← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 95991

الدفاع عن السنة - جامعة المدينة (بكالوريوس)

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (382 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يذكر الفعل أطيعوا مع أولي الأمر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يقول العلماء: تكرار الفعل أطيعوا هنا دلَّ على أن طاعة النبي ﷺ مطلوبة تمامًا كطاعتنا لله ﵎. هذه طاعة وتلك طاعة، أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، بينما طاعة أولي الأمر مرتبطة بطاعتهم لله ﵎؛ لذلك لم يذكر الفعل معهم أطيعوا على وجه الاستقلال، هذه دلالة أخرى في الآية. أيضًا، رغم أهمية هاتين الدلالتين إلا أن الآية عادت وعلَّقت الإيمان على ذلك، فقال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ﴾ علَّقت الإيمان على ردِّ التنازع إلى الله وإلى الرسول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. إذن، أيُّ أمر نختلف فيه حكمه إلى الله ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (الشورى: ١٠) وإلى رسوله ﷺ بمقتضى الآية، وتعليق الإيمان على ذلك يُبيّن أن الذي يُنازع في هذه المسألة ليس له حظّ في الإيمان. ونلاحظ بلاغة القرآن الكريم: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ما الفرق بين التعبيرين؟ واضح. ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ أي: إلى كتاب الله، وهذا من البدهيَّات، كيف سنردُّه إلى الله، وهذا فهم إجماع الأمة على ذلك: ردُّوه إلى الله أي: إلى كتاب الله ﵎، وإلى الرسول لو قال: إلى محمد هؤلاء الناس الذين يجادلون في كل شيء ربما قال أو زعم قال: إن محمدًا قد مات، فانتهى الرَّدّ إليه بموته، لو كان التعبير فردُّوه إلى الله وإلى محمد، كيف نأتي بمحمد لنردَّ إليه الأمر، لكن بما أن رسالته باقية إلى يوم

стр. 72

القيامة من خلال القرآن ومن خلال السنة؛ فالرّدّ إليه باقٍ أيضًا إلى يوم القيامة، وبذلك نحن مُلزمون بمقتضى إيماننا أن نردَّ أي أمر نناقشه ونتنازع حوله ونختلف فيه إلى الله ﵎ أي: إلى القرآن الكريم، وإلى النبي ﷺ . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. ثم سياق الآيات بعد ذلك سياقٌ عجيب، يبيِّن الموقف من التطبيق العملي لطوائف الناس، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (النساء: ٦٠) هؤلاء زعموا باختيارهم أنهم آمنوا بما أنزل إليك يا رسول الله -عليك الصلاة والسلام- وبما أنزل من قبلك أيضًا، هذا الإيمان أو هذا الزعم بمقتضى الآية السابقة يلزمهم بأن يردُّوا الأمر إلى الله ﵎ وإلى رسوله ﷺ لا هم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، والحق أنهم قد أُمروا أن يكفروا به. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ الكفر بالطاغوت من ضرورات الإيمان، الطاغوت هنا مادة طغى فيها التجاوز والعدوان والاعتداء، وهو اسم لكل ما يمكن أن يتجه إليه من غير الله ﵎؛ سواء في عبادة أو في تشريع، أو أي شيء، من ذلك. لذلك مثلًا من مهمة الرسل أن يعلموا الناس الكفر بالطاغوت: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦) لا نعبد الله فقط؛ لأنه ممكن البعض يتصوّر لو لم تأتِ جملة "واجتنبوا الطاغوت" ربما يقول: أعبد الله وأعبد الطاغوت، فإغلاقًا لباب الفهم السقيم هذا نصَّت الآيات

стр. 73

على ضرورة الكفر بالطاغوت مع الإيمان بالله، وفي سورة البقرة قُدَّم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله لبيان ذلك، التخلية قدمت على التحلية؛ ليجتمع السياق كله، مرة تقدم التحلية، ومرة تقدم هذا. ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (البقرة: ٢٥٦) إذن هذه هي مهمة الرسل الكفر بالطاغوت، هؤلاء رغم زعمهم بأنهم آمنوا بالله وبالرسول يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، والعقيدة الصحيحة مع الطاغوت هي الكفر به، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (النساء: ٦٠) لو أحسنا الظن بهذه الطائفة، وبيّنّا موقفها هذا قد يكون عن سوء فهم، ليس عن عناد وجحود وإنكار، يعني: هم يتصورون مثلًا أن عدم استجابتهم للسنة، وأن إنكارهم لها لا يتعارض مع إيمانهم، ما موقفنا معهم أو منهم؟ سنحاول أن نفهمهم نقول لهم: هذا خطأ وخطر على إيمانكم، ويتعارض مع دلالات القرآن والسنة المطهرة. وهذا هو الذي يعلمنا إيَّاه القرآن الكريم، قبل أن نتهمهم نُحاول أن نفهّمهم، أن نجلِّي لهم الحقائق، وهذا في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ (النساء: ٦١) إذن هم زعموا بأنهم آمنوا بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك، هذا الزعم يقتضي منهم أن يستجيبوا لما أمر الله تعالى به، ولما أمر به رسول الله ﷺ ؛ بدل أن يستجيبوا نازعوا وجادلوا، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، أحسنا النية نحوهم، وحاولنا أن نُفهمهم فإذا بهم لم يستجيبوا، ولذلك كان وصف القرآن لهم بالنفاق: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ هذا وصف الله تعالى لهم بعد أن أقيمت عليهم الحجة، ببيان الأدلة التي تحتّم ضرورة الاتباع، وفي نفس الوقت أيضًا

стр. 74

بإقامة الحجة عليهم في تصحيح الفهم لهم إن كان خطؤهم ناتجًا عن فهم خاطئ، لم نسارع إلى اتهامهم بادئ ذي بدء؛ إنما وضحنا لهم الحقائق جلية أولًا، هذه آية، والتناسق بين آيات القرآن الكريم والترابط بينها أمر يعرفه كل من عايش القرآن الكريم، ويعلمه لنا المفسرون، لماذا ذكر هذه الآيات بعد آية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾؟ وكأنها تبين موقفًا عمليًّا لما يجب أن يكون عليه المؤمنون بهذه الحقيقة؛ أنهم لا يتحاكمون إلى الطاغوت أبدًا، وإنما يتحاكمون إلى الله ﵎ وإلى رسول الله ﷺ في كل شأن من شئون حياتهم. وتمضي الآيات في سورة النساء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (النساء: ٦٤) هذه جملة ممكن أن نعتبرها خبرية، أو إنشائية جاءت في سياق خبري، يخبر الله تعالى، أو يأمر الله تعالى المؤمنين بأن يستجيبوا للرسول؛ بل يُبيّن الله لنا أنها ليست قاعدة في شأن نبينا ﷺ فحسب، بل هو منهج إلهي يقرّره الله ﵎ مع الرسل جميعًا، على أقوامهم أن يتبعوهم وأن يستجيبوا لهم. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، إن الرسل لم يأتوا إلا لخير البشر، في كل شيء في تصحيح عقائدهم، في تصحيح أخلاقهم، في تصحيح سلوكهم، في تصحيح وتطهير أموالهم، في تصحيح علاقتهم الاجتماعية، الله أرسل الرسل لهداية البشر، لإنقاذهم من الهلكة، وأي عاقل يفكر بطريقة صحيحة عليه أن يسير في الطريق الذي أراد الله فيه هدايته. يسأل بعض الرجال عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- عن فعل يفعله، لماذا فعلت هذا؟ إجابة رائعة تدل ليس على إيمان قوي متين فحسب، بل على فهم عميق، هذا

стр. 75

الرجل يفهم لماذا هو مؤمن؟ ولماذا يتبع النبي ﷺ ويتبع القرآن، ويتبع أوامر الإسلام! يقول: لقد كنا ضُلالًا فهدانا الله بمحمد ﷺ . نحن كلنا ضلالًا -يعني: أمر لا نُتهم به من قبل بعضنا حتى ننازع فيه، هذا وصف أطلقه القرآن الكريم على الناس قبل الإسلام، وامتنَّ الله بنعمة النبي ﷺ على الأمة، بهذا النبي العظيم الذي أخرجها من الظلمات إلى النور: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (آل عمران: ١٦٤) كنا ضلالًا فهدانا الله بمحمد ﷺ فمثلما وجدناه يفعل نفعل، نحن هدانا الله به، طريقه هو طريق الهداية، وكل الطرق سواه هي طرق الضلالة والغواية والعياذ بالله، فأي عاقل رشيد يمشي في طريق الهداية، أو في طريق الغواية؟!. هذا الرائع في إجابة عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أنه يعلمنا لماذا نحن مسلمون؟ ولماذا اخترنا الإسلام ونسير في طريق النبي ﷺ ؟ هو طريق النجاة من الهلكة، الفوز بالجنة هو طريق الخروج من الجهالة من الظلمات من الشرك من كل الموبقات، التي من الممكن أن تؤدي بالإنسان إلى الدرك الأسفل، والعياذ بالله. ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ هذه آية من أرجى آيات القرآن الكريم في العفو ورجاء الرحمة والمغفرة، إذن على البشر أن يفهموا أن الرسل لخيرهم ولسعادتهم في الدنيا والآخرة، فعليهم أن يؤمنوا بهم وأن يتبعوهم فهذه دلالة الآية. أيضًا، في سورة النساء لا زلنا في سورة واحدة، وتركت البقرة وآل عمران؛ لأني التزمت بالآيات القاطعة في هذا حتى نغلق الباب أمام المجادلة التي لا فائدة من ورائها، يقول الله ﵎: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٥)

стр. 76

هذه الآية خطيرة جدًّا، فيها قسم من الله ﵎، وأسلوب القسم يتكوَّن من أربعة أركان: مُقْسِم ومُقْسَم به، ومُقْسَم عليه، وأداة قسم، المُقسم: هو الله تعالى، والمقسَم به أيضًا هو الله ﵎، من وجوه الخطورة في الآية اتَّحد المقسم والمقسم به، وأيضًا هي من المرات القليلة التي أقسم الله ﵎ فيها بذاته بنفسه. ما هي القضية المقسم عليها؟ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لا هنا نافية، بدلالة رفع الفعل المضارع بعدها بثبوت النون، وهو من الأفعال الخمسة، وهي لا تصلح من ناحية المعنى إلا أن تكون نافية، لا تصلح هنا أن تكون ناهية، عن أي: شيء ينهاهم، إنما هي نافية تنفي الإيمان. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ يا رسول الله في كل ما شجر بينهم، في كل شأن من شئون حياتهم، كما نرى التزمت ببيان الآيات وبيان دلالتها؛ لنستشعر خطورة المسألة. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ لم تتوقف الآية عند هذا الحد ولم تكتف بهذا القدر إنما انظر إلى الباقي ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ لا يجدوا في أنفسهم حرجًا، أي ضيقًا أو رفضًا أو إباء، أو تمنعًا مما قضيت ليس نفي الحرج فقط هو المطلوب، بل والتسليم والخضوع التام بحكم النبي ﷺ . بل إني أقول والله الذي يتذوق الإيمان يقبل على حكم النبي ﷺ بسعادة بفرح بحمد لله على نعمة أن وفقه الله إلى حسن الاتساء والاقتداء برسول الله ﷺ . لماذا اشترط الله علينا ضرورة الرضا بهذا الحكم؟ لا نجد في أنفسنا حرجًا، بل علينا أن نخضع له؟

стр. 77

هذا الاشتراط هو المتسق مع قضية الإيمان، هو الذي ينبغي أن يكون عليه المؤمن، ليس في الآية شرط شديد لا يستطيعه أحد، واضح جدُّا أن هذا هو ما يقتضيه الإيمان كيف؟ يعني لو سألنا سؤالًا متى يرفض الإنسان الحكم، حين يتصور أنه حكم جائر مثلًا، أو حكم ناقص، أو أن هناك حكمًا أفضل منه، هل يجوز شيء من هذه المعاني مع حكم الله ﵎ أو حكم النبي ﷺ ؛ أن نعتقد أن غيره أفضل، أو أنه يحتاج إلى تتمة؛ لنكمله من التشريعات الأخرى، أو ما شاكل ذلك؟ لا. ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ واضح جدًّا أن الإيمان المقنع يفرض على أتباعه أن يعتقدوا أن هذا الحكم هو أعدل الأحكام، وهو سيد الأحكام، ولذلك يخضعون له في حبّ ورضا، واستسلام، وقناعة بأن هذا الحكم خير الأحكام وسيد الأحكام وأعدل الأحكام وخير الأحكام إلى آخره. في صحيح البخاري يقول الصحابي: "نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كنا نرى فيه خيرًا، وأمر رسول الله ﷺ خير وأرشد" أصاب كبد الحقيقة، وأمر رسول الله ﷺ خير وأرشد، آيات كثيرة ستأتي معنا؛ لكني أردت هنا أن أبين أن اشتراط الرضا وليس مجرد الاكتفاء بالحكم فقط؛ إنما هو ليس فيه تصعيب ولا مشقة على المسلمين، إنما هو كما قلت، هو الذي يلتقي مع حلاوة الإيمان، مع تذوق الإيمان، بل مع حمد الله على نعمة أنني وفقت إلى تطبيق هذا الحكم الشرعي الذي أصلًا شُرع لصالحي في ديني ودنياي. ولذلك كان من الإيمان الواضح الجلي أن يشترط هذا الشرط: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

стр. 78

وفي سورة النساء أيضًا يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ (النساء: ٦٦) لننظر التناسق بين الآيات ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ (النساء: ٦٦) يعني: لو فُرض أن الأوامر النبوية أو الأوامر الإلهية وصلت إلى حدّ أن نؤمر بقتل أنفسنا، أو أن نخرج من ديارنا نقول: سمعنا وأطعنا، ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (النساء: ٦٦ - ٦٨) انظر إلى الجزاء الذي أعده الله إلى الفئة التي ارتقت في استجابتها إلى حد أنها لو كُلفت بأن تقتل نفسها، أو تخرج من ديارها؛ لقالت: سمعنا وأطعنا، ولذلك كان جزاؤها ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾، وليس هذا فحسب، بل ننظر إلى الآية بعدها: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾. هذا إغراء من الله للمطيعين، أولًا لكي يطيعوا، ثم لكي يثبتوا على طريق الطاعة إلى أن يُرزقوا هذه الرفقة المباركة التي تعني العلوَّ في الدرجات في الآخرة، بعد أن كانت عالية في الدنيا بإذن الله ﵎. ولا زلنا مع سورة النساء أيضًا بعد ذلك بآيات في الربع الذي يلي هذا الربع: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ يخبر الله أن طاعة الرسول هي طاعة لله ﵎، ومن ثَمَّ فإن معصية الرسول ﷺ هي معصية لله تعالى، ولا يستطيع زاعمٌ أبدًا مهما يعني جادل أو طاول أو ناقش أن يدَّعي أنه مؤمن بالله في الوقت الذي يجحد فيه سُنة النبي ﷺ ، أو يجحد فيه الإيمان برسول الله ﷺ لا يمكن أبدًا نزعم أننا مؤمنون بالله ﵎ في الوقت الذي نعاند أو نجحد فيه سنة النبي ﷺ .

стр. 79

سورة النساء كما نرى فيها آيات كثيرة، تركنا آية في سورة آل عمران نعود إليها لأنها واضحة في ذلك يعني هي من الآيات التي تقطع بضرورة اتباع النبي ﷺ ويعني أقدم لها فأقول: نحن لو سألنا أحدًا في الدنيا: هل تحب الله ﵎؟ ستكون الإجابة بالقطع نعم، بل قد يُستنكر السؤال: وهل يوجد مؤمن لا يحب الله تعالى، لكن العلامة الفارقة بين المؤمن الحقيقي والمحبّ الدعي هي التي وضعها الله ، ونلاحظ هنا أن الذي وضعها هو الله ﵎، لم يضعها النبي ﷺ ، لم نضعها نحن حتى لا يُقال: إننا نعطي النبي ﷺ ما لم يعطه الله تعالى له، أعوذ بالله من هذا الفهم! ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ (آل عمران: ٣١) ماذا تفعلون كتعبير عن حبكم لربكم؟ قل لهم يا محمد، قل للأمة جميعًا إلى يوم القيامة إن قلتم إنكم تحبون الله، فعلامة الحب هذه التي اشترطها الله للمحبين له هي أن يُطيعوا نبيه ﷺ ، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وننطلق مع سور القرآن الكريم وسنحاول أن نقف -كما قلنا- مع الآيات التي قطعت بضرورة اتباع النبي ﷺ ، في سورة المائدة يتكلم الله عن الخمر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (المائدة: ٩٠، ٩١) هذه أحكام شرعية انظر إلى ما جاء بعدها: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ (المائدة: ٩٢) ذكر هذه الآيات بعد هذه الأحكام الشرعية، ويقطع بأننا نطيعهم في كل أمر ونهي، حتى لو خالف أهواءنا، هب أن رجلًا يحب الخمر -والعياذ بالله- يستطيع أن يجادل: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ بعد الآيات وسياقها في التحذير الشديد: فهل أنتم منتهون؟ سؤال تحذيري خطير بعد أن بين مفاسدها كثيرًا يهمُّنا

стр. 80

هنا: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ قد أدَّى النبي ﷺ ما عليه وبلغ في بيان وفي وضوح وفي جلاء أحكام الخمر وغير أحكام الخمر، كل ما كلفه الله ﵎ بيّنه ووضحه وجلّاه، وأشهد النبي ﷺ الأمة على ذلك في خطبة الوداع: ((اللهم قد بلغت، وإنكم ستسألون عن ذلك، هل بلغت؟ فيقولون: نشهد، فيرفع يديه إلى السماء ثم ينكت بها في الأرض: اللهم هل بلغت اللهم فاشهد))، ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: فإن أعرضتم وجادلتم وتوقفتم، فإنما على رسولنا البلاغ المبين، وقد أدَّى ما عليه، وهي آية تتضمن التحذير، وتتضمن بيان النتيجة، فإن الذين يعاندون سيتحملون نتيجة هذه المعاناة. أيضًا، في سورة الأنعام: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ (الأنعام: ١٥٣) هذا صراط الله المستقيم المتمثل في القرآن والسنة، الآية صريحة في الدلالة على القرآن والسنة، والنبي ﷺ كتوضيح لفهم هذه الآية فيما رواه الحاكم وغيره جلس، ورسم لأصحابه على الأرض خطًّا مستقيمًا، ورسم خطوطًا فرعية تخرج من هذا الخط المستقيم على الأرض، وبيَّن لهم أن هذا الخط المستقيم إنما هو منهج الله، دين الله المتمثل في القرآن الكريم والسنة المطهرة، أو المستمد منهما، وأن هذه الخطوط الفرعية التي تخرج من هذا الخط الرئيس إنما على رأس كلٍّ منها شيطان، يحاول أن يبتعد بالإنسان عن السير على الطريق المستقيم، الذي هو كتاب الله تعالى، وسُنة النبي ﷺ . في سورة الأعراف الآيتان المتتاليتان وهما من أوضح الدلالات في حجية السنة، وضرورة اتباع النبي ﷺ : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (الأعراف: ١٥٧) يُبيّن لهم بعض مهمّات النبي ﷺ في إسعاد هذه

стр. 81

الأمة، يأمرهم بكل ما هو خير ومعروف، وينهاهم عن كل منكر وقبيح يسبب لهم الأذى ويسبب لهم الفشل أو يسبب لهم الشر في دينهم أو في دنياهم، وينهاهم عن المنكر، ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾، كل حلال طيب، وكل حرام خبيث، ولن تجد طيبًا أبدًا في الحرام، ولن تجد خبيثًا في الحلال، قواعد كلية أرساها القرآن الكريم: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ جاء لرحمتنا، جاء لإنقاذنا من الهلكة، جاء لرفع الإصر، جاء لفكّ القيود والأغلال بحسن اتباعه؛ فيكون ذلك طريقًا إلى الجنة بإذن الله. ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ فقط ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾، أولئك هم المفلحون جملة معرفة الطرفين، أولئك مبتدأ، وهو من أسماء الإشارة، وهو أحد أنواع المعارف، وهم ضمير فصل للتأكيد، والمفلحون خبر، والجملة المعرّفة الطرفين، جملة تفيد القصر هذا من أساليب القصر، يعني: الفلاح مقصور على هذه الطائفة التي آمنت به وعزرته -يعني: احترمته، ووقرته، وقدرته وأنزلته منزلته اللائقة به ﷺ من خلال الأدلة الواردة في هذا؛ ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ نصروه حيًّا، ونصروه ميتًا بنصرة سنته أيضًا؛ باتباعها، بالدعوة إليها، بالدفاع عنها، بالتمكين لها، بردّ الشبهات حولها. ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ هؤلاء فقط الذين نالوا الفلاح، والفلاح كما نعلم هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب، وهو نتيجة أو أمل أو رجاء يجب أن نسعى إليه جميعًا، نسأل الله أن يرزقنا الجنة، وهي قمة ما نرجوه من فلاح، وأن ينجينا من النار وهي قمَّة ما يُخشى من المهالك، ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ (آل عمران: ١٨٥)، فهذا

стр. 82

هو الفوز الحقيقي الذي يسعى إليه كل مؤمن، وسبيله وهو الإيمان بالنبي ﷺ ونصرته، ونصرة دينه وسنته، واحترامه، وتوقيره، وتقديره، وإنزاله المنزلة اللائقة به من حسن الاتباع، والإيمان به، واتباع القرآن النور الذي أنزل معه. والآية بعده ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ (البقرة: ٢١) قل يا محمد للخلق جميعًا هنا، والنداء هنا للناس، لماذا؟ ليبين لهم أنه رسول إلى الخلق جميعًا، وهذه الآية من الآيات الدالة على عموم رسالته ﷺ في وضوح وقطع إلى كل البشر، من لدن بعثته ﷺ وإلى يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها، قل لهم يا محمد: علِّمهم أن عليهم أن يعلموا أنك رسول إليهم جميعًا، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ما المطلوب منا؟ ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ﴾ (الأعراف: ١٥٨) اتبعوا هذا النبي الذي جاء إليكم جميعًا. ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. الفلاح في الآية السابقة كان مرتبطًا بالإيمان به ونصرته، ونصرة سنته واحترامه، واتباع النور الذي أنزل معه، وأيضًا هذه الآية تُعلّق الهداية جاءت بأسلوب الرجاء "لعلكم"، والرجاء من الله ﵎ محقق، إذا حُقق فينا ومنا ما علّق عليه هذا الرجاء، وقد علّق الله في هذه الآية الهداية على حُسن اتباع النبي ﷺ . والآيات مستمرة وننتقل إلى سورة الأنفال، وهي أيضًا من السور التي وردت بها آيات كثيرة تطلب طاعة الله ﵎ وطاعة رسول الله ﷺ من أول

стр. 83

آياتها: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال: ١) يعني: السورة في مطلع آياتها تحدِّد معالم أهل الإيمان اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، وأطيعوا الله ورسوله، وتُعلّق الآية الإيمان على ذلك ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ثم شَرَعت الآيات بعد ذلك في بيان صفات أخرى للمؤمنين، لكنها جعلت على رأس هذه الآيات: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وتستمرّ آيات سورة الأنفال أيضًا يقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (الأنفال: ٢٠، ٢١). وأيضًا الآية نادت بصفة الإيمان التي لها دلالتها التي أشرنا إليها، وكأننا لا نستحق أن ننادى بهذا الوصف إلا إذا أطعنا الله ورسوله ﷺ . وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 84

الدرس: ٦ أدلة حجية السنة المطهرة (٢) .

стр. 85

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس (أدلة حجية السنة المطهرة (٢)) تتمة أدلة حجية السنة من القرآن الكريم الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه: كنا قد وصلنا إلى سورة الأنفال وأشرنا إلى الآية في مطلعها ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (الأنفال: ١) هذا أمر بطاعة الله ورسوله، وهنا في هذه الآية جعله الله تعالى من علامات الإيمان. أيضًا في سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (الأنفال: ٢٠، ٢١)، وفي سورة الأنفال أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (الأنفال: ٢٤) بينا أن الله حين ينادي بوصف الإيمان؛ فإن ما بعد النداء يكون من مطلوبات الإيمان، التي على المؤمن أن يحققها في نفسه؛ لكي يستحق أن ينادى بهذا الوصف الإيماني. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا﴾ فعل أمر، يطلب الله من المؤمنين ويناديهم بصفة الإيمان؛ أن يستجيبوا لله وللرسول في كل ما يأمران به وينهيان عنه، ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا﴾ يا أمة الإيمان أن الله ، ورسوله ﷺ لا يدعوان ولا يأمران بشيء إلا إذا كان فيه حياة الأمة، استجيبوا لله ورسوله إذا دعاكم لما يحييكم، وليس المقصود بالحياة هنا الحياة التي نعرفها من أكل ومشرب ومطعم؛ لا، إنما الحياة العزيزة الحياة الكريمة، الحياة الطيبة، الحياة المطمئنة. حياة العلو، والعز والتمكين، والتوفيق والسداد، والهداية والرشاد، حياة القرب من الله والتماس الرضا منه ، كل ذلك مرتبط باستجابة الأمة لكتاب ربها وسنة نبيها ﷺ .

стр. 86

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ على المسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا أن ما يطلبه الله من عباده ما يأمر به وما ينهى عنه، وكذلك ما يأمر به رسول الله ﷺ فيه الفلاح والفوز والهداية والنجاح، وفيه -السعادة في الدنيا والآخرة- ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. وفي سورة الأنفال أيضًا بيان لأسباب النصر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ (الأنفال: ٤٥) هذا سبب، ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (الأنفال: ٤٥، ٤٦) يعني: تبين الآيات أن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ إنما هي من أسباب النصر، التي تجلب العون والتوفيق والحماية من الله وتستنزل نصره وتأييده وإعزازه للفئة المؤمنة، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: ٤٥، ٤٦). وأيضًا في سورة التوبة، يجعل الله طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ من أهم مقومات المجتمع المؤمن، من أهم العلامات التي تُميّز المجتمع المؤمن عن غيره من المجتمعات، في قوله تعالى خصوصًا بعد أن تحدث الله عن المنافقين قبل هذه الآيات، انتقل القرآن الكريم إلى الكلام عن المؤمنين: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة: ٧١) ما شأنهم؟ ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (التوبة: ٧١) طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ من أهم سمات المجتمع المؤمن، ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

стр. 87

الفئة المؤمنة عُوقبت في أكثر من غزوة بأن تخلَّى عنها النصر، أو ابتعد عنها لما تخلَّت عن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ ، وذلك في غزوة أحد مثلًا، لما ترك الرماة الموقف الذي أوقفهم إيَّاه رسول الله ﷺ وطلب إليهم ألا يغادروه مهما كان وضع المعركة بين المسلمين والكفار، لكنهم تصوَّروا أن المعركة انتهت لما كان النصر في أول الأمر للمسلمين؛ فنزلوا من على الجبل وكُشف ظهر المسلمين، وكان ذلك سببًا من أسباب انكسار المسلمين في تلك الغزوة بعد أن كان النصر معهم في أول المعركة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ولأننا قلنا من أول الأمر: إننا سنتوقف مع الآيات التي دلَّت في صراحة ووضوح على وجوب اتباع السنة، فإننا لن نتوقف مع الآيات التي تتضمن ذلك ضمنًا؛ حتى لا ينازع منازع في سلامة الأدلة التي نسوقها للاستدلال على هذه القضية الإيمانية العقدية الخطيرة، وهي وجوب اتباع رسول الله ﷺ . في آل عمران، وفي النساء مجموعة من الآيات كثيرة، في المائدة، في الأنعام، في الأعراف، في الأنفال، في التوبة، القرآن على مسيرته. في سورة النور مجموعة من الآيات التي تُحتّم طاعة رسول الله ﷺ بعد طاعة الله تعالى، وأيضًا سياق الآيات خطير حقيقة في سورة النور، كما كان في كثير من الآيات التي أشرنا إليها؛ لأننا أيضًا ننبه إلى ضرورة التنبه إلى دلالات الآيات، ليس المراد سرد الآيات فقط، وإنما التنبه إلى دلالاتها على القضية التي نستدلّ بها عليها.

стр. 88

في سورة النور: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ (النور: ٤٧)، وبمقتضى هذا القول يلزمهم أن يطيعوا الله تعالى، ورسوله ﷺ في كل ما يأمران به أو ينهيان عنه، لكن فعلهم لم يتطابق مع قولهم، ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: ٤٧) لننظر هنا إلى حكم الله تعالى عليهم رغم قولهم: آمنا بالله وبالرسول وأطعنا، لم يقولوا: وعصينا، كما قالت طوائف من البشر من بني إسرائيل، إنما قالوا: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ لكنهم لم يتطابق قولهم مع فعلهم، ثم يتولى، ثم يعرض ويبتعد فريق منهم بعد ذلك عن مقتضيات هذا القول، ولم يحسِنوا الاستجابة لأوامر الله تعالى ونبيه ﷺ ؛ فكانت النتيجة أن حكم الله عليهم بعدم الإيمان: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ لا يستجيبون للحق أو للمنهج الذي جاء به رسول الله ﷺ ، ونزلت به آيات القرآن الحكيم وأحاديث سيد المرسلين ﷺ إلا إذا كان فيه منفعتهم، إلا إذا كان فيه خير لهم، إلا إذا تصوروا أن ذلك يجلب نفعًا لهم، ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾. وفي تقسيم القرآن لمثل هذه الطائفة تقسيمٌ عجيب، هؤلاء الناس الذين لا يَقتربون من منهج الحق إلا بمقدار انتفاعهم به فحسب، هؤلاء يَندرجون تحت واحدٍ من ثلاثة: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ (النور: ٥٠) هذا تقسيمهم العقلي والواقعي لمن يتوقف ويتردد ويمتنع عن حكم الله ﵎، وحكم رسوله ﷺ ؛ إما في قلبه مرض النفاق والعياذ بالله، وإما عنده شكٌّ، وإما يعتقد بظلم الحكم الإلهي؛ ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾، وكل واحد من هذه الأسباب الثلاثة كافٍ في تدمير أصحابه

стр. 89

والذهاب بهم إلى الهلكة وإلى النار، والعياذ بالله ﵎، ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ نعم، هم الظالمون لأنفسهم، والظالمون لأمتهم، والظالمون لدينهم، والظالمون لقرآنهم، ولسنة نبيهم ﷺ حين تجافى قولهم مع فعلهم، وحين أعرضوا عن حكم الله ﵎، وحكم النبي ﷺ ، وبحثوا عن أحكام أخرى تتوافق كما يَرونه موافقًا لمصلحتهم. وفي الحقيقة، فإن القرآن الكريم حدثنا عن طائفةٍ من الناس، اقترابها من منهج الإيمان بمقدار انتفاعها منه، لو كلفهم الإيمان مثلًا تكلفة مالية أو بدنية، في الجهاد في الصدقات كذا- ربما تثاقلوا ولم يستجيبوا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (الحج: ١١) والعياذ بالله! هؤلاء صنف من الناس -كما قلنا- اقترابهم من منهج الإيمان هو اقتراب نفعي مبنيّ على المصلحة، ليس على صدق اليقين، وعلى قوة الاعتقاد، وعلى الفهم الناضج الذي بمقتضاه يعلمون أن ما حكم به الله تعالى وما حكم به رسول الله ﷺ هو سيد الأحكام، وأعدل الأحكام وخير الأحكام، لكنهم نظروا فقط بمقدار منفعتهم العاجلة التي يبحثون عنها. ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ (النور: ٤٧ - ٤٩) لا يستجيبون للحق ولا يخضعون له إلا إذا كان في صالحهم وفي جانبهم، أما إذا كان عليهم فهم لا يستجيبون له، ولذلك وضعهم الله ﵎ تحت صنفٍ من هؤلاء الأصناف الثلاثة، وحكم عليهم بعدم الإيمان، ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ خصوصًا إذا تصاعد اعتراضهم إلى درجة الإنكار والجحود، والعياذ بالله.

стр. 90

ثم جاءت الآيات لتبين بعد ذلك موقف المؤمنين الخُلَّص السعداء، الفاهمين، الواعين، المدركين لعظمة هذا الدين، وعظمة أوامره، وأنها جاءت كلها لصالح المؤمن في دنياه وفي آخرته: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (النور: ٥١) هذا شأن المؤمنين ولذلك حكم الله لهم بأن قال -عز من قائل-: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (النور: ٥٢) فلاح وفوز، ارتبطا معًا بطاعة الله ﵎ وطاعة رسوله ﷺ : ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ نالوا الفلاح ونالوا الفوز ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ختام الآيتين جاء بأسلوب القصر عن طريق تعريف الطرفين: المبتدأ والخبر، المبتدأ والخبر في كلا الجملتين جاء معرفة؛ في الآية الأولى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أولئك: مبتدأ، والمفلحون: خبر، أيضًا إشارة إلى أن الفلاح مرتبطٌ بطاعة الله ﵎ والاستجابة لحكم رسوله ﷺ . ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ أيضًا الفوز في الدنيا وفي الآخرة مرتبط بخشية الله، بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، وجاءت الجملة أيضًا معرفة الطرفين للدلالة على هذه الحقيقة وتأكيدها. في سورة النور أيضًا: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ قل للمؤمنين: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (النور: ٥٤) الفوز والفلاح والهداية كما كان في سورة الأعراف، وكما كان في غيرها من الآيات، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ كل

стр. 91

واحد يبوء بالحمل الذي وضعه الله ﵎ عليه وكلّفه به، الرسول ﷺ بلَّغ، وأدَّى، ونصح، وكشف؛ فجزاه الله تعالى عن أمة الإسلام خيرًا، وعن كل مسلمٍ استجاب له، وهداه الله به إلى معالم الهدى والإيمان. وأيضًا بعد ذلك بآيات: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ جملة من الآيات متقاربة في سورة النور أشرنا إليها، وهي أيضًا من السور التي ذكرت صراحة اتباع رسول الله ﷺ . سورة الأحزاب فيها آيات أيضًا تحثُّ على الطاعة، وتطلب من المؤمنين حسن الاستجابة لرسول الله ﷺ : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٣٦) هذه الآية تنفي الاختيار عن المؤمنين حين يكون هناك حكم لله ﵎ ولرسوله ﷺ . الاختيار في حقيقته يكون بين شيئين أو بين مجموعة من الأشياء، والذي يختار يُقارن بين هذه الأشياء؛ ليختار من بينها في النهاية ما يؤدِّي إليه اجتهاده، من أنه أكثر فائدة وأقلّ ضررًا، مثلًا أشتري قطعة الأرض هذه أو تلك، أركب هذه السيارة أو تلك، أفعل كذا أو كذا أو كذا إلى آخره، أصلُ عملية الاختيار أنها لا تتم إلا بين خياراتٍ متعددة. المؤمن سيختارُ بين حكم الله ﵎ وحكم من لا يَستقيم في منهج الإيمان أبدًا أن يختار المسلم بين حكم الله ﵎ وحكم الرسول ﷺ ، وبين حكم غيرهما. المقارنة أصلًا معقودة لصالح حكم الله ﵎ وحكم النبي ﷺ ؛ بل الدقة تقتضي أن نقول: لا يجوز أن ترِد المقارنة على الذهن أبدًا، كيف أقارن بين منهج الحق وبين غيره من المناهج؟ الذي يأتينا من عند الله

стр. 92

هو الحق ولا حق سواه، ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: ٢٩)، ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (يونس: ٣٢) كيف؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: ٢٤) أشرنا في الدروس السابقة إلى قول الصحابي الجليل: "نهانا رسول الله ﷺ عن أمرٍ كنا نرى فيه خيرًا، وأمر رسول الله ﷺ خير وأرشد" نعم خير وأرشد وأنجح، وأكثر سعادة وتوفيقًا وهداية، طريق الهدى الذي عصم الله به البشرية من التردِّي في مهالك الرذيلة، ومن السير في طريق الغواية والضلالة، والظلمات والجهالة، كشف الله كل ذلك بمنهج الإيمان المتمثّل في القرآن الكريم، وفي السنة المطهرة. ولذلك كان نسق الآية عجيبًا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٣٦) كان من الممكن مثلًا أن يكون التعبير القرآني: وما كان لرجل وامرأة أو لذكر وأنثى أو لبشر إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. إنما آثر القرآن الكريم التعبير بوصف الإيمان، هل يوجد مؤمن في الدنيا تردُ على ذهنه المقارنة بين حكم الله ﵎ والنبي ﷺ وبين حكم غيرهما؟ مستحيل، ولذلك اختار الله صفة الإيمان التي تنبّه المؤمن العاقل الرشيد إلى أنه لا يجوز له أبدًا أن يُقارن هذه المقارنة الظالمة الآثمة التي قد تؤدِّي بصاحبها إلى الهلاك والتردِّي والعياذ بالله، ولذلك أيضًا ختم الله ﵎ بقوله -عز من قائل-: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ وكأن ختام الآية بوصف المعصية بالضلال؛ لتبين لنا أن مجرد الاختيار، أو أن يرد على الذهن اختيار أو ترد مقارنة، هذه في حد ذاتها معصية، حتى لو انتهى المؤمن بعد ذلك إلى اختيار

стр. 93

حكم الله ﵎ وحكم نبيه ﷺ . ما موقفه إيمانًا أو إيمانيًّا من الأوقات التي توقّف فيها، وجلس يقارن بين حكم الله ﵎ وحكم النبي ﷺ من ناحية، وبين حكم غيرهما. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ أيضًا في سورة الأحزاب، وهي وإن كانت في ترتيبها قبل هذه الآية: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: ٢١) في الحقيقة الله في هذه الآية حصر أسوة المؤمنين في رسول الله ﷺ وقصرها عليه، بمقتضى هذه الآية ليس من حقنا أبدًا أن نأتسي بغير النبي ﷺ وهذا القصر أودُّ أن ألفت النظر إليه عن طريق إعراب الآية: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ نقول: اللام للتأكيد، وقد حرف تحقيق، كان فعل ماض، هذا من البدهيات، كان لكم: جار ومجرور متعلق بالأسوة، هذه الأسوة لكم يا مؤمنون، لقد كان لكم: أين اسم كان وخبرها؟ لقد كان لكم في رسول الله: هذا جر في رسول جار ومجرور خبر مقدم، أو متعلق بمحذوف خبر مقدم كما يقول النحاة، ولفظ الجلالة مضاف إلى رسول، في رسول: خبر مقدم أو متعلق بخبر مقدم، ولفظ الجلالة مضاف إليه، وأسوة: هي المبتدأ، أو هي اسم كان، وأسوة نكرة، وأهل النحو يقولون: لا يجوز الابتداء بالنكرة إلا بمسوغات، ومنها أن تُوصف كما هي هنا، حسنة: صفة لأسوة، وترتيب الجملة على النسق النحوي: لقد كان أسوة حسنة في رسول الله لمن كان يرجو الله واليوم الآخر. وفي الحقيقة فإن علم النحو لا يمنع من أن تأتي الجملة على ترتيبها النحوي المعهود: المبتدأ أولًا والخبر ثانيًا، خصوصًا أن كلمة "أسوة" كما ذكرنا وُصفت، وما دامت قد وُصفت فلا مانع من أن تأتي بها أولًا، وقد جاء ذلك في القرآن الكريم في سورة الممتحنة مثلًا ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ (الممتحنة: ٤)

стр. 94

الجملة هناك في سورة الممتحنة جاءت على ترتيبها النحوي المعروف، إنما في سورة الأحزاب لم تأتِ على ترتيبها النحوي رغم أن علم النحو -كما ذكرنا- لا يمنع؛ نظرًا لأن المبتدأ -وإن كان نكرة- إلا أنه وُصف؛ إذًا فإن السبب هنا بلاغي، وهو إفادة القصر، بمعنى أن الله جاء بالجملة على النسق البلاغي؛ بمعنى تقديم الخبر أولًا على المبتدأ؛ ليبين أن أسوة المسلمين وقدوتهم محصورةٌ في رسول الله ﷺ ، ليس من حقهم أبدًا أن يأتسوا، أو أن يقتدوا بغيره أبدًا، ولذلك ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ لكم: الخطاب لمن؟ للمؤمنين، هو لا يخاطب الذين لم يؤمنوا برسالة النبي ﷺ . ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أسوتنا بمقتضى هذه الآية محصورة في النبي ﷺ ، أو فيمن يبيح لنا النبي ﷺ أن نأتسي بهم، كما في الحديث الصحيح مثلا: ((فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)). حين يبيح لنا رسول الله ﷺ أن نأتسي بسنة الخلفاء الراشدين المهديين هل هذا متعارض مع الآية؟ لا. لأن استجابتنا لهدي الخلفاء الراشدين إنما هو اتباع للسنة من وجهين: الوجه الأول: أن اتباعنا لهديهم هو امتثال لأمره ﷺ الذي قال لنا ذلك: ((فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي))، وأيضًا لأن هدي الخلفاء الراشدين لا يُخالف هدي النبي ﷺ بل هو تابع له؛ فاتباعنا لهم إنما هو اتباعٌ للنبي ﷺ من هذين الوجهين معًا. وحين تقصر الآية أسوة الأمة في النبي ﷺ ، فإن ذلك يوضّح بجلاء حجية السنة؛ لأننا نطرح تساؤلًا: كيف نأتسي بالنبي ﷺ ؟ الائتساء به يكون بامتثال أمره

стр. 95

واجتناب نواهيه، ولذلك كما قلنا في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (النساء: ٥٩) لماذا آثر التعبير بالرسول؟ ولم يقل: فردوه إلى الله وإلى محمد؟ لإغلاق الباب أمام أي زاعم يزعم: أن محمدًا قد مات، فانقطع الرد إليه بموته، نفس القضية هنا في سورة الأحزاب "لقد كان لكم في محمد أسوة حسنة" لا. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، إذن بما أن رسالته مستمرة فالائتساء به مستمرٌ إلى يوم القيامة، ولو جاءت الآية "لقد كان لكم في محمد" لربما زعم زاعم من المعاندين دائمًا يقول: إن محمدًا قد مات، فالأسوة به قد انقطعت بموته، لكن رسالته باقية، وسنته قائمة؛ فالائتساء بهما قائم إلى يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ والخطاب هنا للمؤمنين، ومعنى ذلك: أنهم قد يتخلون عن منهج الإيمان إذا لم ينفّذوا هذا الأمر الإلهي الكريم، وهو حصر الأسوة في رسول الله ﷺ . وفي سورة الأحزاب أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٧٠، ٧١) الفوز العظيم الذي لا تصور لعقل بشري لمداه مرتبط بطاعة الله ﵎ وطاعة رسوله ﷺ ، وهذا الفوز يستمر بصاحبه إلى أن ينجيه الله تعالى من النار، وأن يدخله الجنة كما ورد في قوله ﵎ في سورة آل عمران: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (آل عمران: ١٨٥)، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٧١). أيضًا في سورة الفتح: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ

стр. 96

حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (الفتح: ١٧). قبلها في سورة محمد ﷺ سورة القتال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: ٣٣)، في سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (الحجرات: ١) ونلفت النظر أيضًا إلى دلالة النداء بوصف الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بعد أن نادانا الله ﵎ بهذا الوصف ماذا يطلب منا؟ ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أين مفعول لا تقدموا؟ ينهانا الله أن نقدم ماذا؟ هنا حُذف المفعول للعموم؛ لا تقدموا حبًّا على حبهما، لا تقدموا ولاء على ولائهما، لا تقدموا حكمًا على حكمهما، لا تقدموا طاعة على طاعتهما، لا تقدموا انقيادًا لأحد على الانقياد لهما، لا تقدموا، لا تقدموا، كل ما يمكن أن يتصوره العقل من صور التقديم لأي شيء تتعلق به أهواؤنا أو نفوسنا، أو يدفعنا إليه الحرص على المال، أو المنصب، أو ما شاكل ذلك، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيم﴾ (الحجرات: ١). بل إن القرآن بالأحرى يطلب من المؤمنين ألا ترتفع أصواتهم فوق صوت النبي، وأيضًا ليست بعيدة هذه الآية عن الاستدلال للسنة، الذي مجرَّد أن يرفع صوته مع النبي ﷺ ؛ سواء كان النبي حيًّا أو ميتًا، فإنما يبوء بوزر عظيم، وقد يتعرض لخطر شديد كما وردت الآية: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (الحجرات: ٢) رفع الصوت فقط قد يؤدِّي إلى أن تحبط الأعمال والعياذ بالله، فما بالك بمن يقدّم حكمًا على حكم رسول الله ﷺ !.

стр. 97

في سورة المجادلة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ طاعة الله ورسوله فإن لم نفعل قد نتعرَّض لخطر شديد نبهنا إليه مرارًا، إذا لم نقدم بين يدي نجوانا صدقات على مناقشة لأحكام هذه الآية، فإن لم تفعلوا فطاعة الله ورسوله واجبة حتمًا عليكم، وعليكم أن تستجيبوا لهذا الأمر الإلهي. أيضًا في سورة التغابن: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (التغابن: ١٢) أمر بطاعة الله ﵎ وطاعة رسوله ﷺ ، لما نتعرض لحجية السنة من القرآن الكريم لا يكاد البعض يتصوَّر إلا آية الحشر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) ولذلك قلنا في أول حديثنا عن حجية السنة من خلال آيات الذكر الحكيم: أنها قضية قرآنية. هذه دلالات كثيرة في الآيات تبين خطورة المسألة وأنها فعلًا قضية قرآنية. تحذير القرآن الكريم من مخالفة النبي ﷺ - والآن سنعود لنبدأ مع القرآن من جديد لنقف أيضًا مع آيات أخرى في طريقة عرضها لهذه القضية، وهي الآيات التي حذَّرت من مخالفة النبي ﷺ ، في سورة آل عمران: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: ٣١، ٣٢) إن وصلت معاندة السنة إلى حد التولي والإعراض، والإنكار والجحود؛ فإن ذلك ينتقل بصاحبها من معسكر الإيمان إلى معسكر الكفر والعياذ بالله ﵎، والدليل على ذلك قول الله ﵎: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾.

стр. 98

أيضًا، في سورة النساء حين تحدثت الآيات الكريمة عن قضية المواريث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (النساء: ١١) ختم الله الآيات بعد ذلك ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾؛ إشارة إلى كل ما ذكره من تفصيلات في الميراث، وإياك أن تُعرض عن حدود الله، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (النساء: ١٣، ١٤) إشارة إلى الحدود، تشريعات من الله ، لا يجوز لنا أن نتجاوزها، وتشريعات من النبي ﷺ في المواريث وفي غيرها، هذا ما حدَّه الله تعالى، وهذا ما حدَّه رسوله ﷺ ، ما بيَّنه للأمة، على الأمة أن تقول: سمعنا وأطعنا، ولذلك مُدح المؤمنون بأنهم وقَّافون عند حدود الله، محافظون عليها، مستجيبون لها، مستمسكون بها، لا يحيدون عنها قيد أنملة، في سورة التوبة: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: ١١٢) ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ أي: الذين يستجيبون لحكم الله ﵎، وحكم نبيه ﷺ ، فيأتمرون بما أمر به وينتهون عما نهى عنه. وفي سورة النساء أيضًا: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: ١١٥) كيف تكون مشاققة الرسول ومعاندته ومحاددته؟ بالإعراض عن سنته، بعدم الاستجابة لأمره، ولن يشفع لأي متقوّل -حتى لو قال: آمنت بالله وبرسوله- ما لم يعضد قوله بالتنفيذ والاستجابة لحكم الله ﵎ وحكم النبي ﷺ .

стр. 99

﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ وحتى الآية نصَّت على الرسول فقط هنا؛ للدلالة على أهمية المسألة، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. وفي سورة الأنفال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال: ١٣) سُلَّط على المعاندين العذاب، لماذا؟ لأنهم شاقوا الله ورسوله، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وآية النساء التي ذكرناها: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ شدَّة العقاب التي أشار الله إليها في سورة الأنفال وردت في آيات كثيرة، ومنها سورة النساء التي ذكرناها، ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. أيضًا في سورة التوبة من الآيات التي حذَّرت من مخالفة النبي ﷺ ، وبيَّنت مغبَّة ذلك قول الله ﵎: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: ٦٣) ذلك الخزي العظيم المتركز في محاددة الله ﵎ ومحاددة رسوله ﷺ ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ شديد عقابه، خزي عظيم في الدنيا والآخرة يتسلط عليه؛ لمعاندته ومشاققته ومحاددته لمنهج الله ﵎، ومنهج رسوله ﷺ . في سورة النور: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: ٦٣) يصيبهم بلاء، فتنة، ضلال، أو عذاب أليم، حين تُخالف أمر النبي ﷺ وتصدر عن هدي غير هديه، وتطبّق منهجًا غير منهجه؛

стр. 100

فأنت قد عرّضت نفسك لغضب الله، ولذلك العقاب الشديد الذي أشارت إليه الآيات ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. في سورة محمد ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ (محمد: ٣٢) الضرر واقع عليهم، البلاء محيط بهم، إحباط أعمالهم، تضييع ثمرة جهدهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾. في سورة المجادلة آيتان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (المجادلة: ٥) كبت، مهانة، ذلّ، خسار، حسرة، ندم ﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. أيضًا في سورة المجادلة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّين﴾ (المجادلة: ٢٠) الذين يُحادون الله ورسوله، هؤلاء ضُربت عليهم الذلة والمسكنة والمهانة، والخزي والعار والندامة، أتوا به لأنفسهم وجلبوا كل ذلك لهم؛ بمعاندتهم ومحاددتهم لرسول الله ﷺ ، ومحاددتهم لله ﵎، وأيُّ محاددة لرسول الله ﷺ هي محاددة لله ﵎؛ لأن الله هو الذي أوجب طاعة رسوله ﷺ ، ولذلك خُتمت السورة ببيان أن العزة والفلاح للفئة المؤمنة المطيعة لله ورسوله ﷺ ، المقدّمة لولائها لله ﵎ ولرسوله ﷺ على أي ولاء آخر. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّين * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ (المجادلة: ٢٠، ٢١) قضى الله تعالى قضاء محكمًا مبرمًا لا بد أن يقع حتمًا بأنه هو الغالب ورسله -عليهم الصلاة والسلام-، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، لا توجد مواددة

стр. 101

أبدًا بين مؤمن وبين من حادّ وعاند، وشاقق وخالف وعاند منهج الله ﵎ ومنهج رسوله ﷺ : ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (المجادلة: ٢٢). بعد الاستعراض لهذه الآيات، هل يجادل أحد في أن حجية السنة قضية إيمانية، وقضية عقدية، وقضية قرآنية؟ وهل إذا تعرضنا لهذه المسألة لا نكاد نذكر إلا آية الحشر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولَ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ رغم أهميتها، ونترك هذا العدد الهائل من الآيات التي جاءت على امتداد القرآن كله من السور الطويلة، والسور القصيرة إلى آخره؟! وصلِّ الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 102

الدرس: ٧ أدلة حجية السنة المطهرة (٣) .

стр. 103

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع (أدلة حجية السنة المطهرة (٣)) أدلة حجية السنة من الأحاديث النبوية الشريفة الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: حجية السنة المطهرة من خلال أحاديث سيدنا رسول الله ﷺ : وكما اهتمَّ القرآن الكريم بقضية السنة اهتمت السنة أيضًا، نبَّه النبي ﷺ في كثيرٍ من الأحاديث إلى ضرورة اتباعه واتباع هديه ﷺ ، ولذلك عَقَد المُحدِّثون كُتبًا في أبوابهم؛ لضرورة اتباع السنن واجتناب البدع، فعل ذلك الترمذي، وفعل ذلك أبو داود ﵏ جميعًا- والإمام البخاري عقد كتابًا، باب الاعتصام بسنن رسول الله ﷺ ، والاهتداء بهديه ﷺ . إذن، الأحاديث كثيرة جدًّا، وأيضًا سنتوقف مع الأحاديث التي تدل في صراحة ووضوح على ضرورة اتباع السنة المطهّرة، روى البخاري ومسلمٌ -رحمهما الله تعالى- من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قولَه ﷺ : ((كل أُمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)) هذا حديثٌ رواه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ . والحديث له دلالته: ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)) فقد عاند وجحد، الذي يتوقف في السنة وفي حجيتها، وفي وجوب طاعتها وحين سُئل النبي ﷺ عن الذين أبوا عرَّفهم بأنهم هم الذين عصوا الرسول ﷺ ، الذين عاندوه، وشاققوه، وحاددوه، وابتعدوا عن هديه، والتمسوا هديًا آخر غير هديه ﷺ ، هؤلاء هم اختاروا طريقهم هم أحرار، لكن القضية أن تشتدّ الظلمات عليهم، فيتصورون أنهم لم يبتعدوا عن هدي القرآن الكريم، أو عن هدي النبي ﷺ .

стр. 104

وفي الحقيقة القرآن الكريم والنبي ﷺ نزلت عليه هذه الآيات؛ لتبين أن هناك أناسًا قد تضيع أعمارهم في الشرِّ والباطل، وهم يتصورون أنهم يحسنون صنعًا: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف: ١٠٣، ١٠٤) نسأل الله أن يبصّرنا، وأن يهدينا، وألا تصل بنا العماية إلى هذا الحد المهين والعياذ بالله! فتضيع الأعمار، ويتصور أصحابها أنهم قد أفنوها في خير، أو في برّ، يظل طوال عمره يجحد السنة، ويشكك في الأحاديث، وفي هدي النبي ﷺ ، ويؤلف الكتب في ذلك، وهو يتصور أنه قد يقدّم خيرًا لإسلامه، فنسأل الله العصمة والسلامة. أيضًا، من الأحاديث التي وردت في هذا حديث رواه البخاري ومسلم، وله قصة، النبي ﷺ يقول: ((أيها الناس، إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا، قالوا: أفي كل عام يا رسول الله؟ سكت النبي ﷺ حتى قالها الرجل ثلاثَ مرات، ثم قال: لو قلت: "نعم" لوجبت، ولما استطعتم)) القائل هو رسول الله ﷺ إذا قال: نعم؛ فقد وجبت الطاعة. إذن، النبي ﷺ يبين أنه يشرع وأن تشريعه يجب على الأمة، وبعد ذلك حذر الأمة فقال: ((ذروني ما تركتكم)) ما دام أنا سكت اسكتوا أنتم، ولو كان الأمر واجبًا في كل عام لبيّنته من غير سؤال؛ لأن تأخير البيان عن موضع الحاجة لا يجوز، كيف أتأخر عن بيان أمرٍ كلفني الله ﵎ به وهذا هو موطنه، هل كان الحج واجبًا على الناس في كل عام، أو هل يكون الحج واجبًا في كل عام، ثم يقول النبي ﷺ : ((أيها الناس، إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا)) ويسكت من غير أن يبين أنه في كل عام، ولذلك كان على السائل أن يتنبَّه إلى أن سكوت النبي ﷺ دلالة على أنه ليس مفروَضًا في كل عام.

стр. 105

والنبي ﷺ في مثل هذه الأحوال يخشى أن تؤدِّي كثرة المسائل إلى مشقَّة على المسلمين، فيكون صاحبه من أعظم الناس جُرمًا حين تؤدِّي أسئلته إلى مشقة على المسلمين، والنبي ﷺ هو الرءوف الرحيم بهذه الأمة، ولذلك طلب من الأمة ((ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم))، ولعله ﷺ يشير إلى ما ورد في سورة البقرة من موقف بني إسرائيل حين طلب منهم الله على لسان نبيه موسى ﵇ أن يذبحوا بقرة، ولو أتوا إلى أي بقرة وذبحوها لكانوا قد استجابوا لأمر الله، ولكنهم جعلوا يضعون أسئلة يشقُّون على أنفسهم؛ فشق الله عليهم ولم يجدوها إلا بصعوبة. على كل حال، هذا حديث يُبيِّن أن على المسلمين أن يستجيبوا لأمر الله ﵎ وأمر النبي ﷺ ، وألا يسألوا أو يجادلوا ما دام الأمر واضحًا وجليًّا. أيضًا، من الأحاديث التي تدل على اتباع السنة: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عنه فاجتنبوه))، أو ((وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)) هذا حديث أيضًا رواه البخاري في كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنة رسول الله ﷺ ، وأيضًا هو من حديث أبي هريرة ﵁: ((إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)) هذا توجيه من النبي ﷺ للأمة أن تفعل ما يأمرها بها، أو ما يأمرها به نبيها ﷺ وأن تنتهي عما نهى عنه. لكننا نلاحظ أنه في مجال الأمر قال: ((فأتوا منه ما استطعتم))، ونطرح هنا تساؤلًا هل ينطبق ذلك على الواجبات، لا، لماذا؟ لأن الواجبات لا بد من فعلها، حتمًا على المسلم أن يفعل ما أوجبه الله تعالى عليه، أو ما أوجبه عليه رسوله ﷺ يعني: مثلًا لما ضربنا مثالًا لما أوجبته السنة بزكاة الفطر مثلًا، فهل يملك المسلم ألا يخرج زكاة الفطر، لا يستطيع ذلك، ولا يملك هذا: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)) أمرٌ من النبي ﷺ أن نبدأ الصيام حين نرى هلال

стр. 106

رمضان، وأن نفطر حين نرى هلال شوال، هل نملك غير هذا؟ لا نملك غير هذا، إنما "استطعتم" تنصرف إلى غير الواجبات، لا تُحمل على الوجبات لسببين: السبب الأول: أن الوجبات لا بد من فعلها. والسبب الثاني: أن الله ﵎ ونبيه ﷺ لم يُوجبا على الأمة إلا ما تستطيع أن تفعله؛ لأن أصل التكاليف مبنيٌّ على القدرة والاستطاعة، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: ٢٨٦)، ورفع الله الإصر عن هذه الأمة؛ تكريمًا لنبيها ﷺ في صور كثيرة، وخفف عنها في أحكام كثيرة. إذن، ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) لا يحق لأحد أن يأخذ منه دليلًا على الكسل أو التراخي في الاستجابة لأمر الله ﵎ وأمر نبيه ﷺ في غير الواجبات، بل إن الحديث يضع قاعدة هامة جدًّا هنا وهي أن العلاقة بين المسلم وبين أمور الشرع غير الواجبة هي أن يأتي منها ما استطاع، بعبارة أخرى: ألا يتركها حين يكون مستطيعًا، إننا لو أخذنا معنى السنة بالمعنى الفقهي: ما يُثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، فهل منا من هو مستغنٍ عن الثواب، لا أحد من المسلمين يستغني عن الثواب أبدًا، وقد يحتاج ميزانه يوم القيامة إلى بضع حسنات تثقل وترجح بهما كفة الحسنات حتى ينجو الإنسان من هول ذلك اليوم الشديد. إذن ((فأتوا منه ما استطعتم)) تربية للأمة أن العلاقة بين الأمة وبين أوامر شرعها المستمدة من كتاب ربها ومن سنة نبيها ﷺ هي علاقة حب، هي علاقة أداء برغبة، بتطلع، بشغف، بحمدٍ لله على التوفيق إلى نعمة الاستجابة. كثير ما نلاحظ في واقع الأمة يعني: هذا أمر سنة، يعني: ليس واجبًا! يكسل عنه البعض، هذا يتعارض مع قوله ﷺ : ((فأتوا منه ما استطعتم)) لا نستهين

стр. 107

بشيء من أوامر الشرع، ولا نقول: إنه ليس بواجب، أنت لست مستغنٍ عن الثواب. وفي الحقيقة، هذا كان منهج الصحابة في التعامل مع أوامر النبي ﷺ ، لم يدخلوا إلى المسألة من باب: هل هذا واجب أو غير واجب؟ وإنما يكفيهم شرف الاقتداء برسول الله ﷺ ، ولذلك مثلًا لم نسمع أن صحابيًّا لم يكن ملتحيًا مثلًا؛ لأنهم لم يدخلوا إلى الأمر بالمناقشة التي تُجرى الآن: واجبة أو غير واجبة؛ إنما النبي ﷺ ملتحٍ فليقتدوا به، يلبسون كما يلبس، ينامون كما ينام، يأكلون كما يأكل، يعني: يتتبعون هديه في كل صغيرة وكبيرة بشغف وحب وتقدير واحترام، ورغبة صادقة في هذا الائتساء العظيم؛ رجاء ما عند الله، وأن يفوزوا، وأن ينالوا القرب من النبي ﷺ في الجنة وشفاعته بإذن الله ﵎. أيضًا، من الأحاديث التي تدل على وجوب اتباع السنة قول النبي ﷺ في حديث حقيقة خطير وهام، حديث حذيفة -رضي الله ﵎ عنه- في الصحيحين، وهو حديث فيه فوائد عظيمة وجليلة، لكني سأقتصر على الجزء الخاص بمتابعة النبي ﷺ ومتابعة القرآن الكريم، هذا الحديث يقول حذيفة -رضي الله تعالى عنه- في مطلعه: ((حدثنا رسول الله ﷺ حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال)) يعني الفطرة أمانة التكاليف بمعنى: أن الله فطرنا عليها وعلى معرفتها، إما أن نطبق بعد ذلك أو لا نطبق، ((حدثنا أن الأمانة نزلت في جَذر)) جَذر وجِذر، يجوز فتح الجيم وكسرها، وهي الجذر: أصل كل شيء، كما هو أصل النبات هو أصل كل شيء، محل الشاهد: ((ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة))، السنة تُشرّع كما يُشرع القرآن الكريم تمامًا، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة.

стр. 108

وبإيجاز، الله فطرنا على معرفة الحق والاهتداء إليه، ولكن الله لم يُقم حجته علينا بالفطرة فقط؛ لأن الله يعلم أن الفطرة قد تُنسخ بفعل فاعل، كما ورد في الحديث الصحيح: ((كل مولود يُولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدناه، أو ينصرانه، أو يمجسانه)) ولكي لا يعتذر معتذر بأن فطرته قد مُسخت، ولم يعد يعرف الحق من الباطل، أو يعرف الخطأ من الصواب أنزل الله ما يريده من عباده في كتاب تعهد بحفظه، وفي سنة أيضًا تعهد بحفظها، أرسل بالاثنين معًا رسوله ﷺ ، ولذلك قال النبي ﷺ : ((نزلت الأمانة في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن؛ فعلموا من القرآن وعلموا من السنة)) أي: أقام الله عليهم الحجة برسول الله ﷺ ، وبالقرآن الكريم، وبالسنة المطهرة. ولا يستطيع مسلم أن يزعم الآن أنه لا يعرف ما يُراد منه على وجه التحديد، إلا أن يكون ذلك من باب المجادلة العقيمة، أو من باب التنطع، ونسأل الله السلامة من كل ذلك. حديث حذيفة هذا رواه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الرقاب باب رفع الأمانة، وفي الفتن باب إذا بقي حثالة من الناس، ورواه في كتاب الاعتصام باب الاقتداء بسنن الله ﷺ ، ورواه مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب الإيمان باب رفع الأمانة والإيمان من القلوب. أيضًا من الأحاديث التي تدل على وجوب اتباع السنة ما ورد عن رسول الله ﷺ من حديث رواه الترمذي -رحمه الله تعالى- ورواه أيضًا أبو داود وغيرهما. قال عنه الترمذي: إنه حسن صحيح، من حديث العرباض بن سارية -رضي الله تعالى عنه- قال: ((صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودِّع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال ﷺ : أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًّا -أي: وإن كان الذي تولَّى أمركم عبدًا حبشيًّا-

стр. 109

فإنه من يعشْ بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)). هذا حديثٌ رواه الإمام أحمد ورواه الترمذي، وكما قلنا: رواه الترمذي في كتاب العلم باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع. العصمة من البدعة العصمة من الاختلاف، العصمة من التنازع، العصمة من تعدد الأهواء، كل ذلك مرهون باتباع كتاب الله ﵎، واتباع النبي ﷺ . ((تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ)) لا تفرطوا فيها أبدًا، لا تستبدلوها بغيرها، لا تركنوا إلى أي حكم آخر غير حكم الله -تبارك تعالى- وحكم رسوله ﷺ ((تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة))، نسأل الله السلامة من الضلالات ومن البدع. إذن، السنة عصمة من الاختلاف، عصمة من البدع، وفي الحقيقة أنا أقول لكل مسلم: لا وسط، أنت في أي موقف من المواقف إما أن تكون على بدعة، وإما أن تكون على سنة، حين لا تكون على سنة فبالضرورة يكون الموقف على بدعة؛ لأنه لا وسط بينهما، هذان من الأمور المتضادة التي لا تجتمع معًا ولا ترتفع معًا، في أي قضية من القضايا في جمعك لمالك أنت متبع للسنة، أو مخالف لها فأنت على بدعة، في معاملتك لأهلك وأولادك، في طعامك في شرابك، لا وسط، ((وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة)) والبدعة ضلالة، وقد تؤدي بصاحبها إذا استمسك بها واستمر عليها أن يكون من أهل النار، والعياذ بالله ﵎. أيضًا، من الأحاديث التي وردت في وجوب اتباع السنة ما رواه البخاري ﵀-

стр. 110

من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنهما- قال: ((لعن الله الوَاشِمَات والمُسْتَوْشِمَات، والمُتنمّصات))، وفي رواية: ((والنَّامِصَات والمُتَنَمِّصَات، والمتفلِّجات للحسن، المغيرات خلق الله)) قالت له امرأة من الأنصار تُسمى بأم يعقوب: ما هذا؟ وفي رواية: "فقالت امرأة في ذلك" بمعنى: أن المرأة تستغرب من عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- وهو أحد أكابر الصحابة في علمه، وفهمه، وزهده، وورعه، ومن أصحاب الصلة الوثيقة بكتاب الله ﵎، وسنة نبيه ﷺ ومن السابقين للإسلام يقول: ((لقد رأيتني وأنا سادس ستة ما يوجد على الأرض مسلم غيرهم)). الحديث كأنه في الرواية هذه هو من قول النبي ﷺ ، لكنه في هذه المرة كأن عبد الله هو الذي قال ما نسميه موقوفًا، أن عبد الله بن مسعود ﵁ قال؛ إذن عبد الله بن مسعود هو الذي يقول. ماذا قال؟ قال: ((لعن الله الواشمات والمستوشمات)) إلى آخر ما ذكرنا، المرأة المسلمة الصالحة الأنصارية خافت عليه أن يشرّع من قبل نفسه فقال -رضي الله تعالى عنه: ((وما لي لا ألعن من لعنه رسوله الله، وهو في كتاب الله))، قالت المرأة: ((والله لقد قرأتُ ما بين اللوحين فما وجدته)) المرأة هنا تبحث في القرآن عن ((لعن الله الواشمات والمستوشمات، ولعن الله النامصات والمتنمصات، ولعن الله المتفلّجات للحسن المغيرات خلق الله)) كأنها تريد هذا النص بذاته في القرآن الكريم، لكن عبد الله قال لها: "والله لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، ألم تقرئي قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) " هذا داخل تحت هذه الآية، وتحت غيرها من الآيات التي تُوجب طاعة النبي ﷺ . فالحديث فوق دلالته على وجوب اتباع النبي ﷺ هو أيضًا قاطع في دلالته على أن النبي ﷺ يُشرّع كما يُشرّع الله تعالى، وعلى المسلمين أن يقولوا: سمعنا وأطعنا.
следующие страницы →