في جنس الحكم، وذلك بالنص أو الإجماع على أن وصفاً من جنس الوصف مناط لحكم من جنس الحكم، وبعبارة أخرى فإن التأثير عندهم يشمل صورتين إحداهما دلالة النص أو الإجماع على أن وصفاً بعينه مناط لحكم بعينه وذلك ... كما في جعل الطواف بعينه مناطاً للطهارة بعينها.
وثانيتهما: دلالة النص أو الإجماع على أن جنس الوصف مناط أو علة أو مؤثر في جنس الحكم، وذلك ليس بالنص على أن جنساً من الوصف مناط لجنس من الحكم، كأن يرد نص الشارع بأن المشقة موجبة لمطلق التخفيف أو أن المصلحة العامة مقدمة على الخاصة، وإلا اتحد مع القسم الأول وكان مما دل النص فيه على أن عين الوصف مناط لعين الحكم.
وإنما مراد الأحناف بورود النص أو الإجماع أن جنس الوصف مناط لجنس الحكم أن ينص الشارع أو يقوم الإجماع على أن وصفاً مغايراً للوصف، ولكنه من جنسه مناط لحكم مغاير للحكم ولكنه من جنسه، وذلك لأنهم يعتبرون أن النص على أن نوعاً من الوصف مناط لنوع من الحكم دليل من الشارع على اعتبار أن جنس الوصف مناط لجنس من الحكم.
وعلى هذا يكون ملائم المرسل علة توافر بالنسبة لها شرط التأثير الذي يلتزمه الحنفية في صحة العلل"١.
وعلى هذا يكون الحنفية قائلين بالمرسل كما يقول به غيرهم أو يجب عليهم قبوله كما قال صاحب التحرير بأنه يجب على الحنفية قبوله فقال: "وما علم اعتبار أحدهما أي الجنس في الجنس وهو الملائم المرسل، وهو المسمى بالمصالح المرسلة، وسنرى أن الحنفية قبلوا القسم الأخير أي الملائم المرسل ... فاتفاقهم في نفي الأولين مما علم إلغاؤه هو والغريب"٢.
ويقول: وظهر أن المؤثر عند الحنفية أعم من المؤثر عند الشافعية، وهو ما
стр. 317
ثبت بنص أو إجماع اعتبار عينه في عين الحكم، ومن الملائم الأول أي الذي هو من أقسام المناسب بأقسامه الثلاثة ... وما من المرسل أي وثلاثة أقسام الملائم المرسل، وهو ما لم يثبت العين مع العين في المحل، لكن ثبت بنص أو إجماع اعتبار عينه في جنس الحكم أو جنسه في عينه أو جنسه، فشمل المؤثر عند الحنفية سبعة أقسام في عرف الشافعية، إذ لم يقيدوا أي الحنفية الثلاثة التي هي تأثر الجنس في عين الحكم أو في جنسه، وتأثير العين في الحكم بوجود العين مع العين في المحل أي الأصل، وكذا تصريحهم أي الحنفية فيما تقدم أن التعليل بما اعتبر جنسه مقبول وقد لا يكون قياساً بأن لم يتركب مع أحد الأمرين أي العين أو الجنس في العين١.
وأما صاحب مسلم الثبوت فيقول: وإن لم يعتبر "أي الوصف" أصلاً لا مع الحكم ولو في صورة ما ولا مؤثراً فيه، فهو المرسل، وينقسم إلى ما علم إلغاؤه وإلى ما لم يعلم، فإن لم يعلم فيه أحد اعتبارات الملائم من اعتبار نوعه أو جنسه في جنس الحكم، أو جنسه في عين الحكم فهو الغريب المرسل، وهو المسمى بالمصالح المرسلة حجة عند مالك ... وإن علم فيه ذلك أي أحد اعتبارات الملائم فهو المرسل الملائم قبله الإمام ونقل الشافعي وعليه جمهور الحنفية٢.
ويقول: فالمؤثر ثلاثة من الملائم وثلاثة من ملائم المرسل في عرف الشافعية كلها، مقبولة مؤثر عند الحنفية دون الغريب من المرسل لعدم ظهور تأثيره شرعاً٣.
فهذا يدل على أن ملائم المرسل يعد عند الحنفية من المؤثر الذي يعتبرونه حجة في بناء الأحكام عليه، وذلك لأن توفر شروط التأثير فيه يجعله علة معتبرة عندهم.
стр. 318
فعلى هذا يكون الوصف المرسل عندهم حجة وإن كان صاحب مسلم الثبوت اعتبر المرسل هو الغريب وجعل الخلاف حاصلاً فيه، ونسب إلى مالك القول به غير أن ما ذكره من أن مالكاً ﵀ يعتبر الغريب حجة غير صحيح لما تقدم من بيان أن الذي قال به مالك إنما هو ملائم المرسل، أما الغريب فقد صرح المالكية بأنه مردود اتفاقاً؛ لأن اعتباره يعد قولاً بالتشهي وتشريعاً بالهوى١.
الدليل الثالث: أمثلة فقهية من فقه السادة الأحناف، اعتمدوا في الأخذ بها على الاستحسان والعرف مستندين إلى الأخذ بالمناسب المرسل.
١ - ما جاء في الدر مختار من قول أبي حنيفة بعدم قبول توبة الزنديق إذا تاب بعد القبض عليه، قال: "إذا أخذ الساحر أو الزنديق المعروف قبل توبته ثم تاب لم تقبل توبته ويقتل".
وعلق ابن عابدين٢ على ذلك قائلاً: "وهو قياس قول أبي حنيفة، وهو حسن جداً"٣.
٢ - تضمن الأجير المشترك: وإن لم يخالف عمله ما اتفق عليه مع المؤجر إلا ما هلك تحت يده بغير فعله كموت وسرقة ونحوهما، ولكن لا يصدق على دعوى ذلك إلا ببينة يقيمها.
قال شمس الأئمة السرخسي: "لو كان الراعي مشتركاً يرعى لمن يشاء على قول أبي حنيفة ﵀ هو ضامن لما يهلك بفعله من سباق أو سعي، أو غير ذلك، لأن الأجير المشترك ضامن ما حنت يده، وإن لم يخالف في إقامة العمل
стр. 319
ظاهراً كما في القصار إذا دق الثوب فتخرق"١.
فتضمين الأجير المشترك قول بالاستدلال المرسل رعاية لمصلحة الناس فيما يلحقهم من الضرر بفوات أموالهم إذا لم يضمن الأجير المشترك، إذ الأصل أنه مؤتمن، وإذا علم أنه لا يضمن ما أدعى تلفه، سهل عليه دعوى ذلك، وترك الاستئجار يلحق بالناس الضرر والحاجة، فكان القول بتضمين الأجير المشترط مصلحة مستحسنة اعتبرتها قواعد الشرع ونصوصه في الجملة.
ولذا قال صاحب بدائع الصنائع: "وأما على أصليهما - يعني أبا يوسف٢، ومحمد بن الحسن - فلأن وجوب الضمان في الأجير المشترك ثبت استحساناً صيانة لأموال الناس"٣.
٣ - "إن أبا حنيفة قال: إذا شهدت أربعة على رجل بالزنا، ولكن عين كل واحد غير الجهة التي عينها الآخر، فالقياس أن لا يحد، ولكن استحسن الحد٤.
قال صاحب البداية: "وإن اختلفوا في بيت واحد - يعني شهود الزنا - حد الرجل والمرأة".
قال صاحب الهداية٥ موضحاً ذلك: "معناه أن يشهد كل اثنين على الزنا
стр. 320
في زاوية وهذا استحسان، والقياس أن لا يجبي الحد، لاختلاف المكان حقيقة، وجه الاستحسان التوفيق ممكن بأن يكون ابتداء الفعل في زاوية والانتهاء في زاوية أخرى بالاضطراب "ولأن الواقع في وسط البيت فبحسبه من في المقدم في المقدم ومن في المؤخر في المؤخر، فيشهد بحسب ما عنده"١.
٤ - ما جاء في البحر من "رواية أبي عصمة٢ عن الإمام - أبي حنيفة - أنه يجوز دفع الزكاة لبني هاشم في زمانه، لأن عوض الزكاة وهو خمس الخمس لم يصل إليهم لإهمال الناس أمر الغنائم وإيصالها إلى مستحقيها وإذا لم يصل إليهم العوض عادوا إلى المعوض"٣.
ودفع الزكاة لبني هاشم مخالف لما ثبت عن النبي ﷺ أنها لا تحل لهم٤ وكان القول بذلك اعتماداً على دفع حاجة الفقر عنهم وسد خلة المحتاج منهم، وسد خلة المحتاج مصلحة شهدت لها نصوص الشرع وقواعده العامة.
وأما أمثلة العرف فكثيرة جداً، وقد تقدم أن الحنفية اعتبروا الأخذ بالعرف قاعدة لتفريع الأحكام.
ومما يدل على ذلك أن ابن عابدين وطأ لذكر بعض المسائل المخرجة على العرف بما نقله عن البحر ونصه "قال: الأحكام تنبني على العرف فيتعبر في كل أقليم عرف أهله"٥.
ثم أوضح ابن عابدين ذلك بأن قال: "المسائل الفقهية الثابتة بالاجتهاد والرأي كثير منها يبنيه المجتهد على ما كان في عرف زمانه بحيث لو كان في زمان
стр. 321
العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أولاً، ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد أنه لا بد فيه من معرفة عادات الناس فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله، ولحدوث ضرورة أو فساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولاً، للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ورفع الضرر والفساد لبقاء العالم على أتم نظام وأحسن أحكام، ولهذا نرى مشائخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذاً من قواعد مذهبه.
فمن ذلك إفتاؤهم بجواز الاستئجار على تعليم القرآن ونحوه، لانقطاع عطايا المعلمين التي كانت في الصدر الأول، ولو اشتغل المعلمون بالتعليم بلا أجرة يلزم ضياعهم وضياع عيالهم ولو اشتغلوا بالاكتساب من حرفة أو صنعة يلزم ضياع القرآن والدين، فأفتوا بأخذ الأجرة على التعليم وكذا على الإمامة والأذان كذلك مع أنه مخالف لما اتفق عليه أبو حنيفة وأبو يوسف، ومحمد من عدم جواز الاستئجار وأخذ الأجرة عليه كبقية الطاعات من الصوم والصلاة والحج وقراءة القرآن وغير ذلك"١، وهذا يدل على ما يأتي:
١ - إنه اعتبر العرف أصلاً تبنى عليه الأحكام ولذا قال: "فيعتبر في كل أقليم عرف أهله" وهذا صريح في اعتبار العرف أصلاً تبنى عليه الأحكام، وهو صريح في اعتبار المصالح، ومعلوم أن اعتبار العرف يكون حيث وجدت المصلحة، واعتبرتها نصوص الشرع وقواعده العامة وإن لم يشهد لها نص معين، وهذا هو الاستدلال المرسل، الذي أخذ به جميع الأئمة سواء سمي باسم المرسل أم باسم القياس أم باسم الاستحسان والعرف.
٢ - ذكر أن كثيراً من مسائل الفقه بناها المجتهد على العرف في زمنه وأنه لو كان في الزمن الذي حدث بعده لقال بخلاف ما قال به أولاً واستدل على ذلك
стр. 322
بأن المصلحة وحفظ نظام العالم يقتضي ذلك، لتغير أهله وفسادهم، وأن مراعاة ذلك هو مقتضى ما جاءت به الشريعة من التيسير والسهولة ودفع الضرر والفساد واعتبار مثل هذا هو عين الأخذ بالاستدلال المرسل.
٣ - أوضح ذلك بالأمثلة التي ساقها كالاستئجار على تعليم القرآن وعلى الأذان والصلاة بالناس، وبين أن ذلك وإن كان مخالفاً لما اتفق عليه الإمام وصاحباه على منع أخذ الأجرة عليها كبقية العبادات، إلا أن حاجة حفظ الدين بإقامة تلك الشعائر وحفظ قوام حياة القائم بها ومن يعوله اقتضى ذلك.
وهذا لا يبقى معه مجال للشك في أن أبا حنيفة وأتباعه ﵏ يعتبرون الاستدلال بالمرسل أصلاً تبنى عليه الأحكام وتفرع عليه الفروع، وما ذكرته قليل من كثير كما قال ابن عابدين فإنه بعد ذكر الأمثلة التي نقلت عنه وغيرها قال: وهي كثيرة جداً لا يمكن استقصاؤها١.
وحيث إنه ليس من موضوعي استقصاؤها فإنني أكتفي بما ذكرته كدليل على اعتبار الأحناف للمناسب المرسل أصلاً تبنى عليه الأحكام وأن الأخذ به لا يعد أخذاً بالرأي المجرد عن الدليل، والله تعالى أعلم.
стр. 323
الفصل الثامن: في رأي الغزالي في قبول المرسل
...
الفصل الثامن في رأي الغزالي وبيان وجه قبوله للمرسل إذا كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية
وهو كما تقدم اختيار البيضاوي.
وقبل عرض ما استدل به الغزالي على ما ذهب إليه لا بد من بيان تحديد ما اعتبره من المرسل، وما لم يعتبره على ما ذكره هو بنفسه لا ما نقل عنه، وذلك لأن الغزالي ﵀ اختلفت مناهجه في كتبه: المستصفى وشفاء الغليل والمنخول، وليس من همي ذكر تلك المناهج وبيان وجه الخلاف، والوفاق بينها، وإنما الذي يهمني إنما هو مذهبه في المرسل ودليل اعتباره لما اعتبره منه، فأقول: مهد الغزالي لاعتبار المرسل في كتابه المستصفى بذكر أقسام المصلحة، بالإضافة إلى شهادة الشرع لها، فذكر أقسامها الثلاثة: ما شهد الشرع باعتباره، وما شهد الشرع برده، وما سكتت عنه شواهد الشرع بالاعتبار والرد١.
ثم قال في الثالث: "وهذا في محل النظر، فلنقدم على تمثيله تقسيماً آخر وهو: أن المصلحة باعتبار قوتها في ذاتها تنقسم إلى: ما هي في رتبة الضرورات وإلى ما هي في رتبة الحاجيات، وإلى ما يتعلق بالتحسينات والتزيينات وتتقاعد عن رتبة الحاجات٢.
ثم بين أنه يعني "بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة، وهي: أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم، وما لهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة، فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول، فهو مفسدة ودفعها مصلحة٣.
ثم قال: "فإذا عرفت هذه الأقسام فنقول: الواقع في الرتبتين الأخيرتين لا
стр. 324
يجوز الحكم بمجرده، إن لم يعتض بشهادة أصل، إلا أنه يجري مجرى الضرورات، فلا بعد في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد وإن لم يشرع الشرع بالرأي، فهو كالاستحسان، فإن يعتضد بأصل، فذاك قياس، وأما الواقع في رتبة الضرورات، فلا بعد في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، وإن لم يشهد له أصل معين"١.
ثم مثل للمصلحة الضرورية بالمثال الذي نقله عنه الأصوليون وهو "أن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين، فلو كففنا عنهم لصدمونا وغلبوا على دار الإسلام، وقتلوا كافة المسلمين، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلماً معصوماً لم يذنب ذنباً، وهذا لا عهد به في الشرع، ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم ويقتلون الأسارى أيضاً٢.
ثم بين أن حفظ جميع المسلمين أو أكثرهم مصلحة ضرورية، وأنه أقرب إلى مقصود الشرع، فقال: "لأنا نعلم قطعاً أن مقصود الشرع تقليل القتل، كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، فإذا لم نقدر على الحسم، قدرنا على التقليل، وكان هذا التفاتاً إلى مصلحة علم بالضرورة، كونها مقصود الشرع لا بدليل واحد معين، بل بأدلة خارجة عن الحصر٣.
ثم قال: "فهذا مثال مصلحة غير مأخوذة بطريق القياس على أصل معين، وانقدح اعتبارها باعتبار ثلاثة أو صاف: أنها ضرورية قطعية كلية".
ثم أوضح محترزات المثال الذي مثل به عما لم يكن ضرورياً ولا قطعياً ولا كلياً، حيث قال: "وليس في معناها ما لو تترس الكفار في قلعة بمسلم، إذ لا يحل رمي الترس إذ لا ضرورة فبنا غنية عن القلعة فنعدل عنها، إذا لم نقطع بظفرنا بها، لأنها ليست قطعية بل ظنية، وليس في معناها جماعة في سفينة، لو طرحوا واحداً منهم لنجوا، وإلا غرقوا بجملتهم لأنها ليس كلية إذ يحصل بها هلاك عدد محصور،
стр. 325
وليس ذلك كاستئصال كافة المسلمين، ولأنه ليس يتعين واحد للإغراق، إلا أن يتعين بالقرعة، ولا أصل لها، وكذلك جماعة في مخمصة لو أكلوا واحداً بالقرعة، لنجوا، فلا رخصة فيه لأن المصلحة ليست كلية"١.
وعلى أساس ما ذكره هنا اختلفت آراء الأصوليين في مذهبه المرسل، فذهب كثير منهم إلى أن الغزالي لا يقبل من المرسل إلى ما كانت المصلحة فيه ضرورية قطعية كلية، أخذاً من كلامه هنا في المستصفى.
وممن ذهب إلى هذا العضد في شرحه لمختصر ابن الحاجب والكمال بن الهمام في التحرير وغيرهما واختاره البيضاوي في المنهاج٢.
وذهب ابن السبكي إلى أن الغزالي إنما اشترط في المصلحة أن تكون ضرورية قطعية كلية لإخراجها عن محل النزاع، وبيان أنّ مثل هذه المصلحة يجب أن يكون محل اتفاق أما ما لم تكن ضرورية قطعية كلية، فهي التي فيها الخلاف بين العلماء.
قال: "وليس منه - أي المناسب المرسل - مصلحة ضرورية كلية قطعية، لأنها مما دل الدليل على اعتبارها قطعاً، واشترطها الغزالي للقطع بالقول به لا لأصل القول به، قال: والظن القريب من القطع كالقطع٣.
وعلق البناني على ابن السبكي بقوله: "الذي يفيده صنيع المصنف، بل تكاد أن تصرح عبارته به أن الغزالي قال بالمرسل إن لم تكن المصلحة بالصفات المذكورة، إذ لو كان مذهب الغزالي أنه لا يقول بالمرسل إلا إذا كانت المصلحة بتلك الصفات، لكان سياق الحكاية عنه أن يقول: وقبله الغزالي إذا كانت المصلحة ضرورية الخ.
وأما قول الشارح فجعلها منه مع القطع بقبولها فمعناه أن كون المصلحة
стр. 326
بتلك الصفات لا يخرجها عن الإرسال، وهذا لا يفهم منه عدم قوله بالمرسل، إذا لم تكن المصلحة بتلك الصفات قطعاً.
وليس معناه أنه جعل المرسل ما كانت فيه المصلحة بتلك الصفات حتى يفهم منه عدم القول به إذا لم تكن كذلك١.
فعلى هذا فإن الشروط الآنفة الذكر، التي اشترطها الغزالي في اعتبار المصلحة حجة لا تعني أنه لا يأخذ بالمرسل، إلا إذا كانت المصلحة متصفة بتلك الشروط، ومما يدل على هذا أن الغزالي ﵀ لم يحصر اعتباره للمصلحة المرسلة في كتابه شفاء الغليل على المصلحة الضرورية فقط، بل صرح فيه بقبوله للمصلحة الحاجية أيضاً، فهو يقول: "وأما الواقع من المناسبات في رتبة الضرورات أو الحاجيات، كما فصلناها فالذي نراه فيها أنه لا يجوز الاستمساك بها، إن كان ملائماً لتصرفات الشرع، ولا يجوز الاستمساك بها إن كان غريباً لا يلائم القواعد٢.
فهو هنا لم يعرج على اشتراط كون المصلحة ضرورية قطعية كلية، فالذي يقتضيه كلامه هنا أنه قائل بكل من المصلحة الضرورية والحاجية مطلقاً سواء كانتا عامتين أو غالبتين أو خاصتين، لكنه اشترط لذلك أن لا يكون الوصف غريباً وأن لا يصادم نصاً فيتعرض له بالتغيير.
وقد صرح بهذا بعد ذكره لأقسام المصلحة باعتبار كونها ضرورية وحاجية وتحسينية، فقال: "وتنقسم قسمة أخرى بالإضافة إلى مراتبها في الوضوح والخفاء: فمنها ما يتعلق بمصلحة عامة في حق الخلق كافة، ومنها ما يتعلق بمصلحة الأغلب، ومنها ما يتعلق بمصلحة شخص معين في واقعة نادرة، وتتفاوت هذه المراتب بتفاوت مصالحها في الظهور كل ذلك حجة بشرط أن لا يكون غريباً بعيداً وبشرط أن لا يصادم نصاً ولا يتعرض له بالتغيير"٣.
وصرح بأن المصلحة التحسينية لا يجوز التمسك بها ما لم يشهد لها نص معين، يشهد لعين المصلحة حتى يكون العمل بها من باب القياس على الأصل
стр. 327
الذي يشترك مع الفرع في العلة وينتقل منه إلى الفرع نوع الحكم، لا حكم عن جنسه حيث قال بعد أن ذكر انقسام المصلحة إلى: ضرورية، وحاجية، وتحسينية، فالواقع منها في هذه الرتبة الأخيرة لا يجوز الاستمساك بها ما لم يعتض بأصل معين، ورد من الشرع الحكم فيه على وفق المناسبة، فأما إذا لم يرد من الشرع حكم على وفقه، فاتباعه وضع للشرع بالرأي والاستحسان، وهو منصب الشارعين لا منصب المتصرفين في الشرع١.
وواضح من هذا أنه قائل بكل مصلحة ما لم تكن تحسينية، وأن الشرط المهم هو كون المصلحة ملائمة لتصرفات الشارع، وأن لا تصادم نصاً، أما الغريبة والمصادمة للنص، فلا يعمل بها.
ومما يدل على هذا أنه ذكر في كتابه المنخول "إن أصول الشريعة شاهدة له على الإجمال، وإن لم تتعين قطعاً"٢.
ومعلوم أن شهادة الأصول على الإجمال هي غير شهادة الأصول على التعيين.
وهذه الشهادة هي المعبر عنها بالملاءمة، وذكره لها هنا غير مقيد بشرط كونها ضرورية قطعية كلية، أو حاجية، أو غالبة، أو جزئية، دليل على اعتباره للمرسل ما لم تكن المصلحة فيه تحسينية كما صرح به قبل، وعلى هذا لا يكون فيه فرق بين مذهبه، ومذهب غيره من الشافعية٣.
فالحاصل أن الغزالي قائل بكل مصلحة مرسلة إذا كانت ضرورية أو حاجية، ونعني بالضرورية إذا كانت متعلقة بإحدى الضروريات الخمس كما في مسألة الترس، ولكنه يشترط في قبولها أن تكون ملائمة لجنس تصرفات الشارع حتى يمكن اعتبارها حجة، وأن لا تصادم نصاً شرعياً.
وهذا في الحقيقة ليس
стр. 328
شرطاً في كونها مرسلة، ولا شرطاً زائداً في قبول الاحتجاج بها؛ لأن المصلحة المناقضة للشرع مصلحة ملغاة، ولذا فهو يقول: "كل معنى مناسب للحكم مطرد في أحكام الشرع، لا يرده أصل مقطوع به مقدم عليه من كتاب أو سنة أو إجماع، فهو مقول به، وإن لم يشهد له أصل معين"١.
فالمصلحة عنده راجعة إلى مقاصد الشرع، ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنة والإجماع، يدل لهذا قوله:
"فإن قيل: قد ملتم في أكثر هذه المسائل إلى القول بالمصالح، ثم أوردتم هذا الأصل في جملة الأصول الموهومة، فليلحق هذا بالأصول الصحيحة ليصير أصلاً خامساً بعد الكتاب والسنة، والإجماع والعقل.
قلنا: هذا من الأصول الموهومة، إذ من ظن أنه أصل خامس فقد أخطأ، لأنا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع، ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنة والإجماع، فكل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب والسنة والإجماع، وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع، فهي باطلة مطرحة، ومن صار إليها فقد شرع كما أن من استحسن فقد شرع، وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصوداً بالكتاب والسنة والإجماع، فليس خارجاً عن هذه الأصول، لكنه لا يسمى قياساً، بل مصلحة مرسلة، إذ القياس أصل معين، وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا بدليل واحد، بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات، تسمى لذلك مصلحة مرسلة"٢.
فالمصلحة على هذا عنده ليست دليلاً زائداً على الكتاب والسنة والإجماع، بل طريق من طرق الاستدلال التي تعتمد على النصوص.
وإذا أريد بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع فهي حجة قطعية لا ينبغي
стр. 329
الخلاف فيها بين العلماء، وإذا ثار خلاف بينهم بشأنها فهو خلاف يرجع إلى تطبيق الأصل لا إلى أصل صحة الاحتجاج به، والرجوع إليه١.
يقول الغزالي: "وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقاصد الشرع، فلا وجه للخلاف في اتباعها، بل يجب القطع بكونها حجة، وحيث ذكرنا خلافاً فذلك عند تعارض مصلحتين ومقصودين، وعند ذلك يجب ترجيح الأقوى" ٢.
ولما كان مقتضى ما ذهب إليه من قبول المصلحة إذا كانت ضرورية أو حاجية، يوهم اتفاقه مع مالك ﵀ حيث إنهما اتفقا في قبولها وفي كون كل منهما يشترط في قبولها أن تكون ملائمة لتصرفات الشرع بدخولها تحت قواعده العامة، وأن لا تصادم نصاً من كتاب أو سنة أو إجماع فقد أجاب ببيان الفرق بينه وبين مالك رحمهما الله بقوله: "الفرق بيننا أننا نبهنا لأصل عظيم لم يكترث مالك به، وهو أنا قدمنا إجماع الصحابة على قضية المصلحة، وكل مصلحة يعلم على القطع وقوعها في زمن الصحابة ﵃، وامتناعهم عن القضاء بموجبها، فهي متروكة، ونعلم على القطع أن الأعصار لا تنفك عن السرقة، وكان ذلك يكثر في زمن الصحابة، ولم يعزوا بالتهمة، ولم يقطعوا قط لساناً في المهذر مع كثرة المهذران ولا صادروا غنياً مع كثرة الأغنياء ومسيس الحاجة، وكل ما امتنعوا عنه نمتنع عنه، ومالك لم يتنبه لهذا الأصل"٣.
فالفرق إذاً بينهما هو أن الغزالي يشترط في المصلحة المرسلة أن تكون حديثة بمعنى أنه لم يقع مثلها في زمن الصحابة ﵃ من غير أن يشرعوا حكماً على وفقها، وأما مالك فلم يشترط ذلك، وبهذا يتضح أن الغزالي قال بالمرسل ما لم تكن المصلحة فيه تحسينية، شأنه في ذلك شأن غيره من الأئمة، والله تعالى أعلم.
والآن ننتقل إلى عرض أدلته على اعتبار المرسل.
стр. 330
أدلة اعتبار الغزالي للمرسل:
استدل الغزالي على اعتبار المرسل فيما إذا لم تكن المصلحة فيه تحسينية، وتوفرت فيه الشروط المتقدمة، وهي كونه ملائماً لتصرفات الشارع، وأن لا يعارض نصاً، وأن تكون المصلحة حديثة لم يتقدم مثلها في زمن الصحابة ﵃ بدليلين:
أحدهما: الدليل على إثبات القياس، وهو إجماع الصحابة على القول بالقياس، ومستندهم في الإجماع أمران:
الأول: علمهم بحال النبي ﷺ ، ومقاصد الشرع في مراعاة المعاني والأسباب من حيث بناء الأحكام عليها، كما في حديث "أنها من الطوافين عليكم" ١، فقد رتب طهارة سؤر الهرة على سبب هو كثرة تطوافها علينا، ومخالطتها لنا.
الثاني: إذنه ﷺ لهم في بناء الأحكام على المعاني التي يفهمونها من أدلة الشرع كما في إقراره لمعاذ ﵁ على الاجتهاد حيث قال له: أجتهد رأيي" والاجتهاد هو استنباط الأحكام واستخراجها على ما فهموه من معاني النصوص٢.
قال الغزالي: "فإن قال قائل: لم قلتم إن هذا الجنس حجة؟ وما وجه التمسك به؟ وما الدليل عليه؟ وقد اضطربت فيه مسالك العلماء، وقد قطعتم القول بقبوله؟ قلنا إنما دلنا عليه ما دلنا على قبول أصل القياس٣، فإنا بينا أن حاصل ذلك كله راجع إلى القول بالرأي الأغلب في فهم مقاصد الشرع.
стр. 331
وإلى هذا يرجع ما يجوز التمسك به، وكل مثال نذكره ففيه دليل على قبوله إذا أظهرنا وجه الرأي فيه، ويشهد على جنس ذلك أمر كلي، وهو مثال منقول عن الصحابة واشتهر بين أئمتهم وتطابقوا عليه، وذلك ما روي عن أناس لما تتابعوا في شرب الخمر واستخفوا الحد المشرع فيه، جمع عمر ﵁ الصحابة، واستشارهم واستطلع آراءهم، فضربوا فيه بسهام الرأي حتى قال علي ﵁: من شرب سكر، ومن سكر هذى، ومن هذى افترى، فأرى عليه حد المفتري١.
فأخذوا بقوله واستصوبوه واستمروا عليه، وهذه هي المصلحة المرسلة التي يجوز اتباع مثلها"٢.
وقال في موضع آخر: "فإن الفتوى بالمصلحة اجتهاد، وقد قال معاذ ﵁: "أجتهد رأيي"٣.
وقال: "وعلى الجملة المفهومة من الصحابة اتباع المعاني، والاقتصار في درك المعاني على الرأي الغالب دون اشتراط درك اليقين، فإنهم حكموا في مسائل مختلفة بمسالك متفاوتة الطرق، ومتباينة المناهج لا يجمع جميعها إلا الحكم بالرأي الأغلب والأرجح، وهو المراد بالاجتهاد الذي قرر النبي ﷺ معاذاً عليه، فعلينا أن نتبين أن هذا يفيد غلبة الرأي"٤.
فاتباع الصحابة للمعاني المأخوذة من نصوص الشرع يفيد حصول الظن الغالب بدرك الأحكام منها، وذلك هو معنى الاجتهاد الذي أقر النبي ﷺ عليه
стр. 332
معاذاً ﵁، والاجتهاد معنى عام شامل لاستنباط الأحكام بطريق القياس، كما يشمل استنباطه بطريق فهمه من مقاصد الشرع، والنظر في أدلته الإجمالية، وهذا هو المعبر عنه بالمصلحة المرسلة، وكلا الأمرين مفيد للحكم.
ولذا أجمع الصحابة على العمل بها اعتماداً على الإذن لهم في الاجتهاد الشامل بها، ويدل لهذا ما صرح به الغزالي ونصه: "إن معاذ بن جبل قال: "أجتهد رأيي" حيث قال له رسول الله ﷺ "فإن عدمت النص"؟ فأثنى عليه رسول الله ﷺ .
وإعدام النص يشعر بإعوازه، وإعوازه المفهوم عنه، واجتهاد الرأي مشعر باتباع قضية النظر في المصلحة، ولم يكلفه الشارع ملاحظة النصوص معه"١.
الثاني: قال الغزالي: "وكون هذه المعاني عرفت بلا دليل واحد، بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال، وتفاريق الأمارات، تسمى لذلك مصلحة مرسلة.
وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع، فلا وجه للخلاف في اتباعها، بل يجب القطع بكونها حجة، وحيث ذكرنا خلافاً فذلك عند تعارض مصلحتين ومقصودين، وعند ذلك يجب ترجيح الأقوى"٢.
وما ذهب إليه هنا من أن اعتبار المصلحة المرسلة عرف لا بدليل واحد، بل بأدلة كثيرة، وأن ذلك يفيد القطع، هو ما ذكره الشاطبي أيضاً على ما سنقرره قريباً، ولعل الشاطبي اتبع الغزالي في حيث قال: "إنما الأدلة هنا المستقرأة من جملة أدلة ظنية تضافرت على معنى واحد، حتى أفادت فيه القطع، فإن للإجماع من القوة ما ليس للافتراق، ولأجله أفاد التواتر القطع، وهذا نوع منه.
فإذا حصل من استقراء أدلة المسألة مجموع يفيد العلم، فهو الدليل المطلوب، وشبيه بالتواتر المعنوي، بل هو كالعلم بشجاعة علي ﵁،
стр. 333
وجود حاتم١، المستفاد من كثرة الوقائع المنقولة عنهما٢.
ثم مثل لذلك بقوله: "فقد اتفقت الأمة، بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وعلمها عند الأمة كالضروري، ولم يثبت لنا ذلك بدليل معين، ولا شهد لنا أصل معين يمتاز برجوعها إليه، بل علمت ملاءمتها للشريعة بمجموع أدلة لا تنحصر في باب واحد، ولو استندت إلى شيء معين، لوجب عادة تعيينه، وأن يرجع أهل الإجماع إليه، وليس كذلك، لأن محلّ واحد منها بانفراده ظني، ولأنه كما لا يتعين في التواتر المعنوي وغيره أن يكون المفيد للعلم خبر واحد دون سائر الأخبار، كذلك لا يتعين هنا لاستواء جميع الأدلة في إفادة الظن على فرض الانفراد، وإن كان الظن يختلف باختلاف أحوال الناقلين، وأحوال دلالات المنقولات، وأحوال الناظرين في قوة الإدراك وضعفه، وكثرة البحث وقلته إلى غير ذلك"٣.
ثم استدل على صحة هذا بالتمثيل لها بقوله: "فالنفس نهى عن قتلها، وجعل قتلها موجباً للقصاص متوعداً عليه، ومن كبائر الذنوب المقرونة بالشرك، كما كانت الصلاة مقرونة بالإيمان، ووجب سد رمق المضطر، ووجب الزكاة والمواساة، والقيام على من لا يقدر على إصلاح نفيه، وأقيمت الحكام والقضاة والملوك لذلك، ورتبت الأجناد لقتال من رام قتل النفس، ووجب على الخائف من الموت سد رمقه بكل حلال وحرام من الميتة والدم ولحم الخنزير إلى سائر ما ينضاف إلى هذا"٤.
стр. 334
ثم أوضح أن هذا يدل على اعتبار المصلحة المرسلة، مما يدل أنه تبع فيه الغزالي حيث قال: "وينبني على هذه المقدمة أن كل أصل شرعي لم يشهد له أصل معين، وكان ملائماً لتصرفات الشارع، ومأخوذاً معناه من أدلته، فهو صحيح يبنى عليه، ويرجع إليه إذا كان الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعاً به، لأن الأدلة لا يلزم أن تدل على القطع بالحكم بانفرادها دون انضمام غيرها إليها، كما تقدم، لأن ذلك كالمتعذر، ويدخل تحت هذا ضرب الاستدلال المرسل الذي اعتمده مالك والشافعي، فإنه وإن لم يشهد للفرع أصل معين، فقد شهد له أصل كلي، والأصل الكلي إذا كان قطعياً قد يساوي الأصل المعين، وقد يربى عليه بحسب قوة الأصل المعين وضعفه، كما أنه قد يكون مرجوحاً في بعض المسائل، حكم سائر الأصول المعينة المتعارضة في باب الترجيح"١.
وواضح من كلام الشاطبي هنا أنه يسير على نهج الغزالي، إذ أن ما ذكره هنا لا يعدو أن يكون كالشرح لما ذكره الغزالي، ولا يهمني هنا بيان وجه الخلاف والوفاق بينهما في الطريقة التي سلكاها في هذا الموضوع، وإنما الذي يهمني هو أنهما اتفقا على أن اعتبار المصلحة المرسلة ثابت بالاستقراء من أدلة الشرع في الجملة بما يشبه التواتر المعنوي، حيث شهدت لها أصول الشريعة وقواعدها العامة، وإن لم يشهد لاعتبارها نص معين.
وعلى هذا يكون الغزالي قائلاً بالمرسل ما لم تكن المصلحة فيه تحسينية، شأنه في ذلك شأن غيره من الأئمة إلا ما تقدم أنه يشترط في المصلحة أن تكون حديثة بمعنى أنه لم يقع مثلها في زمن الصحابة ﵃ ... الخ.
ولذا فهو يقول: "كل معنى مناسب للحكم مطرد في أحكام الشرع لا يرده أصل مقطوع به، مقدم عليه من كتاب أو سنة أو إجماع، فهو مقبول وإن لم يشهد له أصل معين"٢، والله تعالى أعلم.
стр. 335
الفصل التاسع في أدلة مذهب الطوفي فيما ذهب إليه من تقديم المصلحة على النص والإجماع
تميهد
تقدم أن القائل بهذا المذهب هو الطوفي١ ﵀ وأنه قائل بالمناسب المرسل، بل وبالمصلحة مطلقاً حتى لو عارضت النص والإجماع، ذلك أن الطوفي يرى أن المصلحة دليل شرعي مستقل عن النصوص الشرعية، فهي في نظره لا تحتاج إلى شهادة أصل لها بالاعتبار، وإنما تعتمد على حكم العقل أخذاً من العادات والتجارب.
ولذا فهو يقول: "إن الله جعل لنا طريقاً إلى معرفة مصالحنا عادة، فلا نتركه لأمر مبهم "يعني النصوص الشرعية" يحتمل أن يكون طريقاً إلى المصلحة، أو لا يكون"٢.
ويقول: "ولا يقال أن الشرع أعلم بمصالحهم، فلتأخذ من أدلته.. "لأن"
стр. 336
هذا إنما يقال في العبادات التي تخفي مصالحها عن مجاري العقول والعادات، أما مصلحة سياسة المكلفين في حقوقهم فهي معلومة لهم بحكم العادة والعقل، فإذا رأينا دليل الشرع متقاعداً عن إفادتها، علمنا أنا أحلنا في تحصيلها على رعايتها"١.
ومن هنا كان الطوفي مخالفاً لجميع من قالوا باعتبار المصلحة دليلاً شرعياً؛ لأن القائلين باعتبارها دليلاً شرعياً صرحوا بأنها لا تعتبر إلا إذا شهدت لها نصوص الشرع بالاعتبار، وذلك بملاءمتها لتصرفات الشرع في الجملة.
وعلى هذا فهم إنما يستدلون بمعقول النصوص الشاهدة لها باعتبار في الجملة فالمصلحة عندهم إنما تستمد حجيتها من نصوص الشريعة.
أما الطوفي فقد ظهر من النصين السابقين أنه يرى استقلال العقل بإدراك المصلحة، بل ويرى تقديمها على النص والإجماع، لأنها أقوى منهما في نظره، إذ يقول - بعد حصره لأدلة الشرع في تسعة عشر دليلاً - "وهذه الأدلة التسعة عشر أقواها النص والإجماع، ثم هما إما: أن يوافقا رعاية المصلحة، أو يخالفاها، فإن وافقاها فبها ونعمت، ولا نزاع، إذ قد اتفقت الأدلة الثلاثة على الحكم، وهي: النص والإجماع، ورعاية المصلحة المستفادة، من قوله ﵊ "لا ضرر ولا ضرار" ٢، وإن خالفاها وجب تقديم رعاية المصلحة عليهما بطريق التخصيص والبيان لهما، لا بطريق الإفيئات عليهما، والتعطيل لهما"٣.
لكن كيف يتفق هذا مع ما ذكره من اهتمام الشارع بها جملة وتفصيلاً، واستدلاله على ذلك من جهة الجملة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ٤.
стр. 337
ويوضح وجه دلالة الآيتين على ذلك بالوجوه التي ذكرها، مقرراً بعدها أن الشرع راعى مصلحة المكلفين، واهتم بها، وإنا لو استقرينا أدلة الشرع لوجدنا على ذلك أدلة كثيرة، ثم لا يكتفي بهذا القدر من الاستدلال على اهتمام الشارع برعاية المصلحة، بل يعود مرة أخرى ويقرر أن أفعال الله تعالى معللة بمصالح العباد تفضلاً منه على خلقه، واجبة عليه بالتفضل، لا بالوجوب عليه، وإنه حيث راعى مصالحهم راعى في كل محل ما يصلحهم، وينتظم به حالهم، ويخلص من تفصيل الاستدلال على ذلك إلى أنه "من المحال أن يراعى الله مصلحة خلقه في مبدئهم ومعادهم، ومعاشهم ثم يهمل مصلحتهم في الأحكام الشرعية، إذ هي أعم فكانت بالمراعاة أولى، لأنها أيضاً من مصلحة معاشهم، إذ بها صيانة أموالهم، ودمائهم وأعراضهم، ولا معاش بدونها، فوجب القول بأنه راعاها لهم وإذ ثبت رعايته إياها لم يجزاهما لها بوجه من الوجوه"١.
وما ذكره هنا صحيح جملة وتفصيلاً، غير أنه من العجيب أن يتبعه بقوله: "فإن وافقها النص والإجماع وغيرهما من أدلة الشرع، فلا كلام، وإن خالفهما دليل شرعي وفق بينه وبينها بما ذكرناه من تخصيصه بها، وتقديمها بطريق البيان"٢.
ووجه العجب أنه قد حكم بأن إهمال الشارع للمصلحة محال، ثم فرض أن أدلته قد تصادمها، ورتب على هذا الفرض حكماً، وهو تقديمها عليه عند عدم إمكان الجمع، لأنها أقوى من النص والإجماع وغيرهما من أدلة الشرع، وإذا كانت رعاية المصلحة قد ثبتت بأدلة الشرع بالحد الذي حمل الطوفي على تقرير أن الشارع لم يهملها، فكيف يسوغ له أن يفترض بعد هذا أن النص قد يعارضها؟ وكيف يبنى على هذا الافتراض، وهو أساس موهوم في رعاية المصلحة؟
إنه قد ثبت ما لا يقبل الشك أن الشارع قد راعى المصلحة في أدلته جميعاً: أما الكتاب، فلأنه ما من آية منه إلا تشتمل على مصلحة أو مصالح.
стр. 338
وأما السنة فمن حيث هي بيان للكتاب، والبيان على وفق المبين.
وأما الإجماع؛ فلأن العلماء - المعتد بهم - جميعاً يعللون الأحكام بتحصيل المصالح ودرء المفاسد، حتى المخالفون منهم فيكون الإجماع حجة.
وأما النظر، فلأن كل ذي عقل صحيح يؤمن بأن الغاية من أحكام المعاملات والعادات في كل شريعة عادلة، هي تحقيق مصالح الناس، وليس من الشرائع أعدل من الشريعة الإسلامية، فهي إذاً أجدر الشرائع برعاية المصالح.
هكذا قرر الطوفي، فكيف ساغ له في مذهبه بعد هذا أن يفترض مصادمة النصوص والإجماع للمصلحة، وكيف يقرر مبدأ رعاية الشريعة الإسلامية للمصلحة، ثم يقرر إنما جاءت به هذه الشريعة قد يخالف المصلحة١؟ وأنها حينئذ تقدم على النص والإجماع.
فإن قيل: يحتمل أنه إنما يقصد التعارض في الظاهر، وحينئذ ينسجم كلامه.
أجيب عنه بأن ما استدل به على تقديمها على النص والإجماع ينفي إرادته لذلك، فإلى تلك الأدلة:
أدلة الطوفي على تقديم المصلحة على النص والإجماع:
يقول الطوفي مستدلاً على تقديم رعاية المصلحة على النص والإجماع وغيرهما من أدلة الشرع: "وإنما يدلنا على تقديم رعاية المصلحة على النص والإجماع ... وجوه:
أحدها: أن منكري الإجماع قالوا برعاية المصالح، فهي إذاً محل وفاق والإجماع محل خلاف؛ والتمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه.
الوجه الثاني: أن النصوص مختلفة متعارضة، فهي سبب الخلافي في الأحكام المذموم شرعاً، ورعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه لا يختلف فيه، فهو سبب الاتفاق المطلوب شرعاً، فكان اتباعه أولى، وقد قال :
стр. 339
﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ ١، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ٢، وقال ﵊: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" ٣.
الوجه الثالث: أنه قد ثبت في السنة معارضة النصوص بالمصالح ونحوها في قضايا:
منها: معارضة ابن مسعود للنص والإجماع في التيمم بمصلحة الاحتياط في العبادة.
ومنها: قوله ﵊ لأصحابه حين فرغ من الأحزاب: "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة"٤، فصلى بعضهم قبلها، وقالوا: لم يرد منا ذلك.
ومنها: قوله ﵊ لعائشة: "لولا قومك حديثوا عهد بالإسلام، لهدمت الكعبة، وبنيتها على قواعد إبراهيم" ٥، وهو يدل على أن بناءها على قواعد إبراهيم هو الواجب في حكمها، فتركه لمصلحة الناس.
ومنها: أنه ﵊ لما أمر بجعل الحج عمرة، قالوا: "كيف وقد سمينا الحج؟ "٦ وتوقفوا، وهو معارضة للنص بالعادة٧.
ثم قال: "إن تقديم رعاية مصالح المكلفين على باقي أدلة الشرع بقصد إصلاح شأنهم، وانتظام حالهم، وتحصيل ما تفضل الله به عليهم من
стр. 340
الصلاح وجمع الأحكام من التفرق، وائتلافها عن الاختلاف يحب أن يكون جائزاً إن لم يكن متعيناً".
وقال: "فوجب أن يكون تقديم رعاية المصالح على باقي أدلة الشرع من مسائل الاجتهاد على أقل أحواله، وإلا فهو راجح متعين كما ذكرنا"١.
مناقشة الأدلة:
أما الوجه الأول، فيرد عليه أن ما ادعاه من أن منكري الإجماع قالوا برعاية المصلحة، فإنه غير مسلم، لأن الشيعة "لا يقولون برعاية المصلحة، لأنها رأي، والدين لا يقال بالرأي، وإنما يتلقى من معصوم ... فليس إذاً أنهم يقولون برعاية المصالح.
وأما النظام٢ فلسنا ندري من أين للطوفي أنه يقول برعاية المصالح، مع أن الجاحظ٣ قد نقل عنه أنه يجوز أن تجتمع الأمة كلها على ضلالة من جهة الرأي والقياس، وأنه كما لم يؤمن بالإجماع لعدم إمكانه لم يؤمن به لهذا الجواز؛ إذ كان قليل الإيمان بالقياس والرأي، وواضح أن رعاية المصلحة تعتمد - قبل كل شيء - على القياس والرأي، فكيف إذا كان يقول بها"٤.
стр. 341
فما ادعاه من اعتبار المصلحة من منكري الإجماع لم يثبت، وعلى التسليم الجدلي أن رعاية المصالح أمر متفق عليه، بين منكري الإجماع، وبين من يقول به، فإن الذي يستفيده الطوفي مما ذكره هنا هو أن المصلحة التي يحتج بها الأئمة وعلى رأسهم الإمام مالك ﵀ هي المصلحة المرسلة، أما المصلحة التي يقصدها الطوفي ويستدل على تقديمها على أدلة الشرع فهي أبلغ من ذلك، فلم تكن تلك التي اتفق الأئمة عليها، سواء من قال بالإجماع، أو من أنكره.
والشيء العجيب هو أن الطوفي ادعى أن المصلحة أقوى من الإجماع، بل أقوى من أدلة الشرع كلها، لأن الأقوى من الأقوى أقوى واستدل على ذلك بيان اهتمام الشارع بها، وبإيراد الاعتراضات على أدلة الإجماع الموهنة لحجيته، ثم قرر أنه ليس من غرضه إهدار الإجماع بالكلية، لأنه يقول به في العبادات والمقدرات، وإن غايته غنما هي بيان أن رعاية المصلحة المستفادة من حديث "لا ضرر ولا ضرار" ١ أقوى من الإجماع، لأن مستندها أقوى من مستنده٢، ناسياً أنه استدل على تقديمها على الإجماع، بأن الإجماع قد انعقد على رعاية المصلحة، فصار معنى كلامه: رعاية المصلحة أقوى من الإجماع، لأن رعاية المصلحة قد أجمع عليها، والإجماع غير مجمع عليه.
ألا يعد هذا تناقضاً، حيث استدل على تقديم رعاية المصلحة بالإجماع، في الوقت الذي قرر فيه أن الإجماع مختلف فيه، بل وقلل من أهميته بإزاء المصلحة المجردة.
وأما الوجه الثاني: فإن ما استدل به على كون المصلحة مقدمة على النصوص لاختلاف النصوص وتعارضها، لذا كانت سبب الخلاف المذموم شرعاً في الأحكام، وأن رعاية المصلحة أمر متفق عليه في نفسه لا يختلف فيه، فهي سبب الاتفاق المطلوب شرعاً، فكان اتباع المصلحة أولى، فإن ما ادعاه من اختلاف
стр. 342
النصوص وتعارضها حيث كانت سبباً للاختلاف في الأحكام، أمر باطل، لأنه إما أن يكون مراده أنها مختلفة ومتعارضة في الواقع، وفي نفس الأمر، بمعنى أن الله تعالى يأمر بالشيء وضده، وينهى عن الشيء وضده.
وإما أن يكون مراده أنها مختلفة متعارضة في الظاهر بالنسبة إلى المجتهدين، بحيث يفهم أحدهم حكماً من النص، ويفهم الآخر من النص حكماً آخر.
أما الأول: فلا أرى أن الطوفي ﵀ يريده، حيث لم يقل به أحد من المسلمين، وقد صرح الله بما يدل على بطلانه حيث قال جل شأنه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيراً﴾ ١، فقد نفى في هذه الآية الكريمة أن يكون في القرآن اختلاف أو تعارض، وأمرنا سبحانه وتعال بالتحاكم فيما اختلفنا فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ حيث قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ٢، وقال: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٣ الآية.
فالرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله ﷺ بعد موته هو الرد إلى سنته، وليس ذلك إلا لرفع الخلاف والنزاع ورفع الخلاف والنزاع لا يكون بالمختلف المتعارض، وإنما يكون بالمتفق، إلى غير ذلك من آيات القرآن الدالة على هذا، ولو كان فيه ما يقتضي الاختلاف، والتعارض، لم يكن في الرجوع إليه فائدة.
وإن كان يريد الثاني: فهذا مسلم، غير أنه لا يؤدي إلى ما ادعاه من كونه يؤدي إلى الفرقة والتناحر، والخلاف المذمومة شرعاً.
وأما دليل تسليمه، فلأنه الواقع، ولذا يقول الشاطبي: "وأما تجويز أن يأتي دليلان متعارضان، فإن أراد الذاهبون إلى ذلك التعارض في أنظار المجتهدين،
стр. 343
لا في نفس الأمر، فالأمر على ما قالوه جائز، ولكن لا يقضي ذلك بجواز التعارض في أدلة الشريعة.
وإن أرادوا تجويز ذلك في نفس الأمر، فهذا لا ينتحله من يفهم الشريعة لورود ما تقدم من الأدلة عليه، ولا أظن أن أحداً منهم يقوله"١.
وأما كونه لا يفيد الطوفي في دعواه، فلأنه استدل على اختلاف النصوص وتعارضها، وتقديم المصلحة عليها، "بالخلاف الذي وقع بين الأئمة والفقهاء بسبب النصوص، ولست أدري كيف يتصور عاقل من الناس ضرورة المصلحة بين هذا الدليل، وذلك الزعم.
فالخلاف الذي وقع بين الأئمة في الفروع، إنما هو خلاف في فهم النصوص، والوصول إلى حقيقة مدلولاتها، لتفاوت الإفهام فيما بينهم، لا خلاف بين النصوص في ذاتها، وهذا الخلاف أمر متصور الوقوع في الاجتهاد، ومعلوم أن اختلاف المذاهب في الاجتهاد لا يعني بحال اختلاف النصوص في مدلولاتها، ولكنه يعني أن واحداً غير معين قد وافق الحقيقة، وأخطأها الآخرون، وقد رفعت الشريعة عنهم تبعة هذا الخطأ على لسان النبي ﷺ إذ قال: "إذا اجتهد المجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد" ٢.
ذلك أن الله لم يلزم أهل العلم بأكثر من بذل الجهد للوقوف على ما اشتبه عليهم من الأحكام، وهو في ذاته نوع من العبادة، تعبدهم الله به لحكمة٣.
وما ذكره من أن رعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه، لا يختلف فيه، فهو سبب الاتفاق المطلوب، فكانت أولى بالاتباع، وإن النصوص مختلفة متعارضة الخ.
إن كان يقصد باختلاف النصوص اختلافها في حقيقتها، لا الفهم لها فهذا باطل، وقد تقدم من أدلة بطلانه ما يغني عن إعادته.
стр. 344
وإن كان يريد بكون رعاية المصلحة أمراً حقيقياً أن أصل اتباع المصالح في التشريع بحيث يلجأ المجتهد عند نزول الواقعة إلى معرفة حكمها بناء على تحقيق مناطها باعتبار أدلة الشرع، وشهادة نصوصه لها، فهذه الحقيقة متفق على رعايتها، "ولكنها ليست هي التي يقع بها التعارض مع النص على فرض صحة وقوعه، وإنما يكون التعارض بما يوجد من صور جزئية لها في الخارج"١.
لكننا نقول: إن النصوص الشرعية أمر حقيقي في نفسه، هو كذلك لا نختلف فيه، فإذا نزلت النازلة لجأ الفقيه إلى عرض الواقعة عليها، وهذا أمر لا يقتضي اختلافاً ما دامت الوسيلة إلى معرفة الحكم في الواقعة المستجدة هي تحقيق مناط النص الشرعي على الوقائع، وتطبيقها على الجزئيات، فكل من النص والمصلحة أمر حقيقي لا يختلف فيه بهذا المعنى.
فإذا كان الطوفي يقصد بكون رعاية المصلحة أمراً حقيقياً في نفسه لا يختلف فيه الخ، هذا المعنى فلا خلاف معه في هذا القدر، إذ الفرض عدم الخلاف، ولكن استدلال الطوفي لا يستقيم ما دام يعتبر النصوص تعادل المصلحة٢.
"وأما إذا كان الطوفي لا يقصد برعاية المصالح تحقيق مناط الأصل في الوقائع، وتطبيقه على الجزئيات بحيث تعرض الواقعة التي يراد معرفة حكم الشرع فيها على المجتهدين في الأمة ليحكموا فيها وفق المصلحة التي يهدي إليها العقل مسترشداً بالعادات والتجارب، فإننا لا نوافق الطوفي على أن المصلحة بهذا المعنى أمر حقيقي في نفسه، لا يختلف فيه، حتى تكون سبباً للاتفاق المطلوب شرعاً".
ودليلنا على ذلك الواقع المشاهد، فقد رأينا العقول التي لا تصدر في أحكامها عن هدي السماء تختلف في أصل المصالح والمفاسد، بل ومع اتفاقهم على أن الأمر مصلحة ومفسدة، يختلفون في الأحكام الجزئية التي تحصل هذه المصالح وتدفع
стр. 345
تلك المفاسد، فقديماً قال قوم لوط: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ١، فكانت الطهارة مفسدة عقوبتها النفي في منطق هؤلاء، وأن المستوطن الصالح الذي يتمتع بخيرات بلده هو الذي يزاول فاحشة اللواط، ويدعو إليها، فهل خلق هؤلاء بلا عقول تهتدي إلى معرفة وجه المصالح، والمفاسد؟ وهل يظن الطوفي أن العقول لا تختلف في مصلحة هذا الجرم وفساده٢؟
كيف! والواقع المشاهد يقطع بأن العقول تختلف فيما يعتبر مصلحة ومفسدة، وفي طريق تحصيل المصلحة، ودفع المفسدة "وليته تخلف به الزمان حتى رأى عصرنا الحاضر، وتعقد مسائله، وحيرة أهله، وتضارب آراءهم، وتباين مذاهبهم، إذاً لوجد أن المصلحة التي سماها حقيقة لا تختلف ليست إلا سراباً قد ضل سعي الناس وراءه"٣، ولأجل هذا جاءت الشريعة السمحاء لتهدي الناس إلى تحصيل مصالحهم، ودرء مفاسدهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ٤، وقال عن رسول الله ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ٥. الآية.
"فالخالق أدرى حيث تكمن مصالح عباده، وحيث تكمن مضارهم، ومن هنا كانت المصلحة الحقيقية ما عرفت بهدي النصوص أو توابعها، ولا عبرة بمن قد يحسبها مفسدة، وكان كل ما خالفها مفسدة ولا عبرة يوهم من ظنها مصلحة"٦.
وأما الوجه الثالث: فإن ما ادعاه من معارضة السنة بالمصلحة، وما سرده من أمثلة لذلك جعلته يرى أن تقديم رعاية المصلحة على باقي أدلة الشرع راجح
стр. 346
متعين كما قال، فإن هذه الدعوى باطلة، لأن هذه الوقائع التي ذكرها مشتملة على عمل من الشارع نفسه ﷺ ، فإن المستند فيها هو قوله، أو فعله، أو تقريره ﷺ والنبي ﷺ هو الذي ترك البيت، ولم يعد بناءه على قواعد إبراهيم، وتركه له على الحالة التي هو عليها نص، لا أنه عارض النص بالمصلحة كما يقول الطوفي، لأن قوله وفعله وتقريره كلها نصوص كما هو معلوم عند الجميع.
وأما مسألة التيمم، فإن سبب مخالفة عبد الله بن مسعود ﵁ إنما هو تفسير للمس في قوله تعالى: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء﴾ ، بأن المراد به اللمس الذي ينقض الوضوء١، وإنكاره اقتناع عمر بقول عمار، وقد روى عنه وعن عمر ﵄، أنهما رجعا عن قولهما، فليس إذاً مخالفة ابن مسعود في هذه المسألة هي أخذه مصلحة الاحتياط كما يقول الطوفي.
وأما صلاة الصحابة ﵃ لصلاة العصر قبل الوصول إلى بني قريظة، مع نهيه ﷺ عنها، فإنما كان لأنهم راوا أن مراده ﷺ من النهي الحث على سرعة الوصول إليها، لا أنه نهى عن الصلاة نفسها وقد صرح الطوفي بذلك في دليله.
وأما التوقف عن فسخ الحج في العمرة بعد تسميته مع أمره ﷺ لهم بجعله عمرة، فلم يكن لتقديم المصلحة على السنة، وإنما كان تحرجاً منهم لما ألفوه من منع فسخ الحج قبل إتمام مناسكه، ولكونهم رأوا النبي ﷺ باقياً على إحرامه، ولذا قال ﷺ : "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة" ٢، فتحللوا ولم يبق توقفهم سنة لعدم إقراره ﷺ "٣.
стр. 347
الفصل العاشر: هل تنخرم مناسبة الوصف لوجود مفسدة مساوية لها أو راجحة أم لا تنخرم
...
فصل هل تنخرم مناسبة الوصف لوجود مفسدة مساوية لها أو راجحة أم لا تنخرم؟
إذا كان الوصف مشتملاً على مصلحة تقتضي مشروعية الحكم، وتجعله مناسباً، وعلى مفسدة راجحة أو مساوية لتلك المصلحة تجعله غير مناسب لمشروعية الحكم، فهل يكون اشتماله على هذه المفسدة موجباً لبطلان مناسبته أم لا؟
"وذلك كما إذا سلك مسافر الطريق البعيد لا لغرض غير القصر، فإنه لا يقصر على الأظهر، لأن المناسب وهو السفر البعيد عورض بمفسدة هي العدول عن القريب، لا لغرض غير القصر حتى كأنه حصر قصده في ترك الركعتين من الرباعية.
والحاصل أن المشقة في السفر المناسب للقصر تترتب عليها مصلحة التخفيف بالقصر، فإذا عدل عن طريق قصير إلى الطويل كان ذلك مفسدة، لدخوله على إسقاط شطر الصلاة بدون عذر، فقد عارضت هذه المفسدة مصلحة القصر"١، لذا اختلف العلماء في هذه المسألة إلى ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: تبطل مناسبته، ويصير الوصف غير مناسب للحكم في محل وجود المفسدة، واختار هذا المذهب ابن الحاجب، وابن السبكي، واستدلا على ذلك بأن العقل قاض بأنه لا مصلحة مع مفسدة راجحة أو مساوية لها، لأن العقلاء يعدون فعل ما فيه مفسدة راجحة على مصلحة أو مساوية لها خروجاً عن تصرفات العقلاء، فمن قال لعاقل: بع هذا بربح قدر ما تخسر، أو أقل منه، لم يفعل، ولو فعل لعد خارجاً عن تصرفات العقلاء، وعلل بأنه لا ربح حينئذ٢.
واعترض على هذا الدليل بأن القائلين به "إن أرادوا بنفي المصلحة عدم
стр. 348
وجودها حقيقة، فغير مسلم، لأن المفروض وجود مفسدة معارضة للمصلحة، وإن أرادوا به عدم اعتبارها، فغاية ما يدل عليه الدليل حينئذ هو عدم اعتبار المناسبة، لعدم اعتبار المصلحة، لا لبطلانها، وهو خلاف المدعى١.
وما استند إليه من مثال البيع إنما يقتضي عدم ترتب الحكم، لا زوال المصلحة، والمناسبة بالكلية، وذلك متفق عليه كما سيأتي٢.
المذهب الثاني: إنها لا تبطل، غير أنها لا تعتبر شرعاً، فلا يترتب عليها الحكم، واختاره الإمام الرازي وأتباعه ومنهم البيضاوي في المنهاج٣.
استدل الإمام على ما ذهب إليه بأدلة كثيرة من أهمها:
١ - "أن المناسبتين المتعارضتين، إما أن تكونا: متساويتين، أو إحداهما أرجح من الأخرى، فإن كان الأول، لم يكن بطلان إحداهما بالأخرى، - أولى من العكس: فإما أن تبطل كل واحدة منهما بالأخرى - وهو محال؛ لأن المقتضى لعدم كل واحدة منهما وجود الأخرى، والعلة لا بد أن تكون حاصلة مع المعلول، فلو كان كل واحدة منهما مؤثرة في عدم الأخرى، لزم أن تكونا موجودتين حال كونهما معدومتين، وذلك محال.
وإما أن لا تبطل إحداهما بالأخرى - عند التعارض - وذلك هو المطلوب.
وأما إن كانت إحدى المناسبتين - أقوى، فها هنا لا يلزم التفاسد أيضاً، لأنه لو لزم التفاسد لكان لما بينهما من المنافاة، لكنا بينا في القسم الأول أنه لا منافاة بينهما، لأنهما اجتمعتا، وإذا زالت المنافاة لم يلزم من وجود إحداهما عدم الأخرى٤.
لكن يرد عليه أن بطلان المصلحة هنا راجح، لأن درء المفاسد مقدم على
стр. 349
جلب المصالح، فلم يكن الترجيح بدون مرجح".
٢ - "إنه قد تقرر في الشرع إثبات الأحكام المختلفة نظراً إلى الجهات المختلفة، مثل الصلاة في الدار المغصوبة، فإنها من حيث إنها صلاة سبب الثواب، ومن حيث إنها غصب سبب العقاب، والجهة المقتضية للثواب مشتملة على المصلحة، والجهة المقتضية للعقاب مشتملة على المفسدة ... وهذا الوجه مبني على قول الفقهاء الصلاة في الدار المغصوبة عبادة من وجه، ومعصية من وجه آخر"١ فكل من المصلحة والمفسدة هنا معتبر شرعاً، فلو كانت المصلحة تبطل بمعارضة المفسدة، لما صحت الصلاة، ورتب الثواب عليها.
واعترض على هذا بأنه خارج عن الموضوع، لأن الكلام في مصلحة ومفسدة لشيء واحد، أما مفسدة الغصب هنا فلم تنشأ عن الصلاة؛ لأن شغل المكان حرام عليه ويأثم به، ولو كان بغير الصلاة، كما أن مصلحة الصلاة غير ناشئة عن الغصب، إذ لو صلى في غير مكان الغصب لصحت صلاته وأثيب عليها٢.
٣ - "أن العقلاء يقولون في فعل معين، الإتيان به مصلحة في حقي لولا ما فيه من المفسدة الفلانية، ولولا صحة اجتماع وجهي المفسدة والمصلحة، لما صح هذا الكلام"٣.
غير أن الآمدي اعترض على هذا بأن بقاء المصلحة لا يستلزم بقاء المناسبة إذ يقولون: "إن أردت أن مناسبة الوصف تنبني على أنه لا بد في المناسبة من المصلحة على وجه لا يستقل بالمناسبة فمسلم، ولكن لا يلزم من وجود بعض ما لابد منه في المناسبة تحقق المناسبة".
وإن أردت أنها مستقلة بتحقق المناسبة، فممنوع، ثم بين وجه المنع بقوله: "وذلك لأن المصلحة وإن كانت متحققة في نفسها، فالمناسبة أمر عرفي، وأهل العرف لا يعدون المصلحة المعارضة بالمفسدة المساوية أو الراجحة مناسبة. ولهذا
стр. 350
فإن من حصل مصلحة درهم على وجه يفوت عليه عشرة يعد سفيهاً خارجاً عن تصرفات العقلاء، ولو كان ذلك مناسباً لما كان كذلك، وعلى هذا فلا يلزم من اجتماع المصلحة والمفسدة تحقق المناسبة.
وقول القائل: "إن الدواعي موجودة، فالمراد به المصلحة دون المفسدة"١.
أما البيضاوي فقد استدل بما قرره الأسنوي "بأن الفعل وإن تضمن ضرراً أزيد من نفعه، لا يصير نفعه غير نفع، لاستحالة انقلاب الحقائق، وإذا بقي نفعه بقيت مناسبته، وهو المطلوب.
"وإذا ثبت عدم بطلان المصلحة مع وجود المفسدة الراجحة، فكذلك مع المفسدة المساوية"، غاية ما في الباب أنه لا يترتب عليه مقتضاه، لكونه مرجوحاً"٢، أو مساوياً.
غير أن صاحب النبراس نظر فيه من وجهين حيث قال:
الأول: لا نسلم أن المصلحة كانت، ثم انقلبت إلى مفسدة، لأن عدم لزوم المفسدة شرط في كونها مصلحة، فمع وجود المفسدة المساوية أو الراجحة لم تحقق المصلحة بالمرة.
الثاني: أننا لو سلمنا ما ذكر في الوجه الأول، لا نسلم أنه يلزم من بطلان المناسبة زوال المصلحة، كما يؤخذ من عبارة الأحكام، للآمدي في الرد على الدليل القائل بعدم البطلان٣، يريد به ما تقدم من أن بقاء المصلحة لا يستلزم بقاء المناسبة.
المذهب الثالث: إنها لا تبطل شرعاً، ويترتب عليه الحكم كما يترتب على المفسدة حكمها وبه قال الحنفية، ولذا قالوا بلزوم نذر صوم يوم العيد مع أن صومه حرام، فرتبوا على كل من المصلحة والمفسدة حكمها بوجوب الفطر،
стр. 351
والقضاء، ويدل لهذا ما جاء في مسلم الثبوت وشرحه، ونصه "وأعلم أن الكلام هنا في مقامين".
الأول: إن المفسدة تبطل المناسبة وتعدمها وبه قال قائلوا الانخرام، وهذا ضروري البطلان، إذ المفروض كونه مناسباً مشتملاً على مصلحة، ومع هذا مشتمل على مفسدة، والواقع لا يبطل.
الثاني: أن المفسدة توجب عدم اعتبار الشارع المناسبة معها، وهو مختار صاحب المحصول، وجمهور الشافعية.
واستدلوا بأن اعتبار مصلحة مع لزوم مفسدة أبعد من الحكيم كل البعد، وما ذكره المصنف لا يبطل هذا، بل الوافي به، أن مقتضى حكمة الحكيم أن لا يهدر ما هو الواقع، والواقع ههنا مصلحة ومفسدة، فللحكيم أن يوفي حقهما، إذ لا مانع، إذ المانع الذي يتخيل هو التضاد، والتضاد غير مانع لاختلاف الجهة، فافهم فإنه دقيق وبالتأمل حقيق.
ومن ههنا أي من أجل جواز اجتماعهما من جهتين صح النذر بصوم يوم العيد عند الحنفية، فإنه من جهة كونه صوماً منسوباً لله تعالى كاسراً للشهوة فيه مصلحة، فأثر فيه النذر فوجب به.
ومن جهة كونه إعراضاً عن ضيافة الله تعالى فيه مفسدة وهو حرام١، غير أنه يصح لقائل أن يقول: هل كل فعل فيه مصلحة ومفسدة مساوية أو راجحة يترتب عليه حكم المصلحة، وحكم المفسدة، حتى ولو كان الحكمان متنافيين، أو ذلك مشروط بما إذا أمكن اجتماع الفعلين، على الحكم الواحد؟
والظاهر أنه لا بد من إمكان اجتماع الحكمين٢.
هذه هي مذاهب العلماء في هذه المسألة وأدلتها، فهل للخلاف فيها ثمرة؟
أما المذهب القائل ببطلان المناسبة، والثاني القائل بعدم بطلانها، فالظاهر
стр. 352
مما نقلته عنهما أنهما متفقان على عدم ترتيب الحكم على الوصف المناسب في محل المفسدة الراجحة، أو المساوية، غير أنهما مختلفان في علة ذلك، فعند القائل بالبطلان، قال: لعدم وجود المقتضي، لبطلان المناسبة بالمعارضة بالمفسدة.
وعند القائل بعدم البطلان، قال: لوجود المانع، وهو المفسدة؛ لأن من شرط تأثير المقتضى انتفاء المانع، فالخلاف لفظي كما قال العطار١، ويرجع هذا إلى جواز تخصيص العلة، وعدم جوازه، فمن منع التخصيص قال بالبطلان، ومن قال بالتخصيص قال بعدم البطلان.
وليس يترتب على خلافهما فائدة إلا ما ذكره الشربيني من "أنه يترتب عليه انقطاع المستدل، وعدمه، فإنا إذا قلنا: لا تنخرم وتخلف الحكم عن العلة في صورة، فمن قال إن التخلف للمانع لا يضره ذلك التخلف، لبقاء العلية معه، ومن قال تنخرم يضره ذلك، لتبين إنما علل به ليس تمام العلة"٢.
وأما بين المذهبين الأولين، وبين المذهب الثالث فالخلاف بينهما خلاف حقيقي، وثمرته ظاهرة كما في مثال نذر صوم يوم العيد، حيث إن القائلين بالمذهبين الأولين يريان أن النذر باطل، ويحرم الوفاء به.
أما الحنفية أهل المذهب الثالث فقالوا: يلزمه، ويحرم صوم نفس يوم العيد، لكنه يجب قضاؤه على القاعدة السابقة من أن معارضة المصلحة بالمفسدة الراجحة أو المساوية لا تبطل مناسبتها كما تقدم نقله عنهم، غير أنه لم يسلم لهم دليلهم.
стр. 353
فالذي أراه أنه لا يصح ترتيب الحكم على المصلحة المعارضة بمفسدة راجحة، أو مساوية لها، سواء كان ذلك على رأي من قال ببطلانها، أو على رأي من قال بتخلف الحكم لوجود مانع، لأن هذا هو عين الحكمة، لما تقدم من الأدلة على ذلك، ولأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، أما إذا كانت المصلحة راجحة والمفسدة مرجوحة، فإنها لا توجب بطلان المناسبة، ولا تمنع ترتيب الحكم عليها اتفاقاً، إذ ليس من الحكمة إهدار الخير الكثير لدفع الشر اليسير كما في تفويت النفس بمشروعية الجهاد، لأن مفسدة موت بعض المجاهدين مفسدة غير أن مصلحة حفظ الإسلام، وإعلاء شأنه مصلحة عظمى أرجح من مفسدة إهلاك بعض المجاهدين١، والله تعالى أعلم.
стр. 354
الخاتمة
هذه بعض النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث:
١ - إن الأصوليين سلكوا في تعريف القياس طريقتين:
الأولى: سلك أهلها في تعريفه ما ينبئ بأنه فعل المجتهد فعبروا عنه بالإثبات والإلحاق، وما في معناهما اعتماداً على المساواة في علة الحكم.
الثانية: اعتبر أهلها القياس دليلاً نصبه الشارع دليلاً على الحكم الشرعي نظر في المجتهد، أو لم ينظر، فعبروا عنه بالمساواة لأن عمل المجتهد أثر مترتب عليها بتحقيق مساواة الفرع للأصل في العلة الجامعة بينهما.
فإن الطريقتين متفقتان في أن المعول عليه في القياس هو المساواة في العلة، وأن المعتبر في تحقيق هذه المساواة هو نظر المجتهد واستنباطه الذي يحقق به وجود القياس الذهني والخارجي الذي تحقق به أركان القياس الأربعة.
٢ - أن الخلاف بينهما لفظي اعتباري، لا يترتب عليه أثر، فلا حرج على من أخذ بكل من الطريقتين.
٣ - أن الخلاف بين أهل السنة في تعريف العلة خلاف لفظي لم يترتب عليه أثر، فهم متفقون في الغاية والقصد من نسبة التأثير إلى الله تعالى.
٤ - أن أفعال الله تعالى وأحكامه مشتملة على حكم ومصالح ترجع إلى العباد تفضلاً منه سبحانه عليهم.
٥ - يجوز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي.
٦ - يجوز التعليل بالوصف المركب.
٧ - لا يجوز التعليل بالحكمة المجردة عن الضابط.
٨ - يجوز تعليل الحكم الوجودي بالوصف العدمي.
٩ - يجوز التعليل بالعلة القاصرة.
١٠ - يجوز تعليل الحكم بعلتين أو علل كل علة مستقلة.
стр. 355
١١ - يجوز تعليل حكمين فأكثر بعلة واحدة.
١٢ - أن المناسبة تفيد العلية.
١٣ - إن الأصوليين اتفقوا على قبول المؤثر والملائم من أقسام الوصف المناسب.
١٤ - إن المؤثر عند الحنفية أعم منه عند الشافعية، ومن الملائم عند الشافعية بأقسامه الثلاثة.
١٥ - أن العمل بالمناسب المرسل المستند إلى شهادة الأصول الشرعية استدلال بنصوص الشريعة، ولا يقال فيه: أنه عمل بمصلحة مجردة عن الدليل، ولا أنه ترك نص الشارع.
١٦ - أنه قد ثبت بما نقلته عن الأئمة أن الأخذ بالمناسب المرسل محل اتفاق بين جمهور الأئمة والفقهاء، ولا يضر ذلك أن كثيراً منهم لم يعتبره أصلاً مستقلاً بذاته، وأنهم قبلوه باعتبار آخر ككونه اجتهاداً أو قياساً، إذ لا مشاحة في الاصطلاح كما قيل: إذ حصل الاتفاق في الغاية.
١٧ - أن المصلحة معتبرة إذا شهدت لها نصوص الشريعة بالاعتبار، أما إذا لم تشهد لها بالاعتبار، فلا تعتبر، ومن ثم بطل تقديم المصلحة على النص الشرعي، والإجماع.
١٨ - أنه ثبت بما نقلته عن مالك ﵀ وأتباعه بطلان دعوى انه يقدم رعاية المصلحة على النص، وأنه يأخذ بالمرسل الغريب، وأثبت أنه إنما أخذ بملائم المرسل شأنه في ذلك شأن غيره من الأئمة.
١٩ - إن الأخذ بالمناسب المرسل أخذ بأصل من أصول أدلة الشرع الإسلامي ومنهج من منهاج الشرع، تعرف به الأحكام، وأن العمل به لا يعد خلعاً لربقة الإسلام، ولا قولاً بالتشهي وإهمالاً لنصوص الشرع.