← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 95991

الدفاع عن السنة - جامعة المدينة (بكالوريوس)

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (382 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الحادي عشر (دفع الشبهات المثارة حول حُجية السنة المطهرة (٤)) تقسيم الحديث باعتبار عدد الرواة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد: المتواتر والآحاد: والكلام عن المتواتر والآحاد له نقاط عديدة؛ منها: أن نبين أن المحدّثين لهم تقسيمات متعددة للحديث باعتبارات متعددة: فمثلًا: ينقسم الحديث عندهم باعتبار صحته أو عدم صحته إلى ثلاثة أقسام: صحيحٍ، وحسن، وضعيف، وينقسم أيضًا باعتبار آخر إلى: مقبول، ومردود. فالمقبول -عند هؤلاء الذين قسموا هذا التقسيم- يشمل الصحيح والحسن معًا، والمردود يشمل الضعيف بكل أنواعه، وهناك من يجعله نوعًا من أنواع الضعيف، أو يجعله قسمًا ثالثًا مع الصحيح، والحسن، والضعيف، يصبح هو قسمًا رابعًا بالإضافة إلى هذه الثلاثة. إذن، هناك تقسيمات متعددة باعتبارات متعددة، الذي يتكلم عن صحة الحديث وحسنه وضعفه يقسم تقسيم ... إلى آخره. لكن نحن أمام تقسيم باعتبار عدد الرواة في كل حلقة من حلقات الإسناد؛ نحن نعلم أن الإسناد هم الرجال الذين نقلوا الحديث لنا عن رسول الله ﷺ ؛ من أول العالِم الذي روى الحديث في كتابه -أو في غير كتابه- إلى النبي ﷺ . مثلًا: لو أخذنا البخاري -رحمه الله تعالى- كمثال لهذا؛ البخاري في صحيحه يروي الأحاديث بأسانيده إلى رسول الله ﷺ ، فمثلًا الحديث الأول: ((إنما الأعمال بالنيات)) من حديث شيخه الحُميدي، عبد الله بن الزبير، يرويه عن سفيان بن عيينة، يرويه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، يرويه عن محمد بن إبراهيم

стр. 177

التيمي، يرويه عن علقمة بن وقاص الليثي، يرويه عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- يرويه عن النبي ﷺ . الرجال الذين بين البخاري -رحمه الله تعالى- وبين النبي ﷺ نسميهم برجال الحديث، إسناد الحديث، أو سند الحديث، أو طريق الحديث؛ إذن الإسناد هو: الرجال الذين نقلوا لنا الحديث في حلقات متتابعة، كل تلميذ يروي عن شيخه، وكل واحد من هؤلاء الرواة يسمى حلقة من حلقات الإسناد، في المثال الذي ذكرناه: البخاري حلقة، يروي عن الحميدي شيخه، أجلّ شيوخ المكيين عبد الله بن الزبير المتوفى سنة ٢١٩هـ، يروي عن سفيان بن عيينة، الحميدي حلقة، سفيان بن عيينة حلقة، يحيى بن سعيد حلقة، محمد بن إبراهيم التيمي حلقة، علقمة حلقة، الخليفة الراشد الفاروق ﵁ حلقة من حلقات الإسناد، إلى أن ينتهي الإسناد إلى رسول الله ﷺ . إذن، عندنا الإسناد: الرجال الذين نقلوا لنا الحديث عن النبي ﷺ وكل واحد منهم يسمى حلقة من حلقات الإسناد. فما هو العدد المطلوب في كل حلقة من حلقات الإسناد؟ هذا هو الأمر الذي يعالجه هذا المبحث -مبحث التواتر والآحاد- إذن هو تقسيم للحديث باعتبار عدد الرواة في كل حلقة، حين يصل العدد إلى رقم معين أو إلى صفات معينة يُسمى عندهم بالحديث المتواتر -وهذا سنناقشه تفصيلًا- وإن قلّ عن ذلك سُمّي آحادًا؛ فهذا -في نهاية الأمر- تقسيم باعتبار عدد الرواة في كل حلقة، وليس تقسيمًا على أساس صحة أو الحسن أو الضعف الذي هو التقسيم الأول -الذي أشرنا إليه- مع ملاحظة أن هذا التقسيم "باعتبار عدد الرواة في كل

стр. 178

حلقة" لم يكن معروفًا لدى الصحابة والتابعين ﵃، إنما كان المعوَّل عليه هو عدالة الرواة وثقة الرواة. متى كان الراوي ثقة -أي: عدلًا، ضابطًا، دقيقًا- نطمئن إلى سلامة ما رواه؛ فالحديث صحيح، وما دامت ثبتت صحته؛ وجب العمل به بإجماع الأمة. إذن، قبل أن يصطلح علماء الإسلام على هذا التقسيم -المتواتر والآحاد، باعتبار عدد الرواة في كل حلقة- جميع أهل الإسلام من أجيال الصحابة والتابعين وأهل الخير وأهل السلف الصالح كانوا على قبول خبر الواحد الثقة، من أول السند إلى النبي ﷺ كانوا يبحثون عن عدالة الرواة، وعن ضبط الرواة، والراوي الذي تتوافر فيه العدالة ويتوافر فيه الضبط إذا جمع بينهما معًا، هذا هو الثقة الذي اصطلحوا على تسميته بالثقة ... الثقة: الراوي الذي ثبتت له العدالة وثبت له الضبط، بالمعايير التي اصطلحوا عليها في إثبات هذه الأمور للرواة الذين نقلوا لنا حديث النبي ﷺ ، إلى أن بدأت الفتن، ومن ضمن علاماتها: التشكيك في خبر الآحاد على يد متكلمي المعتزلة، ولم يكن ذلك إلا مع نهاية القرن الثاني الهجري أو بعده، ابتدءوا يتكلمون في خبر الآحاد وعن حجيته وعن تعريفه؛ فعرّفوه مثلًا في (شرح الأصول الخمسة) بأنه: ما لا يُعلم كونه صدقًا ولا كذبًا، واشترطوا العدد في الرواية، كما اشترطوا في الشهادة، وهم بذلك خرجوا عن إجماع الأمة التي كان المعوّل عليها عندهم على عدالة الرواة وضبطهم. فالأمر اختلف من هذا التاريخ وبهذا الصنيع الذي بدأه بعض متكلمي المعتزلة وكما يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- في (مختصر الصواعق المرسلة): كان قصدهم من ذلك: رد الأخبار وتعطيل الأحكام، وتلقّف ما قالوه بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدمٌ ثابتة، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول.

стр. 179

وأيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أشار إلى أن جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول -يعني: قبلوا هذا الخبر أو عملوا به- يوجب العلم، وأشار إلى ذلك في (مجموع الفتاوى). نريد أن نقول من هذا الاستعراض الموجز: أن تقسيم التواتر والآحاد لم يكن في أجيال الأمة السابقة؛ وإنما كان المعوّل عندهم على ثبوت عدالة الرواة وضبطهم؛ فمتى اطمأنوا إلى ذلك حكموا على الخبر بالصحة وإن كان حديثًا عن النبي ﷺ وجب العمل به على ما اصطلحوا عليه من قواعد في هذا، إلى أن جاءت بعض الفرق وأرادت أن تُعمِل العقل في النصوص وأن توجد بعض الشبه لبعض الأدلة التي تعارض ثوابت مذهبهم؛ ابتدعوا هذا التقسيم إلى متواتر وآحاد، واشترطوا شروطًا في الآحاد تفاوتوا فيما بينهم؛ لكن -على كل حال- هذا تاريخ هذا الأمر هو أصبح مبحثًا من مباحث علم المصطلح، وأيضًا يبحث في أصول الفقه، ونحن نتكلم عنه اليوم بهذا الاعتبار: أنه تقسيم للحديث باعتبار عدد الرواة في كل حلقة: التواتر لغة واصطلاحًا ما هو التواتر وما هو الآحاد في كل من اللغة والاصطلاح: التواتر في اللغة: مجيء الواحد إثر الواحد بفترة بينهما، وذلك كما ورد في قوله ﵎ في سورة المؤمنون: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ (المؤمنون: ٤٤) أي: متتابعين، رسولًا بعد رسول بينهما فترة، في (القاموس المحيط) مادة: "وَتَر"، يبين أن التواتر: هو مجيء الشيء بعد الشيء بعضه في إثر بعض، وترًا وترًا، أو فردًا فردًا، يعني: من غير فترة بينهما.

стр. 180

التعريفان يشتركان في أن التواتر: مجيء الشيء بعد الشيء؛ لكن الاختلاف بينهما هو: هل لا بد من التراخي بين مجيئهما، أو أن التراخي غير مطلوب؟ صاحب (القاموس المحيط) ذكر الاثنين معًا، قال: والتواتر التتابع أو مع فترات، أما صاحب (الصحاح)؛ فقد اعتبر التراخي شرطًا في التواتر؛ حيث قال: والمواترة: المتابعة، ولا تكون المواترة بين الأشياء إلا إذا وقعت بينهما فترة؛ وإلا فهي مداركة ومواصلة. والخلاصة من كل ذلك: أن التواتر هو التتابع مع التراخي أو بدون التراخي، على قول صاحب (الصحاح): القول بالتراخي هو الأقوى؛ لأنه سمى المواترة التي لا فاصل بينها بأنها مداركة ومواصلة، ويقول بالنص: "ولا تكون المواترة بين الأشياء إلا إذا وقعت بينهما فترة" ... كل هذه مناقشة لغوية للمتواتر، خلاصتها: أن التواتر هو مجيء الشيء إثر الشيء بفترة بينهما أو بدون فترة، على التتابع المباشر بدون انقط اع. إذا انتقلنا إلى الاصطلاح: نجد له تعريفات متعددة: يقول ابن حجر -رحمه الله تعالى- عن المتواتر في (نزهة النظر): فإذا جمع هذه الشروط الأربعة وهي: عددٌ كثير، وأحالت العادة تواطؤهم على الكذب، ورووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، وكان مستند انتهائهم الحس، ويضاف إلى ذلك أن يصحب خبرَهم إفادةُ العلم لسامعه؛ فهذا هو المتواتر. ابن حجر -رحمه الله تعالى- نلاحظ أنه عرّف المتواتر هنا من خلال ذكر شروطه، اشترط له أربعة شروط: - عددٌ كثيرٌ في كل حلقة. - يستحيلُ في العقل وفي العادة أن يتواطئوا على الكذب. - الثالث: أن يتوفر ذلك في كل حلقة من حلقات الإسناد، من أوله إلى منتهاه،

стр. 181

وهو ما عبّر عنه بقوله: ورووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء. - وكان منتهى خبرهم الحس، هذا الشرط الرابع. - ثم قال: ويضاف إلى ذلك: بأن يصحب خبرهم إفادة العلم لصالحه، وقال: فهذا هو التواتر. أما الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- فيعرِّف المتواتر في "كفايته" فيقول: فأما خبر التواتر: فهو ما أخبر به القوم الذين بلغ عددهم حدًّا يُعلَم عند مشاهدتهم بمستقر العادة أن الكذب منهم محال، وأن التواطؤ منهم في مقدار الوقت الذي انتشر الخبر عنهم متعذر، وأن ما أخبروا عنه لا يجوز دخول اللبس والشبهة في مثله، وأن أسباب القهر والغلبة والأمور الداعية إلى الكذب منتفية عنهم؛ فمتى تواتر الخبر عن قوم هذه سبيلهم؛ قُطِع على صدقه، وأوجب وقوع العلم ضرورة. هو تعريف طويل، وأيضًا ركز فيه الخطيب -رحمه الله تعالى- على عدد الرواة وصفاتهم نلاحظ أنه يركز على أن هؤلاء القوم الذين أخبروا بالخبر المتواتر، يستحيل بمستقر العادة أن يتفقوا على الكذب، وأن الكذب منهم محال، وأن التواطؤ بينهم في مقدار الوقت الذي انتشر فيه الخبر متعذر، وأن الخبر الذي أخبروه لا يجوز دخول اللبس والشبهة في مثله، ولا يوجد عندهم سبب واحد يدعوهم إلى الكذب ... كل الأسباب التي تؤدي إلى الكذب منفية عنهم من قهر وغلبة ومصلحة وما إلى ذلك ... أما ابن الصلاح في "مقدمته" ﵀ يعرف الحديث المتواتر بأنه عبارة عن الخبر الذي ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورة، ولا بد في إسناده من استمرار هذا الشرط في رواياته من أوله إلى منتهاه. وإذا نظرنا أيضًا إلى تعريف ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- نجده يركز على شرطين من شروط المتواتر: وهو أنه لا بد أن يوجد في ناقلي الخبر المتواتر الصدق

стр. 182

الذي نجزم به ويوفر لنا العلم ضرورة بصدقهم، وأيضًا هذا الشرط يتوفر في كل الحلقات من أول السند إلى منتهاه، عبارة عن الخبر الذي ينقله من يحصل العلم بصدقه -أي: من نثق به ضرورة- ولا بد في إسناده من استمرار هذا الشرط في روايته من أوله إلى منتهاه -يعني: في كل حلقة من حلقات الإسناد. على كل حال؛ مهما يكن من عباراتهم في تعريف المتواتر؛ فإننا نستطيع أن نصوغ منها تعريفًا يحتوي في طياته على الشروط التي وضعوها للمتواتر، مع ملاحظة أن مُعرفي المتواتر كثيرون جدًّا ... كل من تكلم أو كتب في علوم الحديث وتعرض لهذا الأمر عرّفه، وهي كلها تعريفات -على كل حال- قريبة من بعضها. نستطيع أن نصوغ تعريفًا من خلال ما ذكروه فنقول: المتواتر: هو الذي يرويه جمعٌ يستحيل في العقل تواطؤهم على الكذب، أو وقوعه منهم اتفاقًا من غير قصد، عن مثلهم من أول السند إلى منتهاه، ويكون منتهى خبرهم الحسّ. شروط الحديث المتواتر هذا التعريف الذي يحمل في طياته الشروط التي لا بد من توافرها في الحديث المتواتر، ونجمل هذه الشروط -كما ذكر ابن حجر وغيره- فيما يلي: الشرط الأول: العدد الكثير: بمعنى أن يجتمع في كل حلقة من حلقات الإسناد عدد كثير من الرواة. وقد ذهب العلماء في تحديد هذا العدد مذاهب شتى؛ تبعًا لاعتبارات متعددة؛

стр. 183

فبعضهم قال: إنهم أربعة؛ قياسًا على شهود الزنا الذين تثبت بهم جريمة الزنا ويقام الحد على فاعله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: ٤) وحاول أصحاب هذا الرقم أن يضيفوا إليه بعض الأدلة الأخرى بأن يقولوا مثلًا: بأن الخلفاء الأربعة أو الأئمة الأربعة لو اجتمعوا على شيء فإن القول قولهم والرأي رأيهم؛ يسوقون مثل هذه الأقوال تأييدًا لرأيهم الذي ذهبوا إليه من اشتراط أربعة على الأقل في الخبر المتواتر. القاضي أبو بكر الباقلاني مثلًا -كما نقل عنه العلماء- لم يقتنع بهذا العدد في إثبات التواتر؛ بل قال: أتوقف في الخمسة، والخمسة هذه قالها بعضهم قياسًا على الصلوات الخمس وغيرها من الأرقام التي حملت خمسة في الأحكام الشرعية الإسلامية. ومن العلماء من اشترط سبعة؛ لاشتمالها على العدد المطلوب في كل نوع من أنواع الشهادات، وهي: الأربعة، والاثنان، والواحد. ومنهم من اعتبر أقل عدد التواتر عشرة؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (البقرة: ١٩٦) ووصفها بالكمال، ولأنها أول جموع الكثرة، واختار ذلك السيوطي -رحمه الله تعالى- وسار عليه في كتابه الذي جمع فيه الأحاديث المتواترة (الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواتر)؛ فقال -رحمه الله تعالى-: كل حديث رواه عشرة من الصحابة؛ فهو متواتر عندنا معشر أهل الحديث. وهناك من قال: يشترط في العدد أن يكون اثني عشر مثل نقباء بني إسرائيل: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ (المائدة: ١٢). ومنهم من قال: عشرون؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (الأنفال: ٦٥).

стр. 184

ومنهم من قال: أربعون؛ لأن عند هذه السن يُبعث الأنبياء، وهي تدل على اكتمال العقل والأشد عند الإنسان؛ فمتى بلغ الإنسان أربعين سنة فقد كمل نضجه العقلي والبدني: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ (الأحقاف: ١٥). ومنهم من قال: يشترط في العدد أن يكون سبعين، مثل من اختارهم موسى ﵇ لميقات ربه: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ (الأعراف: ١٥٥). ومنهم من قال: ثلاثمائة، مثل أهل بدر ومن كانوا مع طالوت ... إلى غير ذلك. اعتبارات متعددة في اشتراط العدد كلها تبحث عن العدد الذي يطمئن القلب والعقل معًا إلى صدقهم وإلى عدم وقوع الكذب منهم ولو اتفاقًا. إنما هناك من ذهب إلى أن العدد لا يُحصَر برقم معين؛ وإنما متى تحقق الاطمئنان إلى أن هذا الجمع يستحيل أن يتواطأ على الكذب وألا يقع منهم ذلك ولو من قبيل المصادفة، وأن نتأكد من عدم وجود الداعي عندهم للكذب أو وجود أسباب له؛ فقد تحقق التواتر، وقد يتحقق بعشرة، وقد لا يتحقق بملايين يُجمِعون على الكذب، وهذا يحدث في زماننا كثيرًا؛ فقد ينقل الأعداء مثلًا أخبارًا تتعلق بالإسلام وأهله أو بمصادره وهي كاذبة، وينشرونها بين الناس ويتناقلونها بالملايين. إذن، اشتراط العدد المحدد قد لا يكون ضرورة بقدر التركيز على اطمئناننا إلى صدقهم وعدالتهم وأنه يستحيل أن يقع منهم الكذب. ولعل هذا ما ذهب إليه بعض محققي أهل الحديث -وفي الحقيقة عدد كبير منهم- يقول الكتاني في (النظم المتناثر في الحديث المتواتر) -رحمه الله تعالى- نقلًا عن كتاب (ظفر الأماني): والتحقيق الذي ذهب إليه جمع من المحدّثين: هو أنه لا

стр. 185

يشترط للتواتر عدد؛ وإنما العبرة بحصول العلم القطعي؛ فإن رواه جمعٌ غفير ولا يحصل العلم به لا يكون متواترًا، وإن رواه جمع قليل وحصل العلم الضروري به يكون متواترًا ألبتة. وعلى كلٍّ نستطيع أن نقول: إن الخلاف هنا ليس خطيرًا حقيقة، ولا كبيرًا، الكل يبحث عن عدد يطمئن القلب والعقل إلى صدقهم ... من الممكن لنا ألا نحصره في عدد معين -كما ذهب إليه كثير من محققي الحديث- أو إذا اشترطنا عددًا؛ لعل اختيار السيوطي هو أن يرويه عشرة من الصحابة. وفي الحقيقة؛ فإن الذي يتتبع عمل العلماء في إحصائهم للحديث المتواتر يكاد يلمح إلى أنه قد استقر اصطلاحهم على هذا الأمر؛ فيُبحث عن التواتر من ناحية الصحابة؛ فإذا وُجد عشرة من الصحابة رووا الحديث وكانت الطرق إليهم صحيحة أو حسنة؛ حُكم على الحديث بأنه متواتر ... كل من جمعوا الأحاديث المتواترة مثل (لقط اللآلئ المتناثرة) ومثل كتاب الكتاني وغيره، كلهم اتبعوا هذه القاعدة: يحسبون العدد من ناحية الصحابة وأحيانًا يخرّجون الأحاديث، يقولون: حديث أبو هريرة مثلًا رواه فلان وهو من أصحاب الكتب ... حديث أنس رواه فلان، إلى أن يكتمل عندهم عشرة من طرق صحيحة أو حسنة يطمئنون إلى التواتر ويذكرونه في كتابهم على أنه من بين الأحاديث المتواترة. نستطيع أن نقول: تقريبًا هذا هو الذي استقر عليه الاصطلاح، مع ملاحظة أن العدد لا يُبحث عنه في الحلقات التالية للصحابة على الأعم الأغلب؛ باعتبار أن كل صحابي قد روى عنه مجموعة من التابعين، وكل واحد من هؤلاء التابعين قد روى عنه تلامذته ... وهكذا تتواصل الحلقات وتتكاثر بحيث يستحيل أن نحصي العدد بدقة في كل حلقة؛ لكن يطمئنون إلى أنه متى ثبت لدينا أن عشرة من

стр. 186

الصحابة الكرام ﵃ قد رووه فيطمئنون إلى صدقه وإلى صحته ويعتبرونه من المتواتر الذي يفيد العلم الضروري. الشرط الثاني: أن يطمئن العقل والقلب معًا إلى عدم اتفاق هذا العدد على الكذب: وهذا في الحقيقة متوقف على وجود صفات القبول المعروفة عند العلماء في هؤلاء الرواة مهما كان عددهم، فإن توفّرت شروط القبول مع العدد أيضًا واطمئن العقل والقلب إلى صدق خبرهم؛ حينئذ قد تحقق معنى التواتر، مثل: أن يكونوا مثلًا من بلاد متفرقة، مثل أن يكونوا من مهن مختلفة، مثل أننا نتأكد من أنه لا توجد عندهم دواعي للكذب؛ ليسوا أصحاب مصلحة في نقل خبر معين، مثلًا صُناع ينقلون خبرًا عن الصنعة الخاصة بهم، أو مثلًا طلابًا ينقلون خبرًا يتعلق بدراستهم، هذه الدواعي كلها تنتفي عندهم ونتأكد من هذا. ولذلك وفقًا لهذا المعيار ناقشوا مسألة: هل يُشترط الإسلام في رواة الخبر المتواتر؟ - الحقيقة اختلفت المعايير حول هذا ... ذكرنا مرارًا أن معيار صحة الحديث عندهم: هو توفر شروط القبول في الراوي، وهي شروط الصحة الخمسة: اتصال السند، عدالة الرواة، ضبط الرواة، خلو الحديث من الشذوذ، خلو الحديث من علة القدح. متى اطمأنوا إلى صحة الحديث؛ فهم حكموا عليه بالصحة بصرف النظر عن كونه آحادًا أو خبرًا؛ وبالتالي فإنهم قد اشترطوا في الراوي أن يكون مسلمًا وقت أدائه للحديث؛ لأن الإسلام عندهم هو أول شروط العدالة التي بموجبها تُقبل رواية الراوي.

стр. 187

نعم ... المحدثون قبلوا أن يتحمل الكافر؛ لكنهم اشترطوا أن يكون وقت الأداء مسلمًا: عملية الرواية: تحمل وأداء، التحمل: هو أن يأخذ التلميذ الحديث من شيخه بواحد من طرق التحمل المعتمدة عند العلماء، والأداء: هو أن يؤدي الشيخ الحديث إلى تلميذه بواحد من طرق الأداء المعتبرة عند العلماء، وهي ثمانية، وهذا له مبحث خاص في علوم الحديث "مبحث التحمل والأداء". علماء الحديث اشترطوا وقت الأداء أن يكون المؤدي مسلمًا؛ لأنه ينقل لنا ديننا، ولا نطمئن إلى نقل الدين من غير المسلمين؛ لكنهم قبلوا أن يتحمل الكافر، يعني: لو أن كافرًا سمع الحديث من النبي ﷺ فلن نقبل منه أن يؤدي إلا بعد إسلامه، لن نقبل أن يقول: قال رسول الله ﷺ وينقل لنا الخبر إلا إذا كان مسلمًا. ولذلك وُجد في الصحيحين رواة تحملوا وهم كفار من الصحابة ومن غيرهم، وكمثال على ذلك: حديث أبي سفيان المشهور في لقائه مع هرقل، كان ذلك في سنة سبع للهجرة، حينما أرسل الرسول ﷺ رسائله إلى الملوك والرؤساء من أهل الأرض يدعوهم إلى الإسلام، وجاءت رسالة النبي ﷺ إلى هرقل -وكان بالشام- وسأل عمن يستطيع أن يحدثه عن هذا النبي الذي هو من مكة المكرمة؛ فأخبروه أن أبا سفيان في تجارة بالشام، فاستدعاه والذين معه وسألهم عن النبي ﷺ سؤالًا. هذه القصة وقعت وقت أن كان أبو سفيان كافرًا؛ فإنه لم يسلم إلا بعد فتح مكة في سنة ثمانية؛ لكن أداءه للحديث كان بعد الإسلام؛ ولذلك قبل منه العلماء. الخلاصة: أن علماء الحديث يشترطون في ناقل الخبر للحديث النبوي خاصة بشكل ضروري أن يكون مسلمًا، بصرف النظر عن كون الحديث متواترًا أو كونه

стр. 188

آحادًا ... هذا تقسيم لم يتوقفوا عنده من حيث ضرورة توفر شرط الإسلام في ناقله. ويعبر عن رأي المحدثين في هذا الخطيب البغدادي حيث يقول -رحمه الله تعالى- في (الكفاية): ويجب أن يكون وقت الأداء مسلمًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: ٦) وإن أعظم الفسق الكفر؛ فإذا كان خبر المسلم الفاسق مردودًا مع صحة اعتقاده؛ فخبر الكافر بذلك أولى. ثم يروي الخطيب -رحمه الله تعالى- بسنده إلى بهز بن أسد أنه ذُكِر له الإسناد الصحيح فقال: هذه شهادات الرجال العدول لبعضهم على بعض، يقصد: أنهم عدول يشهدون على بعضهم بأن كل واحد منهم سمع من الآخر؛ فلا بد أن نتأكد من إسلامهم ومن حسن توفر الثقة فيهم ... لا بد من التأكد من ذلك، ولا سبيل لهذا إلا الإسلام، وإذا كان الله قد طلب منا أن نتوقف في قبول خبر الفاسق مع صحة اعتقاده؛ فمن باب أولى نتوقف في خبر الكافر. يقول الأصوليون: إنهم لا يشترطون الإسلام في رواة المتواتر عند أدائهم له ... نقل العلامة القاسمي -رحمه الله تعالى- في (قواعد التحديث) كلام النووي فقال: وقع في كلام النووي في (شرح مسلم) في المتواتر: أنه لا يشترط في المخبرين بالإسلام، وكذا قال الأصوليون، ولا يخفى أن هذا اصطلاح للأصوليين؛ وإلا فاصطلاح المحدثين فيه: أن يرويه عدد من المسلمين؛ لأنهم اشترطوا فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلًا ضابطًا بأن يكون مسلمًا بالغًا؛ فلا تقبل رواية الكافر في باب الأخبار وإن بلغ في الكثرة ما بلغ، إلى آخر ما قاله -رحمه الله تعالى. والذي أعتقده في ذلك: أنه لا تقبل رواية الكافر للحديث الشريف أبدًا مهما كثر

стр. 189

عددهم، ومهما كان اتصافهم بالصدق من وجهة نظر البعض؛ فهم مع صدقهم وكثرة عددهم لا يؤتمنون على الإسلام، ونحن نعلم موقفهم من الإسلام ومن أهله ومن قضاياه -ولا نريد أن نتوسع في هذه القضية- لكننا نؤكد أن الرواية للحديث الشريف شرفٌ لا يستحقه إلا من نال شرف الإيمان بالله تعالى وبهذا الرسول الكريم الذي ننقل كلامه، والذين لم يشرفوا أنفسهم بهذا الإيمان لا يجوز لهم أبدًا أن ينالوا شرف رواية حديث الطاهر ﷺ . على كل حال، الذي ينظر إلى أحوال كثير من غير المسلمين نجدهم يثيرون الشبهات حول السنة، ويتهجمون على الإسلام، ويتجرءون على رسول الله ﷺ ، ويكيلون الاتهامات جزافًا؛ فكيف يطمئن القلب والعقل بعد ذلك إلى قبول روايتهم لحديث نبي الإسلام ﷺ ... قد نقبل روايتهم في غير الأحاديث النبوية ... في الأخبار العادية السياسية والاقتصادية أو العلمية أو ما شاكل ذلك؛ لكن الحديث النبوي دين لا يؤخذ إلا عن من نثق في دينه وأمانته، ومن يحبون هذا النبي العظيم ويؤمنون برسالته ويتعبدون بطاعة الله تعالى وبطاعة النبي ﷺ . نعود إلى الشرط الأول من شروط المتواتر لنقول: إنه العدد، ولنلخص الكلام في أننا إما أن نعتبر أن الحديث الذي رواه عشرة من الصحابة قد حدث له التواتر ولا يجهدون أنفسهم في تتبع الحلقات بعد ذلك اعتمادًا على أن الحلقات بعد هذا لا بد أن تكثر؛ فكل صحابي روى عنه مجموعة، وكل واحد من هؤلاء المجموعة روى عنه مجموعة، وتتبع ذلك يجهد كثيرًا، وعلى ذلك سار عمل من جمع الأحاديث المتواترة في كتبهم، وأكاد أقول: إن هذا الذي استقر عليه الاصطلاح، وعلى كل؛ لو قلنا: بأن العدد لا يحصر، وأنه متى اطمأن القلب إلى صدقهم فيحدث التواتر ... أرى أن هذين الرأيين قريبان من بعضهما؛ وإن كنت أميل إلى

стр. 190

الرأي الأول باشتراط العدد حتى يكون عندنا اصطلاح محدد نقف عنده ونحتكم إليه؛ حتى لا يقال: إن قضايانا غير محددة أو لا يوجد لها ضوابط ملتزمة. الشرط الثاني: أن يطمئن العقل والقلب معًا إلى عدم اتفاقهم على الكذب: هذا متوقف -في الحقيقة- على وجود صفات القبول المعروفة عند العلماء في هؤلاء الرواة مهما كان عددهم، ونحن قلنا: متى اطمأن القلب والعقل إلى صدقهم حدث التواتر ... لعل هذا يؤيد ما ذكرناه من استبعاد تواتر الكفار؛ لأنه كيف يطمئن القلب والعقل إلى صدقهم ... ذكرنا أن هذا الاطمئنان يتحقق بمراعاة أمور كثيرة، منها: صدقهم في الأخبار، منها: سلامة عقيدتهم، منها: عدم كيدهم ضد الإسلام، منها عدم وجود مصلحة لهم في الكذب إلخ؛ فمتى اطمأننا إلى ذلك حكم لخبرهم بالتواتر الذي يفيد العلم الضروري. الشرط الثالث: أن يتوافر العدد المطلوب في كل حلقة من حلقات الإسناد مع وجود صفات القبول فيهم أيضًا؛ فليس التركيز على العدد وحده؛ بل لا بد أن ينضم إليه وجود صفات القبول فيهم في كل حلقة من حلقات الإسناد؛ فإذا اختل العدد أو فُقد شرط القبول -ولو في حلقة واحدة من حلقات الإسناد- اختل التواتر حينئذ حتى لو توفرت الشروط في بقية حلقات الإسناد؛ فالمطلوب هو وجود صفات القبول في كل رواة الحديث المتواتر في كل حلقة من حلقات الإسناد، مع كثرة العدد في كل حلقة. الشرط الرابع: أن يكون منتهى خبرهم الحس؛ بمعنى: أن يقولوا في نهاية الخبر: رأينا، أو سمعنا؛ لأن الإدراك الحسي يفيد اليقين: أي: يروون شيئًا لنا في نهاية الكلام يعتمد على الحس، أي: على واحد

стр. 191

من أدوات الحس التي تفيد اليقين عند الإنسان، مثل: السمع، أو البصر، أو التذوق، أو اللمس، أو ما شاكل ذلك. الشرط الخامس الذي أضافه ابن حجر -رحمه الله تعالى-: وهو أن يفيد الخبر اليقينَ والقطع لدى سامعه: وهذا نتيجة؛ ولذلك بعض العلماء توقف في قبوله كشرط، قال: هو نتيجة حتمية للشروط الأربعة السابقة؛ لأنه متى توفر العدد، وتوفرت صفات القبول في كل حلقة، وفي كل حلقات الإسناد مع انتهاء الخبر إلى الحس؛ بالضرورة سيطمئن القلب إلى سلامة الخبر، وسيقع التصديق به يقينًا. على كل حال، ابن حجر يراه شرطًا، نحن نقلنا قوله: أن يفيد الخبر اليقين والقطع لدى سامعه؛ وذلك بأن يمطئن قلبه وعقله معًا أن ما حدثوه به هو الحق والصدق، ومقطوع بصدق نسبته إلى قائله ... إن أفاد الخبر ذلك؛ فهو متواتر. والحقيقة -كما قلنا- أنه قد دار نقاش طويل حول هذا الشرط الطويل الخامس؛ هل لا بد من وجود اليقين عند وجود السامعين أو نكتفي ببعضهم؟ نستطيع أن نقول: إن العلم الحاصل من كثرة العدد يوجب اليقين لدى كل السامعين؛ خصوصًا حين تنضم إلى ذلك بقية الشروط التي ذكرناها من شروط الحديث المتواتر؛ أما إذا كان اليقين في الخبر تحقق لقرائن أخرى غير كثرة العدد؛ فإن اليقين يتحقق لمن قويت عنده هذه القرائن؛ لأن القرائن قد تقوم عند البعض دون الآخرين، وقد يعتقدها البعض -أو يؤمن بها البعض- ولا يراها الآخرون قرائن قوية. يقول صاحب (التعليق على نزهة النظر): والحق أن التواتر يحصل تارة بكثرة

стр. 192

المخبرين، ويحصل تارة بصفاتهم -كدينهم وضبطهم- ويحصل تارة بأخبار المخبرين، مع ما ينضم إلى ذلك من القرائن التي تحتف بالخبر؛ ككون كل من المخبرين قد أخبر بمثل ما أخبر به الآخر مع التيقن بعدم تواطؤهم، ويحصل التواتر أحيانًا لسامع ولا يحصل لسامع آخر لفطنة الآخر وذكائه مثلًا، أو لمعرفته بأحوال المخبرين؛ فأهل العلم بالحديث والفقه قد يتواتر عندهم من السنة ما لم يدرك العامة تواتره؛ كوجوب الشفعة ... ونحو ذلك، وفي مثل هذه الحالة يجب على العامة التسليم لأهل الإجماع الذين أجمعوا على صحته. خلاصة هذه النقاشات -كما رأينا من أقوال العلماء-: أن التواتر لا يتوقف على العدد فقط؛ وإنما توجد هناك أحيانًا قرائن أخرى قوية تشفع لقلة العدد؛ فتجعل الخبر -مع قلة العدد متواترًا- مثل أن يكون رواته من أهل الورع والصدق والتثبت والثقة، وقد يكثر العدد ولا يتحقق التواتر؛ كأن يكون رواته من أهل البدع، أو يجمعهم هوى معين، أو يخضعون لسلطان قاهر قد يؤثر في خبرهم ... وهكذا؛ فمتى توفر العدد واستحال في العقل بحكم سنة الله تعالى الجارية في الناس أن يتواطأ هؤلاء القوم على الكذب؛ فإن الخبر حينئذ يكون متواترًا. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 193

الدرس: ١٢ دفع الشبهات المثارة حول حجية السنة المطهرة (٥)

стр. 194

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني عشر (دفع الشبهات المثارة حول حُجية السنة المطهرة (٥)) أقسام الحديث المتواتر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد: فالحديث المتواتر عند العلماء ينقسم إلى قسمين: المتواتر اللفظي، والمتواتر المعنوي. التواتر اللفظي: هو ما تواتر لفظه ومعناه، بمعنى أن الرواة الذين بلغوا حد التواتر قد اتفقوا على رواية اللفظ والمعنى معًا. هناك فريق من العلماء يدخل في المتواتر اللفظي ما يسمونه بتواتر الواقعة الواحدة؛ حتى وإن جاء التعبير عنها بألفاظ مترادفة وأساليب متعددة، ما دامت الروايات قد اتفقت جميعًا على أصل الواقعة الواحدة، هذا إلحاق بالمتواتر اللفظي أن واقعة واحدة تتعدد، مثلًا: رواة ينقلون لنا شيئًا من غزوة من الغزوات تباينت أو اختلفت ألفاظهم؛ لكن أصل الواقعة ثابت في هذه الروايات المتعددة يلحقونه بالمتواتر اللفظي، هذا جهد بعض العلماء. وهناك من أصر على أن المتواتر اللفظي هو أن يكون قد ورد باللفظ المحدد بدون تغيير أو تبديل عند الرواة جميعًا. التواتر المعنوي: وهو ما تواتر معناه فقط دون لفظه، بمعنى: أن يتفق الرواة جميعًا على أصل المعنى ويتم التعبير عنه بألفاظ متعددة، وهذا غير ما ذكرناه في المتواتر اللفظي من تواتر الواقعة الواحدة ... من أدخلوا الواقعة الواحدة؛ هي واقعة واحدة لكن جرى التعبير عنها بأساليب متعددة؛ أما هنا الوقائع تعددت ... قد لا تبلغ كل واحدة منها على حدة حد التواتر؛ لكنّ القدر المشترك بين هذه الوقائع جميعًا قد تعدد بتعدد الوقائع؛ فيكون التواتر حينئذٍ تواترًا معنويًّا. مثال ذلك: أحاديث رفع اليدين في الدعاء: فقد ورد عنه ﷺ نحو مائة حديث

стр. 195

تفيد رفع يديه أثناء الدعاء؛ لكنها جاءت في وقائع مختلفة ومناسبات متعددة، كل قضية منها أو واقعة منها على حدة لم تبلغ حد التواتر؛ لكنّ القدر المشترك بينها وهو رفع اليدين في الدعاء قد ورد فيها جميعًا؛ كأن يروى عنه مثلًا في الحرب دعا فرفع يديه، في صلاة الاستسقاء رفع يديه ... القدر المشترك بين هذه الروايات جميعًا هو رفع الدعاء؛ فوصل الأمر بذلك إلى تواتر المعنى باعتبار مجموع الروايات المتعددة في ذلك، هذا أمر قاله الكتاني في (نظم المتناثر) وهو معروف، وقاله السيوطي في (الأزهار المتناثرة) إلخ، وقاله غيرهم في التفريق بين تعدد الواقعة وبين تواتر اللفظ، كلاهما قسم خاص؛ هذا تواتر معنوي، وهذا تواتر لفظي. الدرجة التي يفيدها الحديث المتواتر من العلم الدرجة التي يفيدها الخبر المتواتر من العلم: حصول العلم في النفس له طرق متعددة: هناك علم وُلدنا به "علم فطري": مثلًا أن الله ركز معرفتنا به في فطرنا؛ فقال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (الأعراف: ١٧٢) هذا أمر ولدنا به، هناك أمر نراه بالمشاهدة يتحقق به العلم القطعي اليقيني: السماء فوقنا والأرض تحتنا، هناك علم يتحقق بالبداهة: الواحد نصف الاثنين، والاستدلال عليه يكون صعبًا، والاستدلال على البدهيات يزيدها تعقيدًا: وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل فما الدرجة التي يفيدها الخبر المتواتر من العلم؟ هل أقطع مثلًا بأن النبي ﷺ قد قال هذا الحديث، أو يغلب على ظني أنه قد قاله؟ ذهب الجمهور من المحدثين والأصوليين إلى أن الحديث المتواتر يفيد العلم اليقيني

стр. 196

القطعي، يعني: مقطوع ومتيقن بصدق نسبته للنبي ﷺ ، ولا مجال للشك أو الإنكار في ذلك، ولا يحتاج -بعد ثبوت تواتره- إلى أدلة أو براهين؛ فمتى ثبت التواتر أفاد العلم اليقيني المقطوع به لدى سامعه، كما يُقطع أيضًا بصدق نسبته إلى قائله ... إن كان الخبر منقولًا عن النبي ﷺ أو عن غيره ما دامت قد توافرت شروط التواتر؛ فأصبح الخبر يقينيًّا، ولا نحتاج بعد ثبوت التواتر إلى أدلة أخرى لكي نطمئن إليه أو لكي نتيقن وقوعه. هناك أناسٌ جادلوا في هذا، منهم: الكعبي، وأبو الحسن من المعتزلة، ومنهم: إمام الحرمين، والغزالي من أهل السنة، يعني: قال بأن الخبر المتواتر يفيد العلم النظري وليس القطعي اليقيني. الفرق بين العلم القطعي اليقيني، والعلم القطعي النظري من زوايا: منها مثلًا: أن العلم اليقيني الضروري الذي يفيده الخبر المتواتر يستقر في النفس مثل البدهيات؛ فلا يمكن دفعه عن النفس، كما أنه لا يحتاج -كما ذكرنا مرارًا- إلى أدلة تثبته أو إلى براهين تؤكده، ولا يحتمل الخلاف حوله كمثل الخلاف الذي يجري في النظريات. أما العلم النظري؛ فإنه يحتاج إلى براهين ويتوصل إلى نتائج بمقدمات. كمثال لهذا العلم النظري -وهو أيضًا يصل إلى نتيجة قطعية؛ لكن بعد نظر واستدلال-: نظريات الهندسة: حين يقولون مثلًا: إن المثلث المتساوي الأضلاع متساوي الزوايا، هذه نظرية هندسية، هي إلى الآن مجرد افتراض، علينا أن نثبته؛ لن نتوصل إلى القطع بها كنتيجة علمية مؤكدة إلا بعد أن نستدل عليها؛ فمثلًا يعلموننا في الهندسة أن نقول: أن الفرض هو كذا، الفرض هو رأس

стр. 197

النظرية: المثلث المتساوي الأضلاع متساوي الزوايا، المطلوب: إثبات هذا الفرض، البرهان: بما أن ... وبما أن ... وبما أن ... إذن النتيجة: هي أن المثلث المتساوي الأضلاع متساوي الزوايا أو المثلث المتساوي الزوايا متساوي الأضلاع، وصلنا إلى هذه النتيجة وأصبحت معلومة يقينيًّا مقطوعًا بها بعد أن استدللنا عليها، هذا هو العلم النظري القطعي. كلمة "نظري" بمعنى: أنه جاء بناء على استدلال ونظر، و"قطعي" بمعنى: أنه وصلنا إليه كنتيجة مقطوع بها يعني: حتميّة ... الخبر المتواتر لا يحتاج إلى نظر واستدلال، هو بمجرد ثبوت التواتر يفيد القطع واليقين، ونسبة الخبر إلى قائله نسبة يقينية مقطوع بها؛ خلافًا لما ذكرناه من الكعبي وأبو الحسن من المعتزلة وإمام الحرمين والغزالي الذين يقولون: إن إفادة الخبر المتواتر للعلم هي إفادة نظرية. وأيضًا، من الفروق بين العلم الضروري والعلم النظري: أن العلم الضروري يقع لكل سامع به -سواء كان عالمًا أو ليس من أهل العلم- يقع القطع به، أما العلم النظري؛ فلا يقع القطع به إلا لمن هو عنده أهلية النظر، ولمن هو يدرك هذا التخصص، وهذا الفهم، مثلًا المثال الذي ضربناه: المثلث المتساوي الزوايا متساوي الأضلاع؛ الرجل العادي لا يشتغل بها، ولا يهتم بها إلا المتخصصون في العلوم الهندسية ويأخذون هذه النظرية بعد تأكيدها لتطبيقها في أمور علمية متعددة ينتفعون بها في حياتهم. وهناك من ينكر إفادة المتواتر للعلم لا نظري ولا قطعي، وهؤلاء لا يستحقون عناء الرد عليهم أصلًا؛ لأنه مخالف للبدهيات، وأجدر الآراء بالقبول -وهو الحق لا جدال في ذلك- هو رأي الجمهور الذي يؤكد أنه: متى توافر الخبر أصبح

стр. 198

العلم به علمًا ضروريًّا، يعني: توفر في قلوبنا وفي يقيننا بعد أن تواتر الخبر؛ لكنه بعد ذلك لا يحتاج إلى نظر واستدلال. هذا -على كل حال- هو الدرجة التي يفيدها الخبر المتواتر من العلم، وإذا طبقنا ذلك على الحديث النبوي: يفيدنا أنه متى ثبت تواتر الحديث فقد تيقَّنَّا بالضرورة بصدق نسبته للنبي ﷺ ، وأصبح الإيمان بذلك إيمانًا حتميًّا لا يستطيع أحدٌ بعد أن يثبت تواتر الحديث أن يتكلم في صدق نسبته للنبي ﷺ بعكس ما يتكلمون به في شأن الخبر الآحاد. ولذلك ترتب على ذلك كلام العلماء في قضية أخرى وهي: ما حكم منكره وجاحده؟ ما دمنا قد قطعنا بأنه يفيد العلم اليقيني القطعي الضروري، ولا يحتاج بعد ثبوت التواتر إلى أدلة وقطعنا بصحة نسبته إلى رسول الله ﷺ وهذه النسبة المقطوع بها قد تحققت بكثرة الطرق المعتبرة المؤكدة لذلك؛ فأصبح الخبر المتواتر قطعي الثبوت. رتبوا على ذلك مسألة وهي أن منكره وجاحده كافر؛ لأنه ما دامت نسبته إلى رسول الله ﷺ مقطوعًا بها؛ فإن جاحده مكذب للرسول ﷺ وهذا بلا جدال يخرج صاحبه من الإيمان. يقول فضيلة الدكتور أديب صالح عن حكم الحديث المتواتر: ولقد قرر العلماء أن المتواتر يفيد العلم اليقيني الذي لا مجال فيه للتكذيب ويكفر جاحده؛ لأنه قطعي الثبوت عن رسول الله ﷺ فجاحده مكذّب للرسول، وشأنه في إفادة العلم شأن ما يفيده الحس بالمشاهدة وغيرها. يريد أن يقول في مسألة إفادة العلم: كما نرى بأدوات الحس، يعني: كما أرى

стр. 199

بعيني الشيء وكما أسمع بأذني وأتيقن يقينًا جازمًا لا شبهة فيه؛ فكذلك إذا ثبت تواتر الخبر فقد أفاد درجة العلم التي تفيدها المشاهدة. وهكذا نرى أن المتواتر لا يحتاج إلى شيء من البحث والنظر، كما نعلم مثلًا وجود عمر وعلي في الصدر الأول، وكما نعلم وجود دمشق وبغداد وقرطبة من غير حاجة إلى البحث والتأمل. إذن الخبر المتواتر يفيد العلم القطعي، وبالنسبة للحديث فإن نسبته إلى رسول الله ﷺ مقطوع بها. الحديث المتواتر جرى نقاش بين العلماء؛ هل هو موجود بكثرة في السنة؟ ابن الصلاح يقول: من تطلب المتواتر عز وجوده، لعله يقصد المتواتر اللفظي بنصه؛ لكنّ المتواتر كثير جدًّا في الأحاديث. وابن حجر -رحمه الله تعالى- يرد على كلام ابن الصلاح في ادعاء العزة في وجود الخبر المتواتر يقول: وما ادعاه من العزة ممنوع، وكذا ما ادعاه غيره من العدم؛ لأن ذلك نشأ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطئوا على الكذب أو يحصل منهم اتفاق على ذلك. ومن أحسن ما يقرر به كون المتواتر موجودًا وجود كثرة من الأحاديث: أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقًا وغربًا المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مصنفيها إذا اجتمعت على إخراج حديث وتعددت طرقه تعددًا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب -إلى آخر الشروط- أفاد العلم اليقيني، ومثل ذلك في الكتب المشهور كثير.

стр. 200

وأيضًا السيوطي ينقل كلام ابن الحجر السابق في (التدريب) ويؤكده ويعقّب عليه بأنه ألف في الأحاديث المتواتر كتابًا، ثم اختصره في كتاب آخر، هذا كله يدل على أن المتواتر موجود، وأنه قد أُلِّفت فيه الكتب. من الفوائد أيضًا المتعلقة بالحديث المتواتر أن نقول: إنهم حين يذكرون كلمة "المتواتر" هكذا مطلقة؛ فإنما يقصدون المتواتر اللفظي. أيضًا، من المسائل الهامة: حين نقول بوجود المتواتر في السنة بكثرة؛ فليس معنى ذلك أن الأغلب في السنة هو الخبر المتواتر؛ وإنما الأغلب هو الآحاد، وهذا لا يقلل من شأن الآحاد ولا يزيد في المتواتر. إذن الحديث المتواتر موجود؛ لكنّ الأغلبية في السنة للحديث الآحاد. المؤلفات كثيرة في الحديث المتواتر، منها كتاب (قطف الأزهار) و (الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة) و (الفوائد المتكاثرة في الأخبار المتواترة) وكلها للسيوطي، وهناك من جعلهما كتابين فقط وليست ثلاثة كتب، و (البرهان) للزركشي، ألف قبل السيوطي كتابًا في الأحاديث المتواترة أشار إليه السخاوي في (فتح المغيث)، وهناك (نظم المتناثر من أحاديث المتواتر) تأليف أبي الفيض جعفر الحسن الشهير بالكتاني، وهناك (اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة) لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن محمد بن علي بن طولون الحنفي الدمشقي الصالحي، وهناك (لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة) لأبي الفيض محمد مرتضى الحسيني الزبيدي المصري. وهناك كتب كثيرة، ومعظم هذه الكتب مطبوع بفضل الله ومعظمها أيضًا في جزء واحد لا يصعب طلبه من المكتبات، ولا يصعب الوقوف عليه مما لا نطيل بذكر التفصيلات حول هذه الكتب كثيرًا، ذكرناها للفائدة. هناك أحاديث متواترة كثيرة: من أمثلتها: حديث: ((من كذب عليّ متعمدًا؛ فليتبوأ مقعده من النار)) ابن الصلاح في مقدمته ﵀ قال: نقله من

стр. 201

الصحابة العدد الجم، وهو في الصحيحين مروي عن جماعة منهم، والعراقي في تعليقاته على المقدمة أفاد أن بعض من جمع طرقه وصل بهم إلى ثمانية وتسعين نفسًا، وذكرهم بالاسم الزبيدي في (لقط اللآلئ المتناثرة)، وذكر من أخرج رواية كل منهم من أصحاب الكتب؛ فمن بين الصحابة الذين رووه مثلًا غير العشرة المبشرين بالجنة: أبو هريرة، وأنس بن مالك، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن مسعود، وأبو قتادة، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وسلمة بن الأكوع، في نفر كثير من الصحابة -رضوان الله عليهم-، وقد أخرجه الشيخان -رحمهما الله تعالى- من رواية علي بن أبي طالب، وأبي هريرة، وأنس، والمغيرة، وغيرهم كثير؛ كما انفرد البخاري ﵀ ببعض طرقه مثل انفراده من طريق الزبير بن العوام وعبد الله بن عمرو بن العاص وهكذا، ويكاد هذا الحديث يوجد في كل كتب السنة تقريبًا. حديث: ((الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة))، حديث: ((لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلًا))، حديث: ((من غشنا فليس منا)) أو ((من غش فليس منا)). حديث الآحاد حديث الآحاد الذي هو القسم الثاني من أقسام الحديث باعتبار عدد الرواة في كل حلقة من حلقات إسناده: الآحاد جمع أحد بمعنى الواحد، ويعرّفه العلماء فيقولون: هو ما فَقد شرطًا من شروط الحديث المتواتر، ويعرّفه غيرهم فيقولون: هو ما لم يبلغ درجة التواتر، التعريفان قريبان من بعضهما، نستطيع أن نقول بمعنى واحد تقريبًا.

стр. 202

بإيجاز، الحديث الآحاد له أقسام: منها: الحديث المشهور: واختُلِف في تعريفه، مثلًا ابن حجر ﵀ في (شرح النخبة) يقول: ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين، وقيل في تعريفه أيضًا: ما رواه في كل طبقة من طبقاته ثلاثة فأكثر دون أن يصل إلى درجة التواتر. هذه التعريفات -على كل حال- متقاربة، مدارها على أن المشهور لا ينبغي أن يقل العدد في كل طبقة من طبقاته عن ثلاثة رواة في كل حلقة من حلقات الإسناد على الأقل، ليس معنى هذا: أنه يشترط أن يرويه ثلاثة عن ثلاثة عن ثلاثة، بمعنى وجود ثلاثة في كل حلقة لا يزيدون ولا ينقصون نحن نريد ألا ينقص العدد عن ثلاثة ولو في حلقة واحدة من حلقات الإسناد، إذا قل العدد عن ثلاثة لا يصبح مشهورًا وينتقل إلى العزيز. ننبه إلى أن الحديث المشهور تعتريه أحكام الصحة والحسن والضعف، بمعنى آخر: ليست شهرة الحديث دليلًا على صحته؛ وإنما لا بد من التثبت في شأنه، والحكم بما يليق به صحة أو حسنًا أو ضعفًا. أيضًا ما نقوله في هذه المسألة نقوله أيضًا في أقسام الآحاد من العزيز والغريب التي سيأتي الكلام عنها، ذكرناه فقط عند المشهور لأنه ربما تصور البعض أن شهرة الحديث دليلٌ على صحته، وكثير من نسأل من الناس عن بعض الناس فنقول لهم: إنها ضعيفة؛ فيقولون: إنها مشهورة جدًّا وتنتشر على الألسنة إلخ؛ ولذلك هناك مؤلفات في الأحاديث المشتهرة على الألسنة مثل: (المقاصد الحسنة) للسخاوي، ومثل (كشف الخفاء) للعجلوني، وغيرهم، يحكمون على الأحاديث المشهورة على الألسنة على كل حديث بما يليق بحاله من الصحة والحسن والضعف. هناك كلام كثير جدًّا عن المشهور مظنه في كتب المصطلح حديث مشهور عند أهل

стр. 203

الحديث وأهل العلم جميعًا والعوام مثل: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) وهناك مشهور عند المحدثين خاصة، ويقول العراقي -رحمه الله تعالى- في ألفيته: كذا المشهور أيضًا قسموا ... بشهرة مطلقة كالمسلم أي: حديث: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) والمقصور على المحدثين من المشهور: قنوته بعد الركوع شهرًا ... ومنه ذو تواتر مستقر يعني: يقصد بالحديث المشهور الذي هو عند أهل الحديث خاصة: أن رسول الله ﷺ ظل يقنت على بعض القبائل شهرًا بعد الركوع لما فعلوه من قتل المسلمين في الرجيع وبئر معونة، وهناك مشهور عند الأصوليين، وعند الفقهاء، وعند النحاة، وقد لا يكون لا أصل له إلخ؛ لكنها تقسيمات للعلماء باعتبار ما دار على ألسنة الناس من الحديث كما هو معروف. للحنفية في الحديث المشهور قولٌ أشار إليه الأستاذ الدكتور: محمد أديب صالح، بأن المشهور عند الأحناف له اصطلاحٌ خاص: إذا كان الحديث باعتبار عدد رواته ينقسم عند المحدثين إلى متواتر وآحاد -كما ذكرنا- فإنه عند الحنفية ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إلى متواتر، ومشهور، وآحاد ... على ذلك؛ المشهور ليس قسمًا من أقسام الآحاد؛ وإنما هو قسيم للمتواتر والآحاد؛ فهو قسم ثالث من أقسام الحديث باعتبار عدد رواته في كل حلقة. الأحاديث المشهورة على الألسنة لها مؤلفات كثيرة. النوع الثاني من حديث الآحاد: هو حديث العزيز: وسمي بهذا الاسم إما لقلة وجوده؛ لأنهم يقولون: عز الشيء يعز، يقصدون: أنه قل؛ وقد يكون سُمي بذلك لأنه قوي واشتد بمجيئه من طريق آخر من

стр. 204

قولهم: عَزَّ يعَزُّ، بفتح العين في المضارع، أي: اشتد وقوي، ومنه قوله ﵎: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ (يس: ١٤) أي: قوينا وشددنا أمر الرسولين برسول ثالث. "العزيز": هذه صفة مشبهة على وزن "فعيل" من عزّ؛ إنما تعريفه: ما لم يقل الرواة فيه عن اثنين ولو في طبقة واحدة، أو يقولون: ما تحقق في رواته اثنان ولو في طبقة واحدة، ولم يقلّ الرواة عنهما في أي طبقة. ك ما ذكرنا عن حكم الحديث المشهور من أنه تعتريه أحكام الصحة والحسن والضعف؛ فكذلك نقول عن العزيز. والغريب أيضًا القسم الثالث من أقسام حديث الآحاد: هو أولًا لغويًّا: مشتق من الغربة؛ بمعنى: المنفرد أو البعيد ... الرجل الغريب: هو المنفرد أو هو البعيد عن أهله ... الحديث الغريب: سمي بذلك لأن راويه قد قد انفرد بالرواية عن غيره، مثل الغريب الذي انفرد وابتعد عن وطنه وعن أهله. العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي علاقة واضحة، يعرفه ابن حجر -رحمه الله تعالى- في الاصطلاح فيقول عنه: ما تفرد بروايته شخص واحد في أي موقع وقع التفرد به في السند. هم يقسمونه إلى غريب نسبي وغريب مطلق، وكما قلت: هذا محله كتب المصطلح؛ لكن متى وُجد راو ٍ واحد ولو في حلقة من حلقات الإسناد يسمونه بالحديث الغريب. هذه هي أقسام حديث الآحاد بإيجاز؛ لأن مظنتها هي كتب المصطلح ... ولأننا بعد ذلك إن شاء الله ﵎ سنرد على الشبه التي أثاروها حول العمل بخبر الآحاد وكأنهم يريدون أن يضيعوا سنة النبي ﷺ :

стр. 205

حكم العمل بحديث الآحاد: كما تكلمنا عن حكم العمل بالحديث المتواتر وأنه مقطوع بصدقه ومقطوع بصدق نسبته للنبي ﷺ وأيضًا منكر المتواتر كافر؛ لأنه كما يكون قد أنكر شيئًا من القرآن الكريم ... القرآن الكريم نقل إلينا بالتواتر، سيدنا رسول الله ﷺ قد تلقاه عن سيدنا جبريل ﵇ ثم تلقاه الصحابة الكرام عن النبي ﷺ وتلقاه من بعدهم عن الصحابة، هذا القرآن وظلت الأمة تتناقله بالملايين جيل عن جيل إلى عصرنا، وإلى ما بعد عصرنا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ كذلك الحديث المتواتر نقل إلينا بالعدد الكبير الذي يطمئن القلب إلى عدم وقوع الكذب منهم. إذن، إنكار شيء من الحديث المتواتر هو أيضًا كإنكار شيء من القرآن الكريم؛ ولذلك حكم العلماء بكفر هذا وكفر ذاك. بادئ ذي بدء نفرق بين مسألتين: ما الدرجة التي يفيدها خبر الآحاد من العلم؟ ثم ما حكم العمل بحديث الآحاد؟ حين تكلمنا عن الخبر المتواتر قلنا: إنه يفيد العلم الضروري الذي يحصل اليقين لسامعه بصدق الخبر، لا يحتاج بعد ثبوت التواتر إلى نظر واستدلال. فما الدرجة التي يفيدها خبر الآحاد من العلم؟ آراء العلماء في هذا متعددة؛ منهم من قال بإفادة خبر الآحاد للعلم القطعي، بمعنى أننا نقطع بأن الرسول ﷺ قاله، ومنهم من قال بإفادته للعلم الظني. الظن يعرفه الأصوليون بتعريفات متعددة تدور حول: أنه العمل بالقول الراجح أو ترجيح أحد الاحتمالين. الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في مقدمة (صحيح

стр. 206

مسلم) ينقل وينسب هذا القول إلى المحققين والأكثرين من الأصوليين والمحدثين -وهذه الأكثرية في الحقيقة فيها نظر وقد تعقبه بعض العلماء في ذلك- ينقل أن أكثر العلماء من المحدثين والأصوليين يقولون بإفادته للظن، يعني: يغلب على ظننا أن رسول الله ﷺ قاله ولا نقطع بصدق نسبته للنبي ﷺ . كثير من المحدثين من أهل العلم قالوا بإفادة خبر الآحاد للعلم النظري، أي: المبني على نظر واستدلال، نحن نصل إلى صحة الحديث بدراسة الإسناد ودراسة المتن، تعلمون أن علماء الحديث قد وضعوا شروطًا إذا توفرت في الإسناد حكم عليه بالصحة ووضعوا شروطًا للمتن: ألا يباين المنقول، أو يخالف المعقول، أو يصادم الأصول؛ وإذا كان كذلك فيكون صحيحًا، بالإضافة إلى معايير أخرى ذكروها في هذه المسألة. إن العلماء الذين قالوا: إن خبر الآحاد يفيد القطع النظري، يعني: المبني على نظر واستدلال؛ لكننا نقطع بصحة نسبته للنبي ﷺ يقولون: قد درسنا الإسناد في ضوء القواعد المقررة عند العلماء ودرسنا المتن في ضوء القواعد المقررة عند العلماء لدراسة المتن؛ فسلِم لنا الإسناد والمتن معًا؛ فلماذا نتردد في القطع بصحة نسبة الحديث إلى النبي ﷺ ؟! إلى هذا الرأي ذهب صاحب (المحلى) ابن حزم، وذهب الشيخ شاكر، والشيخ ناصر الألباني ﵀ وذهب كثير من العلماء. وهناك من قال بإفادة الآحاد القطع؛ لكنه قصره على أحاديث الصحيحين مثل ابن الصلاح في (المقدمة) قال: بأن أحاديث الصحيحين فقط هي التي نقطع بصحة نسبتها للنبي ﷺ وواضح أن مبنى هذا الرأي عند ابن الصلاح على أن الصحيحين قد أجمعت الأمة على تلقيهما بالقبول، ومن ثم فأصبح الأمر

стр. 207

إجماع أمة وليس مجرد رواية البخاري ومسلم فقط، ومن هنا أعطى لآحاد الصحيحين بالأحرى إفادة القطع، أي: نقطع بصحة نسبته للنبي ﷺ . ابن حجر -رحمه الله تعالى- أضاف إلى ابن الصلاح فائدة أخرى: لم يقصر حكم إفادة العلم، أي: صدق النسبة والقطع بالنسبة للنبي ﷺ على أحاديث الصحيحين فقط؛ إنما ألحق بأحاديث الصحيحين كل حديث احتفت به قرائن تكسبه مزيدًا من القوة، قال فريق كثير من العلماء بأن الصحيحين أو آحاد الصحيحين يفيد القطع بصحة نسبته للنبي ﷺ لما توافر للصحيحين من إجماع الأمة ... أيضًا ما المانع أن نلحق بهذا الأمر كل حديث قامت قرائن وأدلة على أنه يرتقي إلى أحاديث الصحيحين ... قرائن أكسبته مزيدًا من القوة، خصوصًا وأننا نعلم أن الصحيحين لم يستوعبا كل الأحاديث الصحيحة ولم يلتزما بهذا. مثلًا الحديث المسلسل بالأئمة الأجلاء: حديث رواه الإمام أحمد بن حنبل، عن الإمام الشافعي، عن الإمام مالك، عن نافع، عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- مثلًا أو عن الزهري عن ابن عمر ... هذا حديث نستطيع أن نسميه بأنه مسلسل بالأئمة الأجلاء الكبار، فلو كان هذا الحديث عند غير الصحيحين ألحق ابن حجر مثل هذه الأحاديث بأحاديث الصحيحين. بما أنني قد تأكد من صحة السند وتأكدت من صحة المتن وسلِم لي الاثنان معًا- فلماذا لم أقطع بصحة نسبة الحديث للنبي ﷺ ؟! متى صح الحديث وجب العمل به: العلماء أجمعوا جميعًا على أن الحديث متى صح وجب العمل به بصرف النظر عن إفادته بالنسبة لنسبته إليه ﷺ الظن أو القطع ولا يصرف عن وجوب العمل

стр. 208

به إلا بصارف شرعي كأن يكون منسوخًا مثلًا، أو عامًّا وخُصص، حتى النووي ﵀ لما تكلم من وجهة نظره عن أن خبر الآحاد يفيد الظن حكى إجماع العلماء على أن الأمة يجب عليها العمل بما غلب على ظنها ... ليس شرطًا أن أصل إلى درجة القطع لأعمل بمضمون الخبر، هذا أمرٌ مقرر للعلماء. مثلًا، حين يخبرنا مخبر أنه قد رأى هلال شوال أو هلال رمضان: في هلال رمضان يجب على الأمة أن تصوم، ومن أصبح مفطرًا بعد أن تأكدنا من عدالة الناقل للخبر بأنه رأى الهلال سيفطر يومًا لا يجوز فطره وله عقوبته المقررة عند العلماء في كتب الفقه، وكذلك أيضًا من صام حين يُرى هلال شوال سيصوم يومًا حرم صيامه على المسلمين بإجماع الأمة على ذلك، والحج ينبني على ما يراه الرائي بالنسبة لهلال شهر ذي الحجة ... البينات ... الأحكام من الحدود وغيرها ... مثلًا حين يشهد اثنان بأن فلانًا قتل فلانًا وتأكد القاضي من عدالة الرواة سيقتص منه، والاثنان خبر آحاد، والواحد الذي رأى الهلال خبر آحاد، والحدود كلها؛ حتى أشد الحدود أو أكثر الحدود طلبًا للعدد: وهو حد الرجم طُلِب فيه أربعة شهود؛ كما ورد في القرآن الكريم؛ حتى الأربعة على الرأي الأغلب عند العلماء ليس خبرًا متواترًا؛ إنما هو أيضًا خبر آحاد؛ وإنما زاد العدد في الأغراض لأنها مبنية على الصيانة والتحوط. يشهد اثنان عليّ بأنني مدين بمبلغ كذا لفلان ... متى اطمأن القاضي لعدالة الرواة؛ حكم بأن المبلغ عليّ، ولا يحتاج الأمر إلى إقراري، وعليّ أن أؤدي المبلغ كما ذكره الشهود إلخ ... إلخ ... أمور كثيرة جدًّا من أحكام الفقه والشرع تنبني على خبر الآحاد، وهذا يؤكد ما ذكرناه من أن الأمة يجب العمل عليها بخبر الآحاد. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 209

الدرس: ١٣ دفع الشبهات المثارة حول حجية السنة المطهرة (٦)

стр. 210

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث عشر (دفع الشبهات المثارة حول حُجية السنة المطهرة (٦)) الشبه المثارة حول حجية خبر الواحد، والرد عليها الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد: هناك محاولات لإثارة الشبه حول حجية خبر الواحد، ويقولون بها، ويريدون أن ينتهوا إلى نتيجة: وهي أنه لا يجب العمل بخبر الواحد. من أقوى ما حاولوا أن يستدلوا به قول الله ﵎: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: ٣٦) وقالوا: إن العمل بخبر الواحد اقتفاء لما ليس لنا به علم، وشهادةٌ وقولٌ بما لا نعلم؛ لأن العمل به موقوف على الظن ... هؤلاء يصرون على إفادته للظن، ويقولون: قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (النجم: ٢٨) وقالوا: قد ذمّ الله ﵎ من اتبع الظن وبيَّن -جل في علاه- أن الظن لا يغني من الحق شيئًا؛ فهم يتبعون دليلًا واهيًا، لا قوة له، لا يفيد في إثبات الحق شيئًا ... هذه شبهة قال بها بعض المعتزلة وقال بها بعض من تبعهم من المحدَثين. وحاولوا بعد هذه القاعدة أن يستدلوا بأدلة من السنة؛ مثلًا في قصة ذي اليدين، وهي قصة مذكورة في الصحيحين، وذكرها البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان، والصلاة، والصوم، والفرائض، والأحكام ... إلخ، ورواه الإمام مسلم في كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له. وهذا لفظ مسلم: روى بسنده -رحمه الله تعالى- إلى أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: ((صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي -إما الظهر، وإما العصر- فسلم في ركعتين، ثم أتى جذعًا في قبلة المسجد فاستند إليه مغضبًا، وفي القوم أبو بكر وعمر؛ فهابا أن يتكلما، وخرج سرعان الناس قالوا للرسول ﷺ : قصرت

стр. 211

الصلاة. فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله؛ أقصرت الصلاة أم نسيت؟ نظر النبي ﷺ يمينًا وشمالًا فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق؛ لم تصلّ إلا ركعتين. فصلى ركعتين وسلم ثم كبر ثم سجد، ثم كبر فرفع؛ ثم كبر وسجد ثم كبر ورفع وسجد)) الخلاصة أن النبي ﷺ أتم الصلاة بناء على إخبار ذي اليدين بعد أن سأل الصحابة ﵁ ذو اليدين هو الخرباق بن عمرو السلمي، يقال له "ذو اليدين"؛ لأنه كان في يديه طول، وبعض الأقوال تقول: لأنه كان قصير اليدين؛ هو صحابي جليل، ترجم له في كتب الصحابة مثل (الإصابة) و (أسد الغابة) وغيرهم من الكتب التي ترجمت للصحابة -رضوان الله عليهم. وجه استدلالهم بهذا الحديث: أن النبي ﷺ لم يقبل قول ذي اليدين بادئ ذي بدء إلا بعد أن سأل الصحابة، وكأنه لم يثق بخبر الواحد إلا بعد أن أكده الذين كانوا معه. وأيضًا، يجمعون إلى ذلك أدلة كثيرة كلها تدور حول هذا المعنى: أن مواقف من الصحابة احتاجوا فيها إلى قول آخر يساند القول الأول. من ذلك مثلًا: حديث عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- في توقفه في قبول خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان: أبو سعيد يقول: "كنا في مجلس عند أبي بن كعب؛ فأتى أبو موسى الأشعري مغضبًا حتى وقف فقال: أنشدكم الله؛ هل سمع أحدٌ منكم رسول الله ﷺ يقول: ((الاستئذان ثلاث؛ فإن أذن لك وإلا فارجع)) قال أبي بن كعب: وما ذاك؟ قال: استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرات؛ فلم يؤذن لي فرجعت، ثم جئته اليوم فدخلت عليه؛ فأخبرته أني جئت أمس

стр. 212

فسلمت ثلاثًا ثم انصرفت. قال: قد سمعناك ونحن حينئذ على شغل؛ فلو ما استأذنت حتى يؤذن لك! قال: استأذنت كما سمعت رسول الله ﷺ قال. فقال الفاروق ﵁: فوالله لأوجعنَّ ظهرك وبطنك أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا. فقال أبي بن كعب: فوالله لا يقوم معك إلا أحدثنا سنًّا؛ قم يا أبا سعيد. فقمت حتى أتيت عمر؛ فقلت: قد سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا". حديث أبي موسى هذا رواه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الاستئذان، باب التسليم والاستئذان ثلاثًا، ورواه مسلم ﵀ في كتاب الآداب، باب الاستئذان. أيضًا، قصة أبي بكر -رضي الله تعالى عنه- حين توقف في ميراث الجدة لما جاءته تسأله حقها في الميراث: "قال لها: لا أجد لك في كتاب الله شيئًا، ولا أعلم أن رسول الله ﷺ قضى لك بشيء؛ أشرنا إلى عظمة كلام أبي بكر ﵁ وذكائه وفطنته وأشرنا أيضًا إلى الحديث ومدى دلالته على حجية السنة، بعد أن كان الخليفة الراشد الأول أبو بكر ﵁ قد رد المرأة، وقال لها: ارجعي. حتى سأل الناس؛ فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس. وهي لم يذكر فرضها في القرآن؛ فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري، وذكر مثل ما قاله المغيرة بن شعبة؛ فأنفذه لها أبو بكر -رضي الله ﵎ عنه-". وقصة أبي بكر ﵁ رواها أبو داود في كتاب الفرائض باب في الجدة ورواها الترمذي في كتاب الفرائض أيضًا باب ما جاء في ميراث الجدة، وعقب عليه الترمذي -رحمه الله تعالى- فقال: وهذا أحسن وأصح من حديث ابن عيينة، يعني: يرجح إحدى الروايتين؛ لكنه حكم لها بالصحة -على كل حال. إذن، هذه أدلةٌ، المنكرون لحجية خبر الآحاد يتصورونها أنها أدلة على أن الصحابة لم يقبلوا خبر الواحد.

стр. 213

ونريد أن نرد على هذه الشبه، ثم نذكر الأدلة على قبول خبر الواحد وهي أدلة كثيرة جدًّا، وسنقف معها مع (رسالة الإمام الشافعي) -رضي الله تعالى عنه- وغيره من الكتب الواردة في هذه الموضوع: المسألة الأولى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (النجم: ٢٨) يقولون: إن هذه الآية قد ذم الله فيها الظن، وبيَّن أنه لا يغني من الحق شيئًا، يعني: من أراد الحق وطلبه؛ فلا يكتفِ بأدلة الظن؛ إنما لا بد له من الوصول إلى القطع واليقين، وأحاديث الآحاد تفيد الظن. مثل هذه الآيات جمعوها واستدلوا بها، ونريد أن نقول: إن الظن هنا في هذه الآيات هو الذي يوضع في مقابلة اليقين؛ فكأنه نوع من الوهم، وإلا فإن الظن درجة من درجات العلم يبنى عليها، والظن: هو ترجيح أحد الاحتمالين أو هو القول بالعمل الراجح -على تعريفات متعددة للظن عند الأصوليين. دعونا نستدل من القرآن الكريم على أن الله ﵎ في آيات كثيرة قد اعتبر الظن: من ذلك مثلًا في سورة البقرة: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: ٤٥ - ٤٦) لم تقل الآية: الذين يعتقدون أنهم ملاقو ربهم، أيضًا، سورة المطففين: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (المطففين:١ - ٥) مع أن إيماننا باليوم الآخر يجب أن يكون معتقدًا مقطوعًا به؛ إلا أن الله اعتبر الظن هنا درجة كافية في وجوب الإيمان باليوم الآخر؛ بل إن هنا لفتة أشار إليها بعض العلماء حين قال: عبّر الله بالظن في مجال يقتضي اليقين؛ ليبين لنا أنه حتى ولو غلب على ظن الأمة أو غلب على ظن بعض أفراد الأمة أن

стр. 214

يوم القيامة واقع لكانت غلبة الظن هذه كافية في أن يحسنوا الاستعداد لهذا اليوم وألا يفعلوا ما فعلوه من مخالفات جسيمة حين طففوا الكيل والميزان؛ ألا يعتقدون يومًا سيحاسبون فيه على تطفيف الميزان وغيره؟! هذا الظن أو هذا الاعتقاد عبر عنه القرآن الكريم بقوله: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾. الخلاصة: أن الظن في هذا الفهم درجة من درجات العلم القوية التي، حتى وإن لم تصل إلى درجة اليقين؛ فهي كافية لأن ينتسب العبد إلى مضمون الخبر الذي غلب على ظنه بأنه صحيح، وهناك من العلماء من فسّر بأن الظن هنا: هو اليقين، وقالوا كذلك: الظن بمعنى اليقين، وسواء هذا أو ذاك؛ فهي اجتهادات في تفسير الآية. ونخلص من ذلك كله إلى أن الاستناد إلى الآية: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ إنما هو استنادٌ إلى فهم خاطئ في معنى الظن ... واضح جدًّا من السياق هنا أنه الوهم، أو الذي ليس له أي درجة من الصدق أو الحجية. فسياق الآية واضح في أن الظن هنا ليس هو الظن الذي عرفه الأصوليون بأنه: ترجيح أحد الاحتمالين، أو العمل بالقول الراجح؛ وإنما هو الظن المرادف للوهم الذي لا يَعتمد على أي دليل ولا حتى شبهة دليل؛ وإنما يخرف به أصحابه من غير استناد إلى آثارة من علم أو برهان حتى ولو كان ضعيفًا. إذن هذا الدليل وأمثاله مما حاولوا أن يستدلوا به على أن خبر الآحاد لا يُعمل به لإفادته الظن مردودٌ عليه -كما وضح من القول. أما ما ذكر من استدلالهم بقصة ذي اليدين التي أشرنا إليها وبقصة عمر -رضي الله ﵎ عنه- في قصة الاستئذان مع أبي موسى، وفي قصة ميراث الجدة كلها لا تدل على ما ذهبوا إليه. أولًا: الصحابة كلهم عدول، وأبو موسى عدل من العدول الكبار في عالم الصحابة، وذو اليدين أيضًا؛ إنما الصحابة -رضوان الله عليهم- علمونا التثبت في رواية

стр. 215

الأخبار، لم يشكوا أبدًا من خبر أبي موسى، ولم يشك الصديق في خبر المغيرة، ولم يشك النبي ﷺ في ذي اليدين؛ إنما أرادوا التأكد فقط؛ فهل بعدما شهد شاهد مع أبي موسى أو مع المغيرة أصبح الخبر متواترًا؟! لا، لا يزال خبر آحاد كما هو؛ لأنه من رواية اثنين فقط، ورواية اثنين -باتفاق الجميع- من أخبار الآحاد، وليس من أخبار التواتر. خصوصًا أن المواقف الثلاثة التي أشرنا إليها تحمل أحكامًا شرعية في قصة ذي اليدين. أيضًا ميراث الجدة، القرآن على تفصيله في آيات المواريث لم يذكره؛ ولأن قصة الجدة نادرة، يندر أن تظل الجدة حية إلى أن ترث حفيدها؛ فيكون الخبر ليس معروفًا عند كثير من الصحابة ... هذا أمر وارد جدًّا؛ فلذلك أراد الصديق ﵁ أن يستوثق؛ لأن هذا أيضًا حكم شرعي، وكذلك الأمر في قصة أبي موسى، ويتضمن حكمًا بأن الذي يستأذن ثلاث مرات ولم يؤذن له؛ فليرجع. إذن، الاستدلال أيضًا بهذه النصوص ليس استدلالًا قويًّا؛ بل هو ضعيف ومتهافت -كما ذكرنا- والعلماء الذين ذكروا هذا ذكروا أدلةً كثيرة على أن النبي ﷺ وأن الصحابة -رضوان الله عليهم- قبلوا كثيرًا جدًّا من أخبار الآحاد. أدلة الإمام الشافعي على حجية خبر الواحد ونأتي الآن إلى أدلة الإمام المطلبي محمد بن إدريس الشافعي -رحمه الله تعالى- في (الرسالة) عقد فصلًا ممتعًا تحت عنوان: الحجة في تثبيت خبر الواحد: ذكر فيه مجموعة من الأدلة الكثيرة جدًّا ربما تقترب من ثلاثين دليلًا لإفادة خبر الواحد أو لحجيته ووجوب العمل به، وكل العلماء الذين تكلموا في هذا: الشيخ الألباني عليه ﵀ له كتاب في هذا ... الشيخ أحمد شاكر له كتاب في هذا ... وكثير من العلماء.
следующие страницы →