فذهب الأشاعرة والحكماء إلى أنها غايات ومنافع راجعة إلى الخلق لا غرضاً، وعلة لفعله لوجهين، وبينهما انتهى.
وحينئذ فيجوز أن يقال في ترتب حصول النفع أو دفع الضرر على ربط الحكم بعلته: ما قاله الأشاعرة في تلك الحكم والمصالح المترتبة على أفعال الله تعالى من غير لزوم محذور على ذلك، والله تعالى أعلم١.
وهذه التعاريف وإن كانت متقاربة لما قدمته إلا أن أخصها هو تعريف ابن الحاجب الذي تبع فيه الآمدي، لأنه قاصر على تعريف المناسب الذي يصلح للتعليل بنفسه، وهو الوصف الظاهر المنضبط، ولأنه لا يحتاج إلى تأويل بخلاف غيره المشتمل على الخفي والمضطرب، فهو يحتاج إلى تأويل، وما لا يحتاج أولى مما يحتاج، والله تعالى أعلم.
стр. 177
الباب الثاني: في تقسيمات المناسب
الفصل الأول: في تقسيمه باعتبار ذات المناسبة
...
تمهيد
قسم الأصوليون المناسب تقسيمات باعتبارات مختلفة، فقسموه أولاً باعتبار ذات المناسبة إلى: حقيقي وإقناعي.
وقسموا الحقيقي إلى: دنيوي وأخروي، والدنيوي إلى: ضروري وحاجي، وتحسيني.
وقسموه ثانياً باعتبار إفضائه إلى المقصود بأن يكون حصول المقصود منه يقيناً أو ظناً، أو أن يتساوى الحصول وعدمه، أو يكون نفي الحصول أرجح، أو يكون فائتاً بالكلية.
وقسموه ثالثاً بالنظر إلى اعتبار الشارع له، وعدم اعتباره له١.
стр. 178
الفصل الأول وفيه مباحث:
البحث الأول
ينقسم المناسب باعتبار مناسبته للحكم إلى: حقيقي، وإقناعي، فالحقيقي هو الذي لا تزول مناسبته بالبحث والتأمل، بل تزداد وضوحاً كلما زاد البحث والتأمل فيه، كالإسكار، فإنه مناسب للتحريم من حيث أن تحريم المسكر يترتب عليه حفظ العقول، وكالقتل العمد العدوان، فإنه مناسب لوجوب القصاص لأن في ترتيب وجوب القصاص على القتل العمد العدوان حفظ النفوس.
والمناسبة في كل من المثالين لا تزول بالتأمل، والتفكر، بل تزداد وضوحاً كلما زاد التأمل والتفكر.
وأما الاقناعي، فهر الذي تتخيل مناسبته في أول الأمر، غير أنه إذا سلط عليه البحث، وسدد إليه النظر ظهر عدم مناسبته.
مثاله: تعليل الشافعي ﵀ تحريم بيع الخمر والميتة وسائر النجاسات بنجاستها، وقياس الكلب والخنزير عليها.
ووجه المناسبة أن كونه نجساً يناسب إذلاله، واجتنابه، ومقابلته بالمال يناسب إعزازه، والجمع بينهما متناقض.
فهذا وإن كان يظن به في الظاهر أنه مناسب، لكنه في الحقيقة يظهر بالتأمل أنه ليس كذلك، لأن كونه نجساً معناه أنه لا تجوز الصلاة معه، ولا مناسبة بين بطلان الصلاة باستصحابه فيها، وبين المنع من بيعه١.
ونقل المطيعي أن التاج السبكي اعترض في تكملة الابتهاج على عدم المناسبة في هذا المثال بقوله: "ولقائل أن يقول: لا نسلم أن المعنى يكونه نجساً منع الصلاة فيه، بل ذلك من جملة أحكام النجس، وحينئذ فالتعليل بكون النجاسة تناسب إذلاله ليس بإقناعي، "لأنه من جملة أحكام النجس، وتعليل منع بيع
стр. 179
الشيء بنجاسته مناسب حقيقي"، ثم قال: نعم مثال هذا استدلال الحنفية على قولهم إذا باع عبداً من عبدين أو ثلاثة يصح، والغرر القليل تدعو الحاجة إليه، فأشبه خيار الثلاث، فإن الرؤساء لا يحضرون السوق لاختيار المبيع، فيشتري الوكيل واحداً من ثلاثة، ويختار الموكل ما يريد.
فهذا وإن تخيلت مناسبته أولاً، فعند التأمل يظهر أنه غير مناسب، لأنا نقول: لا حاجة إلى ذلك، لأنه يمكنه أن يشتري ثلاثة في ثلاثة عقود، ويشترط الخيار، فيختار منها ما يريد" اهـ.
ثم اعترض المطيعي على هذا المثال "بأن الحنفية لا يقولون بالتعليل بالإخالة، ولو لم تكن اقناعية، وإنما يقبلون بما اتفق الكل على قبوله، وهو ما اعتبر الشارع نوع الوصف أو جنسه، في نوع الحكم أو جنسه، فكيف يعقل أنهم يقبلون التعليل بما يتخيل مناسبته فيما قاله التاج؟ رحمه الله تعالى، ونسبه للحنفية من تعليل الحكم الذي قالوه بهذه العلة غير صحيح، ولكن الحنفية يقولون: أي فرق بين أن يشتري العبيد الثلاثة بعقد واحد، أو يجعل المشتري لنفسه الخيار في ذلك، فيردها كلها، أو واحداً منها، وبين أن يشتريها بثلاثة عقود.
فشراؤه بعقد واحد مع الخيار للخيار للمشتري في كلها أو بعضها صحيح بلا شك، وكذلك شراؤها بعقود مع الخيار للمشتري في كلها أو بعضها صحيح أيضاًَ.
ولا يفرق بين هذا وهذا إلا بكون الأول عقداً واحداً، والثاني بعقود متعددة، وهذا الفرق لا يؤثر في العلة، ولا في الحكم بحال من الأحوال"١.
وذكر الغزالي أن "مثال هذه الاقناعات قد يوجد في الشرع معتبراً، ولكن يعتقد اعتباره إذا دل عليه مسلك نقلي، أما مجرد هذه لمناسبة فربما لا يجري على دعوى التعليل.
стр. 180
وكذلك إذا قلنا: تحريم الربا في الأشياء الأربعة سببه: الطعم وحرمته تضييقاً لطريق التحصيل فيما عز في نفسه، فإن ما يعز لا ينال إلا بنوع تكلف، وتجشم شروط، ومضايق، وما سقط حرمته لم يضيق طريقه، بل يسهل مناله، كان هذا كلاماً إقناعياً ضعيفاً، ينكشف بالبحث عن غير طائل، إذ يقال العزيز المحترم يصان عن الإتلاف بالإسراف والتضييع، فإما أن يصان عن التحصيل بطريق التضييق فلا، بل يمهد إليه طريق التملك، ويوسع مسلكه لشدة الحاجة إليه"١.
هذا وقد اتضح أن المناسب الاقناعي هو الذي تظهر مناسبته في بادئ الرأي ثم تزول بالبحث والتأمل، أما الأمثلة السابقة فليس من همي مناقشتها إذ قد قيل:
والشأن لا يعترض المثال ... إذ قد كفى الفرض والاحتمال
الثاني: ينقسم المناسب الحقيقي إلى: ديني ودنيوي.
فالمناسب الديني هو ما يجلب للإنسان نفعا، أو يدفع عنه ضرراً بحيث يكون كل منهما متعلق بالآخرة، كتزكية النفس، وتهذيب الأخلاق، ورياضة النفوس، فإنها مناسبة لشرع العبادات، لأن الصلاة مثلاً وضعت للخضوع، والتذلل، والصوم لانكسار النفس بحسب القوى الشهوانية والعصبية.
فإذا كانت النفوس طاهرة تؤدي المأمورات، وتجتنب المنهيات، حصلت لها سعادة الآخرة، لأن منافع العبادات أخروية، وهي ترجع إلى حصول الثواب ودفع العقاب٢.
"والحقيقي الدنيوي هو ما يجلب للإنسان نفعاً، أو يدفع عنه ضرراً بحيث يكون كل منهما متعلقاً بالدنيا كالسرقة والزنا، فإن المنفعة المترتبة على شرع الحكم
стр. 181
عندهما، وهي حفظ النفس، وحفظ المال متعلقة بالدنيا"١.
الثالث: ينقسم المناسب الحقيقي الدنيوي باعتبار المقصود منه إلى: ضروري، وحاجي وتحسيني.
فأما الضروري فهو الذي "لا بد منه في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقد لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد، وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين"٢.
وهو في أصله منحصر في المقاصد الخمسة التي هي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب والمال، فإن الشرائع لم تختلف في حفظها، بل أطبقت على حفظها، لكونها من المهمات التي ارتبط بها نظام العالم بحيث أن النوع الإنساني لم يبق مستقيم الأحوال بدونها.
فالدين محفوظ بالجهاد، والقتل بالردة، وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ ٣، وفي الحديث: "من بدل دينه فاقتلوه" ٤.
والنفس محفوظة بشرعية القصاص، كما نبه عليه تعالى بقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ٥، فإنه لولا ذلك لتهارج الخلق، واختل نظام المصالح.
والعقل محفوظ بشرعية الحد على شرب المسكر، لأن العقل آلة الفهم، وحامل الأمانة، ومحل الخطاب والتكليف، وقد نبه الله على فساد الخمر بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ ٦.
стр. 182
والنسب محفوظ بتحريم الزنا، وإيجاب الحد عليه، لأن المزاحمة على الأبضاع تفضي إلى اختلاط الأنساب المؤدي إلى انقطاع التعهد عن الأولاد، وفيه التوثب على الفروج بالتعدي والتغلب، وهو مجلبة الفساد والتقاتل.
والمال محفوظ بإيجاب الضمان على المتعدي عليه، والقطع بالسرقة، وحدِّ المحاربين نظراً إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ﴾ ١، لأنه قوام العيش٢.
قال ابن أمير الحاج: "وتسمى هذه بالكليات٣ الخمس، وكل منها دون ما قبله، وحصر المقاصد في هذه ثابت بالنظر إلى الواقع، وعادات الملل والشرائع بالاستقراء"٤.
قال الزركشي: "هذا ما أطبق عليه الأصوليون، وهو لا يخلو عن نزاع، فدعواهم إطباق الشرائع ممنوع "لما يأتي":
١ - أنه مبني على أنه ما خلا شرع من استصلاح، وفيه خلاف في الكلام على أن الحكم لا بد له من علة، والأقرب فيه الوقف"٥.
وأجاب عنه صاحب نبراس العقول بأن الخلاف إنما هو بالنظر إلى الجواز العقلي، لا بالنظر إلى الواقع، لأن الشرائع السابقة كما ظهر لنا مجملها من نصوص الكتاب المبين قد روعيت فيها مصالح العباد بالنظر لذلك الوقت، قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ٦.
стр. 183
أنه لا يدل على وجود المصلحة في كل فرد من أفراد المصالح.
٢ - أن ما ذكروه من أن الخمر كانت محرمة في الشرائع السابقة مثل القتل والزنا والسرقة، ليس كذلك، فإنها كانت مباحة في صدر الإسلام، ثم حرمت في السنة الثالثة بعد غزوة أحد.
وما نقله الغزالي في شفاء الغليل، وحكاه ابن القشيري١ في تفسيره عن القفال الشاشي٢ من أن الذي كان مباحاً هو شرب القليل الذي لا يسكر، لا ما ينتهي إليه السكر المزيل للعقل، فإنه محرم في كل ملة، فإنه مردود لتواتر الخبر إنها كانت مباحة على الإطلاق، ولم يثبت أن الإباحة كانت إلى حد لا يزيل العقل٣.
قال النووي٤: "وأما ما قد يقوله بعض من لا تحصيل له أن السكر لم يزل محرماً فباطل لا أصل له"٥.
стр. 184
وقال شيخنا محمد الأمين بن محمد المختار١ في الرد على صاحب المراقي من أن إباحة الخمر كانت بالبراءة الأصلية: "أن الخمر دل النص القرآني على إباحتها في أول الإسلام ... والآية التي دلت على إباحتها هي قوله تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ ٢. الآية.
اللهم إلا على القول بأن السكر الطعم، كما اختاره ابن جرير٣ أو الخل على ما قاله أبو عبيد٤ فيتجه ما قاله المؤلف"٥.
قال صاحب النبراس: "فإن قلت: إنَّ معنى قولهم لم تخل من رعايتها ملة من الملل أن جميع الملل والشرائع حافظت على الأمور الخمسة التي منها العقل، وذلك لا يلزمه أن تكون الخمر محرمة في جميع الشرائع.
قلت: لا نسلم ذلك، لأن شرب الخمر إن كان مؤدياً لفساد العقل يلزم من ذلك أن يكون الخمر محرماً في كل شريعة تحافظ على العقل، وإن كان لم يكن
стр. 185
مؤدياً لفساد العقل، فلا يكون تحريمه لقصد المحافظة عليه"١.
٣ - قال الزركشي: "زاد بعض المتأخرين سادساً، وهو حفظ الأعراض، فإن عادة العقلاء بذل نفوسهم وأموالهم دون أعراضهم، وما فدي بالضرورة أولى أن يكون ضرورياً، وقد يشرع في الجناية عليه بالقذف الحد، وهو أحق بالحفظ من غيره، فإن الإنسان قد يتجاوز عمن جنى على نفسه وماله، ولا يكاد أحد يتجاور عن الجناية على عرضه.
ولهذا كان أهل الجاهلية يتوقعون الحرب العوان المبيدة للفرسان لأجل كلمة.
فهؤلاء عبس وذبيان٢، استمرت الحرب بينهم أربعين سنة، لأجل سبق فرس فرساً، وهما داحس والغبراء، وإليهما تضاف هذه الحرب٣، وذلك أن المسبوق وهو حذيفة بن بدر اعتقد أن مسبوقيته لعمار فضح عرضه"٤.
وبهذا تكون المقاصد ستة، وعليه جرى ابن السبكي في جمع الجوامع، قال الجلال المحلى: "وهذا زاده المصنف كالطوفي، وعطفه بالواو إشارة إلى أنه في رتبة المال، وعطف كلا من الأربعة قبله بالفاء، لإفادة أنه دون ما قبله في الرتبة"٥.
стр. 186
ونقل العطار عن الزركشي أنه قال: "والظاهر أن الأعراض١ تتفاوت فمنها ما هو كالكليات، وهو الأنساب، وهي أرفع من الأموال، فإن حفظها تارة بتحريم الزنا، وتارة بتحريم القذف المفضي إلى الشك في الأنساب، وتحريم الأنساب مقدم على الأموال، ومنها ما هو دونها، وهو ما عدا الأنساب أي ومن الأعراض ما هو دون الكليات، فهو دون الأموال، لا في رتبتها كما زعمه المصنف"٢ يعني ابن السبكي.
واستشكل العبادي تصوير الحالة التي ليس فيها تطرق الشك في الأنساب حتى تكون في رتبة المال، أو دونه، وبيّن وجه تصور ذلك وناقشه بما نصه: "وقد يشكل تصوير الحالة التي ليس فيها تطرق الشك في الأنساب حتى يكون في رتبة المال كما قال الكمال، أو دونه كما قال شيخ الإسلام٣، تقريراً لما قاله الزركشي، إذ الرمي بالزنا مطلقاً فيه الشك المذكور.
وقد تصور تلك الحالة باللواط، فإن المراد بالزنا ما يشمله، وليس فيه ذلك التطرق، لأنه ليس محلاً للإيلاد، وعلى هذا فقد يشكل كون العرض في هذه الحالة في رتبة المال، أو دونه، لأن الإنسان المعتبر يتأثر بالقدح فيه باللواط ملا يتأثر بفوات ماله، خصوصاً مقدار ربع دينار ونحوه.
قال: "وقد يحمل الزركشي القذف على مطلق الشتم، ويريد بالحالة التي
стр. 187
لا تطرق فيها لما ذكر الشتم الذي ليس برمي بالزنا، لكنه بعيد مع قوله المشروع له حد القذف أي أو التعزير، فليتأمل"١.
وكون التعزير مشروعاً في حق القذف من لم يكن محصناً، وفي بعض الشتم الذي ليس بقذف، وإن كان يتمشى مع ما وجه به كلام الزركشي، إلا أنه يرد عليه أنه غير مفوت لما يلزم حفظه بالضرورة، اللهم إلا على ما تقدم من حرب داحس والغبراء مما ترتب عليها من فوات النفس، والله أعلم.
ومكمل الضروري كتحريم شرب القليل من الخمر لكونه داعياً إلى الكثير المفوت لحفظ العقل، فبولغ في حفظه بالمنع من القليل، ووجوب الحد عليه كالكثير، وكتحريم البدعة، والمبالغة في عقوبة المبتدع الداعي إليها، وكالمبالغة في حفظ النسب بتحريم النظر واللمس، والتعزير على ذلك٢.
فأصل المقصود حاصل من حفظ النسب بتحريم الزنا، ووجوب الحد عليه، غير أنه لما كان النظر واللمس قد يؤدي إلى الزنا، حرم تكميلاً لحفظ النسب.
ولزيادة الإيضاح أذكر الوصف المناسب، والحكم المترتب عليه، والمقصود من شرع الحكم في أمثلة القسم الضروري، ومكمله السابقة، فالردة والكفر مناسبان، ووجوب الجهاد وحد المرتد حكمان شرعيان، والمحافظة على الدين، هو المقصود.
والقتل العمد العدوان مناسب، ووجوب القصاص حكم شرعي، والمحافظة على النفس هو المقصود.
стр. 188
والإسكار وصف مناسب، وحرمة تعاطي المسكر ووجوب الحد عليه حكم شرعي، والمحافظة على العقل هو المقصود.
والزنا وصف مناسب، ووجوب الحد عليه حكم شرعي، والمحافظة على الأنساب هو المقصود.
والسرقة والغصب وصف مناسب، والتحريم ووجوب الحد والضمان حكم شرعي، والمحافظة على الأموال هو المقصود.
والقذف وصف مناسب، وحرمته ووجوب الحد عليه حكم شرعي، والمحافظة على العرض هو المقصود.
وكون قليل المسكر يؤدي إلى كثيره وصف مناسب، وحرمته ووجوب الحد علي حكم شرعي، والمبالغة في حفظ العقل هو المقصود.
وكون الداعي يدعو إلى البدعة وصف مناسب، وعقوبته هو الحكم، والمحافظة على الدين هو المقصود.
والنظر واللمس وصف مناسب، وحرمته هو الحكم، والمبالغة في حفظ النسب هو المقصود١.
وأما الحاجي فهو الذي "يفتقر إليه من حيث التوسعة، ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج، والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، إذا لم تراع دخل على المكلفين في الجملة الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة"٢.
وهو منقسم أيضاً إلى قسمين: حاجي في نفسه، ومكمل للحاجي، أما الحاجي في نفسه، فكالإجارة، فإنه مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكن مع القصور عن تملكها، وضنة مالكها بعاريتها، وكذلك البيع، والقراض، والمساقاة، فإن المعاوضة وإن ظنت أنها ضرورية، فكل واحد من هذه العقود ليس بحيث لو لم يشرع لأدى إلى فوات شيء من الضروريات الخمس.
стр. 189
وهذه العقود ليست الحاجة إليها في رتبة واحدة، بل بعضها أقوى من بعض، كما أن بعضها قد يكون ضرورياً في بعض الصور، كإجارة من ترضع لتربية طفل لا أم له ترضعه، وكشراء المطعوم والملبوس له، فإنه ضروري من قبل حفظ النفس، ولذا لم تخل منه شريعة، وإنما أطلق الحاجي عليها باعتبار الأغلب١.
فالوصف المناسب فيهما الحاجة، والحكم هو البيع والإجارة، والمقصود هو التمكن من تملك الذات، أو المنفعة٢.
وذهب إمام الحرمين إلى أن تصحيح البيع آئل إلى الضرورة، والإجارة دونه٣.
ومنه تمكين الولي من تزويج الصغيرة، فإن مصالح النكاح غير ضرورية لها في الحال، إلا أن الحاجة إليه حاصلة، وهي خشية تفويت الكفء الذي لو فات ربما فات لا إلى بدل، إذ لو منع تزويجها لعدم حاجتها إلى النكاح حال الصغر، فإنه قد لا يوجد الكفء لها عند البلوغ الذي تيسر لها في الصغر، فتفوت مصلحة الكفاءة التي يترتب عليها دوام الألفة بين الزوجين.
فالوصف المناسب هو الصغر، والحكم تسليط الولي على تزويجها، والمقصود الذي شرع له الحكم هو تحصيل الكفء الذي قد يفوت لا إلى بدل٤.
وأما مكمل الحاجي، "فكوجوب رعاية الكفاءة، ومهر المثل في الولي إذا زوج الصغيرة، فإن أصل المقصود من شرع النكاح، وإن كان حاصلاً بدونها، لكنه أشد إفضاء إلى دوام النكاح، وهو من مكملات مقصود النكاح"٥.
стр. 190
"وكالمقصود من شرع خيار البيع، وهو التروي، فإنه مكمل للمقصود من البيع، وهو الملك، لأن ما ملك بعد التروي والنظر في أحواله يكون ملكه أتم وأقوى مما هو بدون ذلك لسلامته من الغبن"١.
وأما التحسيني فهو "الأخذ بما يليق بمحاسن العادات، وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق"٢.
وهو على قسمين: ما لا يقع على معارضة قادة شرعية، وذلك كتحريم تناول القاذورات، فإن لنفرة الطباع عنها لقذارتها معنى يناسب حرمة تناولها حثاً للناس على مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ ٣، وحديث "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"٤، ومنه إزالة النجاسة، فإنها مستقذرة في الجبلات، واجتنابها أهم في المكارم والمروء ات، ولهذا يحرم التضمخ بها على الصحيح من غير حاجة إلى ذلك.
ومنه سلب العبد أهلية الشهادة، لأنها منصب شريف، والعبد نازل القدر، والجمع بينهما غير ملائم، "فسلب ذلك المنصب، ليكون الجري على ما ألف من محاسن العادات أن يعتبر في المناصب المناسبة، فإن السيد إذا كان له عبد ذو فضائل، وآخر دونه فيها، استحسن عرفاً أن يفوض العمل إليهما بحسب فضلهما، فيجعل الأفضل للأفضل، وإن كان كل منهما يمكنه القيام بما يقوم به الآخر"٥.
стр. 191
ومنه ما يقع على معارضة قاعدة معتبرة كالكتابة، فإنها وإن كانت مستحسنة في العادات إلا أنها في الحقيقة والواقع بيع الرجل ماله بماله، وهو غير معقول١.
وعلل الغزالي سلب العبد أهلية الشهادة بأنه "لو قبلت شهادته في حال العدالة لكان ذلك كقبول فتواه وروايته، ولكن لما كان الرقيق نازل القدر والرتبة، ضعيف الحال والمنزلة بإثبات يد الاستيلاء عليه والتسخير، وكانت الشهادة ونفوذها على الغير منصباً علياً ومقاماً سنياً لم يكن ذلك لائقاً بحاله، فيفهم مقصود الشرع في سلبه الأهلية على هذا الوجه، ففيه نوع مناسبة تتميز عن قول القائل: أنه لا تقبل شهادته، لأنه لا تجب عليه الجمعة مثلاً كالصبي، فإن سقوط التكليف بالجمعة لا ينبئ بحال عن سقوط أهلية الشهادة، بخلاف ما ذكرناه" ٢.
لكن قد يقال أن سقوط الجمعة عنه لنقص فيه، وهذا المعنى بعينه هو الذي لم تقبل شهادته لأجله.
هذا وقد عقد ذلك كله صاحب مراقي السعود مبيناً الأقسام ومراتبها ومحل الوفاق منها بقوله:
ثم المناسب عنيت الحكمة ... منه ضروري وجا تتمه
بينهما ما ينتمي للحاجي ... وقدم القوي في الرواج
دين فنفس ثم عقل نسب ... مال إلى ضرورة تنتسب
ورتبن ولتعطفن مساويا ... عرضاً على المال تكن موافيا
فحفظها حتم على الإنسان ... في كل شرعة من الأديان
ألحق به ما كان ذا تكميل ... كالحد فما يسكر القليل
وهو حلال في شرائع الرسل ... غير الذي نسخ شرعه السبل
стр. 192
أباحها في أول الإسلام ... براءة ليست من الأحكام
والبيع فالإجارة الحاجي ... خيار بيع لاحق جلي
وما يتمم لدى الحذاق ... حث على مكارم الأخلاق
منه موافق أصول المذهب ... كسلب العبد شريف المنصب
وحرمة القدر والإنفاق ... على الأقارب ذوي الأملاق
وما يعارض كتابة سلم ... ونحوه وأكل ما صيد يؤم١
стр. 193
الفصل الثاني: في تقسيم المناسب الحقيقي باعتبار إفضائه إلى المقصود
المقصود من شرع الحكم عند الوصف إما أن يكون مفضياً إلى جلب مصلحة للعبد، أو إلى دفع مفسدة عنه، أو لكليهما تحصيلاً لأصل المقصود ابتداء، أو دواماً، أو إلى تكميله.
فالأول: وهو كونه مفضياً إلى أصل المقصود في الابتداء، مثل القضاء بصحة التصرف الصادر من الأهل في المحل تحصيلاً لأصل المقصود المتعلق بالتصرف من ملك العين أو المنفعة كما في البيع والإجارة ونحوهما.
الثاني: وهو المفضي إلى دوام المقصود كالقضاء بتحريم القتل، وإيجاب القصاص على من قتل عمداً عدواناً، لإفضائه إلى دوام مصلحة حفظ نفس الإنسان المعصومة عن التعدي عليها بغير حق.
الثالث: وهو المفضي إلى تكميل المقصود مثل الحكم باشتراط الشهادة في النكاح، فإنه مكمل لمصلحة النكاح، وليس محصلاً لأصلها، لحصول المصلحة بنفس التصرف وصحته١.
ثم إن المقصود من شرع الحكم المرتب على الوصف المناسب إما أن يكون حصوله: يقيناً، أو ظناً، أو أن الحصول وعدمه متساويان، أو أن عدم الحصول راجح على الحصول، وإما أن ينتفي حصوله في بعض الصور قطعاً، فجملة الصور العقلية خمسة، أربع صور في الحصول، وواحدة منتفية الحصول في بعض الصور.
الأول: كالبيع، فإن شرع ليترتب عليه الملك، وهو يحصل عقبه يقيناً، لأنه متى حصل البيع الصحيح حصل عقبه الملك حتماً.
стр. 194
الثاني: كشرع القصاص المترتب على القتل العمد العدوان، فإن شرعية القصاص تفضي إلى الانزجار عن التعدي على النفس المعصومة عن الهلاك ظناً، لأن الغالب من حال العاقل أنه إذا علم أنه إذا قتل قتل، أنه يكف عن القتل، فتبقى نفس المجني عليه، وإن كان الممتنعون عن القتل أكثر من المقدمين عليه، وليس ذلك مقطوعاً به لتحقق الإقدام على القتل مع شرعية القصاص.
وهذان القسمان متفق على التعليل بهما، عند القائلين بالتعليل بالمناسبة١.
الثالث: قال الآمدي: "قلما يتفق له في الشرع مثال على التحقيق، بل على طريق التقريب، وذلك كشرع الحد على شرب الخمر صيانة للعقل، فإن إفضاء شرع الحد إلى ذلك متردد، حيث إنا نجد كثرة الممتنعين عنه مقاومة لكثرة المقدمين عليه، لاستدعاء الطباع شربها، لا على وجه الترجيح والغلبة لأحد الفريقين على الآخر في العادة"٢.
وقد اعترض عليه "بأن ذلك إنما هو للتسامح في إقامة الحدود، وأما مع إقامتها فلا، ونحن إنما نعتبر كونه مفضياً إلى المقصود أو لا على تقدير رعاية المشروع، لا بمجرد التشريع.
وتعقب بأنا لو فرضنا رعاية المشروع، لكان استيفاء حد الخمر أقل منعاً للشاربين من استيفاء القصاص للقاتلين، إذ لا يخفى أن الخوف من إزهاق النفس أعظم من خوف ثمانين جلدة"٣.
الرابع: إفضاء الحكم بصحة نكاح الآيسة إلى مقصود التوالد والتناسل، فإنه وإن كان ممكناً عقلاً، غير أنه بعيد عادة، فكان الإفضاء إليه مرجوحاً.
فهذه الأقسام الأربعة وإن كانت مناسبة نظراً إلى أنها موافقة للنفس غير أن
стр. 195
أعلاها القسم الأول، لتيقنه، ويليه الثاني لكونه مظنوناً راجحاً، ويليه الثالث لتردده، ويليه الرابع لكونه مرجوحاً"١.
ثم إن الأصوليين اختلفوا في جواز التعليل بالمناسب المفضي إلى القسم الثالث والرابع، فقال بعضهم: لا يجوز التعليل بهما؛ لأن الثالث مشكوك الحصول، والرابع مرجوحه.
قال الآمدي: "وأما القسم الثالث والرابع فلكون المقصود فيهما غير ظاهر، للمساواة في الثالث، والمرجوحية في الرابع، فالاتفاق واقع على صحة التعليل بهما إذا كان ذلك في آحاد الصور الشاذة، وكان المقصود ظاهراً من الوصف في غالب صور الجنس، وإلا فلا، وذلك كما ذكرناه في مثال صحة نكاح الآيسة لمقصود التوالد، فإنه وإن كان غير ظاهر بالنسبة إلى الآيسة، إلا أنه ظاهر فيما عداها"٢.
قال العضد: "وهذان قد أنكرا، والمختار الجواز، لنا أن البيع مظنة الحاجة إلى التعاوض وقد اعتبر، وإن انتفى الظن في بعض الصور، بل شك فيها، أو ظن عدم الحاجة، فإن بيع الشيء مع عدم ظن الحاجة إلى عوضه لا يوجب بطلانه إجماعاً.
وكذلك السفر مظنة للمشقة، وقد اعتبر، وإن ظن عدم المشقة كما في الملك المترفه الذي يسار به على المحفة في اليوم نصف فرسخ لا يصيبه ظمأ ولا مخمصة"٣.
وقد بين السعد وجه اعتبار المظنة في المثالين اللذين ذكرهما العضد، أعني البيع والسفر، مع أن حصول المقصود ونفيه متساويان في أحدهما، ونفي الحصول في الثاني أرجح - بأنه علم اعتبار المظنة فيهما، لأنه لا عبرة بالحصول في كل، وإنما المعتبر الحصول في جنس الوصف٤.
стр. 196
الخامس: وهو أن ينتفي حصول المقصود قطعاً كما في لحوق النسب في نكاح المشرقي للمغربية مع العلم بعدم تلاقيهما قطعاً، فإن الجمهور على منع هذا الطريق، لأنه لا عبرة بالمظنة مع انتفاء المئنة أي لا عبرة بمكان ظن وجود الحكمة مع العلم بانتفاء نفس الحكمة.
وقد اعتبره الحنفية، لوجود سببه وهو الفراش، واستدل ابن أمير الحاج على جواز حصوله بجواز أن يكون صاحب كرامة الطير، أو صاحب جني١، لإمكان تلاقيهما والحالة هذه، ورد ما ذهب إليه صاحب فواتح الرحموت بأن احتمال قطع المسافة بالكرامة بعيد، لا يعتد به، فإن الكلام فيما ظهر انتفاؤها٢.
وكالصورة السابقة وجوب استبراء جارية اشتراها بائعها لرجل منه في مجلس البيع، لأن المقصود من استبراء الجارية المشتراة من رجل هو معرفة براءة رحمها منه المسبوق بالجهل، فائت قطعاً في هذه الصورة، لانتفاء الجهل فيها قطعاً.
وقد اعتبره الحنفية لوجود المظنة وهي الملك الذي هو مظنة حصول النطفة في الرحم.
وصرح صاحب التحرير وشارحه بأنه لا شك في أن القول بوجوب الاستبراء في الصورة المذكورة بناء على هذا الطريق٣.
قال جلال المحلي: "وغيرهم لم يعتبره، وقال بالاستبراء فيها تعبداً كما في المشتراة من امرأة"٤.
وظاهر مما تقدم أن الحكم في هذه الصورة لا خلاف فيه، وإنما الخلف في كونه تعبداً أو غير تعبد.
وقد بين الآمدي وجه عدم اعتبار المناسب في مثل هذه الصور، وإن كانت
стр. 197
المناسبة ظاهرة في غالب صور الجنس، فيما عداها بما نصه قال: "وعلى هذا فلو خلا الوصف الذي رتب عليه الحكم عن المقصود الموافق للنفس قطعاً، وإن كان ظاهراً في غالب صور الجنس، كما في لحوق النسب في نكاح المشرقي للمغربية، وشرع الاستبراء في شراء الجارية لمعرفة فراغ رحمها فيما إذا اشترى جارية ممن باعها منه في مجلس البيع الأول، لعلمنا بفراغ رحمها من غيره قطعاً، وإن كان ذلك ظاهراً في غالب صور الجنس فيما عدا هذه الصورة فلا يكون مناسباً.
ولا يصح التعليل به، لأن مقصود من شرع الحُكمِ الحُكمَ، فشرع الأحكام مع انتفاء الحكمة يقيناً لا يكون مفيداً، فلا يرد به الشرع"١.
لكن يرد عليه ما اعترض به صاحب مسلم الثبوت على الجمهور في عدم اعتبارهم المظنة مع انتفاء المئنة في هذا النوع بما أوضحه شارحه من أنه منقوض بسفر الملك المرفه إذا قطع بعدم المشقة في سفره، فإنه يرخص له في سفره بالقصر وغيره قطعاً، حيث اتفقوا هنا على اعتبار المظنة مع انتفاء المئنة قطعاً.
وكذلك منقوض بالمطلقة الغير الموطوءة بعد الوضع بستة أشهر، فإنه تجب العدة عليها مع القطع بعدم الشغل، والطلاق إنما أوجب العدة لكونه مظنة الشغل.
ثم قال: والحل للنقض أن المقاصد إنما لوحظت في تشريح الحكم كلياً فلا بد من ترتيبها على نوعه، فإذا كان نوعه مما يترتب عليه المقاصد يصلح مظنة، ولو لم يترتب على بعض أشخاصه، فقولكم أن المظنة غير معتبرة نظراً إلى الماهية والنوع مع انتفاء المئنة قطعاً نظراً إلى الهاذية وبعض الأشخاص في حيز المنع غير مسلم.
نعم لا عبرة بالمظنة مع انتفاء المئنة نظراً إلى النوع، وهذا غير لازم، فإن النسب يترتب على الفراش، وحدوث الملك يترتب عليه احتمال الشغل، وإن كانا مفقودين في بعض أفرادهما، ومن هنا ظهر لك أن استخراج وقوع تشريع حكم
стр. 198
لا يترتب المقصود على نوعه من هاتين المسألتين ونسبته إلى الإمام الهمام أبي حنيفة ليس في محله.
مما تقدم يظهر أن ملاحظة المقاصد إنما هي في كليات الأحكام لأنها متفرعة على النوع قطعاً أو غالباً١.
الموازنة:
يتضح من توجيه كل من الفريقين ما ذهب إليه أن اللازم في اعتبار المظنة وجود المئنة في النوع، وأنه لا يضر انتفاؤها في بعض الأفراد، وأن لا عبرة بالمظنة عند انتفاء المئنة في النوع.
حيث اعتبر الجمهور ترخص الملك المرفه بسفر انتفت فيه المشقة نظراً لوجود المشقة في نوع السفر، وإن تخلفت في هذه الصورة، كما أن الحنفية اعتبرت لحوق نسب ولد من تزوج بالمشرق مغربية مع القطع بعدم تلاقيهما نظراً لوجود المظنة، وهي الفراش، وإن تخلفت في هذه الصورة.
غير أن ثمت فرقاً بين ما ذكره الحنفية، وما ذكره الجمهور، وهو أن الفائت فيما ذكره الحنفية هو المقصود، وهو حصول النطفة في الرحم.
أما فيما ذكره الجمهور في مسألة الملك، فإن الفائت حكمه المظنة وهي المشقة، أما الحكمة بمعنى المقصود وهي التخفيف فحاصلة قطعاً.
هذا إذا أردنا مطلق التخفيف، أما إذا أردنا التخفيف المترتب على المشقة فهو فائت لفوات المشقة، والله تعالى أعلم.
стр. 199
الفصل الثالث: في تقسيم المناسب من حيث اعتبار الشارع له وعدم اعتباره له
المبحث الأول: أقسام المناسب بحسب القسمة العقلية
...
الفصل الثالث في تقسيم المناسب من حيث اعتبار الشارع له وعدم اعتباره له
اختلف الأصوليون في حكاية تقسيم هذا النوع من المناسب سواء في ذلك الحنفية وغيرهم، فكل واحد يحكيه بطريقة تخالف غيره، كما سيتضح ذلك من استعراض طرقهم - إن شاء الله تعالى - مع بيان هل لاختلافهم ثمرة أم لا؟.
ومن المعلوم أن هذا التقسيم من أهم مباحث المناسبة، إذ المقصود منه بيان ما هو المقبول من أوصاف المناسبة اتفاقاً، وما هو مردود منها باتفاق، وما هو مختلف فيه، إذ ليس كل وصف مناسب يصح أن يكون علة، بل لا بد من كونه معتبراً شرعاً.
والكلام على هذا الفصل ينحصر في الأبحاث الآتية:
المبحث الأول أقسام المناسب بحسب القسمة العقلية
أما تقسيمه بمقتضى القسمة العقلية، فهو إما: أن يكون معتبراً شرعاً، أو لا يكون معتبراً، وإذا كان معتبراً، فإما أن يكون اعتباره بنص أو إجماع، وذلك إما أن ينص الشارع، أو يحصل الإجماع على أنه علة، أو يكون اعتباره من الشارع بإيراد الأحكام على وفقه بثبوت الحكم معه في المحل، إما إجماعاً، أو عند المعلل.
ثم لا يخلو اعتبار الشارع له من أن يكون باعتبار عين الوصف في عين الحكم أو في جنسه، أو جنسه في جنس الحكم، أو عينه.
وإن كان غير معتبر فإما: أن يلغيه الشارع بأن يترتب الحكم على عكسه، أو لا يعلم اعتباره، ولا إلغاؤه، والصور تتعدد بحسب أفراده، أو تركيبه الثنائي
стр. 200
أو الثلاثي أو الرباعي، وبالنظر إلى أن الجنس قريب أو بعيد، أو متوسط تكثر الطرق.
وحيث إن سعد الدين التفتازاني ﵀ أوضح وجه اجتماع التقسيم المعتبر، ومثل له لما يشفي ويغني، وإن كان فيه طول، فإنني أقتصر على سرد ما ذكره.
قال: "لا خفاء في أن أقسام المفرد أربعة حاصلة من ضرب الاثنين في الاثنين، لأن المعتبر في جانب الوصف هو النوع أو الجنس، وكذا في جانب الحكم.
وحينئذ يلزم أن ينحصر المركب في أحد عشر، لأن التركيب إما ثنائي أو ثلاثي أو رباعي.
أما الرباعي فهو واحد لا غيرن وأما الثلاثي فهو أربعة، لأنه إنما يصير ثلاثياً بنقصان واحد من الرباعي، وذلك الواحد إما أن يكون اعتبار النوع في النوع، أو في الجنس، أو اعتبار الجنس في النوع، أو في الجنس.
وأما الثنائي: فستة، لأن كل واحد من الأقسام الأربعة للأفراد والتركيب مع كل من الثلاثة الباقية، ويصير اثنا عشر حاصلة من ضرب الأربعة في الثلاثة فيسقط ستة بموجب التكرار.
أو نقول: اعتبار النوع في النوع إما أن يتركب مع اعتبار الجنس في النوع، أو مع اعتبار النوع في الجنس، أو مع اعتبار الجنس في الجنس، ثم اعتبار الجنس في النوع إما أن يتركب مع اعتبار النوع في الجنس، أو مع اعتبار الجنس في الجنس، ثم اعتبار النوع في الجنس يتركب مع اعتبار الجنس في الجنس.
فإن قلت: اعتبار النوع يستلزم اعتبار الجنس ضرورة لأنه لا يوجد النوع بدون الجنس، فلا يتصور الأفراد إلا في اعتبار الجنس في الجنس، وأما اعتبار النوع في النوع فيستلزم التركيب الرباعي البتة، واعتبار النوع في الجنس أو عكسه يستلزم التركيب الثنائي.
стр. 201
قلت: المراد الاعتبار قصداً، لا ضمناً، حتى أن الرباعي ما يكون كل من الاعتبارات الأربعة مقصوداً على حدة.
فالمركب من الأربعة كالسكر، فإنه مؤثر في الحرمة، وكذا جنسه الذي هو إيقاع العداوة والبغضاء مؤثر في الحرمة، ثم السكر مؤثر في وجوب الزواجر أعم من أن يكون أخروياً كالحرمة، أو دنيوياً كالحد.
ثم لما كان السكر مظنة للقذف صار المعنى المشترك بينهما وهو إيقاع العداوة والبغضاء مؤثراً في وجوب الزواجر.
وأما المركب من الثلاثة، فالمركب مما سوى اعتبار النوع في النوع، كالتيمم عند خوف فوات صلاة العيد، فإن الجنس هو العجز الحكمي بحسب المحل يحتاج إليه شرعاً مؤثر في الجنس أي في سقوط الاحتياج في النوع لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ﴾ ١، إقامة لأحد العناصر مقام الآخر، فإن التراب مطهر في بعض الأحوال بحسب نشف النجاسات، وأيضاً عدم وجدان الماء وهو النوع مؤثر في الجنس، وهو عدم وجوب استعماله، لكن النوع وهو خوف الفوت لا يؤثر في النوع أي في التيمم من حيث أنه يتيمم.
والمركب مما سوى اعتبار الجنس في النوع، كما في التيمم إذا لم يجد إلا ماء يحتاج إلى شربه، فإن العجز الحكمي بحسب المحل على استعمال ما يحتاج إليه شرعاً مؤثر في سقوط الاحتياج.
فهذا تأثير الجنس في الجنس، ثم النوع مؤثر في النوع لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء﴾ كما ذكرنا، وأيضاً عدم وجدان الماء وهو النوع مؤثر في الجنس أي في عدم استعماله دفعاً للهلاك، لكن الجنس غير مؤثر في النوع، لأن العجز المذكور لا يؤثر في التيمم من حيث هو التيمم.
والمركب مما سوى اعتبار النوع في الجنس كالحيض في حرمة قربان فهذا
стр. 202
تأثير النوع في النوع، وجنسه وهو الأذى علة أيضاً لحرمة القربان، ولجنسه وهو وجوب الاعتزال.
والمركب مما سوى اعتبار الجنس يقال: الحيض علة لحرمة الصلاة، فهذا تأثير النوع في النوع، وأيضاً علة للجنس، وهو حرمة القراءة أعم من أن يكون في الصلاة أو خارجها، ولجنسه وهو الخروج من السبيلين تأثير في حرمة الصلاة ليس له تأثير في الجنس، وهو حرمة القراءة مطلقاً.
وأما المركب من الاثنين، فالمركب من اعتبار النوع في النوع مع الجنس في النوع، كما في طهارة سؤر الهرة، فإن الطواف علة للطهارة لقوله ﵊: "إنها من الطوافين"١، وجنسه وهو مخالطة نجاسة يشق الاحتراز عنها علة للطهارة كآبار الغلوات.
والمركب من اعتبار النوع في النوع مع النوع في الجنس كإفطار المريض فإنه مؤثر في الجنس، وهو التخفيف في العبادة، وكذا الإفطار بسبب الضرر.
والمركب من اعتبار النوع في النوع مع الجنس في الجنس كولاية النكاح في المجنون جنوناً مطبقاً، فإنه من حيث إنه عجز بسبب عدن العقل مؤثر في مطلق الولاية، ثم من حيث إنه عجز دائمي بسبب عدم العقل علة لولاية النكاح للحاجة، بخلاف الصغر فإنه من حيث إنه صغر لا يوجب هذه الولاية.
والمركب من اعتبار الجنس في النوع مع الجنس في الجنس كالولاية في مال الصغير، فإن العجز لعدم العقل مؤثر في مطلق الولاية، ثم هو مؤثر في الولاية في المال للحاجة إلى بقاء النفس.
والمركب من اعتبار الجنس في النوع مع النوع في الجنس كخروج النجاسة، فإنه مؤثر في وجوب الوضوء، ثم خروجها من غير السبيلين كما في اليد وهي آلة التطهير مؤثر في وجوب إزالتها.
стр. 203
والمركب من اعتبار النوع في الجنس مع الجنس في الجنس كما في عدم الصوم على الصبي والمجنون، فإن العجز لعدم العقل مؤثر في سقوط العبادة للاحتياج إلى الأهلية، ثم الجنس وهو العجز للخلل في القوى مؤثر في سقوط العبادة"١.
هذا حاصل التقسيم بحسب القسمة العقلية، ثم نتبعه بأشهر ما في كتب الأصول، بادئاً بما ذكره ابن الحاجب موضحاً له بما ذكره العضد في شرحه، والسعد في حاشيته على العضد - رحمهم الله تعالى -.
стр. 204
المبحث الثاني أقسام المناسب من حيث الاعتبار
المناسب بهذا الاعتبار أربعة أقسام: مؤثر، وملائم، وغريب، ومرسل. وذلك لأنه إما معتبر شرعاً، أو لا معتبر شرعاً.
أما المعتبر، فإما أن يثبت اعتبار عينه في عين الحكم بنص أو إجماع، أو لا بل بترتيب الحكم على وفقه، وهو ثبوت الحكم معه في المحل.
فإن ثبت بنص أو إجماع اعتبار عينه في عين الحكم، فهو المؤثر، كالصغر في ولاية المال، فإن عليته ثابتة بالإجماع.
وإن لم يثبت بنص أو إجماع، بل بترتيب الحكم على وفقه، فذلك لا يخلو من أن يثبت بنص أو إجماع اعتبار عينه في جنس الحكم، أو جنسه في عين الحكم، أو جنسه في جنس الحكم، أو لا، فإن ثبت فهو الملائم، وإن لم يثبت فهو الغريب.
وإن لم يعتبر لا بنص أو إجماع، ولا بترتيب الحكم على وفقه فهو المرسل.
وينقسم المرسل إلى: ما علم إلغاؤه، وإلى ما لم يعلم إلغاؤه، والثاني ينقسم إلى: ملائم قد علم اعتبار عينه في جنس الحكم، أو جنسه في عين الحكم، أو
стр. 205
جنسه في جنس الحكم بنص أو إجماع، وإن لم يصرح بذلك العضد ولا السعد، ولكنه يؤخذ من التحرير وشرحه، وإلى ما لم يعلم منه ذلك، وهو الغريب١.
فإن كان غريباً أو علم إلغاؤه فمردود اتفاقاً، وإن كان ملائماً، فقد صرح الإمام الغزالي بقبوله، وذكر أنه مروي عن الشافعي ومالك رحمهما الله تعالى، والمختار أنه مردود.١
وقد شرط الغزالي في قبوله شروطاً ثلاثة: أن تكون ضرورية لا حاجية، وقطعية لا ظنية، وكلية لا جزئية٢، كما سيأتي إيضاحه.
والحاصل أن المؤثر هو ما اعتبر عينه في عين الحكم بنص أو إجماع على أنه علة، والملائم هو ما اعتبر عينه في عين الحكم بترتيب الحكم على وفقه ومع ذلك اعتبر عينه في جنس الحكم، أو جنسه في عين الحكم، أو في جنسه بنص أو إجماع، فالملائم ثلاثة أقسام.
والغريب هو ما اعتبر عينه في عين الحكم بالترتيب من غير أن يعتبر عينه في جنس الحكم أو جنسه في جنسه، أو في عينه.
والمرسل هو الذي لم يعتبر عينه في عين الحكم لا بنص أو إجماع، ولا بترتيب الحكم، وهو ينقسم إلى قسمين: ما علم إلغاؤه، وما لم يعلم إلغاؤه، ولا اعتباره.
والقسم الثاني ينقسم إلى: ملائم، وغريب، فالملائم هو الذي لم يعتبر عينه في عين الحكم لا بنص ولا بإجماع، ولا بالترتيب، غير أنه اعتبر عينه في جنس الحكم، أو جنسه في عين الحكم أو جنسه بالنص أو الإجماع، فهو ثلاثة، والغريب هو الذي لم يعتبر أصلاً.
فأقسام المرسل خمسة: معلوم الإلغاء، والغريب، وهما مردودان اتفاقاً، والملائم وهو ثلاثة، وفيه الخلاف.
стр. 206
فعند ابن الحجاب الملائم نوعان: ملائم المناسب، وملائم المرسل، والفرق بينهما هو أن الأول قد اعتبر عينه في عين الحكم بالترتيب.
والثاني: لم يعتبر ذلك فيه، والغريب أيضاً نوعان، غريب المناسب، وغريب المرسل، والفرق بينهما كالفرق بين الملائمين١.
أمثلة أقسام المناسب:
مثال المؤثر كما تقدم أنه هو تأثير عين الوصف في عين الحكم بنص أو إجماع كالصغر في ولاية المال، فإن عليته ثابتة بالإجماع، فالوصف الصغر وهو أمر واحد، والحكم ولاية المال، وهو أيضاً أمر واحد، والملائم ثلاثة، مثال الأول وهو تأثير عين الوصف في جنس الحكم ما يقال: تثبت للأب ولاية النكاح على الصغيرة، كما يثبت له عليها ولاية المال بجامع الصغر، فالوصف الصغر وهو أمر واحد، والحكم الولاية وهي جنس بجمع ولاية النكاح وولاية المال، وهما نوعان من التصرف، وعين الصغر معتبر في جنس الولاية بالإجماع، لأن الإجماع على اعتباره في ولاية المال، إجماع على اعتباره في جنس الولاية، بخلاف اعتباره في عين ولاية النكاح، فإنه إنما ثبت بمجرد ترتيب الحكم على وفقه حيث ثبتت الولاية معه في الجملة، وإن وقع الاختلاف في أنه للصغر، أو للبكارة، أو لهما جميعاً.
مثال الثاني: وهو اعتبار جنس الوصف في عين الحكم أن يقال: الجمع جائز في الحضر مع المطر قياساً على السفر بجامع الحرج، فالحكم رخصة الجمع، وهو واحد والوصف الحرج وهو جنس يجمع الحاصل بالسفر، وهو خوف الضلال والانقطاع، وبالمطر وهو التأذي به، وهما نوعان مختلفات، وقد اعتبر جنس الحرج في عين رخصة الجمع "بالنص والإجماع على اعتبار حرج السفر ولو في الحج، وأما اعتبار عين الحرج فليس إلا بمجرد ترتيب الحكم على وفقه، إذ لا نص ولا إجماع على علية حرج السفر" ٢.
стр. 207
ومثال الثالث: وهو اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم ما يقال: يجب القصاص في القتل بالمثقل قياساًَ على القتل بالمحدد بجامع كونهما جناية عمد عدوان، فالحكم مطلق القصاص، وهو جنس يجمع القصاص في النفس وفي الأطراف، وغيرهما من القوى.
والوصف جناية العمد العدوان، وهو جنس يجمع الجناية في النفس وفي الأطراف وفي المال، وقد اعتبر جنس الجناية في جنس القصاص، بالنص والإجماع، وهو ظاهر، وإنما الخفاء في أن اعتبار عين القتل العمد العدوان في عين القصاص في النفس ليس بالنص والإجماع، بل بترتيب الحكم على وفقه، ليكون من الملائم دون المؤثر.
ووجهه أن لا نص ولا إجماع على أن العلة ذلك وحده، أو مع قيد كونه بالمحدد.
ومثال المناسب الغريب أن يقال: في البات في المرض، وهو من يطلق امرأته طلاقاً بائناً بالثلاث في مرض موته، لئلا ترثه، يعارض بنقيض قصده، فيحكم بإرثها قياساً على القاتل حيث عورض بنقيض مقصوده، وهو أن يرث، فحكم بعد إرثه.
والجامع بينهما كون كل منهما فعلاً محرماً لغرض فاسد، فهذا له وجه مناسبة، وفي ترتب الحكم عليه تحصيل مصلحة، وهي نهيها عن الفعل الحرام غير أنه لم يشهد له أصل بالاعتبار بنص أو إجماع اعتبار عين الوصف في جنس الحكم أو جنسه في جنسه، أو عينه، وهذا المثال تحقيقي.
مثال تقديري، وهو أن يقال يحرم النبيذ قياساً على الخمر، بجامع الإسكار على تقدير عدم النص على علة السكر بالإيماء إليها في حديث "كل مسكر حرام" ١، لأن الإسكار مناسب للتحريم حفظاً للعقل، إذ الشارع لم يعتبر عينه
стр. 208
في جنس التحريم، ولا جنسه في عين التحريم، ولا جنسه في جنسه، فلو لم يدل النص على اعتبار عينه في عبن الحكم، لكان غريباً.
ومثال ما علم إلغاؤه، فكإيجاب صيام شهرين متتابعين ابتداء، قبل العجز عن الإعتاق في كفارة الظهار بالنسبة إلى من يسهل عليه الإعتاق دون الصيام، فإنه مناسب تحصيلاً لمقصود الزجر، لكن علم عدم اعتبار الشارع له، فلا يجوز، هكذا قال العضد١.
لكن السعد قال: "إنما خص الكفارة الظهار بالذكر دون كفارة الصوم مع أنها كذلك، لأن ثبوت الإلغاء في الظهار أظهر، لأن الصوم قبل العجز عن الإعتاق ليس بمشروع، في حقه أصلاً، لكونها مرتبة بالنص القاطع والإجماع بخلاف كفارة الصوم، فإنها على التخيير عند مالك.
وبالجملة فإيجاب الصوم ابتداء على التعيين مناسب، لكن لم يثبت اعتباره لا بنص ولا بإجماع، ولا بترتيب الحكم على وفقه، فهو مرسل، ومع ذلك فقد علم أن الشارع لم يعتبره أصلاً، ولم يوجب الصوم على التعيين ابتداء في حق أحد"٢.
وقد ذكر الأصوليون أن العلماء أنكروا على يحيى بن يحيى٣ تلميذ الإمام مالك أفتا عبد الرحمن بن الحكم٤ الأموي بوجوب صيام شهرين متتابعين،
стр. 209
لوقاعه جارية له في نهار رمضان مع قدرته على الإعتاق معللاً ذلك بأنه أبلغ في زجره عن العودة.
وفي تعليق شيخي الدكتور عثمان مريزيق ﵀ على القياس أن الإنكار على يحيى بن يحيى، لا يصح، لأن مذهب الإمام مالك ﵀ في كفارة الجماع في نهار رمضان على التخيير بين خصالها كما تقدم، فأية واحدة منها فعلها أجزأته، وعلى تسليم أنها على الترتيب، فلا وجه للإنكار أيضاً، ففي إحدى الروايتين عن يحيى أنه اعتبره فقيراً لما عليه من تبعات المسلمين، وعلى هذا فهو غير واجد للإعتاق، كما فعل من قبله عيسى بن ماهان١، حين أفتى والي خراسان بذلك، فلم ينكر عليه.
فيحيى إذن لم يعتبر وصفاً ألغاه الشارع، وإنما اعتبره وصفاً اعتبره الشارع، وهو انتهاك حرمة شهر رمضان، والله أعلم٢.
ومثال ملائم المرسل أن يتترس الكفار الصائلون بأسارى المسلمين إذا علم أنهم لم يرموهم استأصلوا المسلمين المتترس بهم وغيرهم، وإن رموا اندفعوا قطعاً، بخلاف أهل قلعة تترسوا بمسلمين، فإن فتحها ليس في محل الضرورة٣، وسيأتي لهذا زيادة إيضاح في محله إن شاء الله تعالى.
أما غريب المرسل، فلم أر له مثالاً إلا على ما ذكره السعد في حاشيته على
стр. 210
العضد من أن الشارحين جعلوا مثاله البات طلاق زوجته في مرض موته١.
стр. 211
المبحث الثالث: تقسيم ابن السبكي له
...
المبحث الثالث
فابن السبكي وإن كان اتبع طريقة ابن الحاجب في هذا التقسيم حيث قال: "المناسب أن اعتبر بنص أو إجماع عين الوصف في عين الحكم فالمؤثر، وإن لم يعتبر بهما، بل بترتيب الحكم على وفقه ولو باعتبار جنسه في جنسه، فالملائم وإن لم يعتبر فإن دل الدليل على إلغائه فلا يعلل به، وإلا فهو المرسل"١، فإنه لم يذكر غريب المناسب، ولا القسم الملغى من المرسل، لأنه قصر المرسل على ما لم يعلم إلغاؤه ولا رده، فلم يقسمه إلى ملائم وغيره كما فعل ابن الحاجب فجعل الخلاف فيه جارياً على الإطلاق خلافاً لابن الحاجب الذي ذكر الاتفاق على أن غريب المرسل مردود كالملغى.
"ويؤخذ من شرح المحلى عليه أن اعتبار العين في العين بترتيب الحكم على وفقه، إنما يعد اعتباراً للشارع إذا اعتبر عين الوصف في جنس الحكم، أو جنسه في جنسه، أو عينه بنص أو إجماع، وهو خلاف تقسيم ابن الحاجب والعضد السابق.
ثم يرد عليه أن غريب المناسب فيه اعتبار العين في العين بالترتيب فقط، وقد جعلوه مما اعتبره الشارع، اللهم إلا أن يكون صاحب جمع الجوامع بنى كلامه في الملائم على اعتبار الجنس ولو بعيداً، فيكون القسم المسمى بغريب المناسب داخلاً في ملائمه، كما أن غريب المرسل داخل في ملائمه أيضاً.
وعلى ذلك لا يكون في المناسب غريب البتة، إذ ما من وصف يفرض إلا واعتبر جنسه البعيد في جنس الحكم بالنص أو الإجماع، ولذلك قصر المحلى اعتبار العين في العين بالترتيب على ما ذكره.
стр. 212
وأما ابن الحاجب فكلامه مبني على اعتبار الجنس القريب في الملائم، وبذلك يخرج عنه الغريب، فلم يبق بينهما مخالفة إلا حكاية الاتفاق على غريب المرسل، والاختلاف فيه كملائمه"١.
واعترض على هذا التقسيم بأن المناسب المأخوذ من المناسبة التي هي تعيين العلة بمجرد إبداء المناسبة من ذات الوصف لا بنص أو إجماع على العلية أخص من هذا التقسيم.
فكيف ينقسم المناسب إلى معتبر بنص أو إجماع، وإلى غيره؟!
وأجيب بأن المناسب المنقسم بهذا التقسيم أعم من المناسب المأخوذ من المناسبة المعروفة بما ذكر، مع أن اعتبار الشارع له بالنص أو الإجماع لا يخرجه عن كون طريقه في ذاته مناسبة، لأن اعتبار الشارع بالنص أو الإجماع، إنما هو في كونه مؤثراً لا في كونه مناسباً٢.
стр. 213
المبحث الرابع: تقسيم الإمام له
...
المبحث الرابع
وأما الإمام فقد قال: "المناسب إما أن يعلم أن الشارع اعتبره، أو يعلم أنه ألغاه، أو لا يعلم واحد منهما.
أما القسم الأول فهو على أقسام أربعة: لأنه إما أن يكون نوعه معتبراً في نوع ذلك الحكم، أو في جنسه، أو بكون جنسه معتبراً في نوع ذلك الحكم، أو في جنسه.
مثال تأثير النوع في النوع: أنه إذا ثبت أن حقيقة السكر اقتضت حقيقة التحريم كان النبيذ ملحقاً بالخمر، لأنه لا تفاوت بين العلتين، وبين الحكمين إلا اختلاف المحلين، واختلاف المحل لا يقتضي ظاهراً اختلاف الحالين.
стр. 214
عليه التقدم في النكاح، والأخوة من الأب والأم نوع واحد في الموضعين، إلا أن ولاية النكاح ليست مثل ولاية الإرث، لكن بينهما مجانسة في الحقيقة.
ولا شك أن هذا القسم دون القسم الأول في الظهور؛ لأن المفارقة بين المثلين بحسب اختلاف المحلين أقل من المفارقة بين نوعين مختلفين.
مثال تأثير الجنس في النوع: إسقاط قضاء الصلاة عن الحائض تعليلاً بالمشقة، فإنه ظهر تأثير جنس المشقة في إسقاط قضاء الصلاة، وذلك مثل تأثير المشقة في السفر في إسقاط قضاء الركعتين الساقطتين.
مثال تأثير الجنس في الجنس: تعليل الأحكام بالحِكَمِ التي لا تشهد لها أصول معينة مثل أن علياً ﵁ أقام الشرب مقام القذف إقامة لمظنة الشيء مقامه قياساً على إقامة الخلوة بالمرأة مقام وطئها في الحرمة.
ثم اعلم أن للجنس مراتب، فأعم أوصاف الأحكام كونه حكماً، ثم ينقسم الحكم إلى: تحريم، وإيجاب، وندب، وكراهة، والواجب ينقسم إلى: عبادة، وغير عبادة، والعبادة تنقسم إلى: صلاة وغيرها، والصلاة تنقسم إلى: فرض ونفل، فما ظهر تأثيره في الفرض أخص مما ظهر تأثيره في الصلاة، وما ظهر تأثيره في الصلاة أخص مما ظهر تأثيره في العبادة.
وكذا في جانب الوصف أعم أوصافه كونه وصفاً تناط به الأحكام، حتى تدخل فيه الأوصاف المناسبة وغير المناسبة، وأخص من المناسب الضروري، وأخص منه ما هو كذلك في حفظ النفوس.
وبالجملة فالأوصاف إنما يلتفت إليها إذا ظن التفات الشارع إليها، فكل ما كان التفات الشارع إليه أكثر، كان ظن كونه معتبراً أقوى، وكل ما كان الوصف والحكم أخص، كان ظن كون ذلك الوصف معتبراً في حق ذلك الحكم آكد، فيكون لا محالة مقدماً على ما يكون أعم منه.
стр. 215
وأما المناسب الذي علم أن الشرع ألغاه، فهو غير معتبر أصلاً.
وأما المناسب الذي لا يعلم أن الشرع ألغاه، أو اعتبره، فذلك إنما يكون بحسب أوصاف أخص من كونه وصفاً مصلحياً، وإلا فعموم كونه وصفاً مصلحياً مشهود له بالاعتبار، وهذا القسم هو المسمى بالمصالح المرسلة.
واعلم أن كل واحد من هذه الأقسام الأربعة مع كثرة مراتب العموم والخصوص، قد يقع فيه كل واحد من الأقسام الخمسة المذكورة في التقسيم الأول، ويحصل هناك أقسام كثيرة جداً، ويقع فيما بينها المعارضات والترجيحات، ولا يمكن ضبط القوة فيها لكثرتها، والله هو العالم بحقائقها".
ثم ذكر أن الوصف باعتبار الملاءمة وشهادة الأصل على أربعة أقسام:
أحدها: "ملائم شهد له أصل معين، وهو الذي أثر نوع الوصف في نوع الحكم، وأثر جنسه في جنسه، وهذا متفق على قبوله بين القائسين، وهو كقياس المثقل على الجارح في وجوب القصاص، فخصوص كونه قتلاً معتبر في خصوص كونه قصاصاً، وعموم جنس الجناية معتبر في عموم جنس العقوبة.
وثانيها: مناسب لا يلائم، ولا يشهد له أصل، فهذا مردود بإجماع، ومثاله: حرمان القاتل من الميراث معارضة له بنقيض قصده، لو قدرنا أنه لم يرد فيه نص.
وثالثها: مناسب ملائم لا يشهد له أصل معين بالاعتبار، يعني اعتبر جنسه في جنسه، لكن لم يوجد له أصل يدل على اعتبار نوعه في نوعه، وهذا هو المصالح المرسلة.
ورابعها: مناسب يشهد له أصل معين، ولكنه غير ملائم، أي شهد نوعه لنوعه، لكن لم يشهد جنسه لجنسه كما في الإسكار، فإنه يناسب تحريم تناول المسكر صيانة للعقل، وقد شهد لهذا المعنى الخمر باعتباره، لكنه لم يشهد له سائر