العيش بعدك أسمى ...*... في مطعمي مثل صاب
تبا لدار غرور ...*... خداعة كالسراب
ويح ابن آم يلهو ...*... والموت منه كقاب
الموت نوء رياح ...*... والمرء عود ثقاب
لا بد أن سوف يخبو ...*... كل امرء غير خاب
...
يا ساقي الود صرفا ...*... كمثل ماء السحاب
قد كنت للناس سلما ...*... في وصلة واجتناب
وفي "الشبيبة"عضوا ...*... مستسهلا للصعاب
احطتها بافتقاد ...*... وصنتها بارتقاب
تبكي "الشبيبة"عضوا ...*... ملأ لئا كالشهاب
خبا فأحدق ليل ...*... باارها والرحاب
قد أنشب الموت فينا ...*... أظفاره كالعقاب
فافتك عضو نشاط ...*... منا وعضو اكتساب
فيا رشيد وداعا ...*... اليوم يوم الغياب
اليوم كالشمس ...*... تمسي وتختفي بالحجاب
اليوم تغدو رهينا ...*... موسدا للتراب
اليوم تستل منا ...*... كصارم من قراب
كان احتضارك بشرى ...*... لنا بصدق الكتاب
لقيت ربك تصغى ...*... لآيه في الكتاب
لقيت ربك هشا ...*... بشا وديع الجواب
стр. 422
لقيته بثبات ...*... لم تلقه باضطراب
لقيته بيقين ...*... لم تلقه بارتياب
والشهر شهر صيام ...*... وقربة واحتساب
وليلة القدر منا ...*... د آذنت باقتراب
فمل لأبرد ظل ...*... ولذ بأعلى جناب
آواك ربك فاغنم ...*... ما عنده من ثواب
في جنة ذات دور ...*... رفيعة وقباب
محمد لك جار ...*... وشافع في الحساب
فاركن له وتمتع ...*... من حوضه بالشراب
يا فوز من طاب ذكرا ...*... ونال حسن المآب
стр. 423
يا قبر
ارتجل الشاعر هذه المقطوعه عندما وقف لأول مرة على قبر إمام النهضة الجزائرية الأستاذ الرئيس، عبد الحميد بن باديس وقد نقشت على رخامة، وعلقت على ضريحه.
ــ
يا قبر طبت وطاب فيك عبير ...*... هل أنت بالضيف العزيز خبير؟
هذا (ابن باديس) الامام المرتضى ...*... (عبد الحميد) الى حماك يصير
العالم الفذ الذي لعلومه ...*... صيت بأطراف البلاد كبير
بعث الجزائر بعد طول سباتها ...*... فالشعب فيها بالحياة بصير
وقضى بها خمسين عاما كلها ...*... خير لكل المسلمين وخير (١)
ومضى اليك تخصه بثنائها ...*... وإليه من بين الرجال تشير
(عبد الحميد) لعل ذكرك خالد ...*... ولعل نزلك جنة وحرير
ولعل غرسك في القرائح مثمر ...*... ولعل وريك للعقول منير
لا ينقضى حزن عليك مجدد ...*... وأسى له بين الضلوع سعير
نم هادئا فالشعب بعدك راشد ...*... يختط نهجك في الهدى ويسير
لا تخش ضيعة ما تركت لنا سدى ...*... فالوارثون لما تركت كثير
نفحتك من رحمات ربك نفحة ...*... وسقاك عيث من رضاه غزير
стр. 424
دمة منهمرة على فتاة منتحرة
رثى الشاعر بهذه القصيدة فتاة من أحد الأسر الإصلاحية، ألم بها عارض طغى فيه اليأس على الرجاء، والهوى على العقل، شأن الفتيات الغريرات، فانتحرت بالتردي من شاهق بوادي قسنطينة الشهر، (وادي الرمال) وتركت لأبويها حزنا يمده الدمع، ووصل النبأ بذلك الحادث إلى الشاعر فقال هذه القصيدة المؤثرة التي نشرت في العدد (٢٠٤) من "البصائر" سنة ١٩٥٢م.
ــ
أذرت عليك دموعها الانداء ...*... يا زهرة عصفت بها النكباء
ماذا دهاك من الحياة فعفتها ...*... وعرتك فيها نظرة سوداء
ألقيت نفسك من شفير شاهق ...*... يخشى الوقوف بجنبه الجرآء
ما هابه الليث الهصور من الردى ...*... قدرت عليه الظبية الهيفاء
صدمتك من وادي الرمال صخوره ...*... وطواك منه لدى الهوي هواء
وسقطت صرعى لم يقلك في الثرى ...*... فرش ولم يسدل عليك غطاء
وقضيت لا قربى تحوط ولا يد ...*... تأسو ولا عطف ولا إدناء
فبكتك في (سرتا) ظباء كناسها ...*... وشبولها وغياضها الغناء
وتساررت فيها بنعيك ورقها ...*... ورقاء تهدل إثرها ورقاء
أسفي عليك ذوى شبابك فجأة ...*... قبل الجنى وجنى عليه جفاء
ضاقت بك الدنيا بما حبت فما ...*... وسعتك أرض أو وقتك سماء
وأجلت طرفك في الوجوه جميعها ...*... فاذا الضياء أمامه ظلماء
فسخوت بالدنيا وزهرتها لمن ...*... في البؤس عز بها عليه سخاء
стр. 425
الموت جاءك خاطبا فرضيته ...*... زوجا وباء بصدك الخطباء
فزففت في عرس لزوجك ...*... صاخب لكن خضابك يا عروس دماء
أما صداقك يا عروس فلوعة ...*... حرى تذوب بنارها الاحشاء
وفجيعة بك يا عروس وجيعة ...*... نكبت بها الأهلون والقرباء
لا أستبيح لك التردي إنه ...*... رغم اضطرارك زلة نكراء
لا أستطيب لك الردى ولو أنه ...*... لك من جميع النائبات وقاء
في كل كارثة لكل موحد ...*... أمل له في كشفها ورجاء
من كان مرتكز اليقين فعسره ...*... يسر عليه وبؤسه نعماء
ماذا جنت أم جبتك حنانها ...*... وأب عليك له يد بيضاء؟
مستهما الضراء منك أليمة ...*... ودهتهما من بؤسك البأساء
فكلاهما آس عليك وآسف ...*... قد برحت بحشاهما البرحاء
أخطأت رأيا في انتحارك إنه ...*... ذنب يشين وفكرة حمقاء
ليس انتحارك كان رزءا واحدا ...*... في وقعه بل إنه أرزاء
ما كان حل المشكلات بحادث ...*... للنفس فيه على الشقاء شقاء
إني وقفت عليك وقفة شاعر ...*... أرثيك إن أجدى عليك رثاء
متحسرا ومن التحسر ندبة ...*... ومعاتبا ومن العتاب بكاء
عرضت عرضك للظنون وعسفها ...*... إن الظنون مطية عمياء
أزرى بعرضك ما يقال توهما ...*... ولعله مما يقال براء
وأصاب نفسك ما يجل مصابه ...*... ولعل نفسك للنفوس فداء
ولعل رزأك نوبة نفسية ...*... أوعثرة في السير أو إغماء
أو لفحة بك في ذكائك أحرقت ...*... منك الحجى ومن الذكاء ذكاء
стр. 426
قد حفت الأيدي بنعشك فاعتلى ...*... كالفلك تزخر تحته الدأماء
ما شيعتك جنازة بل أمة ...*... نشرت فلم يستوفها إحصاء
ذابت قلوب جميعهم لك رحمة ...*... ورضى الرحيم يناله الرحماء
هل فوق نعشك جثة أم توأم ...*... لبنات نعش أم هي الجوزاء؟
أم فلذة من قلب أروع ضاحك ...*... للنائبات جبينه وضاء
لا تيأسي من روح ربك إنه ...*... ماحي الكبائر محسن معطاء
أضفى عليك الله حلة عفوه ...*... وسقتك من رحماته أنواء
واذا ابتلى الله العباد فجهدهم ...*... صبر له وتضرع ودعاء
...
قل للشباب المستبد برأيه ...*... المستفزة وجده الأهواء
من يتغظ بسواه في أخطائه ...*... تلهمه وجه صوابه الأخطاء
إن انتحار اليائسين جناية ...*... عظمى يبوء بخزيها الجبناء
دنياك معركة يفوز بكسبها ...*... رأي أسد وهمة قعساء
والأرض سوق بالنقائض أفعمت ...*... دأب الورى بيع بها وشراء
الفوز والإخفاق بعض عروضها ...*... يعطى ويأخذ منهما الأحياء
من فاته فيها الرجاء فمفلس ...*... لا يرتجى أبدا له إثراء
والخلق صيد النائبات فكلهم ...*... غرض لها في الرصيد وهي رماء
من ينج من بلوى يقع في مثلها ...*... فمن البلاوي لا يتاح نجاء
والله يحكم ثم يمضي حكمه ...*... في الكائنات كما يرى ويشاء
سبحانه خفيت حقائق علمه ...*... عنا فلم تستجلها الآراء
ما فاز الا مؤمن متوكل ...*... متجمل مهما عراه بلاء
فله بأسباب الإله تمسك ...*... وله بأحكام الإله رضاء
стр. 427
تأبين الشاذلي خزندار
فقدت تونس شاعرها الكبير الشاذلي خزندار .. وفي حفلة التأبين التي أقامها النادي الأدبي للجمعية الرشيدية بتونس العاصمة ألقيت هذه القصيدة نيابة عن الشاعر، نشرت في العدد (٢٦١) من جريدة البصائر سنة ١٩٥٤م.
ــ
ساءنا رزء به الدهر رمانا ...*... فأمانا أيها الدهر أمانا
لم يزل يمعن في محنتنا ...*... ويعادينا ملحا في أذانا
هل لدينا لك ثارات خلت ...*... لم تزل تطلبها آنا فآنا؟
كلما ألفيت منا غرة ...*... ثرت للزحف علينا ثورانا
ومتى اغتلت فلانا لم تكد ...*... تنتهي إلا لتغتال فلانا
من بناة المجد في تاريخنا ...*... وذوي الإنتاج علما وبيانا
ضاقت الأرض على أحرارها ...*... فغدا الرحب عليهم كشتبانا (١)
فقدوا أندادهم فاسترخصوا ...*... عيشهم واستوحشوا منه عيانا
واسترابوا في المرائي فمتى ...*... أبصروها لم يروا إلا دخانا
آه مما حل بالخضراء من ...*... فاجع كل عزيز فيه هانا
فقدت تونس من آفاقها ...*... كوكبا قطبا وبدرا إضحيانا (٢)
أين منها الشاذلي المرتضى ...*... خزندار السمح كفا وجنانا
стр. 428
كل ناد بات فيها نادبا ...*... يذرف الدمع عليه أرجوانا
كان أشجى بلبل في أيكها ...*... أطرب الأنفس بالشدو زمانا
كان أضرى ضيغم في غابها ...*... أذعر الخصم زئيرا فاستكانا
كان بحرا بالقوافي زاخرا ...*... طافحا يلفظ درا وجمانا
كان برا كالغزالي له ...*... نهج نسك فيه يفتن افتنانا
ما بروح النسك يحظى غير من ...*... أوتي الهمة والنفس الحصانا
كان في الشعر أميرا مالكا ...*... لقوافيه له الصعب استلانا
هتف الموت فلبى راضيا ...*... ورمى التاج وألقى الصولجانا
وطوى سبعين عاما فطوى ...*... سفر مجد خط بالتبر دهانا
وارتضى القبر رفيقا بعدما ...*... رافق الشعر فوفاه ائتمانا
إن عرش الشعر آس آسف ...*... بعده يبكي مزاياه الحسانا
قم نعز المغرب الأكبر في ...*... شاعر أكبر مرموق مكانا
إن شر الناس في أخلاقه ...*... جاحد بالعبقريين استهانا
أيها المغرب أجمل في الأسى ...*... وعزاء في عزيز عنك بانا
انه بالبر أرضى ربه ...*... ورعى الآداب في الشعر وصانا
وسقة تونس من أشعاره ...*... كوثريا أينعت منه جنانا
وعن الدستور في أدواره ...*... كلها أعلن رأيا وأبانا
وسعى في حزبه الحر فتى ...*... طافر العزمة لم يخش امتحانا
اذا الحاكم بالجور قضى ...*... في الرعايا لم يخف الا الجبانا
واذا الريح على النار طغت ...*... لم تزد للنار الا هيجانا
إنما تونس عضو جد في ...*... هيكل المغرب فاشتد كيانا
стр. 429
حبذا (الأعظم) فيها من أب ...*... وسع الابناء برا وحنانا
قد سبحنا أمدا في أفقه ...*... واقتبسنا من دراريه سنانا
وأذعنا من رسالات الهدى ...*... كل ما طيب ذكراه وزانا
يا بني الخضراء هذا جهدنا ...*... في مصاب كلنا منه حزانى
كلنا فيه سواء فليكن ...*... كلنا فيه معينا ومعينا
بورك المغرب من دار لنا ...*... بوأتنا من مغانيها كنانا
نحن فيها أسرة واحدة ...*... إخوة دينا وجنسا ولسانا
فتت الفرقة في أعضادنا ...*... إن منها ابدا كل ضنانا
عالجوها باتحاد جامع ...*... ناجع المفعول ينفي الشنآنا
ضمن الله به العز لنا ...*... ونفى الذلة عنا والهوانا
إنما الدنيا مجال للورى ...*... من سما هما بها فاز رهانا
كل من أحسن صنعا فليثق ...*... أن يجازى عنه خيرا ويدانا
إن وعد الله حق آجل ...*... فإذا حانت منايا الناس حانا
والبرايا للمنايا عرضة ...*... كلها تصبح أخبارا لكانا
كلها تفنى ولا يبقى سوى ...*... من تعالى عن جميع الخلق شانا
стр. 430
فقدنا مليكا عادلا
للمغفور له الملك عبد العزيز آل سعود عاهل الجزيرة العربية مكانة سامية في نفوس المصلحين بالجزائر، لما اشتهر به من إقامة ححود الله، والقضاء على البدع والأضاليل. وإحياء السنة النبوية، وتأمين سبيل الحج وقد نعاه الشاعر بهذه القصيدة معزيا بها آله وشعبه وكل المسلمين.
ــ
لك الويل من نعي به هتف البرق ...*... فريع له الإسلام واضطرب الشرق
وردده المذياع من كل موطن ...*... فصمت به الآذان واحتبس النطق
وفاضت به أنهار كل صحيفة ...*... كما فاض من آماقنا دمعها الودق
فقدنا مليكا عادلا ظهر الهدى ...*... بإنصافه في الحكم وانتصر الحق
أقام حدود الله بالسيف وازعا ...*... وبالدين قانونا فدان له الخلق
وحاط حجيج البيت بالأمن بعد ما ...*... عثا في الحجاز البدو وانسدت الطرق
وشق الثرى واستخرج الماء دافقا ...*... بكل النواحي لا يكف له دفق
стр. 431
وأخرج تبر الأرض يلمح بالغنى ...*... ويلمع للرائي كما يلمع البرق
وأنبع آبارا من النفط جمة ...*... بأجهزة في الكشف لم يعيها عمق
لعمرك إن النفط للشعب ثروة ...*... وعلق نفيس ليس يشبهه علق
فعادت به أرض الجزيرة خصبة ...*... كأن لم يشع جدب بها ويضق رزق
سلام على ليث الجزيرة في الثرى ...*... مسجى بطيب الذكر يندبه الصدق
لقد خلف الأشبال تحمي عرينه ...*... ضواري في رعي الذمار لها حذق
وفي الخلف الميمون سلوى لشعبه ...*... وبشرى بنجم فيه أطلعه الأفق
ألا أيها الحامي الجزيرة إننا ...*... نحييك عن شعب برى جهده الرق
عطفت على من جاء منه مهاجرا ...*... فلم تلتفت منه الى أرضه عنق
وعدت على بعثاتنا بمبرة ...*... مضاعفة الجدوى بها رتق الفتق
стр. 432
فحمدا على حمد به تلهج اللها ...*... لفضلك تمجيدا كما تسجع الورق
وشكرا على شكر لسبقك بالندى ...*... وآل سعود كلهم لهم السبق
خلائف أبطال وأعقاب ذادة ...*... زكا الفرع منهم مثلما قد زكا العرق
وما نحن إلا إخوة رغم بيننا ...*... أشقاء في الإسلام ما بيننا فرق
وقد يرتجي للشرق جمع شتاته ...*... كما يرتجى للعبد من رقه عتق
стр. 433
عزاء في فجيعتنا
إثر الانفجار المريع الذي وقع في ميناء عنابة وكان سببا في كارثة ذهب ضحيتها عشرات الأرواح البشرية جادث شاعرية شاعرنا بهذا القصيد.
وقد نشرت بمجلة (المعرفة) لوزارة الأوقاف العدد (١٣) ربيع أول ١٣٨٤ هـ/ جويلية ١٩٦٤م.
ــ
رماني بالأسى سهم معادي ...*... أصاب بني العروبة في الفؤاد
دهى (عنابة) ومواطنيها ...*... بخطب هز أركان البلاد
عروس الشرق من وطني تجلت ...*... ولكن في جلابيب السواد
فقد نكبت بكارثة انفجار ...*... وعادية تجل عن العوادي
بدا في بحرها (نجم) تجلى ...*... من (الإسكندرية) في اتقاد
ولكن خرمحترقا غريقا ...*... بمرفئها فحار إلى رماد
خسرنا اليوم باخرة أتتنا ...*... محملة بأصناف العتاد
من الوطن الشقيق، وهل كمصر ...*... لنا وطن أخ صافي الوداد
لقد شبت بها النيران ليلا ...*... ودبت بالحرائق والفساد
كزلزلة تهز الأرض هزا ...*... وتنسف ما عليها من عماد
يدوي صوتها كدوي رعد ...*... أجابته الفرائص بارتعاد
وهبت ريحها تذكي لظاها ...*... وتنقلها إلى الدور البعاد
وتقذف بالصواري والشظايا ...*... وأثقال الحديد بكل وادي
لا تسأل هناك عن الضحايا ...*... فقد حصدت بها أشقى حصاد
стр. 434
ولم تسلم بها إلا بقايا ...*... من الجرحى تئن على المهاد
وهب الشعب يسأل في ذهول ...*... أبركان طغى أم ريح عاد
يرى ملء الفضاء بها صنوفا ...*... من الأنقاض تنزل كالجراد
وأعضلت الخسائر في مدارها ...*... فهل تحصى بحصر في عداد
وخف الجيش معتضدا بحزم ...*... ومن كالجيش أولى باعتضاد؟
وخاض النار مقتحما لظاها ...*... يلبي بالفدى صوت المنادي
فشكرا أيها الأبطال شكرا ...*... على روح التناصر والتفادي
وما قدمتموه من الضحايا ...*... وما مثلتموه من المبادي
ويا أبناء (بونة) قد أضفتم ...*... إلى الشهداء رقما غير عادي
إلى شهداء ثورتنا انسبوهم ...*... فهم منهم بصدق واعتداد
نعزيكم ونوصيكم بصبر ...*... فإن الصبر عنوان الرشاد
ويا شعب الجزائر قم وأسعف ...*... وعجل باكتتاب واعتماد
وقم بعيادة الجرحى وبادر ...*... إليهم بالإغاثة والضماد
فقد يسرت للحسنات كفؤا ...*... لها وعرفت بالشعب الجواد
وقدم منك للشهداء فيضا ...*... من الرحمات كالديم الغوادي
وقل لبني (الكنانة) سوف تبقى ...*... ضحاياكم لنا رمز اتحاد
وما شهداؤكم إلا ضيوف ...*... على شهدائنا بأعز نادي
وددنا أننا كنا فداهم ...*... وأنا قد نكبنا بانفراد
ولكن القضاء مضى فصبرا ...*... ومعذرة على عكس المراد
تلقوا ما جرى بثبات جأش ...*... كما كنتم وكنا في الجهاد
عزاء في فجيعتنا فإنا ...*... سواء في الرزية والحداد
стр. 435
أبت النفس أن تراك عديما
القصيد الخالد الذي ألقاه شاعر المغرب العربي وشيخ شعرائه الأستاذ "محمد العيد" في الحفل الشعبي الرهيب الذي أقامه الشعب الجزائري لتوديع الراحل الكبير، الإمام المصلح ورائد الثقافة العربية في العالم العربي والإسلامي الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، ﵀ ورضي عنه في الخالدين وذلك أمام ضريحه بمقبرة "سيدي أمحمد" بالجزائر العاصمة يوم الجمعة ٢٠ محرم ١٣٨٥هـ - ٢١ ماي ١٩٦٥م.
ــ
قم بحق الإخاء وارث حميما ...*... راحلا مخلص الولاء صميما
صد عنك الذي دنا منك ودا ...*... وحنا عاطفا عليك كريما
صد عنك "البشير" شب حنايا الصـ ...*... ـدر نارا وهدها تحطيما
حم موت البشير فاكتأب الشعب ...*... وأصغى إلى النعي كظيما
فجعت أمة العروبة في الها ...*... دي لمن ظل نهجها المستقيما
كان للعلم في الجزائر روضا ...*... مستطابا يحي النفوس شميما
ولقد أسس المعاهد فيها ...*... منذ عهد وخطط التعليما
فقد "المجمع الكناني" عضوا ...*... نادر الكفء بالغريب عليما
كان بحرا من المعارف زخا ...*... را وذخرا من الفنون جسيما
ودماغا وعى "المحيط " محيطا ...*... ولسانا حوى "اللسان" قويما
راض فصحى اللغى فأوتي فيها ...*... منطقا ساحرا وذوقا سليما
رافق الكتب والمكاتب دهرا ...*... وتقصى أعلامها تعميما
فبدا عصرها القديم جديدا ...*... وبدا عصره الجديد قديما
стр. 436
كان لـ"لأصعي" و"ابن دريد" ...*... و"الكسائي" في الليالي نديما
بادل "الصاحب" الاديب نثيرا ...*... مثلما ساجل "الخليل" نظيما
يا أخي الحق لست أنسى حديثا ...*... عندما عدتك استرق نسيما
قبل ما قلت فيه: نحن على العـ ...*... ـد عهدناك للعهود مديما
وبلوناك في البلاء وقورا ...*... وصبورا على الجفاء حليما
مستقر اليقن لا ترتضي الريـ ...*... ـب ولا العيب والنفاق الذميما
إن قبرا آواك ضم منارا ...*... من ذكاء ما ضم عظما رميما
وترابا حواك أرض جلال ...*... وكمال نرى لها التحريما
يا رعى الله أمة بك برت ...*... وأقرت لفضلك التقديما
خرجت نحو نعشك اليوم تسعى ...*... وعلى القبر سلمت تسليما
شاطرت "آل طالب" في أساهم ...*... وأستهم لأجرهم تعظيما
فعزاء "آل البشير" عزاء ...*... كلنا اليوم بالفجيعة ريما
إنما الموت راحة الحر مما ...*... كان مرا من المتاع وخيما
انما الموت فرقة الروح للجسـ ...*... ـم على الخلق حتمت تحتيما
سنة سنها الذي أنشأ المر ...*... ء فما زال راحلا ومقيما
وعزاء يا نخبة الشعب فيمن ...*... كان للشعب سيدا وخديما!!
كان في العلم رائدا وإماما ...*... ورئيسا وقائدا وزعيما!
يا أخي الحق إن قصرت عن القو ...*... ل فما قصر الفؤاد كليما
فسلاما ولا أقول وداعا ...*... أبت النفس أن تراك عديما
وأبى القلب أن يفارق قلبا ...*... طافحا بالرضى وعقلا فهيما
وصديقا يرعى الحقوق ويأبى ...*... أن يضام الصديق أو أن يضيما
стр. 437
أنت بيضت وجه شعبك فخرا ...*... بيض الله منك وجها وسيما
فلقد كنت للعروبة فينا ...*... ولدين الإسلام رمزا حكيما
ولقد كنت للجزائر طودا ...*... بين أطوادها تشق السديما
تحضن النشء كافلا وتربي ...*... وتعبي وتحكم التصميما
فائت أخراك مطمئنا ففيها ...*... ضفت رحمان للعباد رحيما
وتسنم فردوسها وتنسم ...*... روحها روايا بها تسنيما
إن حسن الرجاء في الله ذخر ...*... ترتجي عنده به التكريما
فإلى موطن الكرامة بارح ...*... عالما يحرج الكرام لئيما
عشت فوق الثرى عظيما فأحرى ...*... بك أن تسكن السماء عظيما!
стр. 438
ذكريات
стр. 439
ذكرى شاعرين
قيلت في رثاء الشاعرين الكبيرين: شوقي وحافظ، وأنشدت في حفل عظيم أقامته جمعية العلماء الجزائريين لتأبينهما في (نادي الترق) بعاصمة الجزائر، في شهر شوال عام ١٣٥١هـ.
نشرت بالشهاب ج ٤ م ١٠ غرة ذي الحجة ١٣٥٢/ ١٧ مارس ١٩٣٤.
ــ
خلق الموت فناء لبقاء ...*... وجزاء من نعيم أو شقاء
ولقاء في فراق باغتا ...*... كل نفس أو فراقا في لقاء
حاشر الخلق الى خلاقها ...*... ومزجيها الى فصل القضاء
هو معفي العقل من تكليفه ...*... ومريح الجسم من جهد البلاء
هو منجى الأرض من اشرارها ...*... منقذ ابن الأرض من دنيا العناء
أيها الانسان هل أنت لما ...*... راع من شتى المراءي فيك راءى
حمت كالطير بسر أزلا ...*... لا بريش في صحفاء لا هواء
حول عرش من سناء وسنا ...*... وكمال وجلال وبهاء
اذ جرى العهد واذ قلت بلى ...*... فيه لو شفعت وعدا بالوفاء
وتلاعمت (هيولى) فالتقى ...*... حمأ الأرض وإشراق السماء
عنصران امتزجا في صورة ...*... نضرة رصا بها رص البناء
واذا الطير بفخ مثقل ...*... عجب الصنعة من طين وماء
فتنزى رهنه حتى اذا ...*... حطم الفخ تنزى في الفضاء
стр. 440
دامي الجرح عليه مسحة ...*... من شحوب وبه وخز حياء
كدت أجلو الروح لولا أن من ...*... أمر ربي صونه تحت الخفاء
هو لغز الله عماه فما ...*... كشفه غير خيال وادعاء
عجز العقل عن الروح وما ...*... زال بين اليأس فيه والرجاء
أستميح العفو في خوضي فما ...*... هو إلا من هيام الشعراء
أي هواة الفن أحرار الحجى ...*... حصفاء الذوق أبرار الإخاء
أدركوا بالعطف أما ثاكلا ...*... لم تبارحها عوادي البرحاء
رزئت بكرين لن ترزأهما ...*... قط أم مبكر بالنجباء
هذه أناتها رنانة ...*... رددتها اليوم أصداء الجواء
ناحت الفصحى على (شوقي) على "حافظ" بعدهما صبح مساء
وتخلت عن مباراة اللغى ...*... بعد نهدين لها قيدي ظباء
خاطفي برقين سهمي صائد ...*... صائب ريحي رخاء ورخاء
صحف الشرق جرت أنهارها ...*... عبرات بعبارات الرثاء
أعربت لا بسواد الحبر بل ...*... بسواد العين عن سوء سواء
أي قلب لم يكدر بالأسى ...*... أي طرف لم يفجر بالبكاء؟
هل على الدوار من نسريه أو ...*... فرقديه بعض حسن وضياء
أفلا أندب نجمين به ...*... أفلا، بعد ازدهار وازهاء؟
سائلوا البرزخ عن ضيفيه هل ...*... لهما صيت كما في الأرض نائي
سائلوا البرزخ عن طيريه هل ...*... غردا فيه بنوح أو غناء؟
ضرب الحجر على حنجرة ...*... صوتها غاد على الأحياء جاءي
ملأ الصمت عليها ملأ ...*... ملكي الجمع قدسي الرواء
стр. 441
لا تحس النفس الا أنها ...*... فيه لاذت من فناء بفناء
قست الأرض فقاسينا على ...*... ظهرها كل ضنى فيها عياء
نبذتنا لجة الغيب بها ...*... نبذ ذي النون قديما بالعراء
فاذا الجدة فيها للبلى ...*... واذا العمران فيها للخلاء
ونرى أعراض أمراض على ...*... أهلها تبدو عويصات الشفاء
حول حاجات عدت طور الحجى ...*... وهنات كدت صفو الهناء
ونرى الشرق بها كالغرب كم ...*... من شموس غربت فيها وضاء
دولة الشعر من الشرق انقضت ...*... وانقضى فيها مراء الأمراء
ولواء الضاد في الشرق انحنى ...*... فانحنى الشرق على ذاك اللواء
عفت الدنيا فلا (شوقي) ولا ...*... (حافظ) غير أحاديث الثناء
أين منها نكت من (حافظ) ...*... مسفرات عن ذكاء كذكاء
أين منها أدمع من شعره ...*... ناب فيها عن عيون البؤساء
طالما ناح بها مستصرخا ...*... مهج العطف وراحات السخاء
أين منها لهو (شوقي) بالنهى ...*... وتغنيه بمجد القدماء
في قواف يأنس الشرق بها ...*... مثلما يأنسى ركب بالحداء
يا بني الشرق ذروا الدمع لمن ...*... لاذ بالدمع ولوذوا بالعزاء
لا تقولوا أصبحت أعراضنا ...*... عرضة للطعن فيها والهجاء
فوراء الغاب أشبال حمت ...*... حرم الغاب شديدات الضراء
أنتم الأطواد فليجمع لكم ...*... أمره الغرب ويسرف في العداء
مهد الشرق لكم أكنافه ...*... فاحرسوها بتحاصين الولاء
стр. 442
عاش وقفا على الجزائر
ألقيت في الحفل المقام لذكرى الإمام عبد الحميد بن باديس في مدينة باتنة يوم ٢١ أفريل سنة ١٩٦٥م
ــ
حي ذكرى عبد الحميد الإمام ...*... وتذكره بالرضى والسلام
وترحم عليه في كل حين ...*... فهو في العلم قدوة الأعلام
وهو في الزحف قائد الجيل حقا ...*... وهو في الدين حجة الإسلام
وهو واعي الذكر الحكيم وداعـ ...*... ـيه وراعي ما فيه من أحكام
وهو حامي هدي الرسول وناهيـ ...*... ـك بدع له من الزيغ حامي
كان عبد الحميد رائد بر ...*... طيب القلب راحما للأنام
طاوي الكشح عن نزاع البرايا ...*... صادفا عنه صارفا للوئام
علويا في العلم نفسا ودرسا ...*... عمريا في الحكم والإلهام
عاش وقفا على الجزائر والإسـ ...*... ـلام يرعاهما وفي الذمام
وغيورا على الشريعة يأبى ...*... غير تشريعها لفض الخصام
وغيورا على العروبة يفشي ...*... ضادها لاهجا به في الكلام
وغيورا على الجزائر قومـ ...*... ـيا صميما من سادة الأقوام
لم تعقه الأتعاب عن خدمة الشعـ ...*... ـب ولا ضر معضل الأسقام
لا، ولا أرهبته سيطرة البطـ ...*... ـش ولا الكيد تحت جنح الظلام
فاذا حمت الهزاهز فيها ...*... كان عضب المهز كالصمصام
وإذا طمت الخطوب رأينا ...*... هـ يدوي كالرعد بالإرزام
стр. 443
كان عبد الحميد في الرأي قطبا ...*... مرشدا للعقول والأفهام
مثل (عبد الحميد) خطط منهـ ...*... ـا قويما لقادة الأقلام (١)
يمحض الشعر للكفاح ويوصي ...*... بالتسامي عن لوثه بالغرام
والتجافي عن الغرابة لفظا ...*... واجتناب الغموض والإبهام
...
يا ابن باديس يا أبا الشعب قم فانـ ...*... ـظر بفخر لشعبك المقدام
قم تجد شعبك المخلف قبلا ...*... سار شوطا مع الشعوب النوامي
قم تجد دولة الجزائر قامت ...*... وأقامت بالحكم حر النظام
قم تجد راية الجزائر تعلو ...*... فوق كل الربوع والآكام
شبت الثورة التي منك هبت ...*... ريحها حين شب عود الضرام
واستتبت أسبابها فاستحالت ...*... كل أنغامنا إلى ألغام
صد جيش التحرير فيها قوى البغـ ...*... ـي ورد العرين للضرغام
كيف تنسى الجزائر اليوم وفدا ...*... كنت تحتل صدره في المقام
يوم جابهت بالدفاع (دلادي) (٢) ...*... وهو يرغي مهددا بانتقام
قلت بالمدفع اغتررت وحسبي ...*... مدفع فوقه به الله رامي
موقف حاسم شهرت به الإنـ ...*... ـكار في وجه من طغى كالحسام
كتحدي أبي حنيفة للمنـ ...*... ـصور أو مالك برفض الحرام
وسعيد والمنذر بن سعيد، ...*... أو كعمر والعز عبد السلام
стр. 444
أو كيعقوب، وابن يعمر يحيى ...*... وابن تيمية فقيه الشام (١)
هكذا أعلن الأئمة قبلا ...*... سيف إنكارهم على الظلام
ويح من أسخط الإله وأرضى ...*... بالهوى من طغى من الحكام
يا ابن باديس هذه فئة الحـ ...*... ـق بذكراك تحتفي كل عام
وتحي (أفريل) شهر توفيـ ...*... ـك وتوفيك شكرها باحترام
إن ذكراك موعد عربي ...*... وطني لنا كثير الزحام
إن ذكراك تبعث الوعي في الشعـ ...*... ـب كبعث الأرواح في الأجسام
شعب عبد الحميد ها هو وافى ...*... فالق عبد الحميد بالإكرام
رفرفت روحه عليك وناجتـ ...*... ـك فهاجتك للدموع الهوامي
قد تبناك بالبرور وربا ...*... ك بنصح كوالد قوام
لا تضع ما ورثت منه من المجـ ...*... ـد وكن فيه راشد الأحلام
إن ما جد من مشاريعك الغر ...*... ر امتداد لمجده المترامي
وقوام الشعوب خلق سليم ...*... مستقيم فكن قوي القوام
وبتقوى الإله تقوى فخذها ...*... لك زادا لعيش دار الدوام
شغلتنا حياتنا عن مداها ...*... فأمنا مصائر الأيام
ليس غير المتاب حبل نجاة ...*... في حياة لجية الآثام
رب فاقبل متابنا واعف عنا ...*... وأثبنا الرضى وحسن الختام
стр. 445
يا رائد الشعب
القصيد الخالد الذي ألقاه شاعرنا بنفسه في حفل الذكرى الأولى لوفاة فقيد العلم والعلماء ورائد الثقافة العربية والنهضة الوطنية بالجزائر الشيخ محمد البشير الإبراهيمي مساء يوم السبت ٣٠ محرم ١٣٨٦هـ ٢١ ماي ١٩٦٦م بقاعة ابن خلدون بالعاصمة.
ــ
ذكرى وفاتك إحياء لأعمال ...*... من صنع عزمك أم بعث لأجيال
ام نشر صحف جهاد ذدت عن قيم ...*... عليا به ونضال منك ذي بال
أم عرض ثورة شعب كنت قائدها ...*... بالرأي من قبل ان يصلى بها صالي
يا رائد الشعب للأهداف سرت به ...*... دينا ودنيا بفكر منك جوال
إني دعيت الى الذكرى لأشهدها ...*... وإنما تعرض الذكرى على السالي
تالله ما خطرت سلواك في خلدى ...*... يوما ولا عبرت ذكراك من بالي
كأن موتك ما مرت فجيعته ...*... ولا خلت لحظة من عامه الخالي
هنا بنوك الذين استمسكوا أبدا ...*... من رمزك الخالد السامي باذيال
لقد تساقوا شراب العهد بينهم ...*... على اسم ذكراك سلسالا بسلسال
وقدموا لك أعلاقا منسقة ...*... على موائد تكريم وإجمال
فأتحفوك عيونا من قصائدهم ...*... أقر سامعها بالسحر للتالي
انت الغني بما خلدت من مثل ...*... عن مدح قافية أو رفع تمثال
أحييت بالعلم شعبا سيق معظمه ...*... للقبر في كفني جهل وإهمال
وجئت بالنور في يمناك ترفعه ...*... تجلو الغياهب عن أبصار ضلال
стр. 446
هل كنت عيسى الذي أحيا الرفاة بما ...*... أحيا وبدل آجالا بآجال
أم البشير الذي ألقى القميص على ...*... يعقوب طبا بنور للأسى جالي
أم البشير الذي القى العظات على ...*... شعب الجزائر مرموقا باجلال
حرية الفكر والتعبير عشت لها ...*... رمزا بما رمت من تحطيم أغلال
حرية الفكر والتعبير ظاهرة ...*... فضلى لكل شجاع القلب مفضال
ورب قولة صدق منك هادفة ...*... أعلنتها تتحدى كل صوال
ونهضة كنت فيها شامخا أنفا ...*... كالطود عن كل تشويش وإخلال
أعطيت في الصبر درسا للدعاة سما ...*... مغزى فلم تجز أنكالا بأنكال
وكان نصرك يمنا بعد مشأمة ...*... على البلاد وأمنا بعد أهوال
يا شعب حفلك في يوم البشير بدا ...*... غيلا تلاقت به أشبال رئبال
ذكرى الرجال منار للرجال لهم ...*... هاد وقدوة أبطال بأبطال
ولا وفاء لحي بعد ميته ...*... إلا بحفظ لما أبقى وإكمال
إن البشير أديب العصر عالمه ...*... فذ الأسانيد أملى فذ أنقال
اذا روى الشعر والأخبار كان بها ...*... كـ (ـالأصمعي) وإن أملى فـ (ـكالقالي)
جمعية العلماء استخلصته لها ...*... فكان في كفها كالصارم الحالي
يرتاح للمجد لكن ما ازدى أحدا ...*... ولم يصعر له خدا كمختال
وكان يمزح احيانا بمجلسه ...*... عذب الحديث بأرجاز وأزجال
لكن اذا جد جد الشعب قام به ...*... يملي العظات وقورا غير هزال
سل المدينة عما قد روى وحوى ...*... كتبا وواصل من بحث وتسآل
سل الرياض وسل أم القرى فهما ...*... أدرى بما نال من عز وإقبال
وسل دمشق فقدما جاد تربتها ...*... بمرجحن من الآداب هطال
стр. 447
وامتاز فيها بحفظ نادر فروى ...*... مطولات بسرد منه منهال
سل العراق وباكستان عن حكم ...*... على الجماهير ألقاها وأمثال
سل الكويت فقد أسدى له خططا ...*... مختارة في قضايا العلم والمال
سل الكنانة عما بث من فكر ...*... ثورية وروى من صدق أقوال
وحل للمجمع العلمي من عقد ...*... في الكشف عن نكت الفصحى وأقفال
واختار من كلم كالدر في قيم ...*... أثرى الجديد بها مذ أفلس البالي
وسل فلسطين كم نادى لنصرتها ...*... في موقف منه قوال وفعال
سل الجزائر عما سن من نظم ...*... مثلى وضحى لها من عمره الغالي
وعن دروس الى صلاح داعية ...*... بمحكمة لم تثر إنكار عذال
وعن (عيون) مقالات له كشفت ...*... هدى (البصائر) تنفي كل اضلال
وعن مناهج تعليم وتربية ...*... عليا لتخريج أعلام وأبطال
وحله مشكل التعريب حيث راى ...*... تيسيره وتحامى كل اشكال
فقال نبدؤه مما نلقنه ...*... في الدرس من كلم فصحى لأطفال
وسوف ينقل من أوساط معرفة ...*... بالإحتكاك إلى أوساط جهال
قل للمعلم اكثرت الحلول الى ...*... أن صرت في حيرة منها وبلبال
وكيف تجمل بالأستاذ حيرته ...*... في رد فرع لأصل دون إخلال
ما كان شغلك إلا صنع أدمغة ...*... او صوغ ألسنة من معدن عالي
أراك في حملة التعريب قائدها ...*... فكيف تفشل من تثبيط خذال
أد الرسالة ما واتاك حاضرها ...*... وكن بمستقبل التعريب ذا فال
إن الفروع به تنمو بفطرتها ...*... إلى الأصول فطعمها بآمال
حافظ على الروح فيما تقتنيه ومل ...*... عن كل مستورد للروح قتال
стр. 448
وخذ ودع من فنون العلم مقتنيا ...*... فإنها ذات ألوان وأشكال
ما أحوج الشعب في العصر الجديد الى ...*... نشء جديد لعلم العصر نخال
مخضرم القطف يذكو من ثقافته ...*... عرف الورود وريح الشيخ والضال
الزهد في الشعر أخفى كل موهبة ...*... وعاق عن كل إبداع وافضالي
وأخمل النابهين السابقين بما ...*... باؤوا به من جحود أي إخمال
كم ناشئ فيه لو يعنى به ادبا ...*... لذاع صيتا كشوقي أو كإقبال
ويح النبوغ بلا راع فغايته ...*... إفلاس موهبة أو خوض أو حال
ما للشباب تخلى عن وظائفه ...*... وصار مشتغلا بالقيل والقال
جاب الشوارع بطالا فيا أسفا ...*... على شباب بزهر العمر بطال
ارى العطاش بلا حد فشوا وأرى ...*... أشقى العطاش نفوسا وأردى الآل
هيا الى العلم نكرع من موارده ...*... ونعقب الشرب إنهالا بإعلال
لعلنا نقتفي أثر البشير به ...*... في كل غرس له خصب واغلال
وما له من يد طولى وتوعية ...*... للشعب في الثورة العظمى وأعمال
كم خطط الخطط المثلى لها وجلا ...*... أهدافها وتحرى خير منوال
وجال في عاصمات الشرق منتصرا ...*... بالحمس من قادة فيها وأقوال
حتى علت جبهة التحرير وانتصرت ...*... وقررت وضع أوزار وأثقال
واقبل الجيش مرفوع اللواء على ...*... أرض الجزائر طلق الوجه والبال
وكيف يهزم أبطال لنا شفعوا ...*... رمي الرصاص بتكبير وإهلال!
فأورثوا الشعب تحرير البلاد كما ...*... باؤوا من الغاصب الجالي بأنفال
وكيف لا تذعن الدنيا لثورتنا ...*... وقد بلت بأسنا في كل زلزال
وما لنا اليوم لا نلقي الرجاء على ...*... حكم لنا ناهض عنا بأحمال
стр. 449
الحكم لله ثم الشعب مرجعه ...*... مهما تغير من حال الى حال
نحن الحنائف ماضينا وحاضرنا ...*... صنوان سيان في حل وترحال
نهوى الجميل ونهوى من يمثله ...*... للناس في حلل أو بين أسمال
وما هدفنا الى شخص نقدسه ...*... لكن إلى حسن أخلاق وأفعال
نواكب الحق مهما سار موكبه ...*... سلما وحربا ونأبى كل إذلال
شعارنا أننا نحمي شعائرنا ...*... من كل ناف لها بالريب عطال
نرعى العهود ونأبى أن نخيس بها ...*... وحسبنا الله من كاف ومن والي
стр. 450
الرفات الحي
أهلا وسهلا بالأمير
القصيد الرائع الني نظمه الشاعر بمناسبة نقل رفات رمز الكفاح الجزائري الأمير عبد القادر من سوريا إلى أرض الوطن في جويلية ١٩٦٦م.
ــ
تبارك نصر بالبطولات شاهد ...*... وعيد به عاد الأمير المجاهد
تبارك عيد النصر عاد بآية ...*... كآية (عيسى) ما لها اليوم جاحد
رفات كريم للممات مفارق ...*... وميت عظيم للحياة معاود
رفات على نعش وإن قلت واصفا ...*... مليك على عرش فما أنت حائد
أرى الطالع الميمون ألف شملنا ...*... بقائدنا الأعلى وخاب المباعد
ألا يا عهود الفخر والمجد أقبلي ...*... وعودي (فعبد القادر) اليوم عائد
لقد عاد محمولا على الهام عاليا ...*... تبايعه الأيدي وتحمي السواعد
وترمقه كل العيون فركبه ...*... تنافس محسود عليه وحاسد
وحيا فحيت دولة عربية ...*... كما كان يرجو بعثها ويناشد
فقائدها الثوري قائد ركبه ...*... ومجلسها الثوري للامن ماهد
ومن جيشها الشعبي للركب حارس ...*... أمين وحام للنظام مساند
يؤدي التحايا بالسلاح وفوقه ...*... لواء هلالي إلى الجو صاعد
يصفق ترحيبا به وهو راقص ...*... طروب من البشرى به متواجد
وخف إلى استقباله الشعب مكبرا ...*... مجلا كما يستقبل البيت عابد
يجلجل بالتكبير من كل جانب ...*... كما جلجلت في الأفق مزن رواعد
стр. 451
فأهلا وسهلا بالأمير مشرفا ...*... حماه عزيزا والزمان مساعد
وأهلا وسهلا أنت أكرم وافد ...*... علينا ومن في العصر مثلك وافد؟
وأهلا وسهلا أرضك اليوم حرة ...*... وجيشك منصور وشعبك راشد
مضت لك في أرض الجزائر ثورة ...*... يباهي بها تاريخنا ويماجد
أغرت على الغازين غارات شدة ...*... وبأس بحملات لها أنت قائد
وخضت غمار الحرب للدين ناصرا ...*... تكابد من ويلاتها ما تكابد
فلقيت فيها (ناصر الدين) حلية ...*... بها في مجال البأس حلاك والد
ورب مجال للفروسة جلته ...*... وتحتك نهد للأوابد صائد
مرقت به كالسهم تعلوه واثبا ...*... فهابك خصم للفروسة ناقد
ورب مقام للتفاوض قمته ...*... وقولك مسموع ورأيك سائد
بلغت به الصلح الذي رمت ورده ...*... برأيك لكن كدرته المكائد
ثبت ولكن خانك الجد عاثرا ...*... فعاقك واستعصت عليك المقاصد
اذا طال باستسلامك المر جرحنا ...*... فمن جبهة التحرير للجرح ضامد
وكنت لها في ثورة الأمس قائدا ...*... وأنت لها في ثورة اليوم رائد!
لواؤك معقود بنفس لوائها ...*... وليس له الا جهادك عاقد
فحسبك سلطانان ماض وحاضر ...*... ومجدان في الدنيا طريف وتالد
رعى المجلس الثوري عهدك فاصطفى ...*... لعودك عيدا يوم ذكراه خالد
الى الوطن المحبوب ردك مكرما ...*... كما رد صمصاما إلى الغمد غامد
فألفيت في أرض الجزائر أمة ...*... نممت وبأيديها تساس المقالد
أطاحت بحكم المستبد وحطمت ...*... سلاسله والظلم لابد نافد
جلا غاصب أجلاك عنها ببغيه ...*... كما باد طاغ ظن أنك بائد
زرعت بها زرعا تأخر طيبه ...*... وها أنت في العقبى لزرعك حاصد
стр. 452
سيسعد شعب أنت مهدي عصره ...*... وأنت عليه اليوم باليمن وافد
ويأسف شعب كان يرعاك رافدا ...*... نفى كدر المنفى بما هو رافد
أتيح من العاصي حمى لك عاصم ...*... ومن بردي ماء لسقياك بارد
أرى شهر (يوليو) زادنا بك رفعة ...*... وعز فأغنانا بما هو زائد
له الله من شهر أغر محجل ...*... مصادره ثورية والموارد
تلقتك أرجاء الحمى بأريجها ...*... وحيتك فيها المنشآت الفرائد
تضمخ أنداء المعارف جوها ...*... عطورا ودور العلم فيها شواهد
تغذي بألوان العلوم شبابها ...*... وهل هي الا للشباب موائد؟
وللعرب الأحرار فيها رسالة ...*... مؤكدة الجدوى لها الشعب حامد
فيالك كنزا غاليا حل عاليا ...*... (بعالية) تعلو عليها المشاهد
لقد زينت زهر النجوم سماءها ...*... أشرق فيها البدر والبدر واحد
ضريحك فيها مرقد الفوز والرضى ...*... وأنت بها في جنة الخلد راقد
أرى سوريا أخت الجزائر محتدا ...*... وتأبى سوى وصل الفروع المحاتد
رعت لابن محي الدين حيا وميتا ...*... من العهد ما يرعى الكرام الاماجد
فشكرا لأخت واصلتنا ببرها ...*... وشعب يوالي شعبنا ويعاضد
وشكر الصنع الدولتين فإنه ...*... لمحمدة منها تغادر المحامد
ومن يحده حادي العلا مترنما ...*... ولم يتحرك نحوها فهو جامد
وصفنا وصورنا على ضوء حسنا ...*... وقد يسعد الحس الخيال المراود
وما الشعر الا مرصد خارق المدى ...*... على قمة شماء للغيب راصد
له صور منظومة فاق حسنها ...*... بها حكم منثورة وفوائد
تزول من الارض الزيوف وتنمحي ...*... وتصمد كالاطواد فيها العقائد
ويقضي بها الأشخاص لا ريب نحبهم ...*... وتبقى عليها الذكريات الخوالد
стр. 453
فابشر يا بن محي الدين
قيلت بمناسبة ذكرى الأمير عبد القادر ﵀
ــ
امير السيف والقلم المفدى ...*... ذكرتك فاعتراني الحزن جدا
ذكرتك يوم قمت تشن حربا ...*... لرد المعتدي وتشد شدا
ذكرتك يوم قدت الجيش تغزو ...*... ويوم جعلت الاستسلام حدا
وما استسلمت عن وهن ولكن ...*... حرمت معونة فحرمت جدا (١)
ومنك بطانة السوء استفادت ...*... مصالحها ولم تصدقك ودا
مضى لك مذ وضعت السيف قرن ...*... وست سنين مثل الدهر عدا
تلقى الشعب فيها ما تلقى ...*... من الإرهاق فاستخذى وكدا
ولم يعدم من الدنيا رجاء ...*... فمن عدم الرجاء بها تردى
стр. 454
ولكن قام فيه شباب صدق ...*... يذود عن الجزائر من تعدى
كأني بالجزائر يوم هبت ...*... أرى روح الجهاد بها استجدا
فأبشر يا بن محي الدين أبشر ...*... فشعبك في الورى بلغ الأشدا
فقدنا الملك فيه وما محال ...*... لملك ضاثع ان يستردا
ذكرت بني الجزائر يوم قاموا ...*... بها في أوجه العادين سدا
ويوم جنوا بشد الأزر فخرا ...*... ويوم أتوا بخلف الرأي إدا
وهل يبقى على الأيام حكم ...*... عنيف فيه صاحبه استبدا
عتيق سنه "نيرون" بال ...*... كأن العنكبوت عليه سدا
تجلى رسمك الزاهي كبدر ...*... لنا من شمس همتك استمدا
نراه فنقبس الأنوار منه ...*... ومن توقيره لم نلف بدا
стр. 455
وفيه نحس ايمانا ويمنا ...*... ومنه نشم غالية وندا
وانك بالذي اسلفت أهل ...*... لأن تجزى نعيما لن يحدا
وتنزل جنة الفردوس دارا ...*... فتحمد عند خالقك المردا
стр. 456
متفرقات
стр. 457
٥ يولية ١٨٣٠
نظم الشاعر البيتين في يوم الاحتفال القرني للاحتلال الفرنسي ١٩٣٠
ــ
في مثل هذا اليوم ريعت أمتي ...*... بالاحتلال ونالها ما نالها
ولعل من جعل الصليب يظلها ...*... سينير من خلف الغيوم هلالها
الضيف الثقيل
وقال أيضا في هذه المناسبة
أطلت بجانبي يا ضيف فارحل ...*... لحاك الله من ضيف ثقيل
مضى لك مذ نزلت على قرن ...*... متى يا ضيف تؤذن بالرحيل؟
стр. 458
كدر
خاطب الشاعر بهذين البيتين بعض أصدقائه منكرا عليه فراقه الطويل نشرت بجريدة المرصاد الجزائرية سنة ١٩٣٢م.
ــ
على عكس ما يقضي به اسمك كنت لي ...*... ففالي بما يقضي به اسمك فائل
تكدرت بعد الصفو لي فصرمتني ...*... كما صرم (البصري) من قبل (واصل) (١)
هزات أرضية
وقعت في عاصمة الجزائر حوالي ٣٤ - ١٩٣٥ هزات أرضية متوالية خلدها الشاعر بهذين البيتين الذين عبر بهما عن ما كان- آنذاك- يختلج في خاطر كل جزائري.
هذه الدور في الجزائر تترى ...*... هاويات ترتج فيها ارتجاجا
كثر العسف بالخليقة فيها ...*... فعسى الإرتجاج منها احتجاجا
стр. 459
تشطير لبيتي الرؤوس
نشرت صحيفة البصائر هاذين البيتين واقترحت على الأدباء تشطيرهما فشطرهما الشاعر بما يلي:
ــ
(وقد يبغض الحيات أولاد آدم) ...*... وإن نفوس البعض منهم نفوسها
فأبغض ما فيهم إلينا رؤوسهم ...*... (وابغض ما فيها إليهم رؤوسها)
(وما ابتليت يوما بشر قبيلة) ...*... كتسويدها في أرضها من يدوسها
تقصيت أضرار الشعوب فلم أجد ...*... (أضر عليها من سفيه يسوسها)
ويح الشيوخ
نشرت في البصائر سنة ١٩٣٧
أبت البلاد على (الشيوخ) رزوحها ...*... من تحت حكمهم الثقيل الباهض
نهض الشباب مطالبا بحقوقه ...*... ويح (الشيوخ) من الشباب الناهض
стр. 460
ويح الشباب
ولما رأى بعض الشباب استخف بالقيم ونبذ التقاليد السماوية ظهريا وعدها من أسباب التخلف وعلائم التعصب ساءه ذلك فقال:
ــ
جار الشباب على القيم ...*... ورمى الشرائع بالتهم
وأبى النصيحة تابعا ...*... لهواه يخبط في الظلم
ويح الشباب من الهوى ...*... إن الهوى فيه احتكم
هجر الهدى وسبيله ...*... وعلى الغوايات ازدحم
أين الشباب ووعيه ...*... ونشاطه مهما عزم؟
أين الشباب المهتدي ...*... إني هتفت به فلم ...*...
ثب يا شباب إلى الهدى ...*... إن الضلال عليك عم
الدين عاصمك الذي ...*... ينفي هواك بما عصم
مل للمتاب مسارعا ...*... واجنح له قبل الندم
من ظن أن الدين من ...*... خور النفوس فقد وهم
تبكي السعادة آيسا ...*... وتظن معناها انعدم
إن السعادة في حمى الـ ...*... ـإيمان راسخة القدم
إن السعادة نعمة الـ ...*... ـإسلام وهو أبو النعم
أقبل عليه فإنه ...*... دين به سعد الأمم