← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9573

الوصف المناسب لشرع الحكم

أحمد بن عبد الوهاب الشنقيطي

Полный текст (374 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الفصل الثلني: في بيان مذاهب العلماء في الوصف المناسب المرسل ... الفصل الثاني في بيان مذاهب العلماء في الوصف المناسب المرسل وقد رأيت أن أحصر مذاهب العلماء في فصل مستقل ثم أفرد كل صاحب مذهب بفصل. اختلف الأصوليون في الأخذ بالوصف المناسب المرسل، وفي حكاية مذاهب العلماء فيه. فيرى إمام الحرمين أن مذاهب العلماء فيه ثلاثة: الأول: منع الأخذ به مطلقاً، والاقتصار على كل معنى له أصل. الثاني: جواز اتباع وجوه الاستصلاح قربت من موارد النص أو بعدت ما لم يعارضها أصل من كتاب أو سنة أو إجماع. الثالث: التمسك بالمعنى المناسب، وإن لم يستند إلى أصل معين بشرط قربه من معاني الأصول الثابتة١. وإلى هذا ذهب الأسنوي غير أنه خالفه في الثالث، فقال فيه: إن كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية قبلت، وإلا فلا٢. فعلى هذا تكون المذاهب حسبما ذكرا - مع إضافة مذهب الطوفي الذي ذهب إليه بعض المتأخرين، وهو اعتبار المصلحة مطلقاً سواء عارضت نصاً، أو إجماعاً تكون خمسة وهي: المذهب الأول: جواز الأخذ به مطلقاً، قربت مناسبته من موارد النص أو بعدت، وهو المشهور عن مالك رحمه الله٣.

стр. 247

المذهب الثاني: منع الأخذ به مطلقاً، وبه قال القاضي الباقلاني، واختاره ابن الحاجب، وقال الآمدي إنه الحق، وحكى اتفاق الفقهاء عليه١، غير أن ما ذكر من اتفاق الفقهاء يرد عليه ما نقله إمام الحرمين عن الشافعي ومعظم فقهاء الحنفية، من العمل بالمناسب المرسل إذا كانت مصلحته مشابهة بالمصالح المعتبرة٢. وما ذكره القرافي ونصه "وأما المصلحة المرسلة فالمنقول أنها خاصة بنا، وإذا افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا وجمعوا، وفرقوا بين مسألتين لا يطلبون شاهداً بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا وفرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي حينئذ في جميع المذاهب"٣. وقال الطوفي من الحنابلة: "تقدم المصلحة على النص والإجماع، لأن الإجماع اختلف في حجيته، ولكن المصلحة ما اختلف في حجيتها، والتمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه"٤. فكيف يسوغ الإجماع مع مخالفة من ذكروا، ولا سيما مخالفة الإمام الشافعي ﵀؟ وسيتضح ذلك إن شاء الله عند عرض الأدلة ومناقشتها. المذهب الثالث: اعتبار الأخذ به بشرط المناسبة وعدم البعد من شهادة النصوص له، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، ونسب أيضاً لإمام الحرمين٥. المذهب الرابع: اعتباره إن كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية، وبه قال الغزالي واختاره البيضاوي٦.

стр. 248

المذهب الخامس: اعتباره بشرط المناسبة مطلقاً سواء عارضت المصلحة نصاً أو إجماعاً وبه قال الطوفي١. هذه هي المذاهب التي ذكرها جمهور الأصوليين، ونسبوها لأصحابها تفصيلاً، غير أن بعض أئمة الأصوليين نسب القول باعتبار المناسب المرسل لجميع المذاهب إجمالاً من غير تفصيل، وقالوا: إن ذلك هو الحق. وممن صرح بذلك القرافي فإنه قال في التنقيح: "المصلحة المرسلة عند التحقيق عامة في جميع المذاهب"٢. وقال في شرح التنقيح: "وأما المصلحة المرسلة، فالمنقول أنها خاصة بنا، وإذا افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا وجمعوا، وفرقوا بين مسألتين لا يطلبون شاهداً بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا وفرقوا، بل يكتفون بمطل المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي حينئذ في جميع المذاهب"٣. فكلام القرافي ﵀ هنا ظاهر في أن جميع المذاهب التي تأخذ بالقياس اعتبرت المصلحة المرسلة، وظاهر في أنهم لا يتقيدون في الأخذ بها بأي قيد سوى المناسبة. ونقل الشوكاني٤ عن ابن دقيق العيد٥ أنه قال: "الذي لا شك فيه أن

стр. 249

لمالك ترجيحاً على غيره من الفقهاء في هذا النوع، ويليه أحمد بن حنبل، ولا يكاد يخلو غيرهما عن اعتباره في الجملة، ولكن لهذين ترجيح للاستعمال لها على غيرهما"١. فقد أثبت أن الجميع يقولون بالمصلحة المرسلة، وإن تفاوتوا في الأخذ بها، وهذا يخالف ما أطبق عليه الأصوليون من نسبة العمل بالناسب المرسل لمالك ﵀، واختصاصه بالاعتماد على الأخذ به حتى عرف به، وتصور أن كل قائل به إنما يكون ناطقاً باسم مالك لشدة صلته به. ولعل في استعراض أدلة المذاهب ومناقشتها توضيحاً لمدى أخذ العلماء بالمناسب المرسل، وعدم اختصاص المالكية بالقول به دون غيرهم. لذا رأيت أن أخصص أدلة كل صاحب مذهب بفصل، لاستعراض فيه أدلته ومناقشتها، وبيان مدى أخذه به فإلى ذلك.

стр. 250

الفصل الثالث في بيان أدلة مذهب الإمام مالك تقدمت نسبة القول بالوصف المناسب المرسل مطلقاً لمالك ﵀، وأن ذلك اشتهر عند الأصوليين حتى كادوا يجمعون على أن فقه مالك يمتاز عن غيره بأنه فقه المصالح المرسلة، وامتياز الفقه المالكي عن غيره لم يكن في أصل الأخذ بهذا الدليل، وإنما هو في كثرة الأخذ به والرجوع إليه، وبناء الأحكام عليه، غير إنما نسب إليه من إطلاق عمله بالمصلحة المقتضى لعمله بالمصلحة الغربية التي يعد القول بها عملاً بالرأي وتشريعاً بالهوى، وقولاً بالتشهي غير صحيح١. ذلك أن مالكاً إنما اعتبر المصلحة التي ظهر اعتبار الشارع لها برجوعها إلى أصوله وقواعده العامة وشهدت لها نصوص الشرع في الجملة، وإن لم يشهد لها دليل معين، يدل لهذا ما ذكره الشاطبي ﵀ فإنه قسم المناسب المرسل إلى: غريب، وملائم، وبين أن العلة في الغريب لا عهد بها في تصرفات الشارع بالفرض، ولا بملائمها بحيث يوجد لها جنس معتبر، قال: "وهذا لا يصح التعليل به، ولا بناء الأحكام عليه باتفاق. وأما الثاني: فملائم لتصرفات الشرع، وهو أن يوجد لذلك المعنى جنس اعتبره الشارع في جملة، بغير دليل معين، وهو الاستدلال المرسل المسمى بالمصالح المرسلة"٢. ثم وضحه بأمثلة بين أنها توضح الوجه العملي بالمصالح المرسلة، وأنها تبين اعتبار أمور ثلاثة: ١ - أن تكون ملائمة لمقاصد الشرع، فلا تنافي أصلاً من أصوله، ولا تعارض دليلاً من أدلته القطعية، بل متفقة مع المصالح التي يقصد الشارع تحصيلها بأن تكون من جنسها ليست غريبة عنها، وإن لم يشهد لها دليل خاص.

стр. 251

٢ - أن تكون معقولة في ذاتها جرت على ذوق المناسبات المعقولة التي إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول. ٣ - أن يكون في الأخذ بها محافظة على أمر ضروري، أو رفع لحرج لازم في الدين بحيث لو لم يؤخذ بها في مكانها لكان الناس في حرج١، واعتبار هذه الشروط في الأخذ بالمناسب المرسل يمنع أن يكون الأخذ به خلع ربقة الإسلام، وجعل النصوص خاضعة لأحكام هواه وشهواته، ذلك أن المصلحة في المرسل "ليست مصلحة مسكوتاً عنها، بل مصلحة اعتبرتها الشريعة بجملة نصوص، ومجموع أدلة، ووصف كتاب الأصول المصلحة الملائمة بالإرسال مجرد اصطلاح قصد به التفريق بين الاستدلال المرسل والقياس، إذ للقياس أصل معين يشهد لعين المصلحة، في حين أن الاستدلال المرسل توجد فيه أصول غير معينة، بمعنى أنها لم تشهد لعين المصلحة، وإن شهدت لجنسها بالاعتبار وعلى ذلك فإنه يلزم للمجتهد الذي يدعى أن هناك مصلحة توجب إعطاء الواقعة حكماً معيناً أن يثبت أن لهذه المصلحة جنساً اعتبره الشارع بنصوص شرعية، وأن يقدم النصوص، وإلا فهو تشريع منه بالرأي، وهو قول بالتشهي، وهو ابتداع في الدين، وكل أحد عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"٢. ومعلوم أن مالكاً ﵀ لم يدون أصوله التي جعلها أساساً لمذهبه في استنباط الأحكام الفرعية التي نسبت إليه، والفتاوى التي رويت عنه، وإنما كان شأنه في ذلك شأن أبي حنيفة ﵀، ولم يكن كتلميذه الشافعي ﵀ الذي دون أصوله في استنباط الأحكام وضبطها وذكر البواعث التي دفعته إلى اعتبارها، ومقامها من الاستدلال، غير أن علماء المذهب المالكي استنبطوا من فتاوى مالك والفروع التي رويت عنه الأصول التي قام عليها المذهب في استنباط أحكامه منها، فدونوا تلك الأصول المستنبطة على أنها أصول مذهب مالك وعليها كان

стр. 252

اعتماده وعليها يرجع في التفريع، ويقيد نفسه بها، وإن لم يصرح بها كما نقل ذلك عنه أتباعه١. وليس للباحث إلا أن يسلم صحة ذلك، لأن اتباع الإمام، وعلماء المذهب أعلم الناس بمذهب إمامهم، وقد عزوا ذلك إليه، وذكروا أنه كان يحتج بالمناسب المرسل. والآن ننتقل إلى ذكر أدلة ذلك المذهب. أدلة المذهب الأول على اعتبار الوصف المناسب المرسل مطلقاً، استدل أهل هذا المذهب بما يأتي: الدليل الأول: ما صرح به القرافي، وهو: "أن الله تعالى إنما بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام لتحصيل مصالح العباد عملاً بالاستقراء، فمهما وجدنا مصلحة غلب على الظن أنها مطلوبة للشرع٢. ومعنى كلامه ﵀ أن استقراء النصوص دل على أن الشارع اعتبر جنس المصالح في جنس الأحكام، واعتبار الشارع جنس المصالح في جنس الأحكام يفيد ظناً قوياً باعتبار مصلحة الوصف المناسب المرسل، وإذا غلب على ظننا اعتبار الشارع لها لزمنا العمل بها؛ لأن الظن يجب العمل به. يدل لهذا ما استدل به البيضاوي لمالك رحمهما الله على ما نسبه إليه من القول بالمناسب المرسل مطلقاً حيث قال: "وأما مالك فقد اعتبره مطلقاً، لأن اعتبار جنس المصالح يوجب ظن اعتباره"٣، والضمير في قوله: اعتبره، واعتباره راجع إلى المناسب المرسل. وأوضح الأسنوي كلام البيضاوي "بأن الشارع اعتبر جنس المصالح في

стр. 253

جنس الأحكام كما مر في القياس، واعتبار جنس المصالح يوجب ظن اعتبار هذه المصلحة لكونها فرداً من أفرادها"١. اعترض على هذا الدليل بأن المصلحة في المناسب المرسل مسكوت عنها، فليس العمل بها أولى من إلغائها، بمعنى أن إلحاقها بالمصالح المعتبرة ليس بأولى من إلحاقها بالمصالح الملغاة، وذلك أن الشارع كما اعتبر بعض المصالح ألغى البعض الآخر، فترجيح اعتبارها على إلغائها ترجيح بغير مرجح، وهو باطل. ولما كان هذا الاعتراض وارداً فقد أشار البدخشي إلى رده، بأن من خواص المصلحة المعتبرة شرعاً أن تكون غالبة، إن لم تكن خالصة، والمصلحة في الوصف المرسل هنا قد ظهر لنا غلبتها على المفسدة، فإلحاقها بالمعتبرة هو اللائق٢. قال البدخشي: "لأنه إذا ظن أن في هذا الحكم مصلحة غالبة على المفسدة - ومعلوم أن كل مصلحة كذلك معتبرة شرعاً - لزم ظن أن هذه المصلحة معتبرة، والعمل بالظن واجب"٣. فكلامه هنا ظاهر في أن المصلحة هنا غالبة على المفسدة، وهو كاف في ترجيح العمل بها على اعتبار إلغائها. يدل لهذا ما ذكره الشاطبي ونصه: "فالمصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتبار، فهي المقصود شرعاً، ولطلبها وقع الطلب على العباد" ٤. ويدل لترجيح العمل بالمصلحة هنا ما ذكره صاحب نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي نقلاً عن الغزالي في وجه اعتبار المناسب الغريب، وهو ما عبر عنه الأصوليون بأنه ما ثبت اعتبار عينه في عين الحكم بمجرد ترتيب الحكم على وفقه

стр. 254

حيث قال: إنه في محل النظر، ثم وجه القول بأنه حجة بقوله: "العمل بالظن على الجملة ثابت في تفاصيل الشريعة، وهذا فرد من أفراده، وهو وإن لم يكن موافقاً لأصل، فلا مخالفة فيه أيضاً، فإن عضد الرد عدم الموافقة عضد القبول عدم المخالفة: فيتعارضان، ويسلم أصل العمل بالظن ... وقد اعمل العلماء المناسب الغريب في أبواب القياس"١. الدليل الثاني: قرر الشاطبي أن الاستدلال المرسل أصل من أصول الفقه، وقاعدة من قواعده، وهو عنده دليل قطعي أخذ من استقراء نصوص الشريعة استقراء يفيد القطع، فبناء الأحكام عليه بناء على أصل كلي ودليل قطعي. قال ﵀: "كل أصل شرعي لم يشهد له نص معين، وكان ملائماً لتصرفات الشرع، ومأخوذ معناه من أدلته، فهو صحيح يبنى عليه، ويرجع إليه إذا كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعاً به؛ لأن الأدلة لا يلزم أن تدل على القطع بالحكم بانفرادها دون انضمام غيرها إليها ... ويدخل تحت هذا ضرب الاستدلال المرسل الذي اعتمده مالك والشافعي، فإنه وإن لم يشهد للفرع أصل معين، فقد شهد له أصل كلي، والأصل الكلي إذا كان قطعياً قد يساوي الأصل المعين، وقد يربى عليه بحسب قوة الأصل المعين وضعفه، كما أنه قد يكون مرجوحاً في بعض المسائل، حكم سائر الأصول المعينة المتعارضة في باب الترجيح، وكذلك أصل الاستحسان على رأي مالك يبنى على هذا الأصل؛ لأن معناه يرجع إلى تقديم الاستدلال المرسل على القياس"٢. فكلام الشاطبي هنا يدل على أن المرسل عنده هو الوصف الذي لم يشهد الشرع لا باعتباره، ولا بإلغائه، ولكنه ملائم لجنس مقاصد الشارع وهذا يدل على أنه يقول بحجية ملائم المرسل، ولا يقول بغريبه، وهو الذي لا يلائم مقاصد الشرع، ولم يشهد له أصل معين.

стр. 255

كما يدل على أنه يرى أن مناسبة المرسل إنما تؤخذ من جملة أدلة وعدة نصوص لا من نص واحد، وبذلك يفيد القطع بمجموع تلك الأدلة، وإن لم تفده بآحادها، وذلك دون اشتراط التأثير الذي يقول به الحنفية فالأصل الذي يؤخذ في الاستقراء لاستنباط المصلحة الكلية، والأصل العام يكفي فيه أن يثبت الحكم مع الوصف، وإن لم يدل النص أو الإجماع على أن ذلك الوصف مناط الحكم. وهذا مصير من الشاطبي إلى موافقة الجمهور في أن ترتيب الحكم على الوصف يفيد ظن اعتبار الشارع له، وبذلك يؤخذ مثل هذا في استنباط الوصف الكلي، وهو ما أسماه الأصل الكلي. فهو يفرق بين الأصل الكلي، وبين تحقيق مناطه أحد جزئياته، فالأصل الكلي هو المأخوذ بالاستقراء من عدة نصوص، وأصول تفيد القطع بمجموعها، أما تحقيق مناط هذا الأصل الكلي في أحد الجزئيات، فظني كالشأن في تحقيق مناط أية علة، ولو ثبتت بالنص وعلى هذا الأساس تكون المصلحة الجزئية المتحققة في الفرع الذي يراد معرفة حكمه مصلحة ظنية، وعلى هذا فالمراد بقطعية المصلحة المرسلة هو كونها كلية. أما إذا أطلق القول، بأن المصلحة دليل ظني، فإنما المراد بذلك تحقيق مناط الأصل الكلي في أحد الجزئيات. ويرى الشاطبي أن الاستحسان عند المالكية نوع من التعارض بين المصلحة المرسلة والقياس، ويرى تقديمه لذلك على القياس، لأن معناه يرجع إلى تقديم الاستدلال المرسل على القياس، وهو يؤكد أن القول بالاستدلال المرسل، يعارض القياس ويقدم عليه، ولكنه لا يناقض النص الشرعي١. ثم ساق اعتراضاً وأجاب عنه بما نصه: "فإن قيل: الاستدلال بالأصل الأعم على الفرع الأخص غير صحيح، لأن الأصل الأعم كلي، وهذه القضية

стр. 256

المفروضة جزئية خاصة، والأعم لا أشعار له بالأخص، فالشرع وإن اعتبر كلي المصلحة من أين يعلم اعتباره لهذه المصلحة الجزئية المتنازع فيها؟ "١. "ومعنى هذا الاعتراض أن الأدلة قامت على أن المصلحة العامة تقدم على الخاصة مثلاً، وذلك في منع بيع الحاضر للبادي، رعاية لمصلحة أهل السوق. وكذلك المنع من تلقي الركبان لمصلحة أهل الحضر، وغير ذلك من الجزئيات التي تفيد أن تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة مقصود للشارع. فإذا منعنا مسلماً من إقامة مصنع في جهة آهلة بالسكان، وفرضنا عليه قيوداً معينة في استعمال ملكه مراعاة لمصلحة الجماعة، فكيف نعرف أن الشارع قصد تقديم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد في صورة المنع من بناء المصنع، أو تقييد البناء؟ "٢. أجاب عنه "بأن الأصل الكلي إذا انتظم في الاستقراء يكون كلياً جارياً مجرى العموم في الأفراد"٣. ثم يوضح الشاطبي هذا المعنى بقوله: "أن المجتهد إذا استقرى معنى عاماً من أدلة خاصة، وأطرد له ذلك المعنى، لم يفتقر بعد ذلك إلى دليل خاص على خصوص نازلة تعن، بل يحكم عليها إن كانت خاصة بالدخول تحت عموم المعنى المستقرى من غير اعتبار بقياس أو غيره، إذ صار ما استقرى من عموم المعنى كالمنصوص بصيغة عامة، فكيف يحتاج مع ذلك إلى صيغة خاصة"٤. فالمصلحة المرسلة باعتبارها أصلاً كلياً عاماً استفيد من استقراء نصوص الشريعة.

стр. 257

ولقد قرر الشاطبي أن العام المستفاد من استقراء نصوص الشريعة يجري في قوة الاحتجاج به مجرى العام المستفاد من الصيغة، فيقول: "العموم إذا ثبت فلا يلزم أن يثبت من جهة صيغ العموم فقط ... ، بل من استقراء مواقع المعنى حتى يحصل منه في الذهن أمر كلي عام، فيجري في الحكم مجرى العموم المستفاد من الصيغة". ومثل لذلك بقاعدة رفع الحرج في الدين فقال: "فإنا نستفيده من نوازل متعددة خاصة مختلفة الجهات متفقة في أصل رفع الحرج كما إذا وجدنا التيمم قد شرع عند مشقة طلب الماء، والصلاة قاعداً عند مشقة طلب القيام، والقصر والفطر في السفر والجمع بين الصلاتين في السفر والمرض والمطر، والنطق بكلمة الكفر عند مشقة القتل والتأليم، وإباحة الميتة وغيرها عند خوف من التلف الذي هو أعظم المشقات، والصلاة إلى أي جهة عند تعسر إخراج القبلة، والمسح على الجبائر والخفين لمشقة النزع ولرفع الضرر، والعفو في الصيام عما يعسر الاحتراز عنه من المفطرات كغبار الطريق ونحوه، إلى جزئيات كثيرة جداً يحصل من مجموعها قصد الشارع لرفع الحرج". فإذا تم للمجتهد هذا الاستقراء، فإنه يطبق هذا العموم الاستقرائي على كل ما تحقق فيه مناطه تماماً كما يفعل في العموم اللفظي. ويقول الشاطبي بعد أن أثبت أن رفع الحرج مقصود للشارع: "فإنا نحكم بمطلق رفع الحرج في الأبواب كلها عملاً بالاستقراء، فكأنه عموم لفظي"١. والحاصل أن المصلحة في الوصف المرسل مصلحة دلت أصول الشريعة وقواعده العامة على اعتبارها، فهي مأخوذة من استقراء نصوص الشرع، وهي حجة، لأنه وإن لم تشهد لها نصوص معينة غير أنها شهدت لها أصول الشرع وقواعده العامة، والله تعالى أعلم.

стр. 258

الدليل الثالث: قالوا: لو لم تعتبر المصلحة في المناسب المرسل لأدى عدم اعتبارها إلى خلو بعض الوقائع عن حكم الله تعالى، ذلك لأن النصوص والأقيسة المحمولة عليها محصورة، والحوادث غير محصورة، والمحصور لا يفي بغير المحصور، وعلى هذا لزم خلو بعض الحوادث المتجددة عن الأحكام١، وخلو الحوادث عن الأحكام باطل، بدليل أن أئمة التشريع السابقين وولاة الأمر، وأهل الفتوى والأقضية لم يكونوا يخلون حادثة عن حكم الله تعالى مع كثرة الحوادث والوقائع التي كانت ترد عليهم، ولو كان يمكن خلو واقعة عن حكم لحصل ذلك في زمنهم، ولو حصل لنقل إلينا لأن العادة تقتضي نقل مثل هذا إلينا، فلما لم ينقل إلينا علمنا أنهم لم يخلو واقعة عن حكم فثبت أن كل واقعة لا بد لها من حكم. ومن المعلوم أن الأحكام التي كانوا يصدرونها في الوقائع لم تكن كلها صادرة عن نص أو قياس، بل كان بعضها عن نص، والآخر عن قياس، وبعضها محكوم فيه بالمصلحة، ولو جاز خلو الواقعة عن حكم لما حكموا فيما لم يرد في نص ولا قياس بالمصلحة، ولأخلوا بعض الحوادث عن حكم، ولكن الواقع خلاف ذلك. يدل لهذا ما نقله إمام الحرمين عن الشافعي رحمهما الله، ونصه: "قال الشافعي: إنا نعلم قطعاً أنه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى معزو إلى شريعة محمد ﷺ ... وذلك أن الأئمة السابقين لم يخلوا واقعة على كثرة المسائل وازدحام الأقضية والفتاوى عن حكم الله تعالى، ولو كان ذلك ممكناً لكانت تقع، وذلك مقطوع به أخذاً من مقتضى العادة، وعلى هذا علمنا أنهم ﵄ استرسلوا في بناء الأحكام استرسال واثق بانبساطها على الوقائع متصد لإثباتها فيما يعن ويسنح، متشوف إلى ما سيقع، ولا يخفى على المنصف أنهم ما كانوا يفتون فتوى من تنقسم الوقائع عنده إلى: ما يعرى عن حكم الله تعالى، وإلى ما لا يعرى

стр. 259

عنه: فإذا تبين ذلك بنينا عليه المطلوب، وقلنا: لو انحصرت مآخذ الأحكام في المنصوصات والمعاني المستثارة منها لما اتسع باب الاجتهاد، فإن المنصوصات ومعانيها المعزوة إليها لا تقع في متسع الشريعة غرفة من بحر. ولو لم يتمسك الماضون بمعان في وقائع لم يعهدوا أمثالها لكان وقوفهم عن الحكم يزيد على جريانهم، وهذا إذا صادف تقريراً لم يبق لمنكري الاستدلال مضطرباً"١. فوجه دلالة ما نقله إمام الحرمين هنا عن الشافعي على ما ذهب إليه الماليكة من القول بالمرسل مطلقاً، هو ما صرح به من عدم إخلاء الأئمة واقعة عن حكم شرعي مع كثرة الوقائع وازدحام الأقضية والفتاوى، واسترسالهم في بناء الأحكام استرسال واثق بانبساطها على الأحكام، مما جعل الدليل يدل على اعتبار المصلحة المرسلة مطلقاً، وإن استدل به الشافعية الذين يقولون بقبولها بشرط القرب من الأصول المعتبر على ما سيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى. فبناء على هذا قال المالكية في هذا الدليل لو ترك العمل بالمناسب كُلاً أو بعضاً لأدى إلى خلو بعض الأحكام عن الحوادث ... الخ. الاعتراضات الواردة على هذا الدليل: اعترض المانعون للقول المناسب المرسل على هذا الدليل بما سيأتي: ١ - إن دعوى منع خلو الحوادث عن الأحكام غير مسلمة، فقد نقل الغزالي عن القاضي جواز خلو واقعة عن حكم الله تعالى حتى كاد يوجبه، وقال مستدلاً على ذلك: "المآخذ محصورة، والوقائع لا نهاية لها، فلا تستوفيها مسالك محصورة"٢. وأجاب عنه الغزالي بقوله: "والمختار عندنا إحالة ذلك وقوعاً في الشرع، لا جوازاً في العقل، لعلمنا بأن الصحابة على طول الأعصار ما انحجزوا عن واقعة،

стр. 260

وما اعتقدوا خلوها عن حكم الله تعالى، بل كانوا يهجمون عليها هجوم من لا يرى لها حصراً"١. ٢ - قالوا: سلمنا منع خلو الحوادث عن الأحكام، لكن لا نسلم اللزوم، لأن العمومات والأقيسة تأخذ الجميع، فلم تخل الحوادث عن الأحكام، لاعتمادها على العمومات والأقيسة. ٣ - سلمنا عدم شمول العمومات والأقيسة للحوادث، لكن لا نسلم خلو الحوادث عن الأحكام، لأن عدم وجود دليل على الإذن أو المنع في الحادثة دليل على التخيير فيها، والتخيير حكم شرعي٢. ولم أر من أجاب عن هذين الاعتراضين، ولعل ذلك تسليماً بورودهما. الدليل الرابع: أن الصحابة ﵃ أجمعوا على الأخذ بأمور ليس لها مستند سوى مطلق المصلحة، من غير أن يرد شاهد خاص يدل على اعتبارها. قال القرافي: "ومما يؤكد العمل بالمصلحة المرسلة أن الصحابة رضوان الله عليهم عملوا أموراً لمطلق المصلحة لا لتقدم شاهد بالاعتبار، نحو كتابة المصحف، ولم يتقدم فيه أمر ولا نظير، وولاية العهد من أبي بكر٣ لعمر٤ رضي

стр. 261

الله عنهما، ولم يتقدم فيها أمر ولا نظير، وكذلك ترك الخلافة شورى، وتدوين الدواوين، وعمل السكة للمسلمين، واتخاذ السجن فعل ذلك عمر ﵁، وهدم الأوقاف التي بإزاء مسجد رسول الله ﷺ ، والتوسعة بها في المسجد عند ضيقه فعله عثمان١ ﵂، وتجديد الأذان في الجمعة بالسوق، وهو الأذان الأول فعله عثمان ﵁، ثم نقله هشام٢ إلى المسجد وذلك كثير جداً، لمطلق المصلحة"٣. وقد عقد ذلك صاحب مراقي السعود بقوله - بعدما عرف المرسل، وذكر قبول المالكية له - فقال: نقبله لعمل الصحابة ... كالنقط للمصحف والكتابة تولية الصديق للفاروق ... وهدم جار مسجد للضيق وعمل السكة تجديد الندا ... والسجن تدوين الدواوين بدا يعني أن المالكية يجوزون العمل بالمرسل رعاية للمصلحة، وذلك لكون الصحابة ﵃ عملوا به كما في نقطهم للمصحف، وتشكيلهم لحروفه، وجمعه في مصحف واحد بعد أن كان متفرقاً في اللخاف٤ وغيرها، لأجل حفظه

стр. 262

من التصحيف في النقط والشكل، وفي الكتابة من الذهاب والنسيان، وكما في تولية أبي بكر لعمر ﵄، لكونه أحق بالخلافة ممن سواه، وكما في ترك عمر الخلافة شورى بين الستة١؛ لأن النبي ﷺ توفي وهو عنهم راض، وكما في هدم الدور المجاورة للمسجد لقصد توسعته للمصلين، وكعمل عمر للسكة تسهيلاً لمعاملة المسلمين، وكإحداث عثمان ﵁ الأذان الأول يوم الجمعة تنبيهاً للناس في حضور وقت صلاة الجمعة، وكاتخاذ عمر سجناً لمعاقبة المجرمين، وتدوين الدواوين كما فعل عمر ﵁، فهو أول من فعل ذلك ولم يتقدم في هذه الأمثلة أمر من الشارع ولا نظير لها٢. قال الشاطبي بعد ذكر اتفاق الصحابة على جمع القرآن: "ولم يرد نص عن النبي ﷺ بما صنعوا من ذلك، ولكنهم رأوه مصلحة تناسب تصرفات الشرع قطعاً، فإن ذلك راجع إلى حفظ الشريعة، والأمر بحفظها معلوم، وإلى منع الذريعة للاختلاف في أصلها الذي هو القرآن، وقد علم النهي عن الاختلاف بما لا مزيد عليه"٣. وممن احتج لمالك ﵀ بأنه احتج بعمل الصحابة على اعتبار المناسب المرسل الأسنوي فإنه قال: "احتج مالك بأن من تتبع أحوال الصحابة ﵃ قطع بأنهم كانوا يفتون في الوقائع بمجرد المصالح، ولا يبحثون عن أمر آخر، فكان ذلك إجماعاً منهم على قبولها"٤. وجه استدلال المالكية بهذه النصوص هو أنه إذا صح أن الصحابة كانوا

стр. 263

يعملون بالمصلحة، ويعتمدون عليها في الحكم عند عدم وجود الحكم في غيرها من غير تفريق بين نوع منها وآخر، فيكون كافياً في إثبات اعتبار المصلحة المرسلة. اعترض القاضي على هذا الدليل بما نقله عنه الغزالي من أنه قال: "لعلهم كانوا يعتمدون معاني يعلمون أن أصول الشريعة تشهد لها، وإن كان لا يعينونها كالفقيه يتمسك في مسألة المثقل بقاعدة الزجر، فلا يحتاج إلى تعيين أصل"١. وقد أجاب الغزالي عن هذا الاعتراض بعد تسليم ورود الاحتمال فقال: "والذي نراه أن هذا في مظنة الاحتمال، والاحتكام عليه بعد تمادي الزمان لا معنى له"٢، ومراده أن التماس مثل هذا الاحتمال البعيد بعد مضي الزمن، وبعد العهد بيننا وبينهم أمر لا معنى له. ولذا يكون هذا الدليل حجة في اعتبار المناسب المرسل، لسلامته مما يقدح فيه كغيره من الأدلة التي تقدمت والله تعالى أعلم. هذه هي الأدلة التي استدل بها لمذهب مالك حسبما وقفت عليه، والذي نسب إليه القول بالمناسب المرسل مطلقاً، حتى عرف به ﵀. والآن ننتقل إلى استعراض بعض الأمثلة التي كان اعتماد المالكية في القول بها على المناسب المرسل، وذلك لقصد معرفة ما إذا كان قول المالكية بها اعتماداً على شهادة القواعد العامة للشرع وشهادة نصوصه لها في الجملة، وإن لم يشهد لها أصل معين بالاعتبار، أم أن قولهم بها كان قولاً بالرأي المجرد عن الدليل واعتماداً على المصلحة، وإن لم يشهد لها أصل، بل كان قولهم بها تقديماً لها على النصوص كما يدعيه خصومهم. ١ - ضرب المتهم بالسرقة، والزنا، والقتل، وما يجري خفية، فقد رأى المالكية ضربه، وسجنه انتزاعاً لإقراره، حيث إن الجاني لا يقر على نفسه

стр. 264

باختياره؛ ولأن إقامة البينة لا تمكن على ما يعمل خفية، فرأوا أن المصلحة تقتضي ذلك حفظاً للنفوس والأعراض والأموال، إذ لو علم أنه لا ينتزع منه الإقرار بالضرب والسجن مع تعذر إقامة البينة عليه، وتمكنه من السطو، ووسائل الهرب، ولا سيما مع ضعف الوازع الديني، لأدى ذلك إلى ضياع الحقوق وانتشار الفساد. ولما كان الأخذ بهذه المصلحة معارضاً بمصلحة حفظ عرض وبدن المتهم، كانت محل الخلاف بين العلماء ومثال نقد على المالكية، وعلى الإمام مالك ﵀ بصفة خاصة، حتى نسب إليه مخالفوه ما لم يقله، فنسب إليه الغزالي القول بضرب المتهم١، مع أن الواقع خلاف ذلك، إذ لا تصح نسبة ذلك إليه، وإن كان نسبه إليه بعض المالكية وغيرهم لما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى. وهذه نقول تدل على هدم صحة هذه النسبة نذكرها فيما يلي: ١ - ما جاء في المدونة أن سحنوناً٢ قال: "قال: أرأيت إن أقر بشيء من الحدود بعد التهديد أو القيد، أو الوعيد أو السجن أو الضرب، أيقام عليه الحد أم لا؟ قال ابن القاسم٣: قال مالك: "من أقر بعد التهديد أقيل، فالوعيد

стр. 265

والسجن والضرب تهديد كله، وأرى أن يقال"١. فهذا النص صريح في عدم صحة ما نسب لمالك من القول بضرب المتهم، وذلك لأنه لم يرتب عليه أثره من اعتبار الإقرار المنتزع بالتهديد فهو إذاً لا يقول بضرب المتهم وتهديده ولا يعتبره إقراره ما لم تقم عليه بينة، أو يقر مختاراً. ٢ - إن الشاطبي ﵀ صرح بأن مالكاً إنما ذهب إلى جواز سجن المتهم، وأن ضربه إنما هو نص أصحابه. قال: "ذهب مالك إلى جواز السجن في التهم، وإن كان السجن نوعاً من العذاب، ونص أصحابه على جواز الضرب"٢، ولعل من نسب ذلك لمالك من المالكية وغيرهم كان اعتماده فيه على ما نقله الدردير٣ عن سحنون أنه قال: "يعمل بإقرار المتهم، وبه الحكم إن ثبت عند الحاكم أنه من أهل التهمة، فيجوز سجنه وضربه ويعمل بإقراره"٤. قال الدسوقي٥: "وبه القضاء كما في تحفة الأحكام، ونسبه لمالك حيث قال: وأن يكن مطالباً من يتهم ... فمالك بالسجن والضرب حكم

стр. 266

وحكموا بصحة الإقرار ... من ذاعر يجس لاختبار١ ولعل وجه الاشتباه على من نسب ذلك لمالك ﵀ أن المدونة من رواية سحنون عن عبد الرحمن بن القاسم عن مالك، فلم يفرق الناقل منها بين ما كان عن مالك منها، وما هو لسحنون دون مالك، والله تعالى أعلم. ٣ - ما نقله ميارة٢ عن اللخمي٣ أن قول مالك هو أنه لا حكم لإقراره ولا يؤخذ به حيث قال في المدونة: "وإن أخرج السرقة أو القتيل في حال التهديد لم أقطعه ولم أقلته حتى يقر بعد ذلك آمناً، وإلى هذا ذهب الشيخ خليل٤ في مختصره، حيث قال: "وثبت بإقرار إن طاع، وإلا فلا وإن عين السرقة وأخرج القتيل"٥. فتحصل أن ما نسب لمالك من القول بضرب المتهم غير صحيح، كما قال مشايخ المالكية، وأنه إنما قال بسجنه، وأن القول بضربه هو نص أصحابه.

стр. 267

ولما كان يرد على المالكية أن الأخذ بهذا النوع من تعذيب من لم تقم عليه بينة بارتكاب ما يوجب ذلك في حقه، بينوا أن الآخذ بمثل هذا أخذ بمصلحة ملائمة لتصرفات الشرع من تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ولذا يقول الشاطبي مبيناً لذلك، ومجيباً عما يرد عليه من الاعتراضات بعد إيرادها: "وهو عند الشيوخ من قبيل تضمين الصناع فإنه لو لم يكن الضرب والسجن بالتهم، لتعذر استخلاص الأموال من أيدي السراق والغصاب، إذ قد يتعذر إقامة البينة، فكانت المصلحة وسيلة إلى التعذيب والإقرار. فإن قيل: هذا فتح باب لتعذيب البريء؟ قيل: ففي الإعراض عنه إبطال استرجاع الأموال، بل الإضراب عن التعذيب أشد ضرراً، إذ لا يعذب أحد لمجرد الدعوى، بل مع اقتران قرينة تحيك في النفس، وتؤثر في القلب نوعاً من الظن. فالتعذيب في الغالب لا يصادف البريء، وإن أمكن مصادفته فتغتفر كما اغتفر في تضمين الصناع"١. فإن الخلفاء الراشدين قضوا بتضمينهم، قال علي ﵁: "لا يصلح الناس إلا ذلك". فإن قيل: أن هذا نوع فساد، لما فيه من تضمين من قد يكون بريئاً لم يتلف ما تحت يده، ولم يفرط فيه. أجيب بأن الناس في حاجة إلى الصناع، وهم يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال، فالتفريط غالب عليهم، كما أنهم إذا علموا أنهم لا يضمنون ما تحت أيديهم ربما ادعوا التلف، ولم يكن تلف فلو لم يضمنوا مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم لأدى ذلك إلى أحد أمرين: ١ - ترك الاستصناع بالكلية، وهذا يلحق بالناس ضرراً.

стр. 268

٢ - أن يعملوا ولا يضمنوا ما تلف بدعواهم هلاكه وضياعه، فتضيع الأموال ويقل الاحتراز، وتتطرق الخيانة. فكانت المصلحة في تضمينهم كما قال علي ﵁، وهو تقديم للمصلحة العامة على الخاصة، وهو أصل شهدت له نصوص الشرع وقواعده العامة١. فإن حصل تضمين بريء اغتفر، لذا قال الشاطبي آنفاً في ضرب المتهم: وإن أمكن مصادفته فتغتفر كما اغتفر في تضمين الصناع، مع أنه صرح بأن الضرب إنما يكون في حق من قامت القرائن القوية بإدانته، وذلك إما بظهور مثل ذلك عليه سابقاً، أو لصحبته السراق، أما من لم تقم القراء على إلصاق التهمة به، فهذا لا يسجن، ولا يضرب، وقد عقد ذلك صاحب تحفة الحكام٢ بقوله: وإن يكن مدعياً على ... من حاله في الناس حال الفضلا فليس من كشف لحاله ولا ... يبلغ بالدعوى عليه أملا وإن يكن مطالباً من يتهم ... فمالك بالضرب والسجن حكم٣ ومعنى الأبيات أن من ادعى السرقة على من لا بينة له عليه أنه ينظر في حال المدعى عليه السرقة، فإن كان من أهل الخير والفضل بعيداً عن التهمة فإنه لا يكشف عن حاله، ولا يلتفت إلى هذه الدعوى لبعدها عادة. وإن كان المدعي عليه ممن يتهم بمثل ذلك، فالحكم أن يسجن حتى يعلم حاله، وقد يشدد عليه بالضرب بحسب ما دلت عليه القرائن من شهرة تهمته وثبوت مثل ذلك عليه ونحو ذلك٤.

стр. 269

أما ما عزاه لمالك من القول بضرب المتهم، فقد تقم قريباً إبطال نسبة ذلك له. فإن حصل في النادر إصابة بريء بالتعزير، فيغتفر ذلك، لأنه حينئذ من باب تقديم مصلحة عامة هي مصلحة حفظ المال التي هي مقصود شرعي عرف اعتبار الشرع له من استقراء نصوصه على مصلحة خاصة هي صون المتهم أن يصيبه تعزير وهو بريء. وفي هذه الحال، تقدم المصلحة العامة على الخاصة، كما في تضمين الصناع، فإن وقع التعزير على بريء اغتفر كما صرح به الشاطبي١، فقد ظهر أنهم قالوا بهذا على أنه مصلحة ملائمة لتصرفات الشارع، لا أنه من باب الغريب الذي يعد القول به قولاً بالرأي، وتشريعاً بالهوى والتشهي، لأن تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة أصل شهدت له نصوص الشرع وقواعده العامة بطريق الاستقراء المفيد للقطع. ولذا فإن الغزالي مع شدة إنكاره على المالكية في أخذهم بهذه المصلحة، ومنعه الأخذ بها على أساس أنها مصلحة تتعلق بحفظ المال فإنه إنما يمنع اعتبارها، لكونها مصلحة موهومة معارضة بمصلحة محققة تقابلها هي حفظ نفس معصومة، وعصمتها تقتضي صونها عن الضياع وحفظ النفوس مقدم على حفظ المال، لدلالة نصوص الشرع على ذلك، فإنه لا يقطع بخطأ مالك حيث يقول: "هذه المصلحة غير معمول بها عندنا، وليس "ذلك" لأنا لا نرى اتباع المصالح، ولكن لأنها لما لم تسلم عن المعارضة بمصلحة تقابلها"٢، فلم ير الأخذ بها. ويقول: "وعلى الجملة: هذه المسألة في محل الاجتهاد، ولسنا نحكم ببطلان مذهب مالك ﵀ على القطع، فإذا وقع النظر في تعارض المصالح كان ذلك قريباً من النظر في تعارض الأقيسة التي ذكرناها"٣.

стр. 270

فكلامه هنا ﵀ صريح في أنها في محل الاجتهاد مع أنه صرح في غير هذا الموضع بأن المصلحة الغريبة التي لا تلائم ولا يشهد لها أصل معين مردودة من غير معرفة مخالف١. أما التي في محل الاجتهاد، فهي ملائمة لجنس تصرفات الشرع، وهذا تصريح منه بأن عدم أخذه بها، لأنه إذا كانت مصلحة ذي المال في ضرب المتهم رجاء أن يكون هو الجاني، فيقر، فمصلحة المأخوذ في الكف عنه، وترك الأضرار به، وليس أحدهما برعاية مصلحته أولى من الآخر، فوجب الوقوف على جادة الشرع في أن لا عقوبة إلا بجناية، ولا تظهر الجناية في حقنا إلا ببينة". فأخذ المالكية إذاً بهذه المصلحة، أخذ بمصلحة ملائمة لتصرفات الشارع بشهادة نصوص الشرع وقواعده العامة لها، وليس الأخذ بها أخذ بالرأي المجرد عن الشرع كما ادعاه خصومهم. هذا على تسليم أن المالكية كان اعتمادهم في الأخذ بهذه المسألة بناء على المصلحة المرسلة، أما إذا كان اعتمادهم فيما ذهبوا إليه على ما ورد من الآثار عن النبي ﷺ في ضرب وسجن المتهم، فلا يرد عليهم ما ذكره خصومهم؛ لأن المسألة حينئذ يكون الأخذ بها من باب الأخذ بما دل عليه الدليل، إن صحت تلك الآثار. فمن ذلك ما رواه أبو داود٢ في سننه عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ حبس رجلاً في تهمة٣.

стр. 271

ومنها ما ذكره الحافظ ابن حجر١ في شرحه لحديث الإفك في كتابه فتح الباري أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ انتهر بريرة٢ حين سألها النبي ﷺ عن عائشة٣ ﵂، فذكرت أنها ما علمت فيها إلا خيراً، وفي رواية قال لعلي٤ شأنك بالجارية فسألها علي وتوعدها فلم تخبره إلا بخير، ثم ضربها وسألها، فقالت: والله ما علمت على عائشة سوءاً"٥.

стр. 272

٢ - توظيف الخراج: ذهب المالكية إلى جواز فرض الضرائب على بعض الرعية عند حاجة الدولة إلى تكثير الجنود لسد الثغور وحماية الملك المتسع الأقطار عند عجز خزينة الدولة عن الوفاء بحاجة الجند، إذا أمن الإسراف، لكون الإمام عادلاً، فإن له أن يفرض على الأغنياء والغلات والثمار وغيرها ما يسد حاجة الجند، لصد الأعداء إلى أن يظهر للدولة مال يكفي. فهذه مصلحة لم يشهد لها نص معين بالاعتبار، أو الإلغاء، غير أنها ملائمة لتصرفات الشارع، إذ لا تنتظم مصلحة الدين والدنيا، إلا بإمام. عادل مطاع يحمي حوزة الدين ومصالح الأمة، ولا يثبت له ذلك إلا بجنده وعدته. ولذا لم يخل عصر من ذلك، إذ لو خلت الأمة عن إمام عادل وجند قادر على مجاهدة الكفار، وحماية الثغور، وكف الظلمة الطغاة المارقين والضرب على أيديهم عن السطو على الأنفس والأموال الحرم، لاختل الأمن وصارت ديار الإسلام عرضة لاستيلاء الكفار عيلها١. "فإن قيل: هذه مصلحة غريبة لا عهد بها في الشرع ولا بمثلها وحاصلها يرجع إلى مصادرة الخلق في أموالهم، وهو محظور نعلم حظره من وضع الشرع، ولذا لم ينقل عن الخلفاء الراشدين قبل أن صارت الخلافة ملكاً عضوضاً، وإنما أبدعها الملوك المترفون المائلون عن سمت الشرع"٢. أجيب عنه بأمرين: ١ - إنه إنما لم ينقل ذلك عند صدر هذه الأمة، لاتساع بيت المال في زمانهم واشتماله على ما يسع الجند من الغنائم في ذلك الوقت٣.

стр. 273

٢ - إن من أخذت منهم تلك الضرائب اليسيرة، لو تنقطع عنهم شوكة السلطان يستحقرون - بالإضافة إلى ما قد يصيبهم من ظلم الظلمة في نفوسهم وأموالهم - ما لو أخذت أموالهم كلها فضلاً عن الجزء اليسير منها. فلو عورض هذا الضرر العظيم، بالضرر اليسير اللاحق لهم في حياتهم بأخذ اليسير من أموالهم فلا يتمارى في ترجيح الثاني على الأول. وهو مما يعلم قطعاً من مقصود الشرع قبل النظر في شواهد الشرع في حماية الدين والدنيا، فهذا وجه ملاءمتها لمقاصد الشرع. والملاءمة الثانية هي أن الأب في طفله، والوصي في من هو موصى عليه مأمور برعاية الأصلح له، وهو يصرف ماله في وجوه من النفقات والمؤمن في الغرامات، وكل ما يراه سبباً في تنمية ماله وحفظه من التلف، جاز له صرف المال في تحصيل ذلك. ومصلحة حفظ الإسلام والمسلمين لا تتقاصر عن مصلحة طفل واحد، ونظر الإمام في رعاية حفظ الإسلام والمسلمين لا يتقاصر عن نظر فرد واحد في حق من ولي أمره. ولو وطئ الكفار دار الإسلام، وجب على الكافة دفعهم، ولو دعاهم الإمام إلى الجهاد لزمتهم الإجابة، وفي ذلك إتعاب النفوس، وتعريضهم إلى الهلكة، زيادة على إنفاق المال، وليس هذا إلا لحماية الدين والمسلمين. فهذه ملاءمة صحيحة تفيد القطع في هذه الصورة؛ لأنها في محل الضرورة، فلا يصح الحكم فيها إلا مع وجودها١. وعلى هذا فلا يقال: إنّ القول بهذه المصلحة قول مجرد عن الدليل بل قول بمصلحة شهدت لها نصوص الشرع بما يفيد القطع، والله تعالى أعلم.

стр. 274

٣ - إذا طبق الحرام الأرض: ذهب الملكية إلى أنه إذا طبق الحرام الأرض، أو ناحية منها بحيث يعسر الانتقال منها، وانسدت طرق المكاسب، ومست الحاجة إلى الزيادة على سد الرمق، فإن ذلك يسوغ الزيادة على قدر الضرورة، ويرتقي إلى قدر الحاجة في القوت والملبس والمسكن، إذ لو اقتصر على سد الرمق لتعطلت المكاسب والأشغال، ولم يزل الناس في مقاسات إلى أن يهلكوا وفي ذلك خراب الدين، لكنه لا ينتهي إلى الترفه والتنعم، كما لا يقتصر على قدر الضرورة. وقد أوضح الشاطبي ﵀ وجه ملاءمة هذا القول بقوله: "وهذا ملائم لتصرفات الشرع، وإن لم ينص على عينه، فإنه قد أجاز أكل الميتة للمضطر، ولحم الخنزير وغير ذلك من الخبائث المحرمات"١. وبمثل قول المالكية قال الغزالي ﵀ في كتابه المنخول وشفاء الغليل، وإليك نص كلامه فيهما، قال في المنخول: "لو فرضنا انقلاب أموال العالمين بجملتها محرمة لكثرة المعاملات الفاسدة واشتباه المغصوب بغيره، وعسر الوصول إلى الحلال المحض، وقد رفع، فما بالنا بقدر تبيح لكل محتاج أن يأخذ مقدار كفايته من كل مال، لأن تحريم التناول يفضي إلى القتل، وتجويز الترفه والتنعيم في محرم، وتخصيصه بمقدار سد الرمق، يكف الناس عن معاملاتهم الدينية والدنيوية، ويتداعى ذلك إلى فساد الدنيا وخراب العالم وأهله فلا يتفرغون وهم على حالتهم مشرفون على الموت إلى صناعاتهم وأشغالهم والشرع لا يرضى بمثله قطعاً"٢. ويقول في شفاء الغليل: "فإن قال قائل: لو طبق الحرام طبقة الأرض ... وانحسمت وجوه المكاسب الطيبة على العباد، ومست حاجتهم على قدر الزيادة على قدر سد الرمق من الحرام، ودعت المصلحة إليه، فهل يسلطون على تناول

стр. 275

قدر الحاجة من الحرام لأجل المصلحة؟. فإذا أبيتم ذلك خالفتم وجه المصلحة، وإن رأيتم ذلك اخترعتم أمراً بدعاً، لا يلائم وضع الشارع. قلنا: إن اتفق ذلك ... فيجوز لكل أحد أن يزيد على قدر الضرورة، ويترقى إلى قدر الحاجة في الأقوات والملابس والمساكن، لأنهم لو اقتصروا على سد الرمق لتعطلت المكاسب وانبتر النظام، ولم يزل الخلق في مقاساة ذلك إلى أن يهلكوا، وفيه خراب أمر الدين، وسقوط شعائره، فلكل أحد أن يتناول مقدار الحاجة، ولا ينتهي إلى حد الترف، والتنعم والشبع، ولا يقتصر على قدر الضرورة. وقول القائل: إن هذا غير ملائم للشرع، فليس الأمر كذلك، فإن الشرع سلط على أكل لحم الخنزير، وهو أخبث المحرمات عند الضرورة، ولكن اختلف العلماء في أنه هل يقتصر على حد الرمق، أو يتناول قدر استقلال وتلاقي القوة، والحاجة العامة - في حق كافة الخلق - تنزل منزلة الضرورة الخاصة في حق الشخص الواحد، والحاجة عامة إلى الزيادة على سد الرمق"١. فهذان النصان دلا على أن ما فوق الضرورة مصلحة مرسلة لم يتضمنها النص الدال على تناول الحرام لصيانة النفس عن الهلاك في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ ٢ الآية، إذ سد الرمق يمنع إتلاف النفس، وما زاد على ذلك حاجة، إلا أنها ملائمة لتصرفات الشارع، إذ في الاقتصار على سد الرمق تعطيل المكاسب، وهو يؤدي إلى الهلاك، والهلاك يؤدي إلى فوات المحافظة على النفس الذي هو مقصد دل الشرع على طلب حفظه. قال الشاطبي: "ولذا أجاز العلماء أخذ مال الغير عند الضرورة أيضاً، فما نحن فيه لا يقصر عن ذلك"٣.

стр. 276

فالقول بهذه المصلحة، قول بمصلحة ظهرت ملاءمتها بشهادة نصوص الشرع وقواعده العامة لها في الجملة. فقد اتضح من هذه الأمثلة الثلاثة التي سقتها كنموذج دال على أن أخذ المالكية بالمناسب المرسل أخذ بمصلحة ملائمة شهدت لها نصوص الشرع وقواعده العامة في الجملة، وإن لم يشهد لها نص معين بالاعتبار والله تعالى أعلم. وحيث إن بعض الأصوليين ذكر أن الإمام أحمد ﵀ يجئ في الدرجة الثانية في القول بالمناسب المرسل بعد الإمام مالك ﵀، فقد رأيت أن أرتب ذكر الأئمة الأربعة لمعرفة موقف كل واحد منهم من القول بالمناسب المرسل على قدر اعتماده عليه في الفقه حسبما ذكره الأصوليون، والله أسأل التوفيق والسداد في القول والعمل.

стр. 277

الفصل الرابع: في بيان رأي الإمام أحمد ﵀ هو وأتباعه في الأخذ بالمناسب المرسل ... الفصل الرابع في بيان رأي الإمام أحد ﵀ هو وأتباعه في الأخذ بالمناسب المرسل قرر بعض الأصوليين أن الإمام أحمد ﵀ أخذ بمبدأ القول المناسب المرسل من غير نكير من أصحابه، ويدل لهذا ما نقله عنه أصحابه من الفتاوى والفروع التي يعد القول لها أخذاً بالمصلحة المرسلة، كما أن فقهاء الحنابلة يعتبرون المصالح المرسلة أصلاً من أصول الاستنباط وينسبون ذلك إلى الإمام أحمد ﵀، فإن ابن القيم يقرر أنه ما من أمر شرعه الشارع إلا وهو متفق مع مصالح العباد، وأن أمور الشريعة التي تتصل بمعاملات الناس تقوم على إثبات المصلحة، ومنع الفساد والمضرة١، لأن الأخذ بالمصلحة المرسلة واعتبارها أصلاً فقهياً ينبني عليه الاستنباط هو الذي يتفق مع أتباع أحمد للسلف الصالح في استنباطهم، وعدم الخروج عن طبيعتهم، فقد أجمع الصحابة على جمع المصحف، رعاية لحفظ الدين بحفظ القرآن، ومنعاً للناس من الاختلاف وولَّى أبو بكر عمرَ ﵄ على الخلافة، إلى غير ذلك مما تقدم ذكره. وإذا كان الإمام مالك ﵀ قد اشتهر بالقول المرسل، واشتهر به المرسل، وكان له ترجيح على غيره في الأخذ به، فإن الإمام أحمد يليه في القول به، ويدل لهذا ما يأتي: الأول: ما نقله الزركشي عن ابن دقيق العيد ونصه: قال: نعم إنَّ الذي لا شك فيه أن لمالك ترجيحاً على غيره من الفقهاء في هذا النوع - يعني القول بالمناسب المرسل - ويليه الإمام أحمد بن حنبل، ولا يكاد يخلو غيرهما من اعتباره في الجملة، ولكن لهذين ترجيح في استعماله على غيرهما٢.

стр. 278

الثاني: ما جاء في المسودة عن ابن برهان١ أنه قال: "الحق ما قاله الشافعي، قال: إن كانت ملائمة - يعني المصلحة المرسلة - لأصل كلي من أصول الشريعة، أو لأصل جزئي جاز لنا بناء الأحكام عليها وإلا فلا"٢. وما ذكره ابن برهان هنا هو ما ذهب إليه المالكية من أم المرسل إذا كانت المصلحة فيه ملائمة لأصول الشريعة وقواعدها العامة قبل، وإن لم يشهد له أصل معين، وإن لم تكن المصلحة فيه ملائمة، فلا يقبل، وهو الغريب الذي تقدم إيضاحه، ونقل الاتفاق على رده بما يغني عن إعادته. الثالث: نقول من فتاوى الإمام مالك ﵀، وأقوال بعض علماء الحنابلة تدل على اعتبار الإمام أحمد وأتباعه الآخذ بالمناسب المرسل، من ذلك ما نقله ابن القيم من رواية المروزي٣، وابن منصور٤، قال: "والمخنث يُنفى لأنه يقع منه الفساد والتعرض له، وللإمام نفيه إلى بلد يأمن فساد أهله، وإن خالف به عليهم حسبه". ومنها ما رواه ابن القيم عن الإمام أحمد أيضاً في من طعن على الصحابة أنه

стр. 279

وقد وجب على السلطان عقوبته، وليس للسلطان أن يعفو عنه بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب وإلا عاد إلى العقوبة"١. وواضح مما نقله ابن القيم في هذين النصين عن الإمام أحمد أنه إنما اعتمد في الفتوى هنا على المصلحة التي لم يشهد لها أصل معين وإن كانت ملائمة لتصرفات الشارع، وشهدت لها نصوصه في الجملة. ومنها ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ونصه: "إذا أشكل على الناظر أو السالك حكم شيء هل هو على الإباحة أو التحريم، فلينظر مفسدته، وثمرته، وغايته، فإن كان مشتملاً على مفسدة راجحة ظاهرة، فإنه يستحيل على الشارع الأمر به، أو إباحته بل يقطع أن الشارح يحرمه، ولا سيما إذا كان مفضياً إلى ما يبغضه الله ورسوله ﷺ "٢. ويقول: "ومن استقرى الشريعة في مواردها ومصادرها وجدها مبنية على قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ٣. فكل ما احتاج الناس إليه في معاشهم ولم يكن سببه معصية هي ترك واجب، أو عمل محرم - لم يحرم عليهم، لأنهم في معنى المضطر الذي ليس بباغ ولا عاد٤. ومنها قول ابن القيم: "فإذا قدر أن قوماً اضطروا إلى السكنى في بيت إنسان لا يجدون سواه أو النزول في خان مملوكة ... وجب على صاحبه بذله بلا نزاع، لكن هل له أن يأخذ عليه أجراً؟ فيه قولان للعلماء وهما وجهان لأصحاب أحمد"٥.

стр. 280

وهذا مصير منه إلى الأخذ بالمصلحة الملائمة لجنس تصرفات الشارع، وإن لم يشهد لها نص معين غير أنها تدخل تحت أصل كلي شهد الشرع باعتباره. وقد ذكر الشاهد لاعتبار هذا الأصل بالكلي بقوله: "وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: "من أعتق شركاً له في عبد وكان له من المال ما لم يبلغ ثمن العبد - قوم عليه قيمة عدل، لا وكس، ولا شطط فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد" ١. ثم قال: "وصار هذا الحديث أصلاً في جواز إخراج الشيء من ملك صاحبه قهراً بثمنه للمصلحة الراجحة، كما في الشفعة"٢. وخرج على هذا الأصل أنه "إن احتاج الناس إلى صناعة طائفة كالفلاحة والنساجة والبناء وغير ذلك - فلولي الأمر أن يلزمهم بذلك بأجرة المثل، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بذلك"٣. ثم يستدل على رجوع هذه المصلحة إلى أصل كلي مأخوذ من نصوص الشرع بقوله: "وفي السنن أن رجلاً كانت له شجرة في أرض غيره، وكان صاحب الأرض يتضرر بدخول صاحب الشجرة، فشكى ذلك إلى النبي ﷺ فأمره أن يقبل بدلها، أو يتبرع له بها، فلم يفعل، فأذن لصاحب الأرض أن يقلعها وقال لصحاب الشجرة: "إنما أنت مضار" ٤. وصاحب الشرع أوجب عليه إذا لم يتبرع بها أن يقلعها، لما في ذلك من مصلحة صاحب الأرض بخلاصه من تأذيه بدخول صاحب الشجرة ومصلحة صاحب الشجرة بأخذ القيمة وإن كان عليه في ذلك ضرر يسير، فضرر صاحب الأرض ببقائها في بستانه أعظم.

стр. 281

فالشارع الحكيم يدفع أعظم الضررين بأيسرهما، فهذا هو الفقه والقياس والمصلحة وإن أباه من أباه. والمقصود أن هذا دليل على وجوب البيع لحاجة المشتري، وأين حاجة هذا في حاجة عموم الناس إلى الطعام وغيره؟ والحكم في المعارضة على المنافع إذا احتاج الناس إليها كمنافع الدور والطحن والخبز وغير ذلك حكم المعاوضة على الأعيان"١. فإجبار المالك على أن يسكن في ملكه من يحتاج إلى سكناه مع إعطاء المالك أجرة المثل من غير استغلال حاجة المحتاج وإجبار أرباب المهن والصناعات الذين يحتاج الناس إليهم في أعمالهم مع دفع الأجرة العادلة لهم مصلحة ملائمة لتصرفات الشارع وراجعة إلى أصل شرعي، وإن لم يشهد لها أصل معين بالاعتبار إلا أن تتبع نصوص الشرع وأحكامه باستقرائها يدل على اعتبارها. وقال ابن القيم - مبيناً أن الأخذ بالسياسة هو الحزم، وأنه لا يخلو منه إمام: "وجرت في ذلك مناظرة بين أبي الوفاء ابن عقيل٢ وبين بعض الفقهاء، فقال ابن عقيل: العمل بالسياسة هو الحزم، ولا يخلو منه إمام، وقال الآخر: لا سياسة إلا ما وافق الشرع، فقال ابن عقيل: السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول ﷺ ، ولا نزل به الوحي، فإن أردت بقولك لا سياسة إلا ما وافق الشرع أي يخالف ما نطق به الشرع فصحيح وإن أردت ما لم ينطق به الشرع، فغلط وتغليطه للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمثل ما لا يجحده عالم بالسير، ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف كان رأياً اعتمدوا فيه على المصلحة، وكذلك تحريق علي

стр. 282

- كرم الله وجهه - الزناديق في الأخاديد، ونفي عمر ﵁ نصر بن حجاج١ لكفى ذلك. ومنها: إنهم أوجبوا التسعير بوضع حد أعلى للبيع إذا كان الناس في حاجة إلى المبيع ويلحقهم الحرج بعدم بيعه، وهذا مخالف لعموم ما أخرجه أبو داود وغيره من حديث العلاء بن عبد الرحمن٢. عن أبي هريرة٣ ﵁ قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله سعر لنا، فقال: بل ادعوا الله، ثم جاء رجل فقال: يا رسول الله سعر لنا، فقال: بل الله يرفع ويخفض، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة" ٤. فقالوا: إنه محمول على قضية خاصة معينة، وليس فيها أن أحداً امتنع من بيع ما الناس في حاجة إليه"٥. ونقل ابن القيم عن شيخه أنه قال: إذا امتنع الناس من بيع ما يجب عليهم

стр. 283

بيعه، فهذا يؤمرون بالواجب، ويعاقبون على تركه، وكذلك كل من وجب عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع"١. وقسمه ابن القيم إلى ما هو: ظلم حرام، وما هو عدل جائز، فقال: "فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل فهو جائز، بل واجب. فأما القسم الأول: فمثل ما روى أنس قال: غلا السعر على عهد النبي ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، لو سعرت لنا، "فقال: إن الله هو القابض الرزاق، الباسط المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطالبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال" ٢. فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم، وقد ارتفع السعر، إما لقلة الشيء وإما لكثرة الخلق، فهذا إلى الله، فإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق. وأما الثاني: فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها، مع ضرورة الناس إليها، إلا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل، والتسعير ههنا إلزام بالعدل الذي ألزمهم الله به"٣. والذي تفيده هذه النصوص أن علماء الحنابلة اعتمدوا الأخذ بالمناسب المرسل اعتماد من يراه أصلاً لاستنباط الأحكام إذا كانت المصلحة ملائمة لتصرفات الشارع، وإن لم يشهد لها نص معين.

стр. 284

قال ابن القيم: "وجماع الأمر أن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير سعر عليهم، تسعير عدل لا وكس، ولا شطط، وإذا اندفعت حاجتهم وقامت مصلحتهم بدونه لم يفعل"١. "فإن قيل: فقد ذكر كثير من أتباع الإمام أحمد أصوله التي اعتمد عليها في البحث والاجتهاد، كابن القيم، ولم يذكر منها أصل الاستصلاح. فالجواب أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى لم يكن يعد استصلاح أصلاً خاصاً برأسه بمعنى كونه قسيماً للكتاب والسنة والقياس، بل كان يعد ذلك معنى من معاني القياس، فهو أصل في استنباط المعاني من جملة الأدلة الأخرى وأخذ القياس بهذا المعنى الواسع كان اصطلاحاً يكاد يكون عاماً في صدر عصر الأئمة"٢. والحاصل أنه قد اتضح مما نقلته عن الإمام أحمد وأتباعه اعتمادهم على الأخذ بالمناسب المرسل، وإن أخذهم به كان على نهج الصحابة، فلم يعتبروا من المصلحة إلا ما شهدت أصول الشريعة وقواعدها العامة باعتباره شأن المالكية حسبما تقدم أنهم يأخذون بكل مصلحة شهدت لها نصوص الشرع وقواعده العامة، وإن لم يشهد لها نص معين، شريطة أن لا تعارض نصاً، وأن تكون ملائمة لتصرفات الشارع، وأن يكون في الأخذ بها رفع لحرج لازم لو لم يؤخذ بها. وبهذا يتم ما تقدم نقله عن ابن دقيق العيد من أن الإمام أحمد يلي مالكاً رحمهما الله في الأخذ بالمناسب المرسل، والله تعالى أعلم.

стр. 285

الفصل الخامس في ذكر أدلة مذهب القاضي ومن وافقه ومناقشتها استدل أهل المذهب الثاني القائلون بمنع الأخذ بالوصف المناسب المرسل مطلقاً بما يأتي: الأول: ما ذكره الغزالي "أن القاضي أبا بكر تمسك به في نفي اعتبار المناسب المرسل حيث قال أنه تمسك بثلاثة مسالك: المسلك الأول: أن الاستدلال لو قيل به لصارت الشريعة فوضى بين العقلاء يتجاذبون بظنونهم أطرافها من غير التفات إلى الشريعة والنبي ﷺ إنما بعث ليدعوا الناس إلى أتباعه في قوله والمفهوم من قوله من المصالح، فأما ما يعين ابتداء، ولم يفهم منه فما بعث الشارع للدعاء إليه. الثاني: أن المستدل إن لاحظ مصالح الشريعة فهو صحيح، وإن أضرب عنها فهو شارع تحقيقاً فيطالب بالمعجزة، فإنه افتتح أمراً لا مستند له في الشرع مع أن الرسول ﷺ كان خاتم النبيين، فكيف يفتتح بعده شرع؟ الثالث: إن قال: إذا وجب اتباع المصالح لزم تغيير الأحكام عند تبدل الأشخاص، وتغيير الأوقات، واختلاف البقاع عند تبدل المصالح وهذه تفضي إلى تغيير الشرع بأسره، وافتتاح شرع آخر لم يثبت من الشارع وهذا محال، أو أنهم يقولون نحن مع المصالح بشرط أن لا نهجم على نص الرسول ﷺ بالدفع"١. ومقتضى كلامه ﵀ أن اعتبار الوصف المرسل يلزم عليه إحداث شرع جديد وإحداث شرع جديد باطل بالإجماع، لكون النبي ﷺ خاتم الأنبياء، وشريعته خاتمة الشرائع.
следующие страницы →