] (٣) قَوْلُه: "ضَاحَتْ بِلَادُنَا" [إنما هُوَ "فَاعَلَتْ"] (٤)، مِنْ ضَحَى المَكَانُ، وَضَحِيَ -لُغتان- إذَا بَرَزَ لِلشَّمْسِ يَضْحَى. [وَضَحِيَ الرجلُ يَضْحَى؛ إذَا أصَابَهُ حَرُّ الشمْسِ] (٥)؛ قَالَ الله [تعالى] (٦): (وَأنَّكَ لَا تَظْمأُ فِيْهَا وَلاَ تَضْحَى) [طه/١١٩] وَقَوْلُه: "هَامَتْ دوَابُّنَا" أيْ: عَطِشتْ، وَالهَيْمَانُ: العَطْشَانُ، وَالحَائِمَةُ: هِيَ التي تَنْتَابُ أمَاكِنَ المَاءِ فَتَحُوْمُ عَلَيْهِ؛ أيْ: تَطُوْفُ، وَلَا تَرِدُ. يُرِيْدُ: أنها لَا تَجدُ مَاءً ترِدُهُ. وَالأطْفَالُ المُحْثَلَةُ: هُمُ الذِيْنَ انْقَطَعَ رَضَاعُهُمْ والحَثْلُ: سُوْءُ الرَّضَاع. قَالَ ذو الرمة (٧):

стр. 246

عوَاء فَصِيْلٍ آخِر اللَّيْلِ مُحْثَلِ [١٣٦] [و] (١) قَوْلُهُ: إِذَا مُطِرَ: "اللَّهُمْ سَيْبَاً هَنِيْئَاً". [هكذا] (٢) قَالَ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ في رِوَايَتِهِ: وَرُبما (٣) رُوِيَ لَنَا صَيْبَاً، وَهُوَ أجْوَدُ. و (٤) السَّيْبُ: العطاء -بِفَتْحِ السين- وَالسِّيْبُ: مَجْرَى المَاءِ -بِكَسْرهَا-، يُقَالُ: سَابَ المَاءُ سُيُوْبَاً: إِذَا جَرَى. فَأمَّا (٥) الصَّيْبُ فَأصلُهُ: الصَوْبُ، يُقَالُ: صَابَ المَطَرُ يَصُوْبُ صَوْبَاً؛ إذَا نَزَلَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الله -سُبْحَانَهُ (٦) -: (أوْ كَصَيِّب مِنَ السمَاءِ) [البقرة/ ١٩]. وَوَزْنُهُ (٧) فَيْعِلٌ، مِنْ صَابَ يَصُوْبُ: إذَا نَزَلَ.

стр. 247

[١٣٧] [و] (١) قوْلُهُ: "تَعَوَّذُوا بالله مِنَ (٢) الأعْمَيين، وَمِنْ قِتْرَةَ وَمَا وَلَد". يُرِيْدُ بِالأعْمَيين: السَّيْلَ وَالحَرِيْقَ. وَقيل (٣) لَهُمَا الأعْمَيَانِ، لأنهُ (٤) لَا هِدَايَةَ لَهُمَا، إنما يَتَعَسَّفَانِ بِمنزِلَةِ العُمْيَانِ. وَيرْوَى أيْضَاً: الأيْهمَين وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ. وَمِنْ هَذَا قِيْلَ لِلْمَفَازَة (٥) التي لَا يُهْتَدَى فِيْهَا لِلْطرِيْق (٦) اليَهْمَاءُ. وَقتْرَةُ: اِسْمُ إبْليْسَ، وَيُقَالُ: كُنْيَتُهُ أبُو قِتْرَةَ. وَابْنُ قُتْرَةَ حَيَّةٌ خَبِيثةٌ. [١٣٨] [و] (٧) قَوْلُهُ: [ ﷺ ] (٨) فِي الاسْتِسْقَاءِ: "اللهُم اسْقِنَا

стр. 248

غَيْثَاً مُغِيْثَاً، وَحَيَاً رَبِيْعَاً، وَجَدَاً طَبَقَاً [غدقاً] (١)، مُغْدِقاً مُونقَاً هَامِياً (٢)، هَنِيْئَاً مَرِيئَاً مَرِيْعَاً مُرْبعَاً (٣) مُرْتِعَاً وَابِلًا سَابِلًا مُسْبِلًا مُجَلِّلاً دِيَمَاً. دِرَراً نَافِعَاً غيرَ ضَارٍّ [و] (٤) عَاجِلًا غيرَ رَائِثٍ، تُحْييَ بهِ البِلَادَ، وَتُغِيثُ بِهِ العِبَادَ، وَتَجْعَلُهُ بَلَاغَاً لِلْحَاضِرِ مِنَّا وَالبَادِ [اللهم أَنزِلْ عَلَيْنا فِي أرْضِنَا زينَتَهَا وَأنْزِلْ عَلَيْنَا في أرْضِنَا سُكْنَهَا] (٥). الغَيْثُ: هو المُحْييِ بإذْنِ اللْهِ، وَكَذَلِكَ الحَيَا، مَقْصُوْرٌ، هُوَ الذِي تَحْيَا بِهِ الأرْضُ، والمال. يقال: فيه إحياء الناس (٦). وَالجَدَا: المطرُ العامُ، وهو مقصورٌ وَمِنْهُ أُخِذَ جَدَى العَطِيَّةِ وَالجَدْوَى. وَالطَّبَقُ

стр. 249

الذي يُطَبِّقُ وَجْهَ الأرْضِ، وَالمُغْدِقُ (١) وَالغَدَق: الكَثير القَطْرِ. وَالمُونقُ: المُعْجِبُ، يُقَالُ: آنَقَني الشيْءُ، أيْ: أعْجَبَنيْ. والمَرِيْعُ: ذو المَرَاعَةِ وَالخِصْبِ، يقالُ: أمْرَعَ الوَادِيْ: إذَا أنْبَت، فَإنْ قَدمتَ العينَ فَقُلْتَ (٢): أمْعَرَ الوَادي كَانَ ضِدَّ ذَلِكَ. وَيُقَالُ (٣): أمْعَرَ (٤) الرَّجُلُ (٤): إذَا ذهبَ مَالُهُ، وَمَتَاعُهُ، وَفِي الحَدِيْثِ: [١٣٩] "مَا أمْعَرَ حَاجٌّ قَطُّ" أيْ: مَا افْتَقَر. وَالمرْتِعُ إذَا رويتَهُ بالتَّاءِ، كَانَ [من] (٥) رَتَعَتِ الإبِلُ إذَا رَعَتْ؛ يُرِيْدُ أنهُ يُنْبِتُ لَهَا مَا تَرْتَعُ فِيْهِ، وإنْ رَويتَهُ بِالبَاءَ كَانَ منْ قَوْلكَ: رَبَعْتُ بِالمَكانِ إذَا أقَمْتَ بِهِ؛ يريد: أن هَذَا المطرَ يُرْبِعُهُمْ؛ أيْ: يَحْبِسُهُمْ وَيُغْنِيْهِمْ عَنِ الارْتيَادِ وَالنُّجْعَةِ، ويكُونُ المُرْبِعُ أيْضَاً بمعْنَى: المُنْبِت لِلْربِيْعِ. وَالوَابِلُ: المَطَرُ الشدِيْدُ الضخمُ القَطْرِ، وَمِنْهُ يَكُوْنُ السَّيْلُ. والدِّيْمَةُ:

стр. 250

المَطَرُ يَدُوْمُ مَعَ سُكُونٍ، وَالجَوْدُ الذِي يُرْوِيْ كُل شَيْءٍ. وَالسَّابِلُ: مِنَ السَّبَلِ، وَهُوَ المَطَرُ. يُقَالُ: سَبَلٌ سَابِلٌ. وَالمُجَلِّلُ (١): الذِي يُجَلِّلُ الأرْضَ بِمَائِهِ أوْ بِنَبَاتِهِ، كَأنهُ يَكْسُوْهَا ذَلِكَ. وَدرَرٌ: جَمْعُ دِرّةٍ، والرَّائِثُ: البَطِيْءُ، يُقَالُ: رَاثَ عَلَيْنَا؛ أيْ: أبْطَأ. وَزِيْنةُ الأرْضِ: النبَاتُ، كَقَوْلهِ -[جَلَّ وَعَزَّ] (٢) -: (حَتى إذَا أخذَت الأرْضُ زُخْزفَهَا وَازَّيَّنَتْ) [يونس/ ٢٤]. وَسُكْنُهَا: قُوْتُهَا، وَهُوَ مَأخُوْذٌ مِنْ سَكَنْت المَكَانَ. أسْكُنُهُ سُكُوْنَاً. وَإنما قِيْلَ لَهُ: سُكْنٌ، لأنَّهُ المَكَانُ الذي (٣) يُسْكَنُ بِهِ. وهُوَ مِثْلُ قَولهمْ: نُزْلُ العَسْكَرِ؛ لأن النُّزُوْلَ إنما يَكُوْنُ بِهِ لأهْلِ العَسْكَرِ. [١٤٠] قَوْلُهُ -[ ﷺ ] (٤) -: "اللهم لا تُطِعْ فِيْنَا تَاجِرَاً (٥) وَلَا مُسَافِرَاً" مَعْنَاهُ لَا تَسْتَجِبْ فِيْنَا دُعَاءَهُمَا في إمْسَاكِ المَطَرِ؛ فَإنَّ التاجِرَ يُرِيْدُ الغَلَاءَ، وَالمُسَافِرَ يَكْرَهُ المَطَرَ لِئَلاَّ (٦) يَحْبِسَهُ عنِ السَّير (٧).
следующие страницы →