← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9573

الوصف المناسب لشرع الحكم

أحمد بن عبد الوهاب الشنقيطي

Полный текст (374 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

دليل المذهب الأول: استدل القائل بالمذهب الأول، القائل بالمنع بأن في جواز تعدد الحكم بعلة واحدة بمعنى الباعث تحصيل الحاصل، لأن المصلحة المقصودة من شرع الحكم الذي بعثت عليه العلة حاصلة بأحد الحكمين، فإذا حصل الحكم الآخر حصلها مرة أخرى، وفي هذا تحصيل الحاصل١. وأجيب عنه بمنع تحصيل الحاصل، لجواز أن تحصل بالحكم الآخر مصلحة أخرى لم تحصل بالأول، كما في السرقة المترتب عليها القطع زجراً عنها، للسارق ولغيره، وغُرم المسروق جبراً لما تلف من المال. أو أن المصلحة المقصودة، لا تحصل إلا بالحكمين كما في الزنا المثبت للجلد والتغريب، ليحصل بهما الزجر التام٢، وبهذا يتضح منع تحصيل الحاصل. دليل المذهب الثاني: واستدل أهل المذهب الثاني القائلون بالجواز بأنه لا يمتنع أن يناسب الوصف الواحد لحكمين، فأكثر، كما في شرب الخمر، فإنه مناسب للتحريم، ولوجوب الحد، والحيض، فإنه مناسب لوجوب الفطر في رمضان وترك الصلاة، وحرمة مسّ المصحف، ودخول المسجد، وغيرها٣. وبهذا ظهر اشتمال الوصف الواحد على مصالح متعددة، وأن الحاصل بأحدها غير الحاصل بالآخر. دليل المذهب الثالث: قالوا: يجوز تعليل حكمين بعلة واحدة، إن لم يتضادا كالسرقة لوجوب القطع والغرم.

стр. 107

أما إذا تضادا، فلا يجوز كالتأبيد لصحة البيع، وبطلان الإجارة؛ لأن الشيء الواحد لا يناسب المتضادين١. وأجيب عنه بأن محل المنع هو ما إذا اتحد المحل، أما إذا اختلف المحل كما في المثال المذكور، فلا يمتنع، ويدل لذلك ما صرح به الشيخ حسن العطار ونصه قال: "لأن شرط التضاد اتحاد المحل، والبيع لا يضاد الإجارة، لأن البيع نقل الذوات، والإجارة نقل المنافع، فلا يلزم من تصحيح الأول تصحيح الثاني، وبهذا تعلم رد قوله - يعني الجلال المحلى - لأن الشيء الواحد الخ، لأن التناسب للمتاضدين٢ من جهتين مختلفتين"٣.

стр. 108

المبحث الثامن تعليل حكم الأصل بعلة متأخرة عنه اختلف الأصوليون في تعليل حكم الأصل بعلة متأخرة عنه في الوجود على مذهبين: الأول: أنه جائز بناء على تفسير العلة بالمعرف١. الثاني: أنه غير جائز، وممن قال به: ابن الحاجب، وابن السبكي، وصاحب التحرير، وهو اختيار الآمدي. واستدلوا على ذلك بأن العلة إما أن تكون بمعنى الباعث، أو الأمارة المعرفة، فإن كانت بمعنى الباعث لزم ثبوت حكم الأصل بلا باعث، وهو محال، أو أنه ثبت بباعث غير العلة المتأخرة عنه٢. وأيضاً فإن تأخر العلة عن الحكم يدل على أن الحكم لم يشرع لها٣، وإن كانت بمعنى الأمارة المعرفة لزم منه أيضاً تعريف المعرف، والمفروض أن الحكم عرف قبلها لسبقه عليها في الوجود، وتعريف المعرف ومحال٤. قال العطار: "لكن الثاني إنما يتم إذا فسر المعرف بأنه الذي يحصل به التعريف، أما إذا فسر بما من شأنه التعريف فلا، كما لا يتم قول المحلى "بناء على تفسيرها بالمعرف" إلا بتفسير المعرف بما من شأنه التعريف، لا بتفسيره بالذي يحصل به التعريف، إذ سبق إحدى العلتين بالتعريف مانع من حصول التعريف بما بعده، لأنه تحصيل للحاصل، بخلاف تفسير المعرف بما من شأنه التعريف،

стр. 109

لأن التعريف المتأخر حينئذ لمتقدم جائز وواقع، إذ الحادث يعرف بهذا المعنى القديم، كالعالم لوجود الصانع"١. لكن يرد على هذا ما صرح به العضد من أن تفسيرها بغير الباعث غير المبحث٢، وقد مثلا لذلك بمثالين: الأول: كما يقال في إصابة عرق الكلب، إصابة عرق حيوان نجس، فيكون نجساً كلعابه، فيمنع المعترض كون عرق الكلب نجساً، فيجيب المستدل بأنه مستقذر كاللعاب، فيكون نجساً، فإن استقذاره إنما يحصل بعد الحكم بنجاسته٣. فإن قيل: الاستقذار لا يدل على النجاسة كما في لعاب الإنسان. أجيب عنه بأن المراد الاستقذار الشرعي، مع أن المقصود التمثيل٤، لكن يرد على هذا ما ذكره صاحب التحرير وشارحه من أن ما ادعى من تأخر الاستقذار عن الحكم بالنجاسة غير لازم، لجواز المقارنة بأن يثبتا معاً٥. الثاني: تعليل إثبات الولاية للأب على الصغير الذي عرض له الجنون بالجنون قياساً على الصغير، لأن ولاية الأب على الصغير ثابتة قبل عروض الجنون له بالصغر، هكذا مثل الآمدي وصاحب التحرير٦. وقال صاحب التحرير وشارحه: "أن هذا المثال متفق عليه"٧. وأما عضد الدين فقد عبر عنه بما نصه: "كأن يعلل سلب الولاية عن الصغير بالجنون العارضي للولي"٨، غير أنه اعترض عليه صاحب التقرير

стр. 110

والتحبير بأن ما عبر به عكس المراد، فإن ظاهره أن الولاية كانت ثابتة للولي على الصغير، وإنما سلبها عنه عروض جنونه، وليس في هذا تأخر العلة عن حكم الأصل بل تقدمها عليه. قال: "فيستقيم أن يتفرع عليه سلب ولايته عن البالغ المجنون بتزويجه بعلة جنونه نقسه قياساً"١. وقال التفتازاني مصوباً لتعريف الآمدي السابق وغيره، وموجهاً لعبارة العضد: وأما المثال الثاني فكلام الآمدي وجميع الشارحين هو أن يعلل - سلب - ولاية الأب على الصغير الذي عرض له الجنون بالجنون، فإن الولاية ثابتة قبل عروض الجنون بالصغر، وهذا في غاية الظهور. وأما عبارة الشارح، وهو أن يعلل سلب الولاية عن الصغير بالجنون العارض للولي، فغاية ما أدى إليه نظر الناظرين في هذا الكتاب أنه وضع الظاهر موضع المضمر، والمعنى سلب الولاية عن الصغير بالجنون العارض له والفرع في الأول إثبات الولاية عن البالغ، المجنون، وفي الثاني سلبها عنه لجنونه. والأقرب أن يجعل سلب الولاية عن الولي الذي عرض له الجنون كالأب مثلاً فرعاً، وعن الصغير المجنون أصلاً، والمعنى كما يعلل سلب الولاية عن الصغير المجنون بالجنون الذي هو عارض في الولي البالغ المقيس على الصغير المجنون"٢.

стр. 111

المبحث التاسع يشترط في صحة العلة أن لا تعود على الأصل بالإبطال يشترط في صحة العلة أن لا تعود على الأصل الذي استنبطت منه بالإبطال، لأنه أصلها، إذ التعليل فرع الثبوت، وإبطال الأصل يستلزم إبطال فرعه. وذلك كتعليل الحنفية وجوب الشاة في الزكاة بدفع حاجة الفقراء المفضي لجواز دفع قيمتها، فإنه يفضي إلى عدم وجوبها على التعيين، بالتخيير بينها، وبين قيمتها١. فالأصل وجوب الشاة، وقد استنبطوا منه أن العلة هي دفع حاجة الفقراء، فاقتضى التخيير بين دفع الشاة، وبين قيمتها، فالقول بالتخيير إبطال لوجوب دفع الشاة على التعيين دون القيمة الذي هو الأصل. وكتعليلهم الحكم المستفاد من قوله ﷺ : "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء" ٢، بالكيل مع أن من حكمه حرمة ذلك في القليل من الطعام الذي لا يكال لعمومه، والتعليل بالكيل يخرج القليل الذي لا يكال من حكم حرمة التفاضل. وفي ذلك إبطال لحكم الأصل الذي هو حرمة بيع الطعام متفاضلاً قليلاً كان أو كثيراً٣. وللحنفية عن هذين المثالين إجابات نذكر منها ما يأتي: أما عن الأول فقد أجابوا عنه بما عزاه لهم المطيعي، ونصه: "أجاب الحنفية بأننا نسلم أن استنباط العلة المبطلة للنص لا يجوز، لكن العلة المستنبطة هنا ليست مبطلة، لأن الذي غير النص هو نص آخر، وهو ما سنذكره لاستنباط

стр. 112

العلة، فالنص هو الذي جعل المراد من الشاة المالية دون الصورة، لأن إيجاب الشاة يتضمن جواز بدلها بالأداء، لأن المنظور في أداء الزكاة هو المالية دون الصورة، لأنها لدفع حاجات الفقراء، والقيمة أولى به، وقد دل عليه جواز الإتيان بأداء القيمة بدلاً منها، وأن المنظور في إيجابها المالية نص حديث معاذ ﵁ كما علقه البخاري: "ائتوني بخمسين أو لبيس "١، مكان الذرة والشعير الواجبين عليكم، وهو أهون عليكم، وخير لأصحاب رسول الله ﷺ بالمدينة" ٢. وأيضاً ورد في كتاب خليفة رسول الله ﷺ ، الصديق الأكبر رضوان الله تعالى عليه، ما رواه البخاري: "من بلغت عنده الصدقة الجذعة، وليست عنده جذعة وعنده حقة، فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن تيسرتا له، أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده حقة، وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون، وليست عنده بنت لبون، وعنده بنت مخاض، فإنها تقبل منه بنت المخاض، ويعطى معها عشرين درهماً، أو شاتين"٣.

стр. 113

وفي صدر هذا الكتاب "هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ "، وعلى آله وأصحابه الصلاة والسلام، فحينئذ ظهر جلياً أن ذكر الشاة لتعيين مالية الواجب، وأعلامه أن الواجب صورة الشاة، فعلم أن هذا استنباط للمناط بالنص. فقال الشافعية: هذا تأويل بعيد لا يقبل، قلنا: ليس بتأويل أصلاً، فإن الشاة باقية على معناها وذكرها، لأنها معيار معرفة الواجب. ومن تأمل فيما قلنا علم اندفاع ما يرد أيضاً أنه أبقى لفظ الشاة على معناها فهو الواجب، ولا تجزئ القيمة، وإن أريد به القيمة فهو تأويل، لأنا نقول: نعم إنه تأويل، بل دليل، وهو ما ذكرناه، فليس بعيداً ولا يلزم منه عدم إجزاء القيمة لما قلناه١. وأما عن الثاني: فقد أجابوا عنه بأن الطعام المنهي عن بيعه متفاضلاً يختص بالكثير دون القليل الذي لا يكال، لأنه ﵊ استثنى الحال بقوله "إلا سواء بسواء" فكان المراد منه حال التساوي في الكيل، والمذكور في صدر الكلام، وهو الطعام عين، واستثناء الحال من العين لا يستقيم، إذ الأصل في الاستثناء الاتصال، فدل على أنه مستثنى من أحوال المبيع التي هي: التساوي، والتفاضل، والمجازفة، والتسوية لا تتصور إلا في الكثير، فكان آخر الحديث دليلاً على أنه أوله لما يتناول القليل الذي لا يكال، فصار التغيير بدلالة النص مصاحباً للتعليل، لا بالتعليل٢. ويدل على أن الحنفية لا يخالفون في لزوم هذا الشرط تمثيلهم بما أوردوه على الشافعية في تعليلهم النص الدال على السلم بدفع الحرج لإحضار السلعة محل البيع ونحوه، فإن نص السلم مخصص لحديث "لا تبع ما ليس عندك" ٣.

стр. 114

ودليل التخصيص يعلل، والتعليل بدفع الحرج يشمل الحالَّ والمؤجل. غير أن هذا التعليل واقع في مقابلة نص السلم القائل "من أسلف في شيء، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" ١. فقد أوجب في السلم الأجل، فالتعليل بتجويز الحال مبطل للنص الموجب للتأجيل، والتعليل المبطل للنص باطل٢. ولما كان المراد من الأمثلة إنما هو توضيح المسألة، لم أر مناقشتها لا سيما وقد قيل: والشأن لا يعترض المثال ... إذ قد كفى الفرض والاحتمال٣ وحيث إن تعرضي لمباحث العلة إنما هو من باب التمهيد، لأنها لم تكن من صلب موضوعي، لذا فإنني أقتصر في البحث على ما تقدم مع تنبيه القارئ على أن بعض الأصوليين اشترط شروطاً أخرى في العلة هي: ١ - أن لا تكون العلة المستنبطة معارضة بمعارض موجود في الأصل مناف لمقتضاها، بأن يبدي على أخرى من غير ترجيح، كقول الحنفية في تبييت نية صوم رمضان: صوم عين فيتأدى بالنية قبل الزوال كالنفل، فيعارض بأنه صوم فرض يحتاط فيه، فلا يبنى على السهولة. ٢ - يشترط في العلة أن لا تخالف نصاً، أو إجماعاً، لأنهم مقدمان على القياس. ٣ - أن لا تتضمن زيادة إن نافت الزيادة مقتضاها، بأن يدل نص على علية وصف، ويزيد الاستنباط قيداً فيه منافياً للنص، فلا يعمل بالاستنباط لأن النص مقدم عليه.

стр. 115

٤ - يشترط في العلة أن لا تكون وصفاً مقدراً، كتعليل العتق عن الغير بتقدير الملك. ٥ - أن لا يتناول دليلها حكم الفرع بعمومه أو خصوصه، للاستغناء حينئذ بالدليل عن القياس كما في حديث "الطعام بالطعام مثلاً بمثل" ١، فلا حاجة إلى إثبات ربوية التفاح مثلاً بقياسه على البر بجامع الطعم، للاستغناء عنه بعموم الحديث٢. ٦ - اشترط بعضهم كون حكم الأصل قطعياً، والقول المختار الاكتفاء بالظن، لأن الظن غاية الاجتهاد فيما يقصد به العمل٣. ٧ - اشترط بعضهم أن لا تخالف مذهب صحابي، قال العضد: "والحق جوازها، لجواز أن يكون مذهب الصحابي لعلة مستنبطة من أصل آخر ... ولعل من شرط عدم مخالفة الصحابي، فلأن الظاهر أخذه من النص، والاحتمال لا بدفع الظهور، وهو محل الاجتهاد"٤. ٨ - اشترط بعضهم القطع بوجود العلة في الفرع، قال السعد: "والصحيح يكفي الظن كما في الأصل، وفي كونها علة"٥. هذه هي الشروط التي رأيت أن أكتفي بتنبيه القارئ عليها من غير أن أتعرض لبحثها خشية الإطالة بما ليس من صلب موضوعي. والآن أنتقل إلى الكلام على ما قبل الموضوع من مسالك العلة إن شاء الله تعالى.

стр. 116

الفصل الرابع فيما قبل الوصف المناسب من مسالك العلة وفيه مباحث: تمهيد: المسالك جمع مسلك، والمراد به الطريق الذي يسلكه المجتهد لإثبات علية الوصف، وكون الوصف الجامع علة، حكم خبري غير ضروري، فلا بد من دليل يميز الوصف الصالح للعلية عن سائر الأوصاف الموجودة في الأصل لينبني على الاشتراك في الاشتراك في الحكم وكون الوصف علة لحكم الأصل يعرف بمسالك١. وهذه المسالك منها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، ولما كان تعرضي لها إنما هو من باب التمهيد لذا فإنني سوف يكون تعرضي لما قيل الوصف المناسب بطريق الاختصار خشية الإطالة، فأقول: ١ - الإجماع، وهو أن يذكر ما يدل على إجماع الأمة في عصر من الأعصار بعد وفاة النبي ﷺ على كون الوصف الفلاني علة للحكم الفلاني، إما قطعاً، وإما ظناً، لأن الظن كاف في إثبات الأحكام كالإجماع على كون الصغر على لثبوت الولاية على الصغير في ولاية المال، فتقاس ولاية النكاح على ولاية المال. وكالإجماع على أن علة تقديم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب في الإرث هي امتزاج النسبين، فيقاس عليه تقديمه في ولاية النكاح، والصلاة على جنازته، وغيرهما بجامع امتزاج النسبين.

стр. 117

وكالإجماع على أن العلة في حديث "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان" ١، هي تشويش الغضب للفكر، فيقاس عليه كل مشوش للفطر كالحقن٢ والجوع والعطش، وغيرها. فإن قيل: كيف يسوغ الاختلاف فيما كانت علته مجمعاً عليها من مسائل الاجتهاد؟ أجيب بأن الاختلاف إنما يتصور فيما إذا كان الإجماع ظنياً كالثابت بالآحاد والسكوتي، أو يكون وجود العلة ظنياً في الأصل أو الفرع٣. ٢ - النص من جهة الشارع: قال الآمدي: "وهو أن يذكر دليل من الكتاب أو السنة على التعليل بالوصف بلفظ موضوع له في اللغة من غير احتياج فيه إلى نظر واستدلال٤، ثم قسمه هو والإمام، والبيضاوي، وابن السبكي إلى: - قاطع، وهو الذي لا يحتمل غير العلية. - وإلى ظاهر، وهو ما يحتمل غير العلية احتمالاً مرجوحاً. وأما ابن الحاجب فقد أراد به ما يشمل الإيماء والتنبيه، وقسمه إلى: صريح، وإيماء، فأدخل الإيماء في النص٥. قال العطار: "وابن الحاجب أدرج فيه الظاهر، وقابل بالصريح التنبيه والإيماء، وأدرج الثلاثة في النص، وكل صحيح، لكن ما صنعه المصنف - يعني ابن السبكي - اقعد"٦.

стр. 118

ولعله أقعد؛ لأن دلالة النص وضعية، ودلالة الإيماء والتنبيه لزومية، فإن قيل: كيف يجعل الظاهر قسماً من النص مع أن الأصوليين جعلوه قسيماً له؟ أجيب بأن المراد هنا مطلق الدليل الوارد من الكتاب والسنة، فهو أعم من النص المصطلح عليه وهو أحد اطلاقاته١، كما هو معلوم٢. هذه هي طرق الأصوليين في تقسيم هذا المسلك، وسأسلك طريق من قسمه إلى: قاطع وظاهر، فأقول: الأول: القاطع وله ألفاظ: "أ" التصريح بلفظ الحكمة كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءهُم مِّنَ الأَنبَاء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ ٣ ذكر ذلك الزركشي وقال: وهذا أهمله الأصوليون، وهو أعلاها٤. "ب" لعلة كذا. "ج" لسبب كذا ولموجب كذا ولمؤثر كذا. قال صاحب النبراس: "ولم يذكر الأصوليون لهذه أمثلة ولعلهم لم يظفروا بذلك في كتاب ولا في سنة"٥. "د" من أجل، أو لأجل وهو دون ما قبله. ذكره الزركشي، وعزاه لابن السمعاني٦، لأن لفظ العلة تعلم به العلة من غير واسطة، بخلاف قوله: لأجله،

стр. 119

فإنه يفيد معرفتها بواسطة معرفة أن العلة ما لأجلها الحكم والدال بلا واسطة أقوى. قال: وكذا قاله الأصفهاني١ في النكت٢، مثال ذلك كما في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ٣، أي كتبنا على بني آدم القصاص من أجل قتل ابن آدم أخاه. وقوله علية الصلاة والسلام: "إنما نهيتكم عن لحوم الأضاحي لأجل الدافة"٤ أي إنما نهيتكم عن ادخارها لتتصدقوا بها على المستحقين لما في ذلك من كثرة الثواب٥. "هـ" كي، وتكون مثبتة ومنفية: فمثالها مثبتة قول الله تعالى: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ ٦، ومثالها منفية قوله تعالى: ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ﴾ ٧،

стр. 120

أي إنما وجب تخميس الفيء، كي لا يتداوله الأغنياء منكم فلا يحصل للفقراء منه شيء، فإن قيل: كيف تعد كي في الصريح مع أنها تكون مصدرية والمحتمل لغير التعليل، ليس صريحاً في التعليل به؟ أجيب عنه بأن كي المصدرية تلزمها لام التعليل ظاهرة أو مقدرة فهي مؤكدة للام التعليل، فلم تخرج عن كونها للتعليل بالأصالة أو التأكيد. "و" إذن كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ ١، أي ولولا أن ثبتناك على الحق بعصمتك عن الباطل، لقد كدت تركن إليهم ركوناً قليلاً، إذن لأذقناك عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة، كما نعذب غيرك فيهما٢. الثاني: الظاهر وهو أن يحتمل غير العلية احتمالاً مرجوحاً وله ألفاظ هي: الأول: اللام ظاهرة ومقدرة، فالظاهر كقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٥، وقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ٦، أي لزوال الشمس، وقد نقل الغزالي عن القاضي عدم صلاحية اللام للتعليل في هذا المثال ونظر فيما نقله عنه بما نصه: "قال القاضي: قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ من هذا الجنس لأن هذا لام التعليل والدلوك لا يصلح أن يكون علة، فمعناه صل عنده فهو للتعقيب".

стр. 121

قال الغزالي: "وهذا فيه نظر إذ الزوال والغروب لا يبعد أن ينصبه الشرع علامة للوجوب ولا معنى لعلة الشرع إلا العلامة المنصوبة، وقد قال الفقهاء: الأوقات أسباب، ولذلك يتكرر الوجوب بتكررها، ولا يبعد تسمية السبب علة" ١. ووجه كونها ظاهرة التعليل هو أنها قد تحتمل غير العلة احتمالاً مرجوحاً وذلك لورودها لغير التعليل كقولهم ثبت هذا الحكم لعلة كذا، وقول القائل أصلي لله تعالى، وقول الشاعر: لدوا للموت وابنوا للخراب، فقصد الفعل لا يصلح أن يكون علة للفعل وغرضاً له، وذات الله تعالى لا تصلح أن تكون علة للصلاة، ولا الموت علة للولادة، والخراب علة للبناء لأن العلة هي الباعث على الفعل٢، وسيأتي لهذا زيادة بيان إن شاء الله تعالى. وأما المقدرة فكقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَد أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ٣، التقدير لا تطع من هذه مثاليه، لإن كان ذا مال وبنين أو التقدير: يكفر لإن كان ذا مال وبنين، وقيل غير ذلك٤. وقد اعترض الفخر الرازي على دلالة اللام على التعليل وظهورها فيه بوجوه، وأجاب عنها بما نصه: قال: "فإن قلت: اللام ليست صريحة في العلية، ويدل عليه وجوه: الأول: أنها تدخل على العلة فيقال: ثبت هذا الحكم لعلة كذا ولو كانت اللام صريحة في التعليل لكان ذلك تكراراً.

стр. 122

الثاني: أنه تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ ١، وبالاتفاق لا يجوز أن يكون ذلك غرضاً. الثالث: قول الشاعر: لدوا للموت وابنوا للخراب ... فليست اللام ههنا غرضاً. الرابع: يقال: أصلي لله تعالى، ولا يكون أن تكون ذات الله تعالى غرضاً قال: قلت: أهل اللغة صرحوا بأن اللام للتعليل وقولهم حجة، وإذا ثبت ذلك وجب القول بكونها مجازاً في هذه الصور"٢. وقد تابع البيضاوي، والأسنوي الإمام في كون اللام مجازاً في هذه الصور دفعاً للاشتراك لأنه خير منه٣، وذلك لأمرين: أحدهما: أن الاشتراك اللفظي يلزمه تعدد الوضع والأصل عدمه. الثاني: أن اللفظ مع الاشتراك إن لم تكن معه قرينة فهو غير دال على شيء بعينه وإن كانت معه قرينة دل على ما دلت عليه القرينة فهو دال في حال واحدة. وأما اللفظ مع الحقيقة والمجاز٤ فهو دال على الحالين؛ لأنه إن لم تكن معه قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي فهو دال على المعنى الحقيقي، وإن كانت معه قرينة صارفة فهو دال على المجاز. ووجه العلاقة هنا بين الحقيقة والمجاز أن عاقبة الشيء مترتبة عليه في الحصول ترتب العلة الغائية على معلولها٥.

стр. 123

الثاني: إن المكسورة المشددة نحو: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ ١. وقوله ﷺ : "إنها من الطوافين عليكم" ٢ لكن يرد على هذا ما نقله الأسنوي عن التبريزي٣ في التنقيح، أنه قال: "والحق أن إنّ لتأكيد مضمون الجملة ولا إشعار لها بالتعليل، ولهذا يحسن استعمالها ابتداء من غير سبق حكم"٤. قال صاحب نبراس العقول: "وعبارة التبريزي كما في القرافي "والحق إنها لتحقيق الفعل، وليس لها في التعليل حظ، ولهذا يحسن استعمالها ابتداء من غير سابقة حكم، والتعليل في الحديث مفهوم من قرينة سياق الكلام" ا. هـ. وقال وقد استبعد القرافي كلام التبريزي، وقال: إن السابق إلى الفهم من قوله تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ ٥، التعليل٦. ونقل الزركشي عن الكمال بن الأنباري٧ إنكار كونها للتعليل وإجماع النحاة

стр. 124

على أنها لا ترد للتعليل وأنها في قوله: "إنها من الطوافين عليكم" للتأكيد، وقال: أن علية طهارة سؤر الهرة هي الطواف، ولو قدرنا مجيء قوله: "هي من الطوافين" بغير "أن" لأفاد التعليل، فلو كانت إن للتعليل لعدمت العلية بعدمها، ولا يمكن أن يكون التقدير لأنها، وإلا لوجب فتحها ولا استفيد التعليل من اللام. قال: وتابعه جماعة من الحنابلة منهم إسماعيل البغدادي وأبو محمد يوسف بن الجوزي١. ويعكر ما ذهب إليه ما ذكره السعد وغيره، قال السعد: "وأما كلمة إن بدون الفاء مثل: "إنها من الطوافين عليكم" فالمذكور في أكثر الكتب أنها من الصريح بما ذكره الشيخ عبد القادر أنها في مثل هذه المواقع تقع موقع الفاء وتغني غناءها٢. قال الزركشي: "وممن صرح بمجيئها للتعليل أبو الفتح بن جني٣، ونقل القاضي نجم الدين في فصوله٤ قولين للعلماء فيه وأن الأكثيرين على إثباته وليس مع النافي إلا عدم العلم، وكفى بابن جني حجة في ذلك"٥. الثالث: الباء كقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ٦، أي منعناهم منها لظلمهم، وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ

стр. 125

لِنتَ لَهُمْ﴾ ١، أي بسبب الرحمة لنت لهم، وقوله: ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢. غير أنه يرد على هذا أن الباء تأتي للمصاحبة وللتعدية والإلصاق، وغيرها. وأجاب الإمام عنه بأن "أصل الباء للإلصاق، وذات العلة لما اقتضت وجود المعلول حصل معنى الإلصاق هناك، فحسن استعمالها فيه مجازاً" ٣. قال الأسنوي: "وهذا الكلام صريح في أنها لا تحمل عند الإطلاق على التعليل وحينئذ لا تكون ظاهرة فيه، وهذا هو الصواب"٤. قال صاحب النبراس: "وفيه نظر، لأنه إذا لم تكن الباء من قسم الظاهر، ومن المعلوم أنها ليست من قسم القاطع، ولا من الإيماء - فمن أي قسم تكون حينئذ؟ ثم إن مقتضى كلامه أن اللفظ لا يكون ظاهراً في التعليل إلا إذا كان بحيث إذا أطلق ينصرف إليه. وهذا كما أنه يخرج المستعمل في التعليل مجازاً يخرج عنه المشترك بين التعليل وغيره. فالتحقيق " ... أن كون اللفظ مشتركاً بين التعليل وغيره، أو مستعملاً في التعليل على سبيل المجاز، لا ينافي أنه من النص الظاهر في التعليل غايته أنه يحتاج إلى قرينة تصرف اللفظ عن إرادة غير التعليل منه"٥. الرابع: الفاء، وتكون في كلام الشارع، وفي كلام الراوي أما في كلام الشارع فتكون في الحكم، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ

стр. 126

أَيْدِيَهُمَا﴾ ١، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِح الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ٣، وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ٤، وكما في قوله ﷺ : "من أحيا أرضاً ميتة، فهي له" ٥، وقوله: "من بدل دينه فاقتلوه" ٦. وتكون في الوصف كما في حديث المحرم الذي وقصته ناقته: "ولا تمسوه طيباً ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً" ٧. وكما في الحديث "زملوهم بكلومهم فإنهم يحشرون وأوداجهم تشخب دماً، اللون لون الدم والريح ريح المسك" ٨. أما في كلام الراوي فتكون فيه في الحكم كقول عمران بن حصين سها رسول الله ﷺ ، فسجد٩. وأما في الوصف في كلام الراوي فذكر الأسنوي ما يدل على جوازه بقوله: "لم يظفروا له بمثال"١٠، لأن مقتضى عدم العثور على مثاله، يقتضي إمكان حصوله،

стр. 127

غير أنه لم يحصل، أو لم يعرف، لكن قول المحلى "وتكون في ذلك في الحكم فقط"١، يقتضي عدم إمكانه، غير أن عدم الظفر له بمثال أعم من إمكان حصوله فلا يقتضيه. وعلله الشربيني بقوله: "إنما كان كذلك، لأن الراوي من حيث هو راو إنما يريد حكاية ما وقع، فلا بد أن يحكيه على ترتيبه، ثم السامع ينتقل إلى فهم التعليل وليس هو كالشارع حتى يؤخر ما كان مقدماً في الوجود بناء على فهم السامع التعليل. فإن قلت: حكاية ما في الخارج تحصل مع التأخير؛ لأن تقدم العلة لازم، قلت: وضع الفاء إنما هو ترتب مدخولها وهو الذي ساق له الراوي كلامه، لا التعليل اللازم له التقدم"٢. وسواء في ذلك الفقيه وغيره، وإن كانت رواية الفقيه تقدم على رواية غير الفقيه عند التعارض لإتقانه، لأن الراوي عدل يحكي ما وقع، وهو عارف بمعاني الألفاظ فعبر عما وقع أمامه بعبارة تدل عليه، ولو لم يفهم ترتب الحكم على الوصف بالفاء لم يقله، فالفاء فيما ذكر للسببية التي هي بمعنى العلية٣. هذا وقد اختلف الأصوليون في الترتيب بالفاء هل هو من النص، أو الإيماء؟ فمنهم من اعتبره من النص كابن الحاجب وابن السبكي من النص الظاهر الدال على العلية وضعاً، لا نظراً واستدلالاً وهذا هو الظاهر، لتبادر السلبية منها، كما في قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ ٤، وقوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ ٥ "لأن القضاء مسبب عن الوكز الذي هو سبب الموت

стр. 128

والتوبة مسببة عن تلقي الكلمات بالأخذ والقبول والعمل بها التي هي سبب التوبة" إلى غير ذلك" ١. ومنهم من اعتبره من الإيماء والتنبيه كالإمام في المحصول وتبعه البيضاوي في المنهاج والآمدي في الأحكام. وذكر الشيخ حسن العطار أن بعض شراح البيضاوي وفق بين قول البيضاوي وبين قول ابن الحاجب، بأنه لما احتاجت دلالة الفاء على العلية إلى النظر لم تكن وضعية صرفة فلذا جعلها البيضاوي من الإيماء، ولما دلت على الترتيب بالوضع جعلها غيره من أقسام ما يدل بوضعه. قال: وطريق النظر أن يقال: الفاء للتعقيب، وحينئذ يلزم أن يثبت الحكم عقيب ما رتب عليه فتلزم سببيته للحكم إذ لا نعني بها سوى ذلك٢. وقرر السعد في حاشيته على العضد وجه كون الفاء من النص مع أن النص عند العضد هو ما دل على العلية بوضعه "بأن الفاء بحسب الوضع إنما تدل على الترتيب ودلالتها على العلية إنما تستفاد بطريق النظر والاستدلال من الكلام على أن هذا ترتب حكم على الباعث المتقدم عليه عقلاً أو ترتب الباعث على حكمه الذي يتقدم "هو" عليه في الوجود، فمن جهة كونها للترتيب بالوضع جعل من أقسام ما يدل بوضعه، ومن جهة احتياج ثبوت العلة إلى النظر جعل استدلالية لا وضعية صرفة"٣. قال صاحب النبراس: "وفيه نظر، لأنه صريح في أن الفاء ليست موضوعة للتعليل ومجرد كونها موضوعة لشيء يستلزم التعليل لا يقتضي اعتبارها من النص على رأيه"٤.

стр. 129

وقد وجه الآمدي دلالة الترتيب بالفاء على العلية في جميع الصور بقوله: "وذلك في جميع هذه الصور يدل على أن ما رتب عليه الحكم بالفاء يكون علة للحكم لكون الفاء في اللغة ظاهرة في التعقيب. ولهذا فإنه لو قيل: جاء زيد فعمرو، فإن ذلك يدل على أن مجيء عمرو عقيب مجيء زيد من غير مهلمة ويلزم من السببية لأنه لا معنى لكون الوصف سبباً إلا ما ثبت الحكم عقيبه، وليس ذلك قطعاً بل ظاهراً، لأن الفاء في اللغة قد ترد بمعنى الواو في إرادة الجمع المطلق، وقد ترد بمعنى ثم في إرادة التأخير مع المهلة كما سبق تعريفه غير أنها ظاهرة في التعقيب بعيدة فيما سواه"١. وذكر العطار - بعد ذكر أمثلة الفاء - أنها "للسببية التي هي بمعنى العلية، ففي الأخير مثلاً المعنى، فبسبب سهوه سجد، وفي ذلك التنبيه على رد اعتراض العراقي٢ على المصنف بأن البيضاوي جعل الفاء مطلقاً من قبيل الإيماء وظاهر أن كلاً منهما صحيح ولا مشاحة في الاصطلاح مع أنه ما قاله المصنف التابع لابن الحاجب اقعد من قول البيضاوي التابع للمحصول٣. وعبارة البيضاوي في المنهاج هي "الثاني: الإيماء وهو خمسة أنواع: الأول: ترتيب الحكم على الوصف بالفاء وتكون في الوصف أو الحكم وفي لفظ الشارع، أو الراوي، مثاله: "والسارق والسارقة لا تقربوا طيباً، زنى ماعز فرجم" ٤.

стр. 130

قال العطار: "ووفق بعض شرحه بينه وبين ابن الحاجب بأنه لما احتاجت دلالة الفاء على العلية إلى النظر لم تكن وضعية صرفة، فلذا جعلها من الإيماء، ولما دلت على الترتيب بالوضع جعلها غيره من أقسام ما يدل بوضعه. قال: "وطريق النظر أن يقال: الفاء للتعقيب، وحينئذ يلزم أن يثبت الحكم عقيب ما رتب عليه فتلزم سببيته للحكم، إذ لا نعني بها سوى ذلك"١. والحاصل أنهم متفقون على أن ترتيب الحكم على الوصف بالفاء يفيد العلية مطلقاً سواء كان الوصف ظاهر المناسبة للحكم أو لم يكن ظاهر المناسبة له؛ لأن الترتيب إما نص أو في قوة النص، والنص لا يشترط فيه ظهور المناسبة؛ لأنه متى نص الشارع على علية وصف لحكم ثبتت عليته له بقطع النظر عن المناسبة وعدمها، وستأتي زيادة بيان وجه كون الترتيب يفيد العلية في الإيماء إن شاء الله تعالى. الخامس: إذ، نحو ضربت العبد إذ أساء، أي لإساءته٢. السادس: "أن المفتوحة المخففة فإنها بمعنى لأجل، والفعل المستقبل بعدها تعليل لما قبله نحو أن كان ذا مال، ومنه ﴿أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾ ٣، فإنه مفعول لأجله قدره البصريون كراهة أن يقولوا والكوفيون لئلا تقولوا أو لأجل أن تقولوا"٤. السابع: "إن المكسورة ساكنة النون الشرطية، بناء على أن الشروط اللغوية أسباب، فلا معنى لإنكار من أنكر عدها من ذلك٥، نحو: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ ٦.

стр. 131

الثامن: بيد نحو "أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش" ١. التاسع: على، نحو قوله تعالى: ﴿لِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ ٢. العاشر: في، كما في قوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٣. الحادي عشر: من، بكسر الميم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ﴾ ٤. ذكر الأربعة الأخير المحلى، وقال: "إنما فصل هذا - يعني ابن السبكي عما قبله بقوله "ومنه" لأنه لم يذكره الأصوليون٥، ومراده بالأصوليين متقدموهم، فلا ينافي ذكر بعض متأخريهم أنه من المسالك، هكذا قال العطار. قال: "وقيل: عدم ذكره هو الصواب؛ لأن استعمال هذه في التعليل إنما يكون لقرينة، فلا يصدق تعريف الظاهر عليه؛ لأن الظاهر ما دل دلالة ظنية أو ظاهرة بطريق الوضع كالأسد أو العرف٦، كالغائط بأن يكون موضوعاً لذلك المعنى

стр. 132

الراجح لغة أو عرفاً، وما يحتاج إلى قرينة مؤول"١. لكن يرد على ما ذكره أنا العبادي٢ وجه ظهورها في التعليل "بأنهم أرادوا بكون هذا القسم ظاهراً في العلية ما يعم كونه ظاهراً فيها بواسطة القرائن، وحينئذ فلا إشكال فيما فعله المصنف؛ لأن تلك الحروف والأسماء وإن كانت موضوعة لغير العلية وكان استعمالها في العلية إنما هو بقرينة، فقد تكون ظاهرة فيها بواسطة القرائن، فيجب أن تكون من القسم الظاهر في العلية، ولما لم يذكروها فيه نبه المصنف على ذلك بفصلها يقوله "ومنه"٣. هذه هي الصيغ التي ذكر الأصوليون أنها تدل على التعليل بطريق النص القاطع أو الظاهر، وهي وإن كانت دلالة بعضها على التعليل بالقرينة عل العلية إلا أنها ظاهرة فيها على ما مر تقريره. والظاهر يجب الأخذ به حتى يدل الدليل على عدم إرادته ويدل لذلك ما ذكره الآمدي - بعد أن ذكر الحروف الظاهرة في التعليل، وهي: اللام وكي، ومن، وأن، والباء أنها صريحة في التعليل حيث قال: "هذه الصيغ الصريحة في التعليل، وعند ورودها يجب اعتقاد التعليل إلا أن يدل الدليل على إنها لم يقصد بها التعليل، فتكون مجازاً فيما قصد بها"٤ ومراده بالصريحة ما يشمل الظاهر. قال البدخشي٥: "والحق أن معنى الظهور والتعليل في هذه الحروف تبادر

стр. 133

الذهن إلى فهم التعليل منها في أمثال هذه المواقع ولا بدلالة السياق والسياق لا أنها موضوعة للتعليل بخصوصه دون غيره من المعاني١. والحاصل أنها ظاهرة في التعليل وإن كانت قد ترد لغيره لأن كونها موضوعة للتعليل ولغيره، سواء بطريق الاشتراك اللفظي أم بكونها حقيقة في غير التعليل مجازاً في التعليل لا يمنع من ظهورها فيه لدلالة القرائن على إرادة التعليل دون غيره، فمعنى ظهورها فيه هو تبادر الذهن إلى فهم التعليل ولو بدلالة السياق لا أنها موضوعة للتعليل، دون غيره كما سبق نقله عن البدخشي، وغيره. هذا وقد ختم الزركشي البحث بما يفيد دلالتها على التعليل مع اختلاف مراتبها فيه بما نصه: قال: "هذه الألفاظ كما تختلف مراتبها في نفسها في الدلالة على التعليل كذلك تختلف بحسب وقوعها في كلا القائلين، فهي في كلام الشارع أقوى منها في كلام الراوي، وفي كلام الراوي الفقيه أقوى منها في غير الفقيه مع صحة الاحتجاج بها في الكل خلافاً لمن توهم أنه لا يحتج بها إلا في كلام الراوي الفقيه". قال: وهذا البحث توهمه بعض المتأخرين وليس قولاً وزعم الأسدي أن الوارد في كلام الله أقوى من الوارد في كلام النبي ﷺ ، والحق تساويهما وبه صرح الهندي لعدم احتمال تطرق الخطأ إليهما"٢، والله تعالى أعلم. ٣ - الإيماء والتنبيه، ويسمى بكل منهما دون الآخر. الإيماء في اللغة: مصدر أومأ إلى الشيء إيماء أشار إليه إشارة خفيفة، ويقال: ومأت إليه أمأ وأما مثل وضعت أضع وضعاً٣. وأما في اصطلاح الأصوليين فقد عرفوه بتعريفين: الأول: تعريف ابن الحاجب وهو: "اقتران وصف بحكم لو لم يكن هو أو

стр. 134

نظيره للتعليل لكان بعيداً"١. شرح التعريف: قوله: "اقتران" وصف بحكم، معناه أن يجتمع في كلام الشارع وصف وحكم سواء كانا ملفوظين معاً، أو مقدرين معاً، أو كان أحدهما ملفوظاً والآخر مقدراً. وقوله: "أو نظيره" أي نظير هذا الوصف لنظير هذا الحكم بمعنى أنه لو لم يكن الوصف علة في الحكم، أو لم يكن نظير هذا الوصف علة لنظير هذا الحكم لكان القران بينهما بعيداً لا يليق بفصاحة الشارع لخلوه عن الفائدة فوجب حمله على التعليل دفعاً لاستبعاد عدم الفائدة عن كلام الشارع العالم بأسرار البلاغة، ومواقع الألفاظ والذي لا تخلو أفعاله عن فائدة٢. فمثال ما كان الوصف والحكم مذكورين فيه قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ ٣، ومثال المقدرين قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ﴾ ٤. ومثال ما إذا كان الوصف مذكوراً والحكم مقدراً حيث "تمرة طيبة وماء طهور"٥. ومثال ما كان الحكم مذكوراً والوصف مقدراً: "اعتق رقبة"، فإن التقدير واقعت فاعتق. ومثال النظيرين ما أخرجه مسلم عن ابن عباس ﵄ أنَّ امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: "إني أمي ماتت وعليها صوم شهر، فقال: "أرأيت لو

стр. 135

على أمك دين أكنت تقضينه؟ " قالت: نعم، قال: "فدين الله أحق بالقضاء"، وفي رواية "أكان يؤدى ذلك عنها"؟ ١ أي: فإنه يؤدى عنها. فإنها سألته عن دين الله تعالى على الميت وجواز قضائه عنه، فذكر لها دين الآدمي عليه، وقررها على جواز قضائه عنه، وهما نظيران فلو لم يكن جواز القضاء فيهما لعلة الدين له لكان بعيداً٢. وستأتي هذه الأمثلة في أنواع الإيماء، وإنما قدمتها هنا للإيضاح والمراد من الوصف المعنى القائم بالغير ولو كان شرطاً أو استثناء أو غاية أو استدراكاً. والمراد بالحكم: الحكم الشرعي، بدليل قوله "لو لم يكن للتعليل" أي: لكونه علة لكان بعيداً، وإنما نسب الاقتران إلى الوصف مع أن الاقتران من الجانبين لأن الحكم هو المقصود والوصف إنما جيء به وقرن بهذا الحكم ليكون معرفاً له، وعلامة على مواقعه"٣. فظهر أن المراد من الإيماء المراد مسلكاً من مسالك العلة هو الاقتران المقيد بكونه بين الوصف والحكم ويكون الوصف لو لم يكن هو أو نظيره لتعليل لكان بعيداً. فالاقتران جنس في التعريف يشمل كل اقتران سواء كان اقتران وصف بحكم، أو اقتران وصف بغير حكم، أو اقتران حكم بذات، خرج عنه ما دل على العلية بلفظ كالفاء، و "وصف" قيد أول خرج به اقتران حكم بذات نحو أكرم زيداً، وبحكم قيد ثان خرج به اقتران وصف بغير حكم نحو: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ ٤ فالوصف هو الإنزال، والمقترن به هو لفظ كتاب، وهو ليس بحكم، لأن جملة "أنزلناه" في موضع رفع صفة لكتاب، وقوله "لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل لكان بعيداً قيد ثالث لإخراج اقتران وصف بحكم لو لم يكن هو أو

стр. 136

نظيره للتعليل لم يكن بعيداً كأن خرج الوصف مخرج الغالب كما في قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ ١، فذكر الوصف وهو الكون في الحجر مع الحكم، وهو التحريم إنما هو لمراعاة الغالب لأن الغالب في الربيبة كونها تتربى كذلك، وليس المراد به التعليل. ومخرج أيضاً لما عدا الإيماء من طرق العلية لأن المفيد للعلية فيها شيء آخر، كالنص أو المناسبة أو السبر أو غيرها٢. هذا وقد اتفق الأصوليون على أن الوصف والحكم إن كانا مذكورين فإيماء باتفاق، وإن كان مستنبطين فليس بإيماء باتفاق، وإن كان أحدهما مذكوراً دون الآخر بأن ذكر الوصف، وكان الحكم مستنبطاً منه غير مصرح به، أو العكس ففيه ثلاثة مذاهب: الأول: أنه إيماء بناء على أن الإيماء اقتران الوصف والحكم وإن كان أحدهما مقدراً تنزيلاً للمستنبط منزلة الملفوظ، فيقدمان عند التعارض على المستنبطة بلا إيماء. الثاني: ليس شيء منهما بإيماء، بناء على أنه لا بد من ذكرهما ليتحقق الاقتران بالجمع بينهما لأن انفراد أحدهما لا يحقق الاقتران. الثالث: إن كان الوصف ملفوظاً، والحكم مستنبطاً، فإيماء أما إذا كان الحكم منصوصاً والوصف مستنبطاً، فليس بإيماء لجواز أن يكون الوصف أعم من الحكم فلا يستلزمه لأنه يوجد بدونه تحقيقاً لمعنى الأعمية وهو كثير، ومنه أكثر العلل المستنبطة. مثال ما كان الوصف منصوصاً، والحكم مستنبطاً، قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ ٣ فإن اللفظ بصريحه يدل على الحل، والصحة مستنبطة منه.

стр. 137

ووجه استنباطه أنه لو لم يصح لم يكن مفيداً وإذا لم يكن مفيداً كان عبثاً والعبث قبيح، والقبيح حرام، فلم يكن حلالاً فيلزم كونه حلالاً أن يكون صحيحاً لتعذر الحل مع انتفاء الصحة١. قال الآمدي: "وهو الحق، وذلك لأنه إذا كان اللفظ بصريحه يدل على الوصف، وهو الحل والصحة لازمة له، لما تقرر فإثبات الحل وضعاً يدل على إرادة ثبوت الصحة ضرورة كونها لازمة للحل فيكون ثابتاً بإثبات الشارع له مع وصف الحل وإثبات الشارع للحكم مقترناً بوصف مناسب دليل الإيماء إلى الوصف كما لو ذكر معه الحكم بلفظ يدل عليه وضعاً ضرورة تساويهما في الثبوت، وإن اختلفا في طريق الثبوت بأن كان أحدهما ثابتاً بدلالة اللفظ وضعاً والآخر مستنبطاً من مدلول اللفظ وضعاً لأن الإيماء إنما كان مستفاداً عند ذكر الحكم والوصف بطريق الوضع من جهة اقتران الحكم بالوصف لا من جهة كون الحكم ثابتاً بطريق الوضع"٢. ومثال ما كان الحكم منصوصاً والوصف مستنبطاً حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلاً بمثل، سواء بسواء يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد"، وفي رواية سمعت رسول الله ﷺ "ينهى عن الذهب بالذهب"، الحديث٣. فإن النهي عن التفاضل عند اتحاد الجنسين لا يستلزم وصفاً معيناً، ولذا ذهب الشافعي إلى أنه الطعم، ومالك إلى أنه الاقتيات والادخار، وأبو حنيفة وأحمد إلى أنه الكيل أو الوزن. فظهر أن الفرق بين الصورتين أن الوصف في الأول يستلزم الحكم، فيظهر

стр. 138

اعتباره مقارناً له، فيتحقق الإيماء بخلاف الثاني، لجواز أن يكون الوصف الذي يستلزمه الحكم أعم مما عينه المستنبط، وحينئذ لا يكون في الحكم دلالة على خصوص ما عينه المستنبط حتى يكون فيه إيماء إليه كما في المثال الآنف الذكر١. هل للخلاف ثمرة؟ قال العضد: "والخلاف لفظي مبني على تفسير الإيماء، فالأول مبني على أن الإيماء اقتران الحكم والوصف سواء كان مذكورين أو أحدهما مذكوراً والأخر مقدراً. والثاني مبني على أنه لا بد من ذكرهما؛ إذ به يتحقق الاقتران. والثالث مبني على أن إثبات مسلتزم الشيء يقتضيه إثباته، والعلة كالحل تستلزم المعلول كالصحة فيكون بمثاية المذكور فيتحقق الاقتران، واللازم حيث ليس إثباته إثباتاً لملزومه بخلاف ذلك"٢. التعريف الثاني: "هو ما دل على علية وصف لحكم بواسطة قرينة من القرائن"٣. شرح التعريف: قوله: "ما" يعني لفظاً بدليل قوله ما دل والمراد من الدلالة هنا الدلالة الالتزامية بدليل عبارة الآمدي ونصها "الثاني: ما يدل على العلية بالتنبيه والإيماء وذلك بأن يكون التعليل لازماً مدلول اللفظ وضعاً لا أن يكون اللفظ دالاً بوضعه"٤. فقوله: "ما" جنس في التعريف يشمل جميع الألفاظ سواء كانت مستعملة أم مهملة وسواء دلت على العلية أم دلت على غيرها، وقوله "دل" قيد أول مخرج

стр. 139

للمهمل، والدلالة هي فهم أمر من أمر بعد العلم بالوضع أو كون أمر يفهم منه أمر فهم أو لم يفهم. وقوله: "على علية وصف لحكم" فالعلية معناها كون الشيء علة والمراد كون الوصف علة للحكم، وأما الموصوف والحكم فقد تقدم تعريفهما بما أغنى عن إعادته، وهو قيد ثان مخرج لما دل على غير العلية كما تقدم. وقوله: "بقرينة من القرائن" أعم من أن تكون لفظاً، أو غير لفظ فتشمل الترتيب بالفاء الملفوظة أو المقدرة والقرينة المعنوية كقرينة الاستبعاد، وخلو الاقتران به عن الفائدة، وهو قيد ثالث يخرج ما كان التعليل به بالنص أو المناسبة أو السبر أو غيرها. الموازنة بين التعريفين: يظهر للمتأمل في التعريفين السابقين أن تعريف ابن الحاجب لا يشمل الترتيب بالفاء الملفوظة؛ لأن دلالتها بالقرينة اللفظية فالفاء عنده من الصريح؛ لأنه جعل المقيد للإيماء هو بعد القران فقط. أما التعريف الثاني: فقد اعتبر المفيد للعلية في الإيماء هو مطلق القرينة الشاملة للفظية والمعنوية، فيشمل الترتيب بالفاء المذكورة فهي عنده من باب الإيماء١، والله تعالى أعلم. أنواع الإيماء: النوع الأول: ما لو حدثت واقعة فرفعت إلى النبي ﷺ فحكم عقيبها بحكم فإن حكمه يدل على كون ما حدث علة لذلك الحكم وذلك كما في قول الأعرابي الذي جاء إلى رسول الله ﷺ وقال له: "يا رسول الله هلكت وأهلكت، فقال له النبي ﷺ : "ماذا صنعت"؟ فقال: واقعت أهلي في نهار رمضان عامداً، وأنا صائم، فقال له ﵊: "اعتق رقبة" ٢، فإنه يدل على كون

стр. 140

الوقاع علة في الإعتاق، لأن الأعرابي سأل رسول الله ﷺ عن واقعته لبيان حكمها شرعاً فكان ذكره ﷺ جواباً للأعرابي ليحصل غرضه من بيان الحكم، ولئلا يخلو السؤال عن الجواب، لأن الكلام الصالح للجواب إذا كان عقيب السؤال يغلب على الظن أن يكون جواباً له. وإذا كان كلام رسول الله ﷺ جواباً للأعرابي، كان السؤال مقدراً في الجواب، كأنه قال: واقعت فأعتق، والداعي لتقرير السؤال مع الجواب تحقق الاقتران بين الوصف والحكم، في كلام واحد، إذ الاقتران بينهما في كلامين غير ممكن١. وحينئذ يلحق هذا النوع بترتيب الحكم على الوصف بالفاء، لكنه دونه في الظهور وذلك لأمرين: الأول: أن الفاء هنا مقدرة وثمة ملفوظة، والملفوظ أقوى من المقدر. الثاني: لاحتمال عدم قصد الجواب كما لو قال العبد لسيده طلعت الشمس، فقال له: اسقني ماء فإنه لا يفهم منه الجواب لسؤال العبد، ولا التعليل بل هو أمر له ابتداء بسقي الماء، وعدول عن السؤال بالكلية، وذلك إما للذهول عن السؤال أو لعدم الالتفات إليه لعدم تعلق الغرض به غير أن هذا الاحتمال وإن كان وارداً إلا أنه بعيد في حق النبي ﷺ فيما فرض السؤال عنه؛ إذ الغلاب عليه عدم الذهول، ولأنه لو لم يقصد الجواب للزم تأخير البيان عن وقت الحاجة مع أنه خلاف الظاهر٢.

стр. 141

فائدة ومنصب الشارع مما ينزه عنه، وذلك لأن الوصف المذكور إما أن يكون مذكوراً مع الحكم في كلام تعالى أو كلام رسوله ﷺ ". فإن كان كلام الله تعالى وقدر أنه لو لم يقدر التعليل به فذكره لا يكون مفيداً، ولا يخفى أن ذلك غير جائز في كلام الله تعالى إجماعاً، نفياً لما لا يليق بكلامه عنه. وإن كان في كلام رسوله ﷺ فلا يخفى "أن" الأصل إنما هو انتفاء العبث عن العاقل في فعله وكلامه ونسبة ما لا فائدة فيه إليه، لكونه عارفاً بوجوه المصالح والمفاسد فلا يقدم في الغالب على ما لا فائدة فيه وإذا كان ذلك الظاهر من حال العقلاء فمن هو أهل للرسالة عن الله تعالى، ونزول الوحي عليه وتشريع الأحكام أولى، وإذا عرفت ذلك فيجب اعتقاد كون الوصف المذكور في كلامه مع الحكم علة"١. وهذا النوع اختلفت فيه طريقة الأصوليين: فمنهم من ذكره من غير أنه يقسمه إلى أقسام كابن الحاجب ومنهم من قسمه إلى أقسام كالآمدي، وقد رأيت أن أسلك طريقة من قسم إلى أقسام لما في ذلك من زيادة الإيضاح، وهذه الأقسام هي: ١ - أن يكون ذكر الوصف مع الحكم دافعاً لسؤال أورده من توهم الاشتراك بين الصورتين كما روي أنه ﷺ امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب، فقيل له: إنك دخلت على قوم عندهم هرة، فقال ﷺ : "إنها ليست نجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات" ٢، فلو لو يكن طوافها علة لعدم نجاستها لم يكن

стр. 142

لذكره عقب الحكم بطهارتها فائدة١. ٢ - "أن يذكر الشارع وصفاً في محل الحكم لو لم يكن علة لم يحتج إلى ذكره، وذلك كما في حديث ابن مسعود ﵁ ليلة الجن أنه أحضر للنبي ﷺ ماء نبيذ فيه تمر، فتوضأ منه، وقال: "تمرة طيبة، وماء طهور" ٢، فإن وصف المحل وهو النبيذ بطيب ثمرته وطهورية مائه دليل على بقاء طهورية الماء"٣. وذلك دليل على بقاء الماء على الطهورية. وهذا الحكم غير مصرح به، وإنما قلنا أن وصف المحلى بطيب الثمرة وطهورية الماء دليل على بقاء الماء على الطهورية، لأنه لو لم يكن كذلك لكان ذكره ضائعاً من فائدة، لأنه ظاهر في ذاته لا يحتاج إلى بيان"٤. قال القرافي: "هذا المثال غير مطابق، لأن ذكر طيب الثمرة ليس إشارة إلى العلة بل إلى عدم المانع، فلو كانت الثمرة مستقذرة أمكن أن تكون نجسة تمنع من بقاء طهورية الماء، إذ العلة هي ما يستند إليه الحكم وجوداً وطهورية الماء حاصلة من قبل نبذ التمر، فالمراد من ذكر هذا الوصف أنه ليس بمانع لبقاء الطهورية لا أنه مثبت لحكم بقائها"٥.

стр. 143

غير أن ما ذكره من أن ذكر طيب الثمرة ليس بإشارة إلى العلة، بل إلى عدم المانع لعدم نجاسة الثمرة، يرد عليه أنه لو كان الأمر كذلك، لاطرد ما ذكره في باقي الطاهرات الطيبة إذا خالطت الطهور، لكن الواقع خلافه، فلو اختلط الطهور بغيره من الثمار الطيبة فإنه لا يبقى على طهوريته. فالذي أراه أن العلة في بقاء طهورية الماء هي خصوصية ما ذكر في المثال من ذكر الشارع وصفاً في محل حكم الخ، وهو كون المخالط ثمرة طيبة، والله تعالى أعلم. ٣ - أن يسأل النبي ﷺ عن حكم شيء فيسأل النبي ﷺ عن وصف له فإذا أجاب عنه المسئول أقره عليه، ثم يذكر بعده الحكم كما في قوله ﷺ حين سئل عن جواز بيع الرطب بالتمر: "أينقص الرطب إذا جف؟ " قيل: نعم، قال: "فلا إذن" ١، فلو لم يكن نقصانه باليبس علة في المنع من البيع للتقرير عليه لما كان لسؤال النبي ﷺ فائدة. وكون التعليل في هذا المثال يفهم أيضاً من الترتيب بالفاء، ومن إذن لا ينافي ذلك؛ لأنه لو قدر انتفاؤهما بأن فرض أن النبي ﷺ قال: "لا يجوز" لبقي التعليل إذ لو لم يكن للتعليل، لكان السؤال عنه غير مفيد٢. ٤ - أن يعدل في بيان الحكم إلى نظيره لمحل السؤال، وذلك كما في حديث "الصحيحين" أن امرأة قالت: "يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: "أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه، أكان يؤدي ذلك عنها؟ " قالت نعم، قال: "فصومي عن أمك"، أي فإنه يؤدي عنها٣. سألته عن دين الله على الميت وجواز قضائه عنه، فذكر لها دين الآدمي عليه، وقررها على جواز قضائه عنه وهما نظيران فلو لم يكن جواز القضاء فيهما لعلية

стр. 144

الدين له كان بعيداً"١، ومثل هذا يسميه الأصوليون التنبيه على أصل القياس، لأنه مشتمل على أركان القياس الأربعة: المقيس، وهو دين الله تعالى، والمقيس عليه، وهو دين العباد والحكم وهو جواز القضاء والعلة هي الدينية في كل منهما٢. النوع الثالث: أن يفرق الشارع بين شيئين في الحكم بذكر صفة فإن ذلك يشعر بأن تلك الصفة علة لذلك الحكم حيث خصصها بالذكر دون غيرها فلو لم تكن علة له كان ذلك خلاف ما أشعر به اللفظ وهو تلبيس يصان عنه منصب الشارع، وهذا النوع تحته قسمان: أحدهما: أن يكون حكم أحد الشيئين مذكوراً مع الوصف دون حكم الآخر، مثل قوله ﷺ : "القاتل لا يرث" ٣، ففي الحديث التفريق بين القاتل المذكور في عدم الإرث، وبين غيره من الورثة بذكر القتل، وليس فيه حكم ميراث من لم يقتل، فلو لم يكن القتل عله لعدم الإرث لكان بعيداً، وأما علة إرث غير القاتل فهي النسب وغيره من أسباب الميراث. وثانيهما: أن يكون حكم كل من الشيئين مذكوراً مع الوصف وهو خمسة أقسام: ١ - أن تكون التفرقة بين الشيئين بلفظ الشرط كما في حديث مسلم "الذهب الذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد" ٤. فالتفريق بين منع البيع في هذه الأشياء متفاضلاً وبين جوازه عند اختلاف الجنس لو لم يكن لاختلاف العلة للجواز لكان بعيداً.

стр. 145

٢ - أن تكون التفرقة بين الشيئين بالغاية كما في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ﴾ ١، أي: فإذا تطهرن فلا مانع من قربانهن، كما صرح به عقيبه بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ ، فالشيئان هما: قربانهن وعلته الطهر والمنع من قربانهن وعلته الأذى، فالتفريق بين المنع من قربانهن قبل الطهر، وبين جوازه في الطهر لو لم يكن لعلية الطهر لكان بعيداً. ٣ - أن تقع التفرقة بالاستثناء كما في قوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ﴾ ٢، أي: الزوجات على ذلك النصف فلا شيء لهن. فتفريقه بين ثبوت النصف لهن وبين انتفائه عند عفوهن لو لم يكن لعلية العفو للانتفاء لكان بعيداً، وأما ثبوت النصف لهن فعلته العقد. ٤ - أن تكون التفرقة بالاستدراك كما في قوله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ ٣، فتفريقه بين عدم المؤاخذة بالأيمان التي هي لغو وبين المؤاخذة بها عند تعقيدها لو لم يكن لعلية التعقيد للمؤاخذة لكان بعيداً. ٥ - أن يكون التفريق بذكر صفة لأحدهما بعد ذكر الأخرى بشرط أن تكون تلك الصفة صالحة للعلية مثال ذلك حديث الصحيحين ولفظه كما في البخاري٤: "جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهماً"٥، فالحكمان هما: جعل
следующие страницы →