فالشارع الحكيم يدفع أعظم الضررين بأيسرهما، فهذا هو الفقه والقياس والمصلحة وإن أباه من أباه.
والمقصود أن هذا دليل على وجوب البيع لحاجة المشتري، وأين حاجة هذا في حاجة عموم الناس إلى الطعام وغيره؟ والحكم في المعارضة على المنافع إذا احتاج الناس إليها كمنافع الدور والطحن والخبز وغير ذلك حكم المعاوضة على الأعيان"١.
فإجبار المالك على أن يسكن في ملكه من يحتاج إلى سكناه مع إعطاء المالك أجرة المثل من غير استغلال حاجة المحتاج وإجبار أرباب المهن والصناعات الذين يحتاج الناس إليهم في أعمالهم مع دفع الأجرة العادلة لهم مصلحة ملائمة لتصرفات الشارع وراجعة إلى أصل شرعي، وإن لم يشهد لها أصل معين بالاعتبار إلا أن تتبع نصوص الشرع وأحكامه باستقرائها يدل على اعتبارها.
وقال ابن القيم - مبيناً أن الأخذ بالسياسة هو الحزم، وأنه لا يخلو منه إمام: "وجرت في ذلك مناظرة بين أبي الوفاء ابن عقيل٢ وبين بعض الفقهاء، فقال ابن عقيل: العمل بالسياسة هو الحزم، ولا يخلو منه إمام، وقال الآخر: لا سياسة إلا ما وافق الشرع، فقال ابن عقيل: السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول ﷺ ، ولا نزل به الوحي، فإن أردت بقولك لا سياسة إلا ما وافق الشرع أي يخالف ما نطق به الشرع فصحيح وإن أردت ما لم ينطق به الشرع، فغلط وتغليطه للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمثل ما لا يجحده عالم بالسير، ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف كان رأياً اعتمدوا فيه على المصلحة، وكذلك تحريق علي
стр. 282
- كرم الله وجهه - الزناديق في الأخاديد، ونفي عمر ﵁ نصر بن حجاج١ لكفى ذلك.
ومنها: إنهم أوجبوا التسعير بوضع حد أعلى للبيع إذا كان الناس في حاجة إلى المبيع ويلحقهم الحرج بعدم بيعه، وهذا مخالف لعموم ما أخرجه أبو داود وغيره من حديث العلاء بن عبد الرحمن٢.
عن أبي هريرة٣ ﵁ قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله سعر لنا، فقال: بل ادعوا الله، ثم جاء رجل فقال: يا رسول الله سعر لنا، فقال: بل الله يرفع ويخفض، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة" ٤.
فقالوا: إنه محمول على قضية خاصة معينة، وليس فيها أن أحداً امتنع من بيع ما الناس في حاجة إليه"٥.
ونقل ابن القيم عن شيخه أنه قال: إذا امتنع الناس من بيع ما يجب عليهم
стр. 283
بيعه، فهذا يؤمرون بالواجب، ويعاقبون على تركه، وكذلك كل من وجب عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع"١.
وقسمه ابن القيم إلى ما هو: ظلم حرام، وما هو عدل جائز، فقال: "فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل فهو جائز، بل واجب.
فأما القسم الأول: فمثل ما روى أنس قال: غلا السعر على عهد النبي ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، لو سعرت لنا، "فقال: إن الله هو القابض الرزاق، الباسط المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطالبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال" ٢.
فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم، وقد ارتفع السعر، إما لقلة الشيء وإما لكثرة الخلق، فهذا إلى الله، فإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق.
وأما الثاني: فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها، مع ضرورة الناس إليها، إلا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل، والتسعير ههنا إلزام بالعدل الذي ألزمهم الله به"٣.
والذي تفيده هذه النصوص أن علماء الحنابلة اعتمدوا الأخذ بالمناسب المرسل اعتماد من يراه أصلاً لاستنباط الأحكام إذا كانت المصلحة ملائمة لتصرفات الشارع، وإن لم يشهد لها نص معين.
стр. 284
قال ابن القيم: "وجماع الأمر أن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير سعر عليهم، تسعير عدل لا وكس، ولا شطط، وإذا اندفعت حاجتهم وقامت مصلحتهم بدونه لم يفعل"١.
"فإن قيل: فقد ذكر كثير من أتباع الإمام أحمد أصوله التي اعتمد عليها في البحث والاجتهاد، كابن القيم، ولم يذكر منها أصل الاستصلاح.
فالجواب أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى لم يكن يعد استصلاح أصلاً خاصاً برأسه بمعنى كونه قسيماً للكتاب والسنة والقياس، بل كان يعد ذلك معنى من معاني القياس، فهو أصل في استنباط المعاني من جملة الأدلة الأخرى وأخذ القياس بهذا المعنى الواسع كان اصطلاحاً يكاد يكون عاماً في صدر عصر الأئمة"٢.
والحاصل أنه قد اتضح مما نقلته عن الإمام أحمد وأتباعه اعتمادهم على الأخذ بالمناسب المرسل، وإن أخذهم به كان على نهج الصحابة، فلم يعتبروا من المصلحة إلا ما شهدت أصول الشريعة وقواعدها العامة باعتباره شأن المالكية حسبما تقدم أنهم يأخذون بكل مصلحة شهدت لها نصوص الشرع وقواعده العامة، وإن لم يشهد لها نص معين، شريطة أن لا تعارض نصاً، وأن تكون ملائمة لتصرفات الشارع، وأن يكون في الأخذ بها رفع لحرج لازم لو لم يؤخذ بها.
وبهذا يتم ما تقدم نقله عن ابن دقيق العيد من أن الإمام أحمد يلي مالكاً رحمهما الله في الأخذ بالمناسب المرسل، والله تعالى أعلم.
стр. 285
الفصل الخامس في ذكر أدلة مذهب القاضي ومن وافقه ومناقشتها
استدل أهل المذهب الثاني القائلون بمنع الأخذ بالوصف المناسب المرسل مطلقاً بما يأتي:
الأول: ما ذكره الغزالي "أن القاضي أبا بكر تمسك به في نفي اعتبار المناسب المرسل حيث قال أنه تمسك بثلاثة مسالك:
المسلك الأول: أن الاستدلال لو قيل به لصارت الشريعة فوضى بين العقلاء يتجاذبون بظنونهم أطرافها من غير التفات إلى الشريعة والنبي ﷺ إنما بعث ليدعوا الناس إلى أتباعه في قوله والمفهوم من قوله من المصالح، فأما ما يعين ابتداء، ولم يفهم منه فما بعث الشارع للدعاء إليه.
الثاني: أن المستدل إن لاحظ مصالح الشريعة فهو صحيح، وإن أضرب عنها فهو شارع تحقيقاً فيطالب بالمعجزة، فإنه افتتح أمراً لا مستند له في الشرع مع أن الرسول ﷺ كان خاتم النبيين، فكيف يفتتح بعده شرع؟
الثالث: إن قال: إذا وجب اتباع المصالح لزم تغيير الأحكام عند تبدل الأشخاص، وتغيير الأوقات، واختلاف البقاع عند تبدل المصالح وهذه تفضي إلى تغيير الشرع بأسره، وافتتاح شرع آخر لم يثبت من الشارع وهذا محال، أو أنهم يقولون نحن مع المصالح بشرط أن لا نهجم على نص الرسول ﷺ بالدفع"١.
ومقتضى كلامه ﵀ أن اعتبار الوصف المرسل يلزم عليه إحداث شرع جديد وإحداث شرع جديد باطل بالإجماع، لكون النبي ﷺ خاتم الأنبياء، وشريعته خاتمة الشرائع.
стр. 286
ووجه الإلزام في كون التمسك بالمناسب المرسل يقتضي إثبات شرع جديد من ثلاثة أوجه:
١ - إن اعتباره يؤدي إلى أن تكون الشريعة فوضى يتجاذبها العقلاء بحسب ظنونهم من غير التفات إلى ما جاء به النبي ﷺ ، وكل ما لا يلتفت فيه إلى ما جاء به النبي ﷺ فهو إحداث لشرع جديد.
وجه ذلك أن الوصف المرسل هو ما لم يشهد له الشرع باعتبار ولا إلغاء، فالعامل بمقتضى ذلك ليس له مستند سوى الظن، والعمل بالظن المجرد عن الدليل فيه التفات عن الشرع، ثم هو يؤدي إلى إحداث شرع جديد، وإحداث شرع جديد باطل، فالتمسك بالوصف المناسب المرسل باطل.
٢ - إن المعتبر للوصف المرسل إن لاحظ مصالح الشريعة فهذا صحيح مسلم به، وإن أضرب عنها بأن لم يلاحظها، فهو منشئ لشرع جديد، ولا شرع بعد رسول الله ﷺ ؛ لأنه خاتم الأنبياء، فالعامل بالوصف المرسل غير ملاحظ للشريعة، وإنما هو عامل بشرع جديد، ولا شرع بعد رسول الله ﷺ .
٣ - إن اعتبار الوصف المناسب يقتضي تغيير الأحكام عند تبدل الأشخاص والأماكن والأزمنة، لأن المصلحة تختلف باختلاف الأشخاص، فما يكون مصلحة لشخص، يكون مفسدة لغيره، وكذلك ما يكون مصلحة في زمن يكون مفسدة في زمن آخر، وكذلك الأمكنة، وتغيير الأحكام باعتبار ذلك يؤدي إلى تغيير الشرع، وإثبات شرع جديد، وإثبات شرع جديد باطل.
وظاهر من الأوجه الثلاثة أنها ترجع إلى شيء واحد هو إحداث شرع جديد بسبب اعتبار الوصف المناسب المرسل١.
وأجيب عنه بمنع الملازمة بين اعتبار الوصف المناسب المرسل وبين إحداث شرع جديد بالهوى من غير التفات إلى نصوص الشرع، لأن من اعتبر الوصف المرسل لم يكن مستقلاً بحكمه به من غير التفات إلى الشرع مطلقاً؛ لأنه وإن لم
стр. 287
يستند إلى دليل خاص غير أنه إنما اعتبره استناداً إلى القواعد العامة، والمقاصد الكلية التي يغلب على الظن دخول المصلحة تحتها، وفيما "ذكره القاضي عنهم من أنهم يقولون بالمصلحة بشرط عدم مصادمتها النص، هو أبلغ رد على مسالكه الثلاثة في رد الاستدلال المرسل.
فهو يرد الاستدلال الذي تتبع فيه الشهوات، وتعطل النصوص، وتغير به الشريعة، ويصبح المستدل فيه مشرعاً.
وأما القائلون بالاستدلال المرسل، فلا يقولون به إلا إذا انعدم النص؛ لأن المصلحة المرسلة فرع انعدامه، وإذا وجد فالمصير إليه أولاً وأخيراً، فلا يمكن أن يتصور التعارض بين النص والمصلحة المرسلة، علاوة على العمل بها في مصادمته وإبطاله"١.
الدليل الثاني: إن المصلحة في الوصف المرسل مترددة بين المصلحة التي اعتبراه الشارع، وبين المصلحة التي ألغاها، فيحتمل أن تكون مما اعتبره الشارع، ويحتمل أن تكون مما ألغاه، ومع قيام الاحتمال لا يصح اعتبارها وبناء الأحكام عليها لعدم وجود شاهد بالاعتبار يعرف أنها من قبيل المعتبر دون الملغى، لأن اعتبارها حينئذ ترجيح بدون مرجح٢.
وأجيب عنه بأن العمل بالمصالح المرسلة مبني على ظن اعتبارها وإلحاقها بالمصالح المعتبر اتفاقاً، ويدل لهذا ما قرر به البدخشي ما استدل به البيضاوي للقائلين بالمصلحة المرسلة، قال: "لأن الظن، اعتبار جنس المصالح يوجب ظن اعتباره"٣ أي الوصف المرسل.
قال البدخشي موجهاً لكلام البيضاوي: "لأنه إذا ظن أن في هذا الحكم
стр. 288
مصلحة غالبة على المفسدة ومعلوم أن كل مصلحة كذلك معتبرة شرعاً لزم ظن أن هذه المصلحة معتبرة، والعمل بالظن واجب"١.
فظهر أن لحوقها بكل من المعتبرة والملغاة ليس على السواء حتى يلزم عليه عدم الدليل، بل دل الدليل على أن لحوقها بالمعتبرة أرجح، والله أعلم.
الدليل الثالث: ما استدل به الزنجاني٢ للقاضي ومن معه في منع الاستدلال بجنس المصلحة قال: "إن الأصل أن لا يعمل بالظن، لما فيه من خطر فوات الحق إذ الإنسان قد يظن الشيء مفسدة وهو مصلحة، وقد يظنه مصلحة وهو مفسدة، غير أنا صرنا إلى العمل به عند الاستناد إلى أصل خاص، وهو الإجماع وبقينا فيما عدا ذلك على مقتضى الأصل"٣.
ومراده أن العمل بالمصلحة المجردة على الدليل عمل بالظن، والأصل عدم العمل بالظن؛ لأنه لا يؤمن فيه من الوقوع في الخطأ، وذلك لأن الإنسان لقصوره قد يرى ما يظنه مصلحة، وهو في الواقع مفسدة، وما يظنه مفسدة، وهو في الواقع مصلحة، والعمل بالظن في الشرع إنما جاز للاستناد إلى الدليل.
وذلك أن المجتهد إذا أعمل فكره في أدلة الشرع، وأداه فكره إلى ظن حكم شرعي، جاز له العمل به، للإجماع على جواز العمل بالظن المستند إلى دليل شرعي، ومنع العمل بالمصلحة التي لم تستند إلى دليل شرعي على ما هو الأصل من منع العمل بالظن المجرد عن الدليل، أجيب عنه بأنه وإن سلم أن الظن الذي لا مستند له إلا اتباع الهوى أنه لا يغني من الحق شيئاً، فإن الظن هنا وإن دخل في جنس الظن، غير أنه هنا مستند إلى قواعد الشرع، وأدلته العامة، وليس
стр. 289
للعقل فيه مجال إلا الاجتهاد والنظر في أدلة الشرع، ومن فيه أهلية الاجتهاد فله أن ينظر في أدلة الشرع، ليستنبط منها ما يؤديه إليه عقله واجتهاده.
فالقول المناسب المرسل إنما هو قول بمصالح مندرجة تحت مصالح عامة شهدت لها نصوص الشرع وقواعده، ومثل هذا ليس من الظن المحض الذي لم يستند إلى دليل.
فإن قيل: إن المعتبر من الأدلة، هو ما أفادته النصوص بدلالاتها أو حمل على ما أفادته بالقياس، وما عدا ذلك فليس معتبراً دليلاً شرعياً، أجيب بأن الشارع أقر الاجتهاد عند فقد نص الكتاب والسنة من غير قيد في الاجتهاد بكونه إلحاف فرع بأصل، فهو شامل للاجتهاد المصلحي، فيكون العمل بالمصلحة عملاً بالظن المعتبر، لدخوله في الاجتهاد الذي أذن فيه الشارع١.
الدليل الرابع: قالوا: "لو جاز ذلك - أي الحكم بالمصلحة المرسلة - لكان العاقل ذو الرأي العالم بوجوه السياسات إذا راجع المفتين في حادثة وأعلموه أنها ليست منصوصة، ولا أصل لها يضاهيها يجوز له حينئذ العمل بالأصوب عنده واللائق بطريق الاستصلاح، وهذا صعب لا يجترئ عليه متدين"٢.
وأجيب عنه: بأن "المصلحة المرسلة هي ما لم يرد فيها دليل بالاعتبار ولا بالإلغاء ومصلحة هذا وصفها تجل عن أن يحوم حولها العلماء الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد، فضلاً عن العامة والدهماء"٣، فليس كل ما يبدو للعقل أنه مصلحة يدخل في قبيل المصالح المرسلة، وتبني عليه الأحكام، وإنما هي المصالح التي يتدبرها من هو أهل لتعرف الأحكام من مآخذها حتى يثق بأنه لم يرد في الشريعة شاهد على مراعاتها أو إلغائها٤.
стр. 290
وإليك كلام القرافي في الرد على من زعم أن قول مالك بالمصلحة يجوز للعامة التجرأ على الإفتاء في الشريعة، قال: "وأما قولهم العالم بالسياسة، إذا أخبره المفتون بعدم الأصول، فيكون له الأخذ برأيه.
قلنا: لا يلزم ذلك فإن مالكاً يشترط في المصلحة أهلية الاجتهاد وأن يكون الناظر متكيفاً بأخلاق الشريعة، فينبو عقله وطبعه عما يخالفها بخلاف العالم بالسياسات إذا كان جاهلاً بالأصول يكون بعيد الطبع عن أخلاق الشريعة، فيهجم على مخالفة الشريعه من غير شعور"١.
ويقول الشيخ عمر الفاسي٢ في رسالته في الوقف مستبعداً ومستنكراً حول من ليس من أهل البحث والنظر في الأدلة في هذا المقام "وأنى للمقل أن يدعى غلبة الظن أن هذه المصلحة فيها تحصيل مقصود الشارع، وأنها لم يرد في الشرع ما يعارضها ولا ما يشهد لها بالإلغاء مع أنه لا بحث له في الأدلة، ولا نظر له فيها، وهل هذا إلا الاجتراء على الدين، وإقدام على حكم شرعي بغير يقين"٣.
стр. 291
الفصل السادس في ذكر أدلة مذهب الإمام الشافعي ﵀ وبيان موقفه من الأخذ بالمناسب المرسل
تمهيد
تقدمت نسبة المذهب الثالث للشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله وأنه يشترط لاعتبار المناسب المرسل: المناسبة وعدم البعد عن شهادة النصوص له.
ومما هو معلوم أنه لم يرد في أصول مذهب كل من الإمامين عدم الأخذ بالمناسب المرسل أصلاً مستقلاً لبناء الأحكام عليه، بل إنهما إنما اعتمدا في بناء الأحكام واستنباطها على الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وأقوال الصحابة ﵃.
أمام أبو حنيفة فسيأتي بيان أصول مذهبه في الفصل الآتي بعد هذا.
وأما الشافعي فإنه قد دون أصول مذهبه التي اعتمد عليها في الاستنباط وبناء الأحكام، وألزم نفسه بها، فهو الوحيد الذي ألف أصول مذهبه من بين الأئمة، بل هو أول من ألف في هذا الفن كتاباً مستقلاً على أرجح أقوال أهل الأصول، وإن كان بعضهم صرح بأسبقيته قال صاحب المراقي:
أول من ألفه في الكتب ... محمد بن شافع المطلب
وغيره كان له سليقه ... مثل الذي للعرب من خليقه
يعني أن أول من ألف علم الأصول في كتاب حتى صار فناً مستقلاً هو الإمام الشافعي محمد بن إدريس الشافعي المطلبي، ألفه في كتابه الرسالة الموجود بأيدينا وغير الشافعي من المجتهدين كالصحابة فمن بعدهم كانت معرفتهم لعلم أصول الفقه سليقة مركوزة في طبيعته كما كان علم العربية من نحو ولغة وتصريف وغيرها طبيعة في فطرهم"١.
стр. 292
أما الأدلة التي اعتبرها أصولاً لمذهبه فهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، وقول بعض الصحابة الذي لم يعلم له مخالف، واختلاف أصحاب رسول الله ﷺ والقياس.
وهذه الأدلة عنده طبقات بعضها أرفع من بعض، يدل لهذا ما ذكره في كتابه الأم حيث قال: العلم طبقات شتى.
الأولى: الكتاب والسنة، إذا ثبتت السنة.
ثم الثانية: الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سنة.
والثالثة: أن يقول بعض أصحاب النبي ﷺ قولاً ولا نعلم له مخالفاً منهم.
والرابعة: اختلاف أصحاب النبي ﷺ في ذلك.
والخامسة: القياس على بعض الطبقات.
ولا يصار إلى شيء غير الكتاب والسنة وهما موجودان، وإنما يؤخذ العلم من أعلى"١.
ولا يهمني هنا كون الشافعي اعتمد الكتاب والسنة شيئاًَ واحداً، لكونه جعل السنة بياناًَ للكتاب، وإنما الذي يهمني هو تصحيح إثبات نسبة القول بالمناسب المرسل للإمام الشافعي، واعتماده عليه في الاستنباط، وبناء الأحكام عليه، وإن لم يعتبره أصلاً مستقلاً، فإلى أدلة إثبات ذلك.
الدليل الأول: وردت نصوص عن الشافعي تدل على أنه يعتبر المرسل داخلاً في القياس، وإن لم يعده أصلاً مستقلاً من أصوله التي اعتمد عليها في استنباط الأحكام، وجعلها قاعدة لفروع الأحكام، إلا أنه يرى أنه قياس، لأن الاستدلال لا يعدو استنباط الحكم من معقول جملة نصوص شرعية شهدت لجنس المصلحة بالاعتبار.
ذلك أن الشافعي يرى أن نصوص الشرع وافية بحكم كل حادثة تحدث، فلا توجد واقعة إلا ولها دليل يدل عليها، إما بنصه أو معقوله، يدل لهذا قوله:
стр. 293
"فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة، إلا وفي كتاب الله دليل على سبيل الهدى فيها"١.
ويقول: "كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم أو على سبيل الحق فيه دلالة موجودة، وعليه إذا كان فيه بعينه حكم اتبعه، وإذا لم يكن فيه بعينه
طلب الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد والاجتهاد القياس"٢.
ويقول: "وليس يؤمر أحد أن يحكم بحق إلا وقد علم الحق، ولا يكون الحق معلوماً إلا عن الله نصاً، أو دلالة عن الله، فقد جعل الله الحق في كتابه، ثم سنة نبيه ﷺ ، فليست تنزل بأحد نازلة إلا والكتاب ينص عليها نصاً أو جملة ... فإن قال قائل: أرأيت ما لم يمضِ فيه كتاب ولا سنة ولا يوجد الناس، اجتمعوا عليه فأمرت بأن يؤخذ قياساً على كتاب أو سنة يقال لهذا قيل عن الله؟ قيل: نعم قيلت جملة عن الله، فإن قيل: ما جملته؟ قيل: الاجتهاد فيه على الكتاب والسنة٣.
ويقول: "والحق فيما أمر الله ورسوله باتباعه، أو دل الله ورسوله عليه نصاً أو استنباطاً بدلائل"٤.
فهذه النصوص تدل على أن الشافعي يرى أن كل حادثة تقع لمسلم ففي كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ دليل على حكمها إما نصاً أو استنباطاً من معقول النص بالقياس، وإذا كان استنباط الحكم فيما ليس فيه نص يعد اتباعاً للنص، وأخذاً للحكم من معقول النص ويقال فيه أنه قيل عن الله تعالى، فالاجتهاد والقياس إذن عند الشافعي بمعنى واحد، وهذا يقتضي القول بالاستدلال؛ لأن الاستدلال لا يعدو استنباط الحكم من معقول جملة نصوص شرعية شهدت لجنس المصلحة بالاعتبار، وإن لم يشهد لها نص معين، وعلى هذا فمتى توصل
стр. 294
المجتهد إلى حكم فهو متبع للنص، ولذا فهو يقول: "فليست تنزل بأحد من أهل دين الإسلام نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها".
ويقول: "وكل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم، أو علي سبيل الحق في دلالة موجودة وعليه إذا كان فيه بعينه حكم أتبعه، وإذا لم يكن فيه بعينه طلب الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد والاجتهاد "القياس".
ومما يدل على أن الشافعي يسوي بين القياس والاجتهاد وأن القياس عنده شامل للاستدلال ما نقله عنه الزنجاني ونصه: "ذهب الشافعي ﵁ إلى أن التمسك بالمصالح المستندة إلى كلي الشرع وإن لم تكن مستندة إلى الجزئيات الخاصة جائز"١.
فالاستدلال عند الشافعي داخل في القياس بالمعنى الأعم، يقول البوطي٢: "أما الاستصلاح فهو من قبيل الاجتهاد على طلب الشيء والبحث عنه، وذلك لما قلنا من أنه داخل في مقاصد الشارع لاحق بالعهود من أحكامه وقواعده، وهو بذلك يعتبر لوناً من ألوان القياس عنده - يعني الشافعي - ولذا يقول: "الاجتهاد أبداً لا يكون إلا على طلب شيء، وطلب الشيء لا يكون بدلائل، والدلائل هي القياس"٣.
فكلام البوطي صريح في أن الشافعي يرى أن الاستدلال نوع من أنواع القياس، وأنه اعتبره دليلاً لاستنباط الأحكام وتفريعها عليه، لأن الاجتهاد أعم من أن يكون قياس نظير على نظير، فهو كما يكون كذلك يكون بتطبيق مقاصد الشرع، واعتبار كل ما دلت عليه نصوص الشرع في الجملة، وهذا هو الاستدلال المرسل، ويؤيد ذلك ما ذهب إليه العز بن عبد السلام٤ من اعتبار المرسل مما يدل
стр. 295
على أنه سلك مسلك إمامه في اعتبار المرسل فهو يقول: "ومن تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها، وإن لم يكن فيها إجماع ولا نص ولا قياس، خاص فإن فهم نفس الشرع يوجب ذلك"١.
وظاهر من كلام العز أنه يرى اعتبار المناسب المرسل، حيث بنى اعتباره على حصول العلم، أو العرفان باعتبار المصلحة، وإن لم يكن فيها نص ولا إجماع ولا قياس خاص، بمعنى أنه لم يشهد لها نص معين، وإن شهدت لها نصوص الشرع وقواعده العامة في الجملة لأن مناسبتها إنما تكون بذلك.
ويدل على المصلحة بهذا الاعتبار تعد قياساً عند الشافعي، ما ذكره الغزالي ونصه: "كل مصلحة ملائمة، فيتصور إيرادها في قالب قياس بجمع متكلف يعتمد التسوية في قضية عامة، لا تتعرض لعين الحكم ... بمعنى مناسب فهو الذي نريده بالاستدلال المرسل.
وكيف لا ينتظم هذا الشكل؟ وما من مسألة إلا ويمكن أن يقال: هذه مصلحة على وجه كذا، فينبغي أن تراعى قياساً على مسألة كذا، والمصلحة عبارة تشتمل مختلفة تندرج تحت المتباعدات، وتنتظم بالتحرير فيها صورة القياس، وهذا غير منكر جريانه في الاستدلال المرسل"٢.
ثم إن تصريح العز بن عبد السلام باعتبار المصلحة وإن لم يشهد لها قياس خص يدل على أنه يرى أن القياس نوعان:
стр. 296
أحدهما: خاص وهو الذي يجمع فيه بين النظرين بعلة خاصة.
والثاني: عام، وهو الذين يندرج تحت علة عامة بمعنى أنه يكون اعتبار المصلحة بشهادة الأصول والقواعد العامة، وإن لم يشهد لها نص معين.
فما ذهب إليه هنا من انقسام القياس إلى: خاص وعام، وهو عين ما قررت أن الشافعي ذهب إليه من أن القياس شمال للاستدلال المرسل، وعلى هذا يكون القياس خاصاً وعاماً يشملهما الاجتهاد.
يقول الشافعي: "الاجتهاد أبداً لا يكون إلا على طلب شيء، وطلب الشيء لا يكون إلا بدلائل، والدلائل هي القياس"١.
فهذا صريح في أن الاستدلال عنده من قبيل الاجتهاد في طلب الشيء والبحث عنه، وذلك لدخوله في مقاصد الشرع٢.
الدليل الثاني: ما نقله الزركشي عن ابن برهان أنه قال: "إن كانت المصلحة ملائمة لأصل كلي من أصول الشريعة، أو لأصل جزئي، جاز بناء الأحكام عليها، وإلا فلا، ونسبه ابن برهان في الوجيز للشافعي، وقال: إنه المختار"٣.
الدليل الثالث: قال إمام الحرمين: "ذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة إلى اعتماد الاستدلال، وإن لم يستند إلى حكم متفق عليه في أصل، ولكنه لا يستجيز النأي، والبعد والإفراط، إنما يسوغ تعليق الأحكام بمصالح يراها شبيهة بالمصالح المعتبرة وفاقاً، وبالمصالح المستندة إلى أحكام ثابتة الأصول قارة في الشريعة"٤.
الدليل الرابع: ما ذكره إمام الحرمين أيضاً فإنه قال: "وأما الشافعي فإنه
стр. 297
قال: إنا نعلم قطعاً أنه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى معزو إلى شريعة محمد ﷺ على ما سنقرر في كتاب الفتوى - والذي يقع به الاستقلال هاهنا هو أن الأئمة السابقين لم يخلوا واقعة على كثرة المسائل وازدحام الأقضية والفتاوى - عن حكم الله تعالى، ولو كان ذلك ممكناً لكانت تقع، وذلك مقطوع به أخذاً من مقتضى العادة، وعلى هذا علمنا بأنهم ﵃ استرسلوا في بناء الأحكام استرسال واثق بانبساطها على الوقائع، متصد لإثباتها فيما يعن ويسنح متشوف إلى ما سيقع ولا يخفى على المنصف أنهم ما كانوا يفتون فتوى من تنقسم الوقائع عنده إلى: ما يعرى عن حكم الله، وإلى ما لا يعرى عنه، فإذا تبين بنينا عليه المطلوب، وقلنا: لو انحصرت مآخذ الأحكام في المنصوصات والمعاني المستثارة منها، لما اتسع باب الاجتهاد فإن المنصوصات ومعانيها المعزوة إليها لا تقع في متسع الشريعة غرفة من بحر، ولو لم يتمسك الماضون بمعان في وقائع لم يعهد أمثالها، لكان وقوفهم عن الحكم يزيد على جريانهم، وهذا إذا صادف تقريراً لم يبق بمنكري الاستدلال مضطرباً، ثم عضد الشافعي هذا بأن قال: من سبر أحوال الصحابة ﵃ وهم القدوة والأسوة في النظر، لم ير لواحد منهم في مجالس الاستشوار تمهيد أصل، أو استثارة معنى ثم بناء الواقعة عليه، ولكنهم يخوضون في وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول كانت أو لم تكن، فإذا ثبت اتساع الاجتهاد واستحال حصر ما اتسع منه في المنصوصات، وانضم إليه عدم احتفال علماء الصحابة بتطلب الأصول - أرشد مجموع ذلك إلى القول بالاستدلال.
ثم قال: ومما يتمسك به الشافعي ﵁ أن يقول: إذا استندت المعاني إلى الأصول فالتمسك بها جائز وليست الأصول وأحكامها حججاً، وإنما الحجج في المعنى، ثم المعنى لا يدل بنفسه حتى يثبت بطريق إثباته وأعيان المعاني ليست منصوصة وهي المتعلق، فقد خرجت المعاني عن ضبط النصوص وهي متعلق النظر والاجتهاد، ولا حجة في انتصابها لا تمسك الصحابة رضي الله عنهم
стр. 298
بأمثالها، وما كانوا يطلبون الأصول في وجوه الرأي، فإن كان الاقتداء بهم فالمعاني كافية، وإن كان التعلق بالأصول فهي غير دالة ومعانيها غير منصوصة.
ومن تتبع كلام الشافعي لم يره متعلقاً بأصل، ولكنه ينوط الأحكام بالمعاني المرسلة، فإن عدمها التفت إلى الأصول مشبهاً كدأبه إذ قال طهارتان فكيف يفترقان؟ ١.
ثم بين أن الشافعي يشترط في قبول المصلحة المرسلة أن تكون شبيهة بالمصالح المعتبرة، فيقول: "وقد ثبتت أصول معللة اتفق القائسون على عللها، فقال الشافعي: أتخذ تلك العلل معتصمي وأجعل الاستدلالات قريبة منها، وإن لم تكن أعيانها حتى كأنها مثلاً أصول، والاستدلال معتبر بها، أو اعتبار المعنى بالمعنى تقريباً أولى من اعتبار صورة بمعنى جامع، فإن متعلق الخصم من صورة الأصل معناها لا حكمها، فإذا قرب معنى المجتهد والمستدل فيما يجتهد إلى الشرع، ولم يرده أصل كان استدلالاً مقبولاً٢.
ووجه الاستدلال هنا في كلام إمام الحرمين على اعتبار الشافعي المناسب المرسل أصلاً من أصول الاستنباط في بناء الأحكام عليه هو: أنه لا تخلو حادثة عن حكم الله تعالى مع كثرة الحوادث وتجددها قطعاً، ويستدل لذلك بأن الأئمة السابقين لم يخلوا واقعة عن حكم الله تعالى مع كثرة الوقائع إذ لو حصل ذلك لنقل إلينا، فلما لم ينقل إلينا علمنا نه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى مع استرسالهم في إعطاء كل واقعة حكماً يستلزم اعتمادهم على الاستدلال المرسل، لأن النصوص وما حمل عليها بالقياس محصور، والوقائع غير محصورة، والمحصور لا يفي بغير المحصور، لذلك لزم الاعتماد على المعاني الكلية، والقواعد العامة التي دلت نصوص الشرع على اعتبارها في الجملة، وإذا كانت النصوص وما حمل عليها لا تفي بإعطاء كل حادثة حكماً مع كثرة الحوادث وتجددها، لزم أن يعتمد المجتهد
стр. 299
في إعطاء كل حادثة حكماً على المعاني الكلية العامة، وهذا هو عين الاستدلال المرسل.
ولما كان اعتبار مثل هذا يحتاج إلى دليل فقد بين أن الشافعي عضد استدلاله هذا بأن الصحابة ﵃ كانوا يعتمدون فيما لم يرد فيه نص على المصالح التي شهدت النصوص لاعتبارها في الجملة، وإن لم يشهد لها نص معين فإنه قال: "لم يرو عن أحد منهم في مجالس الاستشوار تمهيد أصل أو استثارة معنى ثم بناء الواقعة عليه، ولكنهم يخوضون في وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول كانت أو لم تكن، يعني بذلك والله أعلم أن محل ذلك فيما لم يرد فيه نص ميعن أو لم يكن فيه قياس إلحاق بنظير، لأن الصحابة ﵃ كانوا يعتمدون في الفتوى على الأصول التي شهدت لها النصوص بالاعتبار ولو كانت في الجملة وإن لم يذكروا هذه الأصول وتلك الفتوى لقوة معرفتهم بالأصول ومقاصدها فهم لم يكونوا محتاجين بعد إلى ذكر مثل ذلك.
ثم بين أن المراد من النصوص معانيها، والمعاني ليست منصوصة على سبيل التعيين، والمعاني إذا استندت إلى الأصول جاز التمسك بها، وعلى هذا فلا يمكن التمسك بالنصوص وحدها أو الأصول بمفردها، لأنها لا تفي في الدلالة على حكم كل واقعة بعينها، كما أن المعاني الجزئية لا تفي أيضاً بذلك.
وعلى هذا فلا بد من التمسك بالمعاني الكلية التي ترجع إلى أصول الشرع وقواعده العامة، وهذا هو الاستدلال المرسل.
ثم بين أن الشافعي إنما يعتبر المصلحة إذا كانت شبيهة بالمصالح المعتبرة وقريبة من معاني الأصول الثابتة، وإن لم يشهد لها أصل معين، لأنه يرى أن اعتبار المعنى بالمعنى تقريباً أولى من اعتبار صورة بصورة، بمعنى جامع، وهذا هو الاستدلال المرسل، لأنه اعتبار مصلحة لمشابهتها مصلحة أخرى تشترك معها في جنس عام دل الشرع على اعتباره في الجملة بشرط أن لا تعارض نصاً، فإن عارضها نص كان ذلك دليلاً على إلغائها١.
стр. 300
ولقد لخص الغزالي هذا الدليل وذكر اعتراضاً أورد القاضي على ما استدل به من استرسال الصحابة في إعطاء كل حادثة حكماً الخ، وأجاب عنه بما نصه: قال: "لعلهم كانوا يعتمدون معاني يعلمون أن أصول الشريعة تشهد لها، وإن كان لا يعينونها، كالفقيه يتمسك في شأن المثقل بقاعدة الزجر، فلا يحتاج إلى تعيين أصل".
ثم قال جواباً عنه: "والذي نختاره أن هذا في مظنة الاحتمال، والاحتكام عليهم بعد تمادي الزمان لا معنى له"١.
الدليل الخامس: "أن معاذ بن جبل٢ ﵁ قال: "اجتهد رأيي حيث قال له رسول الله ﷺ "فإن عدمت النص" ٣ فأثنى عليه رسول الله ﷺ ، وإعدام نص يشعر بإعوازه، وإعوازه المفهوم عنه واجتهاد الرأي مشعر باتباع قضية النظر في المصلحة، ولم يكلفه الشارع ملاحظة النصوص معه"٤.
فدل هذا على أن النبي ﷺ أقر معاذاً على الاجتهاد وأثنى عليه، والاجتهاد الذي أقره عليه وأثنى عليه بسببه أعم من أن يكون قياس نظير، فهو كما يكون كذلك، يكون بتطبيق مقاصد الشريعة واعتبار كل ما دلت النصوص على اعتباره في الجملة، وهذا هو الاستدلال المرسل، ويدل لهذا قول الغزالي واجتهاد الرأي مشعر باتباع قضية النظر في المصلحة، ولم يكلفه الشارع ملاحظة النصوص".
стр. 301
والظاهر أن معنى هذه العبارة "أن الشارع لم يقل لمعاذ إن اجتهدت فلاحظ النصوص ومعانيها ولا تخرج عن ذلك أن المعاني التي خرجت عن النصوص والأقيسة، فكأن وجه الاستدلال مكون من جهتين:
الأولى: التمسك في الأحكام بغير النصوص.
الثانية: عدم المطالبة بملاحظة النصوص عند الاجتهاد بل الاكتفاء بالرأي المفيد في فهم مقاصد الشريعة.
وهذه الزيادة، وهي قول ولم يكلفه الشارع الخ، لها مكانتها في تمام الاستدلال بالحديث، إذ القاضي ومن سلك مسلكه من منكري المصلحة لا ينكرون التعلق بما عد الكتاب والسنة مطلقاً، وإنما ينكرون بعض ذلك، وهو المصلحة، فلا بد في الرد عليهم من زيادة عدم مطالبته ﵊ له بملاحظة الأدلة الخاصة عند الاجتهاد.
واسم الرأي: شامل لما يلتفت فيه إلى الأدلة الخاصة في استنباط الأحكام كالقياس الذي لا بد فيه من وجود أصل دل عليه النص، وإلى ما لا يلتفت فيه إلى ذلك بل إلى الأدلة العامة، ومقاصد الشريعة"١.
"وعلى هذا النحو يعالج قدماء الشافعية رعاية المصلحة فيؤكدون أن الشارع قد راعى المصالح جميعها، ثم يحتمون رعاية كل مصلحة جزئية لم يراعها الشارع بذاتها، هذا ما دامت مصلحة فعلاً لأن فهم نفس الشرع يوجب هذه الرعاية.
أما المتأخرون من فقهاء الشافعية فيدعون أن إمامهم لم يقل بالمصالح، وأن الجويني يوافق مالكاً في القول بها ناسين أن في مذهبهم فروعاً كثيرة لا مستند لها إلا رعاية المصلحة، وأنهم مهما يقولون في تعليل عدول الإمام عن مذهبه القديم إلى مذهب آخر جديد بعد أن قدم مصر - فليسوا مستطيعين أن ينكروا أن المصلحة - كما رأى صورها في مصر تختلف عما رآها عليه في بغداد، وأن هذا كان
стр. 302
أحد الأسباب التي عدل على ضوئها بعض آرائه وغير فيها"١.
وإليك بعض الفروع التي كان اعتماد الشافعية فيها على اعتبار المناسب المرسل.
١ - ما نقله الربيع٢ عن الإمام الشافعي أنه قال: "الرجوع عن الشهادات ضربان، فإذا شهد الشاهدان أو الشهود على رجل بشيء يتلف من بدنه أو ينال مثل قطع أو جلد أو قصاص في قتل أو جرح، وفعل ذلك به ثم رجعوا فقالوا: عمدنا أن ينال ذلك منه، فهي كالجناية عليه، ما كان فيه من ذلك قصاص خير بين أن يقتص، أو يأخذ العقل، وما لم يكن فيه قصاص أخذ فيه العقل وعزروا دون الحد"٣.
٢ - وهو قريب من الأول قال: ولو شهدوا على رجل أنه طلق امرأته ثلاثاً، فرق بينهما الحاكم ثم رجعوا ألزمهم الحاكم صداق مثلها، إن كان دخل بها، وإن لم يكن دخل بها غرمهم نصف صداق، مثلها لأنهم حرموها عليه، ولم يكن لها قيمة إلا مهر مثلها، ولا التفت إلى ما أعطاها قل أو كثر، إنما التفت إلى ما التفتوا عليه، فاجعل له قيمة٤.
فالقول بالقصاص من الشهود بما نيل من المشهود عليه بسبب شهادتهم إذا اعترفوا بأن شهادتهم عليه كانت زوراً لقصد أن ينال منه، وتغريمهم ما فات عليه بسبب شاهدتهم لم يدل عليه نص معين، وإنما هو مصلحة اقتضتها عصمة الدم والمال، والأخذ بها ملائم لتصرفات الشرع، إذ لو لم يؤخذ بها لكان كل من أراد
стр. 303
النيل من غريمه اتخذ الشهادة وسيلة إلى بلوغ مراده، لعلمه أنه لا يقتص منه ولا يغرم ما فوته على من شهد عليه.
٣ - قال عز الدين: "ولم عم الحرام الأرض، بحيث لا يوجد فيها حلال، جاز أن يستعمل من ذلك ما تدعو إليه الحاجة، ولا يقف تحليل ذلك على الضرورات؛ لأنه لو وقف عليها، لأدى إلى ضعف العباد، واستيلاء أهل الكفر والعناد على بلاد الإسلام، ولا يقطع الناس عن الحرف والصنائع والأسباب التي تقوم بمصالح الأنام"١.
ثم وضح وجه اعتبار ذلك وأنه لا يقف تحليل استعمال الحرام على الضرورات، لأنه لو وقف عليها، لأدى إلى الحرج بضعف المسلمين وأن اعتبار مثل هذا وإن لم يدل عليه نص معين، غير انه دلت عليه نصوص الشرع وقواعده العامة.
قال: "ومن تتبع مقاصد الشرع بجلي المصالح ودفع المفاسد حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها، وإن لم يكن فيها إجماع، ولا نص، ولا قياس خاص، فإن فهم نفس الشرع يوجب ذلك"٢.
والحاصل أنه اتضح لنا مما تقدم أن الشافعي ﵀ يعتبر الاستدلال المرسل، ويأخذ به وإن كان يرى أنه من باب القياس العام أي من باب الأخذ بالمصلحة التي شهدت لها نصوص الشرع وقواعده العامة، وإن لم يشهد لها نص معين، وكذلك علماء مذهبه وهذا هو بعينه الاستدلال المرسل، لأنه في الحقيقة قياس في الجملة فقد فيه أحد أركان القياس وهو الأصل.
فإن قيل: هل معنى هذا أن الشافعي يقول بالاستدلال المرسل مطلقاً؟
أجيب بأنه كما تقدم نقله عن إمام الحرمين أنه يقول بالاستدلال بشرط أن
стр. 304
تكون المصلحة قريبة، وشبيهة بالمصالح المعتبرة، وهذا هو بعينه المصلحة المرسلة، إذ هي المصلحة الداخلة تحت مقاصد الشرع الملائمة لها، وإن لم يشهد لها نص بالاعتبار ولا بالإلغاء، وإن كانت نسبة الملائمة فيها تختلف باختلاف جزئيات مسائلها قوة وضعفاً.
أما إذا لم تكن المصلحة ملائمة ولا داخلة تحت مقاصد الشرع، فهي حينئذ ملغاة، فلا تدخل تحت تعريف المصلحة المرسلة، والله تعالى أعلم.
стр. 305
الفصل السابع في رأي أبي حنيفة وأتباعه في اعتبار المناسب المرسل
تمهيد
أشرت فيما سبق إلى أن أبا حنيفة ﵀ لم يدون أصول مذهبه التي كان يعتمد عليها في الاستنباط وتفريع الأحكام، شأنه في ذلك شأن مالك وأحمد رحمهما الله تعالى، غير أنه مما لا شك فيه أنه كان يقيد نفسه في الأقيسة التي كان يقيسها، وفي طريقة استنباطه للأحكام واستخراج العلل بأصول وقواعد يلزم نفسه بها، ولا يخرج عنها، وإن لم يدونها.
وكيف لا تكون له أصول يعتمد عليها وهو إمام مدرسة أهل الرأي في زمنه؟! وقد عرف بكثرة تفريع المسائل فهو وإن لم تؤثر عنه أصول مفصلة للأحكام التي كان يستنبطها، فلا بد أن تكون له أصول يلاحظها ويربط نفسه بها في استنباط الأحكام، وإن يدونها كما لم يدون فروعه، فإن التناسق والتجانس الفكري بين أنواع الفروع التي رويت عنه يدل على أنه كان يقيد نفسه بقواعد لا يخرج عنها، وكونه لم يدون أصول مذهبه فهذا ليس دليلاً على عدم وجودها فشأنه في ذلك شأن غيره من أئمة المذاهب الذين لم يدونوا أصول مذاهبهم غير أن أتباعهم دونوها.
وليس للباحث إلا أن يسلم صحة ما نسبه علماء المذهب لإمامهم وإذا كان علماء الأحناف دونوا أصولاً اعتبروها أصول مذهب إمامهم والتزموها في استنباط الأحكام وتفريع الفروع على أنها أصول مذهب الإمام، فليس لنا إلا اعتبار ذلك، وإن لم تتصل لنا نسبة ذلك إليه، ويدل لهذا ما جاء في تاريخ بغداد، نقلاً عن أبي حنيفة ونصه: "آخذ بكتاب الله فإن لم أجد فبسنة رسول الله ﷺ فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ ، أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول من شئت منهم، وأدع من شئت منهم، ولا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، فأما إذا انتهى
стр. 306
الأمر، أو جاء الأمر إلى: إبراهيم١، والشعبي٢، وابن سيرين٣، والحسن٤، وعطاء٥، وسعيد بن المسيب٦، وعد رجالاً قوم اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا٧.
وجاء في الانتقاء لابن عبد البر٨ مثل هذا٩.
стр. 307
فهذا النص يدل على أن أبا حنيفة١ كان يعتمد في استنباط الأحكام وتفريع المسائل على كتاب الله ثم سنة نبيه ﷺ ثم أقوال أصحابه يختار منها ما شاء ويدع ما شاء، ولا يخرج عنهم، فإن لم يجد مطلبه في الأدلة المذكورة اجتهد رأيه.
وذكر الموفق المكي٢ في كتابه مناقب أبي حنيفة ما نصه: "كلام أبي حنيفة أخذ بالثقة وفرار من القبح والنظر في معاملات الناس، وما استقاموا عليه وصلح عليه أمرهم يمضي الأمور على القياس، فإذا قبح يمضيها على الاستحسان ما دام يمضي له، فإذا لم يمض له رجع إلى ما يتعامل المسلمون به، فكان يوصل الحديث المعروف الذي قد أجمع عليه ثم يقيس عليه ما دام القياس سائغاً، ثم يرجع إلى استحسان٣ أيهما كان أوفق رجع إليه.
стр. 308
قال سهل١: "هذا علم أبي حنيفة ﵀ علم العامة"٢.
وواضح مما نقله عنه إنه كان يعتبر القياس أصلاً حيث لا نص ولا قول صحابي ما دام سائغاً، فإن لم يبق سائغاً أخذ بالاستحسان ما استقام له، فإن لم يستقم له أخذ بما يتعامل به الناس، وهو العرف، والأخذ بالعرف والاستحسان يقتضي اعتبار المناسب المرسل.
فعدم ورود عدم الاستدلال المرسل أصلاً من الأصول التي نقل أنه كان يعتمد عليها في استنباط الأحكام لا يعني أنه لم يأخذ به، بل لعل في تصريحه بعمله بالاجتهاد ورجوعه إلى ما يتعامل به الناس عند عدم صلاحية القياس دليلاً على اعتبار الأخذ بالمناسب المرسل، لأن اعتبار ما يتعامل به المسلمون هو الأخذ بالعرف٣.
وبعد هذا التمهيد نعود إلى ذكر الأدلة الدالة على اعتبار الحنفية المناسب المرسل مما يقتضي أن يكون اعتبارهم له اتباعاً لإمامهم، وهذه الأدلة هي:
١ - أنهم يعتمدون على الاستحسان والعرف في استنباط الأحكام، وتفريع الفروع عليهما، مما يدل على اعتبارهم للمناسب المرسل.
٢ - نقول عن الأحناف تدل على ذلك.
٣ - فروع تدل على أن الأخذ بها كان اعتماداً على المناسب المرسل.
الدليل الأول: ما تقدم نقله عن الموفق المكي حيث قال: "كلام أبي حنيفة
стр. 309
أخذ بالثقة، وفرار من القبح والنظر في معاملات الناس، وما استقاموا عليه وصلح عليه أمرهم يمضي الأمور على القياس، فإذا قبح القياس يمضيها على الاستحسان ما دام يمضي له فإذا لم يمض له رجع إلى ما يتعامل المسلمون به"١.
فهذا النص صريح في أن أبا حنيفة ﵀ كان يأخذ بالاستحسان والعرف، وأما الاستحسان فهو كما نقله عنه أصحابه كان أرحب مجال له في المناقشة والاستدلال، ولذا قال محمد بن الحسن٢: "إن أصحابه كانوا ينازعونه القياس، فإذا قال: استحسن لم يلحق به أحد" ٣.
وكان في إكثاره من الاستحسان والاعتماد عليه مثار نقد وطعن في فقهه ممن لم يقف على حقيقة معنى الاستحسان عند أبي حنيفة حيث حمله على محض القول المجرد عن الدليل، كما فهمه الشافعي ﵀ ورد عليهم.
وعلى فرض أن الاستحسان شامل للقول المجرد عن الدليل العاري عن أي دليل فهو أيضاً شامل من باب أولى لدليل الرأي المستند إلى ما يعضده من المصالح التي شهدت أصول الشرع وقواعده العامة باعتبارها "ومعنى هذا أن القدر الذي أنكره الشافعي من الاستحسان غير شامل لما ينطبق عليه اسم الاستصلاح بدليل ... إنه هو بنفسه كان يأخذ به تحت اسم القياس، وإذا فالقدر الذي يدخل منه في باب الاستصلاح، وهو ما سموه باستحسان المصلحة، ليس هو المراد بإنكار الشافعي للاستحسان، وما جاء في كلامه حوله"٤.
ولذلك حاول الحنفية بيان معنى الاستحسان بما يخرجه عن كون الأخذ به
стр. 310
عملاً بالتشهي، وقولاً بمحض الرأي العاري عن الدليل الشرعي، بل حاولوا بيان أن القول به قول بالدليل الشرعي، وإليك أهم التعريفات الدالة على ذلك:
١ - ما نقله السعد عن الكرخي حيث قال: "إنه العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلا خلافه بوجه هو أقوى"١ يقتضي العدول عن الأول.
٢ - قال السرخسي: "الاستحسان في الحقيقة قياسان: أحدهما جلي ضعيف الأثر، فيسمى قياساًَ، والآخر خفي قوي الأثر، فيسمى استحساناً أي قياساً مستحسناً، فالترجيح بالأثر لا بالخفاء والظهور".
ويقول: "كان شيخنا يقول: الاستحسان ترك القياس، والأخذ بما هو أوفق للناس" وقيل: الاستحسان طلب السهولة في الأحكام فيما يبتلى فيه الخاص والعام.
وقيل الأخذ بالسعة، وابتغاء الدعة، وقيل الأخذ بالسماحة وابتغاء ما فيه الراحة.
وحاصل هذه العبارات أنه ترك العسر لليسر وهو أصل في الدين قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٢، وقال ﷺ : "خير دينكم اليسر" ٣.
وبيان هذا أن المرأة عورة من قرنها إلى قدمها، وهو القياس الظاهر، وإليه أشار رسول الله ﷺ فقال: "المرأة عورة مستورة" ٤ ثم أُبيح به النظر إلى بعض المواضع منها للحاجة والضرورة، فكان ذلك استحساناً لكونه أرفق بالناس"٥.
стр. 311
٣ - ما ذكره صاحب التوضيح ونصه: "أنا نعني به - يعني الاستحسان - دليلاً من الأدلة المتفقة عليها يقع في مقابلة القياس الجلي، فلا يمكن إنكاره لأنه إما من باب الأثر ... وإما من باب الإجماع، أو الضرورة، وإما بالقياس الخفي١.
فمعنى كلام الكرخي أنه قد "يجيء الحكم مخالفاً لقاعدة مطردة لأمر يجعل الخروج عن القاعدة أقرب إلى الشرع من الاستمساك بالقاعدة، فيكون الاعتماد عليه أقوى استدلالاً في المسألة من القياس.
ويصوران الاستحسان كيف ما كانت صوره وأقسامه، يكون في مسألة جزئية ولو نسبياً في مقابلة قاعدة كلية، فيلجأ إليه الفقيه في هذه الجزئية لكيلا يؤدي إلى الإغراق في القاعدة إلى الابتعاد عن الشرح في روحه ومعناه"٢.
وأما قول شمس الأئمة السرخسي: "إنه الأخذ بما هو أرفق بالناس، وأنه طلب السهولة في الأحكام فيما يبتلى فيه الخاص والعام"، فإنه تنبيه على أن معظم الأحكام التي أخذ بها كثير من الأئمة استصلاحاً خرجت مخرج الاستحسان عند أبي حنيفة عن القاعدة العامة، وذلك لأمر يجعل الخروج عن القاعدة أقرب إلى الشرع.
ولذا قال: "وحاصل هذه العبارات أنه ترك العسر لليسر، وهو أصل الدين" ثم استدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٣.
ويقول: "إن المرأة عورة ثم أُبيح النظر إلى بعض المواضع منها للحاجة والضرورة، فكان ذلك أرفق بالناس".
стр. 312
ومن المعلوم أن الحاجة العامة في حق عامة الناس تتنزل منزلة الضرورة في حق الفرد لما تقدم عن السرخسي في قوله في الاستحسان: "إنه ترك العسر لليسر" ثم يقول: أنه أصل قطعي في الدين الخ.
ويدل له أيضاً ما قاله ابن نجيم١ ونصه: "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة، ولهذا جوزت الإجارة على خلاف القياس للحاجة.
ولذا قلنا: لا يجوز إجارة بيت بمنافع بيت لاتخاذ جنس المنفعة فلا حاجة، بخلاف ما إذا اختلف، ومنها ضمان الدرك٢ جوز على خلاف القياس.
ومن ذلك جواز السلم٣ على خلاف القياس، لكونه بيع المعدوم دفعاً لحاجة المفاليس٤ ومنها جواز الاستصناع للحاجة، ودخول الحمام مع جهالة مكثه فيها، وما يستعمله من مائها وشربة السقاء، ومنها الإفتاء بصحة بيع الوفاء حين كثر الدين على أهل بخارى وهكذا بمصر، وقد سموه بيع الأمانة والشافعية يسمونه الرهن المعاد٥، فكلام ابن نجيم هنا ظاهر في أنه أطلق تنزيل الحاجة منزلة الضرورة سواء كانت عامة أو خاصة، والمعروف هو أنه إنما تنزل الحاجة منزلة
стр. 313
الضرورة إذا كانت عامة، ثم إن الأمثلة التي ذكرها لم تتضمن مثالاً يتضمن تنزيل الحاجة الخاصة منزلة الضرورة، كما أن الأمثلة التي مثل بها ما هو منصوص عليه كالسلم والإجارة وقد عد البعض هذا من الاستحسان بالنص، وذكر أمثلة اعتبرها البعض الآخر من باب الاستحسان بالإجماع كالاستصناع ودخول الحمام، والشرب من السقاء، وهذه أساس الفتوى فيها هو الحاجة المنزلة منزلة الضرورة، غير أنه أورد عليه أن الفتوى فيها كانت بعد تعارف الناس عليها فهي من العرف على هذا.
وقد يجاب عنه: بأن بدأ العرف الخاص بها لا يمنع من صحة فتوى الفقيه بها، وعلى هذا فمن نظر إلى بدأ العمل بها قال: إن أساس الاستحسان فيها هو العرف، ومن نظر إلى صحة فتوى الفقيه بهذا العرف قبل أن يصير عرفاً عاماً وإجماعاً عملياً قال: إن أساس الاستحسان فيها هو المصلحة، ومن نظر إلى اتفاق المجتهدين أخيراً على جواز التصرف بهذا النوع قال: إن أساس الاستحسان فيها هو الإجماع، وعلى هذا فلا تناقض حيث إن كل واحد نظر في هذه التصرفات إلى مرحلة من مراحل العمل بها١.
وأما الأخذ بالعرف في غير موضع النص، فإنما يرجع إلى اعتبار المصلحة؛ لأن الناس إنما تستقر أعرافهم وعاداتهم في معاملاتهم على أساس مصالح حياتهم ومعاشهم، فالأخذ به أخذ بالاستصلاح؛ لأنه من باب الأخذ بما شهدت له مقاصد الشرع وقواعده العامة، فلذا كان محل اعتبار من الأئمة بصفة عامة وأبي حنيفة بصفة خاصة، كما نقله عنه الموفق المكي، ولأن في الأخذ به رفقاً بالناس ويسراً ورفعاً للحرج.
يقول البوطي: "والناظر أبداً في المعاملات من كتب الفقه الحنفية يجدها مملوءة بمسائل الاستصلاح باسم الاستحسان آناً، وباسم عرف الناس آناً أخر"٢.
فما أخذ به الأئمة من الاستحسان والعرف "يرجع في الواقع إلى استحسان
стр. 314
المصلحة إذ الفقهاء إنما يجمعون على صحة ما تعارف عليه الناس، لأن الحكم بصحته مصلحة تتفق مع تصرفات الشارع في الجملة"١.
كما أن مستند الاستحسان في الواقع إنما هو رعاية المصلحة التي شهدت لها نصوص الشرع إما بشهادة نص معين، وإما بشهادة معقولة.
وإما بشهادة جملة نصوص الشرع وقواعده العامة، لذا كان محل اعتبار من جميع الأئمة بصفة عامة، وأبي حنيفة بصفة خاصة.
الدليل الثاني: إن الحنفية يشترطون في صلاحية الوصف لأن يكون علة أن يكون مناسباً وأن يكون مؤثراً في الحكم، ويعرفون التأثير بما يدخل المناسب المرسل في المؤثر عندهم، وعلى هذا فالمناسب المرسل معتبر عندهم وإن لم يصرحوا بذلك، فإذاً لا بد من بيان أقسام المرسل عندهم أولاً، ثم بيان ما فيه الخلاف من أقسامه وما ليس فيه خلاف، وما يلزم الحنفية قبوله فإلى ذلك.
أما صاحب التحرير وشارحه فقد قسما المرسل إلى: ما علم إلغاؤه، وغريب وملائم، وذكرا أن الملغي والغريب مردودان اتفاقاً وأجريا لخلاف في الملائم، وبيناه بأنه هو ما علم فيه اعتبار جنس الوصف في عين الحكم، أو عين الوصف في جنس الحكم، أو جنس الوصف في جنس الحكم٢.
فهذا هو المرسل الملائم قالا: "وسنذكر أنه يجب من الحنفية قبول ملائم المرسل"، وأن اتفاق العلماء المذكور إنما هو رد ما علم إلغاؤه والغريب من المرسل٣.
فقد صرحا بأن ملائم المرسل هو المرسل، وأنه يجب من الحنفية قبوله وأن اتفاق العلماء إنما هو في رد الملغى والغريب من المرسل، ولذا قالا: فالتعليل بالمرسل تعليل بمصالح خاصة ابتداء اعتبرت في جنس الحكم الذي يراد إثباته
стр. 315
أو جنس المصلحة في عين الحكم، أو جنسه، لكن بشرط الضرورية والكلية فيها، على ما تقدم عند قائله أي المرسل وهو الغزالي.
فإن قلت: المثال حنفي، والحنفي يمنع المرسل، فكيف يتم على قوله؟
قلنا: سبق أنه يجب القول بعملهم ببعض ما يسمى مرسلاً عند الشافعية، ويدخل ذلك في المؤثر عند الحنفية كما سيظهر١.
ووجه دخوله في المؤثر هو أن المؤثر عند الحنفية هو - كما في مسلم الثبوت -: الوصف المناسب الملائم عند العقول الذي ظهر تأثيره شرعاً، بأن يكون لجنسه تأثير في عين الحكم كإسقاط الصلاة الكثيرة بالإغماء، فإن لجنسه الذي هو العجز عن الأداء من غير حرج تأثيراً في سقوطها كما في الحائض، أو في جنسه كإسقاطها عن الحائض بالمشقة وقد أسقطت مشقة السفر الركعتين، فقد أثر جنس المشقة في جنس السقوط أو بأن يكون لعينه تأثير في جنس الحكم كالأخوة لأب وأم في قياس التقدم في ولاية النكاح، وقد تقدم هذا الأخ في الميراث، فقد أثر في مطلق التقدم أو يكون لعينه تأثير في عينه، أي الحكم وذلك كثير في الأقيسة الجزئية٢.
"وإذا كان هذا هو معنى التأثير عند الحنفية فإن ملائم المرسل حجة عندهم، ذلك لأنهم عرفوا ملائم المرسل بأنه الوصف الذي لم يثبت الحكم معه في أصل ما، ولم يثبت بنص ولا إجماع اعتبار عينه في عين الحكم ولكن قام النص أو الإجماع على اعتبار وصف من جنسه في حكم من جنس الحكم الذي يوجهه، وكأن اعتبار الشارع للوصف الذي من جنسه في الحكم الذي من جنس حكمه اعتبار لجنس الوصف في جنس الحكم.
وهذا التعريف لملائم المرسل يجعل شرط التأثير متوفراً فيه، ذلك أن الحنفية لا يطلبون في التأثير أن يدل النص أو الإجماع على أن عين الوصف مناط لعين الحكم فقط، بل يدخلون فيه دلالة النص أو الإجماع على أن جنس الوصف مناط ومؤثر
стр. 316
في جنس الحكم، وذلك بالنص أو الإجماع على أن وصفاً من جنس الوصف مناط لحكم من جنس الحكم، وبعبارة أخرى فإن التأثير عندهم يشمل صورتين إحداهما دلالة النص أو الإجماع على أن وصفاً بعينه مناط لحكم بعينه وذلك ... كما في جعل الطواف بعينه مناطاً للطهارة بعينها.
وثانيتهما: دلالة النص أو الإجماع على أن جنس الوصف مناط أو علة أو مؤثر في جنس الحكم، وذلك ليس بالنص على أن جنساً من الوصف مناط لجنس من الحكم، كأن يرد نص الشارع بأن المشقة موجبة لمطلق التخفيف أو أن المصلحة العامة مقدمة على الخاصة، وإلا اتحد مع القسم الأول وكان مما دل النص فيه على أن عين الوصف مناط لعين الحكم.
وإنما مراد الأحناف بورود النص أو الإجماع أن جنس الوصف مناط لجنس الحكم أن ينص الشارع أو يقوم الإجماع على أن وصفاً مغايراً للوصف، ولكنه من جنسه مناط لحكم مغاير للحكم ولكنه من جنسه، وذلك لأنهم يعتبرون أن النص على أن نوعاً من الوصف مناط لنوع من الحكم دليل من الشارع على اعتبار أن جنس الوصف مناط لجنس من الحكم.
وعلى هذا يكون ملائم المرسل علة توافر بالنسبة لها شرط التأثير الذي يلتزمه الحنفية في صحة العلل"١.
وعلى هذا يكون الحنفية قائلين بالمرسل كما يقول به غيرهم أو يجب عليهم قبوله كما قال صاحب التحرير بأنه يجب على الحنفية قبوله فقال: "وما علم اعتبار أحدهما أي الجنس في الجنس وهو الملائم المرسل، وهو المسمى بالمصالح المرسلة، وسنرى أن الحنفية قبلوا القسم الأخير أي الملائم المرسل ... فاتفاقهم في نفي الأولين مما علم إلغاؤه هو والغريب"٢.
ويقول: وظهر أن المؤثر عند الحنفية أعم من المؤثر عند الشافعية، وهو ما
стр. 317
ثبت بنص أو إجماع اعتبار عينه في عين الحكم، ومن الملائم الأول أي الذي هو من أقسام المناسب بأقسامه الثلاثة ... وما من المرسل أي وثلاثة أقسام الملائم المرسل، وهو ما لم يثبت العين مع العين في المحل، لكن ثبت بنص أو إجماع اعتبار عينه في جنس الحكم أو جنسه في عينه أو جنسه، فشمل المؤثر عند الحنفية سبعة أقسام في عرف الشافعية، إذ لم يقيدوا أي الحنفية الثلاثة التي هي تأثر الجنس في عين الحكم أو في جنسه، وتأثير العين في الحكم بوجود العين مع العين في المحل أي الأصل، وكذا تصريحهم أي الحنفية فيما تقدم أن التعليل بما اعتبر جنسه مقبول وقد لا يكون قياساً بأن لم يتركب مع أحد الأمرين أي العين أو الجنس في العين١.
وأما صاحب مسلم الثبوت فيقول: وإن لم يعتبر "أي الوصف" أصلاً لا مع الحكم ولو في صورة ما ولا مؤثراً فيه، فهو المرسل، وينقسم إلى ما علم إلغاؤه وإلى ما لم يعلم، فإن لم يعلم فيه أحد اعتبارات الملائم من اعتبار نوعه أو جنسه في جنس الحكم، أو جنسه في عين الحكم فهو الغريب المرسل، وهو المسمى بالمصالح المرسلة حجة عند مالك ... وإن علم فيه ذلك أي أحد اعتبارات الملائم فهو المرسل الملائم قبله الإمام ونقل الشافعي وعليه جمهور الحنفية٢.
ويقول: فالمؤثر ثلاثة من الملائم وثلاثة من ملائم المرسل في عرف الشافعية كلها، مقبولة مؤثر عند الحنفية دون الغريب من المرسل لعدم ظهور تأثيره شرعاً٣.
فهذا يدل على أن ملائم المرسل يعد عند الحنفية من المؤثر الذي يعتبرونه حجة في بناء الأحكام عليه، وذلك لأن توفر شروط التأثير فيه يجعله علة معتبرة عندهم.
стр. 318
فعلى هذا يكون الوصف المرسل عندهم حجة وإن كان صاحب مسلم الثبوت اعتبر المرسل هو الغريب وجعل الخلاف حاصلاً فيه، ونسب إلى مالك القول به غير أن ما ذكره من أن مالكاً ﵀ يعتبر الغريب حجة غير صحيح لما تقدم من بيان أن الذي قال به مالك إنما هو ملائم المرسل، أما الغريب فقد صرح المالكية بأنه مردود اتفاقاً؛ لأن اعتباره يعد قولاً بالتشهي وتشريعاً بالهوى١.
الدليل الثالث: أمثلة فقهية من فقه السادة الأحناف، اعتمدوا في الأخذ بها على الاستحسان والعرف مستندين إلى الأخذ بالمناسب المرسل.
١ - ما جاء في الدر مختار من قول أبي حنيفة بعدم قبول توبة الزنديق إذا تاب بعد القبض عليه، قال: "إذا أخذ الساحر أو الزنديق المعروف قبل توبته ثم تاب لم تقبل توبته ويقتل".
وعلق ابن عابدين٢ على ذلك قائلاً: "وهو قياس قول أبي حنيفة، وهو حسن جداً"٣.
٢ - تضمن الأجير المشترك: وإن لم يخالف عمله ما اتفق عليه مع المؤجر إلا ما هلك تحت يده بغير فعله كموت وسرقة ونحوهما، ولكن لا يصدق على دعوى ذلك إلا ببينة يقيمها.
قال شمس الأئمة السرخسي: "لو كان الراعي مشتركاً يرعى لمن يشاء على قول أبي حنيفة ﵀ هو ضامن لما يهلك بفعله من سباق أو سعي، أو غير ذلك، لأن الأجير المشترك ضامن ما حنت يده، وإن لم يخالف في إقامة العمل
стр. 319
ظاهراً كما في القصار إذا دق الثوب فتخرق"١.
فتضمين الأجير المشترك قول بالاستدلال المرسل رعاية لمصلحة الناس فيما يلحقهم من الضرر بفوات أموالهم إذا لم يضمن الأجير المشترك، إذ الأصل أنه مؤتمن، وإذا علم أنه لا يضمن ما أدعى تلفه، سهل عليه دعوى ذلك، وترك الاستئجار يلحق بالناس الضرر والحاجة، فكان القول بتضمين الأجير المشترط مصلحة مستحسنة اعتبرتها قواعد الشرع ونصوصه في الجملة.
ولذا قال صاحب بدائع الصنائع: "وأما على أصليهما - يعني أبا يوسف٢، ومحمد بن الحسن - فلأن وجوب الضمان في الأجير المشترك ثبت استحساناً صيانة لأموال الناس"٣.
٣ - "إن أبا حنيفة قال: إذا شهدت أربعة على رجل بالزنا، ولكن عين كل واحد غير الجهة التي عينها الآخر، فالقياس أن لا يحد، ولكن استحسن الحد٤.
قال صاحب البداية: "وإن اختلفوا في بيت واحد - يعني شهود الزنا - حد الرجل والمرأة".
قال صاحب الهداية٥ موضحاً ذلك: "معناه أن يشهد كل اثنين على الزنا
стр. 320
في زاوية وهذا استحسان، والقياس أن لا يجبي الحد، لاختلاف المكان حقيقة، وجه الاستحسان التوفيق ممكن بأن يكون ابتداء الفعل في زاوية والانتهاء في زاوية أخرى بالاضطراب "ولأن الواقع في وسط البيت فبحسبه من في المقدم في المقدم ومن في المؤخر في المؤخر، فيشهد بحسب ما عنده"١.
٤ - ما جاء في البحر من "رواية أبي عصمة٢ عن الإمام - أبي حنيفة - أنه يجوز دفع الزكاة لبني هاشم في زمانه، لأن عوض الزكاة وهو خمس الخمس لم يصل إليهم لإهمال الناس أمر الغنائم وإيصالها إلى مستحقيها وإذا لم يصل إليهم العوض عادوا إلى المعوض"٣.
ودفع الزكاة لبني هاشم مخالف لما ثبت عن النبي ﷺ أنها لا تحل لهم٤ وكان القول بذلك اعتماداً على دفع حاجة الفقر عنهم وسد خلة المحتاج منهم، وسد خلة المحتاج مصلحة شهدت لها نصوص الشرع وقواعده العامة.
وأما أمثلة العرف فكثيرة جداً، وقد تقدم أن الحنفية اعتبروا الأخذ بالعرف قاعدة لتفريع الأحكام.
ومما يدل على ذلك أن ابن عابدين وطأ لذكر بعض المسائل المخرجة على العرف بما نقله عن البحر ونصه "قال: الأحكام تنبني على العرف فيتعبر في كل أقليم عرف أهله"٥.
ثم أوضح ابن عابدين ذلك بأن قال: "المسائل الفقهية الثابتة بالاجتهاد والرأي كثير منها يبنيه المجتهد على ما كان في عرف زمانه بحيث لو كان في زمان