← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9573

الوصف المناسب لشرع الحكم

أحمد بن عبد الوهاب الشنقيطي

Полный текст (374 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فائدة ومنصب الشارع مما ينزه عنه، وذلك لأن الوصف المذكور إما أن يكون مذكوراً مع الحكم في كلام تعالى أو كلام رسوله ﷺ ". فإن كان كلام الله تعالى وقدر أنه لو لم يقدر التعليل به فذكره لا يكون مفيداً، ولا يخفى أن ذلك غير جائز في كلام الله تعالى إجماعاً، نفياً لما لا يليق بكلامه عنه. وإن كان في كلام رسوله ﷺ فلا يخفى "أن" الأصل إنما هو انتفاء العبث عن العاقل في فعله وكلامه ونسبة ما لا فائدة فيه إليه، لكونه عارفاً بوجوه المصالح والمفاسد فلا يقدم في الغالب على ما لا فائدة فيه وإذا كان ذلك الظاهر من حال العقلاء فمن هو أهل للرسالة عن الله تعالى، ونزول الوحي عليه وتشريع الأحكام أولى، وإذا عرفت ذلك فيجب اعتقاد كون الوصف المذكور في كلامه مع الحكم علة"١. وهذا النوع اختلفت فيه طريقة الأصوليين: فمنهم من ذكره من غير أنه يقسمه إلى أقسام كابن الحاجب ومنهم من قسمه إلى أقسام كالآمدي، وقد رأيت أن أسلك طريقة من قسم إلى أقسام لما في ذلك من زيادة الإيضاح، وهذه الأقسام هي: ١ - أن يكون ذكر الوصف مع الحكم دافعاً لسؤال أورده من توهم الاشتراك بين الصورتين كما روي أنه ﷺ امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب، فقيل له: إنك دخلت على قوم عندهم هرة، فقال ﷺ : "إنها ليست نجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات" ٢، فلو لو يكن طوافها علة لعدم نجاستها لم يكن

стр. 142

لذكره عقب الحكم بطهارتها فائدة١. ٢ - "أن يذكر الشارع وصفاً في محل الحكم لو لم يكن علة لم يحتج إلى ذكره، وذلك كما في حديث ابن مسعود ﵁ ليلة الجن أنه أحضر للنبي ﷺ ماء نبيذ فيه تمر، فتوضأ منه، وقال: "تمرة طيبة، وماء طهور" ٢، فإن وصف المحل وهو النبيذ بطيب ثمرته وطهورية مائه دليل على بقاء طهورية الماء"٣. وذلك دليل على بقاء الماء على الطهورية. وهذا الحكم غير مصرح به، وإنما قلنا أن وصف المحلى بطيب الثمرة وطهورية الماء دليل على بقاء الماء على الطهورية، لأنه لو لم يكن كذلك لكان ذكره ضائعاً من فائدة، لأنه ظاهر في ذاته لا يحتاج إلى بيان"٤. قال القرافي: "هذا المثال غير مطابق، لأن ذكر طيب الثمرة ليس إشارة إلى العلة بل إلى عدم المانع، فلو كانت الثمرة مستقذرة أمكن أن تكون نجسة تمنع من بقاء طهورية الماء، إذ العلة هي ما يستند إليه الحكم وجوداً وطهورية الماء حاصلة من قبل نبذ التمر، فالمراد من ذكر هذا الوصف أنه ليس بمانع لبقاء الطهورية لا أنه مثبت لحكم بقائها"٥.

стр. 143

غير أن ما ذكره من أن ذكر طيب الثمرة ليس بإشارة إلى العلة، بل إلى عدم المانع لعدم نجاسة الثمرة، يرد عليه أنه لو كان الأمر كذلك، لاطرد ما ذكره في باقي الطاهرات الطيبة إذا خالطت الطهور، لكن الواقع خلافه، فلو اختلط الطهور بغيره من الثمار الطيبة فإنه لا يبقى على طهوريته. فالذي أراه أن العلة في بقاء طهورية الماء هي خصوصية ما ذكر في المثال من ذكر الشارع وصفاً في محل حكم الخ، وهو كون المخالط ثمرة طيبة، والله تعالى أعلم. ٣ - أن يسأل النبي ﷺ عن حكم شيء فيسأل النبي ﷺ عن وصف له فإذا أجاب عنه المسئول أقره عليه، ثم يذكر بعده الحكم كما في قوله ﷺ حين سئل عن جواز بيع الرطب بالتمر: "أينقص الرطب إذا جف؟ " قيل: نعم، قال: "فلا إذن" ١، فلو لم يكن نقصانه باليبس علة في المنع من البيع للتقرير عليه لما كان لسؤال النبي ﷺ فائدة. وكون التعليل في هذا المثال يفهم أيضاً من الترتيب بالفاء، ومن إذن لا ينافي ذلك؛ لأنه لو قدر انتفاؤهما بأن فرض أن النبي ﷺ قال: "لا يجوز" لبقي التعليل إذ لو لم يكن للتعليل، لكان السؤال عنه غير مفيد٢. ٤ - أن يعدل في بيان الحكم إلى نظيره لمحل السؤال، وذلك كما في حديث "الصحيحين" أن امرأة قالت: "يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: "أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه، أكان يؤدي ذلك عنها؟ " قالت نعم، قال: "فصومي عن أمك"، أي فإنه يؤدي عنها٣. سألته عن دين الله على الميت وجواز قضائه عنه، فذكر لها دين الآدمي عليه، وقررها على جواز قضائه عنه وهما نظيران فلو لم يكن جواز القضاء فيهما لعلية

стр. 144

الدين له كان بعيداً"١، ومثل هذا يسميه الأصوليون التنبيه على أصل القياس، لأنه مشتمل على أركان القياس الأربعة: المقيس، وهو دين الله تعالى، والمقيس عليه، وهو دين العباد والحكم وهو جواز القضاء والعلة هي الدينية في كل منهما٢. النوع الثالث: أن يفرق الشارع بين شيئين في الحكم بذكر صفة فإن ذلك يشعر بأن تلك الصفة علة لذلك الحكم حيث خصصها بالذكر دون غيرها فلو لم تكن علة له كان ذلك خلاف ما أشعر به اللفظ وهو تلبيس يصان عنه منصب الشارع، وهذا النوع تحته قسمان: أحدهما: أن يكون حكم أحد الشيئين مذكوراً مع الوصف دون حكم الآخر، مثل قوله ﷺ : "القاتل لا يرث" ٣، ففي الحديث التفريق بين القاتل المذكور في عدم الإرث، وبين غيره من الورثة بذكر القتل، وليس فيه حكم ميراث من لم يقتل، فلو لم يكن القتل عله لعدم الإرث لكان بعيداً، وأما علة إرث غير القاتل فهي النسب وغيره من أسباب الميراث. وثانيهما: أن يكون حكم كل من الشيئين مذكوراً مع الوصف وهو خمسة أقسام: ١ - أن تكون التفرقة بين الشيئين بلفظ الشرط كما في حديث مسلم "الذهب الذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد" ٤. فالتفريق بين منع البيع في هذه الأشياء متفاضلاً وبين جوازه عند اختلاف الجنس لو لم يكن لاختلاف العلة للجواز لكان بعيداً.

стр. 145

٢ - أن تكون التفرقة بين الشيئين بالغاية كما في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ﴾ ١، أي: فإذا تطهرن فلا مانع من قربانهن، كما صرح به عقيبه بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ ، فالشيئان هما: قربانهن وعلته الطهر والمنع من قربانهن وعلته الأذى، فالتفريق بين المنع من قربانهن قبل الطهر، وبين جوازه في الطهر لو لم يكن لعلية الطهر لكان بعيداً. ٣ - أن تقع التفرقة بالاستثناء كما في قوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ﴾ ٢، أي: الزوجات على ذلك النصف فلا شيء لهن. فتفريقه بين ثبوت النصف لهن وبين انتفائه عند عفوهن لو لم يكن لعلية العفو للانتفاء لكان بعيداً، وأما ثبوت النصف لهن فعلته العقد. ٤ - أن تكون التفرقة بالاستدراك كما في قوله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ ٣، فتفريقه بين عدم المؤاخذة بالأيمان التي هي لغو وبين المؤاخذة بها عند تعقيدها لو لم يكن لعلية التعقيد للمؤاخذة لكان بعيداً. ٥ - أن يكون التفريق بذكر صفة لأحدهما بعد ذكر الأخرى بشرط أن تكون تلك الصفة صالحة للعلية مثال ذلك حديث الصحيحين ولفظه كما في البخاري٤: "جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهماً"٥، فالحكمان هما: جعل

стр. 146

سهمين وجعل سهم والوصفان هما: الفرسية والرجلية فتفريقه بين هذين الحكمين بهذين الوصفين لو لم يكن لعلية كل منهما لكان بعيداً١. النوع الرابع: نهى الشارع عن فعل قد يفوت الواجب نحو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ٢، المنع من البيع وقت نداء الجمعة الذي يفوتها لو لم يكن لمظنة تفويتها لكان بعيداً٣. ولا يرد إلى قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ صيغته صيغة أمر، لأنه في معنى النهي إذ النهي طلب ترك الفعل والصيغة كما ترى لطلب ترك البيع، فكانت نهياً٤. النوع الخامس: أن يذكر الشارع مع الحكم وصفاً مناسباً لقوله ﷺ : "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان" ٥، فتقييده المنع من الحكم بحالة الغضب المشوش للفكر، يدل على أنه علة له وإلا لخلا ذكره عن الفائدة، وذلك بعيد٦. فإن قيل: ظاهر الحديث يدل على أن العلة هي الغضب، كما ذهب إليه

стр. 147

البعض، أجيب عنه بما ذكره الإمام ونصه "ظاهره يدل على أن العلة هي الغضب، لكن لما علمنا أن الغضب اليسير الذي لا يمنع من استيفاء الفكر لا يمنع من القضاء، وأن الجوع المبرح والألم المبرح، يمنع علمنا أن علة المنع ليست الغضب بل تشويش الفكر. وقول من يقول: الغضب هو العلة لكن لكونه مشوشاً خطأ، لأن الحكم لما دار مع تشويش الفكر وجوداً وعدماً وارتفع عن الغضب وجوداً وعدماً، وليس بين التشويش والغضب ملازمة أصلاً، لأن تشويش الفكر قد يوجد حيث لا غضب، والغضب يوجد حيث لا تشويش علمنا أنه ليس بينهما ملازمة، وحينئذ نعلم أنه لا يمكن أن يكون الغضب علة، بل العلة إنما هي التشويش فقط١. هل تشترط المناسبة في الوصف المومئ إليه، أم لا تشترط؟ للأصوليين في ذلك ثلاثة أقوال: الأول: أنها تشترط واستدلوا "بأن الغالب في تصرفات الشارع أن تكون على وفق تصرفات العقلاء، وأهل العرف، ولو قال الواحد من أهل العرف لغيره "أكرم الجاهل، وأهن العالم" قضى كل عاقل أنه لم يأمر بإكرام الجهل لجهله، ولا أن أمره بإهانة العالم لعلمه، وأن ذلك لا يصلح للتعليل، نظراً إلى أن تصرفات العقلاء لا تتعدى مسالك الحكمة وقضايا العقل. وأيضاً فإن الاتفاق من الفقهاء على امتناع خلو الأحكام الشرعية من الحكمة، إما بطريق الوجوب على رأي المعتزلة، وإما بحكم الاتفاق على رأي أصحابنا، وسواء ظهرت الحكمة أم لم تظهر. وما يعلم قطعاً أنه لا مناسبة فيه ولا أوهم المناسبة يعلم امتناع التعليل به"٢.

стр. 148

الثاني: أنه لا تشترط المناسبة واستدل له "بأنه لو قال القائل: "أكرم الجاهل وأهن العالم" لكان ذلك قبيحاً عرفاً، وليس قبحه لمجرد الأمر بإكرام الجاهل وإهانة العالم، فإن الأمر بإكرام الجاهل قد يحسن لدينه أو شجاعته أو نسبه، أو سوابق نعمه، وكذلك الأمر بإهانة العالم قد يحسن أيضاً لفسقه أو بدعته، أو سوء خلقه. وإذا لم يكن القبح لمجرد الأمر فهو لسبق التعليل "بالترتيب" أي لكونه يسبق إلى الفهم "في العرف" تعليل هذا الحكم بهذا الوصف، لأن الأصل عدم علة أخرى، وإذا سبق إلى الأفهام التعليل مع عدم المناسبة لزم أن يكون حقيقة"١. قال الأسنوي: "واعترض الخصم بأن الدلالة الترتيب الذي لا يناسب على العلية في هذه الصورة، لا يستلزم دلالته عليها في جميع الصول، لأن المثال الجزئي لا يصحح القاعدة الكلية لجواز اختلاف الجزئيات في الأحكام. وأجاب المصنف "يعني البيضاوي" بأن هذا الترتيب لو لم يدل على العلية في باقي الصور، لكان مشتركاً لكونه يدل على العلية تارة وعلى عدمها أخرى. فإن قيل: لا نسلم دلالته على عدم العلية "في الصور الأخرى" إذ لا يلزم من عدم الدلالة وجود الدلالة على العدم، "لأن عدم العلم بالشيء لا يدل على العلم بعدمه"، فالجواب أن هذا الترتيب قد وقع على مقتضى العلة فلا بد أن يدل على شيء فمدلوله في غير هذه الصور، إن كان هو التعليل فلا كلام، وإن كان غيره، فقد دل على عدم العلية. ولقائل يقول: "الترتيب – أي اللفظ الدال - فرد من أفراد المركبات عند الإمام والمصنف، و"المركبات" غير موصوفة، كما تقدم غير مرة، ووصف اللفظ بالاشتراك والمجاز فرع عن وضعه"٢. والمراد بالاشتراك هنا هو الدلالة على العلية تارة، وعلى عدمها تارة أخرى فاندفع

стр. 149

الاعتراض من القائلين باشتراط المناسبة فيما يفهم التعليل فيه من المناسبة١. الثالث: تشترط المناسبة إن كان التعليل فهم من المناسبة، واستدل أهله بأن ما كان مثل المثال السابق "لا يقضي القاضي وهو غضبان" الذي فهم التعليل فيه مستنداً إلى ذكر الحكم مع الوصف المناسب، فلا يتصور فهم التعليل فيه دون فهم المناسبة، لأن عدم المناسبة فيما المناسبة شرط فيه يكون تناقضاً وهذا هو اختيار الآمدي وابن الحاجب. قالا: وما سواه من الأقسام فلا يمتنع التعليل فيها بما لا مناسبة فيه لأن التعليل يفهم من غيرها، وقد وجد٢، والله تعالى أعلم.

стр. 150

الباب الأول: في المناسبة وتعريف المناسب الفصل الأول: في تعريف المناسبة . ... الفصل الأول في تعريف المناسبة لما كان المناسب مشتقاً من المناسبة، كان من المناسب أن نبدأ بتعريف المناسبة أولاً، ثم بإقامة الدليل على اعتبارها، ثم نتبع ذلك بتعريف المناسب لذا أقول: تعريف المناسبة: هي في اللغة الملاءمة والمقاربة١، ومن هنا اعتبرها الأصوليون من طرق إثبات العلية، فسموها بمسك المناسبة، والمناسبة هي الوصف المعلل به الحكم، كما سيأتي. ويسمى بالإخالة، لأنه بالنظر إلى الوصف يخال أي يظن عليته للحكم. ويسمى بتخريج المناط، لأنه إبداء مناط الحكم، والمناط العلة التي نيط الحكم بها، أي علق، وأصل المناط مكان النوط، أي التعليق، ومنه قول الشاعر: بلاد بها نيطت علي تمائم ... وأول أرض مس جلدي ترابها٢ وسمي استخراج المناط بتخريج المناط، لأنه استخراج ما نيط به الحكم، وسمي الوصف بالمناط، لأنه موضوع له٣. ولا مخالفة، إذ يصح إطلاق المسلك على كل من المناسبة، وتخريج المناط "لأن المراد بالمسلك ما يثبت العلية، وإثبات العلية يصح بكل منهما، لأن المناسبة

стр. 151

دليل، وتخريج المناط إقامة الدليل، وكل من الدليل، وإقامته يصح أن ينسب إليه الثبوت المطلوب، لأن الدليل يثبت المطلوب بواسطة النظر وإقامة الدليل الذي هو النظر فيه يثبت المطلوب، فهما كالشيء الواحد، فيصح إطلاق المسلك على كل منهما"١. وأما في الاصطلاح فهي كما عند ابن الحاجب "تعيين العلة بمجرد إبداء المناسبة من ذاته لا بنص، ولا غيره كالإسكار في التحريم، والقتل العمد العدوان في القصاص"٢. قال العضد: "وحاصله تعيين العلة في الأصل بمجرد إبداء المناسبة بينها وبين الحكم من ذات الأصل لا بنص ولا بغيره، كالإسكار للتحريم، فإن النظر في المسكر وحكمه، ووصفه، يعلم منه كون الإسكار مناسباً لشرع التحريم، وكالقتل العمد العدوان، فإنه بالنظر إلى ذاته مناسب لشرع القصاص"٣. واعترض عليه بأن إبداء الملاء مة إنما هو من ذات الوصف، قاله البدخشي، وأجاب عنه بأن "قوله من ذات الأصل من سبق القلم، أو مراده بالأصل الوصف على ما قيل: إن العلة أصل في الفرع، فرع في الأصل. قال الفاضل: "وظاهر قوله فإن النظر في المسكر ... الخ، أنه أراد بالأصل ما هو المتعارف وقصد أن النظر ذاته باعتبار ماله من الوصف والحكم يفضي إلى تعيين العلة"٤. وأما ابن السبكي فقد عبر عن هذا المسلك بما نصه: "المناسبة والإخالة، ويسمى استخراجها تخريج المناط، وهو تعيين العلة بإبداء المناسبة مع الاقتران، والسلامة عن القوادح"٥، فالمناسبة عنده تفيد العلية بالاستناد إلى ثلاثة أمور:

стр. 152

الأول: إبداء المناسبة بين الوصف المعين والحكم. الثاني: أن يكون الوصف والحكم مقترنين في دليل الحكم. الثالث: سلامة الوصف المعين عن قوادح العلية. وذلك كما في حديث مسلم: "كل مسكر حرام" ١، فإن الإسكار وصف مناسب للتحريم لأنه يزيل العقل، ودرء المفسدة متمحض في منع ما يزيل العقل المطلوب حفظه، مع أن الإسكار ورد في الحديث مقترناً بالحكم الذي هو كونه حراماً وتعليل الحرمة بالإسكار سالم من جميع القوادح، فتمت في المثال المذكور الأمور الثلاثة التي بها يستخرج مسلك المناسبة. فالقيد بالسلامة من القوداح والاقتران، مزيدان على حد ابن الحاجب الذي حد به المناسبة٢. وباعتبار المناسبة في هذا المسالك يمتاز عن ترتيب الحكم على الوصف الذي هو من أقسام الإيماء، وأن اشتراكاً في اقتران الحكم بالوصف في كل منهما، فحديث مسلم الممثل به في المناسبة من الجهة التي تقدم توضيحها، وفيه الإيماء من جهة ترتيب الحكم على الوصف. ويظهر الفرق بأنه لو فرض عدم المناسبة فيه، لقيل فيه: مسلك الإيماء لعدم اشتراط المناسبة فيه عند الأكثر، ولم يقل فيه مسلك المناسبة لعدم مناسبة الوصف للحكم٣. "فإن قيل: سلامة الوصف من القوادح في العلية شرط في كل مسلك، فما وجه ذكرها في هذا المسلك؟ فالجواب أن السلامة من القوادح قيد في تسمية هذا المسلك بتخريج المناط

стр. 153

والمناسبة، فهي جزء من تعريف هذا المسلك، وهي بالنسبة إلى غيره من المسالك شرط خارج عن المسمى"١. وذكر الجلال المحلى أن ما وحد به ابن السبكي المناسبة حدها به ابن الحاجب، وسماها تخريج المناط، وقال: أن ما فعله ابن السبكي اقعد٢. وأورد العبادي وجه الاقعدية مع المناقشة بما نصه: " قوله: وما صنعه المصنف اقعد، قال شيخنا العلامة ناصر الأمة والدين اللقاني"٣: يعني لأن المناسبة والإخالة هما معنيان قائمان بالوصف المناسب، وهو الملاء مة والموافقة، فلا يناسبهما التسمية بتخريج المناط، ولا التعريف بتعيين العلة، إذ التخريج والتعيين فعلان للمستدل. وقد يدفع ذلك بأن المناسبة بالمعنى المذكور ليست من المسالك الاصطلاحية، فلا يصح عدها منها، والاصطلاحي هو التعيين المذكور، فلا بعد في التسمية والتعريف بما ذكر، انتهى. "قال": وتبعه شيخنا الشهاب - يعني عميرة - ٤ في ذلك وزاد فقال: وقوله: وما صنعه المصنف اقعد، فقد علمت أنه إذا حملت المناسبة على المعنى الاصطلاحي كان ما صنعه ابن الحاجب أولى، وحملها عليه متعين إذ لا يصح جعلها من المسالك إلا بإرادة ذلك.

стр. 154

والحاصل أن ابن الحاجب إنما أخذ المناسبة الاصطلاحية، لا المناسبة المبدأة التي هي اللغوية، وكأن الشارح فهم المحدودة هي اللغوية انتهى. قال العبادي: وأقول: "كل ذلك مندفع ... بأن المسلك هو الدليل على العلية، والمناسبة بمعنى موافقة الوصف للحكم وملاءمته له كذلك، لأنها تدل على عليته للحكم، وشأن الدليل وحقه اتصافه بكونه دليلاً وثبوت دلالته في نفس الأمر من غير اعتبار نظر المستدل فيه، وقبل وجود نظره فيه كما لا يخفى، والمناسبة بهذا المعنى كذلك، فكونها هي المسلك إن لم يتعين أو يترجح، فلا أقل من أن يصح. ولعمر الله إنَّ ذلك في غاية الظهور بأدنى تأمل، فقولهما إنه لا يصح جعلها من المسالك باطل بلا شبهة، بل جعلها من المسالك صحيح قطعاً إن لم يكن متعيناً، أو أولى، ولأن المناسبة بين المعاني اللغوية، والمعاني الاصطلاحية مرعية، وهي على ما ذكره المصنف أتم وأقوى، إذ المعنى الاصطلاحي عليه الذي هو الملاءمة المخصوصة فرد من أفراد المعنى اللغوي وهو مطلق الملاءمة، فقد نقل اسم الشيء إلى فرده، بخلاف المعنى الاصطلاحي على ما ذكره ابن الحاجب الذي هو التعيين المذكور ليس من إفراد المعنى اللغوي وإن كان متضمناً له، ولأن التصرف على ما ذكره المصنف بقدر الحاجة إذ المناسبة الخاصة تكفي في الإثبات، فالاقتصار في النقل إليها أسهل، بخلافه على ما ذكره ابن الحاجب، ففيه زيادة على الحاجة على أننا بينا أنه يجوز أن يؤول كلام المصنف إلى جعل المسلك الاستخراج والتعيين"١. والحاصل أن ابن السبكي عبر عن هذا المسلك بالمناسبة والإخالة، وابن الحاجب عبر عنه بتخريج المناط. وقد اتضح مما تقدم أنه لا مخالفة، لأن المناسبة هي دليل العلية،

стр. 155

واستخراجها هو إقامة الدليل وإضافة الحكم إلى كل من الدليل، وإقامة الدليل لا بأس به. وأن الخلاف إنما هو في أي الطريقتين أقعد، ويدل لذلك ما صرح به المحلة من أن ابن الحاجب حد المناسبة بما حدها به ابن السبكي وسماها بتخريج المناط. قال: "وما فعله المصنف - يعني ابن السبكي - أقعد"١ وأن العبادي نقل عن ناصر اللقاني، وشهاب الدين عميرة أن ما صنعه ابن الحاجب أقعد، لأن حمل المناسبة على المعنى الاصطلاحي أولى، إذ لا يصح جعلها من المسالك إلا بإرادة ذلك الخ ما تقدم من بيان وجه الأقعدية عند كل منهما. والحاصل أن المناسبة في الاصطلاح هي ملاءمة الوصف للحكم بحيث يلزم من ترتيب الحكم عليه وجود مصلحة، أو دفع مفسدة صالحة لأن تكون مقصود الشارع من شرع الحكم كما في الإسكار، فإنه مناسب للتحريم، لأنه يغطي العقل وحفظ العقل مصلحة، ودرء المفسدة متمحض في منع ما يزيل العقل المطلوب حفظه بتحريم تعاطي المسكرات. فإن قيل: تعريف ابن الحاجب، وابن السبكي يعترض عليه بلزوم الدور فيه نظراً لذكر لفظ المناسبة فيه، أجيب عنه بأن المراد هنا أعم من المعنى الاصطلاحي، لكون المراد هو المعنى اللغوي، وهو أعم من المعنى الاصطلاحي، والله تعالى أعلم.

стр. 156

الفصل الثاني في إقامة الدليل على أن المناسبة دالة على العلية تقدم أن المناسبة هي ملاءمة الوصف للحكم بحيث يلزم من ترتيب الحكم عليه حصول مصلحة للعباد، أو دفع مفسدة عنهم، وهذه المصلحة أو دفع المفسدة صالحة لأن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم، وذلك كما في الإسكار، فإنه وصف مناسب للتحريم، لأنه يزيل العقل، ودرء المفسدة متمحض في منع ما يزيل العقل المطلوب حفظه بمنعه من تعاطي المسكرات. فإذا ورد في الشرع حكم وفي محله وصف مناسب لذلك الحكم من غير أن يكون إثبات عليته له بنص أو إيماء، وكان في ترتب الحكم عليه مصلحة للعباد صالحة لأن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم، فإنه يحصل للمجتهد الظن بأن هذا الوصف علة لذلك الحكم، وليس لديه طريق توصله إلى هذا الظن سوى مناسبة الوصف للحكم، فحينئذ يثبت أن المناسبة تدل على علية الوصف المناسب، وتقرير هذا يتوقف على أمرين: الأول: أن الأحكام معللة بمصالح العباد١، أما كونها معللة بمصالح ومقاصد، فقد استدل عليه الآمدي بالإجماع والمعقول فقال: "أما الإجماع فهو أن أئمة الفقه مجمعة على أن أحكام الله تعالى لا تخلو عن حكمة ومقصود، وإن اختلفوا في كون ذلك بطريق الوجوب كما قالت المعتزلة أو بحكم الاتفاق والوقوع من غير وجوب كقول أصحابنا. وأما المعقول، فهو أن الله حكيم في صنعه، فرعاية الغرض في صنعه، إما أن يكون واجباً، أو لا يكون واجباً، فإن كان واجباً، فلم يخل عن المقصود وإن لم يكن واجباً، ففعله للمقصود يكون أقرب إلى موافقة المعقول من فعله بغير مقصود، فكان المقصود من فعله ظناً.

стр. 157

وإذا كان المقصود لازماً في صنعه، فالأحكام من صنعه، فكانت لغرض ومقصود والغرض أن يكون عائداً إلى الله تعالى، أو إلى العباد، ولا سبيل إلى الأول لتعاليه عن الضرر والانتفاع، ولأنه على خلاف الإجماع، فلم يبق سوى الثاني. وأيضاً فإن الأحكام مما جاء بها الرسول ﷺ ، فكانت رحمة للعالمين لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ ١، فلو خلت الأحكام عن حكمة عائدة إلى العالمين، ما كانت رحمة، بل نقمة لكون التكليف بها محض تعب ونصب. وأيضاً قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٢، فلو كان شرع الأحكام في حق العباد لا لحكمة، كانت نقمة لا رحمة لما سبق، وأيضاً قوله ﵊: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" ٣، فلو كان التكليف بالأحكام لا لحكمة عائدة إلى العباد، لكان شرعها ضرراً محضاً وكان ذلك بسبب الإسلام، وهو خلاف النص"٤. واستدل الإمام على أن الله تعالى شرع أحكامه لمصالح العباد بوجوه: "أحدها: أن الله تعلى خصص الواقعة المعينة بالحكم المعين بمرجح أو لا لمرجح، والقسم الثاني باطل، وإلا لزم ترجيح أحد الطرفين بلا مرجح وهو محال، فثبت القسم الأول. وذلك المرجح إما أن يكون عائداً إلى الله تعالى، أو إلى العبد، والأول باطل بإجماع المسلمين، فتعين الثاني، وهو أنه تعالى إنما شرع الأحكام لأمر عائد إلى العبد، والعائد إلى العبد إما أن يكون مصلحة العبد، أو مفسدة أو ما لا يكون مصلحة ولا مفسدة، والقسم الثاني والثالث باطلان باتفاق العقلاء فبقي الأول، فثبت أنه تعالى إنما شرع الأحكام لمصلحة العباد.

стр. 158

وثانيها: أنه تعالى حكيم بإجماع المسلمين، والحكيم لا يفعل إلى المصلحة، فإن من يفعل لا لمصلحة يكون عابثاً، والعبث على الله تعالى محال للنص والإجماع، والمعقول. وأما النص، فقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ ١، ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾ ٢، ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ ٣. وأما الإجماع، فقد أجمع المسلمون على أنه تعالى ليس بعابث. وأما المعقول، فهو أن العبث سفه، والسفه صفة نقص، والنقص على الله تعالى محال، فثبت أنه لا بد من مصلحة، وتلك المصلحة يمتنع عودها إلى الله تعالى كما بينا، فلا بد من عودها إلى العبد، فثبت أنه تعالى شرع الأحكام لمصالح العباد. وثالثها: أنه تعالى خلق الآدمي مشرفاً مكرماً، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ ٤، ومن كرم أحداً ثم سعى في تحصيل مطلوبه كان ذلك السعي ملائماً لأفعال العقلاء مستحسناً فيما بينهم، فإذن، ظن كون المكلف مشرفاً مكرماً يقتضي ظن أنه تعالى لا يشرع إلا ما يكون مصلحة له. ورابعها: أنه تعالى خلق الآدميين لعبادته، لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٥، والحكيم إذا أمر عبده بشيء، فلا بد وأن يزيح علته، ويسعى في تحصيل منافعه، ودفع المضار عنه، ليصير فارغاً البال، فيتمكن من الاشتغال بأداء ما أمره به، والاجتناب عما نهاه عنه، فكونه مكلفاً يقتضي ظن أنه تعالى لا يشرع إلا ما يكون مصلحة.

стр. 159

وخامسها: النصوص الدالة على أن مصالح الخلق ودفع المضار عنهم مطلوب الشرع، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ ١، وقال: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ ٢، وقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ٣، وقال: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٤، وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٥، وقال ﷺ : "بعثت بالحنيفية السهلة السمحة" ٦، وقال: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" ٧. وسادسهاً: أنه تعالى وصف نفسه بكونه رؤوفاً رحيماً بعباده، وقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٨، فلو شرع ما لا يكون فيه مصلحة لم يكن ذلك رأفة ولا رحمة. فهذه الوجوه الستة دالة على أنه تعالى ما شرع الأحكام إلا لمصالح العباد. ثم اختلف الناس بعد ذلك: فالمعتزلة سرحوا بأنه يجب أن يكون فعله مشتملاً على المصلحة، وأنه يقبح من الله تعالى القبيح، وفعل العبث.

стр. 160

والفقهاء يقولون: إنما شرع الأحكام لمصالح العباد تفضلاً وإحساناً على عباده"١. وأما البيضاوي، فقد استدل على أن الله تعالى شرع أحكامه لمصالح العباد بالاستقراء، وقرر الأسنوي والبدخشي ذلك بأن العلماء تتبعوا أحكام الشرع، فوجدوا كل حكم منها مشتملاً على مصلحة عائدة إلى العباد. ولما كانت المصالح غير منفكة عن الأحكام، فإن شرعيتها حينئذ للمصالح لكن ذلك على سبيل التفضل والإحسان، لا على سبيل الوجوب كما قالت المعتزلة٢. وواضح من النقول المتقدمة أن الأحكام معللة بمصالح العباد، وأن ذلك تفضل من الله على عباده. الأمر الثاني: أن تكون المصلحة التي ترتب الحكم فيها على الوصف لم توجد معها مصلحة أخرى ناشئة عن هذا الحكم، ليحصل ظن كون الوصف علة للحكم، إذ لو كان معها مصلحة أخرى، لم يحصل ظن علية الوصف للحكم، لجواز أن يكون الوصف الآخر علة للحكم. وعلى هذا فحيث ثبت حكم شرعي، وهناك وصف مناسب له متضمن لمصلحة العبد، ولم يوجد غيره من الأوصاف الصالحة للعلية غلب على الظن كونه علة لذلك الحكم، لكون الأصل عدم غيره من الأوصاف الصالحة للعلية، وامتناع خلو الحكم عن العلة، فالمناسبة حينئذ تفيد ظن العلية، والظن يجب العمل به، لإجماع الصحابة على وجوب اتباعه في الأحكام الشرعية، فثبت أن المناسبة تفيد العلية وهو المطلوب٣.

стр. 161

وأما إمام الحرمين، فقد استدل على كون المناسبة حجة بتمسك الصحابة ﵃ بها، حيث كانوا يلحقون غير المنصوص عليه بالمنصوص، إذا غلب على ظنهم أنه يشبهه١. لكن يرد على هذا ما ذكره الأصفهاني في الرسالة البهائية أنه "ما نقل إلينا أنهم كانوا يتمسكون بكل ظن غالب، فلا يبعدان يتعبدنا بنوع من الظن الغالب، ونحن لا نعلم ذلك النوع، ثم قال: الأولى الاعتماد على العمومات كقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ ٢، وقول معاذ: "اجتهد رأى"٣. وأجاب عنه الزركشي بقوله: "والحق أن استقراء أحكام الشرع دل على ضبط هذه الأحكام بالمصالح، وهذا كاف فيما يرومه، وذلك بفضل الله جل اسمه، لا وجوباً عليه خلافاً للمعتزلة في وجوب رعاية الأصلح"٤. ثم قال إمام الحرمين مبيناً وجه دلالة المناسبة على العلية: "إذا ثبت حكم في أصل، وكان يلوح في سبيل الظن استناد ذلك إلى أمر، ولم يناقض ذلك الأمر شيء، فهذا هو الضبط الذي لا يفرض عليه مزيد، فإذا أشعر الحكم في ظن الناظر بمقتضى استناداً إليه، فذلك المعنى هو المظنون علماً وعلة، لاقتضاء الحكم، فإذا ظهر هذا وتبين أن الظن كاف، وتوقع الخطأ غير قادح، ولا مانع من تعليق الحكم، كان ذلك كافياً بالغاً. ومما يعضد به الغرض: أن كل حكم أشعر بعلة ومقتضى، ولم يدرأه أصل في الشرع، فهو الذي يقضي بكونه معتبر النظر، فالشارع ما أشار إلى جميع الأحكام، واستنبط نظار الصحابة ﵃، وكانوا يتلقون نظرهم مما ذكرت قطعاً. فإن قيل: فالإخالة مع السلامة إذن هي الدالة؟ قلنا: لا، ولكن إذا ثبت

стр. 162

الإخالة، ولاحت المناسبة، واندفعت المبطلات، التحق ذلك بمسلك نظر الصحابة ﵃، فالدليل إجماعهم إذن"١. والحاصل أن هذه النقول التي نقلتها أفادت إقامة الدليل على اعتبار المناسبة، وذلك للإجماع على تعليل أحكام الله تعالى بمصالح العباد، ولأن العقل دل على رعاية الله تعالى لها تفضلاً منه عليهم ورحمة بهم على مذهب أهل السنة، وإيجاباً على رأي المعتزلة، لكون ذلك هو مقتضى حكمته كما أنه هو مقتضى ما تضمنته آيات القرآن السالفة الذكر من نفي الضرر والحرج على العباد المقتضى إرادة مصالحهم. فوجود هذه المصالح، وترتب الأحكام عليها يفيد حصول الظن الغالب بعليتها لها، والظن يجب العمل له، لإجماع الصحابة على اتباع الظن في الشرعيات، والله تعالى أعلم.

стр. 163

الفصل الثالث في تعريف المناسب المناسب في اللغة الملائم أي الموافق لأفعال العقلاء في العادات، كما يقال: هذه الؤلؤة مناسبة لهذه الؤلؤة بمعنى أن جمعها في سلك موافق لعادات العقلاء في ضم الشيء إلى ما يماثله١. وأما في الاصطلاح فقد اختلف الأصوليون في تعريفه، فعرفوه بتعريفات نذكرها فيما يلي: التعريف الأول: لأبي زيد الدبوسي، وهو "ما لو عرض على العقول لتلقته بالقبول"٢. وهذا التعريف قد اعترض عليه الآمدي بعد أن اعترف بأنه موافق للوضع اللغوي، حيث قال: "وما ذكره وإن كان موافقاً للوضع اللغوي، حيث يقال: هذا الشيء مناسب لهذا الشيء، أي ملائم له، غير أن تفسير المناسب بهذا المعنى وإن أمكن أن يتحققه الناظر مع نفسه، فلا طريق إلى المُناظِر في إثباته على خصمه، في مقام النظر، لإمكان أن يقول الخصم: هذا مما لم يتلقه قلبي بالقبول، فلا يكون مناسباً بالنسبة إلي، وإن تلقاه عقل غيري بالقبول، فإنه ليس الاحتجاج عليّ بتلقي عقل غيري له بالقبول أولى من الاحتجاج على غيري بعدم تلقي عقلي بالقبول"٣. ومقتضى هذا أن أبا زيد يرى أن المناسب بهذا التعريف حجة للناظر في نفسه، لأنه لا يكابر عقله، لكونه مأخوذاً بما يغلب على ظنه، لا للمُناظر لعدم إمكان إثبات عليته في مقام المناظرة٤.

стр. 164

غير أن المحلى رد ما ذهب إليه أبو زيد من منع التمسك بالمناسب في مقام المناظرة، وصحح كون المناسب بهذا المعنى حجة للناظر على خصمه. وبين الشربيني وجه الرد بقوله: "وحاصل الرد أن المراد تلقي العقول من حيث هي، لا عقل المناظر ومتى كان ظاهر المناسبة كفى تلقي القبول، إذ المدار على الظن، فإنكار الخصم حينئذ مكابرة"١. وما ادعاه أبو زيد من عدم إمكان إثباته على الخصم رده الغزالي بأن المناسب معنى معقول ظاهر في العقل، يتيسر إثباته على الخصم بطريق النظر العقلي بحيث ينسب الخصم في جحده بعد الإظهار بطريقه إلى النكر والعناد٢. ولعل أبا زيد لم يعتبر المناسب بهذا المعنى، لأنه من أئمة الحنفية المانعين للاحتجاج بالإخالة أي التمسك بطريق المناسبة في مقام المناظرة، لأنهم اشترطوا ضم العدالة إليها بإقامة الدليل على كون الوصف ملائماً مؤثراً، لإلزام الخصم. والتأثير عندهم يثبت باعتبار الشارع نوع الوصف في نوع الحكم أو جنسه، أو اعتبار جنسه في جنس الحكم أو نوعه، وهو بهذا المعنى متفق عليه. ويدل لهذا أن الإخالة عندهم لا تنفك عن المعارضة، إذ يقول الخصم لم يقبله عقلي، عند قول المناظر هذا مناسب، لأنه لو عرض على العقول لتلقته بالقبول٣، وسيأتي لهذا زيادة إيضاح إن شاء الله تعالى. وذكر الشيخ عيسى منون "أن هذا التعريف يرد عليه ما أورده الأسنوي على تعريفي الإمام الآتين من أن السرقة والزنا وصفان مناسبان لكل منهما علة لوجوب حده، والقتل العمد العدوان وصف مناسب وقع علة لوجوب القصاص، وغير ذلك من الأوصاف المناسبة، وليست مما لو عرض على العقول لتلقته بالقبول، فلا يكون التعريف جامعاً.

стр. 165

والجواب ما أشار إليه محقق المحلى حيث زاد على التعريف "من حيث التعليل". قال: "وتوضيحه أن يقال: ليس المراد ما لو عرض على العقول لتلقته بالقبول، من حيث ذاته، بل من حيث التعليل به، وترتب الحكم عليه ولا شك أن ما ذكر في السؤال تتلقاه العقول بالقبول من تلك الحيثية. فيكون حاصل شرح التعريف بعد الجواب عن هذين الاعتراضين: المناسب هو الوصف الذي لو عرض ربط الحكم وترتبه عليه على العقول السليمة في ذاتها بقطع النظر عما يشوبها من العناد والمكابرة١، لتلقته بالقبول، واعتبرته موافقاً وملائماً لمقتضاها، ليس متنافراً ولا متدافعاً كالسرقة، فإنه وصف قد ربط به الحكم، وهو وجوب الحد بالقطع، ولو نظرت إليه العقول السليمة، لاعتبرته ملائماً وموافقاً لما يترتب عليه من المصالح ودفع المفاسد"٢. التعريف الثاني: للآمدي، فإنه لما اعترض على تعريف أبي زيد بما تقدم ولم يجب عنه قال: "والحق في ذلك أن يقال المناسب عبارة عن وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصوداً من شرع ذلك الحكم، وسواء كان ذلك الحكم نفياً أو إثباتاً، وسواء كان ذلك المقصود جلب مصلحة أو دفع مفسدة"٣. ومثل تعريف الآمدي هذا تعريف ابن الحاجب، فإنه عرفه بأنه "وصف ظاهر منضبط يحصل عقلاً من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصوداً للعقلاء. "والمقصود إما جلب مصلحة، أو دفع مفسدة، والمصلحة اللذة ووسيلتها،

стр. 166

والمفسدة الألم ووسيلته"١، وسيأتي الفرق بين التعريفين، وإن كان مؤداهما واحد٢. شرح تعريف الآمدي: الوصف هو المعنى القائم بالغير، وهو جنس في التعريف يشمل سائر الأوصاف وقوله "ظاهر" أي واضح جلي بمكن الاطلاع عليه بحسب العادة، وهو قيد أول خرج به الخفي كسلوق الرحم بالنسبة لوجوب العدة، فهو وإن كان في الحقيقة هو المقتضى لوجوبها، إلا أنه لا يصلح التعليل به لخفائه، فَنِيطَ الحكم بمظنته، وهو الخلوة فإنه وصف ظاهر منضبط، وكالعمدية من قولك القتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص، فإن القصد وعدمه أمر نفسي لا يمكن إدراكه، فنِيطَ القصاص بما يلازم العمدية من أفعال يقضي في العرف بكونها عمداً كاستعمال الجارح٣. والمنضبط هو الذي لا يختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، وهو قيد ثان خرج به غير المنضبط كمشقة السفر، فإنها تختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، فهي أشد على الراجل من الراكب، وفي الصيف من الشتاء، وسلوك الوعر من السهل، وهي وإن كانت في الحقيقة هي المقتضية لرخص السفر، إلا أنه لا يصح التعليل بها لتفاوتها وعدم ضبطها فاعتبر مظنتها، وهو السفر مسافة معينة، لانضباطه. وقوله يلزم من ترتيب الحكم الخ قيد ثالث خرج به الوصف الطردي والوصف الشبهي. أما الطردي، فلأنه لا يصلح لإناطة الحكم، للإجماع على إلغائه كما في الطول والقصر، وأما الشبهي فلما ذكره السعد من أن قيد ابن الحاجب في تعريفه

стр. 167

المتقدم بقوله "عقلا" احترز به١ عن الشبه، إذ لا يلزم من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصوداً للعقلاء، لعدم مناسبته حقيقة، وإنما مناسبته لشبهه بالمناسب. وقد وجه صاحب النبراس قول السعد، وأورد عليه اعتراضاًَ وأجاب عنه بما نصه: "وهذا ظاهر بالنسبة لعبارة ابن الحاجب مع تفسير العضد في هذا التعريف، فإن عبارته ... هكذا يلزم من ترتيب الحكم ما يصلح أن يكون مقصوداً للعقلاء، لأنه غير مناسب للحكم بحسب ما يظهر لنا، وإنما التفت إليه الشارع في بعض المواضع، فدل ذلك على أنه غير مناسب في الواقع يترتب على ربط الحكم به مصلحة لا ندركها. أما عبارة الآمدي التي نحن بصدد شرحها، فخروج الشبه بهذا القيد إنما هو بالنظر لما يظهر لنا، وإلا فالواقع أنه لا بد من ترتيب الحكم على الوصف الشبهي من حصول ما يكون مقصود الشارع من شرع الحكم، وإن لم يظهر بنا كما ظهر في الوصف المناسب"٢. والمنفعة هي اللذة وما يكون وسيلة إليها والمضرة هي الألم وما يكون وسيلة إليه، قال الإمام: "واللذة قيل في حدها: أنها إدراك الملائم، والألم إدراك المنافي، ثم قال: والصواب عندي أنه لا يجوز تحديدهما لأنهما من أظهر ما يجده الإنسان من نفسه ويدرك بالضرورة التفرقة بين كل واحد منهما وبينهما وبين غيرهما وما كان كذلك يتعذر تعريفه بما هو أظهر منه"٣. غير أن الأصفهاني تعقبه حيث قال: "وأما قولهم اللذة هي إدراك الملائم فليس كذلك بل إدراك الملائم سبب اللذة"٤.

стр. 168

و"أو" في قوله سواء كان المقصود جلب منفعة أو دفع مضرة مانعة خلو فتجوز الجمع، وذلك كما إذا كان المقصود من شرعية القصاص جلب منفعة إبقاء حياة من يريد القتل، ودفع ضرر التعدي بالقتل بإيجاب القصاص، فإن الغالب أن من علم أنه يقتص منه يكف عن التعدي وبها ظهر وجه الجمع بينهما١. هذا حاصل القول في شرح تعريف الآمدي ومثله تعريف ابن الحاجب، فلا فرق بينهما سوى أن ابن الحاجب لم يذكر قول الآمدي "من شرع الحكم" بل اقتصر على قوله مقصوداً. قال السعد: "وفسر العضد المقصود بما يكون مقصوداً للعقلاء من حصول مصلحة أو دفع مفسدة لئلا يتوهم أن المراد به ما يكون مقصوداً من شرعية الحكم فيلزم الدور لأن ذلك "أي المقصود" إنما يعرف بكونه مناسباً، فلو عرف كونه مناسباً بذلك كان دوراً٢. لكن يرد على ما ذكر السعد أن ابن السبكي اختار تعريف الآمدي من غير أن يورد الدور، ولعله لم يسلمه. قال العبادي: "وقد عبر المصنف والشارح بهذا الذي يوهم المستلزم للدور، اللهم إلا أن يمنعا أن ذلك إنما يعرف بكونه مناسباً"٣. وأجاب صاحب نبراس عما يتوهم من الدور بقوله: "وأنت إذا تأملت حق التأمل وجدت أن تعريف الآمدي سالم من الدور، لأن تصور مفهوم المقصود من شرع الحكم لا يتوقف على تصور المناسب، والمتوقف إنما هو معرفة كون هذا الشيء المعين مقصوداً من شرع حكم معين على المناسب له بخصوصه"٤.

стр. 169

الاعتراضات الواردة على هذا التعريف، والإجابة عنها: ١ - اعترض الأسنوي على هذا التعريف بأن "المناسب قد يكون ظاهراً منضبطاً وقد لا يكون، بدليل صحة انقسامه إليهما حيث "إن الأصوليين" قالوا: إن كان ظاهراً منضبطاً اعتبر في نفسه، وإن كان خفياً، أو غير منضبط اعتبر مظنته"١، فالتعريف غير جامع، لأنه لا يشمل الخفي وغير المنضبط. وأجاب عنه العبادي: "بأن التقييد بالظهور والانضباط باعتبار ما يصلح بنفسه للتعليل"٢، أعم من أن يكون ظاهراً بنفسه أو بملازمه، يعني أن المناسب إن كان ظاهراً منضبطاً كالسرقة والزنا في وجوب الحد كان هو العلة بنفسه، وإن كان خفياً أو غير منضبط كعلوق الرحم، والمشقة اعتبر مظنته، وهو وصف ظاهر منضبط يلازمه كالسفر والخلوة، مثلاً إذ الوصف مُعرّف للحكم، والمُعّرِفُ لا بد أن يكون ظاهراً منضبطاً. وهذا الجواب مبني على تسليم انقسام المناسب إلى القسمين المذكورين إما على منع تقسيم المناسب إلى ظاهر وخفي، وإلى منضبط وغير منضبط، فلا يرد الاعتراض، لأن الأصوليين إنما ذكروا هذه الأقسام لمطلق الوصف من حيث هو، لا أقساماً للمناسب. أما المناسب فلا يكون إلا ظاهراً منضبطاً، وعلى ذلك يكون المناسب في القسم الثاني: هو الوصف الملازم المعبر عنه بالمظنة كالسفر مثلاً، وإن كانت مناسبته باعتبار ما يظن فيه من المشقة، فلا يرد هذا الإشكال أصلاً، لأن الكلام في المناسب الذي هو علة، لا في المناسب مطلقاً٣.

стр. 170

٢ - ما نقله الزركشي عن صفي الدين الهندي١ وهو: "أنه اعتبر في ماهية المناسب ما هو خارج عنه وهو اقتران الحكم للوصف وهو خارج عن ماهية المناسب بدليل أنه يقال: المناسبة مع الاقتران دليل العلية، ولو كان الاقتران داخلاً في الماهية لما صح هذا"٢. ويجاب عنه بأن "الاقتران المعتبر دليلاً كما سبق في الإيماء هو اقتران وصف ملفوظ أو مقدر مع الحكم، والترتيب المأخوذ في التعريف معناه أن الحكم شرع لأجله من غير لزوم أن يكون مذكوراً معه، أو مقدراً في نظم الكلام ولو عممنا في الوصف المقترن في الإيماء بأن جعلناه شاملاً للمستنبطة لزم أن يكون الإيماء في كل صور العلة سواء كان طريق استخراجها المناسبة، أو الدوران أو غيرهما كما سبق تحقيقه في الإيماء"٣. ٣ - نقله أيضاً الزركشي عن الهندي أن هذا التعريق "غير جامع" لأن التعليل بالحكمة الظاهرة المنضبطة جائز على ما اختاره قائل هذا الحد والوصفية غير متحققة منها مع تحقق المناسبة٤. وأجيب عنه "بأن الحكمة تطلق بإطلاقين: تطلق أولاً على ما كانت واسطة في ترتب الحكم على الوصف كالمشقة، وتطلق ثانياً: على المقصود للشارع من شرع الحكم كالتخفيف. والظاهر أن مرادهم بالحكمة التي يجوز التعليل بها إذا كانت ظاهرة منضبطة

стр. 171

هي الأولى، وحينئذ لا نسلم أنه يصدق عليها التعريف، فإنه يقال لها: وصف ظاهر الخ، كما يؤخذ من السعد على العضد، والله تعالى أعلم١. التعريف الثالث والرابع، لأبي عبد الله الرازي: قال الأسنوي: "قال الإمام: من لا يعلل أحكام الله تعالى يقول: إن المناسب هو "الملائم لأفعال العقلاء في العادات". ومن يعللها يقول: "إنه الوصف المفضي إلى ما يجلب للإنسان نفعاً أو يدفع عنه ضرراً"٢. والذي في المحصول هو: الأول: "هو الذي يفضي إلى ما يوافق الإنسان تحصيلاً وإبقاءً"، ويعبر عن التحصيل بجلب المنفعة، وعن الإبقاء بدفع المضرة. الثاني: "أنه الملائم لأفعال العقلاء في العادات"٣. وواضح أن ما في المحصول موافق لما نقله الأسنوي عن الإمام، لأن التعريف الثاني مما في المحصول هو الأول بعينه عند الأسنوي، وأن الأول مما في المحصول موافق للثاني عند الأسنوي، لأن "ما يفضي إلى ما يوافق الإنسان تحصيلاً وإبقاءً" معناه أن المناسب هو ما يفضي إلى ما يوافق الإنسان حال كون الموافق جالباً للمنفعة، أو دافعاً للمضرة، فإذاً لا فرق بين عبارة الإمام، وبين ما نسبه إليه الأسنوي، لأن الوصف الجالب من حيث ترتيب الحكم عليه، هو بعينه الوصف المفضي إلى الجالب٤، والله تعالى أعلم. شرح التعريفين: أما التعريف الأول، فمعناه أن المناسب هو الوصف الملائم أي الموافق - من

стр. 172

حيث ضم الحكم إليه وترتيبه عليه، لا من حيث ذاته - لأفعال العقلاء في مطرد العادات من ضم الشيء إلى ما يوافقه بحيث إذا أضيف الحكم إلى الوصف كان مناسباً لمشروعية الحكم، لما ترتب عليه من جلب المصلحة، أو دفع المفسدة. وأما التعريف الثاني، فحاصله أن المناسب هو الوصف المفضي عقلاً إلى حكم يجلب للإنسان نفعاً، أو يدفع عنه ضرراً كالقتل العمد العدوان، فإنه يتقضي وجوب القصاص المقتضي لإبقاء الحياة، ودفع مضرة الهلاك١. الاعتراضات الواردة على التعريفين، والإجابة عنها: اعترض الأسنوي على التعريف الأول، بأن الأصوليين نصوا على أن القتل العمد العدوان، والإسكار، والسرقة والزنا، أوصاف مناسبة لمشروعية أحكامها، مع أنها غير ملائمة لأفعال العقلاء، بل إن العقلاء ينكرونها، وعلى ذلك فالتعريف لا يطابق المعرف٢. وأجيب عنه بأن المراد بملاءمتها لأفعال العقلاء ملاءمتها من حيث ترتيب الحكم عليها، لا من اعتبار ذواتها. ومعلوم أن الأوصاف المذكورة ملائمة لأفعال العقلاء من هذه الحيثية٣. واعترض على الثاني بأنه غير جامع لأفراد المعرف، لأنه لا يشمل القتل العمد العدوان باعتبار كونه مفسدة، إذ المفسدة لا تجلب المصلحة، ولا تدفع المضرة. كما لا يشمل باقي الأوصاف السابقة٤. وواضح أن الاعتراض إنما يتوجه إلى التعريف إذا قصد من "ما" في قوله ما يجلب المصدرية، أما إذا جعلت نكرة موصوفة مراداً منها الحكم فلا يتوجه

стр. 173

الاعتراض، لأن الأوصاف المذكورة تفضي إلى أحكامها، والأحكام تجلب المنافع وتدفع المفاسد. وحتى على تسليم أن "ما" مصدرية، فإن المقصود من جلب المنفعة ودفع المفسدة، الجلب بواسطة شرعية الأحكام عند الأوصاف، ومعلوم أن الأوصاف المذكورة تجلب المنفعة وتدفع المفسدة بواسطة شرع الأحكام عندها١. التعريف الخامس للبيضاوي: فقد عرفه بأنه "ما يجلب للإنسان نفعاً، أو يدفع عنه ضرراً"٢. وقد اعترض عليه الأسنوي بقوله: "فجعل المقاصد أنفسها أوصافاً مناسبة على خلاف اختيار الإمام، وهو فاسد، ألا ترى مشروعية القصاص مثلاً جالبة، أو دافعة كما بيناه، وليست هي الوصف المناسب لأن المناسب من أقسام العلل، فيكون القتل في مثالنا، لا المشروعية، لأنها معلولة لا علة، وكذلك الردة وغيرها مما قلناه"٣. وظاهر كلام الأسنوي أن "ما" في تعريف البيضاوي تقع على الحكم المناسب والحكم غير الوصف المناسب، بل هو مترتب عليه، ويرجح ذلك قول الشارح ألا ترى أن مشروعية القصاص مثلاً جالبة، أو دافعة. أما إن أريد بها المصالح المترتبة على شرع الحكم، فإنه يستقيم أن يقال: أن هذه المصالح مجلوبة لا جالبة، ومدفوعة لا دافعة. فالحاصل أن "ما" إن وقعت في كلام المصنف على حكم كما فهمه الشارح لزمه أن يكون جعل الأحكام أنفسها أوصافاً مناسبة، والحكم غير الوصف، وإن وقعت على الوصف لزمه اعتراض هو أن الوصف المناسب الذي هو علة لا يجلب ولا يدفع.

стр. 174

ويجاب عنه بأنه لا مانع من أن تكون ما في تعريف البيضاوي واقعة على وصف، والوصف يجلب المنفعة، ويدفع المضرة بواسطة ترتب الحكم عليه كما تقدم لا بذاته١. "ولا شك أيضاً أن الأحكام الشرعية لا يصدق عليها أنها جالبة أو دافعة من حيث ترتيب الحكم عليها، بل من حيث ترتيبها هي على الأوصاف فلا يكون التعريف شاملاً لها، فاندفع الاعتراض ... فظهر بهذا أنه جامع مانع، وأنه يرجع في المعنى إلى التعريف الثاني من تعريفي الإمام "الذين نقلهما عنه الأسنوي"، لأن إسناد الجلب أو الدفع هنا إلى الوصف، لا ينافي إسناده إلى الحكم في تعريف الإمام، لما تقدم أن الجالب، أو الدافع في الحقيقة هو ترتيب الحكم على الوصف، لا نفس الوصف، فالمسند إليه متحد في المعنى فيهما، ولذا جعلهما الجلال المحلّي في شرح جمع الجوامع تعريفاً واحداً"٢. الموازنة بين التعريفات: يفهم من شرح الجلال المحلى لجمع الجوامع أن هذه التعريفات متقاربة في المعنى، ولعل ذلك لكونها تصدق على شيء واحد، لأن ما يصدق عليه الملائم لأفعال العقلاء، يصدق عليه ما لو عرض على العقول لتلقته بالقبول كما يصدق عليه أنه يجلب للإنسان نفعاً أو يدفع عنه ضرراً بالجعل عادة، وكذلك يصدق عليه كونه يحصل عقلاً من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصوداً للشارع من حصول مصلحة أو دفع مفسدة. لكن هذا بصرف النظر عن قيدي الظهور والانضباط، اللهم إلا أن يقال: إن هذين القيدين في الحقيقة من شروط ما يكون علة في ذاته كما تقدم.

стр. 175

ويدل لتقارب المعنى أن الجلال المحلى عندما شرحها لم يضعف أي واحد منها، بل صرح - بعد أن ذكر منها: الملائم لأفعال العقلاء وما لو عرض على العقول لتلقته بالقبول - بأنهما متقاربان١. وبيّن العبادي وجه التقارب بأمرين: الأول: أنه يمكن أن يوجه التقارب باتحادهما ذاتاً، واختلافهما مفهوماً لأنه اعتبر في كل منهما ما لم يعتبر في الآخر. الثاني: أن اقتصاره على تقارب هذين لعله لظهوره٢، لأن الملائم للعقول تتلقاه بالقبول، كما أن العضد صرح بأن تعريف أبي زيد مقارب لتعريف ابن الحاجب٣، وبين السعد وجه التقارب بأن "تلقى العقول بالقبول في قوة حصول ما يصلح مقصوداً للعقلاء من ترتيب الحكم عليه، إلا انه لم يصرح بالظهور والانضباط"٤. قال العبادي: "فثبت بذلك التقارب بين ما عدى الثاني". "قال": ولا يخفى إمكان رد الثاني إليها أيضاً، لأن ما يجلب نفعاً أو يدفع ضرراً أي بالجعل عادة ملائم لأفعال العقلاء عادة، وتتلقاه العقول بالقبول ويحصل من ترتيب الحكم عليه ما يحصل أن يكون مقصوداً ... الخ. ولا يرد أن هذا قول من يعلل أحكام الله تعالى بالمصالح كما نقله الشارح عن المحصول، لأن ذلك غير لازم. فقد قال السيد الجرجاني: إذا ترتب على فعل أثر فمن حيث أنه ثمرته يسمى فائدة، ومن حيث أنه طرف للفعل يسمى غاية، ثم إن كان سبباً لإقدام الفاعل يسمى بالقياس إلى الفاعل غرضاً، وإن لم يكن فغاية فقط، وأفعال الله تعالى يترتب عليها حكم وفوائد لا تعد.

стр. 176

فذهب الأشاعرة والحكماء إلى أنها غايات ومنافع راجعة إلى الخلق لا غرضاً، وعلة لفعله لوجهين، وبينهما انتهى. وحينئذ فيجوز أن يقال في ترتب حصول النفع أو دفع الضرر على ربط الحكم بعلته: ما قاله الأشاعرة في تلك الحكم والمصالح المترتبة على أفعال الله تعالى من غير لزوم محذور على ذلك، والله تعالى أعلم١. وهذه التعاريف وإن كانت متقاربة لما قدمته إلا أن أخصها هو تعريف ابن الحاجب الذي تبع فيه الآمدي، لأنه قاصر على تعريف المناسب الذي يصلح للتعليل بنفسه، وهو الوصف الظاهر المنضبط، ولأنه لا يحتاج إلى تأويل بخلاف غيره المشتمل على الخفي والمضطرب، فهو يحتاج إلى تأويل، وما لا يحتاج أولى مما يحتاج، والله تعالى أعلم.

стр. 177

الباب الثاني: في تقسيمات المناسب الفصل الأول: في تقسيمه باعتبار ذات المناسبة ... تمهيد قسم الأصوليون المناسب تقسيمات باعتبارات مختلفة، فقسموه أولاً باعتبار ذات المناسبة إلى: حقيقي وإقناعي. وقسموا الحقيقي إلى: دنيوي وأخروي، والدنيوي إلى: ضروري وحاجي، وتحسيني. وقسموه ثانياً باعتبار إفضائه إلى المقصود بأن يكون حصول المقصود منه يقيناً أو ظناً، أو أن يتساوى الحصول وعدمه، أو يكون نفي الحصول أرجح، أو يكون فائتاً بالكلية. وقسموه ثالثاً بالنظر إلى اعتبار الشارع له، وعدم اعتباره له١.

стр. 178

الفصل الأول وفيه مباحث: البحث الأول ينقسم المناسب باعتبار مناسبته للحكم إلى: حقيقي، وإقناعي، فالحقيقي هو الذي لا تزول مناسبته بالبحث والتأمل، بل تزداد وضوحاً كلما زاد البحث والتأمل فيه، كالإسكار، فإنه مناسب للتحريم من حيث أن تحريم المسكر يترتب عليه حفظ العقول، وكالقتل العمد العدوان، فإنه مناسب لوجوب القصاص لأن في ترتيب وجوب القصاص على القتل العمد العدوان حفظ النفوس. والمناسبة في كل من المثالين لا تزول بالتأمل، والتفكر، بل تزداد وضوحاً كلما زاد التأمل والتفكر. وأما الاقناعي، فهر الذي تتخيل مناسبته في أول الأمر، غير أنه إذا سلط عليه البحث، وسدد إليه النظر ظهر عدم مناسبته. مثاله: تعليل الشافعي ﵀ تحريم بيع الخمر والميتة وسائر النجاسات بنجاستها، وقياس الكلب والخنزير عليها. ووجه المناسبة أن كونه نجساً يناسب إذلاله، واجتنابه، ومقابلته بالمال يناسب إعزازه، والجمع بينهما متناقض. فهذا وإن كان يظن به في الظاهر أنه مناسب، لكنه في الحقيقة يظهر بالتأمل أنه ليس كذلك، لأن كونه نجساً معناه أنه لا تجوز الصلاة معه، ولا مناسبة بين بطلان الصلاة باستصحابه فيها، وبين المنع من بيعه١. ونقل المطيعي أن التاج السبكي اعترض في تكملة الابتهاج على عدم المناسبة في هذا المثال بقوله: "ولقائل أن يقول: لا نسلم أن المعنى يكونه نجساً منع الصلاة فيه، بل ذلك من جملة أحكام النجس، وحينئذ فالتعليل بكون النجاسة تناسب إذلاله ليس بإقناعي، "لأنه من جملة أحكام النجس، وتعليل منع بيع

стр. 179

الشيء بنجاسته مناسب حقيقي"، ثم قال: نعم مثال هذا استدلال الحنفية على قولهم إذا باع عبداً من عبدين أو ثلاثة يصح، والغرر القليل تدعو الحاجة إليه، فأشبه خيار الثلاث، فإن الرؤساء لا يحضرون السوق لاختيار المبيع، فيشتري الوكيل واحداً من ثلاثة، ويختار الموكل ما يريد. فهذا وإن تخيلت مناسبته أولاً، فعند التأمل يظهر أنه غير مناسب، لأنا نقول: لا حاجة إلى ذلك، لأنه يمكنه أن يشتري ثلاثة في ثلاثة عقود، ويشترط الخيار، فيختار منها ما يريد" اهـ. ثم اعترض المطيعي على هذا المثال "بأن الحنفية لا يقولون بالتعليل بالإخالة، ولو لم تكن اقناعية، وإنما يقبلون بما اتفق الكل على قبوله، وهو ما اعتبر الشارع نوع الوصف أو جنسه، في نوع الحكم أو جنسه، فكيف يعقل أنهم يقبلون التعليل بما يتخيل مناسبته فيما قاله التاج؟ رحمه الله تعالى، ونسبه للحنفية من تعليل الحكم الذي قالوه بهذه العلة غير صحيح، ولكن الحنفية يقولون: أي فرق بين أن يشتري العبيد الثلاثة بعقد واحد، أو يجعل المشتري لنفسه الخيار في ذلك، فيردها كلها، أو واحداً منها، وبين أن يشتريها بثلاثة عقود. فشراؤه بعقد واحد مع الخيار للخيار للمشتري في كلها أو بعضها صحيح بلا شك، وكذلك شراؤها بعقود مع الخيار للمشتري في كلها أو بعضها صحيح أيضاًَ. ولا يفرق بين هذا وهذا إلا بكون الأول عقداً واحداً، والثاني بعقود متعددة، وهذا الفرق لا يؤثر في العلة، ولا في الحكم بحال من الأحوال"١. وذكر الغزالي أن "مثال هذه الاقناعات قد يوجد في الشرع معتبراً، ولكن يعتقد اعتباره إذا دل عليه مسلك نقلي، أما مجرد هذه لمناسبة فربما لا يجري على دعوى التعليل.

стр. 180

وكذلك إذا قلنا: تحريم الربا في الأشياء الأربعة سببه: الطعم وحرمته تضييقاً لطريق التحصيل فيما عز في نفسه، فإن ما يعز لا ينال إلا بنوع تكلف، وتجشم شروط، ومضايق، وما سقط حرمته لم يضيق طريقه، بل يسهل مناله، كان هذا كلاماً إقناعياً ضعيفاً، ينكشف بالبحث عن غير طائل، إذ يقال العزيز المحترم يصان عن الإتلاف بالإسراف والتضييع، فإما أن يصان عن التحصيل بطريق التضييق فلا، بل يمهد إليه طريق التملك، ويوسع مسلكه لشدة الحاجة إليه"١. هذا وقد اتضح أن المناسب الاقناعي هو الذي تظهر مناسبته في بادئ الرأي ثم تزول بالبحث والتأمل، أما الأمثلة السابقة فليس من همي مناقشتها إذ قد قيل: والشأن لا يعترض المثال ... إذ قد كفى الفرض والاحتمال الثاني: ينقسم المناسب الحقيقي إلى: ديني ودنيوي. فالمناسب الديني هو ما يجلب للإنسان نفعا، أو يدفع عنه ضرراً بحيث يكون كل منهما متعلق بالآخرة، كتزكية النفس، وتهذيب الأخلاق، ورياضة النفوس، فإنها مناسبة لشرع العبادات، لأن الصلاة مثلاً وضعت للخضوع، والتذلل، والصوم لانكسار النفس بحسب القوى الشهوانية والعصبية. فإذا كانت النفوس طاهرة تؤدي المأمورات، وتجتنب المنهيات، حصلت لها سعادة الآخرة، لأن منافع العبادات أخروية، وهي ترجع إلى حصول الثواب ودفع العقاب٢. "والحقيقي الدنيوي هو ما يجلب للإنسان نفعاً، أو يدفع عنه ضرراً بحيث يكون كل منهما متعلقاً بالدنيا كالسرقة والزنا، فإن المنفعة المترتبة على شرع الحكم
следующие страницы →