Полный текст (382 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
كل ذلك، هذا التطور الذي يتكلم عنه ذلك المستشرق ولا يحدث اختلاف ما بين مشرق ومغرب، مع اختلاف البيئة، مع اختلاف الثقافات، مع اختلاف الظروف الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، مع اختلاف الألسنة، مع اختلاف الشعوب كل ذلك ينصهرون في بوتقة واحدة، لا يحدث بينها خلاف أبدًا في أمر أصيل من أمور الإسلام؛ إنما الاختلافات التي حدثت هي في تعدد الأفهام في النصوص، هو اختلاف تنوع، وليس اختلاف تضاد، وتظل الأمة بمعالمها الأساسية ثابتة لا تتغيّر، ولا تتبدَّل، ويقال بعد ذلك: إن الأحاديث وضعت نتيجة تطور المسلمين الديني والسياسي، كلما استجدت فيهم أمور سياسية وضعوا لها أحاديث، وكلما استجدت أمور اجتماعية وضعوا لها حديثًا، ما هذا الهراء؟ وأين الدليل عليه من واقع الأمة؟ وأين التباين بين أفراد الأمة، ولا أدري كيف يُخدع بعض الناس بهذا الكلام الذي لا أساس له من الصحة، ولا من الواقع، ويرددونه في كتبهم بكل أسف؟
إذن القول بأن التطور الاجتماعي والسياسي للأمة هو الذي فرض بعضًا أو كثيرًا من الأحاديث التي وضعت، هذا قول مردود جدًّا على صاحبه
قد يحاول البعض أن يستشكل على ذلك بأن السنة تأخر تدوينها، ولذلك الشبهات متكاملة، أو هم يحاولون أن يصنعوا بينها خطًّا متكاملًا يخدم فكرة واحدةً، وهي الطعن في السنة، وإسقاط حجيتها، وعدم العمل بها، وصولًا إلى تعطيل القرآن عن الفهم والتطبيق؛ ليضيع الإسلام كما يتصورون هم، ولن يحدث ذلك أبدًا بإذن الله ﵎ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
الأحاديث كانت متداولة بين الأمة، وقضية التدوين لها ظروفها، وهناك اجتهادات ورسائل علمية أثبتت أن التدوين بدأ من عصر رسول الله ﷺ وبإذن
стр. 247
منه، وكان آخر الأمرين من النبي ﷺ هو الإذن بالكتابة؛ فكتب كثير من الصحابة هذه الأحاديث كانت تتناقلها الأمة بين علمائها الكبار عن طريق الرواية بالمشافهة، وأيضًا عن طريق الصحف المكتوبة، ونحن لم ينتصف القرن الثاني الهجري إلا وقد وجدت لدينا مصنفات، وأبرز مثال على ذلك (موطأ الإمام مالك) المتوفى سنة ١٧٩ - رحمه الله تعالى- (سيرة ابن إسحاق) وهو متوفى سنة ١٥١ أو ١٥٢ على خلاف في سنة وفاته، كانت قد كتب المصدر الذي اعتمد عليه الناس بعد ذلك في السنة، يعني: تميزت العلوم وصنِّف فيها، بل وصلنا إلى عصر النضوج العلمي بالمصنفات الكاملة.
إذن تطور المجتمع لا علاقة له بإضافة أحاديث كذب، بل إن هذا التطور ظل محكومًا في عصور الإسلام الأولى، وفي نقائه وصفائه بالأدلة الشرعية المأخوذة من كتاب ربنا، ومن سنة نبينا ﷺ والأدلة على ذلك كثيرة ويكفي أن نشير إلى ما ذكره فضيلة الشيخ مصطفى السباعي عليه رحمة الله ورضوانه من أن هذه الأمة كانت أحكامها واحدة، وعبادتها واحدة، وأسرهم واحدة لم يفرق بين الأمة في شيء، ولم توضع قوانين مثلًا في المغرب تناسب البيئة المغربية، وقوانين في مصر مثلًا تناسب البيئة المصرية، وقوانين في أفغانستان تناسب البيئة الأفغانية، كل يحكم بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ .
وقيام المذاهب الذي يحاول أن يستدل به البعض في هذه الفترة، إنما هي تأخذ من القرآن والسنة. هذه العبارة تقريبًا وردت عن أئمتنا الكبار الذين يعول عليهم في أمور الدين: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"، و"كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر ﷺ " المشروعية هي للقرآن الكريم ولسنة النبي ﷺ .
رغم التطور الهائل في حياة الأمة لا تجد أمرًا استُجدَّ ويستدلون عليه بالقرآن
стр. 248
والسنة إلا وقد سبق بأقوال من الصحابة والتابعين، وهم لا يقول أحد منهم قولًا إلا بالأدلة من القرآن الكريم، ومن السنة المطهرة، فليس هناك مجال للوضع أبدًا، ولا يوجد أيُّ دافع لهذا، بل إن تقوى العلماء وورعهم أشهر من أن نتوقف معه أو أن نقيم عليه أدلة، لكن سنشير إليه أيضًا لنثبت كذب الفرية في أن هناك من العلماء من استجاب لدعوة الأمويين والعباسيين في وضع الأحاديث؛ تأكيدًا لأمرها، أو لحكمها.
يقول المستشرق "جولدت سيهر": بأنه قد حدث خلاف بين الأمويين والعلماء الأتقياء -علماء الحديث- جماعة الأمويين جماعة دنيويين، لا هَمَّ لهم إلا الفتوحات والاستعمار. هم يصورون الفتوحات الإسلامية على أنها استعمار، هذا كلام المستشرقين. وأنهم كانوا لا يستقيمون على تعاليم الإسلام؛ إنما يسيرون في حياتهم العادية على ما يَهْوُون أو ما يحبون، على آداب وقيم ومبادئ لا تتصل بالإسلام.
هذا افتراء على التاريخ والواقع، وأنا عمومًا نتيجة خبرات السنين والقراءات وما إلى ذلك، أعلم ليست السنة الآن هي التي تتعرَّض للهجوم فقط، بل أمور الإسلام ومصادره، التاريخ الإسلامي يشوَّه، يعني: تصوير الأمويين والعباسيين على أن الحكام كانوا أصحابَ شهوات، وغناء، وطرب، ورقص، وسهر، هذا كلام ما أنزل الله به من سلطان، كيف يفتح الله لهم بلادًا وهم على هذا القدر من الجَفاء مع الإسلام، والبعد عن تعاليم الله ﵎، وسنة نبيه ﷺ ؟ هذا افتراء يحاولون أن يتصيَّدوا بعض الوقائع التاريخية التي من وجهة نظرهم تُسجِّل خروجًا على الإسلام، ويصورون تاريخ الإسلام كله من خلال هذه النقطة.
стр. 249
وأعجبني تشبيه ساقه أحد الكتاب في بعض كتبه يحاول أن يستدل بالتطور الإعلامي، أو بالحيل الفنية -كما يقولون- التي يصنعونها، يعني: مثلًا نتصوَّر أن رجلًا يلبث ثوبًا ناصعَ البياض نقيًّا جميلًا، لكن فيه بقعة صغيرة، المصور التلفازي مثلًا يعمد إلى هذه البقعة الصغيرة فيملأ بها الشاشة، يكبرها، ويكبرها، فيملأ بها الشاشة؛ ليتصور الناظر أن الثوب كله غير نظيف. هذه من الخدع، هذا ما يفعله أعداء الإسلام ليس مع السنة فحسب، بل مع التاريخ الإسلامي، يتصيدون واقعة يرون فيها أن بعض الحكام مثلًا قد أخطأ، هذا هو تاريخ الإسلام!! هؤلاء هم حكام المسلمين!! نزوات إيماء غناء رقص استمتاع!! هم يستدلون بهذه الحوادث على أنه قد حدث تطور وأن العلماء يضعون الأحاديث للحكام يهيِّئون لهم الذي يعملونه من أخطاء، أو يصوبونه لهم.
الدولة الأموية على أقصاها قد وقعت، هي دولة الإسلام، ودولة فتوحات، ودولة جهاد، ودولة أقيمت لتشريع الله، وتحكيم للقرآن والسنة، كل ذلك حقيقة مؤكدة، ولذلك كانت بلادًا يمدُّها الله بالخير من كل الجهات، وكذلك الدولة العباسية الأولى على الأقل لم يكونوا بحاجة إلى أن يضعوا أحاديث تساندهم، بالعكس، كانوا هم الحكام حراسًا على الحديث، علماء المسلمين كانوا يستعينون بالحكام على مقاومة الوضَّاعين، كانوا يشتكون إلى الحكام صنيعَ الوضاعين حينما هبت الأمة لمقاومة الوضع، والحكام كانوا يُعاقبون هؤلاء الوضَّاعين بعقوبات شديدة، ولنا في ذلك قصص، الحكام مع الأمة يسيرون في خط واحد وهو الحفاظ على القرآن والسنة، وليس هذا فحسب؛ بل والاستمداد من القرآن والسنة، ولا يحتكمون إلى شرع غير القرآن وغير السنة المطهرة.
إذن فلا التطور الطبيعي كان سببًا في أن وضعت أحاديث كما يقولون؛ لأن أكبر ردٍّ على هذا هو ثبات المجتمع الإسلامي في كل أرجاء الدولة الإسلامية، على
стр. 250
التباعد بين أقطارها -كما قلنا- والتباين على منهجها المستمد من القرآن والسنة، ولم يسجل التاريخ أبدًا أنه قد حدث اختلاف في عبادة، أو في صيام، أو في كذا، بلد تصوم رمضان يوم السبت والأخرى، وأخرى تصوم يوم الأحد هذا بناء على اختلاف الرؤيا لا يستعملون الحوادث استعمالًا خاطئًا، وخصوصًا أنه لم تكن هناك اتصالات، ويتولَّد فقه يناقش هل لكل بلد مطلع خاص، أو من الممكن اشتراك البلاد؟ هذه نقاشات فقهية في ضوء الأدلة، لكنها لا تدل على اختلاف، ونشوء المذاهب كان من خلال القرآن والسنة أيضًا، ولا يوجد عالم يستدلُّ على قضية إلا من خلال القرآن والسنة، يقول: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط.
وأيضًا في بعض الكتابات من المستشرقين يستدلون مثلًا باختلاف العلماء على أنه قد حدث وضع. هذا كلام فارغ، اختلاف العلماء له أسبابه الكثيرة التي ذكرها العلماء؛ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- له كتاب في (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) وهو كتاب عظيم، والبيهقي وغيره لهم كتب في هذا، يذكرون فيها الأسباب التي اختلف العلماء بسببها، منها: أن الدليل قد لا يصل إليه، والصحابة -رضوان الله عليهم- على شدَّة اقترابهم من النبي ﷺ فاتتهم بعض الأحاديث، هذه ليست مشكلة، حتى الأدلة التي كانوا يحاولون أن يستدلوا على عدم قبول خبر الواحد -كما يزعمون- مثلًا توقف أبي بكر في ميراث الجدة، هذا دليل على أنه لم يعلم أن هناك حكمًا للنبي ﷺ في هذه المسألة، وهو قال ذلك للمرأة: "لا أجد لك في كتاب الله شيئًا، ولا أعلم أن رسول الله ﷺ قضى لك بشيء"، فهذا هو أكبر عظماء الأمة بعد نبيها ﷺ تغيب عنه أحاديث. عمر في قصة الاستئذان، وعشرات المواقف، وقد يكون نسي الدليل، وأيضًا هناك أدلة على ذلك، وقد يصله الدليل إلى العالِم من طريق صحيح ويصل الآخر من طريق ضعيف،
стр. 251
فيكون حجةً على من ثبت عنده صحة الحديث، وليس حجةً عند من لم يره صحيحًا؛ لأنه لم يصل إليه إلا من خلال طريق ليس بقوي.
الخلاصة: أن الواقع الإسلامي كان واضحَ الدلالة في أنه أبدًا لم يحتج الأمر إلى وضع أحاديث، لا نتيجة التطور، ولا علماؤنا يقبلون ذلك على دينهم، ولا حكام الأمة الذين يحاولون أن يشوِّهوا صورتهم من الأمويين، من العباسيين، من حكام الأمة على مدار تاريخها، لم يطلب أحدٌ من الحكام من عالِم أن يضع له حديثًا يؤيِّد له موقفًا ما؛ سواء في الجوانب الدينية، أو في الجوانب السياسية، أو الاقتصادية، أو في تدعيم ملكه، كما يزعم الزاعمون من هؤلاء المستشرقين.
رسالة الإسلام كَمُلت في حياة النبي ﷺ المصدران الرئيسان بإجماع الأمة محفوظان، وكَمُلَا القرآن والسنة، كل حكم شرعي يُردُّ إلى القرآن والسنة إذا وجد هناك اختلاف، فإنه هو اختلاف في الفهم؛ نتيجة أن الله يتعبَّدنا بنصوص ليست قاطعة الدلالة، هي قاطعة الثبوت في القرآن والسنة، لكنها قد لا تكون دلالتها قاطعة، كما ضربنا أمثلة على هذا، كل هذه من أسباب تعدُّد الآراء في الأمة، لكن بقيت الأمة في نسيجها كله أمة واحدة في عقيدتها، في عبادتها، في أسس قيام أسرها، في أخلاقها إلى آخره، مما يضحد هذه الفرية من أساسها.
يستندون إلى بعض النصوص في إثبات أن بعض الحكام لهم مواقف فيها بعض الخطأ.
أولًا: هذه المواقف محتاجة إلى مراجعة من الناحية الشرعية، أو من حيث ثبوتها كتطبيق قواعد الجرج والتعديل المعروفة عند المحدثين في التصدِّي لهذه الوقائع، هل ثبتت
стр. 252
أم لم تثبت؟ لكن أن يقال: إن هناك حوادث تاريخية حدثت ويستدلون بها على ما يريدون أن يصلوا إليه بدون توثيق بهذه الأمور، فهذا ما يُرَدّ عليه فيه.
أيضًا من العوامل الباطلة أن حملة الإسلام من الصحابة والتابعين كانوا جنودًا للأمراء في ذلك، والعجيب أنهم يختارون أسماء هي من عمد الرواية وأركانها، وهم من الورع والتقوى بحيث لا تتطرق إليهم أدنى شبهة، بل إن قلوب الأمراء كانت تمتلئ مهابةً لهؤلاء العلماء، يختارون الزهري مثلًا ويتكلمون عنه، والزهري محمد بن موسى بن شهاب الزهري أحد كبار علماء الرواية، وأحد أركانها المولود سنة ٥٠ هجرية، والمتوفى سنة ١٢٤، أو ١٢٥ هجرية ﵁ وأرضاه- وهو واحد من علماء الأمة الكبار، هل أنتقل إلى ذكر قصص في ورعه في مهابة الأمراء له في استعلائه بإيمانه، وبورعه، وبتقواه، وبخشيته لله وبحبه للنبي ﷺ على أيِّ طُرَّهات مما يزعمون.
أنا أحيل إلى ترجمة ابن شهاب الزهري، ولا أريد أن أستطرد إلى الكلام عن الزهري، والأمر لو كان كتابًا واسعًا لترجمنا للزهري، ولذكرنا مواقفه التي فيها صيانة الدين، وصيانة السنة، وصيانة الشريعة إلى آخره.
هناك أقوال في وصول الزهري إلى دمشق، يعني بعد وفاة عبد الملك التقى به قليلًا إلى آخره.
أولًا عبد الملك بن مروان -رحمه الله تعالى- مات سنة ٨٦ هجرية، وكان عمر الزهري ٣٦ سنة؛ لأنه مواليد ٥٠ هجرية وعاش الزهري بعد عبد الملك يخدم السنة أكثر من ٤٠ سنة مع كثير من الأمراء من بعد عبد الملك: الوليد، وسليمان، وعمر بن عبد العزيز، وكلهم كانوا في موقع التلاميذ بالنسبة له، الذين يحسنون الاستماع إليه والتلقي عنه، ويقدرون قدره، ويُنزلونه منزلته،
стр. 253
ويعلمون أنه شيخهم الكبير الذي يؤدِّب أولادهم، ويعلم أمراءهم الحديث والقرآن والسنة، وكانوا يختبرون العلماء -قصة اختبار للزهري- هشام بن عبد الملك كتب له أربعمائة حديث، وفي العام القادم طلب منه أن يكتبها له فإنها قد فقدت منه، ثم قارن بين النسختين فما وجد مغايرة في حرف واحد.
هل الوضاع يكون ذكورًا، لا يغير، ولا يبدل إلى آخره، وهو يعلم أنه يخترقها للتو الآن من اللحظة فهل يتذكر ما اختلقه في العام الماضي؟ أو هو دين يعلم أنه يحمله، ولا يجوز له أن يغير، أو أن يبدل فيه، ويعلم المصدر الذي سمعه منه إن كان تبعيًّا، أو إن كان من رسول الله ﷺ ؟
إذن، لا الخلفاء الأمويون ولا العباسيون طلبوا من العلماء أن يضعوا لهم أحاديث، ولا العلماء وضعوا أحاديث، كما قلت: كانوا يشتكون الوضاعين إلى أولي الأمر ليحاسبوهم على جرأتهم على سنة النبي ﷺ ، وكانت الشكوى إلى ولي الأمر واحدة من الوسائل التي اتبعها العلماء في مقاومة الوضع، ومناهضة الوضاعين، يهددونهم برفع الأمر إلى ولي الأمر؛ لكي يحاسبهم، إن لم يستجيبوا ويتركوا الوضع في السنة.
إذن لا توجد وقائع تاريخية تدل على هذا الأمر، والوقائع التي يذكرونها إنما هي تحتاج إلى مراجعة، وإلى دراسة أخبارها.
أبو هريرة راوية الإسلام الذي حفظ الله به السنة، يتجرءون عليه، ويتقولون عليه، ويفترون عليه كذبًا وبهتانًا، وهو واحدٌ من أوعية العلم الذين حفظ الله بهم السنة، والنبي ﷺ قد دعا له بالحفظ وبقوَّته، والأحاديث كثيرة في هذا، وشهد له بالحرص على الحديث، حديث الشفاعة، وهو عند البخاري: ((يا رسول الله، مَن أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة)) قبل أن يجيبه النبي ﷺ على
стр. 254
سؤاله، قال: ((يا أبا هريرة، لقد ظننت أن لا يسألني أحد أول منك عن هذا الحديث؛ لِمَا أعلم من حرصك على الحديث)) فهي شهادة نبوية صادرة عن النبي ﷺ مباشرة، لأبي هريرة بالحرص على الحديث، وهذا الحرص كان سببًا في اهتمامه ومحافظته على السنة وكثرة روايته لها، ثم أجابه بعد ذلك قال: ((أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قبل نفسه)).
الخلاصة: أن القول بأن الأحاديث وضعت في القرن الأول والثاني الهجري نتيجة لتطور المسلمين هذه فرية ضعيفة، الواقع التاريخي للأمة الإسلامية يفندها تفنيدًا شديدًا يأتي عليها من أساسها.
شبهة: استغلال الأمراء الأمويين والعباسيين علماء المسلمين لوضع ما يثبت ملكهم
الأمراء الأمويون والعباسيون بدأً من معاوية ﵁ استغلوا علماء المسلمين لوضع ما يثبت ملكهم.
معاوية صحابي جليل على رغم أنف مَن يحاول أن ينال من قدره، أحد علماء الأمة سُئل -ونحن نعلم أن عمر بن عبد العزيز أحد أئمة الهدى، وهو خامس الخلفاء الراشدين، كما هو مسجل له في الفقه الإسلامي- أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ يجيب إجابةً يستنكر فيها طرح السؤال بهذه الصيغة: معاوية صِهره، وكاتب وحيه، وأمين سرّه، وصاحبه. أيُّ ميزة من لهذه لعمر بن عبد العزيز؟ وهناك خلاف في إسلام معاوية هناك روايات تقول: أنه أسلم قبل الحديبية أو بعد الحديبية، وكان عند فتح مكة مسلمًا، وكان عند الحديبية مسلمًا، وَهَبْ أنه أسلم عام الفتح لا بأسَ. الله امتدح كل الصحابة الذين
стр. 255
تقدَّم إسلامهم، أو تأخر إسلامهم يقول الله ﵎: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (الحديد: ١٠) نعم. هناك تفاوت في الفضل بين الصحابة، لكنهم جميعًا أفضل أجيال هذه الأمة، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ : ((خير القرون قرني)) إلى آخر الأحاديث الواردة في هذا.
معاوية صحابي جليل يَثبت له ما يثبت للصحابة من عدالة، ومن صدق، ومن أمانة، ومن عفَّة، ومن طهارة، ومن استقامة، ومن حِرص على القرآن والسنة، أيُّ افتراء عليه لا يجوز، أيُّ خطأ في حقّه مردود على أصحابه، هذا من كيد الشانئة المغرضين الرافضة.
معاوية صحابي جليل صاحبه ﷺ كاتب وحيه، أمين سره الذي ائتمنه الصحابة على مشاركتهم في حكم بعض البلاد، ولاه عمر الشامَ، وظل عليها إلى أن تولى الخلافةَ في سنة ٤٠ هجرية أو في سنة ٤١ هو عام جماعة الذي وحد الله فيه الأمة الإسلامة بعد أن كان قد ظهر الخلاف بينها بعض الشيء.
إذن الصحابة: معاوية، أبو هريرة، وغيرهم، ممن تكلموا في حقهم أجل وأعظم وأسمى من أن يكونوا جنودًا للأمراء في ذلك، ولا الأمراء أنفسهم طلبوا أحاديث، ولم نجد مواقفَ طلب فيها بعضُ الحكام من العلماء أن يضعوا أحاديث يساندون بها أي موقف لأي حاكم يريد أن يتخذه في قضية ما؛ سواء كانت قضية دينية، أو علمية، أو سياسية، أو ما شاكل ذلك.
بعض الأحاديث التي يحاولون أن يستدلوا بها على ذلك:
مثل الأحاديث التي تحث على طاعة الأمراء، الفقه السياسي الآن سبق به الصحابة، وهو العمل على استقرار الأمة، وسدِّ باب الخلاف، وسدِّ باب
стр. 256
النزاع، وعدم الجرأة على أولياء الأمر حتى لا تحدث فتن، ولذلك في الدول التي لا تدين بالإسلام تضع في دساتيرها ما يحفظ وحدة الأمة، حين يقول النبي ﷺ : ((من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)) ماذا في هذا الحديث من الممالئة للحكام المسلمين، حين يقول النبي ﷺ : ((فاسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي)) الانقسام أو الحفاظ على وحدة الأمة هو الأولى، إن فكر أهل والجماعة في هذه القضية يتَّجه إلى المحافظة على استقرار الأمة، لا عند خوف، ولا عن جبن، وإنما هو ترتيب للأوليات، وإغلاق لباب الفتن الذي إذا فُتح -والعياذ بالله- لا يعلم مداها إلا الله ﵎.
وفي نفس الوقت هناك حكام أحاديث تطلب النصيحة للأمة وللأمراء: ((الدين النصحية، قلن: لِمَن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكِتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم)) هو غاية ما في الأمر مناقشة الأسلوب. إذن المسألة لم تكن خنوعًا؛ إنما كانت محافظة على روح الأمة، في ضوء الأدلة، وعندنا مثلًا مَن قام لمروان بن الحكم وهو يريد أن يخطب قبل الصلاة في العيد على خلاف ما كانت عليه السنة، ونبهه إلى أن هذا مخالف للسنة، وهذا الموقف هو الذي رُوي فيه الحديث الذي عند مسلم من رواية أبي سعيد الخدري: ((مَن رأى منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)).
أقصد أن أقول: رَوَوْا هذه الأحاديث، ورووا هذه الأحاديث التي تطلب الطاعة لولي الأمر ما دام مستقيًا على كتاب الله ﵎ وعلى سنة النبي ﷺ بل إنه من المعروف أنه: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)) حتى هذا الأمر بالنسبة للنبي ﵊ نفسه وهو الذي لا يأمر إلا بالمعروف، وسجل له ذلك في
стр. 257
القرآن الكريم: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٧) محلّ الشاهد: َ ﴿أْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
في الحديث المتفق على صحته من حديث عبادة بن الصامت -رضي الله تعالى عنه-: ((أن رسول الله ﷺ قال: وحوله عصابة من أصحابه: بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادَكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف)) انظروا إلى قيد: ((في معروف)) مَن الذي يبايع؟ النبي ﷺ وهل النبي ﷺ يأمر بغير معروف -والعياذ بالله-؟ كلا، إنما هذا القيد لأمراء الأمة فيما بعد، لماذا لم يكتم العلماء هذا القيد؟ ولماذا لم يكتموا: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق))؟ ولماذا لم يكتموا: ((الدين النصيحة لله، ولرسوله، وللأئمة المسلمين ولعامتهم))؟ وعندنا كتب مؤلفة في السياسية الشرعية التي تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم في ضوء الأدلة الشرعية المأخوذة من القرآن والسنة، ولها حديثها الخاص بها في كتب الفقه، وفي المواد التي تدرس فيها.
لكن أنا ألفت النظر أن هؤلاء انتبهوا إلى حديث يأمر بالطاعة، ويطلب الصبر على الأمراء، وحتى وإن كانوا على أثرة فيهم، وتقديمهم لأنفسهم على الرعية، لم يقل هذا أحد: إن هذا ليس ظلمًا، قالوا: إنه ظلم، لكن طلب الصبر عليه؛ ترتيبًا للأولويات والمسائل؛ حفاظًا على وحدة الأمة، وإغلاقًا لباب الفتنة، لم يكن استسلامًا ولا ضعفًا؛ إنما هو صبر يؤجَرون عليه، وفي نفس الوقت يداومون النصيحة لولاة الأمر -إن شاء الله- لعل الله يأتي بالخير على أيديهم.
стр. 258
إذن هناك أحاديث هنا، وهناك أحاديث هنا، ولأنهم يريدون أن يخدموا غرضهم، اقتصروا على جانب من الأحاديث، وتصوروا أن الوضَّاعين وضعوا هذا الأمر: ((وإن تأمَّر عليكم عبد حبشي)) ((بايعنا النبي ﷺ على السمع والطاعة، في المنشط والمكره، والعسر واليسر على أثرة علينا)) وما داموا يقيمون الصلاة، وليس هناك خروج على الإمام إلا أن يكون هناك كفر بواح عندكم فيه من الله برهان، وهذا إغلاق لباب الفتنة، وحفاظ على وحدة الأمة، ولم يكن أبدًا استسلامًا، ولا ضعفًا، ولا مهانةً، ولا مذلةً، ولا انقسامًا.
إذن هذه فِرية أن يُقال: إنهم وضعوا أحاديثَ، وأن علماء المسلمين استجابوا لهم في ذلك؛ إنما هي أحاديث قالها رسول الله ﷺ ، ولها مناسبات، النبي ﷺ في الحديث الصحيح أمّر أميرًا، وهذا الأمير حاول أن يختبرهم، فأوقد نارًا، وطلب منهم أن يُلقوا بأنفسهم فيها فما استجابوا له؛ فاستحسن النبي ﷺ ذلك. بعض الروايات تقول: "لو كانوا أطاعوه كانوا دخلوا النار".
إذن هو يعلمهم بشكل عملي أنه: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق))، وهذا الحديث تناقله علماء الأمة لم يكتموه، لم يخفوه، لم يطمسوه، بالإضافة إلى الأحاديث الأخرى التي ذكرناها.
هذا الفقه الواضح الجلي يعلمه علماء الأمة، ويعلمون الفهم السديد لهذه الأحاديث، ومصادرنا مليئة: شروح البخاري، وشروح مسلم، وكتب السياسية الشرعية، وغيرها، تتكلم عن فهم هذه الأحاديث، وليس من بينها أبدًا أن هناك من وضع حديثًا؛ ممالأةً لحاكم؛ لكي يعينه على ظلمه، أو على بَغيه، أو أن يؤسس لملكه كل ذلك افتراء، لا الحكام -كما قلنا- طلبوا ذلك، ولا العلماء وضعوا ذلك، ولا الأدلة الشرعية التي بين أيدينا سارت في خط واحد؛ إنما سارت في الخطين المتكاملين اللذين يصلانا بالأمة إلى برِّ الأمان.
هذا بالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا وعلى آله وصحبه.
стр. 259
الدرس: ١٦ بين المدرسة الحديثية والمدرسة العقلية
стр. 260
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس عشر
(بين المدرسة الحديثية والمدرسة العقلية)
دفع ما أثير حول المدرسة الحديثية من شبهات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه، وأصحابه، وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فنحن الآن نبدأ -بإذن الله تعالى وعونه وتوفيقه- نبدأ الكلام عن شبهات من نوع جديد، وهي عن أحاديث بذاتها وبنصها وردت عن النبي ﷺ .
أثاروا زوابع حول كثير من الأحاديث النبوية، زعموا أنها تُخالف العقلَ، وأنها تُخالف القواعد الحسية، وأنها تخالف القواعد الطبية، وغير ذلك مما أثاروه من شبه وإشكالات.
وأودُّ أن أنبِّه إلى أن المدرسة الحديثية لم تكن بحاجة إلى أحد لينبِّهها إلى أن هناك قواعد شرعية في ضوئها تُقبل الأحاديث المطهرة؛ بل إن هذا العناء الذي بذله المحدِّثون في صيانة السنة، في وضع قواعد الجرح والتعديل، وشروط قبول الرواية، وشروط قبول الراوي، وكيف يكون التحمل والأداء، وما هي شروط صحة الحديث. علم المصطلح الذي تفرعت عنه علوم كثيرة جدًّا كلها وضعت لخدمة السنة المطهرة ولصيانتها؛ لأن السنة المطهرة عبارة عن رواة نقلوا لنا كلام النبي ﷺ وهم رجال الحديث، أو إسناد الحديث، أو طريق الحديث، ومتن نبوي نُقل إلينا عن طريق هؤلاء الرجال، وضعت القواعد الضابطة لأحوال الراوي وأحوال المروي معًا.
لم نكن بحاجة إلى مَن ينبهنا إلى أن الحديث إذا خالف المعقول يكون ذلك من علامات الضعف، أو الوضع في الحديث النبوي، ولم نكن بحاجة إلى أن مخالفة الحديث للقواعد الحسية، أو الواقعية أو العقلية، دلالة على أن هذا الحديث فيه ضعف شديد إن لم يكن موضوعًا.
стр. 261
الضوابط التي وضعها لنا العلماء كثيرة جدًّا في التمييز بين الحديث الصحيح وبين الحديث الضعيف أو الموضوع، عن الوضع والوضاعون تكلموا كثيرًا، من علامات الوضع: ركاكة اللفظ وركاكة المعنى، ومخالفة الحديث للمنقول، ومباينة الحديث للمعقول، ومصادمة الحديث للأصول أي: أصول الشرع العامة المأخوذة من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة. وضعوا قواعد نقول عنها: إنها تكتب بماء الذهب، لم نكن في حاجة إلى من ينبه؛ فقد سبقت المدرسة الحديثية المباركة بوضع الضوابط الكفيلة بالحفاظ على السنة المطهرة.
إذن المحدثون سبقوا إلى هذه القواعد، في هذا الإطار كتاب (المنار المنيف في الصحيح والضعيف) للإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- وهو كتاب صغير وبسيط لكنه طيب ومفيد؛ لأدلل أن المدرسة الحديثية هو ابن القيم -رحمه الله تعالى- أحد تلاميذها، وأحد نوابغها أيضًا يبيِّن ما اصطلحت عليه المدرسة من قواعد للحفاظ على السنة المطهرة، وعلى تنقية الأحاديث الضعيفة من الصحيحة.
يقول -رحمه الله تعالى-: سئلت هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده؟
نرجو أن ننتبه إلى قيمة السؤال، يرجفون ويقولون: إن المدرسة الحديثية عنيت بدراسة الحديث أكثر من عنايتها بدراستها المتون، هذا قول مفترى إنما هي وضعت الضوابط لنقد المتن، ووضعت الضوابط لنقد الإسناد، والسؤال هل يمكن أن نعرف أو نقف على ضوابط لتمييز الحديث الموضوع من غير أن ننظر إلى إسناده؟
стр. 262
فأجاب ابن القيم -رحمه الله تعالى- وقال: هذا سؤال عظيم القدر، وإنما يعلم ذلك من تضلَّع في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وسار له فيها ملَكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله ﷺ وهديه فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه ويدعو إليه، ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة؛ بحيث كأنه مخالط للرسول ﷺ كواحد من أصحابه، فمثل هذا يعرف من أحوال الرسول ﷺ وهديه وكلامه، وما يجوز أن يخبر به، وما لا يجوز ما لا يعرفه غيره، وهذا شأن كل متبع مع متبوعه؛ فإن للأخص به الحريص على تتبع أقواله وأفعاله من العلم بها، والتمييز بين ما يصح أن ينسب إليه وما لا يصح ما ليس لمن لا يكون كذلك، وهذا شأن المقلدين مع أئمتهم يعرفون أقوالهم ونصوصهم ومذاهبهم، والله أعلم.
خلاصة كلام ابن القيم ﵀ هنا يضع قاعدة هامة جدًّا: حين نريد أن نسأل عن أي فنٍّ، فإنما نرجع إلى المتخصصين المتعمقين فيه، لكل علم متخصصون، وبكل أسف السنة هي الكلأ المباح، أو أمور الشرع عامة هي الكلأ المباح لكل مَن يتكلم فيه، وإذاَّ رد أحدنا عليهم باحترام التهم موجودة هل أنتم عندكم كهنوت؟ هل أنتم تنفردون بعلم الشرع؟ هل أنتم كذا هل أنتم كذا؟ كلمات قد تكون حقًّا في بعضها لكنه حق يُراد به باطل. الذي يتكلم في السنن من تضلَّع فيها -على حد تعبير ابن القيم- واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاص شديد، ليس اختصاصًا عاديًّا بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة النبي ﷺ . هذا الذي يعرف كأنه مخالط للنبي ﷺ كواحد من أصحابه.
هذه المعايشة العميقة الصادقة المخلصة تتيح لأصحابها أن يكونوا أصحاب خبرة عميقة في تمييز كلام رسول الله ﷺ . إذن لا بد من الرجوع إلى أهل التخصص في
стр. 263
معرفة أيِّ شيء يتعلَّق بهذا التخصص أيًّا كان هذا التخصص، والعلوم الشرعية، ومن بينها علوم السنة المطهرة هي أولى بذلك.
ثم شرع ﵀ يضرب أمثلة على ذلك قال: فمن ذلك ما روى جعفر بن جسر عن أبيه عن ثابت عن أنس يرفعه من قال: "سبحان الله وبحمده غرس الله له ألف نخلة في الجنة أصلها من ذهب" إلى آخر الحديث مبالغات وطامات كثيرة، جعفر هذا هو جعفر بن جسر أو جسر بن فرقد أبو سليمان القصاب البصري، قال ابن عدي: أحاديثه مناكير. وقال الأزدي: يتكلمون فيه. وأما أبوه فقال عنه يحيى بن معين: لا شيء، ولا يكتب حديثه. وقال النسائي والدارقطني: ضعيف. إلى آخر ما قالوه في هذا الحديث.
ابن القيم هنا يضرب أمثلة لبعض الروايات السمجة التي تُخالف المعقول، تخالف نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة.
أيضًا يضرب مثالًا آخر يقول: من دعا بهذه الأسماء اللهم أنت حي لا تموت، وغالب لا تغلب، وبصير لا ترتاب، وسميع لا تشك، وصادق لا تكذب، وصمد لا تطعم، وعالم لا تعلم، إلى أن قال: فوالذي بعثني بالحق لو دُعي بهذه الدعوات على صفائح الحديد لذابت، وعلى ماء جار لسكن، ومن دعا .. إلى آخره هذا من رواية أحمد بن عبد الله الجويباري الكذاب، وتابعه كذاب آخر، وهو الحسين بن داود البلخي إلى آخر ما ذكر. سماجة اللفظ مع الكذابين الذين في إسناده دلُّوا على أن الحديث موضوع، وذكر أمثلة كثيرة.
لكن على كل حال بعض القواعد التي ضربها يقول: ونحن ننبه على أمور كلية يعرف بها كون الحديث موضوعًا، قواعد ضابطة يتبين بها أن هذا الحديث مضوعًا من ذلك اشتماله على أمثال هذه المجازفات التي لا يقول مثلها رسول
стр. 264
الله ﷺ وهي كثيرة جدًّا، كقوله في الحديث المكذوب: "من قال لا إله إلا الله خلق الله من تلك الكلمة طائرًا له سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة، يستغفرون الله له، ومن فعل كذا وكذا" إلى آخر هذه المجازفات الباردة التي لا يخلو حال واضعها من أحد أمرين إما أن يكون في غاية الجهل والحمق، وإما أن يكون زنديقًا قصد التنقيص بالرسول ﷺ بإضافة مثل هذه الكلمات إليه.
إذن هذا ضابط، اشتمال الحديث على مجازفات لا يمكن أبدًا أن تصدر عن رسول الله ﷺ يقول: "ومنها أيضًا تكذيب الحس له "الباذنجان لما أُكل له" هذا مثال: "الباذنجان شفاء من كل داء" يقول ابن القيم: قبح الله واضعهما، فإن هذا لو قاله يحنس أمهر الأطباء لسخر الناس منه، ولو أكل الباذنجان للحمَّى والسوداء الغالبة وكثير من الأمراض لم يزدها إلا شدَّة، ولو أكله فقير ليستغني لم يفده الغنى، أو جاهل ليتعلم لم يفده العلم" هو يسخر ممن يقول هذا الكلام، وبالمناسبة ابن القيم ﵀ له باع طويل في الطب أيضًا، ومعرفة به، وله كتاب في الطب النبوي من أفضل الكتب التي كُتبت في هذا الفن، لكن هنا القاعدة تكذيب الحسّ للحديث.
"عليكم بالعدس فإنه مبارك يرقق القلب، ويكثر الدمعة، قدس فيه سبعون نبيًّا". وقد سئل عبد الله بن المبارك يقول ابن القيم: ولو قدَّس فيه نبي واحد لكان شفاء من الأدواء، فكيف بسبعين نبيّا، وقد سماه الله تعالى أدنى، ونعى على من اختاره على المن والسلوى، وجعله قرين الثوم والبصل، أفتُرى أنبياء بني إسرائيل قدموا فيه، أو قدسوا فيه لهذه العلة، والمضار التي فيه من تهييج السوداء، والنفخ والرياح الغليظة، وضيق النفس، والدم الفاسد، وغير ذلك
стр. 265
من المضار المحسوسة، ويشبه أن يكون هذا الحديث من وضع الذين اختاروه على المن والسلوى، أو أشباههم أي: من كذابي بني إسرائيل الذين أثاروه على المن والسلوى.
وهكذا يمضي ابن القيم مع هذا الضابط مخالفته للحس.
أيضًا يقول: ومنها سماجة الحديث، وكونه مما يسخر منه كحديث: "لو كان الأرز رجلًا لكان حليمًا ما أكله جائع إلا أشبعه"، فهذا من السمج البارد الذي يُصان عنه كلام العقلاء؛ فضلًا عن كلام سيد الأنبياء، وحديث: "الجوز دواء والجبن داء، فإذا صار في الجوف صار شفاء" فلعن الله واضعه على رسول الله ﷺ ". وذكر أيضًا أمثلة لذلك كثيرة جدًّا تقع هذا الضابط.
أيضًا مناقضة الحديث لما جاءت به السنة الصريحة مناقضة بينةً مثل أحاديث: مدح من اسمه أحمد أو محمد، وأن كل من يتسمَّى بهذه الأسماء لا يدخل النار، وهذا مناقض لما هو معلوم من دينه ﷺ : ((أن النار لا يُجار منها بالأسماء والألقاب، وإنما النجاة منها بالإيمان وبالأعمال الصالحة))، ولذلك يقول ابن القيم تأكيدًا لهذه القاعدة: فكل حديث يشتمل على فساد، أو ظلم، أو عبث، أو مدح باطل، أو ذم حق، أو نحو ذلك فرسول الله ﷺ منه بريء، إلى آخر ما ضرب من أمثلة.
أيضًا منها -أي: من الضوابط التي يعرف بها هذا الحديث- أن يُدَّعى على النبي ﷺ أنه فعل أمرًا ظاهرًا بمحضر من الصحابة كلهم، وأنهم اتفقوا على كتمانه ولم ينقلوه كيف يحدث هذا؟ يقول: كما يزعم أكذب الطوائف أنه أخذ بيد علي بن أبي طالب ﵁ بمحضر من الصحابة كلهم وهم راجعون من حَجة الوداع، فأقاموه بينهم حتى عرفه الجميع، ثم قال: "هذا وصي وأخي والخليفة من
стр. 266
بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا". ثم اتفق الكل على كتمان ذلك وتغييره ومخالفته. فلعنة الله على الكاذبين.
يعني: إذا ضمننا إلى هذا أن حجة الوداع -في بعض الروايات- كان فيها ما يقرب من سبعين ألف، وبعض الروايات وصلت بها إلى مائة ألف وأربعة عشر ألفًا؛ لأن المسلمين في كل البقاع لما علموا أن النبي ﷺ يقصد الحج من عامه، هذا تسارعوا إلى الحج؛ ليتشرفوا بمشاركة النبي ﷺ في أداء هذه الفريضة، ثم إنه أخذ بيد علي بن أبي طالب ﵁ أمام الحجيج عند عودتهم، وأخبرهم بذلك، ومع ذلك كتموه. هذا كلام لا يقوله عاقلٌ أبدًا.
أيضًا يقول: منها: أن يكون الحديث باطلًا في نفسه، فيدل بطلانه على أنه ليس من كلام الرسول ﷺ كحديث: "المجرة التي في السماء من عرق الأفعى التي تحت العرش"، وحديث: "إذا غضب الله تعالى أنزل الوحي بالفارسية، وإذا رضي أنزله بالعربية"، وحديث: "ست خصال تورث النسيان: أكل سؤر الفأر، وإلقاء القٌمل في النار وهي حية، والبول في الماء الراكد ... " إلى غير ذلك من السفاسف الممقوتة التي لا ينبغي أن نتوقف عنها.
ومنها: أن يكون كلامه لا يشبه كلام الأنبياء؛ فضلًا عن كلام رسول الله ﷺ الذي هو لا يتكلم إلا بوحي من عند الله ﵎ كحديث مثلًا: "ثلاثة تزيد في البصر: النظر إلى القدرة، والماء الجاري، والوجه الحسن" يعني: هذا مما يجلُّ عنه، حتى الصحابة الذين يروُون الحديث عن النبي ﷺ ولا هو حتى من أقوالهم أبدًا؛ لأن كيف يدعو النبي ﷺ إلى النظر إلى الوجه الحسن، ونحن قد
стр. 267
أمرنا بغض البصر: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ (النور: ٣٠) إلى غير ذلك. ويغلب على الظن -كما قال ابن القيم- أن هذا ونحوه من وضع بعض الزنادقة الذين يفسدون على المسلمين دينهم.
أيضًا منها: أن يكون في الحديث تاريخ كذا وكذا مثل قولهم مثلًا: "إذا كانت سنة كذا وقع كيت وكيت" و"إذا كان في شهر كذا" وكقول الكذاب الأشر -على وصف ابن القيم ﵀ "إذا انكسف القمر في المحرم كان الغلاء، والقتال، وشغل السلطان" يقول: وأحاديث هذا الباب كلها كذب مفترى.
أيضًا منها: أن يكون الحديث بوصف الأطباء والطرقية أشبه وأليق كحديث: "الهريسة تشدُّ الظهر "، "أكل السمك يُوهن الجسد "، الذي شكا إلى النبي ﷺ قلة الولد فأمره "أن يأكل البيض والبصل "، "أتاني جبريل بهريسة من الجنة فأكلتها فأعطيت قوة أربعين رجلٍ من الجماع "، "المؤمن حلو يحب الحلاوة" إلى آخر هذه العبارات الواضح منها أن الذين وضعوها صانعو الحلوى وما يشابههم، كل واحد صاحب مهنة يتعصب لها، ويضع فيها أحاديث يحاول أن يروج لها.
أيضًا الأحاديث التي وردت في العقل يقول: "أحاديث العقل كله اكذب" كقوله: "لما خلق الله العقل قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال: له أدبر، فأدبر فقال: ما خلقت خلقًا أكرم عليَّ منك، بك آخذ وبك أعطي " هذا كلام عجيب غريب، الحجة في الشرع هي للقرآن الكريم وللسنة المطهرة، وحديث: "لكل شيء معدن، ومعدن التقوى قلوب العاقلين" وهو يضع قاعدة كلية هنا أن كل أحاديث العقل مكذوبة مفتراة على رسول الله ﷺ .
стр. 268
كان الغرض أن المدرسة الحديثية بنفسها وضعت القواعد، وهو قد طال نفسه في الرّدّ على بعض الأحاديث، واستغرقت عدة صفحات، وردَّ عليها من القرآن ومن السنة ومن الإجماع، مثل "أن الخَضرَ موجود، وأنه حي الآن" طال نفسه جدًّا في الرّدّ عليه، وأقام عشرات الأدلة من القرآن، ومن السنة، ومن الإجماع، ومن العقل، على مخالفته للقرآن وللسنة الصريحة.
وأيضًا أن يكون الحديثُ مخالفًا لصريح القرآن مثل حديث الذي حدَّد مقدار الدنيا، وأنها "سبعة آلاف سنة "، ونحن في الألف السابعة، وهذا من أبين الكذب -هذا كلام ابن القيم- لأنه لو كان صحيحًا لكان كل أحد عالِمًا أنه قد بقي للقيامة من وقتنا هذا أي: في الوقت الذي تكلم فيه ابن القيم، والله تعالى يقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ (النازعات: ٤٢). والشيخ عبد الفتاح أبو جود -عليه رحمة الله- استنتج من كلمات ابن القيم هنا أن هذا الكتاب- (المنار المنيف) - ألفه ابن القيم قبل وفاته تقريبًا بعام واحد؛ لأنه سنة ٧٥٠ لو كان سبعة آلاف سنة يقول: ونحن الآن في الألف السابعة باقي مائتان وخمسون عامًا وسنة أي: قبل وفاته بسنة واحدة -رحمه الله تعالى-.
على كل حال هذا معارض أن علم الساعة قد انفرد به الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ (لقمان: ٣٤) ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ (الأعراف: ١٨٧) إلى آخر الآيات.
وأيضًا في حديث جبريل المشهور سئل النبي ﷺ عن الساعة فقال: ((ما المسئول عنها بأعلم عن السائل)) ويقولون في ردِّ النبي ﷺ الفصاحة والبلاغة كلها لم يقل: لا أعلم، لو قال النبي ﷺ : لا أعلم، لكان الباب مفتوحًا لمن يكون بعض
стр. 269
الناس يعلمون وقتها؛ إنما هو فقط هو الذي لا يعلم ((ما المسئول عنها بأعلم عن السائل)) قال العلماء في شرح هذه الجملة: أي: لتشمل كل سائل وكل مسئول، يعني: كل سائل وكل مسئول إلى يوم القيامة في الجهل بوقت القيامة سواء، لا يعلمها إلا الله ﵎ لأن هذا مما انفرد الله تعالى بعلمه.
بيان خطأ المدرسة العقلية التي تُخضع النصَّ للعقل
نقف وقفة مع المدرسة العقلية التي تحكِّم العقلَ في النص: "هذا الحديث لا يوافق العقل!! ". أي عقل يقصدوه؟ وما هي الضوابط للنظر في السنة بالميزان العقلي؟ هذا أمر مهم جدًّا العقول من حقها أن تنظر، أي عقل ينظر؟
كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى-: أن العقل يمجُّ بعض الأحاديث التي ذكروها منسوبة إلى رسول الله ﷺ ، لكن الضوابط التي في ضوئها يعمل العقل هو الأمور المادية المحسوسة، الكون كله، بإيجاز شديد دائرة الماديات، كيف نزرع الأرض؟ كيف نصنع من الخشب مكتبًا ومنضدةً وسريرًا وكرسيًّا؟ إلى آخره، كيف ننقي الأرض من الحشائش؟ كيف نطير في أجواز الفضاء؟ كيف كذا؟ رجل مثلًا يجلس يقذف بالتفاحة أو بالطوبة إلى أعلى، فتنزل إلى أرض، لماذا لم تصعد إلى أعلى؟ فيكتشف قانون الجاذبية، كل ذلك وغيره.
قلنا: نريد للعقل أن يسيح في الكون والله يُنعم عليه بما شاء من معونات وفيوضات يبتكر بها أمورًا يعتمد فيها على خلق الله تُيسّر للناس أمور معايشهم، نركب الطائرات، ونركب القطارات، ونركب السيارات، ونستعمل الهواتف، ونضع النظارات على أعيينا، ونلبس الأزياء الطيبة المباركة، إلى آخر ما نشاء من نعم الله ﵎. الكون كله أمام العقل يعمل فيه بهدي الله -
стр. 270
وبقانون الله فيجري الله على يد البشر ابتكارات تنفعهم في أمور دينهم ودُنياهم، من تحسينهم مواد التربة، من البذور التي تُنتج غلة أكثر من المواد التي تخلو من المضار، يوفقهم الله إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم.
أما أن يدخل العقل فيما ليس له فيه، فهذا من باب إقحام العقل فيما ليس له، وقطعًا سيضل العقل وسيشقى ويُشقي صاحبه، ويسير به إلى طريق الضلال والغواية، هذه من البداهيات التي لا بد أن يصطلح عليها البشر جميعًا، كيف يتكلم العقل مثلًا في أمور ما وراء الطبيعة كما يقول الفلاسفة، أو غيرهم، يعني: كيف يتكلم في العالم الذي لا يراه؟ كيف يتكلم عن الغيبيات؟ كيف يتكلم عن الوحي؟ كيف يتكلم عن القبر وما يحدث فيه وهو لم يره؟ كل ذلك لا مجالَ للعقل فيه، كيف يتكلم عن القيامة ومشاهدها من بعث، وحشر، وجنة، ونار؟ وكل ذلك يعتمد على الأدلة النقلية المسموعة من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة.
أنتَ لا تستطيع أن تتكلم فيها بعقلك، العقل هنا لا يصلح أن يكون مقياسًا أبدًا لمعرفة الصواب والخطأ في هذه الأمور، كيف سيتكلم، هل هناك أحد ذهب إلى القبر وعاد ليخبرنا ماذا فيه؟ هل هناك أحد رأى مشاهد الآخرة التي لم تحدث بعدُ، ورأى الحساب، والميزان، والصراط، والحشرَ، والشفاعة، والجنة، والنار، والحوض، وما إلى ذلك، وجاء لينكر أو ليوافق؟ كل ذلك لا يصلح، أنا أحترم العقل حين أضعه في الدائرة التي يستطيع أن يعمل فيها، وأنا أهينه وأنزل من قدره حين أضعه فيما ليس له من تخصصه، سيتيه، سيضرب في بيداء من الجهل والظلمات والضلالات، سيصل إلى نتائج ربما تصل إلى الإلحاد والإنكار، هذا أمور بدهية.
стр. 271
وبالمناسبة لو أنصف الذين يزعمون أنهم أبناء المدرسة العقلية، أو أنهم يهتمون بالعقل، ووضعوا العقل في إطاره؛ العقل لا تصادم بينه وبين الدين، وحين نقول: إن العقل لا يدخل في هذه الأمور لا ينبغي أن يضحكوا علينا، وأن يقولوا لنا: هذه مصادرة على العقل، وهذه حرب على التفكير والإبداع، هذا كلام متهالك، لا ينبغي أن يُخدع به أحدٌ، أبدعوا في الطب، وأبدعوا في الصيدلة، وأبدعوا في الهندسة، وأبدعوا في الزراعة، وأبدعوا في الفضاء، وفي الأسلحة، أغنونا عن أعدائنا في كل هذا، اعملوا، وابتكروا، وأضيفوا إلى رصيد الأمة الإسلامية في هذه الميادين ما يوفقكم الله تعالى إليه. أما أن تدخلوا لتفسدوا على الأمة أمر دينها، وهكذا تحت دعوى أن هذا احترام، أي احترام للعقل أن أدخله فيما ليس فيه؟
هذا الكلام ما فائدته؟ لو أعملوا ذلك ما تدخلوا في أحاديث أنكروها بالعقل، وهي صحيحة وثابتة، ثم إن عقلونا تقبلها، وعقول الأمة كلها على مدار ال ال تاريخها قبلته، أعقولهم أنضج من عقولنا؟ لماذا يفرضون هذا؟ ولماذا يتصورون أن عقولهم أفهم وأوعب لهذه الأمور منا نحن؟ نحن لا نقل عنهم فهمًا، نحن لا ندعي لأنفسنا أننا أفقه منهم، لكننا على الأقل لا نقل عنهم فهمًا لأمور ديننا ودنيانا ونعرف الضوابط ثم إن هذه الأمور اصطلح عليها أهل العلم في العالم كله، وتكلمنا عن خلل المستشرقين في منهجهم، وأنهم يتكلمون كثيرًا عن المناهج العقلية، والمناهج العلمية، والتجريبية، والاستدلال، وينقضون كل ذلك فيما يتعلق بالقرآن الكريم والسنة المطهرة، وليس عندهم أمانات في النقل، ويعتمدون على مصادر ضعيفة، ولا يعتد بها عند أهل العلم، ويزعمون أنهم أرباب المذهب العقلي، أو أرباب المذهب التجريبي.
стр. 272
هذا الخلل سبَّب لهم خللًا شديدًا، هو السبب في إنكارهم لكثير من معجزات النبي ﷺ وكثير من الأحاديث النبوية الشريفة التي رَأَوا بمنظارهم أنها تُخالف العقل.
ثم أيُّ عقل نسمح له أن ينظر في السنة، العقل الذي تربَّى على موائد الغرب، وتخرج في الجامعات الأجنبية، ولم يقرأ شيئًا عن الإسلام، ولا في الإسلام، وكل ما استقاه عن السنة وعن التفسر هو من كتب المتشرقين، أهذا يليق؟ أهذا يصلح؟ أهذا مقياس علمي أو ضابط دقيق يُرجع إليه؟ وندرك من قراءاتنا لكثير من انتقاداتهم أنهم لم يقرءوا حديثًا في البخاري ولم يقرءوا شروحَ العلماء الأجلاء كابن حجر، والعين، وغيرهم ممن شرحوا البخاري، أو شرحوا (صحيح الإمام مسلم) ﵏ جميعًا- إنما استقوا كلامهم من المصادر المعادية للإسلام.
ملامح المدرسة العقلية
وهنا بسرعة أوضح أو أشير إلى بعض ملامح المدرسة العقلية:
أولًا: هم يقدمون العقل على النص، ويجعلون العقل قاضيًا على النص، وكثيرًا ما تقرأ في كتاباتهم النص يقبل التأويل. خلاصة الكلمة: نحن نقول بعقولنا وأفهامنا، ويجترءون على القرآن في فهمه، في مخالفة الأمة كلها لفهمه، هناك مثلًا مَن يطالب المساواة بين البنت والولد في الميراث؛ ضاربًا عرض الحائط بقوله ﵎: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (النساء: ١١)، ويا أهل النص يا من ليست لكم عقول تفكر، أنتم وما تريدون في النص افهموه كما تريدون، أو أولوه كما تريدون، أما في السنة يجترءون عليها هي ليست من كلام الله، فالباب مفتوح لأن يقولوا: هذا حديث ضعيف، أو
стр. 273
مكذوب ويردُّونه، وإذا تكلمنا فيهم؛ نحن عقولنا مظلمة، ومغلقة، وضيقة، ولا تتسع للرأي الآخر، بل إنهم أخيرًا من يقول: حتى تفسير القرآن لا نريد تفسيرًا. كل واحد يقول في القرآن بفهمه، والسنة ليست قاضية على الكتاب، أيُّ عبث هذا، وأي فوضى هذا، وإلى أي طريق يريدون أن يصلوا بنا؟
ملامح أو بعض معالم المدرسة العقلية، تتمثل -كما قلت- في تحكيم العقل في النص هذا واحد، وأن العقل قاضٍ على النص، النص هو القاضي، وأن العقل يحاول أن يفهم، وأنه لا مصادرة للعقول في فهم النص، والقاعدة الشرعية المعروفة: لا اجتهادَ مع النص. يعني: لا يقول النص شيئًا ونقول نحن غيره، وقاعدة: لا اجتهادَ مع النص، لا تغلق البابَ أمام قاعدة أخرى تفتح الباب للفهم والاجتهاد، الاجتهاد في النص أي: في فهم النص، ماذا يريد النص أن يقول؟ كيف نطبقه؟ نحن نجتهد في فهمه لنطبقه، لا لنعارضه، ولا لنبعتد عنه، لنطبقه بفهم جيد يكون أقرب ما يكون إلى مراد الله مثلًا: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (النساء: ٤٣) ملامسة النساء من نواقض الوضوء، الذي يقول: إن ملامسة النساء غير ناقضة هذا يجتهد مع النص، لا اجتهادَ مع النص، يقول النص شيئًا، وهو يقول غيره يقول: إن الملامسة غير ناقضة، لكن أن يقول: ما المراد بالملامسة؟ هذا هو الاجتهاد في النص، والباب مفتوح فيه إلى يوم القيامة في ضوء القواعد المقررة عند علماء الشرع، أو عند العلماء في ضوابط الاجتهاد والمجتهدين.
إذن العقل له ميدانه في فهم النص في الكون الفسيح إلى آخره، لكن أن يشرع العقل، أن ينظر العقل في النص، وأن يكون قاضيًا عليه؛ هذا ما لا يقول به عاقلٌ أبدًا، ولن نقبله مهما كان.
стр. 274
من ملامح المدرسة العقلية أيضًا: أنهم يردُّون السنة كليَّة أو جزئيًّا. الذين يزعمون أنهم قرآءنيون وينكرون السنة كلية، ومنهم من يردُّ بعضها، ومنهم مَن يقبل المتواتر ويرد الآحاد، دعاوَى كثيرة يثيرونها، الغرض كله هو تضييع السنة والتفلت منها. إذن هم يعجلون العقل قاضيًا على النص، وهذا أدى إلى إنكارهم للسنة إما كليًّا وإما جزئيًّا.
وعلماء الأمة مجمعون على وجوب العمل بالحديث متى ثبتت صحته، وأن الحديث متى صح يصبح أصلًا من أصول الشرع بصرف النظر عن كونه متواترًا أو آحادًا، والتواتر والآحاد هذا تقسيم على أساس عدد الرواة في كل حلقة لا يتعلق أبدًا بوجوب العمل؛ لأنه حتى الفريق الذي قال: إن الآحاد يفيد الظن بمعنى: أننا يغلب على ظننا أن النبي ﷺ قاله ولا نقطع بذلك، يجيبون على الأمة العملَ بما غلب على ظنها، وقلنا: إن هذه من الأمور المجمع عليها عند علماء الأمة. إذن قضية العمل به لا تقبل الجدال.
أيضًا توسعوا جدًّا -المدرسة العقلية- في فهم القرآن الكريم والحديث النبوي في ضوء عقولهم، وفي ضوء معطيات العلم بكل جوانبه؛ بصرف النظر حتى عن كونها حقيقة علمية أو نظرية علمية لا زالت في طور نظرها بالتجريب، العلم قال كذا، إذًا ردُّوا القرآن وردوا السنة، وبعد سنين يردُّ العلم على نفسه؛ فيرفض ما كان يقبله اليوم، وهذا حدث مرارًا وتَكرارًا، وفي كل العلوم، المسلَّمات التي كانت من عشرين سنة انقلبت الآن على أعقابها؛ لتصبح من مظاهر التخلف. فرقوا بين الحقيقة العلمية والنظرية العلمية، الحقيقة العلمية الثابتة لا تتعارض أبدًا مع
стр. 275
القرآن والسنة، ولن يتعارض مع القرآن والسنة بحال من الأحوال. أما التي ما زالت في طور التجربة والاختبار؛ فهذه محلّ نظر.
إذن لا نجعل معطيات العلم وخصوصًا في مراحلة التجريبة يعني: قيدًا على القرآن، أو على السنة المطهرة، هذا من مفتريات العقول، ومفتريات المنهج العلمي -كما يقولون- ويصنعون بذلك تناقضًا بين العلم والدين. الدين منه براء، ديننا دين العلم الذي امتلأ بالآيات التي تكلمت عن العلم والعلماء، وهذا أمر مفروغ لن نتكلم في البداهيات.
وهذا هو السر في أنهم أنكروا ما يتعلَّق بالملائكة، أو بالشياطين، أو يئولونها على أحسن الأوجه إذا كانت واردة في القرآن الكريم، وتكلموا عن السحر، وعن قصة آدم، وعن كذا وكذا، وصرفوا الطير الأبابيل عن ظاهره في القرآن الكريم، ومن علماء المسلمين من قال ذلك، يعني: الطير الأبابيل مرض ميكروبي تعرَّض له جيش أبرهه لماذا؟ لأن بعض العقول لا تقبل أن طيرًا يحمل حجارةً من سجيل صغيرة يدحر بها جيشًا بأكمله، ويقضي الله عليه قضاءً مبرمًا، أليست هذه معجزة من معجزات السماء؟ فضيلة الشيخ محمد الشعراوي -عليه رحمة الله تعالى- في ردِّه على هذا الزعم -وهو يفسر القرآن الكريم- قال: من المؤكد أنه حين نزلت -يعني: سورة الفيل- كان من بين الموجودين في حياة النبي ﷺ مَن عاصر الحادثة، ولو كانت داءًا ميكروبيًّا قضى على الجيش، ولم تكن طيرًا أبابيبلَ تحمل حجارة من سجيل؛ لقالوا له: كذبت يا محمد، لم يكن هناك طير، ولا كذا، وإنما كان الأمر مرضًا معديًا فتك بالجيش كله، لكنَّ ذلك لم يحدث، ولم تنقل لنا رواية واحدة، هذا دليل من الواقع على كذب هذا.
لماذا يريدون أن يجعلوا العقل قاطعًا في مثل هذا؟
стр. 276
أيضًا: تمجيدهم للعقل أدَّى بهم إلى تهوين من شأن الإجماع، والتقليل من قدره، وعباراتهم في ذلك كثيرة جدًّا، أيُّ إجماع تقصدون؟ ويعتبرون أنفسهم ممن خُلق بهم الإجماع، الأمة حين تصطلح على شيء وصارت على هذا قرونًا متعددةً، يأتي اليوم من يفسد عليها وحدتها واجتماعها تحت دعوى أن هذا اجتهاد عقلي أو كذا، هذا عبث هذا لا يوجد عند أمة. الأمم استقرت على أمور -حتى ليست عن طريق الوحي- أجمعت عليها حتى مع وجود من يخالفها مع أبناء الأمة، ومع ذلك لم يزعم أحد أبدًا أنه يحق له أن يخرج على القانون، أو على الدستور؛ لأن عقله لا يقبله، لماذا هم هناك يحترمون ذلك ونحن هنا نفتح البابَ على مقدساتنا من القرآن والسنة، نهوّن من إجماع أمتنا، ومن تحكم العقل في النص؟ ومن جعل العقل أو المعطيات العلمية التي لا زالت في طور التجربة حكمًا قاضيًا على ما ورد في القرآن أو في السنة، ويئولون، ويرفضون، ويبعِدون ... إلى آخره.
هذه بعض ملامح المدرسة العقلية.
أيضًا يكادون يغلقون باب الغيبيان، لا يريدون أن يتكلم أحد في الغيبيات.
إذن نحن حددنا أن مدرسة السنة وضعت القواعد الضابطة لتمييز الصحيح والضعيف من غيره، وأدخلت في ذلك العقل، وأيضًا مباينة الحديث للمنقول من القرآن والسنة، ومن مصادمة الأصول، وأنهم قد وضعوا قاعدة تُكتب بماء الذهب أشار إليها ابن الجوزي وغيره في (تنقيح فهوم الآثر) -رحمه الله تعالى-: "إذا رأيت الحديث يباين المنقول، أو يخالف المعقول" يباين: يخالف مخالفة لا تقبل الجمع المنقول من القرآن والسنة، وأن يصادم، أو أن يخالف المعقول -الكلام عن العقؤئل- وأن يصادم الأصول أي: يصطدم بقواعد
стр. 277
الشرع العامة التي استنبطها العلماء من خلال الأحاديث والآيات القرآنية أي: من خلال قواعد الشرع، وصارت قواعد عامة لهذه الشريعة مثل: "المشقة توجب التيسير"، ومثل: "ما خُيّر بين أمرين إلا أخذ أيسرهما". هذه القواعد التي اصطلحت عليها الأمة، إذا وجدت الحديث يصادم شيئًا من ذلك فاعلم أنه موضوع.
إذن المدرسة العقلية وضعت الضوابط، وصححت الأمور، ونقدت المتن، واحترمت العقل غير أنه العقل المحكوم بالقرآن والسنة، ليس هو العقل الذي تربَّى على موائد الغرب، ورضع من لَبانه، وتأثر بفكرهم ولا يقبل سواه، ثم هو يريد أن يفرض علينا ما انتهت إليهم دراستهم في ذلك، ومع أنهم يجتهدون في احترام مقدساتهم، إلا أنهم أشاعوا هذه الأمور بيننا؛ ليعملوا على انفصام الأمة عن هدي ربها المتمثل في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 278
الدرس: ١٧ حديث الذباب، ودفع ما أثير حوله من شبهات
стр. 279
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السابع عشر
(حديث الذباب، ودفع ما أثير حوله من شبهات)
تخريج الحديث، وبيان درجته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فنتكلم عن حديث الذباب، وهذا الحديث أنموذج لما رفضوه بِناءً على أساء عقلي؛ فهو من وجهة نظرهم مخالف للعقل ولما هو معروف طبيًّا من أن الذباب ناقل للعدوى، فكيف يكون فيه شفاء!! إلى آخر ما أثاروه.
نبدأ بذكر نص الحديث، ورواه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الطبّ، باب: إذا وقع الذباب في الإناء، وأخرجه في كتاب بدء الخلق، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم، وله طرق كثيرة سنشير إليها بعد قليل.
الحديث في (صحيح الإمام البخاري) -رحمه الله تعالى- بسنده إلى أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا وقع الذبابُ في إناء أحدكم فليغمسه كلَّه، ثم ليطرحْه؛ فإن في أحد جناحيه شفاءً وفي الآخر داءً)) هذا نص الحديث عند الإمام البخاري -رحمه الله تعالى - مع تفاوت بين بعض الروايات في بعض الألفاظ اليسيرة، مثل كلمة: ((كله)) وردت في بعض الروايات أم لم ترِدْ في بعض الروايات.
إذن الحديث يتكلم عن أن الذباب إذا وقع في إناء أحدنا فليغمسه كله، يعني يُغرِق الذباب في السائل الذي في الإناء، ثم ليقذف بالذباب إلى خارج الإناء، ثم ليطرحه -أي: يلقيه بعيدًا عن الإناء- فإن في إحدى جناحيه داء وفي الآخر شفاء.
أعداء السنة قديمًا وحديثًا يتكلمون حول هذا الحديث، ويُثيرون شُبَهًا كثيرة حوله:
من هذه الشُّبه: أن هذا الحديث من رواية أبي هريرة ﵁ هو أن البعض قد تكلم في رواية أبي هريرة، وننتبه إلى الشُّبَه حتى نتمكن من الرد عليها، أنه حديث
стр. 280
آحاد يفيد الظن فلا إشكال في ردّه، بمعنى: أن نسبته للنبي ﷺ مظنونة وليست متحققةً، ليست أكيدة، وأيضًا هو مخالف لقواعد الشرع.
ما هي قواعد الشرع التي خالفها الحديث -على حد زعمهم- أنه يخالف قواعد الشرع في اجتناب النجاسة، وفي اجتناب المضارّ، وأيضًا يقولون: إن العلم أثبت بطلانه؛ لأن العِلْم يقطع بمضارّ الذباب، وأيضًا يقولون: إن هذه ليست عقيدة، حتى إن هذا أمر ليس من عبادات الإسلام، ولا من شرائعه، ولا من عقائده حتى ندافع عنها وحتى نستمسك بها، وهي مثْل حديث تأبير النخل، وبالتالي فإذا اعترضنا على هذا الحديث فلا غبار علينا، ولسنا نتجرأ على قواعد الشرع ولا عقائده ولا عباداته، ولا يصح للمَدرسة الإسلامية أن تتهمنا بشيء من ذلك، بل بالعكس هم يريدون أن يقولوا: إن كلامهم هذا هو دفْع شبهات عن الإسلام وتطهيره من كلام قد يُثَار حوله بأنه يخالف العلم ويأخذ بالمضرّات ... إلى آخره.
وأيضًا يقولون: إن الاشتغال به إنما هو صَرْف للناس عن أمور هامة في مجالات الاختراعات والمكتشفات، والوقوف عند مثل هذه الأحاديث التي تعطل الناسَ عن الانطلاق في هذه المجالات.
هذه بعض الشُّبَه التي أثارها خصوم السُّنة، وكثير منهم من أبناء الإسلام، وهم قد هيَّأَ لهم شيطانهم أنهم يدافعون عن الإسلام وعن السُّنة، وأنهم يطهرُّونها مما قد يَعْلَق بها مما يفتح بابًا للاتهام بالسنة المطهرة.
نردّ على هذه الشُّبَه الواحدة تلو الواحدة، ثم نقول الفهم الصحيح للحديث والفوائد المستقاة منه.
فضيلة الأستاذ الدكتور خليل إبراهيم مُلَّا خاطر -بارك الله فيه، نزيل المدينة المنورة- له كتاب اسمه (الإصابة في صحة حديث الذبابة) وهو كتاب يبحث في
стр. 281
صحة الحديث من النواحي الفقهية والطبية والحديثية قبل ذلك، يعني: يتكلم عن صحة الحديث، ثم يرد عن الشُّبَه التي أثاروها حوله، التي أشرنا إليها.
الحديث رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والإمام أحمد، وعبد بن حميد، والدارمي، وأبو عبيدة، وأبو يعلى، وابن الجارود، وابن خزيمة، وابن حبَّان، والحاكم، وابن السكن، والبزار، وابن قتيبة، والطبراني، والبيهقي، والطحاوي، وأبو داود الطيالسي، وابن النجار، والبغوي، وابن أبي خيثمة، وابن عبد البر، هؤلاء أصحاب كُتُب من كتب السنة، كلهم لهم طريق لرواية هذا الحديث، ليس كتابًا واحدًا، وليس هو البخاري فحسْب الذي انفرد بروايته، وإنما أشرنا بإيجاز، ونُحيل هنا على كتاب (الإصابة) لفضيلة الشيخ مُلَّا خاطر الذي تتبَّعَ طرق الحديث بكل تفصيلاتها، بل رسم لها شجرات تُوضِّح السند إلى كل صحابي، وتُبَيِّن صحة كل طريق.
ولننتقل إلى النقاط المهمة المتعلقة بالحديث:
أولًا: الحديث ليس من رواية أبي هريرة فحسْب، ولو كان من رواية أبي هريرة فحسب لكان على العين وعلى الرأس، لكن هم يجترئون على أبي هريرة، ومن ضِمْن المشاكل أو الشبهات التي أثاروها حول السنَّة المطهرة أنهم تجرءوا على أبي هريرة ﵁ وكانت مراجعهم في هذا من كتب الروافض التي وقفت موقفًا شديدًا من أبي هريرة ﵁ ذلك الصحابي الجليل الذي أجرى الله على يديه الخير الكثير للسنَّة، لا نخاف أبدًا أن ينفرد بالحديث أبو هريرة؛ فهو أستحي أن أقول: "هو عندنا ثقة!! " فهو من الصحابة العدول الثقات الذين أجمع أهل السنة والجماعة على ثقتهم وعدالتهم، ولا نبحث فيها أو نتكلم عنها، والذين أثنى الله عليهم في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة.
стр. 282
لكن بشكل عام هذا الحديث رواه أبو هريرة، وأبو سعيد الخُدْري، وأنس بن مالك، وعلي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين-.
وكما قلت فإن فضيلة الشيخ خليل مُلَّا خاطر قد تتبع طرقه من رواية هؤلاء الأصحاب الأربعة، وَحَصَرَها في مباحث خاصة: طرق حديث أبي هريرة ﵁ طرق حديث أبى سعيد الخدري ﵁ طرق حديث أنس بن مالك ﵁ وطرق حديث علىّ بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه-. ثم بعد أن جَمَعَ الطرق درس الأسانيد وانتهى إلى أن الحديث صحيح كما هو إجماع أمة الإسلام، حقيقةً ليس كلامه في هذا الأمر جديدًا ولا شيء، لكنه يؤكد ما أجمعت عليه الأمة من أن هذا الحديث صحيح، وهو قد أجمعت الأمة على تلقيه بالقبول على رسول الله ﷺ .
وهو يختم كلامه في هذه المسألة فيقول:
ومن الغريب جدًّا أن هذا الحديث بعينه -هو حديث الذبابة- لم يكن مما قد استدركه أحد من أئمة الحديث على البخاري -رحمه الله تعالى- بل هو عندهم جميعًا مما جاء على شرطه، وفي أعلى درجات الصحة، ولم يتكلم فيه إلا من لا خَلَاق له في العصور المتأخرة، كما قال الخطابي -رحمه الله تعالى-: تكلم على هذا الحديث من لا خلاق له.
إن هذا الحديث قد أجمع المسلمون على الأخذ به والعمل بمقتضاه، وجعلوه أصلًا بنَوْا عليه حُكْمًا مهمًّا، وهو طهارة الماء القليل والطعام إذا وقع فيه ما لا نفسَ له سائلة، وقاسوا على الذبابة ما شاكلها مما يرتبط معها بنفس العلة، كما أن الأطباء المسلمين القدامى ذكروا أمورًا مهمة ما زال معمولًا بها في كثير من البلاد الإسلامية، إلا مَن أصاب بصيرتَه العمى؛ ولهذا فإني سأبحث في هذا الباب من ناحيتين: اعتماد الفقهاء على هذا الحديث، ما ورد على ألسنة الأطباء القدامى والمحدثين وفْق هذا الحديث.
стр. 283
هذه الكلمات التي ختم بها الشيخ مُلَّا -بارك الله فيه- كلامَه عن صحة الإسناد، إذن الإسناد صحيح والمتن صحيح، وكما قلت: أمَّتُنا كلها تلقت هذا الحديث بالقَبول، وأجمعت على أنه صحيح مائة في المائة، لا يخالف لا العقل ولا الواقع ولا الطب ولا أيَّ شيء.
إذن هذه هي الشبهة الأولى، أن الحديث صحيح، أبو هريرة ﵁ لم ينفرد بروايته، وأنه رواه معه من الصحابة ثلاثة غيره فأصبح الجميع أربعة: أبو هريرة، أبو سعيد الخدري، أنس بن مالك، علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين- وامتلأت بهم المصادر التي أشرنا إليها أكثر من عشرين كتابًا، والذي ذكر ذلك لم يحصِ الكتب، لا يكاد يوجد هناك ديوان من دواوين السنّة المعتمدة عند أهل السنة والجماعة إلا ذكرتْ هذا الحديث الصحيح.
أيضًا الشيخ الألباني -رحمه الله تعالى- في سلسلة الأحاديث الصحيحة يتكلم عن هذا الحديث، هو هنا ذكر له ثلاثة طرق: من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك -رضي الله تعالى عنهم- ولم يُشِرْ إلى حديث علي بن أبي طالب الذي أضافه الشيخ مُلَّا خاطر -بارك الله فيه- وهذا من بركات تعاون أهل العلم على إثبات الحقائق الشرعية، واجتماع جهدهم على شيء ما، فيضيف بعضهم إلى جهود الآخرين.
وذكر الشيخ الألباني ﵀ طرق حديث أبي هريرة، وأنه أخرجه البخاري والدارمي وابن ماجه وأحمد، وفي بعض الروايات زيادة له، وأيضًا في حديث أبي سعيد رواه أبو داود والحسن بن عرفة الجزئي ... إلى آخره، وفيه زيادة: ((وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء؛ فليغمسه كله)) يعني: إن الذباب إذا وقع في إناء أحدنا فليغمسه فيه، ثم ليطرحه، ينزعه من هذا الإناء ويلقيه بعيدًا عن الإناء، ثم يستعمل المادة الموجودة في الإناء، أيًّا كانت، في بعض زيادات
стр. 284
الحديث، لماذا ذلك؟ لأنه يتقي بالجناح الذي فيه الداء، يعني: ينزل في السائل بالجناح الذي فيه الداء، فإذا غمَسْت الذبابة وأغرقْتها في السائل تحققت المعادلة الطبية ما بين الترياق والسم، أو ما بين الداء والدواء، فالجناح الذي فيه الشفاء تعادل مع الجناح الذي فيه الداء، وإلا لو تركت الجناح الذي فيه الداء فقط لأصبح ضارًّا بمن يتناول هذا السائل أو هذا الطعام أو الشراب الذي في الإناء بدون أن يفعل كما فعل رسول الله ﷺ .
بعد أن أشار الشيخ الألباني إلى صحة الحديث تكلم عن روايات أخرى للحديث، وحَكَم عليه بما يليق بحاله، وسننقل كلامه بعد ذلك في الرد على أنه مخالف للأطباء أو للواقع أو ما شاكل ذلك.
أيضًا فضيلة الشيخ الدكتور محمد أبو شهبة في كتابه الطيب (الدفاع عن السنة) تكلم عن حديث الذباب، حتى ورد أنه قال: حديث الذباب وبيان أنه معجزة نبوية، قال: وروى البخاري وابن ماجه عن النبي ﷺ قال: ((إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، ثم ليطرحه؛ فإن في أحد جناحيه داء والآخر شفاء)) وهو يرد هنا على بعض الذين تكلموا في هذا الحديث، لكنه وضع هذا العنوان وتكلم عن صحة الحديث، يقول: هذا الحديث رواه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه، ولم أجد لأحد من نقاد الحديث طعنًا في سنده، فهو في درجة عالية من الصحة، وكل ما وقع من الطعن فيه من بعض المتساهلين إنما هو من جهة متنه ومدلوله.
وهو هنا يتخفف في وصفه من بعض المتساهلين، فقد قالوا: كيف يكون الذباب الذي هو موبأة الجراثيم فيه دواء؟!! وكيف يجمع الله الداء والدواءَ في شيء واحد؟!! وهل الذباب يعقل فيقدم أحد الجناحين على الآخر؟!!
هنا فضيلة الشيخ الدكتور يذكر شبهًا أخرى يثيرونها: هل الذباب عنده نوع من العقل
стр. 285
حتى لدرجة أنه وهو ينزل في سائل أو في إناء يقدم أحد الجناحين على الآخر؟!! وكيف يجمع الله الداء والدواء في شيء واحد؟!! والذباب مجتمع للجراثيم؛ لأنه كلما حطَّ على شيء جمع من قاذوراته فينقله للأشياء الأخرى ... إلى آخره.
قبل أن أرد على الشُّبَه يثير الشيخ مُلَّا خاطر -بارك الله فيه- مسألة طيبة: يتسبب في وقوع بعض الناس في خطأ، وهو عدم تفريقهم بين ما هو مستحيل وما هو مستغرَب، قد يُستغرَب هذا لكنه لا يستحيل، المستحيل يعود إلى أصل الشيء ونُكرانه، إنما المُستغرَب يعود -كما يقول على حدّ تعبيره- إلى ضعف المتصوِّر نفسه وعدم إدراكه، يعني: أنا لا أستطيع أن أستوعب المسألة، المسألة ليس فيها خلل، أنت لو جئت برجل عاميّ وكلّمته مثلًا عن "الأوزون" واختراقه، وعن مثلًا هبوط الإنسان على سطح القمر، ربما استبعد ذلك جدًّا أو رأى أنه مستحيل، لكن الذين تمرّسوا في المسائل العلمية لا يستبعدون هذا، فهناك فرق بين الاستبعاد وبين الاستغراب؛ ولذلك في نظري أن الحديث وبشكل عام في الإسلام ليس فيه ما يخالف العقل أو يرفضه الواقع أو يحكم باستحالته؛ الحمد لله إسلامنا بريء من كل ذلك.
ليس في إسلامنا ما نخجل منه أو نحاول أن نخفيَه، أو نتمنى أن لم يمكن قد حدث والحمد لله، كل ذلك غير موجود بإذن الله ﵎ ولن تجد تناقضًا أبدًا، نقصد بالتناقضِ التناقضَ الشديد التباين التام الذي يستحيل معه الجمع بين الأمرين المتناقضين، لن نجد في شيء من الإسلام هذا أبدًا، وبناء عليه حينما نعلم أن الإسلام قد قال كذا في مصادرنا الصحيحة، وأن علماء الأمة قد حكموا بصحة الأحاديث، قال كذا في القرآن أو في السنة، وحكم العلماء الأثبات الثقات الأجلاء الذين أفنَوا أعمارهم في خدمة السنة، حكموا بصحة ما قيل، علينا أن نقبله على العين وعلى الرأس بدون تردد، ولا نلتفت أبدًا إلى الذين يحاولون أن يُعِيقوا ذلك.
следующие страницы →