← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9573

الوصف المناسب لشرع الحكم

أحمد بن عبد الوهاب الشنقيطي

Полный текст (374 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المبحث الثالث: تقسيم ابن السبكي له ... المبحث الثالث فابن السبكي وإن كان اتبع طريقة ابن الحاجب في هذا التقسيم حيث قال: "المناسب أن اعتبر بنص أو إجماع عين الوصف في عين الحكم فالمؤثر، وإن لم يعتبر بهما، بل بترتيب الحكم على وفقه ولو باعتبار جنسه في جنسه، فالملائم وإن لم يعتبر فإن دل الدليل على إلغائه فلا يعلل به، وإلا فهو المرسل"١، فإنه لم يذكر غريب المناسب، ولا القسم الملغى من المرسل، لأنه قصر المرسل على ما لم يعلم إلغاؤه ولا رده، فلم يقسمه إلى ملائم وغيره كما فعل ابن الحاجب فجعل الخلاف فيه جارياً على الإطلاق خلافاً لابن الحاجب الذي ذكر الاتفاق على أن غريب المرسل مردود كالملغى. "ويؤخذ من شرح المحلى عليه أن اعتبار العين في العين بترتيب الحكم على وفقه، إنما يعد اعتباراً للشارع إذا اعتبر عين الوصف في جنس الحكم، أو جنسه في جنسه، أو عينه بنص أو إجماع، وهو خلاف تقسيم ابن الحاجب والعضد السابق. ثم يرد عليه أن غريب المناسب فيه اعتبار العين في العين بالترتيب فقط، وقد جعلوه مما اعتبره الشارع، اللهم إلا أن يكون صاحب جمع الجوامع بنى كلامه في الملائم على اعتبار الجنس ولو بعيداً، فيكون القسم المسمى بغريب المناسب داخلاً في ملائمه، كما أن غريب المرسل داخل في ملائمه أيضاً. وعلى ذلك لا يكون في المناسب غريب البتة، إذ ما من وصف يفرض إلا واعتبر جنسه البعيد في جنس الحكم بالنص أو الإجماع، ولذلك قصر المحلى اعتبار العين في العين بالترتيب على ما ذكره.

стр. 212

وأما ابن الحاجب فكلامه مبني على اعتبار الجنس القريب في الملائم، وبذلك يخرج عنه الغريب، فلم يبق بينهما مخالفة إلا حكاية الاتفاق على غريب المرسل، والاختلاف فيه كملائمه"١. واعترض على هذا التقسيم بأن المناسب المأخوذ من المناسبة التي هي تعيين العلة بمجرد إبداء المناسبة من ذات الوصف لا بنص أو إجماع على العلية أخص من هذا التقسيم. فكيف ينقسم المناسب إلى معتبر بنص أو إجماع، وإلى غيره؟! وأجيب بأن المناسب المنقسم بهذا التقسيم أعم من المناسب المأخوذ من المناسبة المعروفة بما ذكر، مع أن اعتبار الشارع له بالنص أو الإجماع لا يخرجه عن كون طريقه في ذاته مناسبة، لأن اعتبار الشارع بالنص أو الإجماع، إنما هو في كونه مؤثراً لا في كونه مناسباً٢.

стр. 213

المبحث الرابع: تقسيم الإمام له ... المبحث الرابع وأما الإمام فقد قال: "المناسب إما أن يعلم أن الشارع اعتبره، أو يعلم أنه ألغاه، أو لا يعلم واحد منهما. أما القسم الأول فهو على أقسام أربعة: لأنه إما أن يكون نوعه معتبراً في نوع ذلك الحكم، أو في جنسه، أو بكون جنسه معتبراً في نوع ذلك الحكم، أو في جنسه. مثال تأثير النوع في النوع: أنه إذا ثبت أن حقيقة السكر اقتضت حقيقة التحريم كان النبيذ ملحقاً بالخمر، لأنه لا تفاوت بين العلتين، وبين الحكمين إلا اختلاف المحلين، واختلاف المحل لا يقتضي ظاهراً اختلاف الحالين.

стр. 214

عليه التقدم في النكاح، والأخوة من الأب والأم نوع واحد في الموضعين، إلا أن ولاية النكاح ليست مثل ولاية الإرث، لكن بينهما مجانسة في الحقيقة. ولا شك أن هذا القسم دون القسم الأول في الظهور؛ لأن المفارقة بين المثلين بحسب اختلاف المحلين أقل من المفارقة بين نوعين مختلفين. مثال تأثير الجنس في النوع: إسقاط قضاء الصلاة عن الحائض تعليلاً بالمشقة، فإنه ظهر تأثير جنس المشقة في إسقاط قضاء الصلاة، وذلك مثل تأثير المشقة في السفر في إسقاط قضاء الركعتين الساقطتين. مثال تأثير الجنس في الجنس: تعليل الأحكام بالحِكَمِ التي لا تشهد لها أصول معينة مثل أن علياً ﵁ أقام الشرب مقام القذف إقامة لمظنة الشيء مقامه قياساً على إقامة الخلوة بالمرأة مقام وطئها في الحرمة. ثم اعلم أن للجنس مراتب، فأعم أوصاف الأحكام كونه حكماً، ثم ينقسم الحكم إلى: تحريم، وإيجاب، وندب، وكراهة، والواجب ينقسم إلى: عبادة، وغير عبادة، والعبادة تنقسم إلى: صلاة وغيرها، والصلاة تنقسم إلى: فرض ونفل، فما ظهر تأثيره في الفرض أخص مما ظهر تأثيره في الصلاة، وما ظهر تأثيره في الصلاة أخص مما ظهر تأثيره في العبادة. وكذا في جانب الوصف أعم أوصافه كونه وصفاً تناط به الأحكام، حتى تدخل فيه الأوصاف المناسبة وغير المناسبة، وأخص من المناسب الضروري، وأخص منه ما هو كذلك في حفظ النفوس. وبالجملة فالأوصاف إنما يلتفت إليها إذا ظن التفات الشارع إليها، فكل ما كان التفات الشارع إليه أكثر، كان ظن كونه معتبراً أقوى، وكل ما كان الوصف والحكم أخص، كان ظن كون ذلك الوصف معتبراً في حق ذلك الحكم آكد، فيكون لا محالة مقدماً على ما يكون أعم منه.

стр. 215

وأما المناسب الذي علم أن الشرع ألغاه، فهو غير معتبر أصلاً. وأما المناسب الذي لا يعلم أن الشرع ألغاه، أو اعتبره، فذلك إنما يكون بحسب أوصاف أخص من كونه وصفاً مصلحياً، وإلا فعموم كونه وصفاً مصلحياً مشهود له بالاعتبار، وهذا القسم هو المسمى بالمصالح المرسلة. واعلم أن كل واحد من هذه الأقسام الأربعة مع كثرة مراتب العموم والخصوص، قد يقع فيه كل واحد من الأقسام الخمسة المذكورة في التقسيم الأول، ويحصل هناك أقسام كثيرة جداً، ويقع فيما بينها المعارضات والترجيحات، ولا يمكن ضبط القوة فيها لكثرتها، والله هو العالم بحقائقها". ثم ذكر أن الوصف باعتبار الملاءمة وشهادة الأصل على أربعة أقسام: أحدها: "ملائم شهد له أصل معين، وهو الذي أثر نوع الوصف في نوع الحكم، وأثر جنسه في جنسه، وهذا متفق على قبوله بين القائسين، وهو كقياس المثقل على الجارح في وجوب القصاص، فخصوص كونه قتلاً معتبر في خصوص كونه قصاصاً، وعموم جنس الجناية معتبر في عموم جنس العقوبة. وثانيها: مناسب لا يلائم، ولا يشهد له أصل، فهذا مردود بإجماع، ومثاله: حرمان القاتل من الميراث معارضة له بنقيض قصده، لو قدرنا أنه لم يرد فيه نص. وثالثها: مناسب ملائم لا يشهد له أصل معين بالاعتبار، يعني اعتبر جنسه في جنسه، لكن لم يوجد له أصل يدل على اعتبار نوعه في نوعه، وهذا هو المصالح المرسلة. ورابعها: مناسب يشهد له أصل معين، ولكنه غير ملائم، أي شهد نوعه لنوعه، لكن لم يشهد جنسه لجنسه كما في الإسكار، فإنه يناسب تحريم تناول المسكر صيانة للعقل، وقد شهد لهذا المعنى الخمر باعتباره، لكنه لم يشهد له سائر

стр. 216

مثال تأثير النوع في الجنس: أن الأخوة من الأب والأم تقتضي التقدم في الميراث، فيقاس الأصول، وهذا هو المسمى بالمناسب الغريب"١. ثم ذكر قبل الشبه المؤثر، فقال: "هو أن يكون الوصف مؤثراً في جنس الحكم في الأصول، دون وصف آخر، فيكون أولى بأن يكون علة من الوصف الذي لا يؤثر في جنس ذلك الحكم، ولا في عينه، وذلك كالبلوغ الذي يؤثر في رفع الحجر عن المال، فيؤثر في رفع الحجر عن النكاح دون الثيوبة؛ لأنها لا تؤثر في جنس هذا الحكم، وهو رفع الحجر. وكقولهم: إذا قدم الأخ من الأب والأم على الأخ من الأب في الميراث، فينبغي أن يقدم عليه في ولاية النكاح"٢. ولم يخالفه من اتباعه فيما ذهب إليه غير البيضاوي الذي جعل المؤثر هو ما أثر جنسه في نوع الحكم كالمشقة في سقوط قضاء الصلاة. وكذلك الحاصل فقد ذكر الأسنوي أنه جعل المؤثر هو ما أثر جنسه في جنس الحكم، وهذا خلاف ما مر آنفاً عن الإمام٣.

стр. 217

المبحث الخامس: تقسيم الآمدي له ... المبحث الخامس وأما الآمدي، فإن طريقته تتلخص كما قال السعد في أن: "المناسب إن كان معتبراً بنص أو إجماع فهو المؤثر، وإلا فإن كان معتبراً بترتيب الحكم على وفقه فتسعة أقسام: لأنه إما أن يعتبر خصوص الوصف أو عمومه، أو خصوصه وعمومه معاً في عين الحكم، أو في جنسه، أو في عينه وجنسه جميعاً. وإن لم يكن معتبراً، فإما أن يظهر إلغاؤه، أو لا فهذه جملة الأقسام، إلا أن الواقع منها في الشرع لا يزيد على خمسة.

стр. 218

الأول: ما اعتبر خصوص الوصف في خصوص الحكم، وعمومه في عمومه في محل آخر ويسمى هذا بالملائم. مثاله قياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد بجامع القتل العمد العدوان، وقد ظهر تأثير عينه في عين الحكم، وهو وجوب القتل في المحدد، وتأثير جنسه وهو الجناية على المحل المقصود بالقود في جنس القتل من حيث القصاص في الأيدي. الثاني: ما اعتبر الخصوص في الخصوص فقط، لكن لا بنص ولا إجماع، ويسمى بالمناسب الغريب كاعتبار الإسكار في تحريم الخمر على تقدير عدم النص، ولم يظهر اعتبار عينه في جنس الحكم، ولا جنسه في عينه، ولا جنسه في جنسه. الثالث: ما اعتبر جنسه في جنسه فقط، ولا نص ولا إجماع، وهذا أيضاًَ من جنس المناسب الغريب إلا أنه دون ما سبق، وذلك كاعتبار جنس المشقة المشتركة بين الحائض والمسافر في جنس التخفيف المتناول لإسقاط الصلاة، وإسقاط الركعتين فقط. الرابع: ما لم يثبت اعتباره، ولا إلغاؤه، ويسمى المناسب المرسل كما في تترس الكفار بالمسلمين. الخامس: المناسب الذي لم يثبت اعتباره، وثبت إلغاؤه كما في إيجاب شهرين متتابعين على الملك في كفارة الصوم١. وواضح مما تقدم أن طريقة الآمدي قريبة من طريقة الإمام إن لم تكن مثلها، وإذا كانت تخالفها في تفسير المؤثر، لأن المؤثر عند الإمام كما تقدم هو تأثير نوع الوصف في جنس الحكم كامتزاج النسبين في تقديم الأخ الشقيق على الأخ للأب في الميراث، وفي ولاية النكاح، وكالبلوغ فإنه يؤثر في رفع الحجر عن المال، فيؤثر في رفعه عن النكاح دون الثيوبة، فإنها لا تؤثر في رفع الحجر عن النكاح.

стр. 219

وأما الآمدي، فالمؤثر عنده هو ما اعتبر فيه نوع الوصف في نوع الحكم بنص أو إجماع، كما عند ابن الحاجب، وسيأتي لهذا زيادة بيان. هل لاختلاف عبارات الأصوليين في التعبير هنا ثمرة؟ اختلفت عبارات الأصوليين في حكاية الاعتبار حيث أن بعضهم يعبر باعتبار خصوص الوصف في خصوص الحكم، والبعض الآخر يعبر باعتبار النوع في النوع، والبعض الآخر يعبر باعتبار العين في العين. والتعبير باعتبار النوع في النوع أولى "لئلا يتوهم أن المراد هو الوصف والحكم مع خصوصية المحل، كالسكر المخصوص بالخمر والحرمة المخصوصة بها فيتوهم أن للخصوصية مدخلاً في العلية"١. فلم يترتب على اختلافهم في التعبير عن هذه الأقسام ثمرة. قال التاج السبكي: "والأمر فيها قريب لكونه أمراً اصطلاحياً"٢. ثم المراد بالاعتبار إيراد الحكم على وفق الوصف "وليس المراد به أن ينص الشارع على علية الوصف، أو يومئ إليها، أو يحصل عليها الإجماع، وإلا لم تكن العلية مستفادة من طريق المناسبة، بل بالنص أو الإجماع"٣. وجه الاتفاق، والاختلاف بين هذه الطرق: وحيث إن هذه الطرق مختلفة بحسب الظاهر، وتحتاج إلى بيان وجه الوفاق بينها، وإلى تحرير مواضع الخلاف والوفاق في الأوصاف المناسبة خصوصاً ما يتعلق بالإخالة بين الحنفية والشافعية، لذا فإنني استعرض إيضاح ذلك فيما يلي: الأول: "إذا نظرت إلى هذه الطرق وجدتها تنحصر في طريقتين: الأولى: طريقة ابن الحاجب، ومن تبعه كابن السبكي في جمع الجوامع.

стр. 220

الثانية: طريقة الإمام الرازي، ومن تبعه كالبيضاوي، وطريقة الآمدي قريبة من طريقة الإمام، بل هي عينها، كما سيتضح. أما طريقة ابن الحاجي، ومن تبعه فجهة النظر فيها قصد استيفاء أقسام الوصف المناسب، لا فرق بين أن تكون عليته مستفادة من طريق المناسبة فقط، أو مع النص والإجماع كما سبق التنبيه عليه غير أنه لم يتعرض لاعتبار النوع في الجنس، أو الجنس في الجنس، أو في النوع بالترتيب لا بالنص والإجماع، اللهم إلا أن يقال: أن هذه الصور إن كانت مع اعتبار النوع في النوع بالترتيب فهي داخلة في غريب المناسب عنده، وإن كانت من غير اعتباره فداخلة في غريب المرسل، على أن اعتبار الجنس في النوع والعكس بالترتيب لم يقع كل منهما في الشرع كما قاله الآمدي، وسيأتي التنبيه على ذلك. وأما طريقة الإمام ومن تبعه كالبيضاوي في المنهاج فتحتمل وجهين: الأول: وهو خلاف الظاهر من كلامهم وكلام الشراح أن يكون المراد بالاعتبار إيراد الحكم على وفق الوصف في اعتبار العين في العين فقط، وأما اعتبار العين في الجنس، أو الجنس في العين، أو الجنس في الجنس فبالنص أو الإجماع أي مع اعتبار العين في العين بالترتيب في الصور الثلاثة، وعلى ذلك يكون تقسيمهم مشتملاً على غريب المناسب، وأقسام الملائم الثلاثة التي ذكرها ابن الحاجب، فترجع طريقتهم إلى طريقته، لأنهم لم يتركوا مما ذكره سوى المؤثر عنده. وتكون طريقة الآمدي مخالفة لما ذكروه، كما أنها مخالفة لما ذكره ابن الحاجب، لكن في تطبيق عض أمثلتهم على ذلك نظر. الوجه الثاني: وهو الظاهر أن يكون المراد بالاعتبار في الصور الأربعة إيراد الأحكام على وفق الوصف لا النص أو الإيماء أو الإجماع على العلية، وعلى ذلك يكون كلامهم بقطع النظر عن ذكر المرسل قاصراً على الغريب مما ذكره ابن الحاجب، وعلى ما في حكمه الذي تركه، ونبهناك عليه قريباً، ولم يكن كلامهم

стр. 221

شاملاً لا للمؤثر عند ابن الحاجب، ولا للملائم، وتكون وجهة نظرهم في هذا التقسيم: أولاً: الاقتصار على المناسب الذي تكون مناسبته طريقاً دالة على العلية وحدها من غير نص، ولا إجماع، وهو الذي يحتاج لإقامة الأدلة ... على وجه كون مناسبته مفيدة للعلية. وبعبارة أخرى الاقتصار على موضع الخلاف بين الشافعية والحنفية، لأن ما عدا ما ذكر متفق عليه كما سيتضح. وثانياً: ملاحظة أن اعتبار الشارع للوصف المناسب بإيراد الحكم على وفقه إما أن يكون باعتبار خصوصه في خصوص الحكم، أو في عمومه أو عمومه في خصوصه أو عمومه، وبذلك تتحقق الأقسام الأربعة. ثم إن طريقتهم على الوجه الثاني، تكون موافقة لطريقة الآمدي، غير أن تقسيمهم هذا قد زادوا فيه على ما ذكره الآمدي من الصور الواقعة في الشرع صورتين: وهما اعتبار الخصوص في العموم والعكس، ونقصوا فيه عنه صورة واحدة - وإن ذكروها في موضع آخر - وهي اعتبار الخصوص في الخصوص والعموم في العموم معاً. ولا يرد على الآمدي - حيث اعتبر هاتين الصورتين اللتين زادهما الإمام وأتباعه غير واقعتين في الشرع - ما ذكره من التمثيل للأول بامتزاج النسبين في التقديم، وللثانية بالمشقة في إسقاط قضاء الصلاة، لأن المثال الأول تقديري لما علمت من الإجماع على علية امتزاج النسبين للتقديم في الميراث، والمثال الثاني قد جعله الآمدي من اعتبار العموم في العموم كما سبق في عبارته. وبقي الكلام على الصورة التي ذكرها الآمدي وهي اعتبار الخصوص في الخصوص والعموم في العموم معاً، ولم يذكرها الإمام وأتباعه في هذا التقسيم ولكن ذكروها بعد ذلك، ومثلوا لها جميعاً بالقتل بالمثقل قياساً على القتل بالمحدد، وسموا هذه الصورة بالملائم، وقرروا جميعاً أنه متفق على قبوله بين القائسين.

стр. 222

فإن هذه الصورة مشكلة، لأن ابن الحاجب أورد هذا المثال لأحد أقسام الملائم على مذهبه، وهو ما اعتبر عين الوصف في عين الحكم بالترتيب، واعتبر جنسه في جنسه بالنص، فإن أراد الإمام والآمدي وأتباعهما باعتبار الجنس في الجنس في هذه الصورة الاعتبار بالترتيب لا بالنص يكون الملائم عندهم مخالفاً للملائم عند ابن الحاجب من كل وجه، ويكون الاتفاق في التمثيل بالمثال السابق ناشئاًَ عن اختلاف النظر فيه، وعلى ذلك يرد على حكايتهم الاتفاق على قبوله بين القائلين ما سيأتي عن أبي زيد وأتباعه من أنه لا يقبل الوصف المناسب من غير اعتبار الشارع له بالنص أو الإجماع، ولو اعتبر جنسه في جنس الحكم. وإن أرادوا باعتبار الجنس في الجنس في هذه الصورة الاعتبار بالنص يكون الملائم عندهم أخص من الملائم عند ابن الحاجب، ويرد عليهم أنه لا وجه للاقتصار على هذه الصورة وترك الصورتين الباقيتين مما ذكره ابن الحاجب. فإن أجابوا بأن هاتين الصورتين لم تقعا في الشرع وردت عليهم الأمثلة التي ذكرها ابن الحاجب وغيره، اللهم إلا أن يقال: أنها ترجع إلى المؤثر كما قاله الكمال والله أعلم".١

стр. 223

المبحث السادس: اشتراط الحنفية في المناسب فوق المناسبة كونه مؤثرا ... المبحث السادس وأما الحنفية فإنهم يشترطون في الوصف المناسب فوق مناسبته للحكم أن يكون مؤثراً فيه، ويعرفون التأثير بما يدخل الملائم بأنواعه الثلاثة، وملائم المرسل في المناسب المرسل عندهم كما سيتضح ذلك إن شاء الله تعالى من تعريفهم المناسب المؤثر، والمصلحة المرسلة. وحيث إن قدماء الحنفية لم يقسموا المناسب إلى: مؤثر وملائم، وغريب، ومرسل، مثل ما فعله متأخروهم، وإن كان ذلك التقسيم يؤخذ من ضمن كلامهم في المناسب والمؤثر، فقد رأيت أن أنقل كلامهم ليتضح من ذلك وجه

стр. 224

الاتفاق بين الحنفية أنفسهم، ثم وجه الاتفاق والاختلاف بينهم وبين الشافعية بادئاً بكلام شمس الأئمة السرخسي١. قال ﵀: "دليل صحة العلة أن يكون الوصف صالحاً للحكم، ثم يكون معدلاً بمنزلة الشاهد فإنه لا بد أن يكون صالحاً للشهادة لوجود ما به يعتبر أهلاً للشهادة فيه، ثم يكون معدلاً بظهور عدالته بالتعديل، ثم يأتي بلفظ الشهادة بين سائر الألفاظ، حتى تصير شهادته موجبة العمل بها، ثم لا خلاف بيننا وبين الشافعي ﵀ إن صفة الصلاحية للعلة بالملاءمة، ومعناها أن تكون موافقة العلل المنقولة عن رسول الله ﷺ ، وعن الصحابة غير نائية عن طريقهم في التعليل، لأن الكلام في العلة الشرعية، والمقصود إثبات حكم الشرع بها، فلا تكون صالحة إلا أن تكون موافقة لما نقل عن الذين ببيانهم عرف أحكام الشرع، ثم لا خلاف وراء ذلك في العدالة. فقال علماؤنا: "عدالة العلة تعرف بأثرها، ومتى كانت مؤثرة في الحكم المعلل فهي علة عادلة، وإن كان يجوز العمل بها قبل التأثير، ولكن إنما يجب العمل بها إذا علم تأثيرها، ولا يجوز العمل بها عند عدم الصلاحية بالملاءمة، بمنزلة الشاهد فإن الشاهد قبل تثبت الصلاحية للشهادة فيه لا يجوز العمل بشهادته، وبعد ظهور الصلاحية قبل العلم بعدالته كالمستور لا يجب العمل بشهادته، ولكن يجوز العمل، حتى إذا قضى القاضي بشهادة المستور قبل أن تظهر عدالته يكون حكمه نافذاً"٢.

стр. 225

وأما فخر الإسلام البزدوي١، فإنه قال ﵀: "وقال أئمة الفقه من السلف والخلف: إنه لا يصير حجة إلا بمعنى يعقل، وهذا المعنى هو صلاح الوصف ثم عدالته، وذلك على مثال الشاهد لا بد من صلاحه بما يصير به أهلاً للشهادة، ثم عدالته ليصح منه أداء الشهادة، ثم لا يصح الأداء إلا بلفظ خاص. واتفقوا في صلاحه أنه إنما يراد به ملاءمته، وذلك أن يكون على موافقة ما جاء عن السلف من العلل المنقولة، لأنه أمر شرعي فتعرف منه، ولا يصح كما لا يصح العمل به قبل الملاءمة لا يصح العمل بشهادة قبل الأهلية لكن لا يجب العمل به إلا بعد العدالة، والعدالة عندنا هي الأثر، وإنما نعني بالأثر ما جعل له أثر في الشرع"٢. وواضح من كلامهما أنهما إنما اشتغلا ببيان وجه اعتبار المناسبة واشتراط التأثير لقبول الوصف المناسب، غير أنه سيتضح من تعريف التأثير عند الحنفية شمول الوصف المؤثر الملائم كما أسلفت. ويدل لهذا تمثيلهم بما مثل به غيرهما من الأحناف الذين قسموا المناسب إلى مؤثر وملائم وغريب ومرسل. من ذلك قوله ﷺ في سؤر الهرة: "إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات"٣، تعليل لطهارة سؤرها بما ظهر أثره، وهو الضرورة، فإنها من أسباب التخفيف، وسقوط الحرج، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ٤.

стр. 226

والطواف من أسباب الضرورة، فصح التعليل به لما يتصل به من الضرورة١. فإن صاحب التحرير وشارحه مثّلا بهذا المثال للمؤثر كما سيأتي، ومنه قوله ﷺ لعمر ﵁ في القبلة للصائم: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك؟ " ٢. فهذا تعليل بمعنى مؤثر، لأن الفطر نقيض الصوم، والصوف كف عن شهوة البطن والفرج، وليس في القبلة قضاء الشهوة لا صورة ولا معنى كالمضمضة٣. وهذا أيضاً مثل به صاحب التحرير وشارحه للنوع الثاني من الملائم إلى غير ذلك مما سيأتي إن شاء الله. وأما صاحب التحرير وشارحه ابن أمير الحاج فقد ذكرا أن طرق المناسب المعتبرة أربعة أقسام: مؤثر وملائم وغريب ومرسل، وهي كما يأتي: ١ - المؤثر: وصف اعتبرت عينه في عين الحكم بنص أو إجماع، ومثاله للحنفية سقوط نجاسة سؤر الهرة لحديث "إنها من الطوافين عليكم والطوافات" ٤، فيقاس عليه علية سؤر الفأرة بعين الطواف. ٢ - الملائم: وهو وصف ثبت اعتبار عينه مع عين الحكم في الأصل بمجرد ترتيب الحكم على وفقه مع ثبوت اعتبار عين الوصف المذكور في جنس الحكم بنص أو إجماع، أو مع ثبوت اعتبار جنس الوصف المذكور في عين الحكم أو مع ثبوت اعتبار جنس الوصف المذكور في جنس الحكم، وسمي ملائماً لكونه موافقاً لما اعتبره الشرع.

стр. 227

فمثال ما اعتبر عينه في عين الحكم بمجرد ترتيب الحكم على وفقه مع ثبوت اعتبار عينه في جنس الحكم كون الصغر ملائماً لترتيب ثبوت ولاية الأب على ابنته الصغيرة في إنكاحها قياساً على ولايته على مالها، فإن عين الصغر معتبرة بالإجماع في جنس الولاية، لأن الإجماع على اعتبار الصغر في ولاية المال إجماع على اعتباره في جنس الولاية بخلاف اعتباره في غير ولاية النكاح، فإنه إنما ثبت بمجرد ترتيب الحكم على وفقه حيث ثبتت الولاية معه في الجملة بأن وقع الاختلاف في أنه للصغر أو للبكارة، أو لهما جميعاً. ولما كان في التمثيل بهذا المثال للملائم نظر؛ لأنه لم يعتبر فيه أولاً عين الوصف في عين الحكم، بل جعل ابتداء عين الوصف مؤثراً في جنس الحكم فسقط منه الأصل، فلا يتم مثالاً للملائم بل هو مثال للمؤثر. "لأن ظاهر قولهم في التمثيل ثبتت ولاية النكاح على الصغيرة، كما ثبتت عليها ولاية المال بجامع الصغر، أن الصغر بالنسبة لولاية المال مقيس عليه، والصغيرة بالنسبة لولاية النكاح هي المقيس والعلة الصغر، وقد اعتبرها الشرع في جنس الولاية بالإجماع، لإجماعهم عليها بالنسبة إلى الأصل، فإنهم أجمعوا على أن علة الولاية في المال هي الصغر وحينئذ تكون العلة في الأصل المقيس عليه مجمعاً عليها وهذا هو المناسب المؤثر"١. قال صاحب التحرير: وصواب المثال للحنفية قياس الثيب الصغيرة على البكر الصغيرة في تسوية ولاية الأب في إنكاح الثيب الصغيرة قياساً على ثبوت ولاية إنكاحه البكر الصغيرة بجامع الصغر، "لأن عين الصغر اعتبرت في عين الحكم بالترتيب في البكر الصغيرة، فإن الولاية ثبتت معه في المحل"٢، واعتبر عين الصغر في جنس الولاية، باعتبارها في ولاية المال بالإجماع، لأن ثبوت اعتبار الوصف علة بنص أو إجماع في الجنس إنما هو باعتبار إظاهره في محل آخر، لا في

стр. 228

عين حكم الأصل، لأن اعتباره في عين حكم الأصل هو المؤثر، لا الملائم. وحينئذ فلا تعدد بينهما مع أن الواقع خلافه كما يشهد به التقسيم فإنهما قسمان، والقسيم مخالف للقسيم، وهذا ظاهر فيما ذكرنا أنه الصواب في المثال للملائم، فإن فيه ظهرت ثلاث محال: الأصل وهو نكاح البكر، والفرع وهو نكاح الثيب، ومحل الجنس وهو المال. وأجيب عما استشكله بأنه "إنما يرد إذا كان تصور المثال كما سبق تقريره، وليس كذلك، بل محط التمثيل الصغر بالنسبة لولاية النكاح". وتوضيحه أن الشارع أثبت بالنص أن البكر الصغيرة ثابت عليها ولاية النكاح من غير أن ينص على علة هذا الحكم، فالصغر ثبتت معه ولاية النكاح من غير نص ولا إجماع على عليته له، لكن حاصل الإجماع على اعتباره في ولاية المال. وحينئذ يقال: إن تعليل ولاية النكاح على البكر الصغيرة بالصغر تعليل بوصف ملائم؛ لأن الحكم ثبت معه في المحل ومع ذلك قد اعتبر عين هذا الوصف في جنس هذا الحكم بالإجماع، للإجماع على اعتباره في ولاية المال. فليس محط التمثيل تعليل ولاية المال بالصغر، لأنه من قبيل المؤثر، بل هو تعليل ولاية النكاح المنصوص عليها بالنسبة للبكر بالصغر، وقد تنبه لهذه الدقائق محقق المحلى، فإنه قال: مثال الأول تعليل ولاية النكاح بالصغر حيث ثبتت معه، وإن اختلفت في أنها له أو للبكارة، أو لهما، وقد اعتبر في جنس الولاية حيث اعتبر في ولاية المال بالإجماع"١. ومثال الثاني: وهو اعتبار نوع الوصف في نوع الحكم مع اعتبار جنس الوصف في نوع الحكم قياس الحضر حالة المطر على السفر في جواز الجمع بين المكتوبتين بعذر المطر، وجنس الوصف الحرج مؤثر في عين رخصة الجمع بالنص على اعتبار الجنس الذي هو الحرج في عين الجمع في السفر، إذ الحرج جنس

стр. 229

يشمل الحاصل بالسفر خوف الضلال والانقطاع، والتأذي بالمطر. فإن قيل: التعليل بمطلق الحرج يدخل صاحب الصنعة الشاقة مع أنه غير داخل قطعاً، أجيب بأن المراد حرج السفر، لا مطلق الحرج. ومثال الثالث: وهو اعتبار العين في العين مع اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم اعتبار الطواف في طهارة سؤر الهرة، فإن جنس هذا الوصف الضرورة المقتضية للحرج قد اعتبر في جنس الحكم الذي هو التخفيف. واعترض عليه بأن هذا إنما يتم على فرض عدم النص على اعتبار عين الوصف الذي هو الطواف، أما مع اعتبار النص عليه فهو من المؤثر. ٣ - والغريب: وهو الوصف الذي لم يثبت فيه سوى اعتبار الشارع عين الوصف في عين الحكم بترتيب الحكم عليه فقط، كالفعل المحرم لغرض فاسد كحرمان القاتل إرث من قتله معاملة له بنقيض قصده، ولا نص ولا إجماع على اعتبار عينه في جنس الحكم، ولا جنسه في عين الحكم، أو جنسه، ليلحق به كل من فعل فعلاً محرماً لغرض فاسد كالفار من توريث زوجته بطلاقها طلاقاً بائناً في مرض موته إذا مات وهي في العدة، فيعامل بنقيض قصده كما هناك. وأورد عليه أنه يمكن اعتبار القتل في الوصف، والحرمان في الحكم فيكون مناسباً من المؤثر، لأنه ثبت اعتبار عين الوصف في عين الحكم بحديث "لا يرث القاتل شيئاًَ" ١. ٤ - وأما المرسل: فقسماه إلى ما علم إلغاؤه، وغريب وملائم على ما يأتي في مبحث المرسل٢. هذه هي أقسام الوصف المناسب من حيث اعتبار الشارع له، وعدم اعتباره له التي ذكرها صاحب التحرير وشارحه، وهي كما ترى متفقة مع ما ذكره الشافعية

стр. 230

من حيث التقسيم، غير أن الحنفية يشترطون لاعتبار الوصف المناسب أن يكون مؤثراً، فما هو التأثير عندهم؟ المؤثر عند الحنفية: التأثير عند الحنفية هو أن يثبت بنص أو إجماع اعتبار نوع الوصف أو جنسه في نوع الحكم أو جنسه١. أما عند الشافعية فهو "أخص من ذلك، وهو أن يثبت بنص أو إجماع اعتبار عين الوصف في عين ذلك الحكم"٢. وقد أوضح صاحب مسلم الثبوت وشارحه المؤثر عند الحنفية بما نصه: "وأما الحنفية فالمؤثر عندهم هو الوصف المناسب الملائم للحكم عند العقول الذي ظهر تأثيره شرعاً، بأن يكون لجنسه تأثير في عين الحكم، كإسقاط الصلاة الكثيرة بالإغماء فإن لجنسه الذي هو العجز عن الأداء من حرج تأثيراً في سقوطها كما في الحائض، أو بأن يكون تأثير في جنسه كإسقاطها عن الحائض معللاً بالمشقة، وقد أُسقط مشقة السفر الركعتين، فقد أثر جنس المشقة في جنس السقوط، أو بأن يكون لعينه تأثير في جنس الحكم كالأخوة لأب وأم في قياس التقدم في ولاية النكاح، وقد تقدم هذا الأخ في الميراث، فقد أثر في مطلق الولاية، أو يكون لعينه تأثير في عين الحكم، وذلك كثير في الأقيسة الجزئية المذكورة في الفقه. وأورد عليه أنه لا بد من التأثير من النص والإجماع، إذ لا إخالة عندهم، وحينئذ لا يكون المؤثر قسيماً للعلة التي ثبتت بالنص أو لإجماع كما هو المشهور، فإنها قسمت في المشهور إلى: منصوصة ومؤثرة إلا بالاعتبار، فإنها باعتبار أنها ثبتت بالنص منصوصة، وباعتبار أنها مناسبة له مع الاعتبار المذكور مؤثرة٣. فظهر مما تقدم اتفاق الحنفية على اشتراط التأثير في وجوب العمل بالوصف

стр. 231

المناسب، وعلى أن التأثير عندهم شامل للمؤثر والملائم لدخول الوصف الملائم في المؤثر عندهم لما تقدم من أن المؤثر عندهم هو الوصف المناسب الملائم للحكم عند العقول الذي ظهر تأثيره شرعاً، بأن يكون لجنس الوصف تأثير في عين الحكم أو في جنسه، أو تأثير لعين الوصف في جنس الحكم أو عينه، ولأنه لا بد في اعتبار التأثير من ثبوته بالنص أو الإجماع، فإنه لا خلاف بين قدمائهم الذين لم يقسموا الوصف المناسب إلى: مؤثر وملائم، وغريب ومرسل، وبين متأخريهم الذين قسموه إلى تلك الأقسام، بدليل أن صاحب التوضيح مثل لاعتبار جنس الوصف في نوع الحكم بالمضمضة للصائم لما جاء في حديث عمر ﵁ "أرأيت لو تمضمضت" ١؛ لأن للجنس وهو عدم دخول الشيء اعتباراً في عدم إفساد الصوم. ولاعتبار نوع الوصف في جنس الحكم بقياس الولاية على الثيب الصغيرة على البكر الصغيرة بالصغر، لأن لنوعه اعتبار في جنس الولاية لثبوتها في المال، ولاعتبار الجنس في الجنس بطهارة سؤر الهرة بالطواف، فإن لجنس الضرورة اعتباراً في جنس التخفيف٢. فإن فخر الإسلام مثل بهذه الأمثلة للوصف المناسب المؤثر، وهذا يدل على اتفاقهم كما ترى٣. ولذا قال صاحب التحرير وشارحه: "اعلم أن الحنفية القائلون التعليل بكل من الأقسام الأربعة: العين في العين، وفي الجنس، والجنس في الجنس، وفي العين مقبول، فإن كان التعليل بما عينه أو جنسه مؤثراً في عين الحكم فقياس اتفاقاً، للزوم أصل القياس في كل من هذين، ويقال: لما ثبت اعتبار عينه في عين الحكم أنه في معنى الأصل، وهو المقطوع به الذي ربما يقر منكرو القياس

стр. 232

إذ لا فرق إلا بتعدد المحل، وإلا فإن كان عينه في جنس الحكم، أو جنسه في جنسه، فقد يكون قياساً، بأن يكون ما عينه في جنس الحكم هو من قبيل ما يكون العين في العين أيضاً فيستدعي أصلاً مقيساً عليه، فيكون مركباً، وكذا ما جنسه في جنسه قد يكون مع ذلك في عينه، فيكون له أصل، فيكون قياساً، وقد لا، فيكون من أقسام المرسل التي يجب قبولها للحنفية إذ كل من أقسام الأربعة من أقسام المؤثر حتى دخل فيه"١. وأما وجه الاتفاق والاختلاف بين الحنفية والشافعية فإنه يؤخذ مما تقدم اتفاقهم على تقسيم المناسب إلى مؤثر، وملائم وغريب، ومرسل. وعلى قبول المؤثر والملائم لكونهما حجة لما تقدم من تصريح الحنفية بقبول المؤثر، ومن بيان كونه شاملاً للملائم٢. وتقدم تصريح السرخسي باتفاق الحنفية والشافعية على أن صفة الصلاحية للعلة هي الملاءمة، وعلى اشتراط صلاح الوصف المعلل به، وذلك بأن يكون موافقاً للعل المنقولة عن النبي ﷺ ، وعن السلف لكونهم كانوا يعللون الأحكام بالأوصاف المناسبة لها، فما لم يكن نائياً عنها قبلوه، وما كان نائياً عنها لم يقبلوه، لأن الكلام في العلل الشرعية والمقصود إثبات أحكام الشرع بها، فلا بد أن تكون موافقة لما نقل عمن عرفت أحكام الشرع ببيانهم٣. هذا ما اتفقوا عليه في الوصف المعلل به، واختلفوا فيما تكون به عدالة الوصف المعلل به: فقال الحنفية: عدالة الوصف الأثر، والمراد بالأثر ما جعل له أثر في الشرع، فمتى كانت العلة مؤثرة في الحكم المعلل فهي علة عادلة، وإن كان يجوز العمل بها قبل ظهور التأثير ولكن إنما يجب العمل بهذا إذا علم تأثيرها كالشهادة، فإن

стр. 233

الشاهد قبل أن ثبت صلاحيته للشهادة، لا يجوز العمل بالشهادة، وبعد ظهور صلاحيته قبل العلم بعدالته كالمستور لا يجب العمل بشهادته، وإن كان يجوز العمل بها، فلو قضى القاضي بشهادة المستور قبل العلم بعدالته نفذ حكمه١. ونقلوا عن الشافعية أنهم فرقتان: فرقة توجب العمل بالوصف الملائم بشرط شهادة الأصول، بأن يكون للحكم أصل معين من نوعه يوجد فيه نوع الوصف أو جنسه، كما يقال: لا تجب الزكاة في ذكور الخيل، فلا تجب في إناثها بشهادة الأصول على التسوية بين الذكورة والإناث، وأدنى ما يكفي في ذلك أصلان؛ لأن المناسب بمنزلة الشاهد، والعرض على الأصول تزكية بمنزلة العرض على المزكين، وأما العرض على جميع الأصول كما ذهب إليه البعض، فلا يخفى أنه متعذر أو متعسر. وفرقة توجب العمل بالملائم بمجرد كونه مخيلاً أي موقعاً في القلب خيال العلية، والصحة، والأوصاف التي تعرف عليتها بمجرد الإخالة تسمى بالمصالح المرسلة٢. فعلى ما نقلوه عن الشافعية تكون الفرقة التي تشترط شهادة الأصول متفقة معهم، ويكون الخلاف منحصراً بين الحنفية ومن يوافقهم، وبين الفرقة التي تكتفي بالإخالة. غير أنه يرد على ما نقلوه عن الشافعية أن المذكور في أصول الشافعية أن الوصف المناسب هو المخيل، ومعناه تعيين العلة بمجرد إبداء المناسبة بينها وبين الحكم من ذات الأصل لا بنص ولا غيره، ثم إنهم قسموه إلى: مؤثر وملائم وغريب، ومرسل الخ ما تقدم نقله عنهم٣.

стр. 234

فالمؤثر والملائم لا خلاف في قبولهما عند الجميع، لما تقدم نقله عنهم من كونه مقبولاً عند الجميع، ولما صرح به صاحب التحرير وشارحه من أن المؤثر عند الحنفية أعم من المؤثر عند الشافعية، وهو ما ثبت بنص أو إجماع اعتبار عينه في عين الحكم، ومن الملائم الأول الذي هو من أقسام المناسب بأقسامه الثلاثة. وهو ما ثبت اعتبار عين الوصف في عين الحكم بمجرد ثبوته مع الحكم في المحل، مع اعتبار عين الوصف في جنس الحكم بنص أو إجماع أو جنس الوصف في عين الحكم أو في جنسه، وأقسام ملائم المرسل الثلاثة وهي ما لم يثبت اعتبار عين الوصف في عين الحكم في المحل، لكن ثبت بنص أو إجماع اعتبار عينه في جنس الحكم أو جنسه في عينه أو جنسه. فشمل المؤثر عند الحنفية - وهو الذي ثبت بنص أو إجماع اعتبار عينه في عين الحكم أو جنسه، أو جنسه في عين الحكم أو جنسه - سبعة أقسام في عرف الشافعية١، وقالا: إنه يجب على الحنفية قبول ملائم المرسل٢. فاتضح بذلك أن المؤثر شامل للملائم، وأنهما مقبولان عند الجميع، ولذا صرح الغزالي بأن المؤثر مقبول باتفاق القائلين بالقياس، ونقل عن أبي زيد الدبوسي أنه قصر القياس عليه، وقال لا يقبل إلا المؤثر، لكنه أورد للمؤثر أمثلة عرف بها أنه من قبيل الملائم لكنه سماه أيضاً مؤثراً٣. وأجاب عما ذكره أبو زيد "من أن الإخالة لا يمكن الدلالة عليها مع الخصم، بأن الظن به أنه عنى بذلك ما يرجع إلى شهادة القلب، ووقوع في النفس يجري مجرى الإلهام الذي يضيق نطاق العبارة عنه. قال: "وما ذكرناه من المناسب خارج عن الفن الذي ذكره، وهو الذين نعنيه بالمخيل أيضاً إذا أطلقناه".

стр. 235

ودليل قبوله ما هو الدليل على قبول القياس المؤثر ودليل قبولهما جميعاً دليل أصل القياس وهو إجماع الصحابة، والظن بأبي زيد أنه أراد بالمؤثر المناسب الملائم، ولم يشترط التأثير على التمثيل، بل اكتفى بالمناسبة مع الملاءمة، ويشهد لذلك ما ضرب من الأمثلة للقياس المؤثر. قال: قال النبي ﷺ : "إنها من الطوافين عليكم والطوافات" ١، علل لسقوط النجاسة بضرورة الطواف علينا، وللضرورات تأثير في إسقاط حكم الخطاب. قال: "وهذا ما نعنيه بالمناسب، فإن الحاجة داعية إلى المخالطة، وهذا ملائم مجانس لتصرفات الشرع في توسيع الأمر في مظان الحاجات"٢. وأما الغريب وما في حكمه فقد اختلفوا فيه، فمن اكتفى بالملاءمة اعتبره ومن لم يكتف بها لم يعتبره. قال الآمدي: "وقد أنكره بعضهم وإنكاره غير متجه، لأنه يفيد الظن بالتعليل، ولهذا فإنا إذا رأينا شخصاً قابل الإحسان بالإحسان والإساءة بالإساءة، مع أنه لم يعهد من حاله قبل ذلك شيء فيما يرجع إلى المكافأة وعدمها، غلب على الظن ما رتب الحكم عليه، والذي يؤيد ذلك أنه لا يخلو إما أن يكون الحكم قد ثبت لعلة أولا لعلة، فإن كان لا لا لعلة فهو بعيد لما سبق تقريره من امتناع خلو الأحكام من العلل، وإن كنا لعلة فإما أن يكون لما لم يظهر، أو لما ظهر. الأول: يلزم منه التعبد، وهو بعيد عن ما عرف، والثاني هو المطلوب فإن قيل: الفرق بين ما نحن فيه، وبين صورة الاستشهاد أنا قد ألفنا من تصرفات العقلاء مقابلة الإحسان بالإحسان، والإساءة بالإساءة وكان ذلك من قبيل

стр. 236

القسم الأول، وهو الملائم المتفق عليه، لا من قبيل القسم الثاني وهو الغريب المختلف فيه. قلنا: نحن إنما نفرض الكلام في شخص لم يعهد من حاله قبل ذلك الفعل موافقة ولا مخالفة، فلا يكون من الملائم المتفق عليه ولا من الملغي، ومع ذلك فإن التعليل يظهر من فعله لكل عاقل، نظراً إلى أن الغالب إنما هو غلبة طبيعة المكافأة بالانتقام، والإحسان في حق العاقل، كما أن الغالب من الشارع اعتبار المناسبات دون إلغائها١. هذا وقد تقدم أن الحنفية إنما يشترطون التأثير بالنص أو الإجماع في وجوب العمل بالوصف المناسب، لا في جوازه. قال الزركشي: "ومنع السهروردي٢ في التنقيحات وجود المناسب الغريب، ورد أمثلته إلى الملائم، وإليه أشار الغزالي في شفاء الغليل فإنه قال: وقل ما يوجد في الشرع اعتبار مصلحة خاصة إلا وللشرع التفات إلى جنسها، وعلى الأصولي التقييم، وعلى الفقيه الأمثلة"٣. ونقل عن الأنباري أنه ذكر في شرح البرهان أن الوصف المناسب لا يكاد ينفك عن نظير بحال"٤. هذا ما يتعلق بالمؤثر والملائم والغريب من أقسام الوصف المناسب وسنتبعه إن شاء الله تعالى بالكلام على المرسل.

стр. 237

الباب الثالث: في المناسب المرسل الفصل الأول: في تعريفه وبيان محل الخلاف والوفاق فيه بين العلماء . ... الفصل الأول في تعريف الوصف المرسل وبيان محل الخلاف والوفاق فيه بين العلماء تعريف المناسب المرسل: المرسل في اللغة مشتق من الإرسال، وهو الإطلاق والإهمال يقال: أرسلت الكلام إرسالاً، إذا أطلقته من غير تقييد له١. ومن هنا ناسب التعريف الاصطلاحي التعريف اللغوي كما سيأتي من أن الوصف المناسب المرسل هو ما لم يدل الدليل على اعتباره، ولا على إلغائه، فهو مطلق بهذا الاعتبار. أما في الاصطلاح، فقد عرفه الأصوليون بأنه الوصف الملائم لمقاصد الشرع الخالي عن دليل يدل على اعتبار صحة بناء الأحكام عليه، وعن دليل يدل على فساد بنائها عليه. ويعبرون عنه: بالمرسل، وبالاستصلاح، وبالاستدلال، وبالمصالح المرسلة٢. وهم وإن اختلفت تعبيراتهم في تعريفه، إلا أنها متفقة في المعنى والقصد، وإليك أهم تعريفاتهم له: قال إمام الحرمين: "إنه معنى مشعر بالحكم مناسب له فيما يقتضيه الفكر العقلي من غير وجدان أصل متفق عليه"٣.

стр. 238

شرح التعريف: قوله "معنى": أي الوصف الذي يبنى عليه الحكم، فهو جنس في التعريف. وقوله "معنى مشعر بالحكم": مراده بهما أن الوصف المرسل هو ما يترتب على بناء الحكم عليه مصلحة، لأن ذلك هو معنى المناسبة، كما تقدم في تعريفها. وقوله "فيما يقتضيه الفكر العقلي": معناه أن مناسبته مستفادة من العقل، حيث لم تثبت بدليل من أدلة الشرع. وقوله "من غير وجدان أصل متفق عليه": معناه أن المناسبة بين الوصف والحكم لم تثبت بالأدلة التي اتفق عليها الأصوليون، والظاهر أن مراده بالأصل الدليل الدال على علية الوصف، أو الدال على عدم عليته. وبقوله: "المتفق عليه": ما اتفق عليه الأصوليون، وهذا هو معنى قول الأصوليين الآتي هو: المناسب الذي لا يعلم اعتباره ولا إلغاؤه. محترزات التعريف: فقوله: "معنى" أي: وصف يشمل جميع الأوصاف معتبرة أو ملغاة، أو مرسلة، والمناسب وغير المناسب. وقوله: "مشعر بالحكم ومناسب له": احترز به عن الأوصاف غير المناسبة كالوصف الشبهي والطردي. وقوله "فيما يقتضيه الفكر ... الخ": مخرج للأوصاف المعتبرة والملغية لوجود الدليل على اعتبارها أو إلغائها. أما الغزالي فقال: "إنه التعلق بمجرد المصلحة من غير استشهاد بأصل معين" ١. فقوله: "التعلق": أي تعلق المجتهد في الاحتجاج به، والاستناد إليه في بناء الأحكام.

стр. 239

وقوله "بمجرد المصلحة": يعني المصلحة الخالية عن دليل يدل على اعتبارها أو إلغائها، وهو معنى قوله من غير استشهاد بأصل معين. محترزات التعريف: فالتعلق جنس يشمل تعلقه بمصلحة، أو بدليل آخر. وقوله "بمجرد المصلحة": يخرج تعلقه بالنص أو الإجماع أو غيرهما. وقوله "من غير استشهاد بأصل معين": لإخراج الأصل الخاص؛ لأن المصلحة هنا مندرجة تحت الدليل الكلي لكونها لم تتجرد عنه١. ويقول الفخر الرازي: إنه "المناسب الذي لا يعلم أن الشارع ألغاه أو اعتبره"٢. وهذا هو ما ذهب إليه الآمدي في تعريفه حيث قال: "الرابع: المناسب الذي لم يشهد له أصل من أصول الشريعة بالاعتبار بطريق من الطرق المذكورة ولا ظهر إلغاؤه في صورة، ويعبر عنه بالمناسب المرسل"٣. وقال ابن الحاجب: "وغير المعتبر هو المرسل"٤، ومراده بذلك أنه لم يدل الدليل على اعتباره، ولا إلغائه، وبهذا قال ابن السبكي، والأسنوي نقلاً عن البيضاوي٥. فظهر بذلك اتفاق مقصدهم في تعريف المناسب المرسل بأنه الوصف الملائم لمقاصد الشرع الخالي عن دليل خاص يدل على اعتبار صحة بناء الأحكام عليه، أو يدل على فساد ذلك والله أعلم.

стр. 240

محل الخلاف بين الأصوليين في الوصف المرسل: اختلف الأصوليون في محل الخلاف بينهم في الوصف المرسل فذهب بعضهم إلى أن الخلاف حاصل في كل وصف مرسل، وذهب البعض الآخر إلى أن الخلاف حاصل فيما هو أخص من ذلك، حيث قسموه إلى: غريب وملائم، وهؤلاء منهم من جعل الخلاف جارياً في الملائم وحكى الاتفاق على رد الغريب، ومنهم من جعل الخلاف حاصلاً في الغريب لا في الملائم، مع اتفاق من جعل الخلاف حاصلاً في كل وصف مرسل، ومن حصر الخلاف في نوع منه دون نوع على أن الجميع يسمى وصفاً مناسباً مرسلاً. ولعل الخلاف بين الفريقين - من فصل، ومن أطلق - في كون خلاف العلماء في الوصف المناسب المرسل حاصلاً فيه من غير تفرقة بين فرد من أفراده، أو في بعض أفراده يرجع إلى أن من رأى التفرقة بين نوع وآخر في تفرقته التي ذهب إليها - أن من المناسب المرسل ما له أصل كلي يندرج تحته، ولذا سماه ملائماً، وأجري فيه الخلاف، ومنه ما ليس له أصل كلي يندرج تحته، وسماه غريباً، وحكى اتفاق العلماء على رده. ٢ - ومن رأى أن الخلاف جارٍ فيه بين العلماء مطلقاً من غير فرق بين نوع وأخر رأى أنه ما من وصف مناسب مرسل إلا وله أصل يندرج تحته، غير أن إفراد الوصف المناسب تختلف في البعد والقرب من الجنس والأصل الكلي المندرجة تحته، فبعضها بعيد، وبعضها أبعد مع أن الجميع يصدق عليه أنه مندرج تحت ذلك الأصل الكلي١. ولنستمع إلى أقوالهم الدالة على ذلك: قال الآمدي في تقسيم المناسب أنه: "المناسب الذي لم يشهد له أصل من أصول الشريعة بالاعتبار بطريق من الطرق المذكورة، ولا ظهر إلغاؤه في صورة،

стр. 241

ويعبر عنه بالمناسب المرسل"١، ثم أفرده بالكلام عليه تحت اسم المصلحة المرسلة فقال: "قد اتفق الفقهاء من الشافعية والحنفية وغيرهم على امتناع التمسك به وهو الحق، إلا ما نقل عن مالك أنه يقول به، مع إنكار أصحابه لذلك"٢. وكلامه واضح في أن الخلاف حاصل في كل نوع من أنواع الوصف المرسل بين العلماء من غير تفريق بين نوع وآخر. ويقول القرافي بعد تقسيمه للمناسب إلى ما اعتبره الشارع وإلى ما ألغاه: وإلى ما جهل حاله؛ "والذي جهل أمره هو المصلحة المرسلة التي نحن نقول بها، وعند التحقيق هي عامة في كل المذاهب"٣. ويقول الأسنوي: "إن المناسب قد يعتبره الشارع، وقد يلغيه، وقد لا يعلم حاله، وهذا الثالث هو المسمى بالمصالح المرسلة، ويعبر عنه بالمناسب المرسل"٤. ويقول المحلى موضحاً لكلام ابن السبكي: "وإن لم يدل الدليل على إلغائه كما لم يدل على اعتباره فهو المرسل، قبله مالك مطلقاً، رعاية للمصلحة ... ورده الأكثر من العلماء مطلقاً"٥. وبمثل ذلك قول الزركشي حيث قال: "وقد مر الكلام في القياس المناسب الذي اعتبره الشارع أو ألغاه، والكلام فيما جهل حاله أي سكت عن اعتباره وإهداره وهو المعبر عنه بالمصالح المرسلة، ويلقب بالاستدلال المرسل"٦.

стр. 242

فهذه النقول يدل ظاهرها على أن هؤلاء العلماء متفقون على إجراء الخلاف بين العلماء في قبول المرسل من غير فرق بين نوع منه وآخر، لإطلاقهم الخلاف فيه من غير أن يقسموه إلى: ملائم وغريب، مثل ما فعل من قسمه هذا التقسيم وأُجري الخلاف نوع دون نوع كما سيأتي. أقوال الفريق الآخر الذين أجروا الخلاف في نوع دون نوع من المرسل. أما الفريق الآخر، فيرون أن الخلاف حاصل في نوع دون نوع آخر، فهذا الشاطبي يرى انقسام المناسب المرسل إلى نوعين: ملغى معتبر، فالملغى مردود باتفاق، والملائم هو الذي فيه الخلاف. قال: "الثالث ما سكتت عنه الشواهد الخاصة، فلم تشهد باعتباره، ولا بإلغائه فهذا على وجهين: أحدهما: أن لا يرد نص على وفق ذلك المعنى، كتعليل منع القتل للميراث، بالمعاملة بنقيض المقصود، بتقدير أنه لم يرد نص على وفقه، فإن هذه المعاملة لا عهد بها في تصرفات الشارع بالغرض، ولا بملائمها بحيث يوجد لها جنس معتبر، فلا يصح التعليل بها، ولا بناء الحكم عليها باتفاق، ومثل هذا تشريع من القائل به، فلا يمكن قبوله"١. ثم ذكر القسم الثاني من المرسل وهو الملائم بقوله: "وهو أن يلائم تصرفات الشرع، وهو أن يوجد لذلك المعنى جنس اعتبره الشارع في الجملة بغير دليل معين"٢. فمراد الشاطبي هنا أن المناسب المرسل الغريب أمر سكتت عنه نصوص الشرع وشواهده، فلم تعتبره أصلاً، لا باعتبار القريب الخاص، ولا بالاعتبار الإجمالي المشار إليه بقوله "بملائمها بحيث يوجد لها جنس معتبر"؛ لأن هذا

стр. 243

الاعتبار هو الاعتبار الإجمالي؛ لأنه للأجناس البعيدة للأوصاف والمصالح، فهذا لا يصح التعليل به، ولا بناء الأحكام عليه. وأشار إلى القسم الثاني المعبر عنه بملائم المرسل بأنه ما وجد اعتبار الشارع لجنسه في الجملة من غير دليل خاص. وبذلك يكون حصر الخلاف في ملائم المرسل كما هو واضح من عبارته. ويقول ابن الحاجب بعد بيانه لأنواع المناسب المعتبرة: "وغير المعتبر هو المرسل، فإن كان غريباً، أو ثبت إلغاؤه فمردوده اتفاقاً، وإن كان ملائماً فقد صرح الإمام الغزالي بقبوله، وذكر عن مالك والشافعي، والمختار رده"١، فإنه قسم المرسل إلى ثلاثة أنواع هي: "أ" ما علم إلغاؤه، وهو ما ثبت رده من الشارع. "ب" غريب، وهو ما لم يثبت اعتباره ولا رده ولم يشهد جنس من الأجناس البعيدة إلى اعتبار الشارع له. "جـ" ملائم وهو ما لم يعتبر ولم يلغ، إلا أن الشارع اعتبر جنسه البعيد. وحكى اتفاق العلماء على رد معلوم الإلغاء والغريب، وأجرى الخلاف في ملائم المرسل. وبهذا قال صاحب التحرير وشارحه، فإنهما قسما المناسب المرسل إلى: معلوم الإلغاء، وغريب وملائم، وصرحا باتفاق العلماء على رد معلوم الإلغاء والغريب، وحكيا الخلاف في الملائم بعد بيان أنه ما علم اعتبار جنسه في جنسه، أو عينه في جنسه، أو جنسه في عينه، وذكرا عن الشافعي ومالك قبوله٢. وكذلك تابع البدخشي ابن الحاجب في تقسيمه، وقال: أنه التحقيق حيث قال في بيان المرسل الغريب "وهو كما مر لم يشهد له أصل اعتبار أو إلغاء، والتحقيق أن المتخلف فيه هو ما لا يكون نوعه معتبراً في نوع الحكم، لا بنص ولا

стр. 244

بإجماع ولا بترتيب الحكم على وفقه، ولا ظهر إلغاؤه، وعلم اعتبار نوعه في جنس الحكم على ما يفهم من كلام المحقق"١. وقسم صاحب مسلم الثبوت وشارحه المرسل إلى: ما علم إلغاؤه، وذكر الاتفاق على رده، وإلى ما لم يعلم إلغاؤه قالا: "فإن لم يعلم فيه أحد اعتبارات الملائم من اعتبار نوعه أو جنسه في جنس الحكم، أو جنسه في عين الحكم لكن لم يعلم إلغاؤه أيضاً فهو الغريب المرسل، وهو المسمى بالمصالح المرسلة حجة عند مالك ﵀ والمختار عند الجمهور من الأصوليين والفقهاء رده، وإن علم فيه أحد اعتبارات الملائم، فهو المرسل الملائم قبله إمام الحرمين، ونقله عن الشافعي، وعليه جمهور الحنفية"٢. غير أن ما ذكراه من أن الغريب المرسل هو المعنى بالمصالح المرسلة المشهور عن مالك قبوله فيه نظر من وجهين: أحدهما: أنه مخالف لتقسيم ابن الحاجب الذي هو صاحب هذا التقسيم، لما تقدم قريباً أن الغريب مردود اتفاقاً. الثاني: أنه لا ينطبق على المرسل الذي ذهب إليه مالك ﵀ وأتباعه؛ لأنه لا بد في المرسل عندهم في تأثير جنس الوصف ولو كان عالياً في عين الحكم أو جنسه، وهذا هو ملائم المرسل كما تقدم عن الشاطبي. وحاصل كلام صاحب مسلم الثبوت وشارحه أن المرسل نوعان: ملغي باتفاق وغير ملغي، وهو نوعان: غريب، وملائم: فالغريب رده الجمهور، ونسبا قبوله إلى مالك، وتقدم إبطاله آنفاً، والثاني: مقبول عند الشافعي ﵀ وجمهور الحنفية. فهما وإن سلكا طريق ابن الحاجب ومن تبعه في تقسيم المناسب المرسل إلى:

стр. 245

ملغى، وغريب، وملائم، غير أنهما جعلا الخلاف جارياً في غريب المرسل، بينما ابن الحاجب ومن وافقه حكوا الاتفاق على رده، وجعلوا الخلاف حاصلاً في ملائم المرسل، إلا أن الجميع متفقون على أن الخلاف حاصل في نوع من أنواع المرسل، لا في المرسل مطلقاً من غير تفريق بين نوع وآخر من أنواع المرسل كما ذهب إليه الفريق الأول والله تعالى أعلم. الموزانة: يتضح من كلام الفريقين أنهم متفقون على مناسبة الوصف المرسل، غير أن الذين أجروا الخلاف في كل وصف مرسل ومنعوا الأخذ به، لا يمنعون اندراجه تحت جنس بعيد من الأجناس المعتبرة غير أنهم لا يرون الأخذ بالوصف المناسب إلا إذا شهد له الجنس القريب، وهو القياس، أو ما ورد اعتباره بالنص أو الإجماع أما ما عدا ذلك فلا يقبلونه، بل يرون أنه من الزيادة على النص. وأما من يرى قبول ملائم المرسل، فلأنه لا يرى في قبوله خروجاً عن الشرع؛ لأنه يرى العمل بكل مصلحة اندرجت تحت جنس معتبر ولو كان بعيداً. ويدل لقبول المرسل بهذا الاعتبار ما ذكره القرافي مستدلاً به على عموم القول به في جميع المذاهب ونصه: "وأما المصلحة المرسلة فالمنقول أنها خاصة بنا، وإذا افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا وجمعوا وفرقوا بين المسألتين لا يطلبون شاهداً بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا وفرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي حينئذ في جميع المذاهب"١.

стр. 246

الفصل الثلني: في بيان مذاهب العلماء في الوصف المناسب المرسل ... الفصل الثاني في بيان مذاهب العلماء في الوصف المناسب المرسل وقد رأيت أن أحصر مذاهب العلماء في فصل مستقل ثم أفرد كل صاحب مذهب بفصل. اختلف الأصوليون في الأخذ بالوصف المناسب المرسل، وفي حكاية مذاهب العلماء فيه. فيرى إمام الحرمين أن مذاهب العلماء فيه ثلاثة: الأول: منع الأخذ به مطلقاً، والاقتصار على كل معنى له أصل. الثاني: جواز اتباع وجوه الاستصلاح قربت من موارد النص أو بعدت ما لم يعارضها أصل من كتاب أو سنة أو إجماع. الثالث: التمسك بالمعنى المناسب، وإن لم يستند إلى أصل معين بشرط قربه من معاني الأصول الثابتة١. وإلى هذا ذهب الأسنوي غير أنه خالفه في الثالث، فقال فيه: إن كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية قبلت، وإلا فلا٢. فعلى هذا تكون المذاهب حسبما ذكرا - مع إضافة مذهب الطوفي الذي ذهب إليه بعض المتأخرين، وهو اعتبار المصلحة مطلقاً سواء عارضت نصاً، أو إجماعاً تكون خمسة وهي: المذهب الأول: جواز الأخذ به مطلقاً، قربت مناسبته من موارد النص أو بعدت، وهو المشهور عن مالك رحمه الله٣.

стр. 247

المذهب الثاني: منع الأخذ به مطلقاً، وبه قال القاضي الباقلاني، واختاره ابن الحاجب، وقال الآمدي إنه الحق، وحكى اتفاق الفقهاء عليه١، غير أن ما ذكر من اتفاق الفقهاء يرد عليه ما نقله إمام الحرمين عن الشافعي ومعظم فقهاء الحنفية، من العمل بالمناسب المرسل إذا كانت مصلحته مشابهة بالمصالح المعتبرة٢. وما ذكره القرافي ونصه "وأما المصلحة المرسلة فالمنقول أنها خاصة بنا، وإذا افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا وجمعوا، وفرقوا بين مسألتين لا يطلبون شاهداً بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا وفرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي حينئذ في جميع المذاهب"٣. وقال الطوفي من الحنابلة: "تقدم المصلحة على النص والإجماع، لأن الإجماع اختلف في حجيته، ولكن المصلحة ما اختلف في حجيتها، والتمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه"٤. فكيف يسوغ الإجماع مع مخالفة من ذكروا، ولا سيما مخالفة الإمام الشافعي ﵀؟ وسيتضح ذلك إن شاء الله عند عرض الأدلة ومناقشتها. المذهب الثالث: اعتبار الأخذ به بشرط المناسبة وعدم البعد من شهادة النصوص له، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، ونسب أيضاً لإمام الحرمين٥. المذهب الرابع: اعتباره إن كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية، وبه قال الغزالي واختاره البيضاوي٦.

стр. 248

المذهب الخامس: اعتباره بشرط المناسبة مطلقاً سواء عارضت المصلحة نصاً أو إجماعاً وبه قال الطوفي١. هذه هي المذاهب التي ذكرها جمهور الأصوليين، ونسبوها لأصحابها تفصيلاً، غير أن بعض أئمة الأصوليين نسب القول باعتبار المناسب المرسل لجميع المذاهب إجمالاً من غير تفصيل، وقالوا: إن ذلك هو الحق. وممن صرح بذلك القرافي فإنه قال في التنقيح: "المصلحة المرسلة عند التحقيق عامة في جميع المذاهب"٢. وقال في شرح التنقيح: "وأما المصلحة المرسلة، فالمنقول أنها خاصة بنا، وإذا افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا وجمعوا، وفرقوا بين مسألتين لا يطلبون شاهداً بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا وفرقوا، بل يكتفون بمطل المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي حينئذ في جميع المذاهب"٣. فكلام القرافي ﵀ هنا ظاهر في أن جميع المذاهب التي تأخذ بالقياس اعتبرت المصلحة المرسلة، وظاهر في أنهم لا يتقيدون في الأخذ بها بأي قيد سوى المناسبة. ونقل الشوكاني٤ عن ابن دقيق العيد٥ أنه قال: "الذي لا شك فيه أن

стр. 249

لمالك ترجيحاً على غيره من الفقهاء في هذا النوع، ويليه أحمد بن حنبل، ولا يكاد يخلو غيرهما عن اعتباره في الجملة، ولكن لهذين ترجيح للاستعمال لها على غيرهما"١. فقد أثبت أن الجميع يقولون بالمصلحة المرسلة، وإن تفاوتوا في الأخذ بها، وهذا يخالف ما أطبق عليه الأصوليون من نسبة العمل بالناسب المرسل لمالك ﵀، واختصاصه بالاعتماد على الأخذ به حتى عرف به، وتصور أن كل قائل به إنما يكون ناطقاً باسم مالك لشدة صلته به. ولعل في استعراض أدلة المذاهب ومناقشتها توضيحاً لمدى أخذ العلماء بالمناسب المرسل، وعدم اختصاص المالكية بالقول به دون غيرهم. لذا رأيت أن أخصص أدلة كل صاحب مذهب بفصل، لاستعراض فيه أدلته ومناقشتها، وبيان مدى أخذه به فإلى ذلك.

стр. 250

الفصل الثالث في بيان أدلة مذهب الإمام مالك تقدمت نسبة القول بالوصف المناسب المرسل مطلقاً لمالك ﵀، وأن ذلك اشتهر عند الأصوليين حتى كادوا يجمعون على أن فقه مالك يمتاز عن غيره بأنه فقه المصالح المرسلة، وامتياز الفقه المالكي عن غيره لم يكن في أصل الأخذ بهذا الدليل، وإنما هو في كثرة الأخذ به والرجوع إليه، وبناء الأحكام عليه، غير إنما نسب إليه من إطلاق عمله بالمصلحة المقتضى لعمله بالمصلحة الغربية التي يعد القول بها عملاً بالرأي وتشريعاً بالهوى، وقولاً بالتشهي غير صحيح١. ذلك أن مالكاً إنما اعتبر المصلحة التي ظهر اعتبار الشارع لها برجوعها إلى أصوله وقواعده العامة وشهدت لها نصوص الشرع في الجملة، وإن لم يشهد لها دليل معين، يدل لهذا ما ذكره الشاطبي ﵀ فإنه قسم المناسب المرسل إلى: غريب، وملائم، وبين أن العلة في الغريب لا عهد بها في تصرفات الشارع بالفرض، ولا بملائمها بحيث يوجد لها جنس معتبر، قال: "وهذا لا يصح التعليل به، ولا بناء الأحكام عليه باتفاق. وأما الثاني: فملائم لتصرفات الشرع، وهو أن يوجد لذلك المعنى جنس اعتبره الشارع في جملة، بغير دليل معين، وهو الاستدلال المرسل المسمى بالمصالح المرسلة"٢. ثم وضحه بأمثلة بين أنها توضح الوجه العملي بالمصالح المرسلة، وأنها تبين اعتبار أمور ثلاثة: ١ - أن تكون ملائمة لمقاصد الشرع، فلا تنافي أصلاً من أصوله، ولا تعارض دليلاً من أدلته القطعية، بل متفقة مع المصالح التي يقصد الشارع تحصيلها بأن تكون من جنسها ليست غريبة عنها، وإن لم يشهد لها دليل خاص.
следующие страницы →