Полный текст (382 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ شملت كل صغيرة وكبيرة، وإلا فإن الواقع يُبعد هذا الفهم، كيف؟ بأي شيء نضرب الأمثلة؟ بالزواج مثلًا: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ (النور: ٣٢) حين أريد أن أنزل هذا الأمر منزلة التنفيذ، من أختار؟ أين هو في القرآن الكريم؟ كيف علاقتي بها أثناء الخطبة؟ كيف بعد العقد؟ قبل الدخول؟ كيف كيف كيف؟ تفصيلات كثيرة جدًّا أوكلها القرآن الكريم إلى السنة المطهرة.
المنازعة في هذا أُصرّ على أنها منازعة في البدهيات، لا يستقيم معها أي شيء في فكر الإنسان، وبالتالي تكون النقاشات مضيعةً للوقت وللجهد، وإنما المقصود أن الكتاب الكريم -أي: القرآن- وضع القواعد العامةَ للحلال والحرام، وما إلى ذلك، ثم ترك تفصيلات كل ذلك للسنة المطهرة، وهذا وارد في قوله ﵎: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فقاعدة اتباع الرسول ﷺ أو وجوب اتباعه والتحاكم إلى سنته، هي من القواعد العامة أيضًا التي فصلها القرآن الكريم ودعا إليها، وأوجب طاعة النبي ﷺ كما ذكرت الآيات الكريمة في هذا الصدد.
﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: ٦٤) وضع القواعد العامة التي تنظّم الاختلافَ، والكتاب هدًى وهو رحمة، من استمسك به فقد هُدِيَ، وقد كتبت له الرحمة في الدنيا وفي الآخرة، كل ذلك حق، لكن الأحكام الشرعية بتفصيلاتها ليست مذكورةً في القرآن الكريم، والواقع يؤكد هذه الحقيقة: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. إذًا هذا التبيان يحتاج إلى السنة، بل هو موكول إلى السنة، ولذلك قال الأوزاعي ﵀، وهو أحد كبار علماء هذه الأمة- وقد ذكر ذلك ابن كثير في أثناء تفسير هذه الآية قال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾
стр. 142
أي: بالسنة، يعني: بيّنا لك بالسنة؛ لأن السنة هي التي تكفلت ببيان معظم الأحكام الشرعية، وتفصيلاتها، إما استقلالًا -أي: بدءًا- من غير أن يسبق لها ذِكر في القرآن الكريم، وإما قد يُذكر أصلها في القرآن الكريم، لكن السنة هي التي تتولى التفصيلات.
ابن مسعود يقول: "بُين لنا في هذا القرآن كل علم وكل شيء". وقال مجاهد: كل حلال وكل حرام، فهل معنى هذا أنهم فهموا كل التفصيلات؟ لا، ولذلك قد يستند البعض، وأيضًا ذَكر هذه الأقوال ابن كثير وهو يتعرض لهذه الآية، يعني قد يقول: إذا كنت قد ذكرت قول الأوزاعي: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: بالسنة، فلماذا لم تذكر قول ابن مسعود: "قد بُين لنا في هذا القرآن كل علم وكل شيء". وقال مجاهد: كل حرام وكل حلال، القرآن اشتمل على كل علم، سأقول في فَهم ابن مسعود ما فهمه هو ولم آتِ به من عند نفسي، وما سبق لنا ذكره، حين لعن عبد الله بن مسعود النامصات والمتنمصات، والواشمات والمستوشمات؛ أي: التي تُرقّق حاجبها وهي النامصة، والمتنمصة: أي التي تطلب والتي تفعل لنفسها أو لغيرها، والواشمات أي: اللواتي يضعن علامات على وجوههن؛ تجمُّلًا مثل المساحيق التي يضعونها في أيامنا هذه، هؤلاء واشمات، لُعنت الواشمة ولُعنت المستوشمة، التي تطلب والتي تفعل، سواء كان فعلها لنفسها أو لغيرها، يعني: لا تعتذر واحدة بأنها لم تفعل ذلك لنفسها وإنما فعلته لغيرها! فهي واقعة في الإثم أيضًا بنص الحديث. والمتفلجات للحسن: أي: اللواتي يبردن أسنانهن ويفرقن بينها؛ لتبدو في شكل جميل، هذا أمر يعرفه النساء فيما بينهن.
المهم لعن عبد الله بن مسعود الواشمة والمستوشمة، النامصة والمتنمصة والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، وامرأة من الأنصار قالت له في ذلك:
стр. 143
ماذا بك لكي تلعن ولكي تفرض أحكامًا فيها حلال وفيها حرام؟ قال: وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله ﷺ وهو موجود في كتاب الله". وقالت المرأة: والله لقد قرأتُ ما بين اللوحين أو ما بين الدفتين فلم أجد، وكأنها تبحث عن هذا النص: "لعن الله أو لعن رسول الله ﷺ الواشمات والمستوشمات" فلم تجدها في كتاب الله، فقال لها عبد الله بن مسعود: "والله لئن كنت قرأتيه فقد وجدتيه".
نُصِرّ على أن لا نفهم النصوص بعيدًا عن فَهم الصحابة، ويقولون لنا في لججهم ومجادلاتهم: إن هذا عودة بالأمة إلى الخلف. تعبيرات ما أنزل الله بها من سلطان. هؤلاء الصحابة هم حجة علينا في فهمهم؛ لأنهم هم الذين تلقوا عن الأستاذ الأول وهو رسول الله ﷺ وعرفوا الوحي وعرفوا اللغة وعرفوا مدلولاتها، وعاينوا الأحداث، وشاهدوا أسباب النزول، وكل ذلك يُعين على فهم النصوص الشرعية وتحديد المراد منها.
عبد الله بن مسعود الذي يقول: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يعني: فيه علم كل شيء، ومجاهد يقول: كل حلال وكل حرام، هل فهم عبد الله بن مسعود أن كل شيء مذكور في القرآن الكريم بتفصيلاته؟ لماذا قال للمرأة: "لئن قرأتيه فقد وجدتيه، ألم تقرأي قول الله ﵎: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ " (الحشر: ٧) في هذه الإجابة ماذا فعل عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه-؟ وضع هذا الحديث تحت قاعدته الكلية التي وردت في القرآن الكريم في قوله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) هذا يدخل تحته كل حديث قاله النبي ﷺ في كل ما أمر به وفي كل ما نهى عنه.
إذن مثل هذا هو المراد بتبيان القرآن: القواعد العامة، وضع القرآن الكريم القاعدة في أنه لا بد من طاعة الرسول، ليس في آية الحشر فحسب، بل في كثير من الآيات التي تكلمنا عنها سابقًا، إذًا أصبحت هناك قاعدة كلية قرآنية، وهي
стр. 144
وجوب طاعة الرسول ﷺ وتحت هذه القاعدة الكلية أقول مثلًا: ((لعن الله آكل الربا، وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء)) حديث رواه الإمام مسلم في تحريم الربا، أين هو في القرآن الكريم؟ بالإضافة إلى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٥) إنما لعن رسول الله ﷺ أو لعن الله، هذه تندرج تحت قاعدة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وتحت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
إذن هذا فهم الصحابة؛ أن القرآن بين القواعد الكلية العامة التي جاءت السنة وبينت كثيرًا من تفصيلاتها ومن جزئياتها، وشرّعت أيضًا كما يشرّع القرآن الكريم، واستقام الفهم الإسلامي طوال عصوره وإلى يوم أن يرث الله الأرضَ ومن عليها على هذا الأمر؛ القرآن يضع القواعد العامةَ ورسولُ الله ﷺ هو أعلم الأمة بمراد ربه، وهو الذي يفسّر القرآن الكريم، ويوضّح مراد الله من القرآن الكريم، وعلى الأمة أن تسمع له وأن تطيع.
وإذا بحثتَ عن الأدلة في وجوب طاعة النبي ﷺ ستجدها في آيات كثيرةٍ من القرآن الكريم، وبذلك تكون طاعة النبي ﷺ هي من بين ما لم يفرط الله ﵎ فيه في قوله ﵎: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وهي في نفس الوقت أيضًا تندرج تحت: تبيان القرآن لكل شيء، فقد بين القرآن الكريم طاعة رسول الله ﷺ .
أيضًا، هناك آياتٌ كثيرة تبين هذه الحقائق، وهي أن لا بد من هذا الفَهم، وإلا تناقضت النتائج التي يحاول منكرو السنة أن يصلوا إليها، مثلًا: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون﴾ ما علاقتها بقوله ﵎: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾؟ الآيتان تبينان أن النبي ﷺ هو الذي يبين:
стр. 145
﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ أنزل الله الكتاب لكي تبين أنتَ يا رسول الله لهم الذي اختلفوا فيه، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فمهمة البيان موكولةٌ إلى رسول الله ﷺ .
إذن، لو أننا لم نفهم الفهمَ الذي نشير إليه: أن القرآن وضع القواعد العامة وجاءت السنة وذكرت التفصيلات، واجتهاد العلماء يُنزل كل تفصيل تحت قاعدته العامة من خلال السنة المطهرة، لتصورنا أن القرآن الكريم يُناقض بعضُه بعضًا، ليست المشكلة مع السنة فحسب، بل هي أيضًا ستصبح مع القرآن الكريم، كيف ذلك؟ الآيات التي بينت أن النبي ﷺ هو الذي سيبين للناس ما نزل إليهم، كيف تتعامل معها في ضوء إصرارك على أن القرآن الكريم فقط هو الذي يبين كل شيء؟
كل الرافضين لحجية السنة لا بد أن يلتزموا بهذه النتيجة، وهي أن القرآن الكريم وضع القواعد العامة، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ إلى آخر ما ذكرناه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ بل إن الله ﵎ بين أن هذه مهمة الرسل جميعًا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (إبراهيم: ٤) كل رسول يبين لأمته ما نُزّل إليهم، ويوضح لهم مراد الله من الأحكام التي افترضها على عباده، ولولا بيان الرسول لكل أمة من الأمم، لَمَا استقامت أمة أبدًا على منهج الله؛ يعني: هذا فهمٌ لا بد أن يقول به كل عاقل رشيد، الرسل جاءت لتبين لأممها مراد الله من خلقه، وتبين لهم ما افترضه سبحانه عليهم؛ لكي يقوموا به وينفّذوه، والرسل يقدمون للأمم القدوةَ العملية والتطبيقَ الصحيح لما أراده الله من الأمم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (آل عمران: ١٨٧) يعني: حتى الذين أوتوا الكتاب سيبينون للناس ما نزل إليهم، وإذا كتموه فقد تعرّضوا لعقاب الله ﵎.
стр. 146
ولذلك كان من الضروري أن يكون كل رسول يتحدث بلسان قومه؛ حتى يستطيع أن يتفهم معهم في كل ما يريد أن يوضحه لهم، والذين أوتوا الكتاب أيضًا يبينونه للناس، وأخذ الله الميثاقَ عليهم من ذلك، ولذلك من كتم علمًا أعطاه الله إياه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة، حتى العلماء الذين هم غير الأنبياء عندهم علم وعندهم أفهام؛ لما ورد في كتاب الله ﵎ ومن سنة رسول الله ﷺ وهؤلاء العلماء مِنحة من الله ﵎ لأممهم، رزقهم الله أفهامًا وآتاهم الأدوات العلمية التي في ضوئها يستطيعون أن يفهموا كلام الله وأن يفهموا أحاديثَ النبي ﷺ وأن يقدموا هذا الفهم للأمة في ضوء قواعد اللغة العربية، وفي ضوء القواعد الشرعية، وفي ضوء قواعد كثيرة اصطلح العلماء على ضرورة وجودها فيمن يتصدى لفهم أدلة الشرع المأخوذة من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة.
فإذا كان كل الرسل يبينون لأقوامهم، وإذا كان أولو الكتاب أُخذ عليهم الميثاق ألا يكتموا علمًا علمهم الله إياهم، سواء كان أهل الكتاب من الأمم السابقة أو من أمة الإسلام الذين رزقهم الله أفهامًا في كتاب الله ﵎ وحُذر العلماء من أن يكتموا علمًا تعلموه أو نقلوه عن أسلافهم، وإلا ألجموا بلجام من نار يوم القيامة، أين هذه النصوص كلها من قول الله ﵎: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾؟ ما حاجتنا للعلماء إذا كان القرآن قد نزل الكتاب تبيانًا لكل شيء؟ وكيف نفهم هذه الآية: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾، ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون﴾؟
لكن ما العمل مع قوم البدهيات والمسلمات واضحة وقاطعة من خلال الأدلة، ومن خلال عمل الأمة كلها، ومن خلال فهم الأجيال الفاضلة، ومن خلال
стр. 147
فهم الجيل الذي تلقى عن النبي ﷺ وعايش الأحداث؟؟ لم ينقل عن أحد من الصحابة أبدًا أنه قال: القرآن يكفي، ولم ينقل عن واحد منهم أبدًا أنه بحث عن الحكم في القرآن الكريم فلما لم يجده، اقتصر على ذلك، وحتى إذا وجده في القرآن الكريم يبحث أيضًا عن الأدلة في السنة، ففيها مزيد من التوضيح والبيان والتفصيل والإضافات، وما إلى ذلك.
هذا أمر نضيع الوقت في إثباته، لكن على كل حال نرد على الآيات التي أوردوها وهم يتصورون أنهم بذلك يثيرون شبهًا أوقعوا أهل الإسلام في حيص بيص، وأقاموا عليهم الحجة، أبدًا الأمور أبين وأوضح من هذا، ولا تحتاج إلى كل هذا العناء الذي يجهدون أنفسهم فيه.
قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾
أيضًا، لأنهم يبحثون عن الشبهات بأي طريقة من الطرق، يأتون بآيات لا يَسلم لهم الاستدلال بها؛ فمثلًا حين يقولون: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام: ١٩) أي دليلٍ في هذه الآية على التمسك بالقرآن الكريم وحده؟ ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: ١٩) هل الآية قالت: لا إنذار إلا بالقرآن؟
إذا قلتَ ذلك، فماذا تفعل في قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (الأحزاب: ٤٥) النبي ﷺ نذير، ليس بالقرآن فقط وإنما بالسنة أيضًا: ((أنا النذير العريان)) الأحاديث الذي وردت فيها حين أمر بأن يصدع ويجهر بدعوته بعد الفترة الفردية أو السرية، ونزل قول الله ﵎: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِين﴾ (الحجر: ٩٤) ونزل قول الله
стр. 148
-﵎: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٤)، والحديث في الصحيحين: ((صعد على جبل الصفا، ونادى قبائل قريش كلها، ولما اجتمعوا: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا خلف هذا الوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبًا قط، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد))، آيات كثيرة والنبي ﷺ خطبهم وحذرهم وأنذرهم وبشّرهم، يعني: ((أفلا أبشر الناس؟)) ((من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة))، ((لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان أأبشر الناسَ يا رسول الله؟ يقول: إذن يتكلوا)).
أحاديث كثيرة جدًّا الذي بشر هو الرسول ﷺ والذي أنذر هو رسول الله ﷺ فأي دلالة في الآية على الاكتفاء بالقرآن الكريم وحده؟ إنهم يجمعون آيات يتصورون أنها تسعفهم فيما ذهبوا إليه من إنكار حجية السنة، وكأنهم وقعوا على ما لم تقع عليه الأمة من قبلهم.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ ... ﴾، ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون﴾ (العنكبوت: ٥١) ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِين﴾ (الأعراف: ١٧٠).
﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ يعني: التمسك بقوة، ومهما كان هناك من عقبات وما إلى ذلك، أي دلالة في الآية على الاقتصار على القرآن الكريم؟ نريد من الكل أن يتمسك بالكتاب وبالقرآن الكريم، وندعو المسلمين جميعًا إلى كل ذلك، بل ندعو الناس إلى هذا، ومن يتمسك بالقرآن الكريم ويطبّقه بالضرورة
стр. 149
سيطبق السنة؛ لأن آيات كثيرة أوردناها ونحن نتكلم عن حجية السنة وقلنا عنها: إنها قضية قرآنية.
الذين يمسكون بالكتاب سيمسكون بقوله ﵎: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (النساء: ٦٥) الذين ينذرون بالقرآن الكريم سينذرون الأمةَ إذا هم قصّروا في اتباع النبي ﷺ وسيكون قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ من بين الأدلة الدالة على ذلك.
يعني: آيات كثيرة -كما قلت- يجمعونها ويذكرونها، وكأنهم كما قلت: وقعوا على كنز، إنما والله هو من باب التعسف في الدليل، وإلا فلا دلالة أبدًا في الآيات عن أن المراد هو الاقتصار على القرآن الكريم.
من الممكن أن يُقال: يعني الآيات التي قد تشتبه عليهم في فهمها التي توقفنا معها طويلًا: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾، وبينا أنه اللوح المحفوظ في المقام الأول وأيضًا ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: ٨٩) ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ (الأنعام: ١١٤)، لا والله، لا أريدك أن تبتغي غير الله حكمًا أبدًا أخي المسلم في أي مكان في الدنيا ولا أريدك أن تعدل عن حكم الله في الضرورة اتباع سنة النبي ﷺ .
يا من تنكر حجية السنة أنت ابتغيت حكمًا غير حكم الله، ابتدعت حكمًا من عند نفسك وأقنعت به نفسك، وإلا فأين أنت من كل الآيات الدالة على وجوب طاعة النبي ﷺ ، ماذا ستفعل بها؟ ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ هل أنت احتكمت إلى ربك وإلى كلامه في القرآن الكريم حين قلت: إن السنة ليست حجة؟ حين أنكرت هذا الكم الهائل من
стр. 150
الآيات التي بينت منزلة السنة وضرورة اتباعها؟ نريدك أن تبتغي حكم الله وحده، وأن تنزل على حكم الله وحده وألا تحتكم إلى منهج سواه، هذا ما نريده منك ومن كل مسلم: التمسك بالقرآن الكريم.
قوله تعالى: ﴿ ... إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾
هناك آيات أخرى أيضًا حاولوا أن يستدلوا منها أدلة على ابتعادهم عن السنة أو عدم حجيتها، من ذلك مثلًا قول الله ﵎: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَب إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (الفرقان: ٣٠).
وهذا عجيب في فهمهم، إنه فهم لم يقل به أحد من الأمة، هل الذين يتمسكون بالسنة اتخذوا هذا القرآن مهجورًا، أم الذين ابتعدوا عن السنة هم الذين هجروا القرآن؟
الصواب واضح، الذين ابتعدوا عن السنة وحاولوا أن يسقطوا حجيتها هم الذين هجروا القرآن وهجروا أحكامه وهجروا آياته، كل الآيات التي دعت إلى اتباع السنة المطهرة قاطعة الدلالة في وجوب اتباع النبي ﷺ كيف تهجرونها؟ وكيف تقاطعونها؟ وكيف لا تقولون بها؟ ثم تزعمون أنكم تدافعون عن القرآن الكريم، وتدعون إلى التمسك به!! وتستدلون بهذه الآية التي هي عليكم وليست لكم؟
الذي يحث بل يُوجب طاعة النبي ﷺ : ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَب إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ الذي يقول: إن طاعة النبي ﷺ ليست واجبةً، وإن السنة ليست حجةً ولا يجب العمل بها، ماذا سيفعل مع قول الله ﵎:
стр. 151
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم﴾؟ وماذا سيفعل مع قوله ﵎: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ وغيرها من الآيات الكثيرة التي ذكرناها مرارًا؟ هم الذين اتخذوا القرآنَ مهجورًا، هم الذين جفوه وقاطعوه، وقطعوا أحكامه، وخالفوا نهجَه، عصوا الله وعصوا الرسول ﷺ ببعدهم عن هذه الآيات.
إذن، هذه الآية لا دلالة فيها أبدًا، هل الذي يطبق السنة يهجر القرآن، ما هذا الفهم؟ إنه فهم سقيم حقيقة، مخالف للآيات مخالف للقرآن مخالف للسنة، بل الذي -كما قلت- يعارض في حجية السنة هو الذي يهجر القرآن، ويقاطع القرآن، ولا يطبق القرآن، مهما زعم من صلته بالقرآن ومهما ادعى الغيرة على القرآن وعلى أحكامه.
قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾
أيضًا آية: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٥) نؤمن بالقرآن، ونعلم أنه حق وأنه من عند الله ﵎ وأنه نزل به الروح الأمين وسيدنا جبريل على قلب النبي ﷺ ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين، نعلم ذلك كله ونتيقنه، وندين الله تعالى به، ونعلم أننا أيضًا لا نؤمن بغير القرآن، إنما نستجيب للقرآن وللسنة؛ استجابةً لأوامر القرآن، السنة مع القرآن، السنة التي أوصى الله ﵎ بها في القرآن الكريم، هل آمنت بالقرآن حين أنكرت حجية السنة؟ نعم: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ ولا بأي حديث غيره يا رب، إنما حديث النبي ﷺ هو جزء من القرآن، هو الذي يبين القرآنَ، هو الذي يشرع مع القرآن، هو الذي أوجب الله ﵎ طاعته في القرآن الكريم في عشرات الآيات.
стр. 152
فالذين يُعاندون سنة النبي ﷺ ولا يؤمنون بحجيتها هم الذين عاندوا القرآن وجحدوه، وجحدوا أحكامه وجحدوا آياته، واتبعوا منهجًا غير منهجه، وسبيلًا غير سبيله، نعم: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ نؤمن بكتاب الله ﵎ نؤمن بسنة النبي ﷺ ، نؤمن بأنه الصادق المصدوق ﷺ الذي يخبر عن الله ﵎ والذي هو أعلم هذه الأمة بمراد الله ﵎ والذي أوكل الله ﵎ إليه بيانَ القرآن الكريم للناس أجمعين إلى يوم القيامة، ويواصل مهمته أهلُ العلم الذين هم ورثة الأنبياء على ما استقرت عليه أفهام الأمة من سلفها إلى خلفها، ومن قديمها إلى حديثها، وأيضًا أجمع الجميع ممن يعتد بإجماعهم على ذلك من أهل السنة والجماعة، الذين نحن منهم بإذن الله ﵎.
أيضًا آية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣) نعم لا دلالة في هذه الآية على البعد عن السنة، ولا أي شبهة لا من قريب ولا من بعيد، كل الأمة مجمعة على أننا نأخذ الإسلام من القرآن الكريم، ومن السنة المطهرة، وهما المصدران الرئيسان للإسلام، وأحكامه، وتشريعاته، وعقيدته، وعبادته، وأخلاقه ... إلى آخره، والأدلة الأخرى التي يلجأ إليها العلماء على نقاشٍ فيما بينهم من القياس ومن الإجماع، إنما كل ذلك مرده إلى الله ﵎ في القرآن الكريم، وإلى رسوله ﷺ في السنة المطهرة.
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الذي هو دين الإسلام: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ أتم الإسلام وكمل الإسلام، وتم تشريع الله، وكمل شرع الله الحنيف: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، الحمد لله، ونحن رضينا بالله ﵎-
стр. 153
ربًّا وبالإسلام دينًا وبسيدنا محمد ﷺ نبيًّا ورسولًا، ونعلم أن الإسلام إنما يؤخذ من القرآن الكريم ويؤخذ من سنة النبي ﷺ .
والذين يجافون سنة النبي ﷺ هم على جفوة مع القرآن الكريم، هم على جفوة مع رسول الله ﷺ بل أين رضاهم بالنبي ﷺ وما علامة رضاهم بالنبي ﷺ ؟! الذي أمرنا أن يكون هذا من الأذكار اليومية، وأن نعلنه صباحًا مساءً: "رضيت بالله ﵎ ربًّا وبالإسلام دينًا، وبسيدنا محمد ﷺ نبيًّا ورسولًا". لم يرضَ الإسلام دينًا مَن جحد السنةَ، بل لم يرض الله ربًّا؛ لأنه خالف أمره في عدم اتباع نبيه ﷺ ولم يرضَ رسول الله ﷺ حتى يقر برسالته، لكن المنافقون زعموا أنهم قالوا: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه﴾ (المنافقون: ١) والله سجّل عليهم الكذبَ.
معاندة السنة قد تصل بالإنسان إلى ما هو أسوأ من النفاق -والعياذ بالله ﵎ ولا دليلَ على الرضا بالنبي ﷺ إلا أن نصدق بأنه النبي الصادق المصدوق الذي أمرنا الله ﵎ باتباعه، وهو صادق في كل ما بلغه عن الله وصادق في كل قول يقوله: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٣، ٤).
هذا ما ندين الله ﵎ به، ونعلم أن الإسلام هو القرآن، وهو السنة المطهرة، والدليل المأخوذ منهما هو الدليل الشرعي الذي تسير عليه الأمةُ في كل أحكامها الشرعية.
وهذه معظم الآيات التي يستند إليها المعاندون للسنة، ويتصورون أنهم بذلك قد أتوا بأدلةٍ تحث على اتباع القرآن الكريم وحدَه، وقد رددنا عليها بما وفّق الله ﵎ به أقول: إننا نتناقش في البدهيات، آيات القرآن الكريم واضحة الدلالة في اتباع النبي ﷺ بل في وجوب اتباعه، بل في تعليق الإيمان على ذلك، كما ذكرنا مرارًا.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 154
الدرس: ١٠ دفع الشبهات المثارة حول حجية السنة (٣) .
стр. 155
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس العاشر
(دفع الشبهات المثارة حول حُجية السنة (٣))
شبهة: أن الله سبحانه تكفّل بحفظ القرآن ولم يتكفَّل بحفظ السنة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ ثم أما بعد:
فنرد أيضًا على بعض الشبه التي أثارها المشككون في حجية السنة، رددنا على فهمهم لكثير من الآيات التي حاولوا أن يستدلوا بها على غير بابها، وبينا أن فهمهم مخالف لفهم الأمة بأجمعها من سلفها وخلفها وقديمها وحديثها.
نواصل -بعون من الله ﵎ وتوفيقه- الرد على زعمهم بأن السنة المطهرة لم تحفظ، وهي شبهة أثاروها أيضًا، محاولين أن يستدلوا بها على ابتعادهم عن السنة وعدم تمسكهم بها، وعدم اعترافهم بحجيتها.
يقولون: إن القرآن الكريم قد حُفظ، وهذا الحفظ قد سجله الله ﵎ في القرآن الكريم في قوله ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون﴾ (الحجر: ٩) وإن هذه الآية تدل على أن القرآن وحده هو الذي حُفظ، ويستدلون أيضًا بأن السنة تعرضت لمشاكلَ كثيرة من وضّاعين، ومن من حاولوا أن يضيفوا إليها، وأن يحذفوا منها وأن يسقطوا الاحتجاج بها ... إلى آخر ما يحاولون إثارته من شبه؛ ليستدلوا بها على أن السنة النبوية لم تُحفظ، وما دامت لم تحفظ فهي يتطرق إليها الشك والاحتمالُ، ومن ثم لا تكون لها حجية في الشرع، ولا نستطيع أن نحتكم إليها.
هذا هو هدفهم الذي يحاولون أن يصلوا إليه، وأن يحاولوا أيضًا إثباته من خلال الأدلة.
الرد من مجموعة من الجوانب:
أولًا: اتفقنا من خلال الأدلة من القرآن الكريم: على أن السنة تبين القرآن الكريم، وبداهةً لا يُمكن حفظ المُبيّن -وهو القرآن الكريم- بدون حفظ المبيّن -وهو
стр. 156
السنة المطهرة- وإلا لما كان هناك معنى؛ لأن السنة غير المحفوظة -على زعمهم- تُبيّن نصًّا محفوظًا اعترفوا هم بحفظه فقط دون السنة المطهرة، ما قيمة حفظ المبيَّن إذا لم يحفظ المبيِّن الذي بينه؟! اللهم إلا إذا نازعوا في أن السنة تبين القرآن الكريم، وحينئذٍ يتصادمون مع القرآن نفسه كما أوردنا قبل ذلك.
على أن الذكر في آية الحجر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون﴾ كثيرٌ من العلماء قال: بأن المراد به القرآن والسنة، المراد به رسالة الإسلام، وقالوا: إن الآيات التي وردت تبين هذا، ويقصدون سياق الآيات التي تكلمت عن الكافرين، وأنهم يستهزئون بالقرآن الكريم: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُون * وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ * وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ * إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٣: ٩) هؤلاء السفهاء من الكفار يستهزئون برسول الله ﷺ ويتهمونه بالجنون، وما دام مجنونًا فإن الذي أتى به -سواء من القرآن أو من السنة- لا يمكن أن يكون محفوظًا، ولا له قيمة؛ لأنه صدر عن شخص مجنون، فدافع الله عن نبيه ﷺ بقوله- : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
فسياق الآيات يُشعر بأن الذكر المراد في الآية إنما هو القرآن والسنة؛ أي: كل الذي نطق به رسول الله ﷺ وجاء به من عند الله ﵎ ردًّا على هؤلاء الكافرين المستهزئين الذين سخروا من رسول الله ﷺ واتهموه بالجنون -قاتلهم الله وانتقم منهم بقوته .
وهذا الفَهم كثير من العلماء قاله، وقالوا: إن المراد أيضًا بـ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ الضمير في "له" يعود على رسول الله ﷺ أي: نزلنا الذكر
стр. 157
وحفظنا رسول الله ﷺ وحفظ رسول الله ﷺ يَستلزم بالضرورة حفظ سنته، حفظ ما قاله، يعني: كيف يحفظ هو في ذاته فقط من الاتهامات؟ إنما أيضًا يحفظ من الاتهامات الظالمة؛ من اتهامه بالجنون، من أن ما جاء به ليس من عند الله، بأنه لا ينطق عن الحق ... إلى آخر ما اتهموه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ حفظ للقرآن الكريم، وحفظ لسنة النبي ﷺ .
ابن جرير -رحمه الله تعالى- في تفسيره قال: الضمير في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ يعود على محمد ﷺ وإنا لمحمد حافظون ممن أراده بسوء من أعدائه، هذا رأي أورده بعد أن بيّن أيضًا أن: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أي: يعود على القرآن الكريم أيضًا في المقام الأول، ونزيد نحن في استدلال ابن جرير نقول: حفظ النبي ﷺ يقتضي حفظ سنته، هذا من البدهيات، وإلا فلا معنى لحفظ النبي ﷺ مع عدم حفظ سنته؛ لأن الباب للتشنيع عليه ولاتهامه وللسخرية منه سيظل مفتوحًا ما لم تُحفظ سنته بحفظ الله ﵎. أيضًا هذا الرأي -أي: الضمير في عودته على رسول الله ﷺ قاله الألوسي -رحمه الله تعالى- ونسبه إلى الفراء، وقال -النقل عن الفراء-: وإنا للنبي الذي أنزل عليه الذكر لحافظون من مكر المستهزئين، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: ٦٧) يقول الألوسي: والمعول عليه الأول -أي: الرأي الأول- في أن المراد به القرآن، وابن كثير أيضًا ذكر هذا الرأي في تفسيره.
يقول -رحمه الله تعالى-: ومنهم من أعاد الضمير في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ على النبي ﷺ كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ والمعنى الأول أولى؛ أي: المعنى الأول أن المراد به القرآن وهو المناسب للسياق.
انتهى كلام ابن كثير.
стр. 158
وذكره الزمخشري -رحمه الله تعالى- في (الكشاف) عند تفسيره لهذه الآية، رأيًا ثانيًا، لكنه لم يستبعده كما استبعده ابن كثير وكما استبعده الألوسي، وفي تفسير أبي السعود -رحمه الله تعالى- المسمى بـ (إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم) ذكره أيضًا ولم يستبعده، وذكره الفخر الرازي -رحمه الله تعالى- في تفسيره الموسوم بـ (التفسير الكبير ومفاتح الغيب)، ونسَبَه إلى الفرّاء وقال: زاد أيضًا، وقوّى ابن الأنباري هذا القول؛ يعني: ابن الأنباري قوى القول بأن مرجع الضمير يعود أيضًا إلى النبي ﷺ واعتبره رأيًا قويًّا، ونقل الفخر ﵀ في تفسيره قول ابن الأنباري هذا.
إذن نحن أمام جملة من العلماء، وإن كان بعضهم قد استبعد إلا أنهم ذكروه رأيًا من بين الآراء في الآية، يعني: هذه الأقوال من قديم ليست من واردة اليوم وليست من فهمنا نحن؛ حتى يتهمنا البعض بأننا ندافع عن السنة بتعسف، هي أقوال قديمة موجودة: أن المراد بالحفظ أيضًا للقرآن وللنبي ﷺ وكما قلنا: من المعلوم بداهة أن حفظ النبي ﷺ يستلزم حفظ سنته، وإلا فإن الباب لم يغلق أمام سخرية الساخرين ومعاندة المعاندين، وجحود الجاحدين إذا بقيت السنة من غير حفظ على زعمهم.
وعلى فرض أن المراد بالذكر في الآية -كما قلنا- هو القرآن الكريم فقط؛ فإننا نؤكد أن حفظ القرآن بالضرورة يستلزم حفظ السنة، وأنه لا معنى لحفظ السنة بدون حفظ القرآن الكريم، وهذا أمرٌ من البداهة بوضوح؛ بحيث لا نقف عنده كثيرًا.
على أنه أيضًا توجد أدلة أخرى من القرآن الكريم في حفظ السنة، من ذلك: قوله ﵎ في سورة القيامة عن القرآن الكريم: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِه * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: ١٦ - ١٩) قد يقال: إن آية الحجر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
стр. 159
دلالتها ليست إلا عن طريق اللزوم والتتبع؛ يعني: يلزم من حفظ القرآن حفظ السنة، والسنة تتبع القرآن، فكما حُفظ القرآن تُحفظ السنة، وهذا الدليل قد يعترض عليه البعض، إلا أن آيات سورة القيامة التي قرأناها نصّ صريح في حفظ الله ﵎ للسنة بطريق الأصالة والاستقلال، وليس عن طريق اللزوم أو الدلالة الالتزامية.
دلالة الآيات على ذلك من وجوه:
أن بيان القرآن الكريم على الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ الله تكفل ببيان القرآن كيف؟ أوكل إلى نبيه ﷺ هذه المهمة، كما في سورة النحل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: ٤٤) يترتب على ذلك أن الله ﵎ أوحى ببيانِ القرآن الكريم للنبي ﷺ كما أوحى له بالقرآن الكريم ذاته، الله قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ يعني: نحن الذين سنبين القرآن الكريم ثم في سورة النحل في أكثر من آية أوكل الله مهمة بيان القرآن للنبي ﷺ .
إذن، كما أوحى الله ﵎ بالقرآن للنبي ﷺ أوحى أيضًا ببيان القرآن للنبي ﷺ وهي السنة المطهرة، وكون السنة المطهرة وحيًّا من عند الله ﵎ هذا أمر ثابت بالأدلة، يترتب على أن الله أوحى بالسنة كما أوحى بالقرآن للنبي ﷺ على أن هناك وحيًّا متلوًّا وهو القرآن الكريم، ووحيًّا غير متلو وهو السنة المطهرة، وما دامت السنة وحيًّا من عند الله ﵎ وهي بيان للقرآن الكريم، فإن الله قد حفظ القرآن الكريم وحفظ بيانه، حفظ القرآن الكريم وحفظ السنة، وإلا كيف نفرق بينهما مع أن كليهما وحي من عند الله ﵎ ومع أن الله هو الذي تكفل ببيان القرآن على لسان نبيه ﷺ !!
стр. 160
هل يُنكر أحدٌ يفهم الأدلة الواضحة أمامه في أن الله ﵎ قد أنزل الذكر، وأنزل بيانه بالسنة المطهرة، مع افتراض أن الذكر هو القرآن الكريم فقط على حدّ ما زعموا، قد يشغب مشاغب ويقول: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أي: الله وحده هو الذي يُبين القرآن الكريم، وليس النبي ﷺ وليس الأمة من علمائها الوارثين للنبوة، بدليل قوله ﵎: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾.
الرد على هذا الإشكال أو هذه المشاغبة من وجهين:
أولًا: تعارض ذلك مع القرآن الكريم: في أن الله تعالى أوكل لنبيه ﷺ مهمة ما في القرآن الكريم، أنت إذا قلت: إن الله ﵎ وحده هو الذي بين القرآن الكريم ولم يبينه النبي ﷺ ولم يبينه علماء الأمة فقد تعارضت مع القرآن الكريم على الأقل فيما يتصل بالنبي ﷺ القرآن الكريم الواضح القاطع الصريح في أن الله ﵎ كلّف نبيّه مهمة بيان القرآن الكريم كما في قوله ﵎: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، أيضًا يتعارض هذا مع قوله ﵎: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ من الذي جمعه؟ لو قلت: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: ١٩) تفيد بأن الله وحده هو الذي بيّنه وليست السنة، الآية التي قبلها: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ أي: وقراءته، من الذي جمع القرآن الكريم؟ المسلمون جمعوه جمعين: في عهد أبي بكر الصديق ﵁ الجمع الأول، وفي عهد عثمان -رضي الله تعالى عنه- جمعه الجمع الثاني، في مصحف عثمان، ومعروف القصة للجميع، وهذه مسائل تدرس في علوم القرآن.
إذن، الأمة هي التي جمعت القرآن، والنبي ﷺ هو الذي بين القرآن الكريم للأمة من خلال السنة المطهرة.
стр. 161
إذن، لو قلت بأن علينا بيانه مقصود بها الله تعارضت مع القرآن الكريم من زاويتين:
الزاوية الأولى: آية النحل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وأيضًا في سورة القيامة: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَه﴾ قبلها قال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ والله لم يجمع القرآن؛ بمعنى أنه لم يجمعه الجمع المعروف أنه جمع الآيات ... ، الوحي كان ينزل بها إلى كذا، لكن لم يوجد بيننا كتاب يقول: هذا جمع الله ﵎ للقرآن الكريم، إنما كان يوحى به إلى النبي ﷺ والنبي ﷺ هو الذي يبلغ الأمة بترتيب الآيات وترتيب السور، ثم إن الكل يعلم أن الخليفة الأول ﵁ هو الذي جمع القرآن كله، ثم جاء الخليفة الثالث ﵃ أجمعين- وجمع الأمة على مصحف عثمان الذي نعرفه جميعًا.
إذن، من يشاغب في هذا فإنه لا يشاغب معنا إنما يعاند القرآن الكريم، فهذا يتصادم مع القرآن الكريم، وكما حفظت الأمة القرآن الكريم فهي أيضًا حفظت السنة المطهرة بوسائل متعددة وبجهد جبار في ذلك يُدرّس في مواد خاصة في مادة مثلًا تاريخ السنة أو مناهج العلماء، نتتبع فيه جهد الأمة في صيانة السنة المطهرة.
إذن، وضح من خلال آيات القيامة أنها تحتوي على الدليل القاطع الأكيد في حفظ الله ﵎ للسنة المطهّرة.
وأشرنا إلى أن السنة وحيٌ من عند الله رب العالمين، هذا ثابت بالقرآن والسنة، في قوله ﵎: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ (النجم: ١: ٥) ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ﷺ ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: كل ما ينطق به: ﴿إِلَّا وَحْيٌ﴾ هذا أسلوب قصر عن طريق النفي والاستثناء، يثبت أن النبي ﷺ لا ينطق إلا بوحي من الله ﵎ سواء كان من القرآن الكريم أو من السنة
стр. 162
المطهرة، وإن حاول البعض أن يجعل الضمير في قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ﴾ أي: القرآن، فهذا تضييق: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ستقصرها على القرآن أيضًا، هو نطق بالقرآن وبغيره، نطق بالسنة المطهرة، فكيف تجعل الضمير يعود على بعض المنطوق ويترك البعض الآخر؟ حتمي هنا أن نقول: ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: القرآن والسنة؛ أي: أن النبي ﷺ لا ينطق في أي شيء ينطق به إلا بالقرآن الكريم والسنة المطهرة أي: بوحي من الله ﵎.
وأيضًا في آيات كثيرة في سور متعددة في البقرة وآل عمران والأحزاب، والجمعة: يمن الله علينا بأنه: ﴿بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (الجمعة: ٢)، هذه الآيات التي ورد فيها ذكر القرآن والحكمة: يتلى عليكم الكتاب والحكمة تقتضي هذه الآيات أن الحكمة غير القرآن، بدليل المغايرة، ويعلمهم الكتاب والحكمةَ، لا بد أن تكون الحكمة غير القرآن؛ لأنه من البدهيات المعروفة عند النحويين أنه لا يجوز عطف الشيء على نفسه، بل إن العطف يقتضي أن المعطوف غير المعطوف عليه، إذن الحكمة غير الكتاب.
الآيات الأخرى من البقرة وآل عمران والأحزاب والجمعة بينت أن الحكمة غير الكتاب بدليل العطف الذي يقتضي المغايرة، ثم جاءت آية النساء لتبين أن القرآن والحكمة كليهما نازلٌ من عند الله ﵎: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ بقي أن نقول: إن الحكمة هي السنة؛ لأن النبي ﷺ لم يأتنا بغير القرآن والسنة، فلزم حتمًا أن تفسّر الحكمة بالسنة، ولذلك يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في (الرسالة): فسمعت من أرضى من أهل العلم يقول: إن الحكمة هي السنة.
стр. 163
ومن السنة المطهرة أيضًا أحاديث كثيرة، تبين أن النبي ﷺ لا ينطق إلا بوحي، وأوضح شيء في هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد بسند صحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما- حين كان يكتب كل شيء يسمعه من النبي ﷺ فنهته قريشٌ عن ذلك، فرفع الأمر للنبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : ((اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق)) يقسم النبي ﷺ على أنه لم يخرج منه إلا حق؛ أي: إلا وحي من عند الله ﵎-حق وصدق نزل به الوحي على رسول الله ﷺ : ((ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه)) المثل الذي أوتيه مع الكتاب هو السنة التي بينت القرآن الكريم.
كل هذه بإيجاز أدلة على أن السنة وحي، وما دامت وحيًّا وما دامت هي مبينة للقرآن الكريم فإذن لا بد أن تحفظ كما حفظ القرآن الكريم، ولذلك قلنا عن آيات سورة القيامة: إنها تدل دلالة قاطعة وصريحة في غير لبس على أن السنة محفوظة بحفظ الله ﵎.
أدلة ابن حزم وابن القيم وغيرهما على حفظ الله سبحانه للسنة
الإمام ابن حزم ﵀ ﵎ في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام) يضيف دليلًا قويًّا وعظيمًا، يقول -رحمه الله تعالى-: لمّا بينا أن القرآن هو الأصل المرجوعُ إليه في الشرائع، نظرنا فيه فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما أمرنا به رسول الله ﷺ ووجدناه يقول فيه واصفًا لرسوله ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ فصحّ لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله إلى رسوله ﷺ على قسمين؛ أحدهما: وحيٌ متلو مؤلف تأليفًا معجز النظام وهو القرآن، والثاني: وحي مروي منقول غير مؤلّف ولا معجز النظام ولا متلو لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله ﷺ وهو المبيّن عن الله مراده منّا.
стр. 164
قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ووجدناه تعالى قد أوجب طاعة هذا الثاني -يقصد السنة- كما أوجب طاعة القسم الأول الذي هو القرآن، ولا فرق، فقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (المائدة: ٩٢) فكانت الأخبار التي ذكرنا أحد الأصول الثلاثة التي ألزمنا طاعتها في الآية الجامعة لجميع الشرائع؛ أولها عن آخرها، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ (النساء: ٥٩) فهذا أصلٌ وهو القرآن، ثم قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ فهذا ثان وهو الخبر عن رسول الله ﷺ ثم قال تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فهذا ثالث وهو الإجماع المنقول إلى رسول الله ﷺ وصحّ لنا بنصّ القرآن أن الأخبار -أي: الأحاديث- هي أحد الأصلين المرجوع إليهما عند التنازع، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (النساء: ٥٩).
والبرهان على أن المراد بهذا الرد إنما هو إلى القرآن وإلى الخبر عن رسول الله ﷺ لأن الأمة مجمِعة على أن هذا الخطاب متوجّه إلينا، وإلى كل من يُخلق ويُركب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجِنة والناس، كتوجهه إلى من كان على عهده ﷺ وكل من أتى بعده ﵇ وقبلنا ولا فرقَ؛ يعني: الأمة كلها من أول النبي ﵊ بعد الصحابة إلى يوم القيامة مخاطبة بهذه الأصول، عند التنازع رد الأمر إلى القرآن الكريم وإلى السنة المطهرة وإلى أولي الأمر، وقد علمنا علم ضرورة أنه لا سبيلَ لنا إلى رسول الله ﷺ يعني: كيف سنرد الأمر إلى النبي ﷺ بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى؟ هذا معنى كلامه، لا بد أن يكون الأمر إلى سنته.
يقول: وحتى لو شغب مشغب بأن هذا الخطاب إنما هو متوجه إلى من يمكنه لقاء رسول ﷺ لما أمكنه هذا الشغب في الله إذ لا سبيل لأحد إلى مكالمته تعالى،
стр. 165
فبطَلَ هذا الظن، وصح أن المراد بالرد المذكور في الآية التي نصصنا، إنما هو إلى كلام الله تعالى وهو القرآن الكريم، وإلى كلام نبيه ﷺ المنقول على مرور الدهر إلينا جيلًا بعد جيل، يعني: الرد في الآية: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ يستلزم بالضرورة الرد إلى القرآن وإلى السنة، لو شغب مشاغب وقال: الرد إلى رسول الله ﷺ وهو حي، أي: فردوه إلى الرسول، فهل يمكنه أن يشاغب على هذا القول في الرد لله تعالى؟ يعني: فإذا فهمت هذا الفهم، فكيف تفهم الرد إلى الله ﵎؟ هل يمكن لأحد منا أن يكلم الله تعالى ويسأله عن شيء؟ مستحيل، فإذن لزم بالضرورة الواضحة الجلية أن الرد إنما يكون إلى كتاب الله ﵎ وإلى سنة النبي ﷺ .
ثم يواصل كلامه -رحمه الله تعالى- ويقول:
وأيضًا آية النساء المذكورة: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ذكر للقاء، ولا مشافهة أصلًا، ولا دليل عليه وإنما فيه الأمر بالرد فقط، ومعلوم بالضرورة أن هذا الرد إنما هو تحكيم، وأوامر الله تعالى وأوامر رسوله ﷺ موجودة عندنا، منقول كل ذلك إلينا، فهي التي جاء نص الآية بالرد إليها دون تكلف تأويل ولا مخالفة ظاهر.
ثم يواصل كلامه ويقول:
والقرآن والخبر الصحيح بعضهما مضافٌ إلى بعض، وهما شيء واحد في أنهما من عند الله تعالى، وحكمهما حكمٌ واحد في باب وجوب الطاعة لهما؛ لما قدمناه آنفًا في صَدْر هذا الباب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (الأنفال: ٢٠، ٢١) فبين الله تعالى بهذه الآية أنه لم يرد منا الإقرارَ بالطاعة
стр. 166
لرسول الله ﷺ بلا عملٍ بأوامره واجتناب نواهيه، وهذه صفة المقلّدين؛ فإنهم يقولون: طاعة رسول الله ﷺ واجبة، فإذا أتاهم أمر من أوامره يقرون بصحته، لم يصعب عليهم التولي عنه وهم يسمعون -نعوذ بالله من ذلك- وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ (الأنبياء: ٤٥) فأخبر تعالى -كما قدمنا- أن كلام النبي ﷺ وحيٌ، والوحي ذكرٌ بلا خوف، يعني: من غير أن نخاف نقول: والوحي بلا خوف الذكر، والذكر محفوظ بنص القرآن الكريم، فحين يقول الله ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فبالضرورة الذكر هنا يشمل القرآن والسنة؛ لأن كليهما وحي من عند الله ﵎ والذكر -الذي هو القرآن والسنة- محفوظ بنص الله تعالى.
بعد هذه المقدمات الطويلة؛ من أننا أمرنا من أن نطبق القرآن والسنة، وأن نرد التنازع إلى الله وإلى الرسول ﷺ وأن هذا الرد لا يمكن إلا من خلال اللقاء والمشافهة، الآية لم تشترط ذلك، ويصعب بل يستحيل مخاطبة الله ومن المعلوم أيضًا من المقدمات التي ذكرها أن الأمة كلها إلى يوم القيامة مطالبة برد الأمر إلى النبي ﷺ مع القرآن الكريم، هل نقول: إن هذه الآية المخاطب بها الصحابة فقط؟ وحتى لو قلنا هذا، هل الأمة لا تجب عليها العمل بالآية؟ وحتى لو قلت ذلك، هل يمكن مخاطبة الله ﵎؟
إذن، كل هذه المقدمات تؤكد حتمًا أن الرد إنما هو إلى القرآن الكريم وإلى السنة المطهرة، وكلاهما وحيٌ من عند الله ﵎ والوحي ينذر به النبي ﷺ كما قال القرآن: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾.
بعد هذه المقدمات يخلص ابن حزم -رحمه الله تعالى- إلى هذه النتيجة التي سقنا
стр. 167
هذا الكلام من أجلها يقول: فصح بذلك أن كلامه ﷺ كله محفوظ بحفظ الله مضمون لنا أنه لا يضيع منه شيء؛ إذ ما حفظ الله تعالى فهو باليقين لا سبيل إلى أن يضيع منه شيء، فهو منقول إلينا كله، فلله الحجة علينا أبدًا، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (الشورى: ١٠)، فوجدنا الله تعالى يردنا إلى كلام النبي ﷺ على ما قدمنا آنفًا، فلم يسع مسلمًا يقر بالتوحيد أن يرجع عند التنازع إلى غير القرآن والخبر عن رسول الله ﷺ ولا أن يأتي عما وجد فيهما -أي: أن يبتعد ولعلها خطأ مطبعي- أو أن يبتعد عما وجد فيهما، فإن فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه فهو فاسق، وأما من فعله -أي: ابتعد عن القرآن والسنة- مستحلًّا للخروج عن أمرهما وموجبًا لطاعة أحد دونهما؛ فهو كافر لا شك عندنا في ذلك.
على كل حال، مهما يكن الحكم فالمراد من نقل كلام ابن حزم بكل هذه المقدمات التي أشار إليها وهي واضحة جلية: أن السنة النبوية محفوظة بحفظ الله ﵎ وقد أقام الله الحجة علينا بحفظ القرآن والسنة، فلله الحجة علينا أبدًا، ومن ثم لا يسع مسلمًا أبدًا يقر بالتوحيد أن يرجع عند التنازع إلى غير الله ﵎ وإلى غير الحديث عن رسول الله ﷺ ومن فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه فهو فاسق إن لم يستحل ذلك، وأما من فعله مستحلًّا فهو كافر لمصادمته للقرآن الكريم.
هذا كلام ابن حزم ﵀ ﵎ عن حفظ السنة، وأن هذا أمر واضح وجلي ولا ينازع في ذلك منازع، ثم أردفه بالحكم على مَن يعاند في ذلك إما جحودًا وإما استبعادًا.
الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- يضيف أيضًا أدلةً من كلام الله ﵎-
стр. 168
في القرآن الكريم على تكفله ﷻ بحفظ السنة، وذلك في مثل قوله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (آل عمران: ٨٥)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ يقول ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى-: فنقول لمن جوّز أن يكون ما أمر الله به نبيه ﷺ من بيان شرائع الإسلام غير محفوظ، وأنه يجوز فيه التبديل، وأن يختلط بالكذب الموضوع اختلاطًا لا يتميز أبدًا: أخبرونا عن إكمال الله تعالى لنا لديننا، ورضاه الإسلام لنا ديننا، ومنعه من قبول كل دين سوى الإسلام؟ أكل ذلك باقٍ علينا ولنا إلى يوم القيامة؟ أم أن ذلك كان للصحابة فقط أو لا للصحابة ولا لنا؟ هذه آيات تبين أن الله اختار لنا الإسلام دينًا، ويمنُّ علينا بنعمة كماله وتمامه -جل في علاه- وأنه ﷺ أوكل إلى نبيه ﷺ مهمة بيان الإسلام.
فهل ما بين به النبي ﷺ من شرائع الإسلام غير محفوظ؟ وهل يجوز فيه التغيير والتبديل؟ وهل يجوز أن يختلط بالكذب الموضوع اختلاطًا لا يتميز أبدًا؟ كيف نقول بذلك؟! وكيف نفهم أن الله أكمل لنا ديننا ورضي الإسلام دينًا ولن يقبل منا أي دين سوى الإسلام؟! هل الاحتمالات العقلية أو التقسيمات العقلية البدهية التي لا تحتمل غير ذلك، هل كل هذا الأمر لن يقبل غير الإسلام وهو الذي ارتضاه لنا وأكمله وأتمه، هذا الأمر باقٍ علينا إلى يوم القيامة أو هو للصحابة فقط أو ليس لنا ولا لهم؟ هل هناك تقسيم عقلي غير هذا؟ أبدًا لا يوجد تقسيم عقلي غير هذا.
فإن قالوا: لا للصحابة ولا لنا -كلام ابن القيم رحمه الله تعالى- كان قائل هذا القول كافرًا لتكذيبه الله جهارًا، وهذا لا يقوله مسلم، وإن قالوا: بل كل ذلك
стр. 169
لنا وعلينا وإلى يوم القيامة، صاروا إلى قولنا ضرورة، وصح أن شرائع الإسلام كلها كاملة، والنعمة بذلك علينا تامة، وهذا برهان ضروري وقاطع على أن كل ما قاله رسول الله ﷺ في الدين وفي بيان ما يلزمنا محفوظ، لا يختلط به ما ليس منه أبدًا.
وإن قالوا: بل كان ذلك للصحابة فقط، قالوا: الباطل، وخصصوا خطاب الله بدعوى كاذبة؛ إذ خطابه بالآيات الكريمة التي أشرنا إليه -يقصد: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (آل عمران: ٨٥) ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩) إلى آخره- عموم لكل مسلم في الأبد، ولزمهم مع هذه العظيمة -أي: وهي اقتصار الأمر على الصحابة فقط- أن دين الإسلام غير كامل عندنا نحن الأجيال المتأخرة عن الصحابة، فكأن الله أكمل الدين للصحابة فقط ولم يكمله لنا، والله تعالى رضي لنا ما لم يحفظه علينا، وألزمنا منه ما لا ندري منه أين نجده.
إذن سنجد فيها كلام الوضاعين، لا هو حفظ كلام النبي ﷺ الذي قاله ولا منع منه كلام الوضّاعين الذين زادوا فيه وحرّفوا فيه، فافترض علينا اتباع ما كذبه الزنادقة ووضعوه على لسان الرسول ﷺ أو وهم فيه الواهمون ممن لم يقله نبيهم ﷺ وهذا بيقين ليس هو دين الإسلام، بل هو دين إبطال لدين الإسلام جهارًا، ولو كان هذا -ومعاذ الله أن يكون- لكان ديننا كدين اليهود والنصارى، الذين أخبر الله تعالى عنهم أنهم كتبوا الكتاب بأيديهم، وقالوا: هذا من عند الله، وما هو من عند الله، ونحن قد أيقنا بأن الله تعالى هو الصادق في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: ٢١٣) وأنه تعالى قد هدانا للحق، فصح يقينًا أن كل ما قاله رسول الله ﷺ هدانا الله تعالى له، وأنه حق مقطوع به،
стр. 170
حفظه الله تعالى وقد قال تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (فاطر: ٤٣) وقال تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ (يونس: ٦٤) فلو جاز أن يكون ما نقله الثقات -الذين افترض الله علينا قبول نقلهم والعمل به والقول بأنه سنة الله وبيان نبيه- يمكن في شيء منه التحويل أو التبديل؛ لكان إخبار الله تعالى بأنه لا يوجد لها تبديل ولا تحويل كذبًا، وهذا لا يجيزه مسلم أصلًا، فصح يقينًا لا شك فيه: أن كل سنة سنها الله ورسوله، وسنها رسوله ﷺ لأمته لا يمكن في شيء منها تبديل ولا تحويل أبدًا، وهذا يوجب أن نقل الثقات في الدين يُوجب العلم بأنه حق كما هو من عند الله .
انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى.
أيضًا من الأدلة على ذلك، يقول الشيخ عبد الغني عبد الخالق -رحمه الله تعالى- في كتابه القيم (حُجية السنة): كما يثيرها أصحاب الشبهة أن الله ﵎ تكفل بحفظ القرآن دون السنة على زعمهم كما يدل عليه قوله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ولو كانت السنة حجة ودليلًا مثل القرآن، لتكفل الله بحفظها، والجواب، يقول ﵀: أن الله تعالى قد تكفل بحفظ الشريعة كلها؛ كتابها وسنتها، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة: ٣٢) ونور الله شرعه ودينُه الذي ارتضاه لعباده، وكلّفهم به، وضمنه مصالحهم، والذي أوحاه إلى رسوله ﷺ من قرآن أو غيره؛ ليهتدوا به إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة.
وبعد أن بيّن مرجع الضمير في قوله ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ على الوجه الذي أشرنا إليه عاد وقال ﵀: ولقد حفظها
стр. 171
الله تعالى كما حفظ القرآن الكريم، فلم يذهب منها ولله الحمد شيء على الأمة، وإن لم يستوعبها كل فرد على حدة، ينقل عن الشافعي في (الرسالة) -رحمه الله تعالى- يقول في صدد الكلام على (لسان العرب): ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا ولا نعلم يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها، حتى لا يكون موجودًا فيها من يعرفه، والعلم به عند العرب كالعلم بالسنة عند أهل الفقه؛ لا نعلم رجلًا جمع السنن فلم يذهب منها على شيء فإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن، وإذا فرق علم كل واحد منها ذهب على شيء منها، ثم ما كان ذهب عليه منها موجودًا عند غيره ... إلى آخر ما قال.
وخلاصة القول: أن العلماء يجمعون من خلال الآيات المتعددة التي ذكرت على أن الله ﵎ قد حفظ القرآن الكريم وحفظ السنة المطهرة، وهذا أمر حتمي.
من الأدلة من السنة على أن الله حفظ السنة الحديث الذي أشرنا إليه أيضًا وخرجناه: ((أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًّا تأمر عليكم، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)) إلى آخره: ((وتركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي)) هذا ورد عند الحاكم وغيره، كلها أدلة على حفظ السنة.
حين يأمرنا النبي ﷺ بأن نتبع السنة وأن نعض عليها بالنواجذ، فهل يأمرنا باتباع شيء غير محفوظ؟ كلا وحاشا! هذا الذي يقول ذلك إنما يفتري على الله الكذب،
стр. 172
ويزعم ما لا دليلَ له عليه؛ إذ كيف يطلب منا النبي ﷺ أن نتمسك بالسنة وأن نعض عليها بالنواجذ في الوقت الذي لم تحفظ فيه، وهي عرضة للتغيير أو للتبديل أو للزيادة أو النقصان إلى آخره؟!.
هذا دليل من السنة أيضًا ونضم إليه كل الأدلة التي تطلب منا اتباع السنة، كيف يأمرنا باتباع ما لم يحفظ؟ وكيف يستقيم هذا الأمر مع شيء غير محفوظ؟
كما قلنا مرارًا: المناقشة في البدهيات مضيعة للوقت والجهد، لكن الأمر لأنه دين ولأنه دفاع عن سنة النبي ﷺ فنحن نتوقف مع هذه الأفهام التي لم توفق إلى الفهم الصحيح لكتاب الله ﵎ ولسنة النبي ﷺ لما النبي ﵊ يقول: ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)) من أطاع النبي ﷺ دخل الجنة يطيعه في شيء غير محفوظ، ويعلق النبي ﷺ الجنة والنار على ذلك؟ إلا إذا كان الله ﵎ قد حفظها كما حفظ القرآن الكريم.
نختم هذه النقطة بالإشارة إلى مسألة مهمة، وهي أيَضًا تتضمن دليلًا على حفظ السنة المطهرة، وهو تتبع جهد الأمة في صيانة السنة، نستطيع أن نسميه بالدليل التاريخي أو الدليل الواقعي، تتبع جهد الأمة في الحفاظ على السنة، البعض يتصور أن تعرض السنة للوضع وللشبهات ولإثارة البلبلة نحوها دليلٌ على أنها لم تحفظ، بالعكس، هذا من أقوى الأدلة على حفظها. يعني: حاولوا ولم يتمكنوا، من الذي قال: إن العصمة للسنة أو الحفظ لها يقتضي ألا تتعرض أبدًا لأي محاولات للنيل منها؟ بل كيف تظهر قيمة الحفظ وقيمة الرعاية والعناية من الله ﵎ لسنة نبيه ﷺ ما لم تتعرض السنة لمحاولات؟
كمثال توضيحي يقرب المسألة إلى الأذهان، حين قال الله ﵎:
стр. 173
﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: ٦٧) هل عصمة الله لنبيه ﷺ وحفظه له ﷺ من الناس تعني أنه لا يتعرض لمحاولاتِ الإيذاء؟ هل قال أحد بذلك؟ أبدًا، بل إن قيمة حفظ الله ﵎ لنبيه ﷺ لا تظهر إلا من خلال محاولات الإيذاء، ثم ترد هذه المحاولات على أعقابها، تعرض للإيذاء طوال الفترة المكية، وتعرض للإيذاء في المدينة المنورة في غزوة أُحد، وتعرض في سنة ٧ في خيبر، لمّا المرأة اليهودية وضعت السم في الشاة، والشاة قد نطقت أن بها سمًّا والنبي ﷺ أن يأكل منها بعد أن كان قد مضغ بعَضًا منها، هذه العصمة يدبرون ويكيدون، والله يحبط مكرهم وكيده، م ويرده إلى نحورهم، هنا تظهر قيمة الحفظ والعناية والرعاية.
كذلك السنة تعرضت، وهذا التعرض هو الذي ضاعف من همة العلماء، وشحذ من قواهم لكي يتصدوا لهذه الموجات التي تحاول النيل من السنة، بل إني أقول: أن السنة ستظل إلى يوم القيامة الخط الأول للدفاع عن الإسلام، وهي أيضًا محط الهجوم الأول لأعداء الإسلام؛ لأن الكل يعلم أن الإسلام قرآن وسنة، وأننا لا نفهم القرآن إلا في ضَوْء السنة، وكررنا: من أن السنة تبين القرآن الكريم، وتشرع مع القرآن الكريم، والقاصي والداني يعرف هذه الحقيقة، إذًا سنظل نهاجم السنة؛ لأن الهجوم عليها يعني الهجوم على القرآن، والهجوم عليهما يعني الهجوم على الإسلام، الإسلام في نهاية الأمر قرآن وسنة.
ولذلك تحتاج السنة في كل زمان ومكان وفي كل عصر ومصر إلى طائفة من أهل العلم يدرسونها بروح الجندية، وهم يعلمون أنهم على ثغر من ثغور الإسلام، يحاول الأعداء أن يتسللوا إلى الإسلام من قِبله، لكنهم يجدون هؤلاء الجنود المرابطين المدافعين المنافحين الذابين عن سنة رسول الله ﷺ وهكذا كان الأمر من لدن الصحابة ﵃ ومرورًا بالعصور الذهبية للسنة، وسيظل هذا الأمر إلى يوم القيامة بإذن الله ﵎.
стр. 174
شبهة: عرض السنة على القرآن
بقي أن نشير إلى شبهة عرض السنة على القرآن واستدلالهم بحديث موضوع في هذا، وهو "إذا جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فما وافق فخذوه، وما خالف فاتركوه" وهذا قد روي بروايات متعددة، وأئمة الحديث مجمعون على أن هذا الحديث موضوع مختلق على النبي ﷺ وضعته الزنادقة كي يصلوا إلى غرضهم للنيل من السنة، وعلماء السنة قالوا: إن الحديث يحمل الدليل على وضعه في طياته، كيف؟ قالوا: إننا لا نجد آية في كتاب الله ﵎ تأمرنا بعرض كلام النبي ﷺ على القرآن الكريم؛ يعني: لو طبقنا القاعدة التي يطلبها هذا القول عليه لوجدناه دليلًا على بطلانه، الذين يزعمون بهذا الرأي أو غيره يأتون لنا بآية تطلب منا أن نعرض كلام النبي ﷺ على القرآن الكريم، بل أمرنا في وضوح وجلاء: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) وهكذا تبطل شبههم شبهة بعد شبهة.
هذا وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 175
الدرس: ١١ دفع الشبهات المثارة حول حجية السنة المطهرة (٤)
стр. 176
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الحادي عشر
(دفع الشبهات المثارة حول حُجية السنة المطهرة (٤))
تقسيم الحديث باعتبار عدد الرواة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
المتواتر والآحاد:
والكلام عن المتواتر والآحاد له نقاط عديدة؛ منها: أن نبين أن المحدّثين لهم تقسيمات متعددة للحديث باعتبارات متعددة:
فمثلًا: ينقسم الحديث عندهم باعتبار صحته أو عدم صحته إلى ثلاثة أقسام: صحيحٍ، وحسن، وضعيف، وينقسم أيضًا باعتبار آخر إلى: مقبول، ومردود. فالمقبول -عند هؤلاء الذين قسموا هذا التقسيم- يشمل الصحيح والحسن معًا، والمردود يشمل الضعيف بكل أنواعه، وهناك من يجعله نوعًا من أنواع الضعيف، أو يجعله قسمًا ثالثًا مع الصحيح، والحسن، والضعيف، يصبح هو قسمًا رابعًا بالإضافة إلى هذه الثلاثة.
إذن، هناك تقسيمات متعددة باعتبارات متعددة، الذي يتكلم عن صحة الحديث وحسنه وضعفه يقسم تقسيم ... إلى آخره.
لكن نحن أمام تقسيم باعتبار عدد الرواة في كل حلقة من حلقات الإسناد؛ نحن نعلم أن الإسناد هم الرجال الذين نقلوا الحديث لنا عن رسول الله ﷺ ؛ من أول العالِم الذي روى الحديث في كتابه -أو في غير كتابه- إلى النبي ﷺ .
مثلًا: لو أخذنا البخاري -رحمه الله تعالى- كمثال لهذا؛ البخاري في صحيحه يروي الأحاديث بأسانيده إلى رسول الله ﷺ ، فمثلًا الحديث الأول: ((إنما الأعمال بالنيات)) من حديث شيخه الحُميدي، عبد الله بن الزبير، يرويه عن سفيان بن عيينة، يرويه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، يرويه عن محمد بن إبراهيم
стр. 177
التيمي، يرويه عن علقمة بن وقاص الليثي، يرويه عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- يرويه عن النبي ﷺ .
الرجال الذين بين البخاري -رحمه الله تعالى- وبين النبي ﷺ نسميهم برجال الحديث، إسناد الحديث، أو سند الحديث، أو طريق الحديث؛ إذن الإسناد هو: الرجال الذين نقلوا لنا الحديث في حلقات متتابعة، كل تلميذ يروي عن شيخه، وكل واحد من هؤلاء الرواة يسمى حلقة من حلقات الإسناد، في المثال الذي ذكرناه: البخاري حلقة، يروي عن الحميدي شيخه، أجلّ شيوخ المكيين عبد الله بن الزبير المتوفى سنة ٢١٩هـ، يروي عن سفيان بن عيينة، الحميدي حلقة، سفيان بن عيينة حلقة، يحيى بن سعيد حلقة، محمد بن إبراهيم التيمي حلقة، علقمة حلقة، الخليفة الراشد الفاروق ﵁ حلقة من حلقات الإسناد، إلى أن ينتهي الإسناد إلى رسول الله ﷺ .
إذن، عندنا الإسناد: الرجال الذين نقلوا لنا الحديث عن النبي ﷺ وكل واحد منهم يسمى حلقة من حلقات الإسناد.
فما هو العدد المطلوب في كل حلقة من حلقات الإسناد؟
هذا هو الأمر الذي يعالجه هذا المبحث -مبحث التواتر والآحاد- إذن هو تقسيم للحديث باعتبار عدد الرواة في كل حلقة، حين يصل العدد إلى رقم معين أو إلى صفات معينة يُسمى عندهم بالحديث المتواتر -وهذا سنناقشه تفصيلًا- وإن قلّ عن ذلك سُمّي آحادًا؛ فهذا -في نهاية الأمر- تقسيم باعتبار عدد الرواة في كل حلقة، وليس تقسيمًا على أساس صحة أو الحسن أو الضعف الذي هو التقسيم الأول -الذي أشرنا إليه- مع ملاحظة أن هذا التقسيم "باعتبار عدد الرواة في كل
стр. 178
حلقة" لم يكن معروفًا لدى الصحابة والتابعين ﵃، إنما كان المعوَّل عليه هو عدالة الرواة وثقة الرواة.
متى كان الراوي ثقة -أي: عدلًا، ضابطًا، دقيقًا- نطمئن إلى سلامة ما رواه؛ فالحديث صحيح، وما دامت ثبتت صحته؛ وجب العمل به بإجماع الأمة.
إذن، قبل أن يصطلح علماء الإسلام على هذا التقسيم -المتواتر والآحاد، باعتبار عدد الرواة في كل حلقة- جميع أهل الإسلام من أجيال الصحابة والتابعين وأهل الخير وأهل السلف الصالح كانوا على قبول خبر الواحد الثقة، من أول السند إلى النبي ﷺ كانوا يبحثون عن عدالة الرواة، وعن ضبط الرواة، والراوي الذي تتوافر فيه العدالة ويتوافر فيه الضبط إذا جمع بينهما معًا، هذا هو الثقة الذي اصطلحوا على تسميته بالثقة ...
الثقة: الراوي الذي ثبتت له العدالة وثبت له الضبط، بالمعايير التي اصطلحوا عليها في إثبات هذه الأمور للرواة الذين نقلوا لنا حديث النبي ﷺ ، إلى أن بدأت الفتن، ومن ضمن علاماتها: التشكيك في خبر الآحاد على يد متكلمي المعتزلة، ولم يكن ذلك إلا مع نهاية القرن الثاني الهجري أو بعده، ابتدءوا يتكلمون في خبر الآحاد وعن حجيته وعن تعريفه؛ فعرّفوه مثلًا في (شرح الأصول الخمسة) بأنه: ما لا يُعلم كونه صدقًا ولا كذبًا، واشترطوا العدد في الرواية، كما اشترطوا في الشهادة، وهم بذلك خرجوا عن إجماع الأمة التي كان المعوّل عليها عندهم على عدالة الرواة وضبطهم.
فالأمر اختلف من هذا التاريخ وبهذا الصنيع الذي بدأه بعض متكلمي المعتزلة وكما يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- في (مختصر الصواعق المرسلة): كان قصدهم من ذلك: رد الأخبار وتعطيل الأحكام، وتلقّف ما قالوه بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدمٌ ثابتة، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول.
стр. 179
وأيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أشار إلى أن جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول -يعني: قبلوا هذا الخبر أو عملوا به- يوجب العلم، وأشار إلى ذلك في (مجموع الفتاوى).
نريد أن نقول من هذا الاستعراض الموجز: أن تقسيم التواتر والآحاد لم يكن في أجيال الأمة السابقة؛ وإنما كان المعوّل عندهم على ثبوت عدالة الرواة وضبطهم؛ فمتى اطمأنوا إلى ذلك حكموا على الخبر بالصحة وإن كان حديثًا عن النبي ﷺ وجب العمل به على ما اصطلحوا عليه من قواعد في هذا، إلى أن جاءت بعض الفرق وأرادت أن تُعمِل العقل في النصوص وأن توجد بعض الشبه لبعض الأدلة التي تعارض ثوابت مذهبهم؛ ابتدعوا هذا التقسيم إلى متواتر وآحاد، واشترطوا شروطًا في الآحاد تفاوتوا فيما بينهم؛ لكن -على كل حال- هذا تاريخ هذا الأمر هو أصبح مبحثًا من مباحث علم المصطلح، وأيضًا يبحث في أصول الفقه، ونحن نتكلم عنه اليوم بهذا الاعتبار: أنه تقسيم للحديث باعتبار عدد الرواة في كل حلقة:
التواتر لغة واصطلاحًا
ما هو التواتر وما هو الآحاد في كل من اللغة والاصطلاح:
التواتر في اللغة: مجيء الواحد إثر الواحد بفترة بينهما، وذلك كما ورد في قوله ﵎ في سورة المؤمنون: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ (المؤمنون: ٤٤) أي: متتابعين، رسولًا بعد رسول بينهما فترة، في (القاموس المحيط) مادة: "وَتَر"، يبين أن التواتر: هو مجيء الشيء بعد الشيء بعضه في إثر بعض، وترًا وترًا، أو فردًا فردًا، يعني: من غير فترة بينهما.
стр. 180
التعريفان يشتركان في أن التواتر: مجيء الشيء بعد الشيء؛ لكن الاختلاف بينهما هو: هل لا بد من التراخي بين مجيئهما، أو أن التراخي غير مطلوب؟
صاحب (القاموس المحيط) ذكر الاثنين معًا، قال: والتواتر التتابع أو مع فترات، أما صاحب (الصحاح)؛ فقد اعتبر التراخي شرطًا في التواتر؛ حيث قال: والمواترة: المتابعة، ولا تكون المواترة بين الأشياء إلا إذا وقعت بينهما فترة؛ وإلا فهي مداركة ومواصلة.
والخلاصة من كل ذلك: أن التواتر هو التتابع مع التراخي أو بدون التراخي، على قول صاحب (الصحاح): القول بالتراخي هو الأقوى؛ لأنه سمى المواترة التي لا فاصل بينها بأنها مداركة ومواصلة، ويقول بالنص: "ولا تكون المواترة بين الأشياء إلا إذا وقعت بينهما فترة" ...
كل هذه مناقشة لغوية للمتواتر، خلاصتها: أن التواتر هو مجيء الشيء إثر الشيء بفترة بينهما أو بدون فترة، على التتابع المباشر بدون انقط اع.
إذا انتقلنا إلى الاصطلاح: نجد له تعريفات متعددة: يقول ابن حجر -رحمه الله تعالى- عن المتواتر في (نزهة النظر): فإذا جمع هذه الشروط الأربعة وهي: عددٌ كثير، وأحالت العادة تواطؤهم على الكذب، ورووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، وكان مستند انتهائهم الحس، ويضاف إلى ذلك أن يصحب خبرَهم إفادةُ العلم لسامعه؛ فهذا هو المتواتر.
ابن حجر -رحمه الله تعالى- نلاحظ أنه عرّف المتواتر هنا من خلال ذكر شروطه، اشترط له أربعة شروط:
- عددٌ كثيرٌ في كل حلقة.
- يستحيلُ في العقل وفي العادة أن يتواطئوا على الكذب.
- الثالث: أن يتوفر ذلك في كل حلقة من حلقات الإسناد، من أوله إلى منتهاه،
следующие страницы →