← Адаб

Адаб · id 95860

شرح لامية العجم للدميري

الدميري

Полный текст (128 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فالحِبُّ حيثُ العِدَى والأُسدُ رابضَةٌ ... حَولَ الكِناسِ لها غابٌ مِنَ الأَسَلِ (١) اللغة: الحِب بالكسر: الحبيب، يقال للمذكر والمؤنث بلفظ واحد، وبالضم / المحبة [٤٠ ب] العِدى بكسر العين: الأعداء، وهو جمع لا نظير له، قال ابن السكّيت: لم يأت فعل من النعوت إلاّ حرف واحد، يقال: هؤلاء قوم عِدىً، وأنشد: (من الطويل) إذا كنت في قوم عدي لست منهم ... فكل ما عُلِفتَ من خبيث وطيّبِ (٢) ويقال: قوم عِدى وعُدى بالضم والكسر، مثل سِوى وسُوى، الأُسد: جمع أسد، ويجمع على أُسْدٍ وأُسود، وأُسْد وآساد، رابضة: باركة، كما تبرك الإبل، حول: يقال: قعد حوله وحواليه، الكناس: موضع الظبي، الغاب: مكان الأسد، الأسل: هنا الرماح. الإعراب: فالحب: مبتدأ، والخبر محذوف، تقديره مستقر، حيث: ظرف مكان مبني على الضم، وهو في موضع النصب، والعامل فيه مستقر، وقد سدّ مسد الخبر، العدى: مبتدأ، والأسد معطوف عليه، من عطف النسق، رابضة: خبر عن المبتدأ المعطوف، حول: منصوب على الظرفية، لها: جار ومجرور، وهو خبر مقدم، لأن المبتدأ نكرة، وهوغاب، وقوله: لها غاب من الأسل في موضع رفع صفة للأسد. المعنى: حبيبي مكانه حيث الأعادي، والأسود رابضة حول كناسه، وللأسود غاب من الرماح. قال الشارح: ولو كان لي في البيت حكم لقلت: فالحب حيث العِدى كالأسد رابضة؛ لأنه ينتهي إلى أن يقول: حول الكناس لها غاب من الأسل، والأسل هي الرماح (٣) التي أراها في البيت، والرماح مما يختص بالأناسي، لا بالأسود، وأيضا الأسود فما من شأنها الإلف بالناس؛ لتكون حولهم، قال: فإن قلت أراد بالأسود العِدى؛ وذلك لأنهم في الناس كالأسد، فأطلق ذلك عليهم مجازا، فالجواب لايتأتى له ذلك، وهو قد عطف الأسد على العِدى، والعطف يدل على المغايرة، ووصف / المحبوب بأن الأعادي محيطون به، وحولهم [٤١ أ] الأسل أبلغ في المنع والتحصن من الأسد، لأن الإنسان أبلغ في الحرص والاحتراز من الأسد لأنه ذو عقل وتفكر، وإنما الأسد بطشه شديد، وعلى الجملة فإن الطغرائي وصف محبوبه بأته مصون محجب، لا سبيل إلى الوصول إليه والحالة هذه، كما قال [ابن] الخياط الدمشقي (٤): (من الطويل)

стр. 72

وَمُحْتَجِبٍ بَيْنَ الأَسِنَّةِ مُعْرِضٍ ... وَفِي الْقَلْبِ مِنْ إِعْراضِهِ مِثْلُ حُجْبِهِ وقال ابن القيسرلني (١): (من الطويل) وفوق مُرادي من مراد عقائلٍ ... تبيت المذاكي القب سجف قبابها وما أحسن قول ابن خفاجة: (من الطويل) لَقَد جُبتُ دونَ الحَيِّ كُلَّ تَنوفَةٍ ... يَحومُ بِها نَسرُ السَماءِ عَلى (٢) وَكرِ وَخُضتُ ظَلامَ اللَيلِ يَسوَدُّ فَحمُهُ ... وَدُستُ عَرينَ اللَيثِ يَنظُرُ عَن جَمرِ وَجِئتُ دِيارَ الحَيِّ وَاللَيلُ مُطرَفٌ ... مُنَمنَمُ ثَوبِ الأُفقِ بِالأَنجُمِ الزُهرِ أَشيمُ بِها بَرقَ الحَديدِ وَرُبَّما ... عَثَرتُ بِأَطرافِ الثقَّفَةِ ِ السُمرِ فَلَم أَلقَ إِلّا صَعدَةً فَوقَ لامَةٍ ... فَقُلتُ قَضيبٌ قَد أَطَلَّ عَلى نَهرِ وَلا شِمتُ إِلّا غُرَّةً فَوقَ أَشُقر ... فَقُلتُ حَبابٌ يَستَديرُ عَلى خَمرِ فَسِرتُ وَقَلبُ البَرقِ يَخفُقُ غَيرَةً ... هُناكَ وَعَينُ النَجمِ تَنظُرُ عَن شَزرِ وقال (٣): (من الطويل) وَلَيلٍ طَرَقتُ المالِكِيَّةَ تَحتَهُ ... أَجَدَّ عَلى حُكمِ الشَبابِ مَزارا فَخالَطتُ أَطرافَ الأَسِنَّةِ أَنجُماً ... وَدُستُ لِهالاتِ البُدورِ دِيارا واعلم أنّ بيت الطغرائي ذكر فيه أنّ الرقيب ملازم لمحبوبه، ولا شك أنّ ملازمته الرقيب أمر يضني، ومرض يفري الحشا ويفني، والمحبون ابتلوا به قديما، ورعوا به روض المحبة هشيما، وأرى أن الرقيب هو المبتلى، وصاحب السهر والتعب، على أنه ما عشق ولا سلا، وذلك لأن العاشق يجد في الغرام لذة عليه عائدة، والرقيب / ضاع زمانه [٤١ ب] وذاب فؤاده بلا فائدة، ولهذا قال ابن رشيق: (من الطويل) تأَذَّى بِلَحْظي مَنْ أُحِبُّ وَقالَ لي ... أَخافُ منَ الْجُلاَّسِ أَنْ يَفْطِنوا بِنا وَقالَ إِذا كَرَّرْتَ لَحْظَكَ دُونَهُمْ ... إِليَّ فَما يَخْفى دَليلُ مُريبِنا فَقُلْتُ بُلِينا بالرَّقيبِ فَقال ما ... بُلِينا وَلكِنَّ الرَّقيبَ بُلي بِنا وما ألطف قول ابن المعتز (٤): (من الخفيف) وا بَلائي مِن مَحضَري وَمَغيبي ... من َحَبيبٍ مِنّي بَعيدٌ قَريبُ لَم تَرِد ماءَ وَجهِهِ العَينُ إِلّا ... شَرِقَت قَبلَ رَيَّها بِرَقيبِ

стр. 73

وبالغ القائل في ملازمة الرقيب (١): (من الخفيف) أنا والحب ما خلونا ولا طرفةُ ... عينٍ إلا علينا رقيبُ ما اجتمعنا بحيثُ إنْ لم يكن لدهـ ... رِ بأني اقول انتَ الحبيب بل خلونا بقدر ما قلت أنت الح فوافى فقلت كيم الطبيب قال الشارح: وما ترك هذا الشاعر غاية لمن بعده في الظرف، وتذكرت من هذه المادة ما ذكره الحريري في درة الغواص قال: حكى لي أبو الفتح عبدوس بن محمد الهمداني حين قدم البصرة حاجا في سنة أربع وستين وأربعمائة أن الصاحب أبا القاسم بن عباد رأى أحد ندمائه متغير السحنة، فقال: ما الذي بك؟ قال له الصاحب قه، فقال له النديم وه، فاستحسن الصاحب ذلك، وخلع عليه. قيل إنّ بعض الظرفاء سمع امرأة حسناء وقد أتت إلى جانب نهر تقول: يا جارية أين أضع رجلي، فقال: على كتفي، فقالت له، بخفي، فقال لها: رقبة زوجك، فقالت له: [من أين] خرجت: فقال لها: من بيتك، فقالت له: مصفوع، فقال لها: على تهمة بك، فقالت له: وأنت بريء، فانقطع. قال الطغرائي ﵀: نَؤمُّ ناشِئةً بالجزع قد سُقيَتْ ... نِصالُها بمياه الغَنْجِ والكَحَلِ اللغة: نؤم: أي نقصد، ناشئة: مؤنثة ناشئ، الجزع: منعطف الوادي / النِّصال: [٤٢ ب] نصل، وهو نصل السيف والسهم، ويجمع على نصول، مياه: جمع ماء، والغنج: معروف، والكحل: سواد يعلو جفن العين. الإعراب: نؤُمُّ: فعل مضارع مرفوع، وفاعله مستتر، أي نحن، ناشئة: مفعول به، وهو صفة لموصوف محذوف تقديره نؤم فتاة ناشئة، وهذا جائز، نطق القرآن به كثيرا، كقوله تعالى: [ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا] (٢) أي شخصا، بالجزع: موضعه نصب بما في ناشئة من معنى الفعل، والباء هنا ظرفية، قد: حرف توقع، سقيت: فعل مُغيَّر لما لم يسم فاعله، نصالها: مفعوله (٣)،والضمير في موضع جر بالإضافة، بمياه الغنج: متعلق بسقيت، والباء هنا زائدة، كما في قوله تعالى: [وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ] (٤) والكحل: معطوف على الغنج، والجملة في قوله قد سقيت إلى آخره في محل نصب على الصفة لناشئة.

стр. 74

المعنى: نقصد فتاة أو فتيات بمنعطف الوادي، ونصالها التي تُحمى بها قد سقيت بمياه الغنج والكحل، وهذا معنى قد أولع الشعراء به، وأكثروا منه، قال أبو الشيص (١): (من الكامل) يَرمينَ أَلباب الرِجالَ بأَسهُم ... قَد راشَهُنَّ الكُحلُ والتَهديبُ وقال ابن سناء الملك (٢) من أبيات: (من الطويل) لها ناظرٌ يا حيرةَ الظبي إِذْ رنا ... به كَحَلٌ ناداه يا خَجلة الكُحل وأَثقلَها الحسنُ الَّذي قد تكاثرَتْ ... ملاحتُه حتَّى تَثَنَّت مِنَ الثِّقل وقال بشار بن برد (٣): (من الوافر) إِذا قامَت لِحاجتٍها تَثَنَّت ... كَأَنَّ عِظامَها مِن خَيزُرانِ والخفة أمر يُطلب في كل شيء يستحسن، أنشد الشيخ علاء الدين الباجي ﵀ لنفسه: (من الوافر) رثى لي عُذَّلي إذ عاينُوني ... وسُحْبُ مَدامعي مثلُ العيونِ (٤) ورامُوا كُحلَ عيني، قلتُ: كفُّوا ... فأصلُ بليَّتي كُحلُ العيون وفي بيت الطغرائي من أنواع البلاغة الكناية، ولا شكّ أنها أبلغ من التصريح، وأوقع في النفوس، ألا ترى أن قولك: بعيدة مهوى القرط أبلغ من قولك طويلة العنق، وامرؤ القيس أبرع الناس في الكناية، كان الناس يقولون أسيلة الخد، حتى جاء فقال أسيلة مجرى الدمع إلى غير ذلك مما اخترعه، وما أحسن قول معين الدين بن لؤلؤ: (من الكامل) لم أنسه إذ قال أين تحلني ... حذراً علي من الخيال الطارق (٥) فأجبته قلبي فقال تعجباً ... أرأيت عمرك ساكناً في خافق وقال آخر (٦): (من مجزوء الكامل) وحللتَ قلباً خافقاً ... يا ساكناً في غير ساكن قد زادَ طيبَ أحاديثِ الكرامِ بها ... ما بالكرائمِ من جُبنٍ ومن بُخُلِ اللغة: أحاديث: جمع حديث على غير قياس، الكرام: جمع كريم، والكرائم: جمع كريمة، الجبن: ضد الشجاعة. وما أحسن قول ابن النقيب: (من الطويل) أَقول وقد شَنّوا إلى الحربِ غارَةً ... دعوني فإني آكل الخبزَ بالجُبنِ (٧)

стр. 75

والبخل: ضد الكرم. الإعراب: طيبَ: مفعول به، أحاديث: مضاف إلى المضاف الثاني، بها: بمعنى عن، وما هنا اسم ناقص بمعنى الذي، وبالكرائم: جار ومجرور، والباء هنا للإلصاق، وهذا الجمع لا يقع على هذه الصيغة إلاّ للمؤنث، وشذّ منه ثلاثة جموع، وهي: فوارس، وهوالك، ونواكس، من جبن: من لبيان الجنس، ومن بخل: معطوف عليه. المعنى: قد زاد طيب الأحاديث من الكرام إذا ما تسامروا، وما يوجد من النساء الكرائم من الجبن والبخل، وهاتان الصفتان محمودتان في النساء، مذمومتان في الرجال؛ لأن المرأة إذا كانت فيها شجاعة ربما كرهت بعلها فأوقعت به فعلاً أدّى إلى /هلاكه، وتمكنت من [٤٣ أ] الخروج من مكانها على ما تراه؛ لأنها لا عقل لها يمنعها مما تحاوله، وإنما يصدها عما يقتضيه عقلها الجبن الذي عندها، والخوف، فإذا لم يكن لها مانع من الجبن، أقدمت على كل قبيح، وتعاطت ما تختاره إقداما منها على ما يأمرها به الشيطان، وقصة شرحبيل بن الخريت مع زوجته مية بنت عمرو بن مسعود مشهورة، ملخصها أنها كانت نائمة إلى جنبه في الفراش، فأقبل أسود سالخ (١) فاتح فاه لينهشه، والسراج يزهر (٢)، فأخذت بحلقه وخنقته إلى أن مات، وتركته تحت الفراش ميتاً، فلما أصبح أبوه وأمه أتيا إليه ليوقظانه، وكانا يفعلان ذلك تعظيما له فأخرجت السالخ إليهما ميتا، فقالا: مَن قتل هذا، فقالت: أنا قتلته، ولو كان أشد من هذا قتلته، فقال أبوه: يا شرحبيل خَلِّ عنها، فهي وأبوها للرجل أقتل، فطلقها مكرها. وإذا كانت المرأة سمحة جادت بما في يدها، فأضر ذلك بحال زوجها، ومتى عُلم منها الجود بما يطلب منها ربما حصل الطمع فيها بأمر آخر وراء ذلك، ولهذا جاء في القرآن العظيم: [لَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ] (٣)، ولأن المرأة ربما جادت بالشيء في غير محله، قال الله تعالى: [وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ] (٤) قيل: النساء والصبيان، وبالجملة فما أحد من العقلاء حمد كرم المرأة، ولا شجاعتها، وما أحسن قول الغزي: (من البسيط) غريرة تخطف الأبصارَ شاخصةً ... من حولها ببروق البيض والأسلِ (٥) تنمى إلى القوم جادوا وهي باخلة والجود في الخود مثل الشّح في الرجلِ تبيتُ نارُ الهَوى منهنَّ في كَبِدٍ ... حرَّى ونار القِرى منهم على القُلَلِ

стр. 76

/ اللغة: تبيت: تمسي، النار: معروفة، الهوى، مقصور: ميل النفس، الكبد: [٤٣ ب] معروفة، حرّى: مؤنث حار، القرى: الضيافة، القلل: جمع قلة، وهي أعلى الجبل. الإعراب: تبيت: فعل مضارع، نار الهوى: اسم بات، ومضاف إليه، والجار والمجرور في كبد سدّ مسدّ الخبر الذي لبات، لأنها من أخوات كان، حرّى: مجرور على الصفة لكبد، ونار القرى، عاطف ومعطوف، ومضاف، على القلل: على هنا للاستعلاء، والجار والمجرور متعلق بمحذوف، وقال في النار الثانية منهم؛ لأن الضمير يعود إلى رجال الحي الذين جعلهم عِدىً كالأسد. المعنى: إنّ هذا الحي الذي أريد طروقه له ناران: نار نسائه التي تبيت في كبدى حرى، ونار رجاله تبيت في القِرى مضرمة على القلل، وهذا في غاية المدح لهذا الحي لأن نساءه حِسان، ورجاله كِرام، وقوله: في كبد حرّى منكراً نكتة، كأنه قال: نار نسائه في كبد واحدة، وهي كبدي؛ لأنهن غير مبتذلات لمن يراهن، فما يشاركني في محبتهن أحد، ونار قراهم على القلل تبدو لكل ناظر، وقد جمع بين وصف الرجال ووصف النساء في بيت واحد، وهو من البلاغة، ومن هذا قول ابن الساعاتي: (من الكامل) يا ممية الحي الحِسان جفانُهُ ... للهِ ما صنعتْ بنا جفناكِ (١) أغنَتْ لِحاظُكِ عن ظباتِ سيوفِهِم ... فيها بلغت من القلوبِ مُناكِ يقتُلنَ أنضاءَ حبٍّ لا حَراكَ بها ... وينحرونَ كرامَ الخيلِ والإِبِلِ اللغة: أنضاء: جمع نضو، وأراد به جماعة العشاق الذين أسقمهم الهوى / [٤٤ أ] ... وأنحلهم، ولهذا أضافهم إلى الحب، والحب: معروف، فإذا أفرط في الحب انتقل من المحبة إلى العشق، فالعشق محبة مفرطة، وليس بإفراط المحبة كما قال بعضهم، فيكون أخص من المحبة، لأن كل عشق محبة، من غير عكس، قال صاحب الريحان والربعان: الحب أوله الهوى، ثم العلاقة، ثم الكلف، ثم الوجد، ثم العشق، وهو مقرون بالشهوة، والحب والمقة من الله، والعشق عند الأطباء من جملة أنواع الماليخوليا، تغير الظنون والفكر من المجرى الطبيعي إلى الفساد، ورسموا العشق بأنه مرض وسواسي يجلبه المرء إلى نفسه بتسليط فكرته على استحسان بعض الصور، والشمائل، وقال أرسطو: العشق عبارة عن عمى العاشق عن عيوب المعشوق. قلت: ويؤيد ذلك من السنة قوله ﵇: حبك الشي يعمي ويصم، وقول الشاعر (٢): (من الطويل)

стр. 77

وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ ... وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساوِيا ثم اعلم أنّ قول أرسطو المذكور هو خاصة من خواص العشق، والتحقيق أنّ العشق أعم من ذلك، لأن الرئيس أبا علي بن سينا في رسالته في العشق [ذكر] أنه سارٍ في جميع الموجودات المجردات، والفلكيات، والعنصريات، والمعدنيات، والنباتات، والحيوانات، حتى أنّ أرباب الرياضة قالوا: الأعداد المتحابة، واستدركوا ذلك على إقليدس، فقالوا: فاته ذكر ذلك، ولم يذكره، وهي المائتات، والعشرون، عدد زائد أجزاؤه أكثر منه، وإذا جُمِعَت كانت مائتين وأربعة وثمانين، بغير زيادة ولا نقصان، والمائتان والأربعة والثمانون عدد ناقص، أجزاؤه أقل منه، وإذا جمعت كانت جملتها مائتين وعشرين/ فكلٌّ [من] [٤٤ ب] العددين المتحابين أجزاؤه ثل الآخر، بيان ذلك أنّ العدد التام هو الذي إذا اجتمعت أجزاؤه البسيطة الصحيحة كانت مثله وهو ستة؛ فإنّ أجزاءها البسيطة الصحيحة إنما هي النصف وهو ثلاثة، والثلث وهو اثنان، والسدس وهو واحد، ومجموع ذلك ستة، والعدد الناقص ما إذا اجتمعت أجزاؤه البسيطة الصحيحة كانت جملتها أقل منها، وهو ثمانية، فإنما أجزاؤها إنما هي النصف، وهو أربعة، والربع وهو اثنان، والثمن وهو واحد، ومجموع ذلك سبعة، وهي أقلّ من العدد المذكور، والعدد الزائد ما إذا اجتمعت أجزاؤه زادت عليه وهو اثنا عشر، فإن له النصف ' وهو ستة، والثلث وهو أربعة، والربع وهو ثلاثة، والسدس وهو اثنان، ونصفه (١) وهو واحد، ومجموع ذلك ستة عشر، وهو يزيد على الأصل، فالمائتان والعشرون لها نصف، وربع، وخمس، وعُشر، ونصف عُشر، وجزء من أحد عشر، وجزء من اثنين وعشرين، وجزء من أربعة وأربعين، وجزء من خمسة وخمسين، وجزء من مائة وعشرة، وجزء من مائتين وعشرين، وجملة ذلك من الأجزاء البسيطة مائتان وأربعة وثمانون [وهي] ليس لها إلاّ نصف، وربع، وجزء من أحد وسبعين، وجزء من مائة واثنين وأربعين، وجزء من مائتين وأربعة وثمانين، فقد ظهر بهذا المثال تحاب العددين، وأصحاب الخواص يزعمون أنّ لذلك خاصيّة عجيبة في المحبة إذا جعل هذا العدد الأقل، والعدد الأكثر في شيء من المأكول، وأكلَ المحب الأكثر، وأطعم الأقل لمن يريد محبته (٢)، ويجمع هذين العددين قولك: فرد كر. قال الشارح: وكنت قد بخلت بهذه الفائدة أن أودعها هذا الكتاب، ثم رأيت إثباتها فيه، قال: وقد وصف الله تعالى نفسه بالمحبة / فقال [يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ] (٣)، وأمَّا العشق فلم يرد [٤٥ أ]

стр. 78

في لسان الشرع، قال الفضيل بن عياض: لو رزقني الله دعوة مجابة لدعوت الله بها أن يغفر للعشاق، فإن حركتهم اضطرارية لا اختيارية، وما أحسن قول القائل (١): (من الوافر) وَكَم في الناسِ مِن حسنٍ وَلَكن ... عَليكَ لِشقوتي وقَعَ اِختياري يقال: إن بعض العرب قال لرجل من بني عذرة ما لأحدكم يموت عشقا في هوى امرأة ألفها، إنما ذلك ضعف نفس، ورقة وخور تجدونه فيكم يا بني عذرة، فقال: أما والله لو رأيتم الحواجب الزّج، فوق النواظر الدعج، تحتها المباسم الفلج؛ لاتخذتموها اللات والعزى. رجعنا إلى كلام الطغرائي، لا حراك بهم: الحركة ضد السكون، وينحرون: يذبحون، كرام الخيل والإبل: هي الأصائل. الإعراب: يقتلن: فعل مضارع، والنون نون الإناث، ومن شأن الفعل المضارع إذا اتصلت به [هذه] النون [أنْ] يبنى على السكون، أو نون التوكيد بني على الفتح، أنضاء: مفعول يقتلن، والفاعل فيه ضمير مستتر يرجع إلى نساء الحي، وحب: مضاف إليه، لا حراك: لا هذه لا التي لنفي الجنس، وحراك اسمها، وينحرون: الواو عاطفة جملة فعلية على مثلها، كرام: مفعول ينحرون، والخيل والإبل: مضافان إضافة معنوية، والواو في والإبل عطفت الاسم على الاسم، وكأنه قال: ينحرون كرام الخيل، وكرام الإبل، وأنّث الضمير في يقتلن، وذكّره في ينحرون؛ لأنه في الأول ضمير نساء، وفي الثاني ضمير الرجال، كما قال في منهن ومنهم في البيت الأول. المعنى: إنّ هذا الحي / نساؤه يقتلن العشاق الذين أسقمهم الهوى، وأنحلهم، فما لهم [٤٥ ب] حركة البتة، ورجاله ينحرون للأضياف كرام الخيل، وكرام الإبل، فمعناه معنى البيت الذي تقدم، وهو بليغ لأنه جمع في البيت الواحد بين مدح الرجال ومدح النساء على ما تقدم أولا، وقدم الخيل لأنها أشرف من الإبل، وقد وصف أهل هذا الحي بما هو أعلى صفات المدح؛ لأن الحسن كلما كان بارعا كلما زاد المحب هلاكا، والكرم غايته أن ينحر للضيف الخيل والإبل، بخلاف ما ينحر فيه دون ذلك من الضأن والمعز، وأمَّا الضيف فقد أوجب النبي ﷺ حقّه، فقال: ليلة الضيف حق واجب (٢)، قال رسول الله ﷺ : مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه. والضيافة ثلاثة أيام، فما زاد فهو صدقة، ولا يحق له أن يثوي عنده حتى يخرجه، وفي رواية حتى يؤثمه، قالوا يارسول الله كيف يؤثمه، قال: يقيم عنده ولا شيء عنه يقريه، وقد أجمع المسلمون على تأكيد الضيافة

стр. 79

وأنها من متأكدات الإسلام، قال الشافعي، ومالك، وأبو حنيفة، والجمهور، ﵃: هي سُنَّة ليست بواجبة، وقال الليث، وأحمد ﵄: هي واجبة يوما وليلة على أهل البادية، والقرى دون أهل المدن، وتأول الجمهور هذه الأحاديث على الاستحباب كحديث غسل الجمعة واجب على كل محتلم، أي متأكد الوجوب، حكي عن الأبرش الكلبي أنه كان عنده ضيف، فقام الضيف يصلح المصباح، فقال له: مه ليس من المروءة أن / يُستخدَم الضيف، وكذلك اتّقق لعمر بن عبد العزيز مع رجاء بن حيوة. ... [٤٦ أ] يُشفَى لديغُ العوالِي في بُيوتهِمُ ... بنهلةٍ من غَدِيْرِ الخَمْرِ والعَسَلِ اللغة: لدغته العقرب تلدغه لدغاً فهو ملدوغ ولديغ، العوالي: الرماح، النهلة: الشربة الواحدة، والمنهل: المورد، والغدير: القطعة من الماء، الخمر: معروف، والعسل: يذكّر ويؤنّث، وهو مجاج النحل. الإعراب: يُشفى: فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله، لديغ: فاعله، العوالي: جمع عالية، وموضعها جر بالإضافة، والضمير في بيوتهم يعود على رجال الحي، والجار والمجرور في موضع جر بالإضافة، بنهلة: الباء هنا للاستعانة، والجار والمجرور يتعلق بيُشفى، ويصلح أن يكون حالا، من غدير: من هنا لبيان الجنس، وتكون للتبعيض، وغدير هنا مفعول؛ لأنه يُغادَرُ من السيل في الأودية. المعنى: إن هؤلاء القوم من وصفهم أنّ لديغ العوالي الذي طُعن يشفى بشربة واحدة من غدير الخمر والعسل، وقوله: لديغ العوالي الملدوغ، حقيقة في العقرب، مجازا في غيره، وقوله: بشربة من غدير الخمر والعسل هو كناية عن رضاب الفتيات اللاتي تقدم ذكرهن، شبه ريقهن بالخمر والعسل، وإلاّ لو حمل على حقيقته كذّبه الحس؛ لأن الذي يُطعن بالرمح لا يشفى بشرب العسل والخمر، ولهذا عكس قول القائل (١): (من الكامل) سُكْرانِ سُكْرُ هوى وسكرُ مُدامَةٍ ... فمتى إفاقةُ مَنْ بهِ سُكرانِ أي لا إفاقة له، ولا إقالة من عثرته ما دام متصفا بهذا الوصف، واعلم أنّ للشعراء ألفاظا صارت بينهم حقائق عرفية، وإن كانت في الأصل مجازا؛ لكثرة دورانها في كلامهم، وتعاطيهم استعمالها؛ لأنهم ألفوا ذلك من تداولها وتكرارها على ألسنتهم، ومسامعهم، فمن / ذلك الغصن إذا أطلقوه فهموا منه القوام، والكثيب إذا أطلقوه فهموا منه الردف [٤٦ ب] والورد إذا أطلقوه فهموا منه الوجنة، والأقاح إذا أطلقوه فهموا منه الثغر، والراح إذا أطلقوه فهموا منه الريق، والنرجس إذا أطلقوه فهموا منه العيون، وكذا السيوف والسهم والسحر، فإذا أطلقوا الآس أو البنفسج أو الريحان فهمو منه العِذار، كل هذه الأشياء انتقلت من

стр. 80

وضعها الأصلي، وصارت حقايق عرفية، نقلها الاصطلاح إلى هذه الأشياء، قال ابن المعتز (١): (من الكامل) ومهفهفٍ ألحاظُهُ وعِذارُهُ ... يتعاضدان على قتال الناس سفك الدماء بصارمٍ من نرجسٍ ... كانت حمائل غمده من آس وقال آخر (٢): (من الوافر) وليلة بتها من ثغر حبي ... ومن كأسي إلى فلق الصباح أقبل أقحواناً في شقيق ... وأشربها شقيقًافي أقاحي وهو من قول المطوعي (٣): (من الوافر) ومعسولِ الشمائل قامَ يسعى ... وفي يده رحيقٌ كالحريق فأسقاني عقيقاً حَشْوَ درّ ... ونقّلني بدُرٍّ في عقيق وقال ابن النبيه (٤): (من الطويل) رُضابُكَ راحي آسُ صُدْغَكَ رَيْحانِي ... شَقيقي جَنَى خَدَّيْكَ جِيدُكَ سُوسانِي وَبَيْنَ النَّقا وَالْبَدْرِ تَهْتَزُّ بانَةٌ ... لَها ثَمَرٌ مِنْ جُلَّنارِ وَرُمَّان وذكر الطغرائي الشفاء بالعسل والخمر لوجهين، الأول لما جاء في قوله تعالى: [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ] (٥) الآية، قال أصحاب التفسير: إنّ العرب كانت إذا غلَبت في الميسر مهما خرج لأحدهم تصدق به على الفقراء والمحاويج، ويعيبون على مَنْ لا يفعل ذلك، ويسمونه البرم، ومذهب الشافعي ﵁ لا يجوز التداوي بالخمر، ولا يجوز أن يستعمل إلاّ لإساغة اللقمة للمغصوص خاصة / ومذاهب لبعلماء في النبيذ، والقليل من [٤٧ أ] الخمر معروفة، فلا نطيل بذكرها، الوجه الثاني لما جاء في قوله تعالى: [يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ] (٦) قال مجاهد: المراد أنّ القرآن فيه شفاء للناس، والصحيح أن المراد بها العسل، لأن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وهو الشراب، وعن ابنمسعود ﵁ أن العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور، وروى أبو سعيد الخدري ﵁ أنّ رجلا جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: إنّ أخي يشكو بطنه، فقال: اذهب واسقه عسلا، فقال: قد سقيته فلم يغن عنه، فقال ﵇: اذهب واسقه عسلا، قال: قد سقيته فلم يغن عنه شيئا، فقال: صدق الله، وكذب

стр. 81

بطن أخيك، فسقاه فبرئ كأنما ذل من عقال، وحملوا قوله ﵇: صدق الله، على قوله تعالى [فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ]، وقوله ﷺ : وكذب بطن أخيك، أنه علم بنور الوحي أن ذلك العسل سيظهر نفعه، فلمَّا لم يظهر نفعه في الحال كان على بيّنة من شفائه، فقال: كذب بطن أخيك. فإن قيل: كيف يكون العسل شفاء للناس، وهو مُضرّ بالصفراء، مهيّج للمرارة؟ فالجواب أنه تعالى لم يقل شفاء لكل الناس، ويكفي منه أنّ كلّ معجون مركّب لم يكن تمامه إلاّ بالعسل، والأشربة المتخذة منه للأمراض البلغمية عظيمة النفع، فقد حصل فيه شفاء للناس، وذهب قوم من أهل الجهالة أنّ المراد بهذه الآية أهل البيت. وهذا المعنى الذي في بيت الطغرائي حسن، كأنه يقول إنّ الذي يُطعن بالرماح متى ارتشف شربة واحدة من ريق هذه الفتيات اللاتي في الحي شفي، وذهب عنه الألم، إمَّا لآنه يذهل عن الألم / بلذة يجدها في رشف ريقهن، وإمَّا بالخاصية التي في العسل، والأول [٤٧ ب] أشعر وأغزل، وقد اشتهر تشبيه الريق عند الشعراء بالراح والعسل، قال عرقلة (١): (من الخفيف) بابِلِيُّ اللِحاظِ في كُلِّ عُضوٍ ... لي مِن قَوسِ حاجِبَيهِ سِهامُ حَرَّموا ريقَهُ عَلَيَّ وَلَكِن ... صَدَقَ الشَرعُ ما تَحِلُّ المُدامُ وقال أبو إسحاق الصابئ: (من الرمل) بأبي مبسمٌ إذا لاحَ أهدي بُرُداً ينفع الجوانح بردا (٢) شهد اللثم صادقاً وهو عدل ... أنّ في ثغرها رحيقا وشهدا وقال بشار بن برد (٣): (من البسيط) يا أَطيبَ الناسِ ريقاً غَيرَ مُختَبَرٍ ... إِلّا شَهادَةَ أَطرافِ المَساويكِ قَد زُرتِنا مَرَّةً في الدَهرِ وَاحِدَةً ... عودي وَلا تَجعَليها بَيضَةَ الديكِ وقال البهاء زهير (٤): (من الطويل) فُتِنتُ بِهِ حُلواً مَليحاً فَحَدِّثوا ... بِأَعجَبِ شَيءٍ كَيفَ يَحلو وَيَملَحُ وَقَد شَهِدَ المِسواكُ عِندي بِطيبِهِ ... وَلَم أَرَ عَدلاً وَهوَ سَكرانُ يَطفَحُ وقال ابن الساعاتي (٥): (من الكامل)

стр. 82

قبلتها ورشفت خمرة ريقها ... فوجدت نار صبابة في كوثر ودخلت جنة وجهها فأباحني ... رضوانها المرجو شرب المسكر وقال التهامي (١): (من الوافر) وَأقسمُ ما مُشعشعةٌ شَمولٌ ... ثَوَت في الدَن عاماً بَعدَ عامِ إِذا ما شاربُ القوم اِحتَساها ... أَحَسَّ لَها دَبيباً في العِظامِ بِأَطَيبِ من مُجاجتهنَّ طَعماً ... إِذا استيقظنَ من سِنَةِ المَنامِ وَلَم أَشهدْ لَهُنَّ جَنىً وَلكن ... شَهدنَ بِذاك أَعواد البشامِ وقال الشارح (٢): (من الخفيف) وغزالٍ غزا فؤادي بسهمٍ ... وسنانٍ من طرفهِ الوسنانِ كم سقاني من ثغرهِ كأس خمرٍ ... فرشفتُ السُّلافَ من أُقحوانِ قال الطغرائي: لعلَّ إِلمامةً بالجِزعِ ثانيةً ... يدِبُّ منها نسيمُ البُرْءِ في عللي اللغة: لعل: كلمة ترج، وفيها عشر لغات، الإلمام: النزول، وقد ألمّ به / أي نزل [٤٨ أ] به وفي الحديث: إنّ مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا، أو ينم، أي يقرب من ذلك، الجزع: منعطف الوادي، دبّ على الأرض يدبّ دبيبا، وكل ماشٍ دابة، قال الشيخ جمال الدين بن نباتة: (الكامل) وبمهجتي رشأٌ يميس قوامه ... فكأنّه نشوانُ من شفتيه شغف العذار بخدّه ورآه قد ... نعست لواحظه فدبّ عليه (٣) وقال الشارح (٤): (من المتقارب) عذارُك والطرفُ يا قاتلي ... يحاكيهما الآسُ والنَّرجِسُ وقد صارَ بينهما نسبةُ ... فهذا يدبُّ وذا ينعسُ والنسيم: الريح الطيبة، وفي الحديث: بعثت في نسم الساعة (٥)، أي حين ابتدأت وأقبلت، برئت من المرض برأً، والعلل: جمع علة، وهي المرض. الإعراب: لعل: من أخوات إنّ، وهي تنصب الاسم وترفع الخبر، إلمامة: اسمها، وثانية: صفة لها، ويدب: في موضع رفع على الخبر، منها: جار ومجرور، ومِن هنا

стр. 83

لابتداء الغاية، وهي في موضع النصب على أنه مفعول لآجله، كما في قوله تعالى: [أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ] (١) نسيم: فاعل يدبّ، والبرء: مضاف إليه، في عللي: جار ومجرور، وفي ظرفية. المعنى: أترجّى إلمامة مكان الحي من الجزع، يحصل لي بسببها دبيب نسيم البرء في عللي التي أكابدها من الأشواق، وليس الترجي مما يُنجِّي، لكنه من طباع النفوس، ولله در القائل (٢): (من الطويل) لعلّ وما تُغني لعلّ وإنها ... علالةُ صبٍّ واستراحةُ هائم (٣) ِ وقال الآخر (٤): (من الخفيف) أتمنى تلك الليالي المنيرا ... تِ وجهدُ المحبِّ أن يتمنَّى وقال جمال الدين أبو الدر ياقوت: (السريع) لله أيام تقضت بكم ... ما كان أحلاها وأهناها (٥) مرت فلم يبق لنا بعدها ... شيء سوى أن نتمناها ومثله قول الآخر: (من الطويل) أحبّتَنا لم يبقَ من طيبِ وصلِكم على البعدِ إلاّ أننا نتمناه (٦) وقول الطغرائي في غاية الحسن، وهو مأخوذ من قول أبي نواس (٧): (من المديد) / فَتَمَشَّت في مَفاصِلِهِم ... كَتَمَشّي البُرءِ في السَقَمِ ... [٤٨ ب] وأخذه أبو نواس برمته من بعض الهذليين يصف قانصا يختل صيدا بسرعة مشي حيث يقول (٨): (من المديد) فَتمشّى لاَ يُحسُّ بِه ... كَتمشِّي النّارِ في الفحمِ فإنّ بعض الروايات عن أبي نواس على هذا النص، وهو أصحّ عنه لأنها آخر ما استقرّ عليه الحال، وقول الطغرائي يشبه قول أبي الطيب (٩): (من الخفيف) وَرَبيعاً يُضاحِكُ الغَيثُ فيهِ ... زَهَرَ الشُكرِ مِن رِياضِ المَعالي نَفَحَتنا مِنهُ الصَبا بِنَسيمٍ ... رَدَّ روحاً في مَيِّتِ الآمالِ

стр. 84

وأمَّا الاسترواح بأنفاس الديار، وتلقي النسمات من أرض الحبيب فقد أكثرالشعراء في ذلك، وطلبوا الحياة والشفاء بالقرب من أماكن المعشوق، قال ابن الفارض (١): (من الكامل) يا ساكِني البَطحاءِ هَل مِن عَودَةٍ ... أَحيا بِها يا ساكِني البَطحَاءِ وَإِذا أَذى ألَمٍ ألَمَّ بمُهجَتِي ... فَشَذى أُعَيشَابِ الحِجازِ دَوائي لا أكرهُ الطعنةَ النجلاءَ قد شُفِعَتْ ... برشقةٍ من نِبالِ الأعيُنِ النُّجُلِ اللغة: كرهت الشيء أكرهه كراهةً، الطعنة: طعنة الرمح، النجلاء: الطعنة الواسعة، ومنه العيون النجل، والشفع: ضد الوتر، برشقة: الرشقة الرمي، وما أحسن قول محيى الدين بن قرناص (٢): (من مجزوء الرجز) أتى الحبيب مائسا والردف قد أثقله يرشق ثم ينثني ... لله ما أرشقه نبال: جمع نبل، وهي السهام العربية، وهي مؤنثة، اسم جمع لا واحد له من لفظه، والنجل بالتحريك: سعة العين. الإعراب: لا: حرف نفي، أكره: فعل مضارع من كره يكره، الطعنة: مفعول به، النجلاء: صفة للطعنة، شفعت: فعل مبني لما لم يسم فاعله، برشقة: الباء حرف جر، ويجوز أن تكون للمصاحبة، وأن تكون للاستعانة، من نبال: من هنا لبيان الجنس، الأعين: مضاف / إليه، النجل: صفة للأعيُن. ... [٤٩ أ] المعنى: لا اكره الطعنة العظيمة الواسعة التي تنالني، وقد ثُنيت برشقة من سهام العيون المتسعة؛ لأن الألم إذ جاء في أثناء اللذة لا اعتبار به، كأنه يهون على صاحبه ما توهمه من بأس رجال الحي، لمَّا أخذ يصفهم بالشجاعة والغيرة، فهو يقول: أنا لا أكره مع ظفري بهذه الفتيات الحسان وقوع الطعنات؛ لأن ذلك رخيص إذا تهيأ لي، ومن هذا قولهم: مّن عرف ما يطلب، هان عليه ما يبذل، وقول القائل (٣): (من الوافر) يغوص البحر مَنْ طلب اللآلي ومَن رام العلى سهر الليالي وقول أبي الطيب (٤): (من الطويل) تُريدينَ لُقيانَ المَعالي رَخيصَةً ... وَلا بُدَّ دونَ الشَهدِ مِن إِبَرِ النَحلِ وقول أبي فراس (٥): (من الطويل)

стр. 85

تَهونُ عَلَينا في المَعالي نُفوسُنا ... وَمَن طَلَبَ الحَسناءَ لَم يُغلِها المَهرُ وما زال المحبون يقتحمون الأخطار، ويركبون الأهوال حتى ينال أحدهم لمحة، أو إشارة سلام، ويبذلون الجليل من نفوسهم في بلوغ القليل من المحبوب، قال تعالى: [فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن] إلى آخر الآية، انظر إلى ما اتّفق للنسوة لمَّا رأين يوسف، ولم، وام يتقدّم لهن قبل ذلك شغل قلب به، ولا فكرة، ولا وسواس، بل رأينه بغتة، قطّن أيديهن، فكيف مَنْ هو مستعد لرؤية محبوبه، وقد أعمل المطي إليه، وقطع القفار ليلا ونهارا، كما قال الشاعر (١): (من البسيط) وَما صَبابَةُ مُشتاقٍ عَلى أَمَلٍ ... مِنَ اللِقاءِ كَمُشتاقٍ بِلا أَمَل [وقال الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الملك العزازي] (٢): (من البسيط) فالجرح منهنّ لذاتٌ بلا ألمٍ ... والطعن عند مُحبيهنّ كالقبل ولله در القائل (٣): (من البسيط) إنْ لم أَمُتْ في هَوَى الأَجفان والمُقَلِ ... فَواحَيائي من العُشّاقِ واخَجلي ما أَطيبَ المَوْتَ في عِشْق المِلاحِ كذا ... لاسِيَّما بِسيوفِ الأَعْيُنِ النُّجُلِ يَا صاحِبيَّ إذا ما/ مُتُّ بَينَكُما ... دُون الشَّهِيينِ وَرْدِ الخَدِّ والقُبَلِ [٤٩ ب] رَاشَ الفتورُ لَهُ سَهْماً فَأَخطأَهُ ... حتَّى أُتِيحَ لهُ سَهْمٌ من الكُحُلِ فاستَغفِرا لي وَقولا عاشِقٌ غَزِلٌ ... قَضَى صَرِيعَ القُدُودِ الهِيفِ والمُقَلِ رَاشَ الفتورُ لَهُ سَهْماً فَأَخطأَهُ ... حتَّى أُتِيحَ لهُ سَهْمٌ من الكُحُلِ ولِلعُيونِ اللَّواتي هُنَّ من أَسَدٍ ... إلى القُلوبِ سِهامٌ هُنَّ من ثُعَلِ ولا أهابُ الصِّفاح البِيض تُسعِدُني ... باللمحِ من خلل الأستار والكِلَلِ

стр. 86

اللغة: أهاب: أخاف، الصفاح: جمع صفيحة، وهي السيوف العِراض، والإسعاد: الإعانة، اللمح: النظر الخفيف، والخلل: الفرجة بين الشيئين، والأستار: جمع ستر، الكلل: جمع كلة، وهي الستر الرقيق. الإعراب: الواو: عاطفة، ولا: نا فية، وأهاب: فعل مضارع، والصفاح: مفعول به، والبيض: منصوب على الصفة للصفاح، تسعدني: فعل مضارع من أسعد، وهو مرفوع، باللمح: الباء هنا للاستعانة، من: هنا لابتداء الغاية، والكلل: الواو: عاطفة، وموضع يسعد في هذه الجملة وما بعدها في موضع الحال؛ لأنه قال: ولا أهاب الصفاح البيض في حالة إسعادها إياي باللمح. المعنى: هذا كالبيت الذي تقدم، ومعناه إني لا أخاف السيوف البيض إذا كانت تساعدني بالتماحها من خلل الأستار، قال الأرجاني (١): (من المتقارب) وفي الحيِّ كُلُّ كليلِ اللِّحاظِ ... يُطالِعُنا من خَصاصِ الكِلَل يُذيبُ الفؤادَ بتَعْذيبهِ ... وأيْسَرُ أمْرِ الهَوى ما قَتل هذا قول أبي الطيب: أحلا وَأَيسَرُ ما لاقيتُ ما قَتَلا (٢) .......... وفي بيت الطغرائي من البديع الاستخدام، وهو أن يكون للكلمة معنيان، فيؤتى بعدها بكلمتين، أو يكتنفانها، فيستخدم في كل واحدة منهما معنى مد ذينك المعنيين، ومثَّل /أرباب [٥٠ أ] البديع في هذا بقول أبي الطيب (٣): (من الطويل) بِرَغمِ شَبيبٍ فارَقَ السَيفُ كَفَّهُ ... وَكانا عَلى العِلّاتِ يَصطَحِبانِ كَأَنَّ رِقابَ الناسِ قالَت لِسَيفِهِ ... عدوُّكَ قَيسِيٌّ وَأَنتَ يَمانِ فيماني له معنيان، أحدهما السيف، والآخر ضد قيس، ولم تزل العداوة بين قيس وأهل اليمن، وهكذا قول الطغرائي؛ لأنه ذكر الصفاح، وهي هنا مشتركة بين السيوف، وبين العيون مجازا، وقد غلب العرف عليها بين الشعراء، فصار حقيقة عرفية، فأمكن اعتبار الاشتراك، فقال: لا أهاب الصفاح البيض، فهو إلى هنا الحقيقة اللغوية، والسامع يظنه في ذكرها، ثم ترك ذاك المفهوم الأول، وأخذ في المفهوم الثاني فقال تسعدني باللمح من خلال الأستار والكلل، فاستعمل الصفاح في العيون، وهي الحقيقة العرفية، وهذا في غاية الغزل؛ لأنه يقول: أنا لا أهاب السيوف ووقوعها إذا كانت تسعدني على جراحي باللمح من فروج الأستار، أي ما السيوف غيرها. وما أحسن قول ابن التعاويذي (٤): (من البسيط)

стр. 87

بَينَ السُيوفِ وَعَينَيهِ مُشاكَلَةٌ ... مِن أَجلِها قيلَ لِلأَغمادِ أَجفانُ وإن كان أخذه من قول أبي الطيب (١): (من الكامل) وَلِذا اِسمُ أَغطِيَةِ العُيونِ جُفونُها ... مِن أَنَّها عَمَلَ السُيوفِ عَوامِلُ ولا أخِلُّ بغِزلان أغازِلُها ... ولو دهتني أسودُ الغِيل بالغيَلِ اللغة: أخلّ بكذا: تركه، والغزلان: جمع غزال، أغازلها: أحادثها، دهتني: أصابته الداهية، والغيل: موضع الأسد، وفلان قليل الغائلة أي الشر. الإعراب: أغازلها: فعل مضارع، وموضعه نصب / للمفعولية، والجملة في [٥٠ ب] موضع جر صفة لغزلان، دهتني: فعل ماض، والتاء علامة التأنيث للفاعل، والنون للوقاية، والياء ضمير المفعول، وهو االمتكلم، أسود: جمع أسد، وهو مرفوع على أنه فاعل دهت. المعنى: الكلام في هذا البيت كالكلام في قوله ﷺ : نعم العبد صهيب، وقد تكلم عليه القرافي (٢) وغيره، فلا نطيل بذكره، ومعناه: لو دهتني أسود الغيل بالغيل ما أخللت بغزلان أغازلها، فكيف وما دهتني، فعدم إخلالي بطريق أولى، فالإخلال مرتبط بدهاء الأسود، وتخريجه على ما قال القرافي أنّ الغالب على الأوهام أنّ الإنسان يخل بمحادثة مَنْ يحادثه إذا دهته الأسود باغتيالها، فقطع الشاعر هذا الربط، وقال: ما أخل بمحادثة هذه الغزلان مع وجود دهاء الأسود، واغتيالها إياي، وهذه مبالغة كبيرة عظيمة في الشغل بالمحبوب والأنس به عن كل ما يذهل النفوس، ويشغل القلوب التي ترتاع وتنفر من حصوله، ولقد بالغ أبو الحسن علي بن رشيق في قوله (٣): (مجزوء الرجز) وَلَقَدْ ذَكَرْتُكِ في السَّفينَةِ والرَّدى ... مُتَوَقَّعٌ بِتَلاطُمِ الأَمْواجِ وَالْجَوُّ يَهْطِلُ والرِّياحُ عَواصفٌ ... وَاللَّيْلُ مُسْوَدُّ الذَّوائِبِ داجِ وَعَلى السَّوَاحِلِ لِلأَعادي غارَةٌ ... يُتَوَقّعُونَ لِغارَةٍ وَهِياجِ وَعَلَت لأَصْحابِ السَّفينَةِ ضَجَّةٌ ... وَأَنا وَذِكْرُكِ في أَلَذِّ تَناجي والأصل في هذا المعنى قول عنترة (٤): (من الكامل) ولقَدْ ذكرتُكِ والرِّماحُ نواهلٌ ... منِي وبيضُ الهندِ تقطرُ مِن دمي.

стр. 88

وقال الأرجاني (١): (من الطويل) وإنّي لأرعاكُمْ على القُرْبِ والنَّوى ... وأذْكُرُكمْ بينَ القَنا والقنابل وقال ابن مطروح (٢): (من الكامل) ولقد ذكرتك والرماح لوامع ... من حولنا والسمهرية شرع وعلى مكافحة العدو ففي الحشا ... شوق إليك / تضيق عنه الأضلع [٥١ أ] ومن الصبا وهلم جرا شيمتي ... حفظ الوداد وكيف عنه أرجع وقال الشريف البياضي (٣): (من الكامل) ولقد ذكرتك والطبيب معبس ... والجرح منغمس به المسبارُ وأديم وجهي قد فراه حديده ... ويمينه حذراً عليَّ يسارُ فشغلتني عما لقيتُ وإنه ... لتضيق منه برحبها الأقطارُ وقال صفي الدين الحلي (٤): (من الكامل) وَلَقَد ذَكَرتُكِ وَالسُيوفُ مُواطِرٌ ... كَالسُحبِ مِن وَبلِ النَجيعِ وَطَلِّهِ فَوَجَدتُ أُنساً عِندَ ذِكرِكِ كامِلاً ... في مَوقِفٍ يَخشى الفَتى مِن ظِلِّهِ حبُّ السلامةِ يَثْني همَّ صاحِبه ... عن المعالي ويُغرِي المرءَ بالكَسلِ اللغة: الحب قد تقدّم، السلامة: الرفاهية، يثني: يعطف ويكف، والهم: العزم، والإغراء: الولوع بالشيء، والمرء: الرجل، والكسل: التثاقل عن الشيء لأمر. الإعراب: حب السلامة: مبتدأ، ومضاف، وخبره يثني، همّ: مفعول به، وصاحبه: مضاف إليه، عن المعالي: معناه التجاوز، ويغري: الواو عطف الفعل على الفعل، المرء: مفعول، بالكسل: الباء فيه للتعدية. المعنى: يقول لصاحبه: حبّ السلامة يعطف عزم صاحبه عن اكتساب المعالي، ويُغري الإنسان بالكسل، كأنه لمَّا عرض على صاحبه المرافقة إلى الحيّ الذي وصفه، وجده

стр. 89

متثاقلا عن مرافقته، غير قابل على التوجه معه إلى الحيّ، والمشاركة له في المشاق والأخطار، فأخذ يعظه بمثل هذا الكلام، إنْ قلت: إنّ الكلام لصاحبه، وإنْ قلت: أنه قطع الكلام عنه، وأخذ يخاطب نفسه، كأن الإنسان يجرد من نفسه مخاطَبا إقامة للمواجهة بالقول، وأحسن ما جاء فيه قول الصمة بن عبد الله القشيري من الحماسة (١): (من الطويل) حنَنْتَ إلى رَيّا وَنَفسُكَ باعَدَت ... مَزارَكَ مِن رَيّا وَشَعباكَما/ مَعا ... [٥١ ب] الأبيات، ولعمري إنّ السلامة في الخمول خير من العطب في المعالي، فما يفي الوصل بالصدود، وقال الشاعر (٢): (من الخفيف) إنْ مدحتُ الخمولَ نبَّهتُ قوما غفْلا عنه سابقوني إليه هو قد دلّني على لذة العيش فما لي أدلُّ غيري عليه وقال أبو العلاء المعري (٣): (من الوافر) ولو جرت النباهة في طريق ال ... خمول إليَ لاخترت الخمولا وقد رضي بالخمول جماعة من الرؤساء الأكابر المتقدمين في العلم والمنصب، منهم: أبو السعادات بن الأثير، صاحب جامع الأصول، والنهاية في غريب الحديث، قال الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ لمعاوية لمعاوية ﵁ إنّ عليَّ ديناً فأوفوه وأنتم في جلٍّ من الخلافة، فأوفوا دينه، وترك لهم الخلافة، وقد فعل ذلك جماعة من الأعيان، قال بعض العارفين: أول ما نزع الله من قلوب العارفين حب الرياسة، قال إبراهيم الغزي (٤): (من مجزوء الكامل) المجد سهل والطريـ ... ق إليه بالإجماع وعرُ وقال ابن وكيع (٥): (من المتقارب) لقد رضيت همتي بالخمول ... ولم ترض بالرتب العالية وكن في مكان إذا ما وقعتَ تقومُ ورجلكَ في عافية وهذا يشبه قول ابن رشيق (٦): (من المتقارب)

стр. 90

تُنازِعُني النَّفْسُ أَعْلى الأمورِ ... وَلَيْسَ مِنَ العَجْزِ لا أَنْشَطُ وَلَكِنْ بِمِقْدارِ قُرْبِ المكانِ ... تَكونُ سلامَةُ مَنْ يَسْقُطُ وعلى الجملة فالزهد أمر تمسك العقلاء بعروته الوثقى، ولهذا أفتى الفقهاء بأنه لو أوصى لأعقل الناس صرف إلى الزهاد، وكل ما تراه عينك رهن الزوال، ومقدمات نتيجتها العدم، ولله در ابن الشبل البغدادي (١) إذ يقول: (من الخفيف) صحة المرء للسّقام طريقٌ ... وطريق الفناء هذا البقاء بالذي نغتذي نموت ونحيا ... أقتل الدّاء للنفوس الدواء ما لقينا من غدر دنيا فلا كا ... نت ولا كان أخذها والعطاء صلفٌ / تحت راعد وسراب ... كرعت منه مومسٌ خرقاء [٥٢ أ] راجعٌ جودها عليها فمهما ... يهب الصبح يستردّ المساء ليت شعري حلما تمر به الأيا ... م أم ليس تعقل الأشياء من فسادٍ يكون في عالم الكو ... ن فما للنفوس منه اتّقاء وقليلا ما تصحب المهجة الجسـ ... م ففيم الشقاء وفيم العناء قبَّح الله لذةً لشقانا ... نالها الأمهات والآباء نحن لولا الوجود لم نألم الفقـ ... ر فإيجادنا علينا بلاء وهي طويلة، وقال آخر (٢): (من الرمل) هذه الدنيا وهذا شأنها أتعب الناس بها أعوانها وذوو الأحلام قالوا إنها ... حلُمُ يقضي بها يقظانها يقال إنُ بعض الخلفاء أرسل إلى الخليل بن أحمد رسوله، فوجده يبل كسرة في ماء، ويأكل منها، فقال: أجب أمير المؤمنين، فقال: ما لي إليه حاجة، فقال: إنه يغنيك، فقال: ما دمت أجد هذين فإني لا أحتاج إليه، وقال تلميذه النضر بن شميل: أقام الخليل في خُصٍّ من أخصاص البصرة، لا يقدر على فلس، وأصحابه يكسبون الأموال بعلمه، وأخبار الزهاد في إعراضهم كثيرة، وهذا الذي تقدم ذكره كله مخالف مراد الطغرائي في البيت، فإنّ رأيه السعي والجد والكد والكدح والانتصاب لتلقي لتلقي الأهوال في تحصيل المعالي، والترقي إلى

стр. 91

منازل العز، وكسب المجد بالحركة والإقدام على ركوب الأخطار؛ لنيل الأماني، وبلوغ الأوطار، ولله درّ القائل (١): (من السريع) فَما قَضى حاجَتَهُ طالِبٌ ... فُؤادُهُ يَخفِقُ مِن رُعبِهِ وَغايَةُ المُفرِطِ في سِلمِهِ ... كَغايَةِ المُفرِطِ في حَربِهِ ومن الكلم النوابغ: صعود الآكام، وهبوط الغيطان، خير من القعود بين الحيطان، قال ابن نباتة السعدي (٢): (من الوافر) ومن طلَبَ النجومَ أطالَ صبراً ... على بعد / المسافةِ والمنالِ ... [٥٢ ب] وتثمِرُ حاجةُ المحتاجِ نجْحاً ... إذا ما كانَ فيه ذا احتِيالِ ومما يُنسب إلى علي بن أبي طالب ﵁ (٣): (مجزوء الرمل) كِدَّ كَدَّ العبد إن آ ... ثرت أن تُصبح حرّا لا تقل ذا مكسب يز ... ري سؤال الناس أزرى وللسراج الوراق (٤): (من السريع) دع الهوينا وانتصب واكتسب واكدح فنفس المرء كدّاحة وكن عن الراحة في معزل فالصفح موجود مع الراحة فإن جنحتَ إليه فاتَّخِذْ نَفَقاً ... في الأرضِ أو سلَّماً في الجوِّ فاعتزلِ اللغة: جنح: إذا مال، والنفق: سرب في الأرض، والسّلّم: معروف، والجمع سلالم، اعتزل: اطلب العزلة، والمعتزلة لا نطيل بذكرهم، وذكر مسائلهم التي خالفوا فيها، ولماذا سموا معتزلة، فذلك كله معروف، قال الشافعي ﵁ في مسألة أن العبد هل له مشيئة أم لا: (من المتقارب) وما شئت كان وإن لم أشا ... وما شئت أن لم تشا لم يكن (٥) خلقت العباد على ما علمتَ ... ففي العلم يجري الفتى والمُسِن فمنهم شقي ومنهم سعيد ... ومنهم قبيح ومنهم حسن على ذا مننت وهذا خذلتَ ... وهذا أعنتَ وذا لم تعن قال الشارح: وبلغني أن الإمام فخر الدين شرح هذه الأبيات في مجلّدة، ولم أرَها، وهذه المسألة من أعظم مسائلهم، ثم ذكر الشارح بعد ذلك ما اتّفق للأئمة مع المعتزلة، وذكر المعتزلة بفرقهم ومسائلهم.

стр. 92

الإعراب: إنْ: حرف شرط، وجنحت: فعل ماضٍ، ومعناه الاستقبال، وهو في موضع جزم بالشرط، والتاء: ضمير الفاعل، وهو المخاطب، إلى: جار ومجرور، فاتّخذ: الفاء جواب الشرط، اتّخذ فعل أمر، والفاعل مستتر وجوبا، نفقا: مفعوا به، أو حرف عطف، وسلما: منصوب على أنه مفعول / اتخذ، في الجو: في هنا للظرف، [٥٣ أ] فاعتزل: الفاء: للعطف، واعتزل: فعل أمر، والأمر مبني على السكون، وإنما حرّكه للضرورة في القافية. المعنى: فإن ملت إلى حب السلامة فادخل في نفق الأرض، أو اصعد في سلم في الجو ... [لأن السلامة] (١) متعذرة عليك ما دمت بين الناس، ولا سبيل إلى النزول في النفق، ولا إلى الصعود في سلم [في] (٢) الجو، إذ لا بد لك من الناس، والسلامة بينهم عزيزة، وفي هذا تحريض على الحركة، والسعي والاجتهاد في إحراز المعالي؛ لأن السلامة ممتنعة، فالأولى بالإنسان الحركة، والطلب، وقد قال أبو العلاء المعري في وصف النوع الإنساني بالأذى، وأنه لا يسلم من أذاه حيوان: (السريع) أتعبتم السابح في لجةٍ ... ورعتم في الجو ذات الجناح (٣) هذا وأنتم غرضٌ للردى ... فكيف لو خلِّدتم يا قباحِ؟ وبيت الطغرائي يسميه أرباب البديع التلميح، وبعضهم يسميه الاقتباس، وهو نوع من التضمين، ولكن التضمين هو أن يأتي [لفظ] الآية أو الحديث، أو البيت كاملا، وإن لم يأت كاملا فهو اقتباس، والطغرائي اقتبس كلامه هنا من قوله تعالى: [وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ] (٤) الآية، قال ابن سناء الملك (٥): (من الطويل) وكَمْ قلعةٍ فوقَ السماءِ أَساسُها ... وعامِرُها من أَسلافِ عاد وجُرْهُم رقى سلَّماً للعِزِّ أَوصَلهُ لها ... فقد نالَ أَسبابَ السماءِ بِسُلَّمِ ودَعْ غمارَ العُلى للمقديمن على ... ركوبِها واقتنِعْ منهن بالبَلَلِ اللغة: دع: معناه اترك، والغمرة: الشدة، والزحمة في الماء والناس، والجمع غمار، ودخلت في غمار الناس، المقدمين: اسم فاعل من أقدم يقدم فهو / مقدم، اقتنع: [٥٣ ب] افتعل من الأمر بالقناعة، البلل: النداوة، وما أحسن قول أبي الطيب (٦): (من البسيط)

стр. 93

وَالهَجرُ أَقتَلُ لي مِمّا أُراقِبُهُ ... أَنا الغَريقُ فَما خَوفي مِنَ البَلَلِ الإعراب: الواو: عطفت هذا الأمر على قوله فاعتزل، غمار: مفعول به، والعلى: مجرور بالإضافة، للمقدمين: جار ومجرور، وعلامة الجر الياء والنون لأنه جمع مذكر سالم صفة لعاقلين، ركوب: مجرور بعلى، والهاء والألف في موضع جر بالإضافة، واقتنع: الواو عطفت فعل الأمر على مثله وهو دع، فيهن: جار ومجرور، ولم يظهر الجر لأن الضمائر مبنية، بالبلل: الباء هنا للاستعانة، أو للتعدية. المعنى: واترك لجج المعالي للذين أقدموا على ركوبها، وصبروا على أهوالها، وكابدوا شدائدها، واقتنع من اللجج بالبلل، وكنّى بالبل عن الشيء النزر من العيش، كأنه قال: ارضَ من اللجة بالبلالة إذا لم تكن تقدم على الأهوال، فإذاً لا تزال في ظمأ لأنك ما ركبت اللجة، والأمر كما ذكره الطغرائي، فإنه لم يحظ بالدر مَنْ لم يغص عليه، ولم يطعم الشهد مَن لم يصبر على أُبره، ولم يظفر بالسلب مَن لم يهوِّن ألم الجراح، ولم يتمتع بالحسناء مَنْ لم يجد بالمهر الغالي، فمن لم يغص قنع بالصدف، ومن لم يصبر على السم لم يذق الحلاوة، ومن لم يهوّن الجراحة سُلِب ما عليه، ومن لم يسمح بالمال في المهر عاد بالخيبة، فاقتحمْ الطلب والدأب، واصبر على مضض السهر والفكر لتُعدّ من أعيان العلماء، وتتكلم على رؤوس الأشهاد، وترقى ذرى المنابر، وتتصدّر في المجالس، ويُشار إليك بالأنامل، وتعقد عليك الخناصر. رضَى الذليلِ بخفضِ العيشِ مَسْكَنَةٌ ... والعِزُّ عندَ رسيمِ الأينُقِ الذُلُلِ / اللغة: الرضا: ضد السخط، والذليل: ضد العزيز، الخفض: الدعة، العيش: [٥٤ أ] الحياة، و [المسكنة] (١): الفقر، والعز: ضد الذل، والرسيم: ضرب من سير الإبل، الأينق: جمع ناقة، الذلل: دابة ذلول، بيّنة الذل. الإعراب: رضا مبتدأ، الذليل مضاف إليه، بخفض: الباء للتعدية، أو الاستعانة، والعيش مضاف [إليه]، مسكنة: خبر مبتدأ، وعند: ظرف مكان، وفيها لغات: كسر العين وفتحها، وفتح النون مع فتح العين، تقول عَنَد، قال الشاعر (٢): (من الرجز) وكل شيءٍ قد يحب ولدَه ... حتى الحباري وتطير عَنَدَهُ قال الحريري في درة الغواص: ويقولون ذهبت إلى عنده فيخطئون؛ لأن (عنداً) لا يدخل عليه من أدوات الجر إلاّ مِن وحدها، ولا يقع في تصاريف الكلام مجرورا إلاّ بها، قال

стр. 94

تعالى: [قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ] (١) وإنما خصت مِن بذلك لأنها أم الباب، ولكل أمّ باب اختصاص تمتاز به (٢). ورسيم والأينق: كل منهما مجرور بالإضافة، والذلل: مجرور على أنه صفة للأينق، وأمَّا الخبر الذي يطلبه المبتدأ وهو العز فإنه محذوف، وهو ما تعلق به الظرف الذي سدّ مسدّه، وتقديره والعز مستقر، أو مطلوب، أو كائن عند رسيم الأينق. المعنى: يقول: رضا الذليل بلين العيش ودعته مع وجود الذل مسطكنة عند النفس الأبية، وإنما العز موجود عند سير النوق المذللة في الأسفار، وهذا حثّ على الحركة، والتنقل من مواطن الذل، قال ﵇: لا يحلّ لمؤمن أن يذلّ نفسه، قالوا: يا رسول الله، وكيف يذل نفسه، قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيق. فادرأْ بها في نحورِ البِيد جافلةً ... معارضاتٍ مثانى اللُّجمِ بالجُدَلِ / اللغة: فادرأ: فعل أمر من الدرء، وهو الدفع، نحور: جمع نحر، وهو موضع [٥٤ ب] القلادة في الحلق، وهو هنا مجاز، استعار النحور للبيد، والبيد: جمع بيداء وهي المفازة، وأبادهم الله أي أهلكهم، وجفل: إذا أسرع، معارضات: تقول عارضته في السير إذا سرت حياله، وعارضته بمثل ما صنع، مثاني: جمع مثنى من قولك جاء القوم مثنى مثنى، أي اثنين، واللجم: جمع لجام، وهو فارسي معرّب، الجدل: زمام الناقة. الإعراب: ادرأ: فعل أمرٍ من درأت، والضمير في بها يرجع إلى الأينق في البيت الذي قبله، في نحور: جار ومجرور، وفي ظرفية، والبيداء: مجرور، جافلة: منصوب على الحال، مُعارضات: [منصوب على أنه حال ثانية، مثاني منصوب بمعارضات] (٣) لأنه اسم فاعل، واسم الفاعل [يعمل عمل الفعل] (٤) إذا كان غير مضاف، بالجدل: الجار والمجرور في موضع النصب على أنه مفعول ثان لمعارضات. المعنى: فادفع بالأينق الذلل في نحور المفاوز والقفار مسرعة غير ملتفتة وبجياد الخيل فعارض لجم تلك بأزمّة هذه، وهذا حثّ منه على أعمال الركاب، وأنْ يرمى بها في نحور البيد مسرعة، تباري بأزمّتها لجم الخيل في سيرها، وهذا البيت مأخوذ من قول أبي الطيب (٥): (من البسيط) لا أُبغِضُ العيسَ لَكِنّي وَقَيتُ بِها ... قَلبي مِنَ الحُزنِ أَو جِسمي مِنَ السَقَمِ

стр. 95

طَرَدتُ مِن مِصرَ أَيديها بِأَرجُلِها ... حَتّى مَرَقنَ بِنا مِن جَوشَ وَالعَلَمِ تَبري لَهُنَّ نَعامُ الدَوِّ مُسرَجَةً ... تُعارِضُ الجُدُلَ المُرخاةَ بِاللُجُمِ وما أحسن قول أبي الطيب (١): (من الطويل) وَجُرداً مَدَدنا بَينَ آذانِها القَنا ... فَبِتنَ خِفافاً يَتَّبِعنَ العَوالِيا تُجاذِبُ فُرسانَ الصَباحِ أَعِنَّةً ... كَأَنَّ عَلى الأَعناقِ مِنها أَفاعِيا وقد أخذ عبد الصمد بن بابك قول أبي الطيب في تشبيه العنان بالأفاعي، وزاد عليه زيادة حسنة / فقال في زمام الناقة: (من الكامل) ... [٥٥ أ] ولَقدْ أتَيتُ إِليكَ تحملُ بزَّتي ... حَرفٌ يُسكَّنُ طَيشهَا الدّأَلانُ (٢) يَنفِي الزَّفيرُ خُطامهَا فكأنما ... غَارٌ يُحاول نَقبه ثُعبانُ وقال آخر (٣): (من الطويل) رَجيعَةِ أَسفارٍ كَأَنَّ زِمامَها ... شُجاعٌ لَدى يُسرى الذِراعَينِ مُطرِقُ إنَّ العُلَى حدَّثتِني وهي صادقةٌ ... في ما تُحدِّثُ أنَّ العزَّ في النُقَلِ اللغة: النقل: جمع نقلة. الإعراب: إنَّ العلى: إنّ واسمها، حدثتني: في موضع رفع خبر إنّ، وهي: الواو واو الابتداء، صادقة: خبره، وما: اسم ناقص لا يتم إلاّ بصلة وعائد، تحدث: فعل مضارع، وهو صلة ما التي تقدّمت، والعائد محذوف لأنه فضلة، تقديره فيما تحدثه، إنّ العزَّ: إنّ واسمها، وهي مكسورة؛ لأنها محكية بالقول، والجار والمجرور متعلق بمحذوف هو خبر إنّ، تقديره إنّ العزّ يستقرّ في النقل، وقوله: إنّ العزّ وما بعده في موضع نصب على أنه على أنه مفعول ثان، وقوله: وهي صادقة جملة اعتراضية لا محلّ لها من الإعراب. المعنى: إنّ العلى حدثتني فيما حدثت من الأخبار إتّ العز موجود في النقل من مكان إلى مكان، والاغتراب من مكان مبا بساكنه إلى مكان يلائمه ويوافقه، وينال فيه المعالي، وقد أكثر الشعراء من الحث على الانتقال والحركة، قال أبو تمام (٤): (من الطويل) وَطولُ مُقامِ المَرءِ في الحَيِّ مُخلِقٌ ... لِديباجَتَيهِ فَاِغتَرِب تَتَجَدَّدِ فَإِنّي رَأَيتُ الشَمسَ زيدَت مَحَبَّةً ... إِلى الناسِ أَن لَيسَت عَلَيهِم بِسَرمَدِ ومن كلام الحكماء: إنّ الله لم يجمع منافع الدنيا في مكان من الأرض، بل فرّقها، وأحوج بعضها إلى بعض، وقيل: إنّ المسافر يجمع العجائب، ويجلب المكاسب، وقيل: الأسفار مما

стр. 96

تزيد / علما بقدرة الله تعالى وحكمته، وتدعو إلى شكر نعمته، وقيل: ليس بينك وبين [٥٥ ب] بلد نسب، فخير البلاد ما حملك، وقال ابن قلاقس (١): (من مجزوء الكامل) سافِرْ إذا حاولتَ قَدْرا ... سارَ الهلالُ فصارَ بَدرا وقال أيضا (٢): ليس ارتحالُكَ تَرْتَادُ الغِنَى سفراً ... بَلِ المُقَامُ على خَسْفٍ هو السفرُ وقد استعار الطغرائي الحديث للعلى؛ لأن العلى أمور معنوية لا تتصف بالكلام، ولكنه لمّا جرّب وجود العز بالنقلة والحركة، صارت التجربة عنده علما استفاده، فكأنه حدثته العلى بذلك، فأسند ذلك إلى العُلى تعظيما للرواية في إسنادها إلى العُلى ليتلقّاها السمع بالقبول، قوله وهي صادقة جملة اعترض بها، وقد زادت الكلام حسنا لتأكيد الصدق عند المخاطب، كما تقول: حدّثني فلان، وهو صادق، فيما يرويه، طلبا للتأكيد في قبول ما يأتي به من الرواية عمّن يروي الحديث عنه، وهذا أبلغ من قوله: إنّ العلى حدثتني فيما تحدث إن العز في النقل، ومن الجمل الاعتراضية قوله تعالى: [فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ] (٣) فاعترض اعتراضين: أحدهما أصل، والثاني فرع، الأول اعتراضه بقوله: وإنه لقسم، بين قوله بمواقع، وبين قوله: إنه لقرآن كريم، الثاني أنه اعتراض بقوله لو تعلمون بين قوله وإنه لقسم، وبين قوله عظيم، وقد رأيت ما أفادت هاتان الجملتان في الاعتراض من الجزالة والبلاغة. لو أنَّ في شرفِ المأوى بلوغَ مُنَىً ... لم تبرحِ الشمسُ يوماً دارةَ الحَمَلِ اللغة: الشرف: العلو والمكان العالي، والمأوى: كل مكان يأوي إليه / الشيء ليلاً أو [٥٦ أ] نهارا، وبلغت المكان: إن وصلت إليه، ومنى: جمع مُنية، وهي ما يتمناه الإنسان، تبرح: لا أبرح، أي لا أزال، دارة الحمل: قال الشارح: لا أعرف الدارة إلاّ للقمر، اللهم إلاّ أن تكون الدارة ما يدور حول الشيء، والحمل: أول برج الكواكب. الإعراب: في شرف، في هنا ظرفية، وتتعلق بمحذوف هو خبر إنَّ تقديره مستقر، فالجار والمجرور هنا سدّ مسدّ الخبر، والمأوى: مجرور بالإضافة، بلوغ: منصوب على أنه اسم إنّ، ومنى في موضع جر بالإضافة المعنوية، لم تبرح: جازم ومجزوم، وبرح من أخوات كان، ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهذه الجملة جواب الشرط الذي في لو، الشمس: اسم تبرح، والألف واللام لتعريف الحقيقة أو للعهد الجنسي أو الذهني، يوما: مفعول فيه،

стр. 97

دارة: مفعول به، ولا يكون هنا خبرا، لأنها تامة، اكتفت باسمها، كقوله تعالى: [فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ] (١) إذ لو جعلناها ناقصة لفسد المعنى في البيت، والحمل: مجرور بالإضافة، واللام هنا للمح الصفة. المعنى: لو أنّ المقام في المكان الشريف يبلغ المنى ما برحت الشمس مقيمة في دارة الحمل؛ لأنها في هذا البرج في غاية الشرف، وهذا تمثيل بديع، وفيه حث على الحركة، قال ﵇: سافروا تصحوا، واغزوا تستغنوا، وفي حديث آخر، سافروا تصحوا وتغنموا، وفي التوراة: يا ابن آدم أحدث سفرا أُحدث لك رزقا، وقال العرب: الحركات بركات، وما أحكم قول أبي الطيب (٢): (الطويل) وَكُلُّ اِمرِئٍ يولي الجَميلَ مُحَبَّبٌ ... وَكُلُّ مَكانٍ يُنبِتُ العِزَّ طَيِّبُ وقال البحتري (٣): (من الكامل) وَإِذا الزَمانُ كَساكَ حُلَّةَ / مُعدِمٍ ... فَاِلبَس لَهُ حُلَلَ النَوى وَتَغَرَّبِ ... [٥٦ ب] وقال ابن صرد (٤): (مجزوء الكامل) نقل ركابك للعلا ... ودع الغواني في القصور لولا التغرب ما ارتقى ... درر البحور إلى النحور وقال الآخر (٥): (من البسيط) وَالتِبرُ كَالتُربِ مُلقىً في أَماكِنِهِ ... وَالعودُ في أَرضِهِ نَوعٌ مِنَ الحَطَبِ وهو مأخوذ من قول الآخر (٦): (من البسيط) قالوا نراك كثير السير مجتهداً ... في الأرض تنزلها طوراً وترتحل فقلت لو لم يكن في السير فائدة ... ما كانت السبع في الأبراج تنتقل وقال الشارح (٧): (من البسيط)

стр. 98

سافر تنل رتب المفاخر والعُلى كالدرِّ سار فصار في التيجانِ وكذا هلالُ الأفقِ لو ترك السُّرى ما فارقته معرَّة النقصان وفي قول الطغرائي في هذا البيت من البديع الإيضاح، وإرسال المثل، أمَّا إرسال المثل فإنه واضح؛ لأن كل مَنْ سمعه وحفظه تمثّل به فيما يليق من المواقع، وأمَّا الإيضاح فإنه أزال به اللبس من خفاء الحكم الذي ادّعاه في البيت الذي تقدّمه، وهو أنّ العزّ في النقل، هذا حكم خافٍ عند المخاطب حتى يوضّحه بقوله: لو أنّ في شرف المأوى ... البيت، فيزول اللبس، ويتضح الحكم. قال رحمه الله تعالى: أهبتُ بالحظِ لو ناديتُ مستمِعاً ... والحظُّ عنِّيَ بالجُهَّالِ في شُغُلِ اللغة: أهاب الراعي بغنمه: صاح بها لتقف ولترجع، والحظ: النصيب، والنداء: معروف، مستمعا: اسم فاعل من استمع، والجهل: خلاف العِلم، شغل: فيه أربع لغات: شُغْل، وشُغُل، وشَغْل، وشَغَل. الإعراب: أهبت: فعل وفاعل، بالحظ: الباء للتعدية، والألف واللام للعهد الذهني، والجار والمجرور في موضع النصب، ومستمعا: مفعول به، والحظ: مبتدأ / في [٥٧ أ] شغل: في موضع رفع، خبر للمبتدأ تقديره والحظ مستقر في شغل بالجهال عنّي. أنشد ابن الوردي ﵀ (١): (مجزوء الرجز) وأغيدٍ يسألني ... ما المبتدا والخبرُ مثلْهما لي مسرعاً ... فقلتُ أنتَ القمرُ المعنى: صحت بالحظ، وطلبت إقباله لو أني ناديت من يسمعني؛ لأن الحظ اشتغل عني بالجهال، وهذا ينظر إلى قول عبد الرحمن بن الحكم (٢): (من الوافر) لقد أسمعتَ لو ناديتَ حَيّاً ... ولكنْ لا حياةَ لِمَنْ تُنادي والصحيح أن الحظوظ لاتعلل، فما وجودها وعدمها باستحقاق من الطرفين، بل الله يرزق من يشاء بغير حساب، قال الله تعالى: [وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ] (٣) وقال تعالى: [نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا] (٤)، وقال ﵇: (لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد).

стр. 99

عِلْمي بسابقةِ المقْدورٍ ألْزمني ... صبري وصمتي (١) فلم أحرص ولم أسل (٢) لو نيل بالحظ مطلوبٌ لما حُرِم الـ ... رؤيا الكليم وكان الحظُّ للجبل وحِكْمَةُ العقل اِن عزَّن واِن شرفت ... جهالة عند حكم الرزق والأجَلِ وقال بعضهم: (من المجتث) كم من غَبّيٍ غَنيٌ ... وكم من فَقيهٍ فَقيرٌ (٣) وقال آخر: (من الكامل) وإذا استقام الدهر يوما للفتى أغنت سعادته عن التنجيم (٤) وقال ابن قلاقس (٥): (من الطويل) ولستَ تَرى في مَحْكَمِ الذكرِ سورةً ... تقومُ مقامَ الحمْدِ والكلُّ قُرآنُ وقال مهيار الديلمي (٦): (من البسيط) لا تحسَبِ الهمّةَ العَلياءَ مُوجِبةً ... رزقاً على قِسمة الأقدارِ لم يجبِ لو كان أفضلُ مَنْ في الناس أسْعَدَهم ... ما أنحطّتِ الشمسُ عن عالٍ من الشُّهُبِ أو كان أسْيَرُ ما في الأُفْق أسْلَمَه ... دام الهلالُ فلم يُمْحَقْ ولم يَغبِ وقال الطغرائي (٧): (من الطويل) وأعظمُ ما بِي أنّني / بفضائلي ... حُرِمْتُ وما لي غيرَهُنَّ ذَرائِعُ ... [٥٧ أ] إِذا لم يَزِدني موردي غيرَ غُلَّةٍ ... فلا صدرتْ بالواردينَ مشارِعُ وقال [القاضي] الفاضل (٨): (مجزوء الكامل) ما ضَرَّ جَهلُ الجاهِليـ ... نَ وَلا اِنتَفَعتُ أَنا بِحِذقي وَزِيادَتي في الحَذقِ فَهـ ... يَ زِيادَةٌ في نَقصِ رِزقي وقال آخر (٩): (من الطويل) إِذا جَمَعتْ بين امرأيْنِ صِناعَةٌ ... فأحببتَ أن تدري الذي هو أحْذَقُ فلا تَتَفقَّدْ منهما غيرَ ما جَرَتْ ... به لهُما الأرزاق حين تُفَرَّقُ فحيثُ يكون الجَهلُ فالرزق واسِعٌ ... وحيثُ يكونُ العلم فالرزق ضيِّقُ

стр. 100

وقال أبو العلاء (١): (من الكامل) لا بُدّ للحَسناءِ من ذامٍ ولا ... ذامٌ لنَفسِي غَيرَ سَيّئِ بَخْتِها وقال ابن سناء الملك (٢): (من السريع) ما تمَّ إِلا الحظُّ فارقُب له ... ولا تَقُل عقْلِي ولا حَزْمِي كم نقمةٍ في طيِّها نعمةٌ ... ويوجَدُ التِّرياقُ في السُّمِّ وقال الشافعي ﵁ من أبيات (٣): (من الكامل) لو أنَّ بالحيلِ الغني لوجدتنيِ ... بنجومِ أفلاكِ السماء تعلُّقي لكنَّ من رُزِق الحجا حُرِمَ الغنى ... ضدّان مفترقان أي تفرُّق فإذا سمعتَ بأنَّ محروماً أتى ... ماءً ليشربه فغاضَ فصدِّق أو أنّ محظوظاً غدا في كفه ... عُودٌ فأورَقَ في يديه فحقِّقِ وقال الإمام فخر الدين الرازي: (من البسيط) كم عاقل عاقل أعْيتْ مذاهبهُ ... وجاهل جاهل تلقاهُ مَرْزوقا (٤) هذا الذي تركَ الأوهامَ حائرةً ... وصَّبر العالم النِّحريرَ زِنديقاً وقال أبو إسحاق الغزي: (من البسيط) كم عالِمٍ لم يًلِجْ بالقرعِ بابَ منىً وجاهلٍ قبلَ قرعِ البابِ قد ولجا (٥) وقال ابن الخياط الأندلسي (٦): (من الكامل) لم يخل من نوب الزمان أديب ... كلاّ فشأن النائبات تنوب وإذا انتهيتَ إلى العلومِ وجدتَها ... شيئاً يعدّ بها عليك ذنوب وغضارة الأيّام تأبى أن يرى ... فيها لأبناء الذكاء نصيب وكذاك من صحب الليالي طالباً ... جدّاً وفهماً فاته المطلوب / وهذا قول أبي الطيب (٧): (من الطويل) ... [٥٨ أ] وَما الجَمعُ بَينَ الماءِ وَالنارِ في يَدٍ ... بِأَصعَبَ مِن أَن أَجمَعَ الجَدَّ وَالفَهما وقال ابن الخياط الدمشقي (٨): (من الطويل) وَمَا زَالَ شُؤْمُ الْجَظِّ مِنْ كُلِّ طَالِبٍ ... كَفِيلاً بِبُعْدِ الْمَطلَبِ الْمُتَدَانِي

стр. 101

وَقَدْ يُحْرَمُ الْجَلْدُ الْحَرِيصُ مَرَامَهُ ... وَيُعْطِى مُنَاهُ الْعَاجِزُ الْمُتَوَانِي ومنه قول الآخر (١): (من البسيط) وَقد يُحرَمُ الجَلْدُ الحَريصُ مَرامهُ ... وَيُعطَى مُناهُ العاجِزُ المْتَوانِي وقول الآخر (٢): (من البسيط) قَد يُرزقُ المْرءُ لا مِنْ حُسنِ حِيلتهِ ... وَيُصرَف المال عَنْ ذِي الحيلةِ الدَّاهِي واعلم ـ رحمك الله ـ أنّ الزمان مولع بخمول الأدباء، وخمود نار الأذكياء، كما أخنى على الفضلاء، وجَهِل قدر العلماء، ولو أردنا أن نذكر مَنْ اتّفق له ذلك لعجزنا عن ذكر ما هنالك فلنقتصر على ما ذكرنا من قول الشعراء. لعلَّهُ إنْ بَدا فضلي ونقصُهُمُ ... لعينهِ نامَ عنهمْ أو تنبَّهَ لي اللغة: بدا: ظهر، والفضل والنقص ضدان، وتنبه: أصله من الانتباه، الذي هو اليقظة. الإعراب: لعل: حرف ينصب الاسم ويرفع الخبر، إنْ: حرف شرط، وبدا: فعل ماضٍ، وهو من ذوات الواو، وهو شرط، وفضلي: فاعل بدا، ونقصهم، الواو عطفت الاسم المرفوع على الاسم، لعينه، اللام هنا للتعدية، نام: جواب الشرط، لي: جار ومجرور، وخبر لعل الجملة من الشرط والجزاء، والتقدير لعل الحظ منصفي. المعنى: أتمنى الحظ عساه إذا رأى فضلي، وعَلِم نقصهم أن ينام؛ فيسلبهم ما هم فيه، أو يتنبه لي، فيوفيني ما أستحقه، هيهات ضاع عمره، وفني زمانه، وانتهت مدته، وما نام عنهم، ولا تنبه له، نعم كان قد نام عنهم، ثم انتبه له؛ فأورده على ظمأ به جدول الحسام، وأعانت على قتله فضائله الجسام، ولكن الأمل / خُلق جبلت النفوس على إلفه، [٥٨ ب] يزداد بنقص الإنسان، ويقوى بضعفه، قال ﷺ : يشيب المرء وتشبّ معه خصلتان، الحرص وطول الأمل، وفي معنى قول الناظم: (من المتقارب) عَمِرْتُ أَرُوضُ خُطُوبَ الزَّما ... نِ لَوْ أَنَّ جامِحَها يَسْتَقِيدُ (٣) وَما كانَ أَجْدَرَنِي بِالْعَلا ... ءِ لَوْ قَدْ تَنَبَّهَ حَظٌّ رَقُودُ ولا بدّ للزمان من انتباهة للفضلاء بعد رقاده عنهم، قال الناظم (٤): (من البسيط) لا تيأسَنَّ إِذا ما كنتَ ذا أَدبٍ ... على خمولِكَ أنْ ترقَى إِلى الفَلَكِ بينَا تَرى الذهبَ الإبرِيْزَ مُطَّرَحاً ... في معدن إذ غدا تاجا على المَلِكِ أعلِّلُ النفس بالآمالِ أرقُبُها ... ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأمَلِ

стр. 102

اللغة: علله بالشيء لهاه به، كما يُعلل الصبي بشيء من الطعام، والنفس: الروح، والنفس الدم لغة، يقال: سالت نفسه، أي دمه، وله نفس سائلة، أي دم، والآمال: جمع أمل، أرقبها: أرصدها، فسحة الأمل: سعته. الإعراب: أعلل النفس: فعل ومفعول، بالآمال: الباء فيه للتعدية، وهي متعلقة بأعلل، أرقبها: فعل مضارع مرفوع، ما أضيق الدهر: ما هذه للتعجب، وهي هنا على مذهب سيبويه نكرة غير موصوفة فهي في موضع رفع بالابتداء، وساغ الابتداء بها لأنها في تقدير التخصيص، والمعنى شيء عظيم، مثل: شرٌّ أهرَّ ذا ناب، والدهر: منصوب على التعجب، وهو فاعل في المعنى، لولا: حرف يمتنع به الشيء لامتناع غيره، وهي هنا امتناعية، وقد تكون تحضيضية، كقوله تعالى: [لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ /قَرِيبٍ] (١) [٥٩ أ] وفسحة: مبتدأ ومضاف إليه (٢). المعنى: أمني النفس، وأعللها برقبة الآمال، وانتظار بلوغها، وإدراكها؛ فيتّسع لها ما ضاق عليها من الدهر والعيش، ثم قال: ما أضيق الدهر لولا أنّ فسحة الأمل توسعه، وفي الآمال راحة للنفوس، قال ﷺ : الأمل راحة لأمتي، لولا الأمل ما أرضعت والدة ولدها، ولا غرس غارس شجرة، ومن هنا قال الحسن: لو عقل الناس وصوّروا الموت بصورته خربت الدنيا، وقال بعضهم: نعم الرفيق الأمل، وإن لم يبلغك فقد آنسك، واستمنعت به، قال أبو دلف (٣): (من الخفيف) أطيب الطيبات قتل الأعادي ... واختيالي على متون الجياد ورسول يأتي بوعد حبيب ... وحبيب يأتي بلا ميعاد وقد أخذ قول الطغرائي العماد الكاتب (٤)، وقال: (من الطويل) وما هذه الأَيامُ إلاَّ صحائف ... يؤرَّخ فيها ثمَّ يُمحى ويُمحقُ ولم أَرَشيئا مثل دائرةِ المنى ... تُوسِّعُها الآمالُ والعمرُ ضيقُ وقال غيره (٥): (من البسيط) لولا مواعيدُ آمالٍ أعيشُ بها ... لُمتُّ يا أهلَ هذا الحيِّ من زَمنِ وإنما طِرْفُ آمالي به مرحٌ ... يَجْرِي بِوَعد الأماني مطلقَ الرسنِ وقال آخر (٦): (من الطويل)

стр. 103

فبتُّ أُراعي النَّجمَ حتَّى كأنَّما ... بناصِيتي حبلٌ إلى النَّجمِ موثَقُ وما طالَ ليلِي غيرَ أنِّي بوعدها ... أُعلِّلُ نفسي بالأماني فتعلقُ وقال آخر (١): (من الخفيف) في المُنَى راحةٌ وإنْ علّلْتَنا ... من هواها ببعض ما لا يكونُ وقال أبو الحسين الجزار (٢): (من الكامل) حَسْبُ الفتى حسن الأماني إنه ... لا يعتريه مدى الزمان زوال لم أرتضِ العيشَ والأيامُ مقبلةٌ ... فكيف أرضَى وقد ولَّتْ على عَجَلِ اللغة: الإقبال: ضد الإدبار، والعجل: السرعة، والعجل: الطين / قال تعالى: [٥٩ ب] [خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ] (٣). الإعراب: لم: حرف يجزم الفعل المضارع، أرتض: مجزوم به، العيش: مفعول به، والأيام مقبلة: مبتدأ وخبر، وكيف: اسم مبني على الفتح، أرضى: فعل مضارع مرفوع، وقد: الواو واو الحال، وقد: للتحقيق، والتاء في ولّت علامة التأنيث، على عجل: على هذه يُحتمل أن تكون بمعنى في، ولكنها في المعنى للاستعلاء، والجار والمجرور في موضع نصب على الحال، أي ولّت مستعجلة، والجملة في قوله: وقد ... إلى آخر البيت في موضع النصب على الحال، تقديره: فكيف أرضى العيش والحالة هذه. المعنى: ما رضيت بالعيش في صباي إذ كانت الأيام مقبلة، فكيف أرضى بالعيش وقد كبرت، والأيام قد ولّت عنّي، والأمر كذلك؛ لأن العيش في زمن الشبيبة أيامه في إقبال، فهو غضٌّ نَضِر يانع، غصنه رطب، ووصله حبيب، وسهمه مصيب، وله في كل لذة قسم، وفي كل نعيم نصيب، وقال ما أحسن قول المعري (٤): (من البسيط) وقد تَعَوّضْتُ من كُلٍّ بمُشْبِهِهِ ... فما وَجَدْتُ لأيّامِ الصِّبا عِوَضَا والعيش في أيام الشيخوخة أيامه في إدبار، وتوالٍ وزوال، فهو جاف ذاوٍ ذابل، ثوبه خلق، وجوّه غسق، ويومه حرق، ونزمه أرق، وغصنه عارٍ من النضارة والثمر والورق، كما قال القائل (٥): (من البسيط) ما كنتُ أُوفِي شبابِي كُنْه قِيمَتِه ... حتى انقضى فإذا الدُّنْيا له تَبَعُ

стр. 104

وبيت الطغرائي مأخوذ من قول أبي العلاء المعري: (من البسيط) وما ازْدُهِيتُ وأثوابُ الصِّبا جُدُدٌ ... فكيفَ أُزهَى بثوْبٍ من ضنىً خَلَقِ ومن قوله أيضا في رسالة له يخاطب الدنيا: أسأتني غانية، فكيف بك عجوزا فانية، أي ما انتفعت بك وأنا شاب، فكيف أنتفع / وأنا هرم، والدنيا قد يقال لها شابّة وعجوز بمعنى [٦٠ أ] يتعلق بذاتها، وبمعنى يتعلق بغيرها، فمن أول زمن آدم إلى زمن إبراهيم تسمى شابة، وإلى زمن النبي ﷺ تسمى كهلة، وبعد ذلك إلى يوم القيامة تسمى عجوزا، والمعنى الثاني وهو مجاز أنها بالنسبة إلى أوان كل شخص، وعلى هذا يحمل قول المعري في مخاطبته الدنيا، وإلاّ فالمعري لم يعمر من أول وجود الدنيا، وكذلك في قول أبي الطيب (١): (من البسيط) أَتى الزَمانَ بَنوهُ في شَبيبَتِهِ ... فَسَرَّهُم وَأَتَيناهُ عَلى الهَرَمِ وقال آخر في معنى قول الشاعر (٢): (من الطويل) إذا المرء أعيته السيادة ناشئاً ... فمطلبها كهلاً عليه شديد وقول الآخر (٣): (الكامل) وإذا الفتى من دهره كملت له ... خمسون وهو إلى التُّقى لا يَجنَحُ طلعت عليه المخزيات وقلن قد ... أرضيتنا فكذاك كن لا تبرحِ وإذا رأى إبليس صورته بدتْ ... حيَّ (٤) وقالَ فديت من لم يفلحِ غالى بنفسيَ عِرفاني بقيمتِها ... فصُنْتُها عن رخيصِ القَدْرِ مبتَذَلِ اللغة: غلا السعر إذا ازداد، والعرفان: المعرفة، والقيمة: العوض، والرخص: ضد الغلاء، القدْر: مبلغ الشيء، مبتذل: ممتهن. الإعراب: غالى: فاعل من المغالاة، فهو فعل ماض، والمفاعلة لا تكون إلاّ بين اثنين، عرفان: فاعل غالى، بقيمتها: الباء للتعدية، فصنتها: الفاء للتعقيب، وصنتُ: فعل وفاعل، عن رخيص: عن للمجاوزة [ورخيص مجرور بها، والقدر: مجرور بالإضافة إليه، مبتذل: مجرور على أنه] (٥) صفة لرخيص. المعنى: إنّ عرفاني بنفسي يغالي الزمان أوالورى بقيمتها، فهو يسوم العوض عنها، وما يجد لها كفؤاً في القيمة من الناس، فلهذا أصونها ولا أبذلها لرخيص القدر مبتذل، ومن كانت /

стр. 105

نفسه مهذبة بالمعارف، مكملة بالفضائل، متسمة بالأخلاق الحميدة، متصفة [٦٠ ب] بالسجايا الكريمة، والطباع الخيرة، فحقيق على أنْ لا تكون قيمة، وما سواها فهو مهين مبتذل، والعمري إنّ النفوس الزكية الخيرة الأبية الكاملة لو كانت تشترى بعوض لأتت على ما في أيدي الناس من الجواهر والذهب، ولكنها فيض ممن هو دائم الجود، رفيع الدرجات، ذو العرش يلقي الروح من أمره على مَنْ يشاء من عباده، أما أبو الطيب ﵀ فإنه قال (١): (من البسيط) مَن كانَ فَوقَ مَحَلِّ الشَمسِ مَوضِعَهُ ... فَلَيسَ يَرفَعُهُ شَيءٌ وَلا يَضَعُ (٢) وقال أيضا (٣): (من الكامل) مَن خَصَّ بِالذَمِّ الفِراقَ فَإِنَّني ... مَن لا يَرى في الدَهرِ شَيئاً يُحمَدُ وقال [القاضي] الفاضل (٤): (من الطويل) وَهَب أَنَّ هَذا البابَ لِلرِزقِ قِبلَةٌ ... فَها أَنا قَد وَلَّيتُهُ دونَكُم ظَهري وَهَب أَنَّهُ البَحرُ الَّذي يُخرِجُ الغِنى ... فَكُلُّ خَرا في الشَطِّ في لَحيَةِ البَحري حُكي أنّ الشافعي قال: لو أنّ العوام غلمان ما ارتضيت بهم. وعادةُ النصلِ أن يُزْهَى بجوهرِه ... وليس يعملُ إلاَّ في يدَيْ بَطَلِ اللغة: العادة: معروفة، والجمع عاد وعادات، النصل: السيف، يزهى: فهو مزهو، وجوهر السيف: ما يرى فيه من الطرق المختلفة فيه، يعمل: أي يقطع البطل الشجاع. الإعراب: وعادة: الواو واو الابتداء، عادة: مبتدأ، أنْ: حرف ينصب الفعل المضارع، ويزهى: منصوب به، بجوهره: الباء للمصاحبة، وليس: الواو عاطفة، وليس: من أخوات كان / ويعمل: في موضع خبر ليس، إلاّ: حرف استثناء، وفي ظرفية. ... [٦١ أ] المعنى: إنّ السيف عادته أن يكون زهوه بجوهره، ولكن ما المراد منه إلاّ القطع، والمضاء في الضريبة، ولا يكون ذلك منه إلاّ إذا كان في يدي بطل، يضرب به، ويصيب الكلى والمفاصل، يعني أنني في ذاتي كالسيف المجوهر، لما حويته من العلم، وملكته من ممارسة الأمور، وسياستها، ولكن لا نفع فيها لأنها كامنة، فلو باشرت أمرا، وتولّيت ولاية، ظهرت محاسني إلى الخارج، وبرز في الظاهر نفع ما عندي، وهذا تشبيه حسن، وتمثيل جيّد.

стр. 106

ومن كلام البديع الهمداني في رسالة: وقد حكمت علماء الأمة، واتّفق قول الأئمة على أنّ سيوف الحق أربعة، وسائرها للناس: سيف رسول الله ﷺ في المشركين، وسيف أبي بكر في المرتدين، وسيف عليّ في الباغين، وسيف القصاص بين المسلمين. قال الشارح: وقولهم في ضد ذلك: سيف الفرزدق يضربون به المثل للسيف الكليل في يد الجبان. قال الناظم في أبيات له (١): (من الطويل) وأبيضَ طاغي الحدِّ يُرعِدُ متنُه ... مخافةَ عزمٍ منك أمضَى من النصلِ عليمٌ بأسرارِ المَنونِ كأنَّما ... على مضربيه أُنزلتْ آيةُ القَتْلِ تفيضُ نفوسُ الصِيدِ دونَ غِرارهِ ... وتطفَحُ عن متنيهِ في مَدْرجِ النملِ وما أحسن قول القائل: ما كنتُ أُوثِرُ أنْ يمتدَّ بي زمني ... حتى أرى دولةَ الأوغادِ والسّفَلِ اللغة: آثرت فلانا على نفسي: اخترته، سأل بعض السوَّال شخصا، وألحّ، فقال السائل لمَّا لم تعط، أين الذين كانوا يؤثرون على أنفسهم، فقال له المسئول: ذهبوا مع الذين لا يسألون الناس إلحافا، يمتد: يتصل، الزمان: اسم لقليل / الوقت وكثيره، والوغد: [٦١ ب] الدنيء، والسفلة: سقط الناس. الإعراب: ما: حرف نفي، كنت: كان واسمها، أوثر: في موضع النصب على أنه خبرها، أن يمتد: [أن حرف نصب ينصب الفعل المضارع، ويمتد فعل مضارع منصوب بأن، وأنْ هنا مصدرية فهي وما دخلت عليه في تأويل مصدر، وتقديره ما كنت أوثر امتداد زمني] (٢)، وحتى ها هنا لانتهاء الغاية، ومعنى الكلام إلى أن، أرى: فعل مضارع منصوب على إضمار أنْ، دولة الأوغاد: منصوب على أنه مفعول به، والسّفل: مجرور بالعطف. المعنى: ما كنت أظن الزمان يمتد بي في عمري حتى تنقضي دولة الكرام، وأرى فيما بعد دولة الأوغاد والسّفل، وهو يشبه قول أبي الطيب (٣): (البسيط) ما كُنتُ أَحسَبُني أَحيا إِلى زَمَنٍ ... يُسيءُ بي فيهِ كَلبٌ وَهوَ مَحمودُ هذا قوله في بعض أهاجي كافور، ومن غرر مدائحه فيه قوله بعد ذكر الخيل (٤): (من الطويل)

стр. 107

قَواصِدَ كافورٍ تَوارِكَ غَيرِهِ ... وَمَن قَصَدَ البَحرَ اِستَقَلُّ السَواقِيا فَجاءَت بِنا إِنسانَ عَينِ زَمانِهِ ... وَخَلَّت بَياضاً خَلفَها وَمَآقِيا وما مدح أسود بأبلغ من هذا، ولا أحسن، ومما يدخل في بيت الطغرائي قول [أبي إسحاق إبراهيم الغزي] (١): (من البسيط) لئن حلبْنا صُروفَ الدَّهرِ أشطرَها ... فكلُّنا بصروفِ الدَّهرِ جُهَّالُ فلا تَغُرَّنَّكَ الدُّنيا بمن رَفَعَتْ ... فلا حَقِيْقَةَ فيما يرفعُ الآلُ الحمدُ للهِ أفْضيْنا إلى دُوَلٍ ... تعلو وليسَ لنا فيهنَّ آمال وقال آخر (٢): (من المديد) قَدْ دُفعْنا إلى زمانٍ لئيمٍ ... لمْ نَنَلْ منهُ غيرَ غلِّ الصدورِ وقال آخر (٣): (من مجزوء الكامل) قالوا فلانٌ قَد وَزِرْ ... فقلتُ كلاّ لا وَزَرْ الدهر كالدولاب لـ ... يس يدور إلاّ بالبقرْ وقال آخر (٤): (من البسيط) لو أنّ أشياخَنا كانتْ لهم هِمَمٌ تبغي رِياسَتَنا لمْ تَرْأَسِ البقرُ لكنَّهم وقَضاءُ اللهِ محتَمَلٌ ليسوا من النَّاسِ إلاّ أنَّهم بشرُ وقال آخر (٥): (من الكامل) هَوَّنْ عليكَ فقد مضى مَنْ يَعْقِلُ وَالْبِسْ مِنَ الأَخْلاقِ ما هو أَفْضَلُ فلقلَّما تأتي إليكَ مَسَرَّةٌ إلاَّ تَتابَعَ بعدَها ما يُثْكِلُ وَإذا خَبِرْت َ النَّاسَ لمْ تَلْقَ امرأً ... ذا حالَةٍ تُرْضِيْكَ لا تَتَحَوَّلُ لكنَّهم نُكِبَتْ بهم أحوالُهمْ ... كلٌّ يَعِيْبُ / ولا يَرى ما يفْعَلُ ... [٦٢ أ] فمُساتِرٌ ضَعُفَتْ قُوَى آرائه ... ومُجاهِرٌ يَرْمِي ولا يتأمَّل وَمُقَلِّدٌ مُتَعَقِّلٌ مُتَأَدِّبٌ ... فإذا اخْتَبَرْتَ فَباقِل هو أَعْقَلُ وما أحلى قول شرف الدين المناوي (٦): (من الطويل) ولا خيرَ في عَيْشِ الفتَى بيْنَ مَعْشَرٍ تَعالَوْا على إخوانِهِمْ فتَسَافَلُوا

стр. 108

وقول محيى الدين بن عبد الظاهر (١): (من الكامل) مَرِضَ الزمانَ وقد تمسَّكَ طَبْعُهُ مِنْ شَرَّ قُولَنْجٍ بهِ يَتَمَغَّسُ حَقَنَتْهُ آراءُ المُلوكِ فجَاءهُ أهلُ المَنَاصِبِ كلُّ شَخْصٍ مَجْلِسُ تقدَّمتني أناسٌ كان شَوطُهُمُ ... وراءَ خطويَ إذ أمشي على مَهَلِ اللغة: تقدّمتني: صار أمامي، أُناس: هو الأصل في الناس فخفف، وعن بعضهم أنه كان يقول: مسكين الإنسان ما ذكره الله في القرآن إلاّ في مكان ذمٍّ أو شرٍّ، مثل قوله: [قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ] (٢)، [وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا] (٣) و [يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ] (٤)، وهذا معنى حسن نظمه الشارح، فقال (٥): (من مجزوء الكامل) يا أيُّها الإنسانُ لا تفجُرْ بغيرِ تُقىً وعلمِ وانْظُرْ فأكثرُ ما أتى الـ ... قرآنُ باسمكَ عند ذَمِّ والشوط: الطَلَق، وخطو: جمع خطوة، والمهل: التؤدة والتأني. الإعراب: تقدمتني أناس: فعل وفاعل، وشوطهم: اسم كان، وراء: ظرف، وهو خبر كان، وبعضهم روى هذا البيت: وراء خطوي إذ أمشي على مهل (٦)، وفي هذه الرواية فائدة ليست في الأولى؛ لأن إذ ظرف لما مضى من الزمان، ففيه دليل على أنه كان قد تقدم له قبل ذلك سؤدد وعلو، وأولئك كانوا متأخرين، وعلى رواية (لو) لا تفيد ذلك. المعنى: صار أمامي، وعلاني وتقدمني قوم كان جريهم خلف خطوي إذا مشيت متمهلا، وهذه مبالغة في سوء الحال، وإخناء الزمان عليه بأن تعوقه الليالي والأيام عن السعي؛ حتى يتقدمه الذين كانت نهايات أشواطهم إذا بلغوها / وراء خطوه المتمهل، نعم: [٦٢ ب] (من السريع) إنَّ المقاديرَ إذا ما مضتْ ... ألحقتِ العاجزَ بالحازمِ (٧) ولكن مَنْ رُمِي بهذا السهم الصائب، ومُنِي من الزمن الخائب بهذه النوائب، حقيق بأن يُظلم ويتشكّى ويتألم ويتكلف بأن يقول له حيث لم يتكلم (٨): (من الطويل)

стр. 109

إذا لم يَكُنْ للفَضْلِ ثَمّ مَزِيّةٌ ... على النّقص فالوَيلُ الطويلُ من الغَبنِ وقوله: كان شوطهم وراء خطوي ... البيت يشبه قول هشام الرقاشي (١): (من البسيط) تقدَّمَتْنِي أُناسٌ ما يكونُ لهم ... في الحقِّ أنْ يلجُوا الأَبْوابَ مِنْ دونِي هذا جَزاءُ امرئٍ أقرانُه درَجُوا ... من قَبْلهِ فتمنَّى فُسحةَ الأجلِ اللغة: الجزاء: معروف، والقرين: الصاحب، [الأجل] مدة الأجل، وغاية العمر. الإعراب: هذا: اسم إشارة في موضع رفع بالابتداء، والإشارة إلى ما قدّنه من تقدِّم غيره عليه، أقرانه درجوا: مبتدأ وخبر، من قبله: يحتمل من هذه أن تكون زائدة، وأن تكون ظرفية، فتمنى: الفاء للتعقيب، فسحة: مفعول به، والأجل: مضاف إليه. المعنى: هذا الذي أنا فيه من الغربة، والفقر، والعطلة، والانفراد، وتقدّم الأراذل جزاء رجل درجت أقرانه قبله، وإخوانه، وتمنى الحياة بعدهم: (من الكامل) ذَهَبَ الَّذينَ يُعاشُ في أَكنافِهِم ... وَبَقيتُ في خَلْفٍ كَجِلدِ الأَجرَبِ (٢) حُكيَ أنَّ بعض الأرقَّاء كان عند سيد يأكل الخاص، ويطعمه الخشكار، فطلب البيع [فباعه] لرجل يأكل الخشكار، ويطعمه النخالة، [فطلب البيع] فباعه واشتراه من يأكل النخالة، ولا يطعمه شيئا، فطلب البيع، فباعه واشتراه مَن لا يأكل شيئا، وحلق رأسه، وكان في الليل يجلسه، ويضع السراج على رأسه بدلا من المنارة، فأقام عنده، ولم يطلب البيع، فقال له النخَّاس: لأي شيء رضيت بهذه الحالة عند المالِك، فقال: [أخاف] أن يشتريني في هذه / المرة مَنْ يضع الفتيلة في عيني عوضا عن السراج، ولله درُّ القائل (٣): (من السريع) [٦٣ أ] كنا إِذا جئنا لمنْ قبلكم ... أنصفَ في الترحيبِ بعدَ القيامْ والآنَ صِرْنا حينَ نأتيكمُ ... نقنعُ منكم بلطيفِ الكلامْ لا غيَّرَ اللهُ بكمْ خشيةً ... من أن يجي من لا يرُدّ السلامْ وإنْ عَلانِيَ مَنْ دُونِي فلا عَجَبٌ ... لي أُسوةٌ بانحطاطِ الشمس عن زُحَلِ اللغة: علا: ارتفع، دوني: أي أنقص منه رتبة، والعجب: استغراب النفس الشيء، والأسوة: ما يتأسّى به الحزين، انحطاط: النقص، والشمس: معروفة، وزحل: كذلك.

стр. 110

الإعراب: إنْ: حرف شرط، علاني: هو الشرط، مَنْ: اسم ناقص يحتاج إلى صلة وعائد، دوني: اسم مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هو هو دوني، وفي فلا الفاء: جواب الشرط، ولا النافية للجنس، عجب: اسم لا، أسوة: مبتدأ، وإنما تأخّر لأنه نكرة. المعنى: أخذ يسلِّي نفسه، ويتأسى بما ضربه من المثل في انحطاط الشمس عن زحل، فقال: وإن علاني هؤلاء الذين ذممت دولتهم، وأيامهم، وهم دوني في كل شيء، لي أسوة بكون الشمس منحطة عن زحل، وهو مَثَل حسن، وهذا فيه من البديع إرسال المثل، والإيضاح، وقد تقدّم الكلام في ذلك، وهذا البيت قد أخذ بمجامع الحسن، ودار به على قطب الفصاحة فلكه الدائر، وسار في الأقطار مثله السائر، وأضاءت به الشموس في أيام الطروس، وأسفرت به البدور في ليالي السطور، وأمَّا تمثيله بالشمس وزحل، فهو تمثيل مطابق لمن يكون بحالته التي ذكرها، وشرحها من ارتفاع السفل، وانحطاط الكرام، لأن الشمس في الفلك الرابع، وزحل في السابع، وإنما حكموا بأن زحل في السابع، والشمس في الرابع؛ لأن ذلك أمر يشاهده / الحسّ، ويحكم به العقل، وهو أنهم وجدوا زحل يدور [٦٣ ب] في فلكه في كلّ ثلاثين سنة دورة، والشمس يدور فلكها في كل سنة مرة، والزهرة مثل الشمس، ولكن تارة تُسرع؛ فتكون أمامها، وتارة تكون الشمس أمامها، وفلك البروج محيط بفلك زحل، والفلك الأطلس محيط بفلك البروج، والأطلس يدور بما فيه في اليوم والليلة من المشرق إلى المغرب مرة واحدة دورة كاملة، فتبارك الله أحسن الخالقين. قال الأرجاني مشيرا إلى قول الطغرائي (١): (من الكامل) ودَعِ التّناهيَ في طلابك للعُلا ... واقنعْ فلم أرَ مثْلَ عِزِّ القانع فبسابعِ الأَفْلاكِ لم يَحْلُلْ سِوى ... زُحَلٍ ومجرى الشمسِ وسطَ الرابعِ وهذا المعنى أخذه الأرجاني من الطغرائي؛ لأن الأرجاني [توفي] في سنة أربع وأربعين وخمسمائة، والطغرائي في سنة خمسمائة وخمس عشرة، ولكن بيت الطغرائي أبدع وأطرب، وأهزّ للأعطاف، قال ابن الساعاتي (٢): (من الكامل) أتظُنُّ يا خيرَ الأَنامِ نقيصَةً والنقصُ للأطرافِ لا الأشرافِ أَوَما ترى أنَّ الكواكبَ سبعةٌ والشمسُ رابعةٌ بغير خلافِ
следующие страницы →