Полный текст (394 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
فهموا على أن هذه سعة قد يرجح لفظًا على لفظ لكنه لم يؤثم المخالف، ولم يقل بابتداعه، ولم يقل بخطئه، ليس بالبدعة، ولم يقل شيئًا من هذا.
ونقل ابن حجر -رحمه الله تعالى- في (الفتح) عن الإمام الشافعي حين أخذ بحديث ابن عباس في التشهد، قال: "لما رأيته واسعًا -يعني: ألفاظه واسعة فيها معاني كثيرة- وسمعته عن ابن عباس ﵄ صحيحًا -يعني: يقصد الشافعي ﵀ أن يقول: هو روى هذا الحديث بأسانيد صحيحة عن ابن عباس فثبت صحته، يعني: لما رأيته رأيته واسعًا وسمعته عن ابن عباس ﵄ صحيحًا- كان عندي أجمع، وأكثر لفظًا من غيره، وأخذت به غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صح".
إذن، هذان عالمان جليلان من أصحاب المذاهب المتبعة، ومن أهل القدوة في أهل الإسلام، الإمام الشافعي والإمام أحمد -رحمهما الله تعالى ورحم سائر علمائنا الأماجد الأماثل على مدار التاريخ كله- الإمام أحمد مال إلى تشهد عبد الله، والإمام الشافعي مال إلى تشهد ابن عباس وكلاهما أباح أن لكل مسلم أن يستعمل اللفظ الآخر ما دام قد ورد ذلك صحيحًا، فأي ضرر مثلته الرواية بالمعنى؟
أيضًا يضرب مثالًا آخر بحديث المرأة التي جاءت تهَب نفسها للنبي ﷺ والحديث في الصحيحين من رواية سهل بن سعد الساعدي ﵁ يروي لنا: أن امرأة جاءت تهب نفسها للنبي ﷺ قالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي، والمهم أن النبي ﷺ لم يقطع في أمرها بشيء حتى طال الوقت؛ فقام صحابي جليل مؤدب محترم يقول: "يا رسول الله إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها" فالنبي ﷺ سأله: ((ما معك؟)) يعني: ماذا ستدفع من صداق، الحديث طويل وبعد مراجعات، قال: ((زوجتكها على ما معك من القرآن)) يعني: كان صداقها القرآن، والنبي ﷺ زوجها للرجل على أن يحفظها ما يحفظ من كتاب الله تعالى.
стр. 282
ما محل الشاهد في هذا الحديث؟
محل الشاهد أن اللفظ الذي استعمله النبي ﷺ قد تعددت فيه الروايات: ((أمكنكتها)) يعني: من التمكن، ((أنكحتكها))، ((ملكتكها))، ((زوجتك إياها بما معك من القرآن الكريم)). هذه الألفاظ المتعددة هم يقولون: مؤكد أن النبي ﷺ قد استعمل لفظًا واحدًا خصوصًا أن الواقعة لم تتعدد، يعني: قصة المرأة الواهبة قصة واحدة، فالأغلب أن النبي ﷺ قد استعمل لفظًا واحدًا وتعددت ألفاظ الرواة في التعبير عنه، لا بأس هذا ولد ضررًا كما يقولون أبدًا، كل الذي في الأمر أن العلماء ناقشوا ما هو اللفظ الذي يجوز به تزويج المرأة للرجل.
هل إذا قال لها: "ملكتكها" مثلًا يجوز النكاح بلفظ التمليك، أو لا يجوز؟ عند بعض العلماء جاز وعند بعض العلماء لم يجز، أنا قلت: أثرت الدين وسببًا في تعدد الآراء الفقهية التي تحمل سعة للمسلمين، واستعملت عبارة "قل" قلت: سببًا في تعدد الآراء الفقهية ولم أقل: في تعارض الآراء الفقهية، أو فالتعدد ليس دائمًا شيئًا سيئًا، لا بالعكس هو تعدد تنوع وليس تعدد تضاد، فهذا ثراء وهذه سعة من الله ﵎ على عباده.
إذن، المسألة لم تضر بالدين أبدًا، وليأتِ لنا الذين يزعمون ذلك بأي حديث تسببت تعدد الرواية فيه في خلل في المعنى، أو فساد في التطبيق، ولن يستطيعوا أبدًا أن يأتوا بمثال واحد على ذلك، وإنما هي عبارات يفخمونها، ويجازفون من غير أدلة علمية حين يزعم أحدهم أنه لا يوجد حديث واحد روي بلفظه. أنا لا أميل أبدًا إلى استعمال عبارات شديدة، لكن هذا بصر واحد لم يتعامل مع كتب السنة، هذا رأي واحد لم يقرأ البخاري كاملًا، أو لم يقرأ مسلمًا، أو لم يرَ الحديث الوارد عن جملة من الصحابة وقد اتفقوا على اللفظ إلى آخره.
إذن، لم تضر بالدين في شيء.
стр. 283
أيضًا النبي ﷺ هو نفسه الذي كان في كثير من الأحيان يجيب على السؤال الواحد بإجابات متعددة، فلم لم يكن في الأمر روايات بالمعنى، إنما كان الأمر متعلقًا بالنبي ﷺ هو يوسع لهم في أمور الدين، وأيضًا قد يكون ذلك لمراعاة الأشخاص، أو الأزمنة، أو الأمكنة، أو ما نحو ذلك، نضرب أمثلة أو مجرد مثال: النبي ﷺ سئل عن أي العمل أفضل؟ قال: ((الصلاة لوقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله)) مرة ثانية مثلًا: ((أن تطعم الطعام، وأن تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)) إلى آخره: أي الإسلام خير؟ أي الإسلام أفضل؟ هو هنا الذي عدد الإجابات، والعلماء حين نظروا في هذه المسألة استنتجوا استنتاجات متعددة كلها محتملة ورائعة وعظيمة، قالوا: هذا من باب التيسير على الأمة، قالوا: هذا أيضًا من باب مسايرة الوحي، بمعنى أن الوحي كلما أخبره بشيء أخبر به.
التيسير على الأمة أيضًا له أشكال متعددة، يعني: لا يخبرها بالأمور الواحدة أو المتعددة في حديث واحد وفي سياق واحد حتى يسهل عليها أن تستوعبه، لو ذكر لهم مثلًا كل صفات الفضل في الإيمان قد تطول، لو ذكر لهم الكبائر في سياق واحد قد تطول، لو ذكر لهم مثلًا مكارم الأخلاق في سياق واحد قد تطول، فإذًا هذا من باب مسايرة الوحي، ومن باب التخفيف على الأمة، ومن باب مراعاة الأزمنة والأشخاص والأحوال، بمعنى: مثلًا لو كنا في بيئة بخيلة مثلًا، أو مع شخص بخيل، أو في زمن فيه مجاعة، يعني: أقصد أن تكون مراعاة الأشخاص، أو الأزمنة، أو الأمكنة مثلًا أفضل الأعمال إطعام الطعام، الرجل البخيل نحثه على ذلك، البيئة المحتاجة نشيع هذا الأمر فيها، أيضًا لو كان مسافرًا وانقطع زاده أيضًا إطعام الطعام في حقه وهكذا.
بيئة نزل العدو بأرضها أفضل الأعمال بالنسبة لها الجهاد، قوم يقصرون في الصلاة فأفضل الأعمال لهم الصلاة لوقتها، أو يؤخرونها عن وقتها وهكذا، مع
стр. 284
اشتراك الجميع في نهاية الأمر أن كل هذه الأعمال تشترك في كونها من أفضل الأعمال عند الله ﵎.
إذًا الأمر حتى كان من النبي ﷺ هو الذي يعدد الروايات وليس النقلة لحكم شرعية كثيرة، وإذا كان بعض النحاة لم يستدل به في النحو تحت دعوى أن الحديث قد روي بالمعنى وليس بالضرورة هو لفظ النبي ﷺ فإن العلماء قد ردوا عليه؛ الدكتور صبحي الصالح ﵀ يرى أن النحاة واللغويين الذين وقفوا هذا الموقف أخطئوا خطأً جسيمًا على حد تعبيره؛ لأن الذين أولًا رووا بالمعنى هم الفصحاء البلغاء من الصحابة ومن بعدهم، وثانيًا النحاة استشهدوا بأشعار لم تصب في صدق نسبتها، وفي تحري ألفاظها كما فعل بالأحاديث النبوية، يعني: ينسبونها إلى أي شعر ونحن لسنا متأكدين من هذه النسبة، وأحيانًا قصائد تروى بألفاظ متعددة ولم نتأكد، يعني: لم يبذل فيها ما بذل في الأحاديث النبوية من التأكد من صحة السند ومن صحة المتن، ومع ذلك استدلوا بها، وعند الأحاديث وقف بعض -النحاة كلهم لم يقفوا هذا، وقف البعض- منهم هذا الموقف مما جعل بعض الناس يقول: إن الرواية بالمعنى أضرت وجعلت الحديث لا يستدل به، فالعيب ليس عيب الحديث وإنما عيب النحاة، وكما قلت الذي يستعمله الحديث يصبح أصلًا لغويًّا يجب على الأمة كلها أن تعمل به في لغتها وفي كل أمورها.
هذه بعض أهم الشبهات المثارة حول الرواية بالمعنى أنها أضرت بالدين، أنها تتعارض مع حديث: ((نضَّر الله امرأً))، أن بعض العلماء أخذ موقف من الاستدلال بالنحو، أن الأحاديث كلها رويت بالمعنى، كل ذلك رددنا عليه بإيجاز.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 285
الدرس: ١٦ الرد على دعوى اهتمام المحدثين بنقد السند دون المتن .
стр. 286
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس عشر
الرد على دعوى اهتمام المحدثين بنقد السند دون المتن
تعريف النقد لغةً واصطلاحًا
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ ثم أما بعد:
فالرّد على دعوى اهتمام المحدثين -رحمهم الله تعالى- بنقد سند الحديث دون المتن، وأنهم لم يوجهوا عنايتهم لدراسة المتن كما وجهوها لدراسة الإسناد.
النّقْدُ في اللُّغَةِ: هو تَمييزُ الجَيِّدِ من الرديء من النقود، وكلمة النّقد أو النّقدين تَدُلّ على ما كان يتعامل به الناس فيما بينهم في البيع والشراء من نقود وتبادل السلع والأسعار فيما بينهم.
الناقدُ للنّقود يُميز الأصلي منها من المزيف، يُميز الأصيلَ من الدخيل، انتقل التوسع اللغوي إلى كل مَن يميز بين أمرين؛ فمثلًا الجواهرجي نَذْهَب إليه بالذهب لينقده لنا، ما معنى يَنْقُد؟ ليُبَيّن لنا الزيف من الأصل، المزور من الأصلي الصّحيح، يقول: هذا ذهب حقيقي، وهذا ذهب مزيف ليس أصليًّا، ثم انتقل المعنى ليشمل كل تمييز للصحيح من الرديء في أي أمر، أو في أي عمل وفي أي ميدان.
ولذلك انتقل الأمر إلى المُحدثين فعَملية النّقد بالنِّسبة للسند أو بالنسبة للمتن إنما تُوضح السند الصحيح من السند غير الصحيح، أو المتن الصحيح من المتن غير الصحيح، إذن النقد هو تمييزُ الجَيّدِ من الرديء من كل شيء هو أصله اللُّغوي، كان في النقود ثم توسعوا فيه شيئًا فشيئًا تمييز الجيد من الرديء من الإبل، تمييز الجيد من الرديء من التمر، تمييز الجيد من الرديء من كذا، حتى وصلوا إلى الأحاديث ليتميز الصحيح من الضعيف منها، ولذلك هذا المعنى اللغوي في الأصل.
стр. 287
المعنى الاصطلاحي: نقد المتن معناه: تمييز المقبول منه من المردود في ضوء قواعد النّقد المُعتبرة التي اصطلح عليها أئمة الحديث ونقاده، ليحتكموا إليها في تمييز المتن الصحيح من المتن غير الصحيح، وكذلك الإسناد الصحيح من الإسناد غير الصحيح.
إذن المتن هو: ألْفَاظ الأَحَادِيث التِي تَشْتَمِلُ على معانيه، ما المقصود بالمتن في الحديث؟ هو: الألفاظ التي نقلها لنا الرواة منسوبة إلى النبي ﷺ التي تشتمل على المعاني التي ذكرها النبي ﷺ هذا هو المتن، ألفاظ الحديث التي تشتمل على المعاني، والمُراد بنقده تمييز المقبول منه من المردود على ضوء القواعد التي اصطلح عليها أهل العلم ليحتكموا إليها في تمييز المتن الصحيح من غيره.
السند: عبارة عن الرواة الذين نقلوا لنا الأحاديث عن النبي ﷺ بتسلسل يعني: راو عن راو يعني، مثلًا لو قلنا: إنّ البُخَارِيّ يروي الحديث عن النبي ﷺ وبينه وبين النّبي ﷺ إسناد رجال، كل تلميذ تلقى الحديث عن شيخه وأداه إلى تلميذه؛ فهؤلاء هم رجال الإسناد، أو يُعبر عنهم بإسناد الحديث أو برجال الحديث، أو بطريق الحديث، أي تعبير من هذا.
الضرورات التي تحتم على أهل العلم توجيه العناية إلى نقلة الأخبار
أستطيع أنْ أقُولَ بإيجَازٍ: هُناك ضرورات ثلاث حتمت على أهل العلم أن يوجهوا عنايةً فائقةً إلى نقلة الأخبار؛ أي خبر كان فضلًا عن أن يكون هذا الخبر هو حديثًا مرويًّا عن النبي ﷺ .
الضرورة العَقلية تحتم الاهتمام، لماذا؟ لأنّ واقِع النّاسِ يبين أن كثيرًا من العلاقات بينهم تقوم على الأخبار المتداولة المنقولة، في بيعهم، في شرائهم، في تَنَاكُحِهم، في صُلحهم، في خصامهم، في أكلهم، كل شيء يعتمد على الأخبار، على الأقوال.
стр. 288
مثلًا: فُلان يريد شراء هذا الأمر، فلان يريد بيع هذا الأمر، فلان يقول عنك كذا وكذا؛ فلان يسبك ويقول كذا إلى آخره، معاملات الناس أكثر من تسعين في المائة منها أخبار الباقي يعتمد على أنه رأى الأمر بنفسه أو درسه بنفسه أو قرأه إلى آخره، وأظن أنّ أيَ واحدٍ يَرْصُد الواقع يتأكد من هذه الحقيقة، وكم من علاقات تدمرت بسبب خبر كاذب نقل، كم من شريكين كانا أمينين متعاونين مُتحابين فنُقل خبر لأحدهما عن الآخر أفسد الود بينهما، وفسدت الشركة، كم من علاقة أسرية انفصمت بسبب خبر جاء من هنا أو من هناك، كم من صداقة قطعت إلى آخره.
وكل واحد من الناس له تجارب في هذا الصدد كثيرة تبين أهمية الأخبار وخطورتها، بل إنّ العلاقات بين الدول تتوقف على الرواية، وعلى نقل الأخبار، وآية الحجرات التي نعتبرها من الأدلة الرئيسة في ضرورة الاهتمام بالأخبار وبرواتها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ (الحجرات: ٦). يعني كادت أن تشتعل حرب بين المسلمين وبين غيرهم؛ لمجرد أن الناقل للخبر تصور أن القوم الذين خرجوا للقائه كأنهم خارجون لقتاله، فأخبر بذلك النبي ﷺ فكادت أن تشتعل الحرب، يعني: إلى هذا الحد تصل خطورة الأخبار أنها تتسبب في إشعال الحروب ليس بين الأفراد فحسب، بل بين الدول أيضًا.
إذن هذه ضرورة عقلية، ما دام العقل يرى هذا الخطر الداهم، وهذا الأثر البليغ للأخبار؛ فلا بد من التحقق منها ومن رواتها، الذي ينقل هذا الخبر ما هدفه؟ وما أخلاقه؟ وهل يكذب أو لا يكذب؟ ... إلى آخره.
أيضًا الضرورة الواقعية هي متممة للضرورة العقلية، ما دُمنا نَرَى أنّ الوَاقِع يَتوقف في كثير من جوانبه في بيعه وشرائه وحِلِّه وتِرحاله، وبُغضه وحُبّه،
стр. 289
وعَدَاوته وموالاته، كل ذلك يتوقف على الأخبار؛ إذن الواقع أيضًا يحتم الاهتمام بالأخبار ورواتها.
إذن، أيضًا الضرورة الشرعية، يعني: حينَ يَكُونُ الأمْرُ مُتعلقًا بالأخبار الشرعية، يَزْدَادُ الأمر خطورة، نحن قلنا في مناسبات كثيرة إننا حين نقول: قال رسول الله ﷺ فإن ما بعد هذا القول دين يجب اتباعه؛ فلا بد من التّحري أضيف إلى الضرورة العقلية وإلى الضرورة الواقعية ضرورة شرعية، وهي أن الأخبار المنقولة عن النبي ﷺ تمثل الدين الذي يجب علينا اتباعه؛ فهي إما تبين أمر الوارد في القرآن الكريم، أو تشرع أمرًا لم يرد له ذكر في القرآن الكريم وفي كِلْتَا الحَالتَينِ هي تتضمن أحكامًا هَامّة، وخَطيرة للناس في عقائدهم وفي عباداتهم؛ فلا بد من التحري فيها.
إذنْ، الاهْتِمَامُ بالسَّنَد الذي هو عبارة عن نقلة الأخبار اهتمام ضروري جدًّا، تُحَتّمه الضرورة العقلية، وتحتمه الضرورة الواقعية وتحتمه الضرورة الشرعية، حين تجد قومًا يهتمون بالأسانيد وبنقلة الأخبار ينبغي عليك أن تحمد هذا، وأن تُثني على هذا، وأن ترى هذا الصنيع العظيم من الأمة التي تُوَثِّقُ أخبارها ولا تقبلها من أي راو خصوصًَا إذا كان هذا الخبر المنقول جاءنا عن سيد الخلق ﷺ الذي يجب علينا اتباع أمره، واجتناب نواهيه؛ فلا يكون هذا مذمّة، ولا يقال: إن هذا عيب بل هذه محمدة عظيمة جدًّا، تدل على وعي الأمة وانتباهها، وإدراكها لقيمة مصادرها الشرعية، وأنها -يعني: هذه المصادر- تأخذ منها أحكامها الشرعية، في عقيدتها، وفي عباداتها، وفي معاملاتها ... إلى آخره.
إن من أسباب اتهام المُستشرقين للمُسلمين العِظام بهذا الاتهام؛ لأنهم ليست لهم أسانيد إلى متونهم، لا يَعرفون إلا المتن، ولذلك -كما ذكرت قبل- يعني: أنا أدرك أو أحس
стр. 290
أنهم يحسدوننا على النعم التي اجتبانا الله بها، ولا تُوجد عِندهم، وذَكرتُ رُبّما في الدرس السابق، أو الذي قبله أنّ المُستشرقين من أين أحاديثهم عن أنبيائهم التي وردت إليهم بالأسانيد المتصلة كما حدث مع نبينا ﷺ ؟! لا يوجد عندهم؛ لذلك يحسدوننا فيعبرون عن هذا الحسد بإثارة الشبهات والاهتمامات.
إذن، الاهتمام بالسند هو الأصل وهو مسألة طبيعية جدًّا، لا ينبغي لأحد أن يُماري فيها؛ لأنه كما ذكرت الضرورات الشرعية تُحَتّم هذا، والضرورات العقلية والضرورات الواقعية التي أشرت إليها.
يقول الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في كتاب (منهج النقد عند المحدثين نشأته وتاريخه) نقلًا عن الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- وهذا الكلام موجود في (الرسالة) في الفقرة ٣٩٩ يقول الشافعي: ولا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المخبر وكذبه، إلّا في الخاص القليل من الحديث، وذلك أن يُستدل على الصدق والكذب فيه بأن يُحَدّثَ المُحَدّث بما لا يَجُوز أن يكون مثله، أو ما يُخالفه وما هو أثبت وأكثر دلالة في الصدق منه.
يَقْصِدُ أن يقول: أكثر ما يستدل على صدق الحديث إنما بصدق المخبر وكذبه، وفي غير ذلك من الممكن أن ننظر في النص نفسه -في المتن- كما نقول عند المحدثين، هذا الإمام الشافعي يبين أنّ الاهتمام بالأسانيد وبنقلة الأخبار هو الأصل، والدكتور الأعظمي يوضح المسألة فيقول: إنّه لا يَشُكُّ عَاقِلٌ في وجود النبي ﷺ من الناحية التاريخية، وأنه عاش على هذه الأرض، ومن طبائع البشر الأكل والشرب والنوم وما إلى ذلك.
فإذا ورد في الحديث أنه ﵊ كان يأكل بيمينه، ويشرب في ثلاثة أنفاس، ويدعو بكذا عند نومه، وكذا عند استيقاظه؛ فكُلّ هذا ممكن عقلًا؛ كَمَا أنّ ضِدّه
стр. 291
مُمكن، جائز لرجل أن يأكل بيمينه أو بيساره، ويُمكن له أن يَشرب في نَفَس واحد أو نفسين، كذلك لا يستحيل دعاؤه، لكنه ليس هناك شيء يجبره على الدُّعاء.
أيضًا كُلُّ ذلك مِنَ النَّاحِية العَقْلية مُمكن، تدعو أو لا تدعو، تأكل أو لا تأكل، تأكل باليمين أو باليسار هذا في الميزان العقلي، ما الذي يُغلب جانبًا على آخر؟ ما الذي يُرَجِّحُ صدق رواية على أخرى؟ ما الذي يجعلنا نقول: إنّ الأكل باليمين هو الأصل الشرعي؟ لأنّ الروايات وردت بذلك؛ اعتمادًا على صدق الذين نقلوها لنا، وإلا من غير الصدق هذا تستوي كل الدلالات، إذا كان العقل هو الذي يعمل فقط يستوي هذا وذاك، في كثير من الأخبار هذا مثال توضيحي يبينه الدُّكتور الأعظمي؛ ليؤكد أن الاهتمام بالأسانيد أمر طبيعي، بل هو الأول.
وهذه المقولة التي قالها الدكتور الأعظمي وقالها غيره الدكتور محمد لقمان السلفي في اهتمام المحدثين بنقد الحديث أيضًا يبين أنّ السند هو الأصل، هو يتكلم عن فصل عقده، ونظرًا لأنّ العَقْلَ يُساوي بين الأخبار المنقولة من ناحية الصدق والكذب، إنّما يميل الأمر ناحية واحدة من اثنتين بِناءً على ما نثق به من أحوال المخبرين.
واحد أخبرني أنّ محمدًا سافر، والآخر أخبرني أنّ محمدًا لم يسافر، كيف سنفصل بين الروايتين؟ في ميزان العقل سواء؛ لكنّ الترجيح سيكون على أساس صفات المُخبر؛ قطعًا أي فطرة سليمة، وأي عقلٍ ناضِج سيقول: نأخذ بخبر الأصدق منهما والأعدل منهما، هذا أمر لا يختلف عليه اثنان إلا إذا كنا نحب الجدال لذات الجدال، أمّا إذا كنا نبحث عن الحق لنَتمَسّك به فإنّ البَدَاهَة والفِطْرَة -كما قُلت- والعقل يقولون: نقدم خبر أهل الصدق على أهل الكذب.
стр. 292
وهذا الذي يَسير عليه العالم كله؛ إذن الاهتمام بالسند أمر طبيعي جدًّا؛ بل هو الاهتمام الأول، بل هو الأصل الذي تتوجه إليه العناية، ومن ثَمّ فإنّ اهتمام المحدثين بالأسانيد إنما هو اهتمام متوافق مع العقل ومع الواقع ومع الضرورة الشرعية والواقعية والعملية ... إلى آخر ما ذكرنا، وهذا أمر قد وفقهم الله إليه، وسبقوا إليه لدرجة أن حُسدوا عليه فلم يجد الحاسد إلا أن يشكك فيما حباهم الله به من تلك الميزات.
هل اهتمام العلماء بالسند كان على حساب عنايتهم بالمتن ؟
لكنّ السُّؤال الذي ننتقل إليه بعد ذلك: هل اهتمامهم بالسند مع أنه الأصل ومع أنه الأول كان على حساب عنايتهم بالمتن، هذا ما يُرْجِف به المُرجفون، وهذا ما نتحدث حوله.
النقد عند المحدثين دار حول ثلاثة: دار حول الراوي، ودار حول السند، ودار حول المتن. فنقدوا الراوي ونقدوا السند ونقدوا المتن، كيف؟
قد يَشْتَبه القول بأنّ عِندنا نقدًا للراوي ونقدًا للسند وهما ليسا شيئًا واحدًا، نقد الراوي أي: نقد الراوي على حدة مثلًا: حدثني سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد. مَن هو سفيان بن عيينة؟ وما هي صفاته؟ طبعًا هو عالم كبير أنا أضربه فقط لمجرد مثال؛ هذا أبين معنى نقد الراوي. نقد الراوي أحوال الراوي من حيث الصدق والأمانة إذا اجْتَمَع عند الراوي الصدق والعدالة واجتمع له الضبط الدّقيق، فقد حاز على لقب الثِّقَة وروايته صحيحة.
ماذا يعني نقد السند؟ نَقْدُ السَّنَدِ يَعني نقد السند جملة، السّند عبارة عن مجموعة من الرُّواة، قد يكون كل راو منهم عدلًا لكن هل التقوا ببعضهم؟ هل لا يوجد في السند
стр. 293
انقطاع من أي زاوية أو من أي مكان؟ طبعًا عند المحدثين اصطلاحات تبين الخلل في الإسناد، وعلم دراسة الأسانيد هو عبارة عن التّأكُد من استيفاء شروط الصحة الخمسة، التي اصطلح عليها العلماء لصحة السند، وهي: اتصال السند، عدالة الرواة، ضبط الرواة، خلو الحديث من الشذوذ، خلو الحديث من العلة القادحة.
قد يسلم الرواة ولا يسلم الإسناد ككل. وهذا معنى قولنا: "نقد الرواة ونقد السند"، ولذلك نجد بعضَ العُلماء يقول: هذا إسناد رجاله موثقون؛ فنجد بعض الباحثين يحمل هذه الكلمة على صحة الإسناد، لا، لماذا عدل العالم الجهبذ الكبير عن قوله: هذا إسناد صحيح، إلى قوله مثلًا: هذا إسناد رجاله ثِقَات؟
رجاله ثقات معناه: أن العالم الذي حكم بهذا الحكم قد اطمأن إلى أحوال الرواة من ناحية العدالة والضبط، فدرسها واطمأن إلى أنه من الثقات؛ لكن لم يطمئن إلى بقية شروط الإسناد من اتصال السند، بمعنى أن يكون كل راو قد أخذ الحديث عن شيخه، بمعنى خلو الإسناد من الشذوذ ومن العلة القادحة إلخ.
فقد يكون الرواة موثقين لكن بقية الشروط لم تتحقق؛ وهذا معنى أنه يلزمنا أن ندرس الراوي على حدة، وأن ندرس السند وأن ندرس المتن، وهذه الدراسة أوجدت قواعد عند علماء الحديث لنقد الراوي ونقد السند، ونقد المتن، إذن الدراسة الحديثية اقتضت دراسة الثلاثة ونقد الثلاثة، واقتضت وضع الضوابط لدراسة الثلاثة: نقد الراوي، نقد السند، نقد المتن.
стр. 294
نقد المتن، والقواعد الضابطة لنقده
ننتقل الآن إلى نقد المتن.
أقول: منذ عصر الصحابة أنفسهم والاهتمام بنقد المتن، أود أن أوضح أن المثال المضروب لمجرد توضيح أصل مسألة بصرف النظر عن الصواب مع أي جهة عبد الله بن عمر ﵄ يروي الحديث في الصحيحين أيضًا: ((إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه)). أمنا عائشة ردت وقالت: "إن هذا كان في يهودية تعذب وهم يبكون عليها، أمنا عائشة تقول: "إن الميت ليُعذّب، وإنّ أهْلَهُ ليَبْكُون عليه"؛ نلتفت إلى الفرق بين الروايتين: "إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه" أي: بسبب بكائه عليه، لكن الرواية الأخرى تقول: إن الميت يعذب في نفس الوقت الذي يبكي عليه أهله ولو كانوا يعلمون الحقيقة لما بكوا عليه، وإنما عملوا على تخفيف العناء عنه، والعذاب مثلًا بالدعاء له ... إلخ.
أمنا عائشة هذا مما انتقدته هو هنا نقد للمتن واستدلت على ذلك بالقرآن الكريم، قالت: أين هذا من قول الله ﵎: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: ١٦٤) أو ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (النجم: ٣٨) يعني: رأت أن عذاب الميت ببكاء أهله عليه إنما هو تعذيب بسبب ذنوب آخرين هو ليس مسئولًا عنها، سيتعارض مع الآية.
هذا النّقد يعني أمنا عائشة ليس الحق معها في هذا النقد هو هنا المثال المضروب، ما هو المثال المضروب؟ أن حقه قد حدث نقد للمتن في ضوء القرآن الكريم، يعني هي رأت الرواية التي رواها عبد الله بن عمر ﵄ تتعارض مع القرآن الكريم بصرف النظر -كما قلت- في أول الكلام الصواب مع مَن، والخطأ مع مَن؟ المهم أنه قد حدث نقد للمتن.
نقد المتن بدأ من الصحابة الحديث بروايتيه، صحيح الرواية التي انتقدتها أمنا
стр. 295
عائشة صحيحة، وقد شرحها العلماء. وقد قال العلماء: إنه يُعَذّب بِبُكاء أهله عليه، إذا كان قد علم بذلك ورضي به، أو إذا كان قد وصى به، خصوصًا أنّ ذلك كان من عادات أهل الجاهلية، المفاخرة وتعداد المآثر للأموات، أما إذا عُلم بأنه وصى بعدم ذلك، أو سَجّل بأنه لا يرضى هذا فهذا لا فإذن الحديث له محمل صحيح في معناه فلا يُرَدّ.
لكنْ يَبْقَى المِثَالُ المَضروب هو أنه -كما قُلت- مِثالٌ على أن حركة النقد للمتن وليس الإسناد، من ناحية الإسناد جيل الصحابة كلهم عدول، ونحن بعد في جيل الصحابة لم تتعدد طبقات الإسناد، ما زلنا مع الطبقة الأولى التي هي أجل الطبقات، وأعظم الطبقات وهي طبقة الصحابة بإجماع الأمة؛ فلم يكن يُكَذِّبُ بعضهم بعضًا إنما الاعتراض كان على متن الحديث.
لما أبو هريرة روى حديث: ((مَن تبع جنازة حتى تدفن فله قيراط، ومَن تبعها حتى يصلى عليها فلها قيراطان)) كأنه استعظم الأجر، فسأل أمنا عائشة، فصدقت أبا هريرة، فقال بعد ذلك: "لقد فرطنا في قراريط كثيرة".
أيضًا المَرأة التي طَلّقها زوجها ثلاثًا هل لها سُكنى ولها نفقة، فظاهر القرآن: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (الطلاق: ٦).
فاطمة بنت قيس قالت: طلقني زوجي ثلاثًا على عهد النبي ﷺ فقال الرسول ﷺ : ((لا سكنى لك ولا نفقة)). فقال عمر ﵁ قال: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة". لم يطعن في عدالتها، صحابية جليلة؛ لعلها حفظت أو نسيت، هنا نقد للمتن أيضًا.
بل إنه بدأً من عصر التابعين بدأ وضع القواعد الضابطة لنقد المتن: يعني: من عصر التابعين وخصوصًا العصر المُتأخر للتابعين بعد أن بدأ الوضع يظهر هم
стр. 296
يقسمون التابعين إلى ثلاث طبقات: "كبار التابعين، أوساط التابعين، وصغار التابعين" كبار التابعين تكاد تكون حلقةً متممةً للصحابة في عدالتهم، وفي نقائهم، وفي صدقهم، وأوساط التابعين يقتربون من هذا.
وأيضًا التّابِعُون كَكُل فهم من الأجيال الممدوحة؛ لكن مع أواخر التابعين الذين امتد عصرهم إلى سنة مائة وخمسين هجرية، ورُبّما إلى بعد ذلك على خلاف في انتهاء عصر التابعين متى يكون؟ المشهور أنه سنة ١٥٠ وهناك من قال بعد ذلك بناء على أن أحد التابعين مات سنة ١٨٠ أو ١٨١. وهذه قضية عالجها السيوطي في (تدريب الراوي) وهو يتكلم عن التابعين لمن أراد أن يرجع.
المهم: مع نهاية عصر التابعين يعني اتسعت الدولة، وبدأ الوضع وبدأت الخلافات المذهبية، فأصبحتْ الحَاجَةُ إلى تمييز الحديث سندًا ومتنًا، من الحاجات المُلِحّة في واقع الأمة، ومن الضرورات التي حَتّمت دِراسة السند ودراسة المتن معًا، وبدأت القواعد الضابطة تتبلور في مَن الذين نقبل روايتهم كالرجال، ومن الذين لا نقبل روايتهم.
قال ابن مهدي: إني لأدعو اللهَ لقومٍ قَدْ تَركْتُ حَديثَهم.
والمهم أنّ نَقْدَ المتن بدأ من عصر الصحابة ذاته، وتطور إلى أن تبلور تقريبًا مع التابعين وتابعي التابعين؛ إلى أن أخذ الشكل النهائي في القواعد التي يحتكم إليها في نقد المتن.
أيضًا نَدخل الآن إلى عصر الضوابط التي وضعوها لتبين اهتمامهم بالمتن كما اهتموا بالسند؛ من بين هذه الضوابط: التفرقة بين حديث الثقة وحديث الصدوق. ما هو الأساس الذي تمت عليه هذه التفرقة؟
نحن قلنا: إنّ الثِّقَة هو مَن جمع بين العدالة والضبط. العدل: هو المسلم البالغ العاقل الخالي من الفسق ومن خوارم المروءة، وهذا أمر يدرس في المصطلح.
стр. 297
تجتمع له العدالة تأكدنا من إسلامه وبلوغه وعقله، وخلوه من الفسق ومن خوارم المروءة، فأصبح عدلًا. هل العدل ثقة؟ لا لا بُدّ من الضبط، الضبط هو أن يؤدي الحديث كما تلقاه بدون زيادة أو نقصان، وبتغيير أو تبديل. يؤدي الحديث كما تلقاه من شيخه بدون زيادة أو نقصان.
هذا تعريف الضبط، كيف يعرف؟ المسألة اقتضتني أن أتكلم عن معنى الصدوق والضبط؛ لأبين أن هذه القاعدة مما تتصل بضبط المتن؛ ردًّا على الذين يقولون: إن العناية اتجهت للسند فقط، لم ينتبهوا إلى هذه القواعد، الثقة مَن جمع بين العدالة والضبط، هناك أناس ثبتت لهم العدالة، الرجل في قمة الصلاح لكن لم يكن ضبطه دقيقًا، إن خف ضبطه قليلًا أصبح صدوقًا نزَل عن منزلة الثقة إلى الصدوق، ويصبح حديثه حسنًا بعد أن كان صحيحًا لو كان تام الضبط.
ولذلك الحديث الحسن يختلف عن الحديث الصحيح في هذه المسألة فقط، شروطه هي واحدة:
"اتصال السند، عدالة الرواة، ضبط الرواة، خلو الحديث من الشذوذ، خلو الحديث من العلل القادحة". غير ما في الأمر أن الضبط في الحديث الحسن قد نزل قليلًا بدرجة محتملة.
كيف عرفنا أن هذا نزل من رتبة الثقة إلى الصدوق؟ خفة الضبط أو كثرته ليست لها معايير "ترمومترية" فيه أدق من المعايير ليس هناك ترمومتر، إنما الترمومتر هو استقراء أحاديثه، أخطأ في كم، وهذا الاستقراء يتم بمقارنة روايات غيره. نفس الحديث هذا ورد من طرق أخرى؛ لماذا خالفهم؟ إذا كثرت مخالفته قد يصل إلى درجة الضعف الذي لا يقبل، وهناك من أنواع خلل الضبط الذي ترد الرواية بسببه؛ فحين يُفَرِّقُون بين حديث الثقة، وحديث الصدوق، فهذا تفريق تم على
стр. 298
أساس المتن، على أساس ولو كثرت مخالفته يصبح ضعيف الضبط ينتقل حديثه إلى درجة الضعيف.
حين تنظر في هذه القاعدة ولا تنتبه إلى دلالتها على نقد المتن، وتراها أنها في ضوء نقد السند فقط، فالذي لا يُسْتَوعبُ هو المتهم وليست القاعدة، وليس جُهد علماء الأمة، الذينَ وَضَعُوا هذه المصطلحات لضبط المتن ولضبط السند، ولذلك في ضوء هذا أقول: تأتي عبارة ابن مهدي التي ذكرتها، وقلت: إنه يقول: إني لأدعو الله لقوم قد تركت حديثهم.
وهناك عبارات أخرى عن يحيى بن معين: "إنا لنطعن على رجال ربما حطوا رواحلهم في الجنة".
ورواية أخرى: "إنا لنطعن على رجال، وإنا لنرجو شفاعتهم أمام الله يوم القيامة". هذه العبارات ما مدلولها؟ مدلولها أن هؤلاء الرجال ثبتت لهم العدالة؛ لكنّ الضّبْطَ قد اختل، وهو أمر متعلق بالمتن، لم يخدعنا صلاحهم، ولم ننجرف بعواطفنا وبحبنا وبتقديرنا لصلاحهم إلى أن ننسى الرواية والمتن؛ فنُحِبُّهم لعدالتهم، لكنَّنَا نخشى على الرواية، ولذلك قالوا في وصفهم: "لهم صلاحهم وعلى الرواية غفلتهم، أو خفة ضبطهم".
لذلك هم يردون حديثهم في نفس الوقت الذين يرجون شفاعتهم أمام الله يوم القيامة، في نفس الوقت الذي يعتقدون فيه أنه ربما قد حطوا رواحلهم في الجنة، في نفس الوقت الذين يدعون الله تعالى لهم لصلاحهم لكنهم يتركون حديثهم.
أرجو أن أكون قد وفقت في بيان علاقة هذه القاعدة بنقد المتن حتى لا يتقول متقول أن علماء الحديث قد اهتموا بدراسة الإسناد دون المتن.
стр. 299
قاعدة أخرى تفرقتهم بين قولهم: هذا حديث صحيح أو حسن وبين قولهم: هذا حديث صحيح الإسناد، هذه أيضًا تتعلق بالمتن، حين تقول: هذا حديث صحيح الإسناد، فمعناه أنك قد اطمأننت إلى صحة الإسناد من اتصال السند، ومن عدالة الرواة، ومن ضبط الرواة، لكن هل يلزم من صحة الإسناد أن يكون المتن صحيحًا؟ لا، أنت لم تنظر في المتن، هل خلَا الحديث من الشذوذ أو العلة القادحة؟ وكثير من صور الشذوذ تكون متعلقة بالمتن، وكثير من صور العلة القادحة تكون متعلقة بالمتن أيضًا كما سنبينه.
إذن حين يضعون قاعدةً يفرقون بمقتضاها بين قولهم: هذا صحيح الإسناد، وبين قولهم: هذا حديث صحيح، فإنما ذلك من العناية بالمتن، والذي لا يفهم هو حر، ينظر إلى نفسه، لكن القاعدة واضحة، لماذا لم يقولوا: إنه حين يحكم على الحديث بأنه صحيح الإسناد تلزم صحة المتن؟ لا، وإن كان في الأعم الأغلب العلاقة بينهما واضحة، لكن أيضًا يوجد حالات قد يسلم الإسناد، ومع ذلك تبقى في المتن علة تمنع القول بصحته -كما سنبينه- لكن القاعدة الآن التي أشير إليها هي ترد على فِرية عناية المحدثين بالإسناد دون المتن.
هذا وللحديث بقية.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 300
الدرس: ١٧ تابع: الرد على دعوى اهتمام المحدثين بنقد السند دون المتن .
стр. 301
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السابع عشر
تابع: الرد على دعوى اهتمام المحدثين بنقد السند دون المتن
القواعد الدالة على عناية المحدثين بالمتن
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطِّيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ ثم أما بعد:
فقاعدة: "لا تلازمَ بين صحة المتن وصحة الإسناد" تدل على أن للمتن ضوابط كما للإسناد ضوابط، وأنّ الدارس المحقق للعالم الدقيق يتأكد من وجود الضوابط الخاصة بالمتن؛ كوجود الضوابط الخاصة بالإسناد، حتى يَسْلَم له الإسناد والمتن معًا، وإلّا اقْتَصَر حُكْمُه على الإسناد دون المتن.
الآن نتكلم عن القواعد التي أصبحت جزءًا من الأمور أو المسائل المتفق عليها عند أهل العلم: والتي ندرسها للطلاب في مواد السنة المختلفة في المصطلح وفي الريجان وفي مناهج المحدثين؛ لنبين لهم أن هناك عدة قواعد تبين أن عناية المحدثين بالمتن لا تقل عن عنايتهم بالإسناد، وها أنا ذا أواصل الكلام عن بعض هذه القواعد التي بدأتها بإذن الله ﵎.
أيضًا كثير من أنواع علوم الحديث تتعلق بالمتن كما تتعلق بالإسناد؛ فمثلًا: الدراسات المُتعلقة بالمُدْرَج، بالمُصَحّف، بالمضطرب، بالمقلوب. كلها تتعلقُ بالإسناد، قد يكون هناك إدراج في السند، وفي المتن، وتصحيفٌ في السند وتصحيف في المتن، واضطراب في السند واضطراب في المتن، وقلب في السند وقلب في المتن.
وفي كل الأحوال قد يصح أحدهما دون الآخر، فمثلًا قد يكون الإسناد صحيحًا لكن هناك قلبًا في المتن؛ مثلًا روى الإمام مسلم: ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)) فجعل الإنفاق للشمال مع أن المعلوم من كل الأدلة أنّ الإنفاق إنما هو باليمين وليس بالشمال؛ والرِّوَايات الأُخرى للحديث التي تملأ دواوين السنة بينت ذلك، بالإضافة إلى أننا نعلم أن اليمين تستعمل للمكرومات، ومنها الإنفاق في سبيل الله تعالى.
стр. 302
إذن، هذا نوع من القلب يتعلق بالمتن؛ الحديث ورد بأسانيد صحيحة، وهذه الأسانيد الصحيحة لم تجعل المحدثين يقبلون المتن بدون نظر وبدون دراسة.
أيضًا مثلًا الراوي ينبغي أن يكون -كما ذكرنا قبلًا- عَدْلًا، ضابطًا، إذا اجتمع الأمران العَدْلُ والضّبْطُ أصبح ثقة، وكما ذكرتُ إذَا اخْتَلّ ضَبْطُه أصبح صدوقًا.
العِلَل التِي وَضَعَها العُلَماء بِمَا يُمكن أن نُسمِّيه بعلل الضبط كلها أو معظمها على الأقل تتعلق بالمتن، مثل: "الخطأ" كيف يَخْتَلُّ ضَبْطُ الرّاوي؟ وما هي المصطلحات التي وضعها العلماء للإشارة إلى خلل الضبط عند الراوي، ونستعملها في الحكم على الرواة، وتصبح علة ترد حديثه؟ كُلُّها أو مُعظمها يتعلق بالمتن؛ حينَ مثلًا يقولون: صدوق يخطئ مثلًا، أو سيئ الحفظ، أو مغفل، أو له مخالفات للثقات، أو عنده إدراج.
لو نظرنا إلى فحوى هذه العيوب المتعلقة بالضبط سنجدها مُتَعِلّقة بالمتن في المقام الأول، هذه قواعد تدل على العناية بالمتن كما تدل على العناية بالإسناد تمامًا.
"سوء الحفظ" مُتعلق بالمتن، "الغفلة" تتعلق بالمتن، "إدخال حديث هذا في حديث ذاك" تتعلق بالمتن، كان يُلقَّنُ فيَتَلَقّن، تتعلق بالمتن، مُخَالفته للثقات تتعلق بالمَتْن، عيوبٌ كثيرة تتعلق بالضبط وبها يُحكم على ضبطه إن كان قد اختل كثيرًا، أو لم يختل إلخ. أو نزل قليلًا حسب اتساع حفظه وكثرة روايته، يَحْكُمون عليه.
إذن هذه الضوابط التي وضعوها للحكم على الضبط متعلقة بالمتن، وهي أيضًا من الأمور التي تدل على عنايتهم بالمتن، كما اعتنوا تمامًا بالإسناد، بل أقول أمرًا جديدًا: إنّ العِنَايَة بالإسناد الذي يَتّهم الخُصُوم به المُحدثين، إنّما كان لأجل توثيق المتن، ما سَبب عنايتهم بالإسناد؟ يَشهد الله إنه كان ذلك لتوثيق المتن، أي: للتأكد من صدق نسبته للنبي ﷺ يعني: علوم الإسناد كلها كانت في خدمة
стр. 303
المتن ليصل إلينا النّصُّ النبوي سليمًا صحيحًا؛ فقد تأكدنا تمامًا من صدق نسبته للنبي ﷺ .
فالرِّوَايَةُ تقوم على جناحين: الرِّجَالُ الذين نقلوا لنا، والنَّصُّ أو المتن الذي نُقل لنا، لا بد من دراسة الأمرين معًا؛ إذا جاءنا الخبر عن الصدوق أو الثِّقة، الذي نطمئن إليه، إذًا نطمئن إلى صدق خبره؛ فمعرفة أحوال الرُّواة التي نسميها بمصطلح الحديث "دراسة الإسناد" هي لخدمة المتن؛ لو أنّنا مثلًا أخبرنا ثقة أنه قد رأى هلال رمضان. رؤيته لهلال رمضان هذا خبر، سنصبح ملزمين بالصيام، والذي لا يصوم غدًا حين يُخبرنا المُخبر بذلك يكون آثمًا.
نَحْنُ تأكدنا من صدق المخبر، لماذا؟ لنَطمئن إلى سلامة الخبر الذي نقله لنا، وهو روايته رؤية الهلال، فمتى أطمأننا إلى صدقه أصبحنا ملزمين بالصيام غدًا، هذا الإلزامُ جاء نتيجة اعتقادنا صدق المخبر الذي نقل لنا الرواية، ولو لم نعتقد صدقه لَمَا أصبحنا ملزمين بخبره؛ فلماذا تُصبح الأمة كلها آثمة؟ أو يصبح بعضها آثمًا إذا لم يصم؟ لأنه قد خالف خبر الثقة الذي عليه أن يصدقه أو يعمل بمقتضاه.
إذن، هذا مجرد توضيح ليُبين أن دراسة الإسناد كانت في المقام الأول لخدمة المتن، لذلك قَسّم المحدثون دراسة الحديث إلى: "علم الحديث دراية"، وإلى "علم الحديث رواية". علم الحديث دراية: يتعلق بدراسة الإسناد بالرِّجال بأحوال الرجال، وعلم الرواية يتعلق بالمتن ودراسته وشرحه ودفع التعارض عنه، واستنباط الأحكام منه، وبيان فصاحته وبلاغته إلى آخر ما يتعلق بدراسة المتن.
إذن، نَسْتَطِيعُ أنْ نَقُول: إنّ عِنَايةَ المُحَدّثين بالإسناد إنما كانت في المقام الأول لخدمة المتن، ولتَوثيقه، وكما قلت: وللتأكد من صدق نسبته للنبي ﷺ ولذلك مثلًا نجدهم يقولون: "الذي كذَب ولو مرة واحدة لا نقبل حديثه ما لم يتُب".
стр. 304
وهناك كلام في علم المصطلح حول قبول رواية التائب من الكذب، وفرقوا بين التائب من الكذب في حديث النبي ﷺ وبين التائب من الكذب في حديث الناس، والتفصيلات يرجع إليها في علم المصطلح.
لكن الذي يَسْمَعُ الكلام لأول مرة أن الذي كذب لا يُقبل حديثه، ولا تُقبل روايته هذا يتعلق بالرجال، أيضًا هو في خدمة المَتن في المقام الأول؛ ما دام كذب سينقل لنا خبرًا مكذوبًا فلن نقبله، المُبتدع الذي يدعو لبدعته لن نرده، وإنّما سنتوقف في قبول حديثه، نحن هنا توقفنا في قبول المتن بناءً على حالة الإسناد؛ ليتضح جليًّا أنّ حَالة الإسناد ترتبط بالمتن، وأنّ عُلوم الإسناد كانت في خدمة المتن.
مثلًا: مُبتدع ينقل حديثًا يتعلق ببدعته، ما الذي يجب علينا؟ سنتوقف في قبول الرواية حتى نتأكد من صدقه؛ لكن شيعي مثلًا ويروي حديثًا في فضل علي ﵁ أو في ذم مُعاوية؛ لماذا لم نقل: نرد حديثه؟ قد يكون حديثه صحيحًا، لكننا على الأقل توقفنا حتى نتأكد من ورود الحديث من طُرق أخرى.
لكن الذي أُريد أن أقوله: هذا الذي نوضحه الآن أن دراسة الإسناد كانت للعناية بالمتن، هذا أمر لم يفقهه المستشرقون ومن دار في فلكهم، وتصورا أن هناك فصلًا كاملًا بين دراسة الإسناد وبين دراسة المتن، وأنّ المحدثين عنوا الأول دون الثاني، لا إنّما كانت العناية بالأول في خدمة الثاني؛ لأنّنا في النهاية -كما قلت- نَبْحَثُ عن صدق نسبة الحديث للنبي ﷺ لأنه متى صحت نسبته ﷺ أصبح حديثًا صحيحًا، وأصبحنا مُلزمين بالعمل به، ولا يسع أي مسلم أبدًا أن يصح الحديث عنده، ولا يَعمل به، هذا غير وارد عند أمة الإسلام أبدًا.
إذًا كانت العناية بالإسناد لخدمة المتن، وهذا يرد على الفرية من أساسها بل يهدمها عند أي عقل رشيد، لو كان هناك بحث عن الحق، واستجابة له متى ظهر.
стр. 305
أيضًا كثير من "أنواع الضعيف" الضعيف أكثر من تسعة وأربعين نوعًا، والحديث يُقَسِّمُونه -كما نعلم جميعًا- إلى: "صحيح، وحسن، وضعيف" ويُعَرِّفُون الضعيف فيقولون: هو ما فَقَدَ شَرْطًا من شروط الصِّحّة أو من شروط الحسن.
فمثلًا: المَقْلُوب الذي أشرنا إليه قبله، والمُضّطرب هو من أنواع الضعيف؛ الاضطراب قد يكون في المتن، وقد يكون في الإسناد. القصة مشهورة، ذلك الامتحان الذي قُدِّمَ للإمام البخاري -رحمه الله تعالى- عند قدومه لأول مرة إلى بغداد، حينما اجتمع إليه المحدثون وحاولوا أن يختبروه؛ لأن صيته وسمعته كانا قد سبقاه إلى بغداد، فأرادوا أن يستوثقوا من أحواله، وهل فعلًا هو جدير بتلك المكانة والمنزلة التي سبقته قبل أن يصل إلى بغداد؛ فاختبروه في مائة حديث، فقلبوا أسانيدها ومتونها؛ يعني: أدخلوا حديث هذا على ذاك الإسناد، وهذا المتن إلخ. وبفضل من الله ﵎ رَدّها جميعًا إلى الصواب، ويقولون: العجب ليس مِن رَدِّها إلى الصواب فقط بإلحاق كل متن بإسناد معروف عند المحدثين، إنما العجب أنه رتبها لهم على نفس الترتيب الذي ذكروه، يعني: هو استوعبها عنهم من أول مرة ذكروها.
والمهم أنّ كثيرًا من أنواع الضعيف تتعلق بالمتن: "المضطرب، المقلوب، المصحف، الموضوع أيضًا" وكثيرٌ من علامات الوضع تتعلق بالمتن.
أيضًا: قد يكون الراوي الذي نقل الخبر لم يُتّهم بالكذب، ومع ذلك؛ فإن الناقد الفاحص الخبير في الحديث يرى أنه غلط، وأدخل حديثًا على حديث، ولهذا يرد الرواية، مع أن الراوي من أهل الفضل ومن أهل العلم.
أبو حاتم مثلًا: أعَلّ حديثًا رواه الليث بن سعد عن سعيد المقبري؛ مع أن الليث جبل، ولكنّهم تصوروا أنّ الحديث أدخل على الشيخ، (لسان الميزان) في ترجمة
стр. 306
الفضل من الحباب يقول الحافظ -رحمه الله تعالى-: روى ابن عبد البر في (الاستذكار) من طريقه حديثًا منكرًا جدًّا، ما أدري مَن للآفة فيه؟ قال: حدثني فضل بن حباب، حدثنا هشام بن عبد الملك الطيالسي، حدثنا شعبة، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ يقول: سمعتُ الرّسول ﷺ يقول: "من وسع على نفسه وأهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته".
الحافظ يقول: الظَّاهِرُ أنّ الغلط فيه من أبي خليفة، ولعله ابن الأحمر سمعه بعد احتراق كتبه، لماذا أعلوه؟ لأنّ المتن منكر، ولم يرد من طرق أخرى صحيحة؛ فلذلك توقفوا فيه، وجَعَلُوا يفحصون سبب الوقوع في الخطأ، من أي الرواة وقع، الأمثلة في كتب الحديث، ولو رجعنا إلى كتب العلل وكتب الموضوعات سنجد أمثلة لهذا كثيرة جدًّا.
ابن أبي حاتم في كتابه (العلل): هذا خبر باطل متعلق بالمتن. لم يقل الرسول ﷺ كذا، وإنما قال كذا، هذا متعلق بالمتن.
من القواعد التي وضعوها لدراسة المتن: قانون الاعتبار
أيضًا من القواعد التي وضعوها في دراسة المتن قانون الاعتبار، الاعتبار حالة من حالات الدراسة؛ الناقد الدقيق الكبير من علماء الحديث يعتبر الحديث بكل طرقه، يدرسه بكل طرقه بأساليبه ومتونه وشواهده، ويُقارن بينها، ويَنْظُر بعد هذه الدراسة وهذا الاعتبار أنّ المتن يُقبل أو لا يُقبل، مثلًا حماد بن سلمة يروي حديثًا لم يتابع عليه، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ فينظر هل روى ذلك ثقة غير أبوب عن ابن سيرين؛ فإن وجد علم أن للخبر أصلًا يرجع إليه، وإن لم يوجد ذلك فهل هناك ثقة آخر رواه عن أبي هريرة عن ابن سيرين، أو هناك صحابي آخر؟
стр. 307
هذه الدراسة التي يسمونها الاعتبار في كثير من الأحوال تتعلق بدراسة المتن؛ كتَعُلّقها بدراسة الإسناد؛ إن لم تزد عن الاهتمام بدراسة الإسناد.
إذا نظرنا إلى أنواع العلل التي يدرسها المحدثون سنجد كثيرًا منها تتعلق بالمتن، ولذلك ونحن ندرِّس مادة العلم لطلابنا، نقول لهم: إن هناك عللًا متعلقة بالإسناد، وهناك عللًا متعلقة بالمتن وهناك عللًا متعلقة بهما معًا. لكن أن يضعوا القواعد يُعرف بها المتن الجيد من غيره، هذا دليل عن عنايتهم بالمتن.
بل إن الميدان الأول لعلم العلل هو أحاديث الثقات، أحاديث الثقات المفترض كما نقول في دراستنا المصطلح أنشروط الحديث الصحيح اتصال السند وعدالة الرواة وضبط الرواة، وخلو الحديث من الشذوذ، وخلو الحديث من العلة القادحة، اطمأننا إلى خلو الحديث من عدالة الرواة وضبط الرواة، وإلى بقية الشروط، نقول: هذا إسناد صحيح كما مر بنا، ولا نقول: هذا حديث صحيح. كون العلماء يجمعون على أن أحاديث الثقات في المقام الأول هي مَيدان علم العلل هذا من أقوى الأدلة على العناية بالمتن.
إذن، كونه ثقة لم يغلق الباب أمام النظر في حديثه مرة ثانية، وهذا النظر لن يكون إلا في ضوء المتن؛ لأنّ الإسناد سَلِم من رواية الثقات، بل إن من أسباب صعوبة علم العلل هو هذا الأمر، يعني صعوبة علم العلل له أسباب كثيرة منها أنه يحتاج إلى جمع الروايات، وإلى جمع الطرق وإلى المقارنة بينها وإلخ.
أيضًا الضُّعفاء أحاديثهم مَعْلُولة لكنها لا تَحْتَاجُ إلى نَظر دقيق، يعني المبتدئ في دراسة الحديث يستطيع أن يعل الحديث بالضعفاء، يقول: هذا إسناد مثلًا فيه كذاب، فيه وضاع، فيه متروك؛ فهو إسناد ضعيف. لكن أن ينظر في أحاديث الثقات، فالنظر في هذه الحالة إنما هو في المتن؛ ليُقارن بينها وبين روايات غيره من
стр. 308
الثقات، وهل وافقهم وهل خالفهم، ولماذا كانت المخالفة، وهل هذه المخالفة تضر بالمتن؟ وهل وافقه أحد عليها، وهو انفرد بها؟ نقاط كثيرة يدرسونها لتبين أن هذا الثقة لم يخطئ في هذا الحديث.
ولذلك نَتَعَجّب مثلًا حين نفتح كتب الرجال نجدُ بعض الأحكام على بعض الرجال الكبار مثلًا، يقولون: ثقة له أوهام. لماذا ثقة وله أوهام؟ ثقة له أفراد، ثقة له غرائب، نعم، جرب عليه الوهم، سجلوه لم يخافوا من كونه ثقة، وهذا الوهم أيضًا لم يقدح في توثيقه؛ لأنّه نسبة قليلة فنحينا أحاديثه التي وهم فيها، وقَبِلْنَا ما عداها؛ لكنّ الذي أعلق عليه، أو أركز عليه أن هذه الدراسة المتعلقة بالمتن، فكيف يقال: إن المحدثين لم يعتنوا بالمتن؟ هذا كلام غير الخبير الذي لم يتصل لا من قريب ولا من بعيد بجهد المحدثين في دراسة السنة ككل.
وها أنا ذا أقول: إن المحدثين حين يعيدون النظر في أحاديث الثقات مرةً ثانيةً؛ ليفحصوها، فإن ذلك في الغالب يتجه نحو المتن، وإلا فإنه من ناحية سلامة السند قد سلم السند؛ لأنّ الرُّواة ثقاة ومع ذلك نحن لم نكتفِ بهذا، وإنما أعدنا النظر في أحاديث الثقات، وهذه القواعد التي وضعوها وساروا عليها، وأصروا عليها، واصطلحوا عليها، وأجمعوا عليها، إنما كلها كانت لدراسة الإسناد ولدراسة المتن؛ ليصل إلينا في النهاية متن صحيح متى اطمأننا إلى صحته وجب علينا العمل به.
فإذن، حين يضع المحدثون أحاديث الثقات تحت المِجهر فإنما ذلك لكي يفحصوا المتن.
أيضًا كل أنواع العلل تحتاج إلى جمع الطرق، وإلى جمع الروايات لا يستطيع أحد أن يتكلم في العلة إذا جمع الأسانيد ولم يجمع المتون، والعكس أيضًا صحيح؛ لكي تتكلم في العلل لا بد من جمع الأسانيد والمتون معًا؛ حتى يسلم
стр. 309
لك الإسناد، فتنتهي في النهاية إلى أنّ الحديث صحيح -كما ذكرنا قبلًا- لكن كون الحديث لكي نتكلم في علله، لا بد من جمع الطرق وجمع الروايات الاثنان معًا، والعلماء يقولون: الحديث إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه. ويقولون: كنا نجمع الحديث من ستين طريقًا، ومن ثلاثين طريقًا.
وهذه الأرقام الكبيرة التي نسمعها عن حفظ علمائنا الكبار مثل الإمام أحمد والبخاري ومسلم، ومَن على شاكلتهم من تلك الألوف المؤلفة للأحاديث، إنّما هي حفظ للأحاديث بطرقها بأسانيدها ومتونها، المتن ورد من عدة طرق سواء عن صحابي واحد، أو من عدة طرق عن كل صحابي، كل ذلك لا بُدّ أن يُجمع لكي أتكلم في علة الحديث، بل أيضًا يقولون: "الذي يقول إنه لا يخطئ فإنه كذاب".
هذه من القواعد المقررة عند المحدثين، يعني: لا أحد يكابر في الخطأ أبدًا؛ لأنه لا يوجد بشر الذي لم يخطئ، ولذلك أعادوا النظر مرة ثانية في أحاديث الثقات ليفتشوا فيها؛ حتى نطمئن تمامًا إلى سلامة الإسناد، وسلامة المتن معه.
هناك بالإضافة إلى ذلك بعض القواعد التي وضعها المحدثون لدراسة المتن، مثلًا عرض روايات الحديث الواحد بعضها على بعض، هذا من القواعد التي وضعها العلماء، نجمع الحديث الواحد بكل طرقه وبكل ألفاظه؛ لنقف هل هناك إضراب في المتن؟ هل هناك قلب أو اضطراب أو تصحيف أو تحريف؟ هل هناك زيادة؟ يعني: زادها بعض الثقات، وهل هي صحيحة ولا وهن فيها؟ كل نوع من الذي أقوله الآن المحدثون خصصه لهم مبحثًا من المباحث الخاصة به في مصطلح الحديث.
أيضًا هناك مؤلفات عني أصحابها مثل ابن قتيبة والطحاوي وغيرهم في الجمع بين الأحاديث التي يبدو في ظاهرها التعارض، وإذ هي في معظمها متعلقة بالمتون، متن يتعارض مع متن؛ مثل قول: ((لا عدوى ولا طيرة)) ومثل قوله:
стр. 310
((فِر من المجذوم فرارك من الأسد)) هذا نظر في المتن الأحاديث صحيحة هل هذه أحاديث متعارضة، أو يُمكن دَفْعُ التّعَارُض بَيْنَها؟ المثال الذي ذكرته دفع التعارض واضح فيه: ((لا عدوى)) أي: لا عدوى مؤثرة بذاتها. نفَي العدوى هنا؛ ليُبين نفي إنها مؤثرة بذاتها، إنما الفاعل لكل شيء على حقيقة هو الله تعالى.
وفي نفس الوقت خذ بالأسباب، ولا تختلط بالمريض؛ حتى لا تتأثر عقيدتك في نهاية الأمر، وتقول: إن اخْتِلاطك كان سبب نقل المرض، ولذلك لما اشتكى الصحابي من الإبل التي أصابها الجرب النبي ﷺ قال: ((فمَن أعدى الأول؟)) يعني: إذا قلنا: إن العدوى هي السبب، فمن أين الناقة الأولى أو الجمل الأول من أين أتاه المرض؟
إذًا هذا أيضًا من القواعد التي وضعوها، أن يَنْظُروا في الأحاديث التي يبدو في ظاهرها التعارض؛ ليَجْمَعُوا بينها أولًا، ولهم مناهج فيها، القَولُ بالجمع أولًا، أو بالنسخ أو بالترجيح تفصيلات كثيرة؛ لكن القاعدة هنا أننا نجمع الأحاديث المتعارضة، ثم نحاول أن نجمع بينها أو نوفق لكن كلامنا هنا بسبب أن هذا من النظر في المتن.
أيضًا هناك عرض متن الحديث على ما يتعلق به من الوقائع والحقائق التاريخية، المتفق على ثبوتها؛ قصة مشهورة وقعت في زمن الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- الذي توفي سنة أربعمائة ثلاثة وستون هجريًا: اليهود جاءوا بكتاب قالوا فيه: "إنّ النبي ﷺ رفع الجزية عن يهود خيبر" وجواب مختومٌ بخاتم النبي ﷺ وقالوا: ومكتوب فيه كتبه معاوية بن أبي سفيان وشهد عليه سعد بن معاذ.
ماذا يفعل وهذا حكم شرعي، هل نرفع الجزية عنهم أو لا نرفع، فمن الذي يفصل في الأمر؟ أحدُ كِبَار عُلماء الحديث جاء الخطيب البغدادي نظر في الخِطاب؛ فقال: يا أمير المؤمنين، هذا كتاب مزور. -هذا محل للشاهد نظر في المتن في ضوء القواعد التاريخية والوقائع المتصلة به، قال: يهود خيبر خيبر فتحت في صفر
стр. 311
سنة سبعة من الهجرة، لم تكن الجزية قد فرضت بعد. إذًا هو تاريخيًّا علم أن الجزية لم تفرض إلا بعد غزة مؤتة سنة تسعة في آيات التوبة وهي من آخر ما نزل: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: ٢٩).
ثم دليل آخر: أن معاوية بن أبي سفيان ﵁ لم يكن قد أسلم أيام خيبر، أيام خيبر سنة سبعة وهو أسلم في سنة ثمانية، هذا دليل آخر على البطلان.
أيضًا سعد بن معاذ الذين قالوا: إنه شهد على الكتاب مات بعد الأحزاب هو جرح في غزوة الأحزاب، وعاش بعدها بأيام قلائل وهو الذي حكم على يهود بني قريضة بالحُكم الذي قال عنه الرسول ﷺ : ((لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات يا سعد)).
إذن هذه وقائع نظر في المتن من خلالها وبالاستناد إليها؛ فثبت تزوير الكتاب وسعد به جدًّا الخليفة أمير المؤمنين بهذا التوفيق الذي حباه الله به.
أيضًا مُخالفة الحديث للأصول والقواعد الشرعية المقررة؛ هذا من القواعد التي وضوعها للنظر بالمتن. ومما يعرف به الحديث الموضوع ركاكة اللفظ أو ركاكة المعنى.
الضوابط التي وضعها ابن القيم لمعرفة كون الحديث موضوعًا
والآن ننتقل إلى ابن القيم -رحمه الله تعالى- وله كتاب في هذا اسمه (المنار المنيف في الصحيح والضعيف) وحققه فضيلة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ﵀ وكان قد طُرح على ابن القيم سؤال: هل يمكن النظر في الحديث والحكم عليه بدون الرجوع لإسناده، وبدون معرفة أحوال الإسناد؟ نلاحظ أن هذا السؤال يتعلق بالمتن، ابن القيم قال: هذا سؤال عظيم القدر، وإنما يعلم ذلك من تضلع في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله ﷺ -
стр. 312
وهديه فيما يأمر به وينهي عنه، ويخبر عنه ويدعو إليه، ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة، بحيث كأنه مخالط للرسول ﷺ كواحد من أصحابه.
روى جعفر بن جسر عن أبيه، عن ثابت، عن أنس يرفعه: "من قال: سبحان الله وبحمده غرس الله له ألف ألف نخلة في الجنة، أصلها من ذهب". قال: وجعفر هذا هو جعفر بن جسر بن فرقد أبو سليمان القصاب البصري، قال ابن علي: أحاديثه مناكير. وقال الأزدي: يتكلمون فيه إلى آخر ما ذكر نبين العلة.
الضوابط التي وضعها ابن القيم:
يقول: ونحن ننبه على أمور كلية، يُعرف بها كون الحديث موضوعًا، منها: اشتماله على أمثال هذه المجازفات التي لا يقول مثلها الرسول ﷺ وهي كثيرة جدًّا كقولهم: في الحديث المكذوب: "من قال لا إله إلا الله خلق الله من تلك الكلمة طائرًا له سبعون ألف لسان؛ لكل لسان سبعون ألف لغة، يستغفرون الله له". إلخ
يقول: وأمثال هذه المجازفات البالغة، التي لا يخلو حال واضعها من أحد أمرين: إما أن يكون في غاية الجهل والحُمق، وإما أن يكون زنديقًا قصد التنقيص بالرسول ﷺ بإضافة مثل هذه الكلمات إليه، كلمات تكتب بماء الذهب، الذي يقع في هذا إما إنه في غاية الجهل، لا يعرف بلاغة الكلم وفصاحته وقدره ومنزلته، وإما أن يكون زنديقًا يقصد الإساءة لمن سبق.
أيضًا: تكذيب الحس له: الحس والواقع مثل: "الباذنجان لما أكل له"، "الباذنجان شفاء من كل داء". يقول ابن القيم: قَبّحَ اللهُ وضاعوها؛ فإن هذا لو قاله يحنس أمهر الأطباء لسخر الناس منه، ولو أكل الباذنجان للحمى والسوداء الغالبة، وكثير من الأمراض لم يزيدها إلى شدة. ولو أكله فقير ليستغني يعني لن يغتني بأكل الباذنجان، ولو أكله جاهل ليتعلم لن يفيده العلم.
стр. 313
"إذا عطس الرجل عند الحديث فهو غير صدق" إلخ. "عليكم بالعدس".
منها: "سماجة الحديث وكونه مما يسخر منه" ويذكر أدلة: "لو كان الأرز رجلًا لكان حليمًا، لو أكله جائع لأشبعه" فهذا من السمج البارد الذي يُصان عنه كلام العقلاء فضلًا عن كلام سيد الأنبياء، وحديث: "الجود دواء والجبن داء" إلخ. "لو يعلم الناس ما في الحوت لاشتروا ما بوزنها ذهبًا" إلى آخر ما يضربه أمثلة. يسميها: "سماجة الحديث".
أيضًا من القواعد: "مناقضة الحديث بما جاءت به السنة الصريحة مناقضةً بينةً" مثل حديث: "مَن اسمه أحمد أو محمد، وأن كل من يتسمى بهذه الأسماء لا يدخل النار" أو يُسمى بهذه الأسماء لا يدخل النار". يقول ابن القيم: هذا مناقض لما هو معلوم من دينه ﷺ أن النّار لا يُجار منها بالأسماء والألقاب، وإنما النجاة منها بالأعمال الصالحة وبالإيمان.
أيضًا من العلامات: أن يُدّعَى على النبي ﷺ أنه فعل أمرًا ظاهرًا بمحضر من الصحابة كلهم، وأنهم اتفقوا على كتمانه ولم ينقلوه. كما يزعم أكذب الطوائف: "أنه ﷺ أخذ بيد علي بن أبي طالب ﵁ بمحضر من الصحابة كلهم وهم راجعون من حجة الوداع؛ فأقامه بينهم حتى عرفه الجميع، ثم قال: "هذا وصيي وأخي والخليفة من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوه". ثم اتفق الكل على كتمان ذلك وتغييره ومخالفته. فلعنة الله على الكاذبين.
وكرواية: "أنّ الشمس رُدّت لعلي بعد العصر" لكنّ القاعدة هنا أن يدعى ﷺ أنه فعل أمرًا ظاهرًا بمحضر الصحابة.
ومنها أيضًا: "أن يكون الحديث باطلًا في نفسه" فيدلُّ بُطلَانُه أنه ليس من كلام النبي ﷺ مثل المِجَرّة التي في السماء من عرق الأفعى التي تحت العرش". و: "إذا غضب الله أنزل الوحي بالفارسية، وإذا رضي أنزله بالعربية" إلخ هذه كلها كلمات سمجة.
стр. 314
أيضًا منها: "أن يكون كلامه لا يشبه كلام الأنبياء" يعني: ركيك في المعنى أو ركيك في اللفظ، فضلًا عن كلام الرسول ﷺ الذي هو وحي من يوحى مثلًا: "ثلاثة تزيد في البصر النظر إلى الخضرة، والماء الجاري، والوجه الحسن". وهذا الكلام مما ينزه عنه أبو هريرة وابن عباس؛ لأنهم ينسبون الوقت إليهم، بل سعيد بن المسيب والحسن، وأحمد ومالك ﵏ يعني: هؤلاء لا يقولون هذا الكلام. هل يجوز النظر إلى الوجه الحسن؟! خصوصًا إذا كان امرأة، يعني لكي تزيد في البصر هل النبي ﷺ يقول هذا الكلام؟!
وحديث: "النظر إلى الوجه الحسن يجلي البصر"، و"عليكم بالوجوه الملاح والحدق السود، فإن الله يستحي أن يعذب مليحًا بالنار". يقول: فلعنة الله على واضعه الخبيث.
وحديث: "النظر إلى الوجه الجميل عبادة". "إن الله طهر قوم من الذنوب بالصلعة في رءوسهم، وإن علي لأولهم". يعني: هذا كلام لا يجوز أبدًا،
من العلامات الضابطة لنقد المتن: "أنْ يَكُون في الحديث تاريخ" مثل قوله: "إذا وقعت سنة كذا كذا إلى آخره هذا أيضًا؛ "إذا انكسف القمر في محرم كان الغلاء، والقتال وشغل السلطان كذا كذا" كلها كذب مفترى كما يقول ابن القيم.
منها: "أن يكون الحديث بوصف الأطباء والطرقية أشبه وأنيق" كحديث: "الهريسة تشد الظهر" أن "أكل السمك يوهن الجسد". إلى آخره.
منها أيضًا: أحاديث العقل كلها كذب "لما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل" ثم إلى آخره. الأحاديث التي يُذكر فيها الخضر وحياته، كلها كذب وأنّ الخَضِر حيٌّ الآن، ولا يصح في حياته حديث واحد، مثل حديث: "إن رسول الله ﷺ كان في المسجد؛ فسمع كلامًا من ورائه فذهبوا ينظرون، فإذا هو الخضر". وساق ابن
стр. 315
القيم أدلة كثيرة على تعارض هذا الحديث مع القرآن الكريم ومع السنة المطهرة، وحتى مع المعقول بين أن هذا الحديث يُصادم العقول من وجوه عشرة.
كلامه طيب جدًّا في هذا.
أيضًا يقول: أن يكون الحديث مما تكون الشواهد الصحيحة على بطلانه.
يقول أيضًا: مُخالفة الحديث بصريح القرآن؛ كحديث: "مقدار الدُّنيا، وأنها سبعة آلاف سنة، ونحن في الألف السابعة". إلى آخره كل ذلك الذي يهمنا هنا أن هذه كلها ضوابط للمتن، تضحد دحضًا شديدًا مُهلكًا فِرية أن المحدثين لم يعتنوا بالمتن، بل اعتنوا بالمتن، ووضعوا هذه القواعد.
أختم بالذي قاله ابن الجوزي: "إذا وجدت الحديث يُباين المنقول، ويُخالف المعقول، ويُصادم الأصول؛ فاعلم أنه موضوع". هذه الضوابط الثلاثة تكتب بماء الذهب إذا وجدت الحديث يباين المنقول يعني: المنقول من القرآن والسنة يُباينه مباينة تامة، بحيث لا يمكن الجمع، ويُصادم العُقول: العقول السليمة والفِطر النّقية، التي لم تتلوث بالمستشرقين ولا بغيرهم.
و"يصادم الأصول" أي: يصادم قواعد الشرع العامة، حديث يدعو إلى الشدة، ليخالف فرائض الإسلام ... إلى آخره. كل هذه دلالة على وضع الحديث، غايةُ ما في الأمر أن الذي ينظر في المتن ليقول: إن هذا حديث مخالف للأصول، أو مباين للعقول أو مصادم لكذا، إنما هو عقل مسلم حريص مخلص، حريص على سنة النبي ﷺ لا ينظر عقل لم يقرأ في الإسلام شيئًا، وإنما كل ما قرأه إنما قرأه على يد أعداء الإسلام، ثم يأتي لينظر في الحديث، ويقول: هذا يصادم كذا أو هذا يصادم كذا، هذا لا يجوز أبدًا.
لكن الغرض كان هو إثبات أن المتن لقي عناية فائقة جدًّا من المحدثين كعنايتهم بالإسناد، بل إن العناية بالإسناد كانت لخدمة المتن.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 316
الدرس: ١٨ الاستشراق ومنهجه وموقفه من السنة المطهرة .
стр. 317
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثامن عشر
الاستشراق ومنهجه وموقفه من السنة المطهرة
تعريف الاستشراق ومنطلقه، وأغراضه الأساسية في الدراسة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فبعون من الله ﵎ وتوفيقه نتكلم عن الاستشراق وموقفه من السنة المطهرة، وعن المنهج الذي اتبعه المستشرقون في الدراسة، كمقدمة لدراسة شبهاتهم التي أثاروها حول السنة.
معنى الاستشراق:
الاستشراق كما نقول في لغتنا العربية: الألف والسين والتاء للطلب، إذا قلتُ: أستغفر الله، يعني: أطلب من الله تعالى المغفرة، إذن المادة فيها معنى الطلب.
"شرق" جاءت من شرقت الشمس؛ أي: طلعت، والمقصود بها أيضًا الجهة الشرق، فنقول مثلًا: شتان ما بين مشرق ومغرب، فمادة شرق إذا أطلقت تُطلق على الجهة التي تُشرق منها الشمس، عندي جهة وهي الشرق وعندي ألف وسين والتاء للطلب، فالاستشراق يعني: معناها طلب دراسة ما يتعلق بالشرق، بِناءً على أن الألف والسين والتاء للطلب، فيكون "المستشرِق" بكسر الراء: اسم فاعل مِن استشرق، أي: الذي طلب دراسة ما يتصل بالشرق، هذه مناقشة لُغوية ندخل منها إلى معنى الاستشراق اصطلاحًا كما عرّفته كثير من المصادر: هو علم الشرق أو علم العالم الشرقي.
الغربيون انكبوا على دراسة العالَم الشرقي بكل تفاصيله، دراسة الشعوب وتاريخهم وأديانهم ولغاتهم، وأوضاعهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحضارتهم، وكل ما يتعلق بهم.
العالم الغربي يدرس العالم الشرقي، أين يقع العالم الإسلامي؟ العالم الإسلامي يقع في شرق الكرة الأرضية، والعالم الغربي يقع في غربها. إذًا علماء الغرب اتجهوا لدراسة الشرق بكل التفاصيل التي أشرت إليها؛ التاري،
стр. 318
خ العادات، اللغات، الأديان، الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية، السياسة، الحضارة، إذًا أهل الغرب يدرسون أهل الشرق، ثم حُصر معنى الاستشراق في دراسة الإسلام والشعوب الإسلامية.
العالم الشرقي جغرافيًّا يشمل حتى اليابان والصين شرق الكرة الأرضية، في الغرب، إذن الدراسة تشمل كل هذا، لكنها في النهاية انحصرت لدراسة الإسلام والشعوب الإسلامية، لماذا؟
ما دام الاستشراق في النهاية استقر على دراسة أحوال المسلمين فقط ودراسة الإسلام ذاته كدين بكل تفاصيله، كان ذلك لخدمة أمرين: لخدمة أغراض التبشير، ولخدمة أغراض الاستعمار الغربي لبلاد المسلمين، فالاستشراق قام بإعداد الدراسات اللازمة لمحاربة الإسلام، وتحطيم الأمة الإسلامية، يعني: هذه الدراسة الاستشراقية لم تكن للعلم أو لمعرفة أحوال هذه الشعوب؛ لكي يتفاعلوا معها أو يتعاونوا معها ويستفيدوا بطيبها ويتوقوا خبيثها مثلًا، ويتبادلوا المنافع فيما بينهم، إنما كانت لغرضين؛ أغراض التبشير التي تعني ردّ المسلمين عن دينهم، وأغراض الاستعمار الذي يعني السيطرة على بلاد ومُقدّرات المسلمين؛ الاحتلال العسكري والاقتصادي والسياسي كما نعلم جميعًا.
هذا الكلام الذي أقوله لم آتِ به من عند نفسي، كل الذين تكلموا في الاستشراق مثلًا كِتاب (أجنحة المكر الثلاثة) للأستاذ عبد الرحمن الميداني (الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري) للدكتور محمود زقزوق، (المستشرقون والتاريخ الإسلامي)، (رؤية إسلامية للاستشراق) للدكتور أحمد غراب، كثير من الكتب قالت هذا الكلام.
стр. 319
هذا الاصطلاح الذي اصطلح عليه في تعريف الاستشراق استقر عليه القول عند أهل العلم والمتخصصين في هذا الأمر، وهو بعد أن كان الأمر يقوم على دراسة الشرق كله، حُصر الأمر في دراسة الإسلام والشعوب الإسلامية، وكما قلنا الغرض من هذه الدراسة:
١ - خدمة أغراض التبشير.
٢ - خدمة أغراض الاستعمار.
٣ - إعداد الدراسات اللازمة لمحاربة الإسلام.
هذه الدراسات كانت ليقدموها إلى العسكريين وإلى السياسيين، كيف تتوغلون في الأمة الإسلامية؟ يدرسون عادات الشعوب وأخلاقها وتقاليدها .. إلخ لكي يجدوا سبلًا ينفذون من خلالها للسيطرة بمعنى الاستعمار، وللتبشير الذي يعني محاولة إخراج المسلمين عن دينهم.
الدراسات التي قام بها المستشرقون بهذا الهدف، يدرسون المنافذ التي تؤدي بهم إلى ذلك.
إذن، عرفنا الاستشراق وأغراضه والهدف من دراسته، مَن هو المستشرق إذن؟
المستشرقون هم الذين يقومون بهذه الدراسات من غير الشرقيين، المستشرقون جهة علمية في المقام الأول، يقومون بهذه الدراسات من غير الشرقيين، يعني هم من أبناء الغرب، ويقدمون هذه الدراسات -كما قلنا- للمبشرين وللقائمين على قيادة الدوائر الاستعمارية؛ لكي يستفيدوا بتلك الدراسات في تحقيق أغراضهم، التي يبحثون عنها للأمة الإسلامية، من الاستيلاء على المصادر الاقتصادية والسياسية، من محاولة توهين عقيدة الأمة الدينية، من صرف الأمة عن الجهاد
стр. 320
والعلو العلمي؛ لتظل ضعيفة إلى آخر ما يرصدونه من أغراض وأهداف، وهم دائمًا يدرسون ويجددون أهدافهم ويعقدون المؤتمرات لبيان ما تحقق من أهدافهم، وما الذي لم يتحقق، والذي لم يتحقق لماذا لم يتحقق؟ وما هي العوائق؟
في الحقيقة، لا بد أن نقر بنفسهم العلمي المستمر في ذلك، وتعاقب الأجيال على هذا وتعاونهم مع بعضهم، بل ربما أحيانًا يوظفون بعض أبناء الشرق الذين تأثّروا بمناهجهم أو بفكرهم ليقوموا بهذه الدراسات وليعاونوهم فيها، لكن الأصل أن هذه الدراسات يقوم بها الغربيون.
إذن، هذا الاستشراق دوره خطير، لماذا؟ لأنه هو الذي صاغ التصورات الغربية عن الإسلام وأهله لكل أبناء الغرب، من سياسيين ومن اقتصاديين، بل للعوام، اليوم مثلًا وقبل اليوم كيف يتلقى أبناء الغرب المعلومات عن الإسلام المشوشة، الذي يتهمونه بالاضطراب أو بالإرهاب أو ما شاكل ذلك أو التخلف، يستمدون هذه المعلومات من دراسة المستشرقين، إذًا هذا الاستشراق دوره خطير؛ لأنه يقع في المقدمة من هذه الجيوش الغربية المتقدمة الأغراض السياسية والعسكرية، هو الذي يقدم لهم التصورات عن الإسلام، ويقدم لهم الدراسات، ويحدد لهم السبل التي يتسللون من خلالها للنيل من أمة الإسلام.
يعني نقول: الاستشراق له أكبر الأثر في التصور العام عن الإسلام، الذي استمد الغرب المعلومات عن الإسلام من خلاله بناء على هذه الدراسات الاستشراقية، وفي الحقيقة هذا وجه الخطورة في جانب الاستشراق؛ ولذلك لأن الهدف كما قلنا الإسلام ونحن يشهد الله لا نفتري عليهم بل نستعين بكتب المتخصصين في هذا، كان هجومهم أيضًا على عقيدة الإسلام وهجومهم على السنة النبوية التي هي محل دراستنا والتي سنتكلم عن موقفهم منها، المستشرقون لماذا يهتمون
следующие страницы →