Полный текст (382 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الصلاة. فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله؛ أقصرت الصلاة أم نسيت؟ نظر النبي ﷺ يمينًا وشمالًا فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق؛ لم تصلّ إلا ركعتين. فصلى ركعتين وسلم ثم كبر ثم سجد، ثم كبر فرفع؛ ثم كبر وسجد ثم كبر ورفع وسجد)) الخلاصة أن النبي ﷺ أتم الصلاة بناء على إخبار ذي اليدين بعد أن سأل الصحابة ﵁
ذو اليدين هو الخرباق بن عمرو السلمي، يقال له "ذو اليدين"؛ لأنه كان في يديه طول، وبعض الأقوال تقول: لأنه كان قصير اليدين؛ هو صحابي جليل، ترجم له في كتب الصحابة مثل (الإصابة) و (أسد الغابة) وغيرهم من الكتب التي ترجمت للصحابة -رضوان الله عليهم.
وجه استدلالهم بهذا الحديث:
أن النبي ﷺ لم يقبل قول ذي اليدين بادئ ذي بدء إلا بعد أن سأل الصحابة، وكأنه لم يثق بخبر الواحد إلا بعد أن أكده الذين كانوا معه.
وأيضًا، يجمعون إلى ذلك أدلة كثيرة كلها تدور حول هذا المعنى: أن مواقف من الصحابة احتاجوا فيها إلى قول آخر يساند القول الأول.
من ذلك مثلًا: حديث عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- في توقفه في قبول خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان: أبو سعيد يقول: "كنا في مجلس عند أبي بن كعب؛ فأتى أبو موسى الأشعري مغضبًا حتى وقف فقال: أنشدكم الله؛ هل سمع أحدٌ منكم رسول الله ﷺ يقول: ((الاستئذان ثلاث؛ فإن أذن لك وإلا فارجع)) قال أبي بن كعب: وما ذاك؟ قال: استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرات؛ فلم يؤذن لي فرجعت، ثم جئته اليوم فدخلت عليه؛ فأخبرته أني جئت أمس
стр. 212
فسلمت ثلاثًا ثم انصرفت. قال: قد سمعناك ونحن حينئذ على شغل؛ فلو ما استأذنت حتى يؤذن لك! قال: استأذنت كما سمعت رسول الله ﷺ قال. فقال الفاروق ﵁: فوالله لأوجعنَّ ظهرك وبطنك أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا. فقال أبي بن كعب: فوالله لا يقوم معك إلا أحدثنا سنًّا؛ قم يا أبا سعيد. فقمت حتى أتيت عمر؛ فقلت: قد سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا".
حديث أبي موسى هذا رواه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الاستئذان، باب التسليم والاستئذان ثلاثًا، ورواه مسلم ﵀ في كتاب الآداب، باب الاستئذان.
أيضًا، قصة أبي بكر -رضي الله تعالى عنه- حين توقف في ميراث الجدة لما جاءته تسأله حقها في الميراث: "قال لها: لا أجد لك في كتاب الله شيئًا، ولا أعلم أن رسول الله ﷺ قضى لك بشيء؛ أشرنا إلى عظمة كلام أبي بكر ﵁ وذكائه وفطنته وأشرنا أيضًا إلى الحديث ومدى دلالته على حجية السنة، بعد أن كان الخليفة الراشد الأول أبو بكر ﵁ قد رد المرأة، وقال لها: ارجعي. حتى سأل الناس؛ فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس. وهي لم يذكر فرضها في القرآن؛ فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري، وذكر مثل ما قاله المغيرة بن شعبة؛ فأنفذه لها أبو بكر -رضي الله ﵎ عنه-".
وقصة أبي بكر ﵁ رواها أبو داود في كتاب الفرائض باب في الجدة ورواها الترمذي في كتاب الفرائض أيضًا باب ما جاء في ميراث الجدة، وعقب عليه الترمذي -رحمه الله تعالى- فقال: وهذا أحسن وأصح من حديث ابن عيينة، يعني: يرجح إحدى الروايتين؛ لكنه حكم لها بالصحة -على كل حال.
إذن، هذه أدلةٌ، المنكرون لحجية خبر الآحاد يتصورونها أنها أدلة على أن الصحابة لم يقبلوا خبر الواحد.
стр. 213
ونريد أن نرد على هذه الشبه، ثم نذكر الأدلة على قبول خبر الواحد وهي أدلة كثيرة جدًّا، وسنقف معها مع (رسالة الإمام الشافعي) -رضي الله تعالى عنه- وغيره من الكتب الواردة في هذه الموضوع:
المسألة الأولى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (النجم: ٢٨) يقولون: إن هذه الآية قد ذم الله فيها الظن، وبيَّن أنه لا يغني من الحق شيئًا، يعني: من أراد الحق وطلبه؛ فلا يكتفِ بأدلة الظن؛ إنما لا بد له من الوصول إلى القطع واليقين، وأحاديث الآحاد تفيد الظن.
مثل هذه الآيات جمعوها واستدلوا بها، ونريد أن نقول: إن الظن هنا في هذه الآيات هو الذي يوضع في مقابلة اليقين؛ فكأنه نوع من الوهم، وإلا فإن الظن درجة من درجات العلم يبنى عليها، والظن: هو ترجيح أحد الاحتمالين أو هو القول بالعمل الراجح -على تعريفات متعددة للظن عند الأصوليين.
دعونا نستدل من القرآن الكريم على أن الله ﵎ في آيات كثيرة قد اعتبر الظن:
من ذلك مثلًا في سورة البقرة: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: ٤٥ - ٤٦) لم تقل الآية: الذين يعتقدون أنهم ملاقو ربهم،
أيضًا، سورة المطففين: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (المطففين:١ - ٥) مع أن إيماننا باليوم الآخر يجب أن يكون معتقدًا مقطوعًا به؛ إلا أن الله اعتبر الظن هنا درجة كافية في وجوب الإيمان باليوم الآخر؛ بل إن هنا لفتة أشار إليها بعض العلماء حين قال: عبّر الله بالظن في مجال يقتضي اليقين؛ ليبين لنا أنه حتى ولو غلب على ظن الأمة أو غلب على ظن بعض أفراد الأمة أن
стр. 214
يوم القيامة واقع لكانت غلبة الظن هذه كافية في أن يحسنوا الاستعداد لهذا اليوم وألا يفعلوا ما فعلوه من مخالفات جسيمة حين طففوا الكيل والميزان؛ ألا يعتقدون يومًا سيحاسبون فيه على تطفيف الميزان وغيره؟! هذا الظن أو هذا الاعتقاد عبر عنه القرآن الكريم بقوله: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾.
الخلاصة: أن الظن في هذا الفهم درجة من درجات العلم القوية التي، حتى وإن لم تصل إلى درجة اليقين؛ فهي كافية لأن ينتسب العبد إلى مضمون الخبر الذي غلب على ظنه بأنه صحيح، وهناك من العلماء من فسّر بأن الظن هنا: هو اليقين، وقالوا كذلك: الظن بمعنى اليقين، وسواء هذا أو ذاك؛ فهي اجتهادات في تفسير الآية.
ونخلص من ذلك كله إلى أن الاستناد إلى الآية: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ إنما هو استنادٌ إلى فهم خاطئ في معنى الظن ... واضح جدًّا من السياق هنا أنه الوهم، أو الذي ليس له أي درجة من الصدق أو الحجية.
فسياق الآية واضح في أن الظن هنا ليس هو الظن الذي عرفه الأصوليون بأنه: ترجيح أحد الاحتمالين، أو العمل بالقول الراجح؛ وإنما هو الظن المرادف للوهم الذي لا يَعتمد على أي دليل ولا حتى شبهة دليل؛ وإنما يخرف به أصحابه من غير استناد إلى آثارة من علم أو برهان حتى ولو كان ضعيفًا.
إذن هذا الدليل وأمثاله مما حاولوا أن يستدلوا به على أن خبر الآحاد لا يُعمل به لإفادته الظن مردودٌ عليه -كما وضح من القول.
أما ما ذكر من استدلالهم بقصة ذي اليدين التي أشرنا إليها وبقصة عمر -رضي الله ﵎ عنه- في قصة الاستئذان مع أبي موسى، وفي قصة ميراث الجدة كلها لا تدل على ما ذهبوا إليه.
أولًا: الصحابة كلهم عدول، وأبو موسى عدل من العدول الكبار في عالم الصحابة، وذو اليدين أيضًا؛ إنما الصحابة -رضوان الله عليهم- علمونا التثبت في رواية
стр. 215
الأخبار، لم يشكوا أبدًا من خبر أبي موسى، ولم يشك الصديق في خبر المغيرة، ولم يشك النبي ﷺ في ذي اليدين؛ إنما أرادوا التأكد فقط؛ فهل بعدما شهد شاهد مع أبي موسى أو مع المغيرة أصبح الخبر متواترًا؟! لا، لا يزال خبر آحاد كما هو؛ لأنه من رواية اثنين فقط، ورواية اثنين -باتفاق الجميع- من أخبار الآحاد، وليس من أخبار التواتر.
خصوصًا أن المواقف الثلاثة التي أشرنا إليها تحمل أحكامًا شرعية في قصة ذي اليدين.
أيضًا ميراث الجدة، القرآن على تفصيله في آيات المواريث لم يذكره؛ ولأن قصة الجدة نادرة، يندر أن تظل الجدة حية إلى أن ترث حفيدها؛ فيكون الخبر ليس معروفًا عند كثير من الصحابة ... هذا أمر وارد جدًّا؛ فلذلك أراد الصديق ﵁ أن يستوثق؛ لأن هذا أيضًا حكم شرعي، وكذلك الأمر في قصة أبي موسى، ويتضمن حكمًا بأن الذي يستأذن ثلاث مرات ولم يؤذن له؛ فليرجع.
إذن، الاستدلال أيضًا بهذه النصوص ليس استدلالًا قويًّا؛ بل هو ضعيف ومتهافت -كما ذكرنا- والعلماء الذين ذكروا هذا ذكروا أدلةً كثيرة على أن النبي ﷺ وأن الصحابة -رضوان الله عليهم- قبلوا كثيرًا جدًّا من أخبار الآحاد.
أدلة الإمام الشافعي على حجية خبر الواحد
ونأتي الآن إلى أدلة الإمام المطلبي محمد بن إدريس الشافعي -رحمه الله تعالى- في (الرسالة) عقد فصلًا ممتعًا تحت عنوان: الحجة في تثبيت خبر الواحد: ذكر فيه مجموعة من الأدلة الكثيرة جدًّا ربما تقترب من ثلاثين دليلًا لإفادة خبر الواحد أو لحجيته ووجوب العمل به، وكل العلماء الذين تكلموا في هذا: الشيخ الألباني عليه ﵀ له كتاب في هذا ... الشيخ أحمد شاكر له كتاب في هذا ... وكثير من العلماء.
стр. 216
نشير إلى العمدة في هذا وهو كتاب (الرسالة) للإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-:
يقول ﵀: فإن قال قائل: اذكر الحجة في تثبيت خبر الواحد بنصّ خبر أو دلالة فيه أو إجماع -يعني: بنص خبر صريح، أو خبر يدل على هذا ولهدلالة التزامية أو تضامنية أو ما شاكل ذلك أو بإجماع- فقلت له: أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: أن النبي ﷺ قال: ((نضّر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأدّاها؛ فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ... )) إلى آخر الحديث.
الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- هنا يروي بإسناده، ورواه الترمذي في كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على ترديد السماع، وقال عن حديث عبد الله بن مسعود هذا: حسن صحيح، ورواه أيضًا من حديث زيد بن ثابت، وقال عنه: حديث حسن، ورواه أبو داود في كتاب العلم، باب نشر العلم، ورواه غيرهم كثير.
وجه الدلالة من النص -كما يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى-: فلما ندب رسول الله ﷺ إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها امرأً يؤديها والامرؤ واحد، دل على أنه لا يأمر أن يؤدى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدي إليه؛ لأنه إنما يؤدى إليه حلال يفعل وحرام يجتنب وحد يقام ومال يؤخذ ويعطى ونصيحة في دين ودنيا -يعني: أحكام الشرع كلها تنقل- ودل على أنه قد يحمل الفقه غير فقيه يكون له حافظًا ولا يكون فيه فقيهًا، وأمر رسول الله ﷺ بلزوم جماعة المسلمين مما يحتج به في أن إجماع المسلمين -إن شاء الله- لازم.
ويستطرد الإمام الشافعي ﵀ ﵎ يقول: أخبرنا سفيان، قال: أخبرني سالم أبو النضر: أنه سمع عبيد الله بن أبي رافع يخبر عن أبيه قال: قال
стр. 217
النبي ﷺ : ((لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما نَهيت عنه أو أمرت به؛ فيقول: لا ندري؛ ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)) يقول: قال ابن عيينة: وأخبرني محمد بن المنكدر عن النبي ﷺ بمثله مرسلًا، وفي هذا تثبيتُ الخبر عن رسول الله وإعلامهم أنه لازم له، وإن لم يجدوا له نصّ حكم في كتاب الله، وهو موضوع في غير هذا الموضع.
والحديث له روايات أخرى: ((إلا إن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله تعالى)) بين في نهاية الحديث أن النبي ﷺ يشرع كما يشرع الله ﵎. هذه أدلة على حجية خبر الواحد.
ويستطرد الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- مع أدلته؛ فيروي أن رجلًا قبل امرأته وهو صائم؛ فوجد من ذلك وجدًا شديدًا -يعني خاف وتألم- فأرسل امرأته تسأل عن ذلك؛ فدخلت على أم سلمة -أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها- فأخبرتها أم سلمة؛ فقالت: إن رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم، فرجعت المرأة إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شرًّا، وقال: لسنا مثل رسول الله ﷺ يحل الله لرسوله ما شاء؛ فرجعت المرأة إلى أم سلمة فوجدت رسول الله ﷺ عندها، فقال رسول الله: ((ما بال هذه المرأة؟)) فأخبرته أم سلمة فقال: ((ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟! فقالت أم سلمة: قد أخبرتها فذهبت إلى زوجها؛ فأخبرته؛ فزاده ذلك شرًّا، وقال: لسنا مثل رسول الله؛ يحل الله لرسوله ما شاء! فغضب رسول الله ﷺ ثم قال: والله إني لأتقاكم لله ولأعلمكم بحدوده)).
يقول الشافعي -رحمه الله تعالى-: وقد سمعت من يصل هذا الحديث، ولا يحضرني ذكر من وصله؛ لأنه رواه مرسلًا: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعطاء بن يسار من الصحابة: تابعي، فالشيخ أحمد شاكر
стр. 218
-عليه رحمة الله تعالى- يقول: وصله عبد الرزاق بإسناد صحيح، عن عطاء، عن رجل من الأنصار، وهو في (مسند الإمام أحمد): حدثنا عبد عبد الرزاق، أنبأنا ابن جريج، أخبرني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من الأنصار: أن الأنصاري أخبر عطاء: أنه قبل امرأته على عهد رسول الله ﷺ وهو صائم ... ". فذكر الحديث، والهيثمي ﵀ في (مجمع الزوائد) قال عنه: ورجاله رجال صحيح، والشيخ شاكر عقب وقال: وهو كما قال.
لكن الشيخين -رحمهما الله- روياه من حديث أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقبّلها وهو صائم، وهو موجود عندهم في كتاب الصيام في حكم القبلة للصائم، وأيضًا الإمام مسلم روى من حديث عمر بن أبي سلمة -وهو ابن أم سلمة- أنه سأل رسول الله ﷺ : أيقبل الصائم؟ فقال رسول الله ﷺ : ((سلْ هذه)) لأم سلمة، فأخبرته أن رسول الله ﷺ يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله، قد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر! فقال رسول الله ﷺ : ((أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له)).
على كل حال: الحديث صحيح، ووجه الدلالة منه: أن المرأة جاءت من عند زوجها -وهي واحدة- وأخبرتها أم سلمة -وهي واحدة- وعادت إلى زوجها، وعادت مرة بعد العودة إلى زوجها إلى النبي ﷺ وكل ذلك أم سلمة تخبرها والمرأة تعود وتتكلم إلى أن قال رسول الله ﷺ : ((إني والله لأتقاكم لله ولأعلمكم بحدوده)) دلالة واضحة في الحديث على أن الخبر الواحد يُعمل به بدون تردد أبدًا.
قال الشافعي -رحمه الله تعالى- في الإسناد أيضًا: في ذكر قول النبي ﷺ : ((ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك)) دلالة على أن خبر أم سلمة عنه مما يجوز قبوله؛ لأنه لا يأمرها بأن تخبر عن النبي ﷺ إلا وفي خبرها ما تكون الحجة لما أخبرته، وهكذا خبر امرأته إن كانت من الصدق عنده.
стр. 219
ثم انتقل الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- إلى دليل آخر على أن النبي ﷺ والصحابة عملوا بخبر الواحد:
قال: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح؛ إذ أتاهم آتٍ فقال: "إن رسول الله قد أنزل عليه قرآن، وقد أُمر أن يستقبل القبلة؛ فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة"، وأهل قباء أهل سابقة من الأنصار وفِقْه وقد كانوا على قبلة فرض الله عليهم استقبالها، ولم يكن لهم أن يدعو فرض الله في القبلة إلا بما تقوم عليهم الحجة -هل يتركون ما افترضه الله عليه من وجوب الاتجاه إلى بيت المقدس إلا بحجة غيرت هذا الحكم، وهم لم يسمعوا من النبي ﷺ ، هم في صلاتهم آتاهم آتٍ أخبرهم أنه قد أنزل الليلة على رسول الله ﷺ قرآن يأمر بتحويل القبلة- ولم يَلقوا رسول الله ﷺ ولم يسمعوا ما أنزل الله عليه في تحويل القبلة؛ فيكونون مستقبلين بكتاب الله وسنة نبيه سماعًا من رسول الله ﷺ ولا بخبر عامة.
يعني: هم كانوا متتبعين لقبلتهم أولًا؛ لأن لهم فيها ما أنزل الله من كتاب الله وأيضًا سنة النبي ﷺ الذي ظل سبعة عشر في المدينة بعد الهجرة يصلي بهم إلى بيت المقدس.
وانتقلوا عن هذا الحكم السابق في القرآن والسنة بخبر واحد؛ إذ كان عندهم من أهل الصدق عن فرض كان عليهم، فتركوه إلى ما أخبرهم عن النبي ﷺ أنه قد أتى عليهم بتحويل القبلة، أو ولم يكونوا ليفعلوه -إن شاء الله- بخبرٍ إلا عن علم بأن الحجة تثبت بمثله إذا كان من أهل الصدق، ولا ليحدِثوا أيضًا مثل هذا العظيم -الذي هو تحويل القبلة- في دينهم إلا عن علم بأن لهم إحداثة، ولا
стр. 220
يدَعون أن يخبروا رسول الله ﷺ بما صنع منه، ولو كانوا ما قبلوا من خبر الواحد عن رسول الله في تحويل القبلة وهو فرضٌ مما يجوز لهم؛ لقال لهم إن شاء الله رسول الله: قد كنتم على قبلة ولم يكن لكم تركها، إلا بعد علم تقوم عليكم به حجة من سماعكم مني، أو خبر عامة، -خبر العامة في استعمال الإمام الشافعي يقصد به خبر المتواتر.
الإمام الشافعي يريد أن يقول: لو كان هناك خطأ في هذا لكان النبي ﷺ قد أخبرهم أنه: ما كان لكم أن تنتقلوا القبلة التي كنتم عليها إلا بعد علم تقوم عليكم به الحجة، إما من سماعكم مني مباشرة أو بخبر عامة -يعني بخبر متواتر- فلما لم يحدث ذلك من النبي ﷺ دل ذلك على قبول خبر الآحاد.
الصحابة تحولوا وهم في الصلاة إلى القبلة إلى بيت الشام بدون أن يترددوا في ذلك لحظة واحدة.
حديث تحويل القبلة بروايات متعددة عن البراء بن عازب وعن عبد الله بن عمر ﵄ وغيرهما، رواه البخاري في كتاب الصلاة: باب التوجه نحو القبلة حيث كان، وأخرجه أيضًا في مواطن أخرى من صحيحه تزيد على عشرة مواطن، ورواه الإمام مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة.
والصحابة هنا في الحقيقية أعطونا درسًا في منتهى العظمة لسرعة التلبية لأوامر النبي ﷺ مع أوامر القرآن الكريم، والذين درسوا تحويل القبلة يجدون أن هذا الأمر قد تكرر، وكل ذلك في الصحيحين؛ النبي ﷺ أمر بتحويل القبلة فاستدار وهو في الصلاة، هذا الذي ينزل عليه الوحي، وكان في صلاة الظهر أو في صلاة
стр. 221
العصر في ديار بني سلمة ... إلى آخر الروايات الواردة في هذا ... المهم كان قد صلى مع النبي ﷺ صحابي مر على قوم في مسجد يصلون العصر فشهد أنه صلى الآن مع رسول الله ﷺ فتحول عن القبلة -أي قبلة بيت المقدس- إلى الكعبة، حدث هذا في صلاة العصر لما أخبرهم المخبر سواء كان تحويل القبلة في الظهر أو في العصر مع النبي ﷺ إنما أدرك القوم في صلاة العصر وأخبرهم؛ فتحولوا بدون تردد.
ووصل الخبر إلى قباء مع صلاة الفجر؛ فنفس ما حدث من الصحابة في صلاة العصر بالأمس حدث اليوم في صلاة الفجر حين أخبرهم مخبر ١٨٠ درجة في الصلاة تحولوا من ناحية الشمال بالنسبة للمدينة بيت المقدس إلى ناحية الجنوب -أي مكة المكرمة- امتثالًا لأمر الله ﵎ والمخبر في الحالتين هو رجل واحد، يعني: هو هو خبر آحاد.
وللحديث بقية بإذن الله.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 222
الدرس: ١٤ دفع الشبهات المثارة حول حجية السنة المطهرة (٧)
стр. 223
بسم الله الر حمن الرحيم
الدرس الرابع عشر
(دفع الشبهات المثارة حول حُجية السنة المطهرة (٧))
بقية الأدلة على حجية خبر الواحد عند الشافعي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأزواجه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فيستمر الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- في استعراض أدلة وجوب خبر الواحد: يروي بإسناده عن الإمام مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة بن الجراح وأبي بن كعب شرابًا من فضيخ وتمر -يعني: شراب يتخذ من البسر أي: التمر المشقوق- فجاءهم آتٍ فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها. فقمت إلى مهراس لها؛ فضربتها بأسفله حتى تكسرت ... المهراس: عبارة عن حجر مستطيل ومنقور من وسطه كأنه آنية يتوضأ منه وتطحن فيه الأشياء -مثل: الهون، في لغة المصريين التي يطحن به الأشياء- فقام أنس بن مالك أمسك بهذا المهراس وكسر به الجرار التي هي مملوءة بالخمر استجابة لأمر أبي طلحة الذي نفذ الأمر حين سمعوا من يقول لهم: إن الخمر قد حرمت.
أيضًا، وجه الدلالة على أن الذي أخبرهم بتحريم الخمر واحد وهم يشربون، وبدون تردد قاموا وكسروا الجِرار.
يعبر الإمام الشافعي ﵁ بأسلوبه العظيم يقول: وهؤلاء في العلم والمكان من النبي وتقدم صحبته في الموضع الذي لا ينكره عالم، وقد كان الشراب عندهم حلال يشربونه، فجاءهم آتٍ وأخبرهم بتحريم الخمر؛ فأمر أبو طلحة -وهو مالك الجرار- بكسر الجرار، ولم يقل هو ولا هم ولا واحد منهم: نحن على تحليلها حتى نلقى رسول الله ﷺ مع قربه منا أو يأتينا خبر عامة -يعني الخبر المتواتر-.
стр. 224
وذلك أنهم لا يهرقون حلالًا إهراقه سرف وليسوا من أهله -يعني هم لا يهرقون الخمر إذا كانت ما زالت مستمرة على حلها- والحال في أنهم لا يدعون إخبار رسول الله ﷺ ما فعلوا، ولا يدع لو كان قبلوا من خبر الواحد ليس لهم أن ينهاهم عن قبوله -يعني: إذا كانوا لا يقبلون خبر الواحد يقولون: ما نهينا عن شربه! إذن لم يفعلوا ذلك؛ لتلكئوا ولاعتذروا ولقالوا: ننتظر حتى نلقى رسول الله ﷺ فيخبرنا ولقالوا: ننتظر حتى يكون الخبر خبر عامة على حد تعبير الإمام الشافعي ﵁ أي: خبرًا متواترًا، وليس خبر خاصة أي خبر آحاد؛ وإنما امتثلوا بدون أدنى تردد لأمر رسول الله ﷺ ، هذا دليل.
الدليل الآخر ينتقل إليه الإمام الشافعي ﵁ في قصة العسيف، والحديث أيضًا في الصحيحين في كتاب الحدود، مطلعه هكذا: "إن ابني كان عسيفًا عند هذا فزنى بامرأته؛ فأخبروني أن على ابني مائة شاة ووليدة؛ فافتديت ابني بمائة شاة ووليدة"؛ حتى جاء النبي ﷺ يطلب منه الحكم الصادق الموافق لشرع الله؛ فأخبره النبي ﷺ أن على ابنه جلد مائة وتغريب عام؛ لأن الولد كان بكرًا لم يكن متزوجًا، وقال النبي ﷺ لأنيس الأسلمي صحابي جليل: ((واغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا؛ فإن اعترفت فارجمها)) فاعترفت فرجمها.
هنا يعلّق الإمام الشافعي ﵁ بعد أن روى الخبر يقول: وأمر رسول الله ﷺ أنيسًا أن يغدو على امرأة رجل ذكر أنها زنت؛ ((فإن اعترفت فارجمها))؛ فاعترفت فرجمها.
ثم ساق سند الحديث إن مالك وسفيان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄ رويا هذا الحديث، وكما قلنا: هو في الصحيحين؛ إذن امتثلت المرأة لرجل واحد جاءها عن النبي ﷺ ، وأرسل النبي ﷺ رجلًا واحدًا.
стр. 225
وهذه الأمور التي ذهب بها رجل واحد أو أخبر بها رجل واحد؛ إنما هي أحكام شرعية ليست في فضائل الأعمال، وليست في الوعظ والإرشاد؛ إنما هي أحكام شرعية مهمة جدًّا ... في قصة قباء مثلًا أو في قصة تحويل القبلة، فيها حكمٌ شرعي خطير وهام بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، وحدَث أن الصحابة أُخبروا مرتين في مسجدين مختلفين وبينهما زمنٌ وفسحة، ومع ذلك استجابا بدون أدنى تردد وهم في الصلاة ... لم ينتظروا حتى يفرغوا في الصلاة ويقولوا: ننظر الأمر أو شاكل ذلك، لم يحدث هذا، وأيضًا قصة الخمر، وجاءهم آتٍ وأخبرهم أن الخمر حُرّمت، منهم أبو طلحة جالس وبعض الصحابة معه، وبدون تردد: "اكسر يا أنس الجرار"؛ كسرها، ولم يتعللوا بأن المخبر واحد، أو لم يقولوا: ننتظر حتى نلقى رسول الله ﷺ وهو قريب منهم ... إلخ، هذا حكم شرعي أيضًا فيه تحريم الخمر.
والحديث الذي نحن معه في قصة العسيف يتعلق بإقامة الحدود ... أرسل النبي ﷺ رجلًا واحدًا إلى امرأة ليسألها: هل زنت مع هذا الشاب الذي زعم أنه زنى بها أم لم تزنِ؛ لأن الأمر لم يثبت بالبينة، أي: بالشهود؛ إنما ثبت بالإقرار، ولا نأخذ بقول الشاب في تلك المرأة؛ فأرسل النبي ﷺ رجلًا واحدًا إليها؛ فاعترفت فرجمها.
وأيضًا، يستمر الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- مع أدلته: يروي عبد الله بن أبي سلمة عن عمرو بن سليم الزرقي عن أمه قالت: بينما نحن بمنًى علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- على جمل يقول: إن رسول الله ﷺ يقول: ((إن هذه أيام طعام وشراب -أي: أيام منى بعد الفراغ من وقفة عرفة يعني بدءًا من العاشر والحادي عشر من أيام ذي الحجة- فلا يصومن أحدٌ)) فاتبع الناس وهو على جمله يصرخ
стр. 226
فيهم بذلك، يعني: يتتبع الناس في تجمعاتهم تنفيذًا لأمر النبي ﷺ ويخبرهم بعدم الصيام.
يقول الإمام الشافعي: ورسول الله ﷺ لا يبعث بنهيه واحدًا صادقًا إلا لزم خبره عن النبي بصدقه عند المنهيين عما أخبرهم أن النبي ﷺ نهى عنه.
معنى هذه العبارة: أن رسول الله ﷺ يبعثُ بنهيه واحدًا صادقًا -وهو علي- ويلزم خبره ﷺ باعتراف أو بإقرار المنهيين بصدقه؛ وكأن هذا إشارة إلى القاعدة المعروفة: أنه متى ثبت صدق الراوي وعدالته؛ فنقبل خبره، وهذا من مثل هذا الكلام، هذا تقعيد، يعني: أخذ العلماء القواعد لشروط الحديث الصحيح: ما اتصل سنده برواية العدل الضابط عن العدل الضابط من أول السند إلى منتهاه.
إذن، صدّقوا عليًّا وهو صادق -والحمد لله- أخبرهم بنهي النبي ﷺ يقول الإمام الشافعي -استطرادًا مع الكلام- يقول: ومع الرسول ﷺ في الحاج -يقصد الحجيج جميعًا- وقد كان قادرًا على أن يبعث إليهم فيشافههم، أو يبعث إليهم عددًا وليس واحدًا. يعني: إما أن يرسل إلى الحجيج ليأتوا له ليحدثهم وإما أن يرسل إليهم أكثر من واحد لو كان خبر الواحد ليس حجة كما يزعم من يزعم من الذين يتوقفون في خبر الواحد، فبعث إليهم واحدًا يعرفونه بالصدق، وهو لا يبعث بأمره إلا والحجة للمبعوث إليهم وعليهم قائمة بقبول خبره عن رسول الله ﷺ .
فإذا كان هكذا مع ما وصفتُ من مقدرة النبي على بعثه جماعة إليهم- كان ذلك -إن شاء الله- فيمن بعده ممن لا يمكنه ما أمكنهم وأمكن فيهم أولى أن يثبت به خبر الصادق. يعني: أنه كان يمكنه أن يرسل إليهم أكثر من جماعة وكان هم يأتونه ومع ذلك لم يفعل ذلك؛ فدل ذلك على قبول خبر الصادق الواحد الذي بعثه إليهم ليخبرهم بأمر رسول الله ﷺ أنه يحرم الصيام في هذه الأيام.
стр. 227
ينتقل الإمام الشافعي إلى أدلة أخرى: يروي بإسناده عن عمرو بن عبد الله بن صفوان عن خالٍ له يقال له: يزيد بن شيبان، قال: كنا في موقف لنا بعرفة -يباعده عمرو من موقف الإمام جدًّا، يعني: هو بعيد عن موقف الإمام جدًّا- فأتانا ابن مِربع الأنصاري فقال لنا: ((أنا رسولُ رسولِ الله إليكم، يأمركم أن تقفوا على مشاعركم؛ فإنكم على إرثٍ من إرث أبيكم إبراهيم)) عمرو هذا يقول: إنه كان بعيدًا عن الإمام. أي: عن النبي ﷺ وأرسل إليهم رسول الله ﷺ رسولًا يقول: ((أنا رسولُ رسولِ الله إليكم، ورسول الله ﷺ : يأمركم أن تقفوا على مشاعركم؛ فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم)) هذا الرجل واحد ذهب إليهم بحكم شرعي.
ويستمر الإمام الشافعي يقول: وبعث رسول الله ﷺ أبا بكر واليًا على الحج في سنة تسع، وحضره الحج من أهل بلدان مختلفة وشعوب متفرقة؛ فأقام لهم مناسكهم وأخبرهم عن رسول الله ﷺ بما لهم وما عليهم، وبعث علي بن أبي طالب في تلك السنة؛ فقرأ عليهم في مجمعهم يوم النحر آيات من سورة براءة، ونبذ إلى قوم على سواء وجعل لهم مددًا، ونهاهم عن أمور، يعني: هذه كلها أحكام شرعية معروفة في كتب الفقه والاستطراد مع بيانها يطيل الأمر جدًّا ...
أمّر أبا بكر وهو واحد، وأخبرهم عن النبي ﷺ بما لهم وبما عليهم وبعث علي بن أبي طالب ﵁ في تلك السنة قرأ عليهم آيات من براءة وهو واحد، ولم يكن رسول الله ﷺ ليبعث إلا واحدًا إلا والحجة قائمة بخبره على من بعثه إليهم: لا يرسل النبي ﷺ واحدًا بأمر ما وهو يعلم أن الحجة قائمة على المبعوث إليهم بوصول هذا الرسول إليهم ليخبرهم عن رسول الله ﷺ ما أمر به وما نهى عنه.
الشافعي ﵁ يقول: فرّق النبي ﷺ عمّالًا على نواحي، عرفنا أسمائهم
стр. 228
والمواضع التي فرقهم عليها، ثم ذكر؛ فبعث قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر وابن نويرة إلى عشائرهم لعلمهم بصدقهم عندهم، بعثهم بأوامر رسول الله ﷺ وقدِم عليهم وفد من البحرين بعث معهم ابن سعيد بن العاص، وبعث معاذ بن جبل إلى اليمن: ((إنك تأتي قومًا أهل كتاب ... )) إلخ، كل هؤلاء بعث بهم واحدًا، ومعاذ بن جبل ﵁ مع أدلة أخرى نذكرها؛ ذهب بعقيدة وبأحكام، البعض يتوقف في حديث الآحاد في العقائد.
نعم؛ كل ذلك خبر ثبت بخبر الواحد: معاذ بن جبل لما ذهب إلى اليمن والحديث أيضًا في الصحيحين في أكثر من موطن: ((إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فاطلب إليهم أن يشهدوا ألا إله إلا الله وأني رسول الله؛ فإن هم أطاعوا إلى ذلك ... -هذه هي العقيدة: الشهادتان اللتان هما عنوان على دخول المرء في الإيمان- فأخبرهم أن الله تعالى قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة؛ فإن هم أطاعوا لذلك فأخبرهم أن الله ﵎ قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم؛ واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ... )) إلخ ما قال، هنا معاذ -رضي الله تعالى عنه- ذهب بعقيدة وذهب بأحكام شرعية، وكل ذلك خبر الواحد يعلمهم ما فرض الله عليهم، ويأخذ منهم ما أوجبه الله عليهم من زكوات وغيرها، وهم يعرفون معاذًا ويعرفون صدقه وأمانته وأنه صادقٌ في كل ما أخبر به عن رسول الله ﷺ .
أيضًا من الأدلة التي ذكرها الإمام الشافعي: أرسل أمراء سرايا إلى كثير من البلاد، وقد بعث بعث مؤتة وولّاه زيد بن حارثة وهو واحد؛ وإن أصيب فجعفر وإن أصيب فابن رواحة، وبعث ابن أنيس بسرية وحده، وكل أمير سرية يعتبر حاكمًا فيما بعثه فيه: يصلي بهم، ويعلمهم أمور دينهم، ويقودهم في الحرب، وعليهم أن يسمعوا له وأن يطيعوا، وهذا حقه عليهم؛ فرسول الله ﷺ يقول:
стр. 229
((من أطاع أميري فقد أطاعني؛ ومن عصى أميري فقد عصاني)) وقد كان يمكنه أن يبعث أكثر من رسول إلى جهة ما؛ لكنه كان يبعث واحدًا، وبعث إلى ملوك الأرض ورؤسائها يدعوهم إلى الإسلام: بعث إلى هرقل عظيم الروم، وبعث إلى كسرى عظيم الفرس، وبعث إلى المقوقس عظيم مصر، وبعث إلى النجاشي ... وبعث إلى غيرهم.
يقول الإمام الشافعي: بعث في دهر واحد -أي في وقت واحد- اثني عشر رسولًا إلى اثني عشر ملكًا يدعوهم للإسلام، ولم يبعثهم إلا إلى من قد بلغته الدعوة وقامت عليه الحجة فيها ... إلى آخر ما قال -رحمه الله تعالى-.
إذن، هم أيضًا ذهبوا بعقيدة، وكانت رسالتهم إلى الملك من الملوك يقول له: ((اسلم تسلم يأتيك الله أجرك مرتين -إذن هي دعوة العقيدة- فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين)) كتب بذلك إلى هرقل، وكتب به إلى كسرى، وإلى غيرهم من الملوك الذين بعث إليهم، وها هو الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- يقول: إنهم كانوا اثني عشر ملكًا.
يقول الإمام الشافعي: ولم تزل كتب رسول الله ﷺ تنفذ إلى ولاته بالأمر والنهي، ولم يكن لأحد من ولاته ترك إنفاذ أمره، ولم يكن ليبعث رسولًا إلا صادقًا عند من بعثهم إليهم ... لا يسع أحدٌ أن يترك أمر النبي ﷺ والمبعوث إليهم أيضًا ما داموا قد صدقوا الرسول الذي جاءهم فهو حجة عليهم ... إلخ.
وسار المسلمون هكذا بعد رسول الله ﷺ ، فاستخلفوا أبا بكر -رضي الله تعالى عنه- ثم استخلف أبو بكر عمر، ثم استخلف عمر أهل الشورى ليختاروا واحدًا ... إلى آخر الأدلة الواردة في هذا.
إذن، الولاة ينفذهم أيضًا من القضاة وغيرهم: يقضون فتنفذ أحكامهم ويقيمون
стр. 230
الحدود، ويأمرون الناس بأوامر الشرع وينهونهم عما نهى عنه الشرع، والناس يسمعون لهم ويطيعون.
هذه أدلة من رسل بعثهم النبي ﷺ يدعون إلى الإسلام، وقواد قادوا المسلمين في غزوات ... إلى آخر التفصيلات.
الإمام الشافعي عنده أكثر من ثلاثين دليل تضمنت العمل بحديث الآحاد في العقائد في الأحكام في كل أمور الإسلام لا تفريق بين أمر وآخر.
الأدلة على حجية خبر الواحد من (صحيح البخاري) ومناقشتها
ننتقل إلى (صحيح البخاري) -رحمه الله تعالى- والباب رقم ٩٥ عنده، وهو في الجزء الثالث من (فتح الباري) والكتاب سماه كتاب أخبار الآحاد، أول باب فيه يقول الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان، والصلاة، والصوم، والفرائض، والأحكام، وقول الله تعالى ...
وأنا أعتقد أن الصدوق في هذا الاستعمال تعني الثقة الذي يجمع بين العدالة والضبط.
باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الآذان في الصلاة في الصوم في الفرائض في الأحكام، وقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢) يعني: الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- وكما نعلم جميعًا أن فقهه في تراجمه أي: في عناوين الأبواب: الكتاب عنده اسمه كتاب آخبار الآحاد، وهي القضية
стр. 231
التي نعالجها منذ عدة دروس وبيان حجية خبر الآحاد وأنه يعمل به في سائر أمور الشرع من عقائد وغيرها.
جعل عنوان الباب فيه عدة أمور: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق يقول: في الآذان، في الصلاة، في الصوم، في الفرائض، في الأحكام ... يعني في كل أمور الشرع، ثم يذكر أدلة من القرآن الكريم على ذلك يقول: وقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢).
الآية تطلب أن ينفر من المؤمنين من كل فرقة طائفة مهمتها أن تتفقه في الدين وأن تعلّم الأمة أمور دينها ... ما وجه الاستدلال بهذا؟
يقول الإمام الشافعي: ويسمى الرجل طائفة: يعني: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ الطائفة: تطلق على الواحد وعلى الاثنين وعلى الجماعة ... ما دلالة إطلاقها على الواحد؟
كلام الإمام البخاري في عنوان الباب: قال: ويسمى الرجل طائفة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (الحجرات: ٩) فلو اقتتل رجلان دخلا في معنى الآية، يعني: هو يستدل هنا على أن الطائفة ربما تكون واحدًا، ليس المفهوم المتبادر من ظاهر الكلمة أنها تعني الجماعة، وحين يقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ هذه الطائفة تكون واحدًا أحيانًا أو اثنين، وهي أيضًا خبر الآحاد سيتفقهون في الدين وينذرون قومهم إذا رجعوا إليهم، وعلى قومهم أن يسمعوا لهم وأن يطيعوا؛ رغم أنهم قد يكونون واحدًا أو ربما اثنين، والاثنين والثلاثة في إطار خبر الآحاد ولم يصبحوا بعد خبرًا متواترًا.
ويستدل أيضًا الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- بقوله ﵎:
стр. 232
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: ٦)؛ فهنا الحكم مأخوذ من مفهوم الآية، يعني: العلة في عدم قبول خبره أنه فاسق وليس واحدًا، هذا المنطوق ... فما المفهوم؟ إن كان عدلًا؛ حتى وإن كان واحدًا فاقبلوا خبره؛ لأن العلة في رفض قبول خبر الأول ليس لأنه واحد؛ وإنما لأنه فاسق أي بسبب فسقه.
وأيضًا يقول الإمام البخاري: وكيف بعث النبي ﷺ أمراءه واحدًا بعد واحد؛ فإن سها أحد منهم رُد إلى السنة ... أيضًا إرسال النبي ﷺ الواحد بعد الواحد دليل على حجية خبر الآحاد.
ثم ذكر في الباب مجموعة من الأحاديث كلها تدور في هذا الفلك "إثبات حجية خبر الواحد" ذكر حديث مالك بن الحويرث ﵁ قال: ((أتينا النبي ﷺ ونحن شببة متقاربون ... -يعني شبان متقاربون في السن- فأقمنا عنده عشرين ليلة وكان رسول الله ﷺ رقيقًا؛ فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا أو قد اشتقنا؛ سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه، فقال: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلّموهم ومروهم)) وذكر أشياء أحفظها ولا أحفظها ... -يعني يحفظ بعضها ولا يحفظ بعضها- وصلوا كما رأيتموني أصلي فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم)).
إذن بعث كل واحدًا إلى الجهة التي جاء منها وعلمه ماذا عليه أن يفعل من إقامة الصلاة والآذان وأن يؤمهم أكبرهم إلى آخر ما قال ﷺ والذاهب بذلك هو واحد فقط أيضًا، ذكر حديث بلال في الآذان "حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما" أن النبي ﷺ قال: ((إن بلالًا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم)) وجه الدلالة: أنا سنأكل ونشرب حتى نسمع كلام ابن أم مكتوم -رضي الله تعالى عنه- وهو واحد فقط، يخبرنا أن الفجر قد ظهر فعلينا أن نمسك عن الطعام والشراب. هذا حكم شرعي.
стр. 233
أيضًا من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- قال: ((صلى بنا النبي ﷺ الظهر خمسًا فقيل: أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قال: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعد ما سلم)).
وجه الدلالة: أن الذي أخبره واحد واستجاب لخبره، يعني: ماذا حدث في الصلاة؟ قالوا صليت خمسًا فسجد سجدتين للسهو، وهناك أحكام تفصيلية كثيرة متعلقة بحكم السهو ... وما إلى ذلك ووقت الزيادة ووقت النقصان ... إلخ.
أيضًا، ذكر فيه قصة ذي اليدين: وهو رجل من المسلمين صلى النبي ﷺ وانصرف بعد ركعتين؛ فذو اليدين قال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ ولننظر إلى أدب الصحابة:
الاحتمال الأول: أن تكون الصلاة قد قصرت ويستبعد نسيان النبي ﷺ وهذا من الأدب مع النبي ﷺ فقال: ((أصدق ذو اليدين؟)) فقال الناس: نعم، فقام رسول الله ﷺ فصلى ركعتين أخريين، ثم سلم ثم كبر ثم سجد مثل سجوده أو أطول ... إلخ الحديث.
وأيضًا، ذكر الإمام البخاري قصة القبلة وتحويلها التي أشرنا إليها في أكثر من رواية، وذكر قصة الخمر التي وردت في قصة أبي طلحة ﵁ حين أمر أنس بن مالك ﵁ أن يكسر الجرار بناء على خبر الواحد، وأيضًا حديث حذيفة: أن النبي ﷺ قال لأهل نجران: ((لأبعثن إليكم رجلًا أمينًا حق أمين؛ فاستشرف لها أصحاب النبي ﷺ فبعث أبا عبيدة -رضي الله تعالى عنه)).
وذكر أيضًا حديث: ((لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة)) -رضي الله تعالى عنه-.
ذكر أيضًا قصة العسيف التي فيها: يعني: فيها أرسل النبي ﷺ صحابيًّا جليلًا
стр. 234
وهو أنيس الأسلمي إلى امرأة الرجل، وقال: ((اغدُ يا أنيس لامرأة هذا؛ فإن اعترفت فارجمها فاعترفت فرجمها)).
هذه كلها أدلة ذكرها الإمام البخاري ﵀ ﵎ في صحيحه تتعلق بهذا الأمر، وهو حجية خبر الواحد.
وهكذا نرى من مجموع الأدلة التي سقناها من خلال الرسالة للإمام الشافعي، ومن خلال إجازة خبر الواحد الصدوق عند الإمام البخاري ﵀ كل هذه أدلة على وجوب العمل بخبر الواحد في العقائد وفي الأحكام وفي سائر أمور الإسلام.
قبل أن ننتهي من هذا الموضوع تمامًا نشير إلى بعض شبههم التي يثيرونها من قديم -من المعتزلة مرورًا بكل المدارس التي تقف موقف المناوأة من السنة ومن حديث رسول الله ﷺ وهم كُثر في هذه الأيام؛ لكن الله ﵎ لن يمكنهم من نيل غرضهم أبدًا ما دام في الأمة علماء متيقظون وأمة منتبهة ترد الكيد إلى أصحابه:
يستدلون بأدلة يتصورون أنها تثير زوابع في وجه الاستدلال بحجية خبر الواحد:
من ذلك مثلًا: قول الله ﵎: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: ٣٦)، يقولون: إن اتباعنا لخبر الواحد هو اقتفاءٌ لما ليس لنا به علم.
وهذا كلام ضعيف جدًّا؛ بل بدون أدنى مبالغة: هذه الآية حجةٌ لمن يقولون بحجية خبر الواحد، هي عليهم وليست لهم: نحن لم نقف ما ليس لنا به علم كلا وحاشا؛ بل قامت الأدلة الصحيحة من القرآن والسنة على حجية خبر
стр. 235
الواحد ووجوب العمل به ... التي ذكرناها من القرآن: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ثم كل هذه الأدلة التي ذكرها الإمام الشافعي وذكرها البخاري، وذكرها غيرهم من العلماء من أهل السنة والجماعة جيلًا بعد جيل، مستدلين بالقرآن والسنة على ثبوت وحجية خبر الواحد.
إذن، حين نتبع خبر الواحد؛ فنحن اقتفينا ما لنا به علم، ما لنا به حجة، ما قامت عليه الأدلة من القرآن والسنة؛ بل الذين يقفون في المعسكر الآخر ويجادلون في حجية خبر الواحد هم الذين فعلًا يقفون بما ليس لهم به علم، وليس لهم سند؛ بل هم -لا أريد أن أقول يعاندون- أرجو أن يكون ذلك نابعًا من عدم فهم؛ وحين تتضح لهم الصورة يستجيبون اسأل الله ذلك، وألا يكون ذلك موقفًا مبدئيًّا عندهم فيه تعنت ورفض للسنة -والعياذ بالله ﵎ لأن هذا خطير على إيمانهم.
إذن، هذه الآية حجة لمن يقول بخبر الواحد، والأدلة العلمية القاطعة من القرآن والسنة قاطعة في هذا كما أشرنا إليها:
يقول الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى-: ولا نزاع في أن خبر الواحد إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضاه؛ فإنه يفيد العلم؛ لأن الإجماع عليه قد صيّره من المعلوم صدقه، وكذا خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول، ومن هذا القسم أحاديث صحيحة للبخاري ومسلم -رحمهما الله تعالى- فسقط اعتراضهم بهذه الآية أو بغيرها؛ لأنه ما دام الخبر صحيح؛ فهو يفيد العلم ويجب العمل به.
أيضًا، يحاولون أن يشوشوا بمقولة: أن خبر الآحاد يفيد الظن، وقد وردت أدلة كثيرة تنهانا عن اتباع الظن، وقد أشرنا إلى هذه المسألة.
стр. 236
هناك رأيان في المسألة، يقول رأي منهم: إن خبر الآحاد يوجب العلم القطعي؛ بمعنى: أننا نقطع بأن رسول الله ﷺ قاله أو أن نسبته إلى رسول الله ﷺ ظنية؛ حتى لو قلنا بالظن فقد أثبتنا هناك أن الأمة يجب عليها العمل بما غلب على ظنها، وذكرنا الأدلة على هذا، وأننا يجب أن نصوم إذا أخبرنا مخبر وتيقنا صدقه وأمانته أنه قد رأى هلال رمضان مثلًا؛ ومن يصبح مفطرًا فهو آثم لأنه أفطر يومًا يجب صيامه، ويُعاقب بعقوبات المقررة شرعًا، وأيضًا إذا قال مخبر: إنه رأى هلال شوال، وقلنا: إن الدعاوى كلها تثبت بشاهدين وأقصى دعوى -وهي دعوى الزنا- تثبت بأربعة شهود، وأربعة شهود ما زالوا في إطار خبر الواحد؛ لأنهم لم يصلوا إلى أقل عدد للتواتر على ما اصطلح عليه علماء الأمة.
ويستدلون بالآيات التي تنهى عن اتباع الظن: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (النجم: ٢٨) وحديث النبي ﷺ : ((إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث)) قلنا: إن الظن المذموم هنا هو الوهم الذي يوضع في مقابلة العلم، واستدللنا على أن القرآن اعتبر الظن كدرجة من درجات العلم وأقام به الحجة، واستدللنا بمطلع سورة المطففين: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ (المطففين:١ - ٤) الظن: هو العمل بالقول الراجح أو هو ترجيح أحد الاحتمالين ... إلى آخر التعريفات التي وردت عند الأصوليين.
إن المدرسة الحديثية في مجملها أو في مجموعها ترى أن خبر الآحاد الذي ثبتت صحته نقطع بصحة نسبته للنبي ﷺ وأنا عن نفسي هذا ما أدين الله تعالى به وأنا مطمئن القلب جدًّا، ومن خلال الأدلة العلمية القاطعة في هذا الأمر أنه متى ثبت صدق الحديث عن النبي ﷺ فإنني أقطع بصحة نسبته للنبي ﷺ ، بل إني أقول: إن مبحث التواتر والآحاد في الأصل ليس مبحثًا حديثيًّا: هو جاء إلى المحدثين من
стр. 237
عند علماء الأصول، الذين يعتنون بمدى قوة الأدلة ... عندهم التقسيمات المعروفة: هذا دليل قطعي الثبوت، وهذا دليل ظني الثبوت، وهذا دليل قطعي الدلالة، وهذا دليل ظني الدلالة ... تقسيمات اقتضاها تخصصهم، لا نعتب عليهم فيها؛ هم أهل علم وفضل؛ لكن المحدثين معنيون بمسألة أخرى: وهي أنه الحديث: ما جاءنا عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة، ومتى ثبت صدق المخبرين ووضعوا لذلك شروط الصحة التي نعلمها جميعًا؛ فهم يقطعون بأن النبي ﷺ قالها، ومع افتراض أنه يفيد الظن ونسلم تسليمًا جدليًّا بهذا -حتى لا نطيل في النقاش- فإنه يجب على الأمة -وجوبًا- العمل بما غلب على ظنها -وهذا أمر مجمع عليه عند العلماء.
إذن، استدلالهم بـ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ليست في بابها أبدًا؛ لأن الظن المذموم هو الذي يوضع في مقابلة العلم اليقيني، لا قسيمًا له، يعني: إما تتبع علم يقيني إما أنت تظن أي تَهِم، وليست لديك أدلة، أي: العلم أو الظن الذي يفتقد الأدلة؛ أما الظن بمعناه الاصطلاحي عند أهله المتخصصون: فهو العمل بالقول الراجح أو ترجيح أحد الاحتمالين، وهذا أيضًا يجب العمل به والقرآن قطعي الثبوت؛ لكن كثير من أدلته ظني الدلالة، يعني: ليس قطعي الدلالة، ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (النساء: ٤٣) مثلًا؛ لماذا اختلف العلماء في المراد بالملامسة؟ لأن الدلالة هنا ظنية وليست قطعية، ولو كانت قطعية لما اختلف المسلمون حول مفهوم الملامسة المقصود في الآية.
إذن، استدلالهم بهذا يعني لا ينتهض أبدًا حجة لهم في هذا الأمر.
أيضًا، من الأدلة قصة أبي بكر في ميراث الجدة -وكنا قد أشرنا إليها- حين طلب شاهدًا مع المغيرة بن شعبة، وقصة عمر ﵁ حين طلب شاهدًا مع أبي موسى
стр. 238
الأشعري في قصة الاستئذان حين استأذن عليه كل؛ هذه أمور حتى مع القول بأنه لا بد من اثنين لو افترضنا وسلمنا -ونحن لا نسلم بهذا؛ لأن عندنا عشرات المواقف الصحابة فيها قبلوا بخبر الواحد؛ جاءهم مخبر واحد؛ فعملوا به في الأحاديث وفي الأحكام وفي غيرها؛ فأيضًا إذا قلنا بأنهما اثنان؛ فالاثنان أيضًا خبرهما خبر واحد.
سيدنا عمر مثلًا قبل خبر عبد الرحمن بن عوف وحده، في أخذ الجزية من المجوس؛ لمّا قالوا: ماذا نصنع معهم؟ عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: ((سُنوا بهم سنة أهل الكتاب)) وهذا الحديث قد رواه البخاري ﵀ في كتاب الجزية باب الجزية والموادعة.
مثلًا: كان هو وجار له -عمر ﵁ يتناوبان جلوس مجلس علم النبي ﷺ لئلا يفوتهم منه شيء وجاءه الأنصاري بخبر الواحد في ذلك اليوم وهو خبر واحد ...
عشرات الأدلة مع أبي بكر ... مع عمر ... كلهم قبلوا خبر الواحد ولم يتوقفوا أبدًا في قبوله؛ لا في العقائد ولا في الأحكام ولا في غيرها.
وبالله التوفيق. وصل الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 239
الدرس: ١٥ دفع الشبهات المثارة حول حجية السنة المطهرة (٨)
стр. 240
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الخامس عشر
(دفع الشبهات المثارة حول حُجية السنة المطهرة (٨))
شبهة: وضع الأحاديث في القرنين الأول والثاني نتيجة لتطور المسلمين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه، وأصحابه، وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
نستعرض بعض الشُّبَه التي أثارها أعداءُ الإسلام من المستشرقين، واقتنع بها بعض المسلمين، ورددوها من وراء المستشرقين.
من هذه الشبه:
إن الأحاديث وُضعت في القرنين الأول والثاني نتيجة لتطور المسلمين، وشبهة أخرى تقول: إن الأمراء الأمويين والعباسيين بدءًا من معاوية ﵁ استغلُّوا علماء المسلمين لوضع ما يثبّت ملكهم، وشبهة ثالثة أن حملة الإسلام من الصحابة ومن التابعين ومن بعدهم كانوا جنودًا للأمراء في ذلك، وشبهة أنهم استجازوا الكذب -أي: علماء المسلمين- تأكيدًا لهذه الأمور أو إثباتًا لها، ويسوقون في ذلك أيضًا كشبهة خامسة بعض الأحاديث التي يرون أنها وُضعت تأكيدًا لملك الأمويين والعباسيين، وإثباتًا للحجة، أو استنادًا إلى حجة شرعية من خلال وضع أحاديث تؤيِّد هذا المنحى، الذي يزعم الزاعمون أنه قد ثبت أن علماء المسلمين قد وضعوا هذه الأحاديثَ؛ تأييدًا لموقف الخلفاء، وتثبيتًا لملكهم كما ذكرنا.
نردُّ على شبهة شبهة:
أولًا: الذي تولَّى كِبَرَ هذا الأمر هو "جولدت سيهر" في كتبه المعروفة التي كانت مصدرًا لكثير ممَّن كتبوا في هذه المسألة، ونقلوا عنه كثيرًا من أفكاره واعتبروها أفكارًا علمية تقوم على البحث، وعلى تأكيد الأمور بالأدلة الشرعية من خلال
стр. 241
كتب المسلمين في هذا الأمر، يقول: "جولدت سيهر" في الشبهة الأولى:
"إن القسم الأكبر من الحديث ليس إلا نتيجة للتطور الديني، والسياسي، والاجتماعي للإسلام في القرنين الأول والثاني"، ولا ندري ما مصدره في هذه الفرية، لكن مفهوم الشبهة أنه كلما حدث تطور ديني، أو سياسي، أو اجتماعي في الإسلام وضع الوضاعون له بأمر من الخلفاء، أو بإيحاء منهم، الأحاديث التي تؤيِّد أو تؤكد ما يُريده الحكام أن يقولوه في هذا الصدد.
هذه الفرية يكذّبها واقع المسلمين كيف؟
رسول الله ﷺ بدأ بتأسيس الدولة الإسلامية، ووضع لها القواعد والأسس التي بنى عليها المسلمون بعد ذلك؛ فالنبي ﷺ لم يترك الدولة إلى وقد تحدَّدت معالمها، وتبينت أسسها، والله قد أكمل رسالة الإسلام في حياة النبي ﷺ في قوله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣) إذن الإسلام كمل، وتمَّ، أي: هذا الدين الكامل التام الذي تضمنه القرآن الكريم، وتضمنته السنة المطهرة قد كمل وتم، ولا مجال فيه لزيادة ولا نقصان، فهناك قد يكون شرح لبعض النصوص واستنباط الأحكام منها، هذا اجتهاد في ضوء النصوص التي كملت وتمَّت، والتي نزلت وانتهى أمرها في حياة النبي ﷺ ولذلك استقرَّ الأمر على أن المصدرين الأساسيين للإسلام هما القرآن والسنة، وقد تعهَّد الله بحفظهما، ووردت الأدلة القاطعة في وجوب تحكيم القرآن الكريم، وتحكيم رسول الله ﷺ في كل أمر من أمور الإسلام.
إذن الإسلام قد استكمل بنيانه ووضحت معالمه وأسسه في حياة الرسول ﷺ لم يكن هناك إذن مجال لأن توضع لَبِنَات جديدة في بناء الإسلام؛ نتيجة للتطور
стр. 242
الاقتصادي والديني والسياسي إلى آخره، إنما كانوا يأتون بالنصوص التي قُرِّرت من قبل ذلك ليطبقوها على المستحدثات في حياة الأمة، من الوقائع التي تستجد في حياة الناس، ومهمة أهل العلم في هذا أن يدخلوا هذه الأمور المستحدثة تحت قواعدها الشرعية الكلية المنظمة لها، والتي ثبتت قبل ذلك في حياة النبي ﷺ .
إذن ليس هناك مجال لإضافة نصوص جديدة، لا من القرآن، ولا من السنة، حاشا وكلا، والكل يعلم ذلك، تمامًا كما في عصرنا هذا حين يبحث العلماء مثلًا عن بعض القضايا المستحدثة في حياة الناس، مثل التبرع بالأعضاء، وأعمال البنوك، وما إلى ذلك؛ فإنهم لا يأتون بنصوص شرعية استحداثًا من عند أنفسهم، إنما كل اجتهادهم هو في إدخال هذه الأمور المستحدثة تحت قواعدها المنظمة لها من خلال الأدلة الواردة شرعًا في القرآن والسنة، هل ينطبق مثلًا على أعمال البنوك مفهوم الربا، أو لا ينطبق؟ هل يجوز التبرع بالأعضاء أو لا يجوز؟ إلى آخر القضايا المستحدثة في حياة الناس، هل نستطيع أن نقول في زماننا هذا مثلًا: إن هناك -ونحن لا نساوي الجيل الأول في الورع والتقوى- منا من يجرؤ على وضع حديث يؤيِّد به أمرًا استحدث في أمور الناس؟
الصحابة قد أدُّووا ما عليهم من حفظ الدين وصيانة الشريعة، وكما قلت: كل الاجتهادات التي حدثت هي في فَهم النصوص واستنباط الأحكام منها، وفي إدخال الجزئيات والأمور التي حدثت جديدًا في حياة الناس تحت قواعدها الكلية المنظمة لها، وهذا عمل المجتهدين في كل زمان ومكان.
إذن رسول الله ﷺ تركنا على المحجة البيضاء، تركنا على الطريق الواضحة الجلية ليلها كنهارها، ولا يزيغ عنها إلا هالك، ولذلك أمرنا في خطبة الوداع بأن نستمسك بكتاب الله ﵎ وأمرنا في أحاديث أخرى عند الحاكم
стр. 243
وغيره بأن نستمسك بالقرآن والسنة: ((تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما؛ كتاب الله وسنتي))، هو يأمرنا بالرجوع إلى هذين الأمرين المصدرين الرئيسين للإسلام، وهما القرآن والسنة، بعد أن انتهى أمرهم تم نزولهما تم توثيقهما، تمت معرفة الأمة بهما، طُلب من الأمة بالنسبة للسنة أن تتواصل في تبليغها: ((ليبلغ الشاهد الغائب))، ((بلغوا عني ولو آية)) تلقفت الأمة الكريمة هذه الأوامر النبوية العظيمة، وسارعت إلى حفظ الروايات، وإلى نقلها إلى الأجيال التالية بعد ذلك؛ إلى أن أُودعت بطون الكتب المعروفة لدينا، والتي تعتبر هي مصادرنا الأساسية في استدلالنا على أمور الشرع أي: القرآن الكريم والسنة المطهرة.
إذن هذه الفرية مفتراة، وكل حديث له إسناده إلى رسول الله ﷺ إسناده المتصل الذي هو الشرط الأول من شروط صحة الحديث، ومعنى اتصال السند أن كل راوٍ يتلقى الحديث من شيخه الذي فوقه مباشرة بدون انقطاع، بدون خلل، بدون فجوة في الإسناد، أيًّا كان السند بين الراوي للحديث، مثلًا مثل البخاري وبين النبي ﷺ سبعة ثمانية أكثر أقل نشترط ونتأكد من ذلك من خلال المعلومات المتوافرة عن كل الرواة أنه لا بد من أن يثبت لدينا أن كل راوٍ قد تلقَّى الحديثَ بواحدٍ من طرق التلقي المعتمدة عند العلماء معروفة بطرق التحمل والأداء، بدون أي خلل، وقد وضعوا تسمية لكل خلل في الإسناد ما بين منقطع، ومعضل، وما بين مرسل ... إلى آخره، في تفصيلات كثيرة في علم مصطلح الحديث.
والذي نركز عليه في هذا الأمر أن رسول الله ﷺ ما انتقل إلى الرفيق الأعلى إلا وقد كمل بناء الإسلام، وتمت مصادره من القرآن الكريم، ومن السنة المطهرة في وضوح وجلاء.
стр. 244
يقول فضيلة المرحوم الشيخ مصطفى السباعي -رحمه الله تعالى- في هذا الصدد: "فما توفي رسول الله إلا وقد كان الإسلام ناضجًا تامًّا، لا طفلًا يافعًا، كما يدَّعي هذا المستشرق، نعم لقد كان من آثار الفتوحات الإسلامية أن واجه المشترعين المسلمين جزئيات وحوادث، لم ينصَّ على بعضها في القرآن والسنة؛ فأعملوا آراءَهم فيها قياسًا واستنباطًا حتى وضعوا لها الأحكامَ، وهم في ذلك لم يخرجوا عن دائرة الإسلام وتعاليمه، وحسبك أن تعلم مدى نضوج الإسلام في عصره الأول أن عمر سيطر على مملكتي كسرى وقيصر، وهما ما هما في الحضارة والمدنية، فاستطاع أن يسوس أمورهم، ويحكم شعوبهما بأكمل وأعدل مما كان كسرى وقيصر يسوسان بها مملكتيهما، أترى لو كان الإسلام طفلًا كيف كان يستطيع عمر أن يننهض بهذا العبء، ويسوس ذلك الملك الواسع، ويجعل لهم من النظم ما جعله ينعم بالأمن والسعادة ما لم ينعم بهما في عهد ملكيهما السابقين؟
على أن الباحث المنصف يجد أن المسلمين في مختلف بقاع الأرض التي وصلوا إليها كانوا يتعبَّدون عبادة واحدةً، ويتعاملون بأحكام واحدة، ويُقيمون أسس أسرهم وبيوتهم على أساس واحد، وهكذا كانوا متحدين في العبادات، والمعاملات، والعقيدة، والعادات غالبًا، ولا يمكن أن يكون ذلك لو لم يكن لهم قبل مغادرتهم جزيرة العرب نظام تامّ ناضج، وضع لهم أسس حياتهم في مختلف نواحيها، ولو كان الحديث، أو القسم الأكبر منه نتيجة للتطور الديني في القرنين الأولين؛ للزم حتمًا ألا تتحدَّا عبادة المسلم في شمال أفريقيا مع عبادة المسلم في جنوب الصين، إذ أن البيئة في كل منهما مختلفة عن الأخرى تمام الاختلاف، فكيف اتحدا في العبادة والتشريع والآداب وبينهما من البعد ما بينهما؟ ".
стр. 245
كلام طيب جدًّا، رسول الله ﷺ ترك الإسلام قويًّا كبيرًا عظيمًا، لم يتركه طفلًا كما يقول هذا المستشرق. نعم، كما ذكرنا المجتهدون من علماء الأمة واجهوا جزئيات وحوادث نتيجة اتساع الدولة، ودخول بعض الأمم في الإسلام، ونتيجة ما استجد من أمور في حياة الناس هذا أمر وارد، لكنّ دراستها لم يخرج عن دائرة القرآن والسنة، نحن نقول: إن مهمة المجتهدين أن يدخلوا هذه الجزئيات والمستحدثات تحت قواعدها الكلية، لا يأتون بنصوص جديدة، وإذا كان أتوا بنصوص جديدة فما السبب في توقف الإتيان بالنصوص المفتراة، كما يزعم ذلك المستشرق؟ ولا يزال التطور يحدث في حياة الناس، بل إن التطور في عصرنا هذا يُعدُّ تطورًا هائلًا في كل جوانب الحياة، ولماذا لا يوجد الوضع الذي يحاول أن يستدلَّ على هذه الأمور بأدلة شرعية كما يزعم ذلك المستشرق؟ إنما كل جهد المجتهدين -كما قلنا- إدخال تلك الجزئيات تحت قواعدها الشرعية المنظمة لها، فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد، وذلك كان من أسباب اختلاف العلماء في بعض المسائل الفقهية؛ وفقًا لاجتهاداتهم في إدخال هذه الجزئيات تحت قواعدها الكلية.
ويشير الدكتور مصطفى إسماعيل إلى مسألة هامة، كيف تتطور حياة الناس والدولة الإسلامة أصبحت متسعة من حدود الصين شرقًا إلى حدود المغرب غربًا، ومن أواسط روسيا شمالًا إلى نيجيريا جنوبًا؟ يعني: تقريبًا المسلمون يحكمون نصف الكرة الأرضية المعروفة في ذاك الزمان السالف، كان المعروف ثلاث قارات: أوربا وأفريقيا وأسيا، والدولة الإسلامية تقريبًا تحكم نصف هذه الكرة، هل من أفغانستان شرقًا إلى المغرب غربًا العادات واحدة، العبادة واحدة، الأخلاق واحدة، المعاملات واحدة، الأسر تقوم على أسس واحدة، وكل ذلك لا يُنكره منكر؟ صيامهم واحد في رمضان، حجهم واحد في ذي الحجة ... إلى آخر
стр. 246
كل ذلك، هذا التطور الذي يتكلم عنه ذلك المستشرق ولا يحدث اختلاف ما بين مشرق ومغرب، مع اختلاف البيئة، مع اختلاف الثقافات، مع اختلاف الظروف الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، مع اختلاف الألسنة، مع اختلاف الشعوب كل ذلك ينصهرون في بوتقة واحدة، لا يحدث بينها خلاف أبدًا في أمر أصيل من أمور الإسلام؛ إنما الاختلافات التي حدثت هي في تعدد الأفهام في النصوص، هو اختلاف تنوع، وليس اختلاف تضاد، وتظل الأمة بمعالمها الأساسية ثابتة لا تتغيّر، ولا تتبدَّل، ويقال بعد ذلك: إن الأحاديث وضعت نتيجة تطور المسلمين الديني والسياسي، كلما استجدت فيهم أمور سياسية وضعوا لها أحاديث، وكلما استجدت أمور اجتماعية وضعوا لها حديثًا، ما هذا الهراء؟ وأين الدليل عليه من واقع الأمة؟ وأين التباين بين أفراد الأمة، ولا أدري كيف يُخدع بعض الناس بهذا الكلام الذي لا أساس له من الصحة، ولا من الواقع، ويرددونه في كتبهم بكل أسف؟
إذن القول بأن التطور الاجتماعي والسياسي للأمة هو الذي فرض بعضًا أو كثيرًا من الأحاديث التي وضعت، هذا قول مردود جدًّا على صاحبه
قد يحاول البعض أن يستشكل على ذلك بأن السنة تأخر تدوينها، ولذلك الشبهات متكاملة، أو هم يحاولون أن يصنعوا بينها خطًّا متكاملًا يخدم فكرة واحدةً، وهي الطعن في السنة، وإسقاط حجيتها، وعدم العمل بها، وصولًا إلى تعطيل القرآن عن الفهم والتطبيق؛ ليضيع الإسلام كما يتصورون هم، ولن يحدث ذلك أبدًا بإذن الله ﵎ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
الأحاديث كانت متداولة بين الأمة، وقضية التدوين لها ظروفها، وهناك اجتهادات ورسائل علمية أثبتت أن التدوين بدأ من عصر رسول الله ﷺ وبإذن
стр. 247
منه، وكان آخر الأمرين من النبي ﷺ هو الإذن بالكتابة؛ فكتب كثير من الصحابة هذه الأحاديث كانت تتناقلها الأمة بين علمائها الكبار عن طريق الرواية بالمشافهة، وأيضًا عن طريق الصحف المكتوبة، ونحن لم ينتصف القرن الثاني الهجري إلا وقد وجدت لدينا مصنفات، وأبرز مثال على ذلك (موطأ الإمام مالك) المتوفى سنة ١٧٩ - رحمه الله تعالى- (سيرة ابن إسحاق) وهو متوفى سنة ١٥١ أو ١٥٢ على خلاف في سنة وفاته، كانت قد كتب المصدر الذي اعتمد عليه الناس بعد ذلك في السنة، يعني: تميزت العلوم وصنِّف فيها، بل وصلنا إلى عصر النضوج العلمي بالمصنفات الكاملة.
إذن تطور المجتمع لا علاقة له بإضافة أحاديث كذب، بل إن هذا التطور ظل محكومًا في عصور الإسلام الأولى، وفي نقائه وصفائه بالأدلة الشرعية المأخوذة من كتاب ربنا، ومن سنة نبينا ﷺ والأدلة على ذلك كثيرة ويكفي أن نشير إلى ما ذكره فضيلة الشيخ مصطفى السباعي عليه رحمة الله ورضوانه من أن هذه الأمة كانت أحكامها واحدة، وعبادتها واحدة، وأسرهم واحدة لم يفرق بين الأمة في شيء، ولم توضع قوانين مثلًا في المغرب تناسب البيئة المغربية، وقوانين في مصر مثلًا تناسب البيئة المصرية، وقوانين في أفغانستان تناسب البيئة الأفغانية، كل يحكم بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ .
وقيام المذاهب الذي يحاول أن يستدل به البعض في هذه الفترة، إنما هي تأخذ من القرآن والسنة. هذه العبارة تقريبًا وردت عن أئمتنا الكبار الذين يعول عليهم في أمور الدين: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"، و"كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر ﷺ " المشروعية هي للقرآن الكريم ولسنة النبي ﷺ .
رغم التطور الهائل في حياة الأمة لا تجد أمرًا استُجدَّ ويستدلون عليه بالقرآن
стр. 248
والسنة إلا وقد سبق بأقوال من الصحابة والتابعين، وهم لا يقول أحد منهم قولًا إلا بالأدلة من القرآن الكريم، ومن السنة المطهرة، فليس هناك مجال للوضع أبدًا، ولا يوجد أيُّ دافع لهذا، بل إن تقوى العلماء وورعهم أشهر من أن نتوقف معه أو أن نقيم عليه أدلة، لكن سنشير إليه أيضًا لنثبت كذب الفرية في أن هناك من العلماء من استجاب لدعوة الأمويين والعباسيين في وضع الأحاديث؛ تأكيدًا لأمرها، أو لحكمها.
يقول المستشرق "جولدت سيهر": بأنه قد حدث خلاف بين الأمويين والعلماء الأتقياء -علماء الحديث- جماعة الأمويين جماعة دنيويين، لا هَمَّ لهم إلا الفتوحات والاستعمار. هم يصورون الفتوحات الإسلامية على أنها استعمار، هذا كلام المستشرقين. وأنهم كانوا لا يستقيمون على تعاليم الإسلام؛ إنما يسيرون في حياتهم العادية على ما يَهْوُون أو ما يحبون، على آداب وقيم ومبادئ لا تتصل بالإسلام.
هذا افتراء على التاريخ والواقع، وأنا عمومًا نتيجة خبرات السنين والقراءات وما إلى ذلك، أعلم ليست السنة الآن هي التي تتعرَّض للهجوم فقط، بل أمور الإسلام ومصادره، التاريخ الإسلامي يشوَّه، يعني: تصوير الأمويين والعباسيين على أن الحكام كانوا أصحابَ شهوات، وغناء، وطرب، ورقص، وسهر، هذا كلام ما أنزل الله به من سلطان، كيف يفتح الله لهم بلادًا وهم على هذا القدر من الجَفاء مع الإسلام، والبعد عن تعاليم الله ﵎، وسنة نبيه ﷺ ؟ هذا افتراء يحاولون أن يتصيَّدوا بعض الوقائع التاريخية التي من وجهة نظرهم تُسجِّل خروجًا على الإسلام، ويصورون تاريخ الإسلام كله من خلال هذه النقطة.
стр. 249
وأعجبني تشبيه ساقه أحد الكتاب في بعض كتبه يحاول أن يستدل بالتطور الإعلامي، أو بالحيل الفنية -كما يقولون- التي يصنعونها، يعني: مثلًا نتصوَّر أن رجلًا يلبث ثوبًا ناصعَ البياض نقيًّا جميلًا، لكن فيه بقعة صغيرة، المصور التلفازي مثلًا يعمد إلى هذه البقعة الصغيرة فيملأ بها الشاشة، يكبرها، ويكبرها، فيملأ بها الشاشة؛ ليتصور الناظر أن الثوب كله غير نظيف. هذه من الخدع، هذا ما يفعله أعداء الإسلام ليس مع السنة فحسب، بل مع التاريخ الإسلامي، يتصيدون واقعة يرون فيها أن بعض الحكام مثلًا قد أخطأ، هذا هو تاريخ الإسلام!! هؤلاء هم حكام المسلمين!! نزوات إيماء غناء رقص استمتاع!! هم يستدلون بهذه الحوادث على أنه قد حدث تطور وأن العلماء يضعون الأحاديث للحكام يهيِّئون لهم الذي يعملونه من أخطاء، أو يصوبونه لهم.
الدولة الأموية على أقصاها قد وقعت، هي دولة الإسلام، ودولة فتوحات، ودولة جهاد، ودولة أقيمت لتشريع الله، وتحكيم للقرآن والسنة، كل ذلك حقيقة مؤكدة، ولذلك كانت بلادًا يمدُّها الله بالخير من كل الجهات، وكذلك الدولة العباسية الأولى على الأقل لم يكونوا بحاجة إلى أن يضعوا أحاديث تساندهم، بالعكس، كانوا هم الحكام حراسًا على الحديث، علماء المسلمين كانوا يستعينون بالحكام على مقاومة الوضَّاعين، كانوا يشتكون إلى الحكام صنيعَ الوضاعين حينما هبت الأمة لمقاومة الوضع، والحكام كانوا يُعاقبون هؤلاء الوضَّاعين بعقوبات شديدة، ولنا في ذلك قصص، الحكام مع الأمة يسيرون في خط واحد وهو الحفاظ على القرآن والسنة، وليس هذا فحسب؛ بل والاستمداد من القرآن والسنة، ولا يحتكمون إلى شرع غير القرآن وغير السنة المطهرة.
إذن فلا التطور الطبيعي كان سببًا في أن وضعت أحاديث كما يقولون؛ لأن أكبر ردٍّ على هذا هو ثبات المجتمع الإسلامي في كل أرجاء الدولة الإسلامية، على
стр. 250
التباعد بين أقطارها -كما قلنا- والتباين على منهجها المستمد من القرآن والسنة، ولم يسجل التاريخ أبدًا أنه قد حدث اختلاف في عبادة، أو في صيام، أو في كذا، بلد تصوم رمضان يوم السبت والأخرى، وأخرى تصوم يوم الأحد هذا بناء على اختلاف الرؤيا لا يستعملون الحوادث استعمالًا خاطئًا، وخصوصًا أنه لم تكن هناك اتصالات، ويتولَّد فقه يناقش هل لكل بلد مطلع خاص، أو من الممكن اشتراك البلاد؟ هذه نقاشات فقهية في ضوء الأدلة، لكنها لا تدل على اختلاف، ونشوء المذاهب كان من خلال القرآن والسنة أيضًا، ولا يوجد عالم يستدلُّ على قضية إلا من خلال القرآن والسنة، يقول: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط.
وأيضًا في بعض الكتابات من المستشرقين يستدلون مثلًا باختلاف العلماء على أنه قد حدث وضع. هذا كلام فارغ، اختلاف العلماء له أسبابه الكثيرة التي ذكرها العلماء؛ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- له كتاب في (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) وهو كتاب عظيم، والبيهقي وغيره لهم كتب في هذا، يذكرون فيها الأسباب التي اختلف العلماء بسببها، منها: أن الدليل قد لا يصل إليه، والصحابة -رضوان الله عليهم- على شدَّة اقترابهم من النبي ﷺ فاتتهم بعض الأحاديث، هذه ليست مشكلة، حتى الأدلة التي كانوا يحاولون أن يستدلوا على عدم قبول خبر الواحد -كما يزعمون- مثلًا توقف أبي بكر في ميراث الجدة، هذا دليل على أنه لم يعلم أن هناك حكمًا للنبي ﷺ في هذه المسألة، وهو قال ذلك للمرأة: "لا أجد لك في كتاب الله شيئًا، ولا أعلم أن رسول الله ﷺ قضى لك بشيء"، فهذا هو أكبر عظماء الأمة بعد نبيها ﷺ تغيب عنه أحاديث. عمر في قصة الاستئذان، وعشرات المواقف، وقد يكون نسي الدليل، وأيضًا هناك أدلة على ذلك، وقد يصله الدليل إلى العالِم من طريق صحيح ويصل الآخر من طريق ضعيف،
следующие страницы →