← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 95991

الدفاع عن السنة - جامعة المدينة (بكالوريوس)

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (382 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

رمضان، وأن نفطر حين نرى هلال شوال، هل نملك غير هذا؟ لا نملك غير هذا، إنما "استطعتم" تنصرف إلى غير الواجبات، لا تُحمل على الوجبات لسببين: السبب الأول: أن الوجبات لا بد من فعلها. والسبب الثاني: أن الله ﵎ ونبيه ﷺ لم يُوجبا على الأمة إلا ما تستطيع أن تفعله؛ لأن أصل التكاليف مبنيٌّ على القدرة والاستطاعة، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: ٢٨٦)، ورفع الله الإصر عن هذه الأمة؛ تكريمًا لنبيها ﷺ في صور كثيرة، وخفف عنها في أحكام كثيرة. إذن، ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) لا يحق لأحد أن يأخذ منه دليلًا على الكسل أو التراخي في الاستجابة لأمر الله ﵎ وأمر نبيه ﷺ في غير الواجبات، بل إن الحديث يضع قاعدة هامة جدًّا هنا وهي أن العلاقة بين المسلم وبين أمور الشرع غير الواجبة هي أن يأتي منها ما استطاع، بعبارة أخرى: ألا يتركها حين يكون مستطيعًا، إننا لو أخذنا معنى السنة بالمعنى الفقهي: ما يُثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، فهل منا من هو مستغنٍ عن الثواب، لا أحد من المسلمين يستغني عن الثواب أبدًا، وقد يحتاج ميزانه يوم القيامة إلى بضع حسنات تثقل وترجح بهما كفة الحسنات حتى ينجو الإنسان من هول ذلك اليوم الشديد. إذن ((فأتوا منه ما استطعتم)) تربية للأمة أن العلاقة بين الأمة وبين أوامر شرعها المستمدة من كتاب ربها ومن سنة نبيها ﷺ هي علاقة حب، هي علاقة أداء برغبة، بتطلع، بشغف، بحمدٍ لله على التوفيق إلى نعمة الاستجابة. كثير ما نلاحظ في واقع الأمة يعني: هذا أمر سنة، يعني: ليس واجبًا! يكسل عنه البعض، هذا يتعارض مع قوله ﷺ : ((فأتوا منه ما استطعتم)) لا نستهين

стр. 107

بشيء من أوامر الشرع، ولا نقول: إنه ليس بواجب، أنت لست مستغنٍ عن الثواب. وفي الحقيقة، هذا كان منهج الصحابة في التعامل مع أوامر النبي ﷺ ، لم يدخلوا إلى المسألة من باب: هل هذا واجب أو غير واجب؟ وإنما يكفيهم شرف الاقتداء برسول الله ﷺ ، ولذلك مثلًا لم نسمع أن صحابيًّا لم يكن ملتحيًا مثلًا؛ لأنهم لم يدخلوا إلى الأمر بالمناقشة التي تُجرى الآن: واجبة أو غير واجبة؛ إنما النبي ﷺ ملتحٍ فليقتدوا به، يلبسون كما يلبس، ينامون كما ينام، يأكلون كما يأكل، يعني: يتتبعون هديه في كل صغيرة وكبيرة بشغف وحب وتقدير واحترام، ورغبة صادقة في هذا الائتساء العظيم؛ رجاء ما عند الله، وأن يفوزوا، وأن ينالوا القرب من النبي ﷺ في الجنة وشفاعته بإذن الله ﵎. أيضًا، من الأحاديث التي تدل على وجوب اتباع السنة قول النبي ﷺ في حديث حقيقة خطير وهام، حديث حذيفة -رضي الله ﵎ عنه- في الصحيحين، وهو حديث فيه فوائد عظيمة وجليلة، لكني سأقتصر على الجزء الخاص بمتابعة النبي ﷺ ومتابعة القرآن الكريم، هذا الحديث يقول حذيفة -رضي الله تعالى عنه- في مطلعه: ((حدثنا رسول الله ﷺ حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال)) يعني الفطرة أمانة التكاليف بمعنى: أن الله فطرنا عليها وعلى معرفتها، إما أن نطبق بعد ذلك أو لا نطبق، ((حدثنا أن الأمانة نزلت في جَذر)) جَذر وجِذر، يجوز فتح الجيم وكسرها، وهي الجذر: أصل كل شيء، كما هو أصل النبات هو أصل كل شيء، محل الشاهد: ((ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة))، السنة تُشرّع كما يُشرع القرآن الكريم تمامًا، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة.

стр. 108

وبإيجاز، الله فطرنا على معرفة الحق والاهتداء إليه، ولكن الله لم يُقم حجته علينا بالفطرة فقط؛ لأن الله يعلم أن الفطرة قد تُنسخ بفعل فاعل، كما ورد في الحديث الصحيح: ((كل مولود يُولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدناه، أو ينصرانه، أو يمجسانه)) ولكي لا يعتذر معتذر بأن فطرته قد مُسخت، ولم يعد يعرف الحق من الباطل، أو يعرف الخطأ من الصواب أنزل الله ما يريده من عباده في كتاب تعهد بحفظه، وفي سنة أيضًا تعهد بحفظها، أرسل بالاثنين معًا رسوله ﷺ ، ولذلك قال النبي ﷺ : ((نزلت الأمانة في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن؛ فعلموا من القرآن وعلموا من السنة)) أي: أقام الله عليهم الحجة برسول الله ﷺ ، وبالقرآن الكريم، وبالسنة المطهرة. ولا يستطيع مسلم أن يزعم الآن أنه لا يعرف ما يُراد منه على وجه التحديد، إلا أن يكون ذلك من باب المجادلة العقيمة، أو من باب التنطع، ونسأل الله السلامة من كل ذلك. حديث حذيفة هذا رواه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الرقاب باب رفع الأمانة، وفي الفتن باب إذا بقي حثالة من الناس، ورواه في كتاب الاعتصام باب الاقتداء بسنن الله ﷺ ، ورواه مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب الإيمان باب رفع الأمانة والإيمان من القلوب. أيضًا من الأحاديث التي تدل على وجوب اتباع السنة ما ورد عن رسول الله ﷺ من حديث رواه الترمذي -رحمه الله تعالى- ورواه أيضًا أبو داود وغيرهما. قال عنه الترمذي: إنه حسن صحيح، من حديث العرباض بن سارية -رضي الله تعالى عنه- قال: ((صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودِّع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال ﷺ : أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًّا -أي: وإن كان الذي تولَّى أمركم عبدًا حبشيًّا-

стр. 109

فإنه من يعشْ بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)). هذا حديثٌ رواه الإمام أحمد ورواه الترمذي، وكما قلنا: رواه الترمذي في كتاب العلم باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع. العصمة من البدعة العصمة من الاختلاف، العصمة من التنازع، العصمة من تعدد الأهواء، كل ذلك مرهون باتباع كتاب الله ﵎، واتباع النبي ﷺ . ((تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ)) لا تفرطوا فيها أبدًا، لا تستبدلوها بغيرها، لا تركنوا إلى أي حكم آخر غير حكم الله -تبارك تعالى- وحكم رسوله ﷺ ((تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة))، نسأل الله السلامة من الضلالات ومن البدع. إذن، السنة عصمة من الاختلاف، عصمة من البدع، وفي الحقيقة أنا أقول لكل مسلم: لا وسط، أنت في أي موقف من المواقف إما أن تكون على بدعة، وإما أن تكون على سنة، حين لا تكون على سنة فبالضرورة يكون الموقف على بدعة؛ لأنه لا وسط بينهما، هذان من الأمور المتضادة التي لا تجتمع معًا ولا ترتفع معًا، في أي قضية من القضايا في جمعك لمالك أنت متبع للسنة، أو مخالف لها فأنت على بدعة، في معاملتك لأهلك وأولادك، في طعامك في شرابك، لا وسط، ((وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة)) والبدعة ضلالة، وقد تؤدي بصاحبها إذا استمسك بها واستمر عليها أن يكون من أهل النار، والعياذ بالله ﵎. أيضًا، من الأحاديث التي وردت في وجوب اتباع السنة ما رواه البخاري ﵀-

стр. 110

من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنهما- قال: ((لعن الله الوَاشِمَات والمُسْتَوْشِمَات، والمُتنمّصات))، وفي رواية: ((والنَّامِصَات والمُتَنَمِّصَات، والمتفلِّجات للحسن، المغيرات خلق الله)) قالت له امرأة من الأنصار تُسمى بأم يعقوب: ما هذا؟ وفي رواية: "فقالت امرأة في ذلك" بمعنى: أن المرأة تستغرب من عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- وهو أحد أكابر الصحابة في علمه، وفهمه، وزهده، وورعه، ومن أصحاب الصلة الوثيقة بكتاب الله ﵎، وسنة نبيه ﷺ ومن السابقين للإسلام يقول: ((لقد رأيتني وأنا سادس ستة ما يوجد على الأرض مسلم غيرهم)). الحديث كأنه في الرواية هذه هو من قول النبي ﷺ ، لكنه في هذه المرة كأن عبد الله هو الذي قال ما نسميه موقوفًا، أن عبد الله بن مسعود ﵁ قال؛ إذن عبد الله بن مسعود هو الذي يقول. ماذا قال؟ قال: ((لعن الله الواشمات والمستوشمات)) إلى آخر ما ذكرنا، المرأة المسلمة الصالحة الأنصارية خافت عليه أن يشرّع من قبل نفسه فقال -رضي الله تعالى عنه: ((وما لي لا ألعن من لعنه رسوله الله، وهو في كتاب الله))، قالت المرأة: ((والله لقد قرأتُ ما بين اللوحين فما وجدته)) المرأة هنا تبحث في القرآن عن ((لعن الله الواشمات والمستوشمات، ولعن الله النامصات والمتنمصات، ولعن الله المتفلّجات للحسن المغيرات خلق الله)) كأنها تريد هذا النص بذاته في القرآن الكريم، لكن عبد الله قال لها: "والله لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، ألم تقرئي قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) " هذا داخل تحت هذه الآية، وتحت غيرها من الآيات التي تُوجب طاعة النبي ﷺ . فالحديث فوق دلالته على وجوب اتباع النبي ﷺ هو أيضًا قاطع في دلالته على أن النبي ﷺ يُشرّع كما يُشرّع الله تعالى، وعلى المسلمين أن يقولوا: سمعنا وأطعنا.

стр. 111

أيضًا، من الأحاديث التي تدل على ذلك حديث وجوب طاعة النبي ﷺ ، بل ليس أن نطيعه فقط، بل أن نطيع أميره الذي أرسله، لو أن النبي ﷺ أرسل أميرًا في قيادة ما على أي مستوى من المستويات، على الأمة أن تستجيب لهذا الأمير، أولًا في حديث: ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)) يعني: على الأمة -كما قلت- لا تطيع النبي ﷺ فقط، بل تطيع من أرسله النبي ﷺ في أي أمر من الأمور، لو أن النبي ﷺ أرسل رسولًا يأتي بزكوات، أو يقود غزوًا "سرية مثلا" أو كلَّف مؤمنًا بأن يُصلي بالمسلمين، أيّ تكليف للنبي ﷺ هو طاعتنا لأمره ﷺ إنما هو طاعة له ﵊ ومن ثَمَّ أيضًا هي طاعة لله ﵎ لأن من أطاع النبي ﷺ فقد أطاع الله، ومن عصى النبي ﷺ فقد عصى الله تعالى والعياذ بالله ﵎. أيضًا، من الأحاديث التي تدل على وجوب طاعة النبي ﷺ قول النبي ﷺ : ((إني تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي)) هذا حديثٌ رواه الحاكم في كتاب العلم وهو حديث صححه العلماء، ويلتقي مع كل الروايات الواردة في هذا الأمر، طاعة الله ﵎ وطاعة الرسول ﷺ طاعة القرآن الكريم وطاعة السنة المطهرة، ما دمتم تستمسكون بهما فلن تضلوا أبدًا؛ لأنهما طريق الهداية وطريق الرشاد، والعصمة من الزلل: كتاب الله ﵎ وسنة النبي ﷺ . أيضًا، الأحاديث في الحقيقة أكثر من أن تحصى في هذا المجال، ولذلك هنا نقل للإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- في (الرسالة) يقول: "وكل ما سن فقد ألزمنا الله باتباعه -أي: كل ما سن رسول الله ﷺ فقد ألزمنا الله اتباعه، وجعل في اتباعه طاعته -أي: جعل في اتباعه النبي ﷺ طاعة الله تعالى، وفي العنود عن

стр. 112

اتباعها -أي: عن السنة معصيته" -أي: حين تُعاند ولا تستجيب للسنة وتماري وتتوقف؛ فأنت معاند، نسأل الله ألا تتردى في الهلاك بسبب ذلك الموقف. "وكل ما سنّ رسول الله ﷺ فقد ألزمنا الله اتباعه، وجعل في اتباعه طاعته، وفي العنود عن اتباعها -أي: عن السنة- معصيته، التي لم يعذر بها خلقًا ولم يجعل له من اتباع سنن الرسول مخرجًا" الله لم يعذر خلقًا أبدًا في عدم اتباعهم للنبي ﷺ ، ولم يوجد لهم مخرجًا إلا أن يتبعوه ﵊ لن تجد أبدًا مخرجًا يخرج بك إلى أي خير إلا في اتباعك للنبي ﷺ . أما المخارج إلى غير ذلك فهي كثيرة، ونسأل الله العصمة. فالصحابة كانوا يقتدون بالنبي ﷺ في كل ما يأمر به، وفي كل ما ينهى عنه، حتى فيما لم يفهموا حكمته، الفاروق -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- يقبل الحجر الأسود ويقول: ((إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يُقبّلك ما قبلتك))، هذا رواه البخاري في كتاب الحج باب ما ذكر في الحجر الأسود وباب تقبيل الحجر، ورواه مسلم أيضًا -رحمهما الله تعالى- في كتاب الحج باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف. سيدنا عمر -رضي الله تعالى عنه- قبَّل الحجر لمجرد اتباعه لهدي النبي ﷺ وهو يعلم أنه حجر لا يضر ولا ينفع، هو لا يلتمس نفعًا عند الحجر، ونحن نعلم جميعًا أن النافع والضار هو الله فهو لم يلتمس من الحجر أيَّ منفعة؛ إنما قبله اتباعًا لهدي النبي ﷺ . وأيضًا، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما-: واحد من الناس يقول له: لا نجد صلاة السفر في القرآن يقصد الهيئة أن يصلي ركعتين فقط وما شاكل ذلك، قصر الصلاة الرباعية أو الجمع أو ما شاكل هذا، مع أنها

стр. 113

فيها إشارة في القرآن الكريم، إشارة موجزة: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (النساء: ١٠١) فبماذا أجابه عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنه-؟ قال: "إن الله بعث إلينا محمدًا ولا نعلم شيئًا، فإنما نفعل كما رأينا محمدًا ﷺ يفعل". نقول: إنه اتباع مبنيٌّ على فهم، فهم عميق، هو يتبع النبي ﷺ لأنه طريق الهداية والعصمة من الضلالة، ومن الغواية، ومن الجهالة، ومن الظلمات؛ فسواء بَدت وظهرت لنا الحكمة من الفعل أو لم تظهر لنا؛ فيكفينا شرفُ الاقتداء برسول الله ﷺ ، هذه بعض الأحاديث في الدلالة على ضرورة اتباع السنة المطهرة. من أدلة حجية السنة: دليل الإيمان هناك ما سماه العلماء بدليل الإيمان، ما مفهوم دليل الإيمان هذا؟ الله يطلب من عباده المؤمنين أن يؤمنوا برسوله فيقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ (النساء: ١٣٦)، ويقول -عز من قائل-: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٨) فمقتضى ذلك أن نؤمن بالله وبرسوله، وأن نصدِّق بكل ما جاء به هذا الرسول ﷺ وإن حدث عكس ذلك -والعياذ بالله- كان شكًّا وارتيابًا في الرسالة والرسول معًا، نسأل الله أن يعصمنا، لماذا تتوقف؟ طلب الله منك أن تؤمن بالرسول ﷺ .

стр. 114

ومن مفهوم الإيمان بالرسول ومما يدخل تحت الإيمان به ما تعلمناه من علماء العقائد، إذ لا يكفي أن تقول: آمنت بالرسول ﷺ ، إنما جزء من إيمانك وتصديقك بهذا الرسول أن تتبع ما جاء به، وإلا كيف تكون مؤمنًا به ثم لا تستجيب لحكمه، هذا يتناقض مع إيمانك به؛ لأن من جملة الإيمان به أن تعتقد أن ما جاء به من عند الله هو الحق، وهو الصدق، وهو العصمة، وهو الفلاح، وهو الخير، وهو الرشد، ولا خير في طريق سواه. إذن، الآية وغيرها تفرض اتباع رسول الله ﷺ بمقتضى الإيمان، ولذلك أسماه العلماء دليل الإيمان أي: الآيات التي طلبت من المؤمنين أن يؤمنوا برسول الله ﷺ ، وتبعًا لذلك عليهم أن يُصدِّقوا، وأن يتبعوا كلَّ ما جاء به رسول الله ﷺ ، ولا يحدث منهم عكس ذلك، وإلا كان ذلك شكًّا وارتيابًا في الرسالة والرسول معًا، وحينئذ ينتفي الإيمان -والعياذ بالله-. ولذلك أيضًا عبارة رائعة للإمام الشافعي في رسالته يقول -رحمه الله تعالى- معلقًا على هذه الآيات في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾: فجعل كمال ابتداء الإيمان الذي ما سواه تبعٌ له الإيمانَ بالله، ثم برسوله ﷺ فلو آمن عبدٌ به، ولم يؤمن برسوله؛ لم يقع عليه اسم كمال الإيمان أبدًا، حتى يؤمن برسوله معًا". وأود أن أنبه إلى أن كلمة كمال الإيمان التي قالها الإمام الشافعي لا تدل على أن الإيمان ينعقد بغير ذلك، والمراد كمال الإيمان فقط، وليس أصل الإيمان، لا. بدليل أنه يتكلم عن الإيمان بالرسول أولًا، ويقول: "فلو آمن عبدٌ به -أي: بربه- ولم يؤمن برسوله ﷺ ؛ لم يقع عليه اسم كمال الإيمان أبدًا، حتى يؤمن بالله وبرسوله معًا"، فلا بد من الإيمان، وطبعًا نحن نعلم أن الإيمان برسول الله ﷺ إنما

стр. 115

هو من أركان الإيمان التي لا ينعقد الإيمان إلا بها؛ فكلمة تمام الإيمان التي استعملها الإمام الشافعي يقصد كمال انعقاده. ومن هنا وجبت طاعة الرسول ﷺ بمقتضى هذا الإيمان، لا يصلح أن تكون مؤمنًا، ثم أنت غير طائع لرسول الله ﷺ ، حتى لو زعمت أنك طائع لله، وهذا المعنى الخطأ يقع فيه كثيرٌ من الناس؛ بل إن -كما ذكرنا- يُزيّن لهم سوء عملهم، فيتصورون أحيانًا أنهم يدافعون عن السنة، وعن الإسلام، وعن تخليص كتب السنة من الأحاديث التي يرونها غير موافقة لفهمهم، أو للواقع، أو التي تسبب حرجًا من وجهة نظرهم للإسلام في أي مجال، وتصاعد الأمر ببعضهم إلى أن رفعوا قضايا أمام المحاكم؛ لكي يُلزموا الأزهر الشريف والهيئات العلمية بأن تنقّي البخاري ومسلم -هذان الكتابان اللذان أجمعت الأمة على أنهما أصح الكتب بعد كتاب الله ﵎ من الأحاديث التي يرونها غير صحيحة، ولو فُتح الباب لتلك الأهواء ما سلم لنا حديث من رسول الله ﷺ . أدلة حجية السنة من خلال إجماع الأمة أيضًا من الأدلة على حجية السنة الإجماع، أجمعت أمة الإسلام قديمًا وحديثًا على التمسك بالسنة، والعض عليها بالنَّواجذ، وعلى ضرورة تطبيقها والسير على هديها في كل جوانب حياة المسلمين، لم يمارِ في الحقيقة في هذه المسألة إلا نفر حقيقة ممن لا يُعتدُّ بخروجهم عن إجماع الأمة من بعض الخوارج ومن الروافض. هذا أمر كان واضحًا جليًّا في حياة الأمة، من لدن أمر رسول الله ﷺ الأمة بأن تتبع هديه، وأن تجمع سنته، وأن تفهمها وأن تطبقها، والنبي ﷺ دعا بنضارة

стр. 116

الوجه، فيما رواه الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- لمن سمع حديثًا من النبي ﷺ فأدَّاه كما سمعه من غير زيادة ولا نقصان، فرب مبلغ أوعى من سامع، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ . إذن، الأمة وعت دور السنة وأهميتها، وأن القرآن لا يفهم بدونها، وأن الإسلام لا يُطبَّق بدون فهم القرآن الكريم وبدون السنة المطهرة، فلذلك حرصت على السنة وعضت عليها بالنواجذ، والنبي ﷺ قال: ((ليبلغ الشاهد الغائب)) يعني: كل من بلَغه حديث أو شهد واقعة في حياة النبي ﷺ وسمع حديثًا عليه أن يبلغه للأجيال اللاحقة حتى تتواصل الأمة بكل أجيالها عبر القرون، وإلى يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها على حب الله ﵎ وحب النبي ﷺ ، وحب سنته، وضرورة تطبيقها في حياته. ولذلك انعقد الإجماع على ذلك، على حجية السنة، وعلى ضرورة الالتزام بها، وعلى استقلالها بالتشريع. قد نقرأ نقاشات، مثلًا يُناقش البعض أحيانًا: هل الذي جاءت به السنة ينبثق عن أصل قرآني أو لا ينبثق؟ هذا نقاش في نظري لا يغير من جوهر الحقيقة شيء، وهو أنه يجب اتباع السنة، وأن السنة تستقل بالتشريع؛ فسواء انبثق الحكم النبوي الذي جاء في السنة عن أصل قرآني، أو لم ينبثق هذا النقاش، لا يُغيّر في المسألة شيء، فهو حكم جديد. فمثلًا، حين يحرم القرآن الكريم الجمع بين المرأة وأختها: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (النساء: ٢٣) وحين جاءت السنة لتحرم الجمع بين المرأة وعمتها، فإن ذلك يراه البعض منبثقًا عن أصل قرآني، ويراه البعض

стр. 117

حكمًا جديدًا لا ينبثق عن أصل قرآني، أيًّا كان الأمر فإن الخلاف هنا لا يُغيِّر من جوهر المسألة، وهي أن السنة تشرع، هذا حكم جديد ليس في القرآن؛ سواء كان منبثقًا عن أصل قرآني أو غير منبثق، لكنه في كل الحالات حكم جديد أتت به السنة المطهرة. أقول: انعقد إجماع الأمة على حجية السنة وعلى استقلالها بالتشريع، ويقول الشوكاني -رحمه الله تعالى: "إن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يُخالف في ذلك إلا من لا حظَّ له في الإسلام" هذا الكلام الخطير قاله الإمام الشوكاني ﵀ في كتابه (إرشاد الفحول) ص٢٩. ذكرنا الأدلة من القرآن الكريم، ومن السنة المطهرة، ودليل الإيمان، ودليل الإجماع على حجية السنة المطهرة. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 118

الدرس: ٨ أدلة حجية السنة المطهرة (٤)، دفع الشبهات المثارة حول حجية السنة (١) .

стр. 119

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثامن (أدلة حجية السنة المطهرة (٤)، دفع الشبهات المثارة حول حُجية السنة (١)) بقية الأدلة على حجية السنة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله، وأحبابه، وأصحابه، وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد: قد تكلمنا في الدروس السابقة عن الأدلة من القرآن الكريم وعن الأدلة من السنة المطهرة والإجماع ودليل الإيمان. وفضيلة الشيخ عبد الخالق -رحمه الله تعالى- في كتابه (حجية السنة) يُضيف أدلة أخرى إلى حجية السنة -أي: وجوب العمل بها، مما ذكره ﵀ - دليل العصمة: وخلاصة هذا الدليل: أن الأمة أجمعت على عصمته ﷺ عمَّا يخلُّ بالتبليغ، يعني: هذا محل إجماع الأمة كلها؛ أن الله ﵎ قد عصم نبيه ﷺ عن أيِّ خللٍ يقع فيما يتعلق بتبليغه للرسالة: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة: ٦٧)، لكي ينفَّذ هذا الأمر الإلهي لا بدَّ أن يقوم النبي ﷺ بمهمة التبليغ، ولا بد أن يُعصم؛ حتى يكون التبليغ على الوجه الذي يُرضيه ، فهل يُعقل أن يبلغ بأحاديث من عنده، ولم يوحِ إليه بها ربه؟! الرسول ﷺ معصومٌ أن يضيف، أو أن ينقص، أو أن يُغيّر، أو أن يبدل شيئًا مما أمره الله ﵎ من تبليغه، خطورة النقص مثل خطورة الزيادة مثل خطورة التحريف أو التغيير أو التبديل، كل ذلك قد عصم الله منه نبيَّه ﷺ ، ومن يعتقد عصمة النبي ﷺ في التبليغ، فلا بد أن يعتقد بحجية السنة، التلازم والترابط بينهما واضح جدًّا، الله عصمه من أي خلل في أمر التبليغ؛ إذن السنة من جملة ما بلّغ به، وإلا يكون قد أتى بها من عند نفسه، وإذا كان قد أتى بها من

стр. 120

عند نفسه فقد أخل بضرورة التبليغ، وهذا ليس طعنًا في السنة فحسب، وإنما هو طعن في الرسالة ذاتها، والعياذ بالله. - أيضًا من الأدلة التي يضيفها فضيلة الشيخ عبد الغني عبد الخالق -رحمه الله تعالى- فهمُ الصحابة للسنة، وتطبيقهم لها، وتمسكهم بها في كل أمور حياتهم: عشرات الأدلة على أن الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا لا يُقدمون على أمر إلا بعد أن يعرفوا حكم الله ﵎ فيه، وحكم النبي ﷺ فيه. هذا الجيل الذي عاصر الوحي وشاهد الوقائع وساهم فيها، وعلم أسباب النزول، وأسباب ورود الأحاديث وما إلى ذلك، فهمه قاضٍ على الأمة كلها، وقد فهم هذا الجيل المبارك الذي هو خير أجيال هذه الأمة، كما قال النبي ﷺ : ((خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) وهو حديث متفق على صحته في الصحيحين في فضائل الصحابة- هذا الجيل أجمع على ألا يفعل شيئًا من أمور الدين أو الدنيا إلا بعد أن يرجع إلى رسول الله ﷺ ، حتى لو كانوا بعيدين عنه؛ فإنهم ينتظرون إلى حين مجيئهم إليه، قد تقع بعض الأمور بعيدة عن النبي ﷺ وهم في غزو مثلًا، أو وهم في سفر فحين يعودون يذكرون للنبي ﷺ ما حدث، ويعرفون الحكم الشرعي فيه، هذا الإجماع على ذلك الأمر من الصحابة يدلُّ في جلاء ووضوح على أن السنة عندهم حجة لا بدَّ من الرجوع إليها والعمل بها، والاستجابة لأحكامها. الأمثلة على ذلك أكثر من أن تُحصى، ويكفي أن نشير إلى بعض الأحاديث الصحيحة في هذا الأمر، مثلًا: النبي ﷺ بعث بعثًا، وأمَّر عليه أميرًا، هذا الأمير كان يصلي بهم، وفي صلاتهم جهرية؛ سواء كان ذلك في صلاة المغرب أو العشاء أو الفجر وهي الصلوات الجهرية، يقرأ بهم الفاتحة ثم يقرأ بهم ما شاء الله

стр. 121

أن يقرأ من القرآن، ويختم قراءته بـ سورة قل هو الله أحد لما رجعوا إلى النبي ﷺ أخبروه: الأمير الذي أمَّرته علينا كان يفعل كذا وكذا، فقال ﷺ : ((سلوه: لأي شيء يفعل ذلك؟ قال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال ﷺ : بلغوه أن الله تعالى يُحبُّه))، هذا حديث في الصحيحين، رواه الإمام البخاري في كتاب التوحيد؛ إذن حدث هذا بعيدًا عن النبي ﷺ وعادوا ليسألوا النبي ﷺ عن حكم الشرع في مثل هذا الصنيع. وحتى هذا الحديث نضربه مثالًا لإقرار النبي ﷺ للصحابة على بعض أفعالهم التي تصبح جزءًا من السنة؛ لأن النبي ﷺ علم بها وأقرهم عليها. أيضًا، أم سليم، الحديث أيضًا في الصحيحين في كتاب الطهارة عند البخاري ومسلم من حديث أم سليم -رضي الله تعالى عنها- ((أنها سألت النبي ﷺ : هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: نعم، إذا رأت الماء)) الصحابية الجليلة أم سليم تعرف أنه لا بد من معرفة حكم الشرع في ذلك، فرجعت إلى النبي ﷺ تسأله. أيضًا، علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه-: "كنت رجلًا مذَّاء، فاستحييت أن أسأل النبي ﷺ "؛ لموقعه ولموقع ابنته منه وبعث من يسأل له عن حكم هذا المذي الذي يصاحبه في بعض أوقاته، وعلم أن الحكم الشرعي أنه لا يُوجب الغسل، وأنه يغسل نفسه ثم يتوضأ ويصلي. حديث ابن عمر في كتاب الطلاق عند البخاري ومسلم، وهو حديث صحح مشهور، وهو أصل لمن قالوا: بأن الطلاق البدعي لا يقع، ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- كان قد طلّق امرأته وهي حائض، فأبوه عمر -رضي الله تعالى عنه- أخبر النبي ﷺ بذلك، فقال: ((مره فليراجعها)) إذن، يسألون عن أحكام عشرات، بل مئات الأمثلة على هذه القضية؛ إذن فالصحابة مجمعون على أن السنة حجة، وأنه إذا طرأ لأحدهم أمر

стр. 122

لا بد أن يتجه للنبي ﷺ ، أحيانًا تنزل الآيات بحكم الشرع كما في قصة الظهار خولة بنت ثعلبة، التي سمع الله تعالى قولها وهي تجادل النبي ﷺ حين ظاهر منها زوجها: ((إن لي منه صبية صغارًا، إن ضممتهم إليّ ضاعوا، وإن ضممتهم إليه جاعوا)) حتى نزلت الآيات بحكم الظهار، وبينه لهم النبي ﷺ كما ورد في القرآن الكريم. يعني: إما أن ينزل الحكم في القرآن الكريم، وكثير من الأحكام تعتمد على السنة المطهرة. أيضًا، في صلاة العصر في بني قريظة لما قال لهم النبي ﷺ : ((لا يصلينَّ أحدكم العصر إلا في بني قريظة))، وتعدَّدت أفهام الصحابة في ذلك؛ فمنهم من صلى في الطريق مخافة أن يخرج الوقت عن وقته، لأنهم يعلمون أن هناك أدلة تنصُّ على وجوب أو استحباب أداء الصلاة في أول وقتها، وهناك من أصرَّ على تنفيذ أمر النبي ﷺ بحذافيره، فأجّل الصلاة حتى وصل إلى ديار بني قريظة، ورُفع الأمر إلى النبي ﷺ فأقرَّ كلّا من الفريقين على فهمه. إذن، الصحابة بإجماع يعلمون ويعتقدون أن السنة حجة، وأنهم لا يسعهم أن يُقدِموا على أي عمل يتعلق بأمر دينهم أو دنياهم إلا بعد أن يعلموا حكم الله فيه من خلال القرآن الكريم، أو من خلال السنة المطهرة، وقد رجعوا إلى النبي ﷺ في عشرات، بل في مئات المسائل، ولذلك يعتبر العلماء منهج الصحابة في التعامل مع السنة إنما هو دليل على حجية هذه السنة، وأنه لا بد من العمل بها، وقد مرَّ بنا ما قاله الصديق -رضي الله تعالى عنه- للمرأة الجدة التي جاءت تسأل حقها في الميراث فقال لها أبو بكر -رضي الله تعالى عنه-: "لا أجد لك في كتاب الله شيئًا، ولا أعلم أن رسول الله ﷺ قضى لك بشيء"، إذن هو يعلم يقينًا أن السنة حجة، وأنها تشرع كما يشرع القرآن الكريم، وأنه على المسلمين أن يقولوا: سمعنا وأطعنا في كل حكمٍ قاله رسول الله ﷺ .

стр. 123

- من الأدلة على وجوب العمل بالسنة: استحالة العمل بالقرآن الكريم وحده: وأيُّ مدرك لعلاقة السنة بالقرآن الكريم يعلم ذلك جيدًا؛ أنها تبين القرآن الكريم بوسيلة من وسائل البيان المعروفة عند العلماء، وهي مثلًا تفصيل المجمل، تقييد المطلق، تخصيص العام، توضيح المشكل، وهي أيضًا تُشرّع كما يُشرع القرآن الكريم تمامًا. إذن، الاكتفاء بالقرآن الكريم تضييع للإسلام، وأن هذه الدعوى تحمل في طياتها هدفًا خبيثًا جدًّا، وهو تضييع الإسلام نفسه؛ لأن كيف نصلي الظهر أربعًا من خلال القرآن الكريم؟ كيف نصلي العشاء أربعًا؟ كيف نخرج زكاة الأموال بنسبة ربع العشر؟ أين زكاة عروض التجارة في القرآن الكريم؟ أين زكاة الماشية في القرآن الكريم؟ أين أين؟ أمور الإسلام في أركانه وفي غير أركانه تتوقف على السنة المطهرة، فيستحيل عمليًّا وواقعيًّا أن نكتفي بالقرآن الكريم وحده. هي دعوى ظاهرها خدَّاع لكن باطنها هو تضييع الإسلام كله؛ لأنه لو سلمنا جدلًا بهذه المقولة ونحَّينا السنة، فسيتوقف القرآن عن الفهم والتطبيق، وبالتالي يضيع الإسلام الذي هو في المقام الأول يعتمد على القرآن الكريم وعلى السنة المطهرة. - من الأدلة على حجية السنة: أنها وحي من عند الله ﵎: وما دامت وحيًا فلا بد من الاستجابة لها واتباعها، أما أنها وحيٌ من عند الله ﵎ فقد قامت على ذلك أدلةٌ كثيرة، من ذلك قوله : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ١: ٤) أي: كل ما يقوله النبي ﷺ مقصورٌ على كونه وحيًا من عند الله ﵎، كل ما يقوله هو وحيٌ من عند الله ﵎ الآيات لم

стр. 124

تستثنِ شيئًا، والذي قاله هو القرآن الكريم وهو السنة المطهرة، وأيضًا الآيات التي ذكرت القرآن الكريم والسنة المطهرة، أو والحكمة: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (الأحزاب: ٣٤)، ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (الجمعة: ٢)، ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِين﴾ (آل عمران: ١٦٤). كل الآيات التي جمعت بين الكتاب والحكمة العطف بينهما يقتضي المغايرة، بالضرورة الحكمة غير الكتاب؛ لأنه لا يجوز عند النحاة عطف الشيء على نفسه، فإذن الحكمة غير الكتاب، وما هي الحكمة؟ يتحتَّم أن تكون الحكمة هي السنة، وقد قال الشافعي -رحمه الله تعالى- في (الرسالة): "سمعت من أرضى من أهل العلم يقول بأن الحكمة هي السنة"، وكون الحكمة في هذه الآيات سنة أجمع عليها علماء الأمة، واستقروا على هذا الفهم؛ لأن النبي ﷺ أتانا بالقرآن الكريم وأتانا بالسنة المطهرة، ولا بد من حمل الحكمة على السنة؛ لأنه لم يأتنا بغير ذلك، وإذا كانت الحكمة هي السنة، فإن الكتاب والحكمة قد نزلا من عند الله ﵎، والدليل على ذلك في آية النساء: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (النساء: ١١٣) يعني: الآيات التي سبقت في سورة البقرة ذُكرت: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (البقرة: ١٢٩)، وفي آل عمران ذكرت: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ وفي سورة الجمعة، وفي سورة الأحزاب: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ ثم آية النساء التي تضيف أمرًا آخر وهو أن السنة والحكمة

стр. 125

كليهما نازل من عند الله ﵎: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (النساء: ١١٣). الآيات السابقة لم يأتِ فيها هذا الأمر، قد يقول قائل من خلال الآيات السابقة: ليس هناك ما يدل على أن الحكمة -حتى وإن سلمنا بأنها هي السنة- ليس هناك ما يدل على أنها نزلت من عند الله ﵎ فتأتي آية النساء قاطعة في هذا الأمر: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾، إذن السنة بمقتضى آيات القرآن الكريم وحيٌ من عند الله ﵎، وأيضًا على ذلك جاءت الأحاديث الكثيرة التي تُثبت هذا الأمر عند الإمام أحمد بسندٍ صحيح حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما- أنه كان يكتب كل شيء يسمعه من رسول الله ﷺ فنهته قريشٌ عن ذلك، وقالت له: إن رسول الله ﷺ بشرٌ يتكلم في الغضب والرضا، بمعنى: أنه قد يقول أقوالًا بمقتضى بشريته ليست منهجًا، ليست تشريعًا، مَن الذي يحسم المسألة؟ هو رسول الله ﷺ ، هو الذي يقضي في المسألة، فرُفع الأمر إليه فقال له: ((اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق)) النبي ﷺ لا يقول إلا الحق الذي جاء من عند الله ﵎: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: ٢٩) أيضًا: ((ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه)) أوتيت: بالبناء للمجهول، أوتي القرآن وأوتي مثله معه، وهذا المثل يُحمل بالضرورة عند كل عاقلٍ رشيد على أنه السنة المطهّرة. هذه الأدلة كلها دلَّت على أن السنة وحيٌ من عند الله ﵎، وما دامت وحيًا من عند الله فهي واجبة الاتباع، كما أن القرآن الكريم وحيٌ من عند الله ﵎ فهو واجب الاتباع أيضًا، والفرق أن القرآن الكريم هو كلام

стр. 126

الله ﵎ وأن الحديث النبوي هو كلام سيد المرسلين ﷺ لكنه أوحي إليه بمعناه من عند الله ﵎. وحتى الأمور التي قالها النبي ﷺ باجتهاده، وهناك وقائع تثبت هذا في قصة أسرى بدر، وفي غيرها النبي ﷺ قال باجتهاده، لكن دور الوحي معه هو إما أن يصحح له إذا كان الأمر يحتاج إلى تصحيح، أو أن يقرََّه على ما ذهب إليه اجتهاده إن لم يكن يحتاج إلى تصحيح، وفي كلتا الحالتين القِسم الذي قاله باجتهاده مردُّه أيضًا إلى الوحي، إما بالإقرار وإما بالتصحيح، وبالتالي فإن السنة كلها وحي من عند الله ﵎. كل هذه أدلةٌ على وجوب العمل بالسنة المطهرة، القرآن الكريم والآيات التي ذكرنها. إنها قضية قرآنية، وقضية عقدية، وقضية إيمانية، وأحاديث النبي ﷺ ، وإجماع الأمة الذي انعقد على وجوب العمل بالسنة، وكلمة للإمام الشوكاني في هذا: "دليل الإيمان، وخلاصته أن إيمان المؤمن لا ينعقد إلا إذا حكّم الرسول ﷺ في كل شأن من شئون حياته"، وهذه قضية ذكرتها آياتٌ كثيرة، وعلّق الله ﵎ عليها الإيمان؛ بل أقسم على هذه القضية، أقسم -جلّ في علاه- بذاته الشريفة أن إيمان المؤمنين لن يكون إلا إذا حكّموا الرسول ﷺ في كل شأنٍ من شئون حياتهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم﴾ (النساء: ٦٥)، والأدلة الأخرى التي ذكرها فضيلة الشيخ عبد الغني عبد الخالق -رحمه الله تعالى- في كتاب (حجية السنة). وهذه الأدلة تتلخص في دليل العصمة، وفي تمسك الصحابة بالسنة الذي يدل على أنهم فهموا أنها حجة، ولا بد من الرجوع إليها، وأيضًا استحالة العمل بالقرآن الكريم

стр. 127

وحده، وإلا كان ذلك تضييعًا للإسلام كله، وأيضًا إثبات أن السنة وحيٌ من عند الله ﵎ وما دامت وحيًا فهي واجبة الاتباع وواجبة التطبيق في حياة المسلمين. لم يُنازع في ذلك أحدٌ من المسلمين الذين ينعقد بهم الإجماع، أجمعت الأمة على كل هذه الأدلة، وعلى خلاصة الأمر وزبدته في أن السنة لا بد أن تُتبع، وأن يُعمل بها، وأن نستجيب لكل حكم حكم به رسول الله ﷺ . في أثناء أبحاثه في كتابه (حجية السنة) يُعلِّق فضيلة الشيخ -رحمه الله تعالى- تعليقًا يقول فيه -حاكمًا على من نازعوا في هذه القضية- يقول: "وليت شعري، كيف يُتصور أن يكون نزاع في هذه المسألة بين المسلمين! وأن يأتي رجلٌ في رأسه عقل ويقول: أنا مسلم، ثم يُنازع في حجية السنة بجملتها، مع أن ذلك مما يترتب عليه عدم اعترافه بالدين الإسلامي كله من أوله إلى آخره، فإن أساس هذا الدين هو الكتاب، ولا يمكن القول بأنه كلام الله مع إنكار حجية السنة جملةً، فإن كونه كلام الله لم يثبت إلا بقول الرسول الذي ثبت صدقُه بالمعجزة، إن هذا كلام الله وكتابه، وقول الرسول هذا من السنة التي يُزعم أنها ليست بحجة، فهل هذا إلا إلحاد وزندقة، وإنكار للضروري من الدين يُقصد به تقويض الدين من أساسه، فإن قلت: لا نُقرّك على أن كون الكتاب كلام الله؛ لا يثبته إلا ذلك القول، وإنما ثبت بإعجازهم مباشرة، قلت: نعم، جميع القرآن وسورة منه وثلاث آيات يُمكن أن يقال فيها: إنه ثبت كونها كتاب الله بإعجازها، ولا حاجة لقول الرسول فيها، وذلك لقيام الإعجاز بها. أما الآيتان والآية وبعض الآية فلم يقم بها صفة الإعجاز، حتى نعلم أنها كلام الله؛ فلا يمكننا العلم حينئذٍ بأنها منه إلا بقول الرسول الذي ثبت صدقه بإعجاز القرآن كله، أو سورة منه وبغير ذلك من المعجزات- إنها من كلام الله.

стр. 128

ونحن في استدلالنا على عقيدة دينية أو حكم شرعي من كتاب الله، إنما نستدلّ بالآية أو ببعضها، فلو لم يكن هذا القول من الرسول حجة؛ لما أمكن للاستدلال بالآية أو ببعضها. ولا يخفى عليك أن كون الآية، أو كون بعضها من القرآن أصبح ضرورة دينية، لا يسع مسلمًا إنكاره بحال، وكذا الاستدلال بشيء من ذلك على حكم شرعي. وإذا كان هذان الأمران الضروريان متوقفين على حجية السنة؛ كانت هي أيضًا ضرورة دينية، فكيف يمكن لمن يعتنق دين الإسلام أن يقدِم على إنكار حجيتها أو الشك فيها؟! " خلاصة كلام الشيخ في هذا الجزء: أن السنة هي التي بيَّنت أن القرآن من عند الله ﵎ وكأن النبي ﷺ بمعجزة القرآن قال: إن هذا كلام الله وكتابه، فمن لم يؤمن بالسنة فأنكر القرآن الكريم؛ لأن السنة من طرق إثبات القرآن الكريم، ونقل على لسان البعض قد لا يُقرّون هذا، بمعنى: أن القرآن الكريم الذي هو كلام الله لا يُثبته إلا ذلك القول من النبي ﷺ إنه كلام الله، بل ثبت بإعجازه مباشرة، سلّم الشيخ بقولهم، لو قلنا جميع القرآن، أو سورة منه، أو ثلاث آيات -القدر الذي يتفق عليه العلماء- بأنه يتحقق به الإعجاز، ثبت كونها من كتاب الله بكونها معجزة، لكن الآيتان والآية وبعض الآية، وكثير من الأحكام الشرعية نستدلُّ بها بآية واحدة أو بآيتين، وأحيانًا ببعض آية؛ فإذن الأحكام الشرعية تتوقف إثباتها على آية أو بعض آية، وهذا القدر لم يتحقق به الإعجاز على ما ذهب إليه علماء التفسير وعلوم القرآن. إذن، لا بد من حجية السنة لكي نؤمن بالقرآن أيضًا، وينتهي إلى أنه قد يصل الأمر بقائل هذه الأقوال إلى حكم الرّدّة، كما قال ذلك، وهذا بعض كلامه في

стр. 129

هذا: "وليت شعري كيف يمكن القول بأنها ليست ضرورية دينية، مع العلم بأن كثيرًا من المسائل التي أجمع الفقهاء عليها، وعلى أنها معلومة من الدين بالضرورة، وأن إنكارها يُوجب الرّدّة، كعدد ركعات الفرائض متوقفة عليها، وكيف يَتوقف الضروري على ما ليس ضروريًّا، وزعم إمكان فهم هذه المسائل من الكتاب وحده باطلٌ بالضرورة، ومحاولة هذا الفهم محاولةٌ لتحقيق المُحال، ولقد كان الأئمة السابقون أقدر منا على ذلك، واعترفوا بالعجز عنه -يعني: محاولة إثبات الأدلة على الأحكام الشرعية من القرآن فقط، وإذا كانت هذه المسائل الضرورية -الصلاة مثلًا، وكون الظهر أربعًا، وكون العصر أربعًا أيضًا- كل ذلك يتوقف على السنة، وهي مسائل ضرورية -يعني: معلومة من الدين بالضرورة وإنكارها كفر- وإذا كانت هذه المسائل الضرورية متوقفة على حجية السنة، فكيف يتأتى من مؤمن أن يُنازع فيها، مع أن النزاع فيها يستلزم النزاع في هذه المسائل -يعني: النزاع في حجية السنة يستلزم النزاع في كون الظهر أربعًا، في كون أن الزكاة ربع العشر، في كون المواشي عليها زكاة ... إلى آخره، وهذا يستلزم الارتداد؛ فإن قيل: إن هذه الأحكام دليلها الإجماع فهي ليست متوقفة على حجية السنة! قلت: هذا عبثٌ من القول، فإن الإجماع لا بد له من مستند، وليس هذا المستند في هذه المسائل الكتاب -القرآن فقط- إذ لا يمكن فهمها منه، وليس القياس، ولو ذهبنا إلى أنه قد يكون مستندًا للإجماع فيما يكون له أصلٌ معقول المعنى؛ لأن كثيرًا من هذه المسائل -أي: مسائل العبادة- لا مجال للعقول فيها، وليس لها أصلٌ تُقاس عليه؛ فتعيّن أن يكون هذا المستند السنة، بل قد أجمعوا على أن المستند في هذه المسائل هو السنة لا غير، وهذا يستلزم إجماعهم على حجيتها وضروريتها". انتهى كلام الشيخ ﵀ ﵎.

стр. 130

دفع شبه منكري حجية السنة الكلام عن شبه الذين يعارضون في حجية السنة، وأقوالهم في هذا الأمر: لا يمكن لأي مسلم أن يرفض السنة النبوية وأن يعتمد على القرآن وحده، لكن بعض الناس قد تخفى عليهم الأمور فيحتاجون إلى بيان وإلى توضيح، ومع ملاحظة أنهم أثاروا الشبه بعد أن كوّنوا هذا الرأي، لكن هناك مَن توقَّف في الاستدلال بالسنة وهو لا يعلم حجيتها، ليس عن موقف نابع من فكر أو فهم أو قراءة، أو ما شاكل ذلك؛ إنما هو فهم خاطئ بمجرد أن يصوَّب له يُردُّ إلى الصواب. هناك شُبه بُنيت على آيات من القرآن الكريم، أخذوا منها شبهة الاكتفاء بالقرآن الكريم، وعدم الحاجة إلى السنة المطهرة، هناك آيات كثيرة في هذا الصدد، من ذلك قول الله ﵎ في سورة الأنعام: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُون﴾ (الأنعام: ٣٨)، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً ... ﴾ (النحل: ٨٩)، في سورة الأنعام أيضًا: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ (الأنعام: ١١٤) وفي سورة الأنعام أيضًا: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ (الأنعام: ١١٥)، وفي سورة المائدة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣)، في سورة الأنعام: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام: ١٩)، في سورة الأعراف: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِين﴾ (الأعراف: ١٧٠)، وقال :

стр. 131

﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (العنكبوت: ٥١). آيات مثل هذه يجمعونها مثل قوله ﵎: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَب إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (الفرقان: ٣٠)، ومثل قوله : ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُون﴾ (الأعراف: ١٨٥) يحاولون أن يجمعوا الآيات التي يبدو من ظاهرها أنها تدعو إلى الاعتماد على القرآن الكريم فقط، وبعد أن يجمعوا هذه الآيات يُحاولون أن يُثبتوا أنها تدل على الاعتماد على القرآن الكريم فقط، وكأنهم يريدون أن يقولوا: إن موقفنا هذا إنما هو مبنيٌّ على الاستمساك بالقرآن الكريم، الذي دعا إلى التمسك بالقرآن الكريم وحده. بداية نرد ردًا إجماليًّا فنقول: قل لمن يدَّعي في العلم فلسفةً ... حفظتَ شيئًا وغابت عنك أشياءُ ركَّزت على هذه الآيات، ونسيت آيات كثيرة، ما موقفك من قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩)؟ ما موقفك من قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؟ ما موقفك من قسم الله ﵎ حين يُقسم بذاته المعظّمة الشريفة أن إيمان المؤمنين لا يكون إلا إذا حكَّموا الرسول ﷺ في كل ما شجر بينهم؟ بل إن الله ﵎ اشترط على المؤمنين ألا ينفذوا الحكم فقط، بل عليهم أن يرضوا به وأن يخضعوا ويستسلموا له خضوعًا كاملًا، واستسلامًا تامًّا، وآياتٌ كثيرة جدًّا تدل على وجوب اتباع الرسول ﷺ في كل ما يأمر به، وينهى عنه. إذن، كأنك تؤمن ببعض الكتاب وتكفُر ببعض، تأخذ منه الآيات التي تناسب

стр. 132

هواك وتتفق مع فكرك، وتلتقي مع أهدافك، أو هكذا أنت تتصور، وتترك الآيات التي تُفنِّد شُبَهك، والقرآن الكريم يكمِل بعضه بعضًا، ويتمم بعضه بعضًا. وكل الذين يعرفون استمداد الأدلة من النصوص الشرعية يعرفون جيدًا أنه ليس من حقهم أن يأخذوا نصًّا، وأن يغيِّبوا عن عمدٍ، أو عن جهل نصًّا آخر له اتصال وثيق بنفس القضية، وبنفس المسألة؛ بل إن الحكم الشرعي في أي قضيةٍ من القضايا لا يُؤخذ إلا من خلال النصوص الكاملة المتعلقة به في القرآن الكريم والسنة المطهرة، بل بعد ذلك نرجع إلى أفهام العلماء من المفسرين، ومن شارحي الأحاديث النبوية، ومن موقف الصحابة من ذلك كله؛ ليستقيم فهمنا مع فهمهم، ولنعرف: كيف مضى سلف هذه الأمة في التعامل مع هذه الآيات؛ ليمضيَ عليها أيضًا خلفها على نفس المنهج وعلى نفس الطريق، الذي سار عليه السلف الصالح -رضوان الله عليهم-. إذن، هذا ردٌّ إجمالي، كما أنك نظرت إلى هذه الآيات، فهناك آياتٌ دعتْ في جلاء ووضوح، وقطعٍ لا لَبْسَ فيه إلى ضرورة التمسك بالسنة المطهرة. حين تعمد إلى بعض الآيات فتذكرها وتعمَد إلى البعض الآخر فتهمله، أو تبتعد عنه؛ هذا في المناهج العلمية خللٌ شديد، وفهم سقيم، والرجوع إلى الحق أولى من ذلك كله. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 133

الدرس: ٩ دفع الشبهات المثارة حول حجية السنة (٢) .

стр. 134

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس التاسع (دفع الشبهات المثارة حول حُجية السنة (٢)) قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه، وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ ثم أما بعد: فكنا قد بدأنا في ذكر الشبه التي اعتمد عليها أعداء السنة وقلنا: إنها تنقسم إلى شبه يحاولون أن يأخذوها من القرآن الكريم، وإلى شبه تتعلق بأحاديث النبي ﷺ وإلى شبه أخرى -سنشير إليها بالتفصيل إن شاء الله، ونحن نرد عليها- وذكرنا بعض الآيات التي اعتمدوا عليها في محاولتهم الابتعاد عن حجية السنة، زاعمين أن هذه الآيات تؤدي إلى ما ذهبوا إليه من إنكار للسنة المطهرة أو لحجيتها، ومن هذه الآيات قول الله ﵎: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ (الأنعام: ٣٨). الشبهة الأولى: حشدوا لها وجمعوا لها آيات كثيرة يتصورون بها أنهم قد أصابوا هدفًا أو حققوا غرضًا وهم يعتسفون التأويل. على كل حال، لا نريد أن نستطرد مع فهمهم، إنما نبين ضعفَ هذا الفهم، ومخالفته لأفهام الأمة التي التقت على هذا. هم فهموا من قول الله ﵎: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ أنه القرآن؛ يعني المقصود بالكتاب هو القرآن، مجموع الآيات في الحقيقة -التي قبل هذه الآية وبعد هذه الآية- ترد على هذا الفَهم: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ هناك آيات ذُكر فيها اسم الكتاب -أو كلمة الكتاب- وهي لا تدل على القرآن الكريم، إنما تدل على اللوح المحفوظ؛ يعني المراد بالكتاب في هذه الآية: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ معناها اللوح المحفوظ، سياق الآيات يشعر بهذا. والآيات الأخرى المناظرة أو المماثلة لهذه الآية أيضًا يُعطي الدليل على هذا، من

стр. 135

ذلك مثلًا في القرآن الكريم قول الله ﵎: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (هود: ٦) يعني هذا الكتاب مفصح بأسمائها وأعدادها، وكل ما يتعلق بها في حركاتها وسكناتها إلى آخره، السياق يشعر بأنه اللوح المحفوظ. فهل كل دابة في الأرض على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين، هل ممكن أن نفهم من هذه الآية أن الكتاب هو القرآن؟ أين الكلام عن أرزاق الناس بالتفصيل؟ أين الكلام عن المستقر والمستودع الذي ورد بالنسبة لهذه الدواب في القرآن الكريم؟ إذن لا بد من حمل هذه الآية على اللوح المحفوظ، وليس على القرآن الكريم، ويرجح هذا -أو يقطع- ما ورد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما-وهذا حديث رواه الإمام مسلم في كتاب القدر، باب: حجاج آدم وموسى ﵉ قال عبد الله بن عمرو بن العاص: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((كتب الله مقاديرَ الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وقال: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (هود: ٧))). إذن، واضح من هذه الكتابة أنها في اللوح المحفوظ، وأنها كانت قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، ومقادير الخلائق فيها الرزق وفيها الأجل وفيها المستقر وفيها المستودع الذي ورد في سورة هود: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. وأيضًا في سورة الأنعام نفسها: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (الأنعام: ٥٩) هذا الكتاب المبين لا يمكن أن يكون القرآن، وإلا أين نجد في القرآن مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا هو؟ وكل ما في البر والبحر؟ وما تسقط

стр. 136

من ورقة إلا يعلمها؟ ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين؟ هذا الكتاب هو اللوح المحفوظ يقينًا. أيضًا ما ورد من قوله ﵎ ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (سبأ: ٣) هذا الكتاب المبين لا بد أن يكون هو اللوح المحفوظ، وليس المراد به القرآن الكريم، وإلا فأين نجد تفاصيل كل ذرة في السموات أو في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في هذا القرآن الكريم؟ إذن، في ضوء هذه الآيات نفهم أن المراد في قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ المراد بالكتاب هو اللوح المحفوظ، والقول بأنه القرآن الكريم حقيقةً قول يأباه السياق العام للآية، ومعلوم أن الآيات تُفهم في ضَوْء ما قبلها وفي ضَوْء ما بعدها، الآيات تتكلم عن أن الله علِمَ كل صغيرة وكبيرة، أن بقية المخلوقات أمم تماثل أمة الإسلام، لها الأرزاق ولها الآجال، كل المخلوقات: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ ولا طائر من الطيور ومن الدواب ومن الحشرات، كلها أمم أمثالكم، سُجّلت كل تفاصيلها كما سجل تفاصيل الإنسان في الكتاب، فهذا الكتاب لا بد أن يكون هو اللوح المحفوظ، وإلا لو أخذنا الآية في سياقها الذي تتحدث عنه أين هي تفاصيل حياة هذه الأمم التي هي أمم مثل أمة الإسلام؟ وأين الكلامُ عن أرزاقها وآجالها، ومستقرها ومستودعها، وتفاصيل حياتها، ومناهجها ولغاتها؟ كل ذلك أين نجده في القرآن الكريم؟ فاقتطاع الجملة من سياقها العام لأستخدمها في دليل فيه اعتساف لا يتوافق ولا يتناسق مع سياق الآية، أمر لا يقول به أحد من أهل العلم: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُون﴾ (الأنعام: ٣٨) كل هذه الأمم تحشر إلى ربها، أيضًا هذا سياق الآية فيما قبلها وفيما بعدها.

стр. 137

فتنتزع هذه الجملة: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ وتصر على أن الكتاب هو القرآن، هذا خلل في الفهم لا يساعد عليه سياق الآية ولا الجملة التي قبلها ولا الجملة التي بعدها، ومع افتراض أن الكتاب هنا مقصود به القرآن الكريم، وهذا افتراض جدلي من باب منازلة الخصوم، نعم: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾، ذكر الله القواعد العامة للأمور كلها، لكن التفصيلات تركها للسنة المطهرة، ومن بين ما لم يفرط الله ﵎ فيه أنه أوجب في القرآن الكريم طاعة رسوله ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩) أدرِجها تحت قوله ﵎: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ من بين ما لم يفرط الله فيه في القرآن الكريم: أنه أوجب طاعة رسوله، فلماذا تستبعد إذن هذه الآية، ولا تريد أن تفهم الأمر على هذا النحو؟ الأوفق لسياق الآية أن يقال: إن الكتاب هو اللوح المحفوظ، ومعظم المفسرين درجوا على هذا، ولا نريد أن نطيل بذكر أقوالهم، وهناك من قال: نعم، إنه القرآن لا ننازع في هذا، وهناك من قال: إنه القرآن، لكن القول الأشهر عندهم أنه اللوح المحفوظ، وقلنا: إن سياق الآية يرشح ويرجح هذا الفهم، وكما قلنا: كلمة الكتاب وردت بمعنى غير القرآن الكريم في آيات كثيرة، ذكرنا بعضها، ومن ذلك قول الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ (آل عمران: ١٤٥) لا يمكن أن يُفهم هذا الكتاب إلا على أنه القدر مثلًا، أو الحكم الثابت الذي لا يقبل النقض ولا الإبرام، والوقت المحدد والأجل المحتوم الذي كتبه الله لكل نفس. لا أحد يموت إلا بقدر الله، وحتى يستوفي المدة التي كتبها الله ﵎ له: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (فاطر: ١١) ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُون﴾ (الأنعام: ٢) وحين يقول الله ﵎ مثلًا: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء: ١٠٣) أي: مفروضًا محددًا.

стр. 138

إذن، كلمة الكتاب في القرآن الكريم تأتي بمعاني متعددة: وقد يأتي الكتاب أيضًا بمعنى القرآن، كما في قوله ﵎ مثلًا: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (إبراهيم: ١) وكما في قوله ﵎: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِين﴾ (البقرة: ١، ٢) هذا القرآن لا ريب فيه ولا شك فيه، و"ذلك" اسم إشارة للتعظيم، أيضًا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ (آل عمران: ٢، ٣، ٤) إلى آخر الآيات التي سياقها يحتم أنه القرآن الكريم: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِين﴾ (الأعراف: ٢) السياق قاطع في أن المراد بهذا الكتاب هو القرآن الكريم. إذن حين تتعدد معاني الكلمة في اللغة وفي الاستعمالات، فإنه من المتفق عليه عند العلماء أن السياق هو الذي يحدد المعنى المراد، لذلك نظائر كثيرة في اللغة العربية، كثير من ألفاظ اللغة العربية تتعدد معانيها، والذي يحدد المعنى هو السياق، مثلًا: كلمة "العين" تأتي في اللغة بمعاني متعددة: منها مثلًا عين الماء، منها العين الباصرة أي: أداة البصر التي خلقها الله تعالى لنبصر بها، ومنها الجاسوس؛ فمثلًا حين يقول الله ﵎ وهو يتكلم عن الجنة: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ (الغاشية: ١٢) هذه عين الماء، حين أقول مثلًا: للأعداء عين في بلادنا مثلًا -والعياذ بالله- معناها الجاسوس، حين أقول: رأيت بعيني معناها العين الباصرة أداة البصر التي نبصر بها بفضل الله ﵎ السياق هو الذي يحدد المعنى المراد، ولا أستطيع أن أحمل المعنى على غير ما يحتمله السياق وإلا كان ذلك فسادًا في المعنى. فلو قلت مثلًا: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ (الغاشية: ١٢، ١٣) والآيات تتحدث عن الجنة أقول: إن المراد بالعين هنا هي العين الباصرة!! فهذا فساد في المعنى وخلل في الفهم، لا يحق لمسلم أن يقع فيه، ومع ذلك نحن نقول ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ واضح من سياقها وهي تتحدث عن أن كل المخلوقات أمم

стр. 139

تماثل أمة الإسلام، وقد سجل كل شيء يتعلق بها في الكتاب، السياق يحتم أنه اللوح المحفوظ، ومع ذلك لو سلمنا جدلًا بأن المراد بالكتاب في الآية هو القرآن الكريم وهذا فهم بعيد، وافتراضنا له إنما هو افتراض جدلي، فإن هذه الآية لا تعارض حجية السنة أبدًا، ولا يُفهم منها أننا نكتفي بالقرآن الكريم فقط؛ لأنه كما قال العلماء-: إن هذه الآية لا تتعارض؛ لأنها تدخل أيضًا تحت ما لم يفرط الله ﵎ فيه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. قد أوجبنا طاعة الرسول ﷺ في كثير من الآيات، فهي داخلة في قوله ﵎: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ على أساس أن الكتاب المراد في الآية هو القرآن الكريم، مع استبعادنا لهذا الفهم، ومع إقرارنا بأن الكتاب المراد به اللوح المحفوظ، كما ذكرنا مرارًا. قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ ننتقل إلى آية أخرى أيضًا يحتجون بها، من ذلك مثلًا: قول الله ﵎: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: ٨٩) ننتقل إلى آيات أخرى حاولوا أن يستدلوا بها؛ من ذلك قول الله ﵎: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ (الأنعام: ١١٤). والكتاب في سياق الآيتين المراد به هو القرآن الكريم: ﴿نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: هذا لا يُعارض فيه أحد: ﴿هُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ المراد بالتفصيل هنا وبالبيان تفصيل وبيان كل شيء من أحكام هذا الدين كقواعد كلية مجملة، هذا أمر لو قلتَ: إنه تفصيل لكل صغيرة وكبيرة

стр. 140

لكان من العبث استمرار النقاش، لا يصلح أن نتناقش في البدهيات؛ لأن نقاش البدهيات يزيدها غموضًا، وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل! لماذا أقول هذا الكلام؟ لو أنك تصرّ على فهم كلمة "مفصلًا" يعني كل صغيرة وكبيرة، سأعود إليك وأقول: أين صلاة الظهر من القرآن الكريم أربعًا؟ أين العصر؟ أين أين؟ تفصيلات كثيرة، حين تكلمنا عن علاقة السنة بالقرآن الكريم قلنا: إن هناك نوعًا اسمه التفصيل المجمل، أمور كثيرة جدًّا وردت مجملة في القرآن الكريم. واعتمدت في تفصيلها على السنة المطهرة. يعني مثلًا: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٥) ما هو الربا المحرم؟ الأصناف التي يدخلها، نريد أن نعرف الذهب بالذهب، مِثلًا بمثل، يدًا بيد، سواءً بسواء، "فمن زاد أو استزاد فقد أربى"، هاتِ هذا التفصيل من القرآن الكريم؟! الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والزبيب بالزبيب ... إلى آخر الأصناف المتماثلة التي ذُكرت في روايات الأحاديث، ومنها هذا الحديث وغيره، أين هي في القرآن الكريم؟ أين تفصيلها؟ نما لا بد أن نفهم أن التفصيل والبيان هنا، إنما هو تفصيل الأحكام من خلال قواعدها العامة، أما التفصيل الذي يشمل الجزئيات وأحكامها وما يتعلق بها، فهذا موكول إلى السنة المطهرة، وإلا فما معنى أن يقول الله ﵎ في القرآن الكريم، وحتى في نفس السورة التي وردت فيها هذه الآية: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الكتاب بيّن كل شيء من خلال هذه الآية: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: ٤٤) الرسول ﷺ هو الذي يبين للناس ما نزل إليهم، هل الآيتان متعارضتان؟ التعارض لا يكون إلا في ذهن من لا يحسن التعامل مع القرآن الكريم ومع النصوص الشرعية، لا تعارض أبدًا، لم يقل أحد من علماء الأمة الذين يعتد بأقوالهم: أن هذه الآية:

стр. 141

﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ شملت كل صغيرة وكبيرة، وإلا فإن الواقع يُبعد هذا الفهم، كيف؟ بأي شيء نضرب الأمثلة؟ بالزواج مثلًا: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ (النور: ٣٢) حين أريد أن أنزل هذا الأمر منزلة التنفيذ، من أختار؟ أين هو في القرآن الكريم؟ كيف علاقتي بها أثناء الخطبة؟ كيف بعد العقد؟ قبل الدخول؟ كيف كيف كيف؟ تفصيلات كثيرة جدًّا أوكلها القرآن الكريم إلى السنة المطهرة. المنازعة في هذا أُصرّ على أنها منازعة في البدهيات، لا يستقيم معها أي شيء في فكر الإنسان، وبالتالي تكون النقاشات مضيعةً للوقت وللجهد، وإنما المقصود أن الكتاب الكريم -أي: القرآن- وضع القواعد العامةَ للحلال والحرام، وما إلى ذلك، ثم ترك تفصيلات كل ذلك للسنة المطهرة، وهذا وارد في قوله ﵎: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فقاعدة اتباع الرسول ﷺ أو وجوب اتباعه والتحاكم إلى سنته، هي من القواعد العامة أيضًا التي فصلها القرآن الكريم ودعا إليها، وأوجب طاعة النبي ﷺ كما ذكرت الآيات الكريمة في هذا الصدد. ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: ٦٤) وضع القواعد العامة التي تنظّم الاختلافَ، والكتاب هدًى وهو رحمة، من استمسك به فقد هُدِيَ، وقد كتبت له الرحمة في الدنيا وفي الآخرة، كل ذلك حق، لكن الأحكام الشرعية بتفصيلاتها ليست مذكورةً في القرآن الكريم، والواقع يؤكد هذه الحقيقة: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. إذًا هذا التبيان يحتاج إلى السنة، بل هو موكول إلى السنة، ولذلك قال الأوزاعي ﵀، وهو أحد كبار علماء هذه الأمة- وقد ذكر ذلك ابن كثير في أثناء تفسير هذه الآية قال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾

стр. 142

أي: بالسنة، يعني: بيّنا لك بالسنة؛ لأن السنة هي التي تكفلت ببيان معظم الأحكام الشرعية، وتفصيلاتها، إما استقلالًا -أي: بدءًا- من غير أن يسبق لها ذِكر في القرآن الكريم، وإما قد يُذكر أصلها في القرآن الكريم، لكن السنة هي التي تتولى التفصيلات. ابن مسعود يقول: "بُين لنا في هذا القرآن كل علم وكل شيء". وقال مجاهد: كل حلال وكل حرام، فهل معنى هذا أنهم فهموا كل التفصيلات؟ لا، ولذلك قد يستند البعض، وأيضًا ذَكر هذه الأقوال ابن كثير وهو يتعرض لهذه الآية، يعني قد يقول: إذا كنت قد ذكرت قول الأوزاعي: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: بالسنة، فلماذا لم تذكر قول ابن مسعود: "قد بُين لنا في هذا القرآن كل علم وكل شيء". وقال مجاهد: كل حرام وكل حلال، القرآن اشتمل على كل علم، سأقول في فَهم ابن مسعود ما فهمه هو ولم آتِ به من عند نفسي، وما سبق لنا ذكره، حين لعن عبد الله بن مسعود النامصات والمتنمصات، والواشمات والمستوشمات؛ أي: التي تُرقّق حاجبها وهي النامصة، والمتنمصة: أي التي تطلب والتي تفعل لنفسها أو لغيرها، والواشمات أي: اللواتي يضعن علامات على وجوههن؛ تجمُّلًا مثل المساحيق التي يضعونها في أيامنا هذه، هؤلاء واشمات، لُعنت الواشمة ولُعنت المستوشمة، التي تطلب والتي تفعل، سواء كان فعلها لنفسها أو لغيرها، يعني: لا تعتذر واحدة بأنها لم تفعل ذلك لنفسها وإنما فعلته لغيرها! فهي واقعة في الإثم أيضًا بنص الحديث. والمتفلجات للحسن: أي: اللواتي يبردن أسنانهن ويفرقن بينها؛ لتبدو في شكل جميل، هذا أمر يعرفه النساء فيما بينهن. المهم لعن عبد الله بن مسعود الواشمة والمستوشمة، النامصة والمتنمصة والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، وامرأة من الأنصار قالت له في ذلك:

стр. 143

ماذا بك لكي تلعن ولكي تفرض أحكامًا فيها حلال وفيها حرام؟ قال: وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله ﷺ وهو موجود في كتاب الله". وقالت المرأة: والله لقد قرأتُ ما بين اللوحين أو ما بين الدفتين فلم أجد، وكأنها تبحث عن هذا النص: "لعن الله أو لعن رسول الله ﷺ الواشمات والمستوشمات" فلم تجدها في كتاب الله، فقال لها عبد الله بن مسعود: "والله لئن كنت قرأتيه فقد وجدتيه". نُصِرّ على أن لا نفهم النصوص بعيدًا عن فَهم الصحابة، ويقولون لنا في لججهم ومجادلاتهم: إن هذا عودة بالأمة إلى الخلف. تعبيرات ما أنزل الله بها من سلطان. هؤلاء الصحابة هم حجة علينا في فهمهم؛ لأنهم هم الذين تلقوا عن الأستاذ الأول وهو رسول الله ﷺ وعرفوا الوحي وعرفوا اللغة وعرفوا مدلولاتها، وعاينوا الأحداث، وشاهدوا أسباب النزول، وكل ذلك يُعين على فهم النصوص الشرعية وتحديد المراد منها. عبد الله بن مسعود الذي يقول: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يعني: فيه علم كل شيء، ومجاهد يقول: كل حلال وكل حرام، هل فهم عبد الله بن مسعود أن كل شيء مذكور في القرآن الكريم بتفصيلاته؟ لماذا قال للمرأة: "لئن قرأتيه فقد وجدتيه، ألم تقرأي قول الله ﵎: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ " (الحشر: ٧) في هذه الإجابة ماذا فعل عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه-؟ وضع هذا الحديث تحت قاعدته الكلية التي وردت في القرآن الكريم في قوله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) هذا يدخل تحته كل حديث قاله النبي ﷺ في كل ما أمر به وفي كل ما نهى عنه. إذن مثل هذا هو المراد بتبيان القرآن: القواعد العامة، وضع القرآن الكريم القاعدة في أنه لا بد من طاعة الرسول، ليس في آية الحشر فحسب، بل في كثير من الآيات التي تكلمنا عنها سابقًا، إذًا أصبحت هناك قاعدة كلية قرآنية، وهي

стр. 144

وجوب طاعة الرسول ﷺ وتحت هذه القاعدة الكلية أقول مثلًا: ((لعن الله آكل الربا، وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء)) حديث رواه الإمام مسلم في تحريم الربا، أين هو في القرآن الكريم؟ بالإضافة إلى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٥) إنما لعن رسول الله ﷺ أو لعن الله، هذه تندرج تحت قاعدة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وتحت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. إذن هذا فهم الصحابة؛ أن القرآن بين القواعد الكلية العامة التي جاءت السنة وبينت كثيرًا من تفصيلاتها ومن جزئياتها، وشرّعت أيضًا كما يشرّع القرآن الكريم، واستقام الفهم الإسلامي طوال عصوره وإلى يوم أن يرث الله الأرضَ ومن عليها على هذا الأمر؛ القرآن يضع القواعد العامةَ ورسولُ الله ﷺ هو أعلم الأمة بمراد ربه، وهو الذي يفسّر القرآن الكريم، ويوضّح مراد الله من القرآن الكريم، وعلى الأمة أن تسمع له وأن تطيع. وإذا بحثتَ عن الأدلة في وجوب طاعة النبي ﷺ ستجدها في آيات كثيرةٍ من القرآن الكريم، وبذلك تكون طاعة النبي ﷺ هي من بين ما لم يفرط الله ﵎ فيه في قوله ﵎: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وهي في نفس الوقت أيضًا تندرج تحت: تبيان القرآن لكل شيء، فقد بين القرآن الكريم طاعة رسول الله ﷺ . أيضًا، هناك آياتٌ كثيرة تبين هذه الحقائق، وهي أن لا بد من هذا الفَهم، وإلا تناقضت النتائج التي يحاول منكرو السنة أن يصلوا إليها، مثلًا: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون﴾ ما علاقتها بقوله ﵎: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾؟ الآيتان تبينان أن النبي ﷺ هو الذي يبين:

стр. 145

﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ أنزل الله الكتاب لكي تبين أنتَ يا رسول الله لهم الذي اختلفوا فيه، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فمهمة البيان موكولةٌ إلى رسول الله ﷺ . إذن، لو أننا لم نفهم الفهمَ الذي نشير إليه: أن القرآن وضع القواعد العامة وجاءت السنة وذكرت التفصيلات، واجتهاد العلماء يُنزل كل تفصيل تحت قاعدته العامة من خلال السنة المطهرة، لتصورنا أن القرآن الكريم يُناقض بعضُه بعضًا، ليست المشكلة مع السنة فحسب، بل هي أيضًا ستصبح مع القرآن الكريم، كيف ذلك؟ الآيات التي بينت أن النبي ﷺ هو الذي سيبين للناس ما نزل إليهم، كيف تتعامل معها في ضوء إصرارك على أن القرآن الكريم فقط هو الذي يبين كل شيء؟ كل الرافضين لحجية السنة لا بد أن يلتزموا بهذه النتيجة، وهي أن القرآن الكريم وضع القواعد العامة، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ إلى آخر ما ذكرناه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ بل إن الله ﵎ بين أن هذه مهمة الرسل جميعًا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (إبراهيم: ٤) كل رسول يبين لأمته ما نُزّل إليهم، ويوضح لهم مراد الله من الأحكام التي افترضها على عباده، ولولا بيان الرسول لكل أمة من الأمم، لَمَا استقامت أمة أبدًا على منهج الله؛ يعني: هذا فهمٌ لا بد أن يقول به كل عاقل رشيد، الرسل جاءت لتبين لأممها مراد الله من خلقه، وتبين لهم ما افترضه سبحانه عليهم؛ لكي يقوموا به وينفّذوه، والرسل يقدمون للأمم القدوةَ العملية والتطبيقَ الصحيح لما أراده الله من الأمم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (آل عمران: ١٨٧) يعني: حتى الذين أوتوا الكتاب سيبينون للناس ما نزل إليهم، وإذا كتموه فقد تعرّضوا لعقاب الله ﵎.
следующие страницы →