Полный текст (394 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
الدرس: ١٨ الاستشراق ومنهجه وموقفه من السنة المطهرة .
стр. 317
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثامن عشر
الاستشراق ومنهجه وموقفه من السنة المطهرة
تعريف الاستشراق ومنطلقه، وأغراضه الأساسية في الدراسة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فبعون من الله ﵎ وتوفيقه نتكلم عن الاستشراق وموقفه من السنة المطهرة، وعن المنهج الذي اتبعه المستشرقون في الدراسة، كمقدمة لدراسة شبهاتهم التي أثاروها حول السنة.
معنى الاستشراق:
الاستشراق كما نقول في لغتنا العربية: الألف والسين والتاء للطلب، إذا قلتُ: أستغفر الله، يعني: أطلب من الله تعالى المغفرة، إذن المادة فيها معنى الطلب.
"شرق" جاءت من شرقت الشمس؛ أي: طلعت، والمقصود بها أيضًا الجهة الشرق، فنقول مثلًا: شتان ما بين مشرق ومغرب، فمادة شرق إذا أطلقت تُطلق على الجهة التي تُشرق منها الشمس، عندي جهة وهي الشرق وعندي ألف وسين والتاء للطلب، فالاستشراق يعني: معناها طلب دراسة ما يتعلق بالشرق، بِناءً على أن الألف والسين والتاء للطلب، فيكون "المستشرِق" بكسر الراء: اسم فاعل مِن استشرق، أي: الذي طلب دراسة ما يتصل بالشرق، هذه مناقشة لُغوية ندخل منها إلى معنى الاستشراق اصطلاحًا كما عرّفته كثير من المصادر: هو علم الشرق أو علم العالم الشرقي.
الغربيون انكبوا على دراسة العالَم الشرقي بكل تفاصيله، دراسة الشعوب وتاريخهم وأديانهم ولغاتهم، وأوضاعهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحضارتهم، وكل ما يتعلق بهم.
العالم الغربي يدرس العالم الشرقي، أين يقع العالم الإسلامي؟ العالم الإسلامي يقع في شرق الكرة الأرضية، والعالم الغربي يقع في غربها. إذًا علماء الغرب اتجهوا لدراسة الشرق بكل التفاصيل التي أشرت إليها؛ التاري،
стр. 318
خ العادات، اللغات، الأديان، الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية، السياسة، الحضارة، إذًا أهل الغرب يدرسون أهل الشرق، ثم حُصر معنى الاستشراق في دراسة الإسلام والشعوب الإسلامية.
العالم الشرقي جغرافيًّا يشمل حتى اليابان والصين شرق الكرة الأرضية، في الغرب، إذن الدراسة تشمل كل هذا، لكنها في النهاية انحصرت لدراسة الإسلام والشعوب الإسلامية، لماذا؟
ما دام الاستشراق في النهاية استقر على دراسة أحوال المسلمين فقط ودراسة الإسلام ذاته كدين بكل تفاصيله، كان ذلك لخدمة أمرين: لخدمة أغراض التبشير، ولخدمة أغراض الاستعمار الغربي لبلاد المسلمين، فالاستشراق قام بإعداد الدراسات اللازمة لمحاربة الإسلام، وتحطيم الأمة الإسلامية، يعني: هذه الدراسة الاستشراقية لم تكن للعلم أو لمعرفة أحوال هذه الشعوب؛ لكي يتفاعلوا معها أو يتعاونوا معها ويستفيدوا بطيبها ويتوقوا خبيثها مثلًا، ويتبادلوا المنافع فيما بينهم، إنما كانت لغرضين؛ أغراض التبشير التي تعني ردّ المسلمين عن دينهم، وأغراض الاستعمار الذي يعني السيطرة على بلاد ومُقدّرات المسلمين؛ الاحتلال العسكري والاقتصادي والسياسي كما نعلم جميعًا.
هذا الكلام الذي أقوله لم آتِ به من عند نفسي، كل الذين تكلموا في الاستشراق مثلًا كِتاب (أجنحة المكر الثلاثة) للأستاذ عبد الرحمن الميداني (الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري) للدكتور محمود زقزوق، (المستشرقون والتاريخ الإسلامي)، (رؤية إسلامية للاستشراق) للدكتور أحمد غراب، كثير من الكتب قالت هذا الكلام.
стр. 319
هذا الاصطلاح الذي اصطلح عليه في تعريف الاستشراق استقر عليه القول عند أهل العلم والمتخصصين في هذا الأمر، وهو بعد أن كان الأمر يقوم على دراسة الشرق كله، حُصر الأمر في دراسة الإسلام والشعوب الإسلامية، وكما قلنا الغرض من هذه الدراسة:
١ - خدمة أغراض التبشير.
٢ - خدمة أغراض الاستعمار.
٣ - إعداد الدراسات اللازمة لمحاربة الإسلام.
هذه الدراسات كانت ليقدموها إلى العسكريين وإلى السياسيين، كيف تتوغلون في الأمة الإسلامية؟ يدرسون عادات الشعوب وأخلاقها وتقاليدها .. إلخ لكي يجدوا سبلًا ينفذون من خلالها للسيطرة بمعنى الاستعمار، وللتبشير الذي يعني محاولة إخراج المسلمين عن دينهم.
الدراسات التي قام بها المستشرقون بهذا الهدف، يدرسون المنافذ التي تؤدي بهم إلى ذلك.
إذن، عرفنا الاستشراق وأغراضه والهدف من دراسته، مَن هو المستشرق إذن؟
المستشرقون هم الذين يقومون بهذه الدراسات من غير الشرقيين، المستشرقون جهة علمية في المقام الأول، يقومون بهذه الدراسات من غير الشرقيين، يعني هم من أبناء الغرب، ويقدمون هذه الدراسات -كما قلنا- للمبشرين وللقائمين على قيادة الدوائر الاستعمارية؛ لكي يستفيدوا بتلك الدراسات في تحقيق أغراضهم، التي يبحثون عنها للأمة الإسلامية، من الاستيلاء على المصادر الاقتصادية والسياسية، من محاولة توهين عقيدة الأمة الدينية، من صرف الأمة عن الجهاد
стр. 320
والعلو العلمي؛ لتظل ضعيفة إلى آخر ما يرصدونه من أغراض وأهداف، وهم دائمًا يدرسون ويجددون أهدافهم ويعقدون المؤتمرات لبيان ما تحقق من أهدافهم، وما الذي لم يتحقق، والذي لم يتحقق لماذا لم يتحقق؟ وما هي العوائق؟
في الحقيقة، لا بد أن نقر بنفسهم العلمي المستمر في ذلك، وتعاقب الأجيال على هذا وتعاونهم مع بعضهم، بل ربما أحيانًا يوظفون بعض أبناء الشرق الذين تأثّروا بمناهجهم أو بفكرهم ليقوموا بهذه الدراسات وليعاونوهم فيها، لكن الأصل أن هذه الدراسات يقوم بها الغربيون.
إذن، هذا الاستشراق دوره خطير، لماذا؟ لأنه هو الذي صاغ التصورات الغربية عن الإسلام وأهله لكل أبناء الغرب، من سياسيين ومن اقتصاديين، بل للعوام، اليوم مثلًا وقبل اليوم كيف يتلقى أبناء الغرب المعلومات عن الإسلام المشوشة، الذي يتهمونه بالاضطراب أو بالإرهاب أو ما شاكل ذلك أو التخلف، يستمدون هذه المعلومات من دراسة المستشرقين، إذًا هذا الاستشراق دوره خطير؛ لأنه يقع في المقدمة من هذه الجيوش الغربية المتقدمة الأغراض السياسية والعسكرية، هو الذي يقدم لهم التصورات عن الإسلام، ويقدم لهم الدراسات، ويحدد لهم السبل التي يتسللون من خلالها للنيل من أمة الإسلام.
يعني نقول: الاستشراق له أكبر الأثر في التصور العام عن الإسلام، الذي استمد الغرب المعلومات عن الإسلام من خلاله بناء على هذه الدراسات الاستشراقية، وفي الحقيقة هذا وجه الخطورة في جانب الاستشراق؛ ولذلك لأن الهدف كما قلنا الإسلام ونحن يشهد الله لا نفتري عليهم بل نستعين بكتب المتخصصين في هذا، كان هجومهم أيضًا على عقيدة الإسلام وهجومهم على السنة النبوية التي هي محل دراستنا والتي سنتكلم عن موقفهم منها، المستشرقون لماذا يهتمون
стр. 321
بالسنة؟ السنة مصدر تشريع هام، وحياة المسلمين تتوقف على السنة، إذًا نفسد عليهم حياتهم بمحاولة اتهام السنة إلى آخره.
إذن الاستشراق يعبّر عن موقف فكري معادي للإسلام بكل أسف، لم ينطلق من أغراض طيبة معاوِنة للشرق أو بمحاولة فهمه أو بإحسان التعامل معه، إنما نبين أنه لخدمة التبشير والاستعمار والقضاء على الأمة الإسلامية.
وجه الخطورة فيه أنه انطلق من موقف معادٍ بادئ ذي بدء، لم ينطلق من موقف محايد -كما يزعمون- أو محاولة بحث عن حق، هو من الأصل انطلق من موقف معادٍ رافض للإسلام وأهله، وبالتالي أثار الاتهامات حتى من غير دراسة، ولهم مواقفهم -كما قلت- من كل أمور الإسلام، وبالضرورة دراستنا هنا ستقتصر على موقفهم من السنة، إنما أردنا فقط في الأول أن نبين المنطلق السياسي والفكري والعقدي الذي انطلقوا منه لمواجهة الإسلام كعدو -بكل أسف- وليس كقاسم مشترك يعيش معهم على الأرض، يشاركهم ملكية الأرض، ويشاركهم اقتصادها ومواردها إلى آخره.
هم انطلقوا من نظرة استعلائية استعمارية تبشيرية، فأساءوا سواء في التصرفات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وأيضًا في هذا المنطلق الخطير، أنا حينما أدرُسك من موقف معادي لك أنا أبحث عن المثالب بل أفتري المثالب، إنما لو كنت أدرسك لكي أتعاون معك ولكي أصاهرك مثلًا أو أشاركك في التجارة أو كذا، قطعًا فإن الدراسة ستختلف، وستبحث عن القواسم المشتركة التي تجمع بين الجميع؛ لكي نحسن التعامل مع بعضنا.
وبكل أسف، فإن المتهم في النهاية هم المسلمون، الذين يرفضون الآخر! نتعجب الحقيقة أنا دائمًا أعلل هذا بأن السبب هو ضعف المسلمين الذي أغرى بهم أعداءهم ويجعلون يتكوكبون عليهم من كل حدب وصوب، ولكي يجعلونا
стр. 322
دائمًا في موقف الدفاع، ويحصروننا في الدائرة الضيقة، هم يوجهون التهم وعلينا أن ندافع، يوجهون التهم إلى موقف الإسلام من المرأة موقف الإسلام من الميراث موقف كذا، وكما قلت: أنا أركز على دراستي للسنة.
إذن، انطلق من موقف عدائي للإسلام، يشهد الله أننا لا نفتعل معارك، إنما هذه هي الحقيقة، والله سجل ذلك في القرآن الكريم: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (البقرة: ١٠٥) وقوله تعالى أيضًا: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ @@ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (البقرة: ١٠٩).
إذن، القرآن يسجل موقفهم قديمًا وحديثًا، ومهما يكن من أمر فإنهم قد انطلقوا من هذه الروح العدائية التي اتجهوا بها ناحية الشرق، لغرض الاستعمار والتبشير، والسيطرة على الأمة الإسلامية، وإضعافها، أو القضاء عليها اقتصاديًّا وسياسيًّا ... إلى آخره.
منهج المستشرقين وقواعدهم الجائرة في دراسة الإسلام
بعد هذه اللمحة في تعريف الاستشراق ومنطلقه وأغراضه الأساسية في الدراسة، نتكلم الآن عن منهج المستشرقين في دراسة الإسلام، والمستشرقون لهم منهج على عكس ما يزيفون به وعلى عكس ما يخدعوننا به.
بكل أسف كثير منا خُدع بكلام المستشرقين، وكأنهم يسوقون الكلام في قوالب علمية أو في قواعد دقيقة! هم أبعد ما يكونون عن ذلك بالأدلة العملية الواقعية التي تؤكد هذا، هم يحاولون أن يلبسوا دراستهم أثواب الدراسة العلمية الدقيقة، يُكثرون جدًّا لدرجة المبالغة في كثير من الأحيان من استعمال مصطلحات
стр. 323
خادعة، مثل قولهم: التحقيق، الموضوعية، التدقيق، التمحيص، هو منهجهم في كل ما يبحثونه، يزعمون أن دراساتهم محايدة لا تفرق بين عدو أو صديق أو قريب أو بعيد، ويقولون: إنهم يعتمدون على المنهج التجريبي وعلى المنهج العلمي، وأنهم يدرسون العقائد الدينية على أسس، ووفقًا لقواعد مستمدة من العقل ومن المنطلق.
كل هذا زعم، وهذا كلام بعيد جدّا عن الحقيقة، لا توجد هناك أمانة علمية ولا ثوب علمي، ولا يمتون إلى ذلك بصلة، حتى من وُصف منهم بالإنصاف والدقة، ومحاولة إظهار الحياد، كثير من علمائنا الذين درسوا الاستشراق يقطعون بأنه لا يُوجد مستشرق محايد ولا نزيه، حتى مَن أصدر بعض الكلمات التي يُشعر ظاهرها بالإنصاف للإسلام ولنبي الإسلام، إنما هو دَسٌّ للسم في وسط العسل كما يقولون، للخداع، أنت حين تجد جملة يمدحون فيها النبي ﷺ أو القرآن تتصور أن القوم منصفون، فتقرأ كلامهم إلى نهايته، فيدسون السم في العسل، فينخدع بهم مَن لا رصيدَ من العلم والثقافة من ورائه، أو من يعتمد عليهم فقط، أو مَن يحسن النية بهم، ويصدقهم في دعاواهم من اتباع المناهج العلمية إلى آخره.
ملامح المنهج أو القواعد التي يحتكمون إليها ومدى بُعده عن الحقائق العلمية، وعن المناهج العلمية المتبعة عند كل العلماء في كل زمان.
هل تتصور أن هناك منهجًا علميًّا رصينًا ممن ينطلقون المنطلق الأساسي كان من موقف عدائي كما ذكرت قبل؟ الغرض نفسه من الاستشراق يدينهم، الغرض التبشير، الغرض استعمار البلاد الإسلامية، الغرض السيطرة على مقدّرات الإسلام، هل يصدق العقل أو المنطق أن مَن ينطلق من هذه الروح العدائية
стр. 324
سيكون حياديًّا في دراسته حتى وإن خدعنا أو حاول أن يزيّف علينا بإظهار أن بحثه يلبس الثوب العلمي، هذا لا ينخدع به إلا البسطاء، أما الحمد لله رب العالمين، علماؤنا الذين تصدوا لدراسة الاستشراق بينوا زيف هذا الكلام.
تحديد معالم منهجهم:
كثير من الباحثين لخص منهج المستشرقين في تناولهم للدراسات الإسلامية تلخيصًا حسنًا، نعتمد نحن عليه هنا، وذكرنا المصادر، وسنذكر أيضًا المصادر الأخرى لمن يريد أن يرجع إليها.
أول سمة من سماتهم يقبلون على دراسة النصوص بفكرة مسبّقة، ويقدِمون أيضًا على دراسة الإسلام بفكرة مسبقة، الإسلام متهم، هم يدرسون الإسلام المتهم؛ ليثبتوا أنه متهم فعلًا، فهو لا ينطلق من البحث عن الحقيقة، تخيّل أنا أعتقد أنك متهم بشيء ما، فدراستي ستقوم على البحث عن الأدلة التي تؤكد اتهامي، أنا لم أنطلق في دراستي من البحث عن الحقيقة، لا، أنت في نظري متهم بأنك القاتل مثلًا، كل دراستي ستتجه إلى إثبات أنك القاتل، هل أنا تجردت عن هذا الأمر وبحثت عن الحقيقة: من القاتل؟ لا، أنا عندي قناعة مسبّقة بأنك القاتل مثلًا، إذن كل دراساتي ستدور في هذا الإطار، هو نفس ما فعله المستشرقون؛ أقدموا على دراسة الإسلام بفكرة مسبقة، خلاصتها: أن الإسلام متّهم في تشريعاته وفي عقيدته، متهم في ظلمه للمرأة، وأقم الأدلة على ذلك، متهم أنه إرهاب يدعو للقتل وأقم الأدلة على ذلك، إلى آخر ما كُتب.
وهم يطبقون قاعدة: أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم، هم دائمًا يضعوننا في موقع الاتهام، وعلينا أن نثبت أننا غير متهمين، انظروا إلى هذه المعادلة العجيبة؛
стр. 325
كل هَم المسلمين أن يثبتوا أنهم غير متهمين، ونفي هذه التهمة هم نجحوا فيه، أنت إرهابي؛ لكي تثبت أنك لست إرهابيًّا اترك الجهاد. أنت لا تظلم المرأة، إذن شرّع قوانينَ تخالف شرع الله بالمساواة في الميراث وبالسماح بالتبرج، وما إلى ذلك، هذا الإصرار على الاتهام جعلنا في موقع المدافع دائمًا الذي لا يملك المبادرة، والأخطر من كل هذا أنه جعلنا لكي ننفي التهمة ونثبِت أن هذا الكلام غير صحيح، تجدنا في النهاية نترك بعض أمور ديننا، وفي النهاية هم لا يرضون بعد كل ذلك: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: ١٢٠).
إذن، أول خصيصة منهم أنهم أقبلوا على دراسة الإسلام بفكرة مسبقة، خلاصتها أن الإسلام متهم في كل جوانبه، وعليه أن يثبت العكس، واقتربوا من الإسلام لكي يؤكدوا هذا الفهم، وليس لكي يبحثوا عن الحقيقة؛ ولذلك أنا أقول: هم يقدمون نظرية غربية نحو الإسلام، وليس دراسة علمية، هم -كما قلت- حكموا على الإسلام أولًا، ثم راحوا يؤكدون هذا الحكم من خلال دراستهم، وهذا خلل في المنهج العلمي خطير، المفروض أنني أعرض رأيك كما هو من خلال مصادرك أو من أقوالك، ثم إذا بان لي أن هذا الرأي يحتاج إلى نقد أو إلى تصحيح أبيّن بالأدلة.
انظروا إلى الفرق، هذه من القواعد المقررة عند علمائنا؛ أنك إذا نقلت عن عالم خطأ فقد ظلمتَه، ومن الممكن أن تحاسَب على ذلك، ينبغي أن تنقل عن العالم بدقة رأيه وفهمه، إذا لم تفهمه لا تتعرض له، أما إذا فهمته وتحاول أن تشوّش عليه؛ فهذا ظلم بيّن، يبدأ الأمر من النبي ﷺ : ((مَن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار))، ويستمر الأمر في تحريم الكذب على كل الخلق، بأي صورة من الصور، ومن أبشع صور الكذب أن تنقل رأيه خطأً وأنت تعلم أنك مخطئ في نقل أو في تصوير هذا الرأي، إنما تفعل ذلك لكي تخدم أغراضك، فهم يُقبلون
стр. 326
على الدراسة للإسلام انطلاقًا من فكرة مسبقة، ثم يضعون المسلمين والإسلام في قفص الاتهام، وعليهم أن يثبتوا العكس.
من خصائصهم: أنهم يشرحون الإسلام، أو يقدمون الإسلام من وجهة نظرهم هم، وليس من خلال حقيقة الإسلام، أو من خلال فهم علماء الإسلام للإسلام، كما قلت: أي نظرية أنا أريد أن أنقد النظرية الشيوعية، عليّ أن أقدمها أولًا كما هي، ثم أبين مثالبها وعيوبها، أي نظرية! هم -كما قلت- يقدمون الإسلام من وجهة نظرهم، ثم بعد ذلك يحكمون عليه كما فهموه هم، وليس كما هو عند المسلمين، أو كما تعمدوا أن يشوّهوه في الحقيقة، هم أحيانًا يفهمونه على الوجه الصواب، لكنهم يحسدوننا، فيمنعون إظهار الحق، هذا التناول هذا المنطلق جعلهم -كما قلت- يقدمون الإسلام من وجهة نظرهم، وليس من وجهة نظر أبنائه، من خلال مصادره من خلال القرآن والسنة ومن خلال فهم علماء الأمة للقرآن والسنة، إنما فقط -كما قلت- من فهمهم.
ثالثًا: قطعوا النصوص من سياقها: حتى النصوص الإسلامية ممكن يستشهد بكتابات المسلمين: الإمام النووي في (شرح مسلم) ابن حجر وهذا منهج في منتهى الخطورة؛ هذه النصوص ممكن أن يؤولها أو أن يقطعها من سياقها؛ أن يؤولها بما يخدِم فِكرَه، ما معنى يقطعها من سياقها؟ يعني: الكلمة في وسط السياق لها مفهوم، لكنه يقطعها من وسط السياق؛ لتخدم فكرة عنده، سأضرب مثالًا من عمل أحد العلماء المسلمين الذي تأثر بالدراسات الاستشراقية، مع أن كتابه في السيرة كتاب طيب، لكن انظروا إلى بعض الصنيع، هو لم يعتمد في كتابه في السيرة على القرآن والسنة كمصادر، وقال: أنا اعتمدت على المنهج التجريبي والمنهج العلمي كما يقول المستشرقون تمامًا، لما عوتب: لماذا لم تعتمد على السنة الصحيحة والسيرة التي كتبها علماء المسلمين؟ حاول أن
стр. 327
يُدافع عن منهجه الذي اختاره، فكان مما قال: أنا لم أعتمد على السنة؛ لأن السنة في مصادرها حولها كلام، وتأخر تدوينها.
تلك الطنطنة التي يتشدقون بها في كل وقت وحين، وهي مردود عليها من أساسها، ولكي يؤكد هذا قال: نحن نعلم أن (صحيح مسلم) هو ثاني المصادر الإسلامية بعد (صحيح البخاري)، الإمام النووي في مقدمة شرحه لـ (صحيح مسلم) يقدم مجموعة من الفصول، من ضمنها أنه يرد على مَن ادّعوا أن مسلمًا روى عن بعض الضعفاء، يبين وجه الرواية هذه، فماذا قال النووي ﵀؟ وضع عنوانًا قال فيه: عاب عائبون مسلمًا لروايته عن الضعفاء.
هذا العنوان وضعه النووي لكي يرد عليه والجواب شرع في الجواب، فماذا فعل هذا العالم الذي يقولون: إنهم يتحلون بالمنهج العلمي وبالحياد إلى آخره، جاء بهذه الكلمة مبتورة من سياقها، وكأن النووي ﵀ يقر بأن هذا من العيوب التي وجهت لمسلم، يعني: هو جاء بها كإقرار من النووي ﵀ بأنه مع هذا العيب الذي وجهه العائبون لـ (صحيح مسلم) أنه روى عن الضعفاء، ها هو النووي يعترف بأن مسلمًا فيه رواية عن الضعفاء، مع أن النووي قد أتى بالكلمة؛ ليرد على هذه الفِرية من أساسها.
إذن، هم أقبلوا على دراسة النصوص بفكرة مسبّقة، هم قدّموا الإسلام من وجهة نظرهم، هم أوّلوا النصوص؛ بالنسبة للنصوص فعلوا فيها الأفاعيل، تخيروا النص الذي يخدم فكرهم، أولوه إن عاكسهم على غير وجهه، صرفوه عن غيره وجهه، على الوجه الذي يرضي أفهامهم، بتروه من سياقه -كما قلت- حرّفوا في بعض كلمه، كما سنثبت بالأدلة، هذه كلها مواقف من منهجهم العلمي، الذي يزعمون أنهم اتبعوا المناهج العلمية الدقيقة في دراسة الإسلام.
стр. 328
أيضًا، هم يحللون الإسلام من خلال الدراسات الأوربية الغربية، بمعنى: يعتمدون على ما قاله المستشرق الفلاني، على ما قاله المستشرق العلاني، ما خطورة هذا الأمر؟ حين تُقدم على دراسة الأمر؛ يعني: مثلًا أنا لو درستُ مجتمعًا يبيح أكل بعض المحرمات التي ليست عندنا، هم لا يؤمنون بالإسلام حتى يؤمنوا بهذا حرام، إنما ممكن أنقد لو كان فيه ضرر صحي مثلًا وما إلى ذلك، إنما كونه حرام يحتاج أولًا إلى إيمانهم بالإسلام، ماذا يقولون؟ أن تدرس الأمر بعقليتك أنت بوجهة نظرك أنت، هذا أمر خطير، من أسوأ المناهج العلميّة، لماذا؟
مجتمعك مثلًا لا يرى عيبًا في عري النساء وهناك مجتمع يرفضه انطلاقًا من شريعته، حين يدرس دارس من المجتمع الذي يبيح عُري النساء المجتمع الذي لا يبيحه، سيكون منتقدًا وعيبًا من وجهة نظره؛ لأنه حكّم عقليته ومنهجه هو في الدراسة، لم يقل مثلًا: إنه محرم عندهم ويحترم هذا التحريم، لا، إنما عابه عليهم، أنا أضرب مثالًا لخطورة الاعتماد على هذا المنهج، أن تدرسني بعقليتك أنت وليس بعقليتي أنا أو بقيمي أنا أو بمصادري الشرعية، تحكم عليّ من خلال ما تربيت عليه أنت، لا.
عري النساء عندهم ليس عيبًا، يرونه حرية شخصية، أن تكشف المرأة عن مساحات واسعة من جسدها، هذا ليس عيبًا! أن تصادق خليلًا ليس عيبًا! لكننا نرفضه، هذا الذي يقبل هذا الأمر حين يتكلم عن مجتمعنا مؤكّد سينتقدنا، بينما هو مجتمع أخلاقي مثلًا، يبحث عن العفة والطهارة، له مقاييسه التي يرجع إليها، وليست مقاييسي أنا، التي يحكم عليها، هذا في الحقيقة خلل علمي رهيب، لا يمكن محاكمة منهج على غير قواعده، ولا محاكمة عصر على غي
стр. 329
ر عصره، مثلًا واحد يقول: الخلفاء الراشدون لم يكن حكمهم ديمقراطيًّا؛ لأنه لم يكن عندهم مثلًا مجلس نيابي، هذه سفاهة، يقيسون الديمقراطية بمقاييسهم هم، وأن الخلفاء الراشدون ليسوا ديمقراطيين؛ لأنه لم يكن عندهم مجلس نيابي! ما هذا السفه؟! لا يمكن محاكمة عصر على مناهج عصر آخر، أو محاكمة مجتمع على قيم ومبادئ مجتمع آخر، أو على أشخاص وسلوكهم أو فهمهم ... إلى آخره.
هذا من الخلل في المناهج العلمية، والذين يزعمون أنهم يتبعون المناهج العلمية في الدراسة هم يخالفونها، فإذن أنت حين تحاكمني تحاكمني إلى قيمي ومبادئي، أضرب أمثلة من أجل أن أوضح خلل المنهج الذي احتكموا إليه: النبي ﷺ تزوج بنتًا صغيرة، هذه جريمة كبيرة!! مَن الذي قال؟ هل المجتمع كان يرفضها؟ هل انفرد النبي ﷺ بها؟ لذلك لم نجد واحدًا من المشركين العتاة في عدائهم للإسلام عابوا النبي ﷺ بذلك، وهم كانوا في خندق العداء للإسلام، لماذا؟ لأن الأمر كان مألوفًا عندهم.
أما أنت تأتي بعد أربعة عشر قرنًا وتحاكم الإسلام ونبي الإسلام وأخلاق الإسلام على قيمك أنت -على فسادها- وتزعم أن هذا هو الحق، ثم تثير الشبه وتخطئ في حق الآخرين، وتدعي أنك تتبع المناهج العلمية الرصينة، أي منهج علمي رصين وأي خداع فيها؟! الأمور واضحة، الخلفاء الراشدون كانت الرعية تخاطبهم على المنابر وهم على المنابر بكل ما يريدون، أعظم من الديمقراطية التي يزعمونها بكثير بكثير بكثير، وعندنا عشرات الأمثلة على هذا، لم يبرم أحدهم أمرًا بدون شورى، هذا لا ندخل فيه، إنما هذا مجرد أمثلة أضربها؛ لبيان خلل المنهج الذي اعتمدوا عليه في النقطة التي أتكلم فيها، وهو أنهم يدرسون الإسلام ويحللونه بعقليتهم الأوربية وبأخلاقهم، وبعرفهم الاجتماعي، ويحكمون على الإسلام من خلاله، وأبين أن هذا خلل علمي.
стр. 330
وصدقوني هذا كلام لا يستحق الرد عليه، ليس استعلاءً؛ لأنه خلل علمي، لكن ماذا نفعل! نجحوا في وضعنا في خانة المتهمين الذين عليهم أن يبرهنوا على نفي التهم التي يثيرونها مَن لا يفهموا الإسلام يومًا، أو من لا يتبعون المناهج العلمية.
أيضًا، من قواعدهم المختلة التي احتكموا إليها: اعتمادهم على كثير من الروايات الضعيفة والشاذة: الحقيقة، هذا أمر واضح جدًّا، وحين ننتقل إلى الشبه التي أثاروها، في الحقيقة سنضرب أمثلة لهذا كثيرة، إنما الآن نتكلم عن منهجهم في التعامل مع النصوص.
أيضًا، قلت: تحريف النصوص ونقلها نقلًا مبتورًا خارجًا عن سياقها ليخدم فكرتهم، وضربت مثالًا ما فعله بعضهم مع النووي، وكلامه -رحمه الله تعالى.
أيضًا جهل كثير منهم باللغة العربية، وفصاحتها، وبلاغتها، ودقتها، وعظمتها، وحملها لأوجه كثيرة، كان من بين الأسباب التي أوقعتهم في سوء الفهم، وقد انعكس ذلك على كتاباتهم عن الإسلام وأهله، وأنا حين أقول: ضعف اللغة كان سببًا في بعض أخطائهم، فإني والله أنصفهم، أنصفهم فعلًا؛ لأني أحاول أن أبحث عن أسباب علمية لبعض أخطائهم، مع أنه كان الممكن إذا لم يتقنوا اللغة ألا يتكلموا عنها، هذا منهج علمي، أو أن يستعينوا بالمتخصصين فيها، هذا الذي تقتضيه الدراسات العلمية الجادة.
أنا الآن مثلًا لا أجيد الإنجليزية، فلا أتكلم عنها، ولا أتكلم عن ثقافتها إلا إذا أتقنتها أو إذا استعنت بمتخصص فيها على مسئوليته ينقل لي ما أريد أن أنقله وما أريد أن أنقده، النبي ﷺ قال لزيد بن ثابت -انظروا إلى المنهج العلمي الدقيق-: ((تعلم لي لغة يهود؛ فإني لا آمنهم على كتابي))، ما دمت تريد أن ترد على لغة بلغة أهلها أتقنها، يقول زيد بن ثابت ﵁: "فحذقتها في خمسة عشر يومًا" يعني: وصل إلى قمة الإتقان والإجادة في خمسة عشر يومًا، هذه قضية أخرى، لكن انظروا إلى منهج ومنهج.
стр. 331
قبل أن يتكلموا عن المناهج العلمية الدقيقة لماذا لم يقل النبي ﷺ مثلًا: هاجم اليهود بلغتنا، وقل في شأنهم كذا، لا، إنما تريد أن تتكلم عنهم أتقن لغتهم، وافهمها على وجهها الصحيح، ثم بعد ذلك احتكم إليها أو تكلم عنها، فمن ضمن ما وقعوا فيه من أخطاء أنهم كان لديهم ضعف في اللغة العربية، بدل أن يعالجوه بإتقانها عالجوه بطريقة خطأ، ما هي؟ عالجوه بتحكيم فهمهم للغة على قواعد الشرع في الإسلام، أو على فهم المسلمين، لا، هو فهم من النص هذا، وفهمه هو الصواب، ويطرح فهم المسلمين ومصادرهم، ويريد أن يحتكم إلى ذلك.
أيضًا، يعتمدون على مصادر ليست معتمدة عند المسلمين في بعض المسائل، من البدهيات في هذا الأمر وفي المناهج العلمية، أن كل علم له مصادره المتعلقة به، أنا حين أريد أن أعرف رأي المذهب الشافعي ﵀ في مسائل، أرجع إلى كتب الشافعية، أريد أن أعرف كلمة في اللغة، أرجع إلى قواميس اللغة، أريد أن أرجع في الحديث إلى كتب الحديث وإلى أهل الحديث، يعني: إلى الكتب المتخصصة وإلى العلماء المتخصصين، هذا من المقاييس العلمية المتفق عليها عند العلماء، إنما مثلًا أتكلم عن حديث عند البخاري ومسلم أرجع إلى كتاب (الحيوان) للدميري مثلًا أو للجاحظ، أرجع إلى كتاب (ألف ليلة وليلة) أرجع إلى كتاب (الأغاني) ما هذا السفه؟ ما هذا الأمر؟
كثيرٌ جدًّا يقول: قال في الكذا، أين مصادر السنة المحترمة عندنا المجمع عليها؟ يعني كما قلت: لكل علم مصادره، أنا إذا أردت مسألة في الطب سأرجع إلى كتب الطب وإلى أهل الطب، وحتى حين أبحث عن المصادر أبحث عن المصادر العلمية المحترم الموثقة، وليست المصادر التي تخدم غرضي وهي ليست موثقة عند أهل الاختصاص المعتمَدين في هذا الأمر، هذا أمر مصطلح عليه في كل الدنيا وفي كل التخصصات.
كل فن من الفنون له أمران: علماء متخصصون فيه، وكتب متخصصة أُلِّفت فيه، حين أريد معلومات عن هذا الفن أرجع إلى الأمرين؛ إلى العلماء
стр. 332
المتخصصين فيه وإلى الكتب المتخصصة في هذا، أما أن أقرأ أنا وأفهم أنا، وأجعل فهمي هو الحاكم على قواعدهم، فهذا ما لم يقل به أحد أبدًا في الدنيا إلا المستشرقين الذين يحكمون مناهجهم في دراساتهم عن الإسلام، خصوصًا إذا انضم إلى هذا الخلل المنطلق الذي انطلقوا منه -كما قلت- وهو العداء للإسلام؛ لأن عداءهم للإسلام -بالإضافة إلى وجوه الخلل التي ذكرتها- جعله يبحث عن المصادر غير المعتمدة، جعله يبتر النصوص من سياقها.
وأيضًا من قواعدهم التركيز على الجوانب الخلافية في المسيرة الإسلامية، وبيان أن هذه هي مسيرة الإسلام: كأن الإسلام طوال حياته كان كذلك، مثلًا يقدمون ويبرزون الخلاف الذي حدث بين الصحابة، ويصورونه على أنه هذا هو تاريخ الإسلام، كل المسيرة الإسلامية كانت حروبًا وكانت خلافًا وكانت مشقة ... إلى آخره. ماذا تنتظر من شخص يكتب عن الإسلام بروح عدائية؟ هل سيبحث عن محاسن الإسلام؟ هل سيبحث عن المواقف العلمية الرصينة التي تؤكد عظمة الإسلام؟
لا، هي عين العدو اللدود، التي يبحث بها عن المثالب، وعن الأخطاء، وحتى يصطنع الخطأ اصطناعًا؛ يفسر القرآن وفقًا لهواه، أو يقرأ بعض الآيات الخطأ، ثم هو يروّج علينا أنه لا يخطئ، وأنه حيادي وأنه علمي، هذا الرصد الذي أقوله الآن إنما هو من خلال دراسات المتخصصين، لم أنقله من عند نفسي، تحريف الكلام عن مواضعه؛ يعني: حتى هم الذين ابتدعوا النظرية هذه في الإعلام نظرية "جوبلز": اكذب اكذب حتى تصدق نفسك، وحتى تخدع المتلقي عنك بأنك صادق، تكلم كثيرًا كثيرًا كثيرًا عن أن الإسلام أسقط حقوق المرأة، وعِدْ وزِدْ وكرِّرْ بمَلل وكذا، حتى تستقر القضية في وجدان المستمعين، وتصبح جزءًا من ثوابتهم؛ أن الإسلام ظلم المرأة.
стр. 333
وكلما دُعي أحدهم إلى نقاش أو إلى برنامج أو إلى كتاب، هو هذه قضيته، حتى من تلاميذهم من أبناء البلاد الإسلامية، هو يأتي إلى أي برنامج لإثبات هذه الحقيقة: أن الإسلام ظلم المرأة، ليس لبحث موقف الإسلام من المرأة مثلًا في ضوء الأدلة، إنما هو اقتنع كما قلت بالفكرة المسبقة.
أيضًا، الجانب الإيماني عندهم ضعيف جدًّا، فانعكس على دراستهم: قضية الأديان لا يبالون بها، بعضهم لا ديني، لا تهمهم قضية الأديان، هو يعيش في الدنيا يعمل ويكسب ويستمتع، أما جوانب الإيمان والجهاد والجنة والنار، البحث عن رضا الله تعالى وعن مغفرته، وعن الاستعداد للجنة، الخوف من الاستعداد ليوم الرحيل، كل هذا كلام في نظرهم كلام متخلف، كلام يفقد المرء الاستمتاع بالحياة، ويجعل الدنيا ظلامًا، ويجلس بجوار الحياة في انتظار الموت، كل كلام عن الآخرة وعن الاستعداد لها، وعن الجنة، هذا في نظره كلام عبث. فهو سلّط ابتعاده عن الدين على فكره، فرفض كل ما يعارض هذا الفكر.
وهذا في الحقيقة منهج نحن نفنده؛ لأنهم يزعمون أنهم يقولون إنهم أتباع منهج علمي، لا، القرآن حدثنا عن قوم لوط، ما موقفهم من لوط؟ ما دام قد رفض نجاستهم إذًا: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (الأعراف: ٨٢)، فجريمتهم التطهر، هو نفس المنهج، يحكّمون أخلاقهم ومبادئهم في الآخرين، ويريدون أن يقولوا إن هذا صواب وهذا خطأ، في ضوء ما يعتقدون وليس في ضوء الحقائق الثابتة.
هذه بعض الملامح العامة التي اتبعها المستشرقون في دراستهم الإسلام، وكما قلت كثير مَن تكلموا عن الاستشراق الدكتور مصطفى السباعي ﵀ في (السنة ومكانتها في التشريع) كثير من العلماء نقلنا بعض أقوالهم؛ لنبين أن هذا الخلل الذي اتبعوه علميًّا أدى إلى إثارة الشبهات حول السنة.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 334
الدرس: ١٩ رد شبهات المستشرقين ودفع افتراءاتهم تجاه السنة .
стр. 335
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع عشر
(رد شبهات المستشرقين ودفع افتراءاتهم تجاه السنة)
رد شبهة: أن الأحاديث وُضعت نتيجة لتطور المسلمين
الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فنتكلم عن بعض شبه المستشرقين تجاه السنة:
هناك شبه كثيرة أثارها المستشرقون تجاه السنة، ونقلها عنهم كثيرٌ من الذين تأثروا بالدراسات الاستشراقية حول الإسلام بشكل عام، وحول السنة بشكل خاص.
من الشبه التي وضعوها في ذلك: قولهم: إن الأحاديث وُضعت في القرنين الأول والثاني نتيجة لتطور المسلمين، هذه شبهة.
شبهة أخرى تقول: إن الأمراء الأمويين والعباسيين بدءًا من معاوية -رضي الله تعالى عنه- واستمرارًا مع الدولة الأموية ومع الدولة العباسية، استغلوا بعض علماء المسلمين لوضع الأحاديث؛ مساندة لهم، وإعانة لهم على تثبيت ملكهم، والرد على مناوئيهم وعلى خصومهم، وما إلى ذلك.
شبهة ثالثة تقول: إن حملة الإسلام من الصحابة ومن التابعين، كانوا جنودًا للأمراء في ذلك؛ يعني: استعانوا بالعلماء الكبار المتخصصين الذين يحبهم الناس ويستمعون إليهم، استعان الأمراء بهم في تحقيق هذه الغاية من وضع الأحاديث في تثبيت ملكهم وإعانتهم على خصومهم ونحو ذلك.
يقولون أيضًا: إن بعض علماء المسلمين استجادوا الكذب؛ تأكيدًا لهذه الأمور، أو إثباتًا لها.
ثم أيضًا من شبههم: يسوقون بعض الأدلة التي يرونها تؤكد هذا الاتهام؛ من أن العلماء المسلمين أرادوا أن يوفروا للأمراء والحكام مستنداتٍ شرعيةً تعينهم على إقامة الحجج على مناوئيهم، وعلى تدعيم ملكهم، وتثبيت أركان حكمهم، وما إلى ذلك.
стр. 336
هذه بعض الشبه، وإذا اتسع الوقت للرد على شبهٍ أخرى نرد عليها بإذن الله، ونرد على الشبه واحدةً واحدةً.
من المعلوم أن الذي تولى كبر هذا الأمر هو "جولد تسيهر" في كتبه المعروفة عن الإسلام ونحوه، وفي التفسير والحديث، وما إلى ذلك، وهذه الكتب كانت مصدرًا لكثير ممن كتبوا في هذه المسألة بعد ذلك ونقلوا عنه هذه الأفكار، واعتبروها أفكارًا علمية تقوم على البحث، وعلى تأكيد الأمور بالأدلة الشرعية من خلال كتب المسلمين، هو ينقل من كتب المسلمين وكأنه يوهمنا أنه يعتمد أو أنه لم يأتِ بهذه الأقوال التي يعتمدها فرية على المسلمين، وإنما هي تعتمد على نقول أو نصوص منقولة من كتبهم ومنسوبة إليهم.
يقول "جولد تسيهر" -نحن لا ننقل الكلام بالنص-: إن القسم الأول من السنة أو الأكبر من السنة ليس إلا نتيجة للتطور الديني والسياسي والاجتماعي للإسلام في القرنين الأول والثاني الهجريين؛ يعني: كلما حدث تطور سياسي اجتماعي ديني في حياة المسلمين وضعوا له الأحاديث، بإيحاء من الخلفاء أو بأمر منهم، أو بأي ظروف تدعو إلى هذا الوضع الذي ينسجم مع هذا التطور الذي حدث في حياة الأمم؛ يعني مثلًا: حدث خلاف بين سيدنا علي وسيدنا معاوية ﵄ الأمراء والحكام استعانوا ببعض العلماء لوضع أحاديث تؤيد موقف الأمويين مثلًا، وتنتقد موقف الذين ساندوا عليًّا ﵁ إذا حدث تطور اقتصادي وضعوا أحاديث تُواكب هذا التطور الاقتصادي ليقننوه وليشرّعوه -على حد زعم الزاعمين من هؤلاء المفترين-.
هذه الفِرية، كيف نرد عليها؟ نقول: يكذبها واقع المسلمين، كيف ذلك؟
أولًا: النبي ﷺ حين انتقل إلى الرفيق الأعلى، كانت قد تمت معالم الدين وكمل
стр. 337
بنيانه، فلا مجال لإضافة أو حذف بعد ذلك أيضًا لا من خلال القرآن الكريم ولا من خلال السنة المطهرة، الله سجل ملته على عباده باكتمال هذا الدين وبتمامه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣) فالقول بأن العلماء المسلمين أو الأمراء أو أي شخص، قد وضع حديثًا أو نصًّا يساعد أو يتوافق مع التطور الذي حدث في حياة الأمة، هذا قول زائف، لا نجد عليه أدلةً أبدًا، وسنرد على ما زعموه أنه أدلة وبعض شبهات هذا الأمر.
لكن أردنا أن نوضح أن النبي ﷺ حين هاجر إلى المدينة بدأ بتأسيس الدولة الإسلامية، وضع لها القواعد والأسس التي بنى عليها المسلمون بعد ذلك وأسسوا عليها دولة الإسلام، وكل بلد يفتحه الله تعالى على المسلمين يتّبع الصحابة ويتبع المسلمين فيه المنهج الذي أخذوه عن رسول الله ﷺ من إقامة الشرع وإقامة الحدود ومن بناء المساجد ومن الفصل بين الرجال والنساء ومن العفة والطهارة والاستقامة، دولة قد تحددت معالمها وتبينت أسسها، والله هو الذي وضع تلك الأسس والنبي ﷺ قام بتنفيذها؛ ولذلك نقول نحن: إن مجتمع المسلمين صنعة إلهية، يعني: حدد الله للأمة الإسلامية كيف تصوغ مجتمعها وتبنيه، ولا دخلَ لأحد أبدًا في هذا البناء إلا من حيث أن يفهم النصوص، وأن يطبقها على الوجه يرضي الله .
إذن، الإسلام تم وكمل، هذا الإسلام تضمنه القرآن الكريم وتضمنته السنة المطهرة، هذا الإسلام لا مجال فيه للزيادة ولا للنقصان، هناك شرحٌ لبعض النصوص، نعم، هناك استنباط للأحكام منها، نعم، هناك اجتهاد في ضَوْء النصوص التي كملت وتمت، وليس بمعزل عنها ولا زائد عليها، نرجو أن نكون واضحين في ذلك.
стр. 338
الاجتهاد الذي تم والذي يتم والذي سيظل إلى يوم القيامة، هو اجتهاد في فهم النصوص وتطبيقها على ما يُستحدث في حياة الناس من وقائع، كان ذلك قديمًا وسيظل ذلك إلى يوم القيامة، إن تطور الحياة لا يتوقف، لكن هذا التطور أبدًا، لا يصطدم مع الأدلة الشرعية، بل ينبغي أن يكون خاضعًا لها ومحكومًا بها ومندرجًا تحتها.
الأمر استقر في حياة النبي ﷺ وتحددت معالم المجتمع وصار الخلفاء والحكام من بعد ذلك على هذا النهج الذي أسسه رسول الله ﷺ إذن لم يكن هناك مجال لئن تُوضع لَبَنات جديدة في بناء الإسلام؛ نتيجة لتطور الدين أو الاقتصادي أو السياسي كما يزعم الزاعمون.
إنما كانوا يأتون بالنصوص -وأنا ألح على هذه النقطة؛ لأنها تدحض فريتهم من أولها لآخرها- كانوا يأتون بنصوص يفهمونها ليطبقوها على المستحدثات في حياة الأمة، من الوقائع التي جاءت جديدة، وهذه مهمة أهل العلم؛ أن يدخلوا هذه الأمور المستحدثة تحت قواعدها الشرعية العامة الكلية المنظمة لها، وهذه النصوص جاءت وهذه القواعد جاءت في القرآن الكريم وفي حديث النبي ﷺ لا مجال إذًا لإضافة نصوص جديدة، لا من القرآن الكريم ولا من السنة المطهرة، كلا وحاشا.
ولكي أزيد المسألة توضيحًا أضرب بعض الأمثلة:
مثلًا في زماننا هذا وفي كل عصر تستحدث القضايا؛ من التبرع بالأعضاء، من أعمال البنوك، من نظام البورصة والمضاربة فيها، من بعض النظم الاجتماعية التي تأتي من شرق أو من غرب، من أنواع الأطعمة التي تأتي مستوردة من الخارج.
стр. 339
أمور كثيرة جدًّا تستحدث في حياة الناس، ماذا يحدث من أهل العلم؟ هل يضعون لها أحاديث لكي تتواءم مع الشرع؟ أم يجتهدون في محاولة إدخالها تحت النصوص الشرعية القائمة الثابتة التي أجمعت عليها الأمة من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة؟
هذا مثال واضح جدًّا حين يقولون مثلًا: مَن يجيز تعامل البنوك؟ يقول: الأدلة كذا وكذا، من يحرّمها؟ الأدلة كذا وكذا، والاختلاف في فهم النصوص أمرٌ وارد؛ لأن هذا ما هو تعبدنا الله تعالى به؛ أن نجتهد في فهم النصوص، ليس مع النص، هناك فَرْق في الاجتهاد في النص والاجتهاد مع النص، الاجتهاد مع النص أن يقول النص كلامًا ويقول المجتهد كلامًا آخر: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (النساء: ١١) يقول: نساوي بين المرأة والرجل، لا، أما أن نفهم الحكمة ومن وراء النص أو أن نفهم النص مثلًا: ملامسة النساء ناقضة للوضوء: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (النساء: ٤٣) ما المراد بالملامسة؟ هذا هو الاجتهاد في النص.
إذن، لا أحد يقول: إن الملامسة غير ناقضة؛ لأن الملامسة ونقضها للوضوء ثابتان بالقرآن الكريم، لكن ما المراد بالملامسة؟ هذا اجتهاد في فهم النص، قد يصيب صاحبه وقد يخطئ وهو في كلتا الحالتين مأجور، لكنه ليس اجتهادًا مع النص، إذًا الذي صنعه العلماء قديمًا وحديثًا: أنهم لم يضعوا أحاديث؛ لتناسب وتتواكب مع التطور الذي حدث في حياة المسلمين، وإنما يجتهدون في فهم النصوص التي بين أيديهم، ومحاولة تطبيقها على واقع المسلمين.
إذن، هذه فِرية، وكلنا نعلم أن أي حديث يُروى عن النبي ﷺ فإن الشرط الأول من شروط صحته: أن يكون الإسناد متصلًا إلى النبي ﷺ ما معنى الإسناد المتصل؟ يعني: أن يكون كل راو قد تلقى الحديث من شيخه الذي فوقه مباشرة
стр. 340
بدون انقطاع في السند، بدون خلل، بدون فجوة، يعني: لا بد أن يتصل الإسناد أو السند من أول الراوي إلى النبي ﷺ .
البخاري مثلًا حين يروي الحديث في كتابه، فإنه يرويه عن شيخه، وشيخه يرويه عن شيخه، وهكذا، إذا كان بين النبي ﷺ سبعة ثمانية ستة خمسة، حسب علو الإسناد ونزوله، فلا بد أن نتأكد كأبناء للمدرسة الحديثية أن كل راوٍ قد تلقى الحديث من شيخه مباشرة بدون انقطاع، بالإضافة إلى دراستنا لأحوال الرواه وصدقهم وعدالتهم وأمانتهم .. إلى آخر ما نعلمه من مصطلح الحديث ومن شروط صحة الحديث.
إذن، كيف يأتي واحد بعد قرن أو اثنين ويضع حديثًا ولا تتنبه الأمة لذلك، وتوضع في مصادرها الصحيحة؟ قد يرد عليّ الآن بعض الناس ويقول: الوضاعون يأتون بأسانيدَ وربما يأتون بسلاسلَ الذهب المعروفة عند المحدثين في أسانيدهم؛ لينسبوا إليها الأحاديث الموضوعة.
أقول: حدث هذا، لكن علماء الأمة قد انتبهوا، ولم ينطلِ عليهم أبدًا أي حديث موضوع خدعهم، وميزوا الصحيح من الموضوع.
إذن عندنا أمور كثيرة تدل على أن هذه الفرية باطلة، فمفهوم التطور لم تضطر معه الأمة إلى وضع أحاديث -كما قلت- أن النبي ﷺ تركنا على المحجة البيضاء وأيضًا اتصال الأسانيد.
ثم نقول: ما هو التطور الذي فَرض على المسلمين وضع أحاديث تواكب هذا التطور في أي مجال سياسي أو اقتصادي، سبحان الله! اختلفت الأمة في عهد عثمان بعد مقتله ﵁ ليس في عهده بعد مقتله، واختلفت بعد ذلك، ووصل الخلاف في بعض الأحايين إلى القتال، وما اهتزت ثوابت الأمة، ولا تغيرت
стр. 341
معالم المجتمع، الخلاف لم يفتح الباب لاهتزاز الثوابت، أيضًا اتسعت الدولة ودخلت أمم كثيرة في دين الله أفواجًا، غرب الصين كشرقٍ للأمة الإسلامية، أفغانستان وما بعدها، إلى المغرب إلى أواسط روسيا شمالًا، إلى جنوب أفريقيا جنوبًا .. إلى آخره. دولة واسعة جدًّا صلاتها واحدة، قِبلتها واحدة، صومها واحد، حجها واحد، قرآنها واحد، نبيها واحد، سنتها واحدة، لم يتغير شيء من ذلك أبدًا تحت وطأة التطور الذي يحدث داخل المجتمعات.
ثوابتها، في عقائدها، في أخلاقها، في عبادتها، في معاملتها، في ماليتها في أسس حلالها وحرامها، في الزواج، في الأسرة، في جمع المال، في إنفاق المال، كل ذلك ظل ثابتًا على رغم ما نشأ وطرأ على الأمة المسلمة وعلى أقطارها المتعددة من تطور كما يقول الزاعمون في كل مجالات الحياة، حدث تطور حتى في زماننا هذا؛ تبرج النساء فهل وضع العلماء أحاديث تسوّغ للناس التبرج؟ تعامل بعض الناس بالربا، فهل سمح أحد من أهل العلم أن يضع حديثًا ييسر للناس التعامل بالربا؟
هناك فرق بين أن تجتهد في أن هذه الصورة من التعاملات هي معاملات ربوية أو غير ربوية، هذا اجتهاد كما قلت، يعني: أن يقال مثلًا: معاملات البنوك ربوية أو غير ربوية، أنا لا أفتي الآن لكن أقول المسألة خلافية، لكن أحدًا من الذين قالوا بإباحتها لم يفهم أبدًا أنها ربا، ثم هو يجيزه ويسيغه للأمة لأنه ربا، اجتهاده انصب على أن هذا ليس من الربا المحرم، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه، هذه مسألة اجتهادية -كما قلت- لكن هل قال الرجل أنه ربا وأنا أسيغه اتساقًا مع تطور الأمة ولأن الظروف الاقتصادية أصبحت مضطرة إلى ذلك؟
لم يقل أحدًا بذلك أبدًا، إنما اجتهاده -كما قلت- كان منصبًّا على أنه ليس من الربا، لا العلماء المحدثون ولا الأقدمون وهم أشد من المحدثين ورعًا وتقوى
стр. 342
وعلمًا لا يسمحون لأنفسهم أبدًا بأن يُضيفوا شيئًا إلى سنة النبي ﷺ اتساقًا مع بعض الظروف التي طرأت على المجتمع، كل ذلك لم يحدث أبدًا.
يقول الدكتور مصطفى السباعي -رحمه الله تعالى في هذا الصدد-: فما توفي رسول الله ﷺ إلا وقد كان الإسلام ناضجًا تامًّا، لا طفلًا يافعًا، كما يدعي هذا المستشرق "جولد تسيهر" نعم، لقد كان من آثار الفتوحات الإسلامية أن واجهت المسلمين جزئيات وحوادث لم يُنص على بعضها في القرآن والسنة، فأعملوا آراءهم فيها قياسًا واستنباطًا، حتى وضعوا الأحكام المناسبة لها وهم في ذلك لم يخرجوا عن دائرة الإسلام وتعاليمه، وحسبك -لا يزال كلام الشيخ موصولًا- أن تعلم مدى نضوج الإسلام في عصره الأول، أن عمر ﵁ سيطر على مملكتي كسرى وقيصر، وهما ما هما في الحضارة المدنية، فاستطاع أن يسوس أمورهم، ويحكم شعوبهم بأكمل وأعجب مما كان كسرى وقيصر يسوسان بها مملكتيهما.
أتُرى لو كان الإسلام طفلًا كيف كان يستطيع عمرُ حينئذٍ أن ينهض بهذا العلم، ويسوس ذلك المُلك الواسع، ويجعل له من النظم ما جعله ينعم بالأمن والسعادة ما لم ينعم بهما في عهد ملكيهما السابقين.
على أن الباحث المنصف يجد أن المسلمين في مختلف بقاع الأرض التي وصلوا إليها كانوا يتعبدون عبادة واحدة، ويتعاملون بأحكام واحدة، ويقيمون أسسَ بيوتهم وأسرهم على أساس واحد، وهكذا كانوا متّحدين في العبادات والمعاملات والعقيدة والعادات غالبًا، ولا يمكن أن يكون ذلك لو لم يكن لهم قبل مغادرتهم جزيرة العرب نظام تام ناضج وضع لهم أسس حياتهم في مختلف نواحيها.
ولو كان الحديث أو القسم الأكبر منه نتيجة للتطور الديني في القرنين الأولين لنجم حتمًا ألا تتحد عبادة المسلمين في شمال أفريقيا مع عبادة المسلم في جنوب
стр. 343
الصين، إذ إن البيئة في كل منهما مختلفة عن الأخرى تمام الاختلاف، فكيف اتحدا في العبادة والتشريع والآداب، وبينهما من البُعد ما بينهما؟ يعني: لو أن هناك أحاديثَ توضع -قطعًا الظروف التي في شرق الصين غير الذي في المغرب من ناحية المناخ وتوفر المياه وما إلى ذلك ونظام الأكل والشرب واللباس، كان ممكن على هذا الزعم توضع مناهج لمن في الشرق غير المناهج التي للذين في الغرب.
إن كل المجتمعات الإسلامية طورت حياتها بما يتوافق مع شرع الإسلام، غيروا عاداتهم وتقاليدهم، وغيروا عاداتهم الاجتماعية في نظام النكاح، قطعًا الأمم التي كانت قبل الإسلام ودخلت الإسلام كانت لها عاداتها وتقاليدها، في نكاحها في طعامها في شرابها في كل ذلك، توحدت مع الإسلام وانسجمت معه، وانقادت له وخضعت لأحكامه، سبحان الله! هو الذي أثر، الإسلام لم يتأثر ولم توضع أحاديث توافق التطور الاجتماعي، بل بالعكس، انتهى الاحتكام إلى العادات وإلى التقاليد وإلى العرف الاجتماعي، من عهد الصحابة الاحتكام إلى الإسلام، وكل الدول التي دخلت الإسلام غيّرت مناهجها؛ لتتلقاها من الإسلام.
مَن كان عندهم عُري النساء تسترت نساؤهم، من كانوا يأكلون الحرام من المذبوحات أو من أنواع الأطعمة انتهى الأمر، من كانوا يشربون الخمور، من كانوا عندهم الزنا منتشر ... إلى آخره، كل هؤلاء تغيروا مع الإسلام. ولم يتغير الإسلام معهم ولم يضع نصوصًا تتوافق مع طبائعهم ومع عاداتهم الاجتماعية كما يزعم الزاعمون، بل إن هذه الأمم هي التي توافقت مع الإسلام، وخضعت وانقادت له، مما يدحض هذه الفرية من أساسها.
كيف تقول عن أمة مساحتها شاسعة من الصين شرقًا إلى المغرب غربًا، وكل ذلك والعادات واحدة والأخلاق واحدة والمعاملات واحدة والحلال والحرام واحد،
стр. 344
وكل ذلك يقوم على أسس واحدة ولا ينكره منكر منهم أبدًا، صيامهم كما قلت في رمضان حجهم في ذي الحجة، هذا التطور الذي يتحدث عنه ذلك المستشرق أو غيره لم يحدث اختلافًا أبدًا ما بين مشرق ومغرب، وكان الأحرى به لو كان هذا التطور هو الذي يحكم لكانت الأمور قد تغيرت تمامًا، خصوصًا مع اختلاف البيئات والثقافات والظروف الاقتصادية والاجتماعية وغيرها ومع اختلاف الألسنة ومع اختلاف الشعوب.
أقول: العكس هو الذي حدث، كل هؤلاء قد انصهروا في بَوتقة واحدة، لا يحدث بينها خلاف في أمر أصيل من أمور الإسلام، وإنما الخلاف الذي حدث في جزئيات تتعلق بفهم النصوص في المقام الأول، إذًا هو اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد، وتظل الأمة بمعالمها الأساسية ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، كل ذلك قد كان.
أيقال بعد ذلك: إن الأحاديث أو بعضها أو القسم الأكبر منها وضعت نتيجة لتطور المسلمين الديني أو السياسي، كلما استجدت لهم أمور سياسية وضعوا لها أحاديث، وكلما طرأت عليهم عادات اجتماعية وضعوا لها أحاديث!
هذا هراء وليس هناك دليل واحد عليه من واقع الأمة، وأين التباين بين آثار الأمة؟ وهؤلاء الذين رددوا هذا الكلام من وراء هذا المستشرق، أين اجتهادهم في دراسة تاريخ أممهم، وفي معرفة أحوال عاداتهم وأخلاقهم الاجتماعية؟ لماذا خُدعوا بهذا الكلام الذي لا أساسَ له من الصحة وكل واقع الأمة يبطله؟! كان أي حاكم من الدولة الأموية أو الدولة العباسية يحكم الدولة الواسعة كما ذكرنا، هل هناك نص واحد في أنه قد أبيح للشرق ما لم يبح للغرب، أو أن ما شرّع في الجنوب غير ما شرع في الشمال؟ كل ذلك لم يكن، وإنما العكس هو الصحيح.
стр. 345
أقول: إن هذه الأمم قد انصهرت في بوتقة الإسلام، وأصبح الإسلام هو الحاكم لكل صغيرة وكبيرة في حياتنا.
وسيرًا مع هذا التطور مثلًا، لماذا في عصرنا هذا لا يوجد من يبيح للمسلمين الاختلاط بين الرجال والنساء؟ لماذا لم يوجد من يسمح لهم بالتبرج ويقول: إن التبرج حلال، لماذا لم يسمح التطور بأن يقال أن الظلم أصبح مستساغًا ومقبولًا؟ لماذا لم يضع أحد أحاديث كأن مثلًا الذبح بغير الطريقة الشرعية حلال ونأكله؟ لماذا ولماذا ولماذا؟ حتى في العصور المتأخرة التي لا أريد أن أقول: ضعف التمسك بالإسلام، الحمد الله هناك صحوة رشيدة وطيبة، لكن أقول: حدث تطور وبعض المسلمين تأثروا ببعض العادات التي جاءت من شرق أو من غرب، وهم يعلمون أنهم في استجابتهم هذه مخالفين للشرع.
لكن أحدًا لم يقل أبدًا: أن السفور هو الحلال والأصوات النشاز التي تصدر بين حين وآخر تحمل هذه الأفكار الرديئة، سرعان ما تنطفئ وتخبو، وتعود إلى جحورها مدحورة، ويظل الثابت هو الذي أجمعت عليه الأمة، من القرآن الكريم ومن أحاديث النبي ﷺ .
المستشرقون وصولًا إلى هذه الغاية يُحاولون أن يثيروا بعض الشبهات التي رددنا إليها، يعني مثلًا: قد يستعينون على أن هناك وضعًا للأحاديث في القرن الأول والثاني ببعض الشبهات، مثل قولهم: إن السنة قد تأخر تدوينها، وهذا فتح الباب للإضافة والزيادة والنقصان، وهذه فرية عالجناها في أكثر من درس من دروسنا في هذه المادة، ورددنا بالأدلة على هذه الفرية وأن السنة قد بُدئ في تدوينها من عصر النبي ﷺ وتتبعناها خلال العصور المتعددة، إلى أن وضعت رحالها -بعون من الله وتوفيقه- في رحلة تامة من الصياغة والحفظ والرعاية في بطون الكتب المعروفة لدينا الآن،
стр. 346
ونحيل على هذه الدروس حتى لا نكرر ما قلناه قبل ذلك.
أيضًا، هناك مَن يقول: أن هناك وضعًا في السنة، ونحن لم ننكر هذا، وهناك عوامل من الظروف الاجتماعية التي نتحدث عنها أدت إلى الوضع، مثلًا كالاختلافات السياسية والذهبية كل ذلك حق، لكن الذي يقول ذلك عليه ألا يغفل أبدًا جهود الأمة في مقاومة ذلك الوضع، هل انطلى هذا الوضع على الأمة؟ هل قبلته؟ الحكام الذين يتقولون عليهم كانوا يتقربون إلى الله بدماء الزنادقة الذين يتجرءون على دين الله، بل إن العلماء المخلصين الذين يدافعون عن السنة ويذبون عنها كان من بين أساليبهم في مقاومة الوضع والوضاعين أن يشتكوا هؤلاء الوضاعين، ويرفعوا أمرهم إلى الحكام، والحكام يعاقبونهم، لم يفرحوا بوضعهم للأحاديث، بل هناك كثير من العبارات التي تفيد أن حكام الأمة مطمئنون إلى العلماء المخلصين الذين يذبون عن حياض السنة، ويتصدون لهؤلاء بالمرصاد، فالحكام والعلماء قاموا بدَوْرهم في مقاومة الوضع والوضاعين، إلى أن انتهت موجة الوضع والآن بين أيدينا كتب كثيرة في الأحاديث الموضوعة، وبيّنت علامتها إلى آخر ما نعلمه جميعًا.
إذن، لو أن هناك وضعًا للأحاديث، فليس ذلك دليلًا على أنه التطور الاجتماعي حدث، لا، الأمة تصدت، وأنا أعجب من بعض أقلام المسلمين التي تثير الشبهات حول الوضع مثلًا أو بعض الكتابات حول السنة، ولا ترد ولا تلتفت إلى الردود عليها، يعني: اقتنع بالشبهة ولم تلتفت إلى الردود عليها، نتكلم عن أن هناك وضعًا حدث وننسى عن عمد أو نتناسى عن عمد أن الأمة قد قاومت هذا الوضع، وتصدت له، وردت الوضاعين على أعقابهم مدحورين، وصارت لدينا كتب الآن تسجل الخزي عليهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن هؤلاء من الوضاعين وبمجرد أن نراه في سند حديث لا نقبل هذا السند أبدًا، ولا نقبل هذا المتن إذا كان ورد من طريقه هو فقط.
стр. 347
أمور اتفقت عليها الأمة، فإذن فالمسيرة نقية وجلية، والتطور أبدًا لم يؤدِ للأمة في الوضع، بل ظل محكومًا في عصور الإسلام الأولى بالأدلة الشرعية المأخوذة من كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ بل نقول: إن هذه المجتمعات هي التي تطورت -إن جاز التعبير- بما يتوافق مع الإسلام وليس العكس، وتاريخ الأمة دليلٌ على ذلك، دليل جليّ واضح، والذي يستطيع أن يأتي بأن أي أمة دخلت في الإسلام، استمرت على تشريعاتها أو تغيرت فليأتِ لنا بأدلة ولن يجد إلى ذلك سبيلًا.
أيضًا، نقول ردًّا على هذه الفرية: إن أحدًا من علماء الأمة لا يستطيع ولا يقبل أن يخالف النص أبدًا، لا يستطيع أن يأتيَ بنص يواكب المجتمع المتطور أو ما شاكل ذلك، لا بد أن يعتمد على الدليل الصحيح، ومتى وجد الدليل الصحيح من القرآن الكريم والسنة المطهرة فالاحتكام إليه، إن أحدًا من علماء الأمة لم يكن ولم يحدث ذلك أبدًا إلى يوم القيامة، أن يقول مثلًا: إن هذا حديث ثبتت صحته عندي وأنا لا أعمل به. لماذا أقول هذا الكلام في الرد على هذه الفرية؟ لأبين أن الأمة قد اصطلحت على أن الاحتكام للقرآن الكريم وللحديث الصحيح بشروطه المعروفة عند الأمة كلها.
رد شبهة: أن الاختلاف بين المذاهب كان من أسباب الوضع
من الفرية أو الكذبات التي يقولها أيضًا: أن الاختلاف بين المذاهب كان من أسباب الوضع عند الأتباع وليس عند العلماء، واحد يضع حديثًا في تأييد أبي حنيفة في ذم الشيخين، هذا هراء لم تقف عنده الأمة كثيرًا، وصرنا نتندر به تندرًا يدل على سخف ما وقع منه، أما أن العلماء في اختلافهم قد التجئوا إلى أحاديث تؤيد مذهبهم، العلماء "أصحاب المذاهب"! أعوذ بالله هذه الفرية الظالمة.
стр. 348
العلماء المخلصون الجادون لا يستطيع أحد أبدًا أن يضع حديثًا، بل هم الذين تصدوا -كما ذكرنا- للوضّاعين ووضحوا أمرهم وغيّروا زيفهم ... إلى آخره، العلماء لا يستطيع أحد أبدًا أن يأتي بنص من عنده أو أن يصادر النص الأصلي الذي جاءه من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة، ومثلًا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- له كتاب طيب جدًّا اسمه (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) وأيضًا البيهقي له (اختلاف العلماء) وهكذا، كلهم يذكرون الأسباب التي بسببها اختلف العلماء، منها أن الدليل قد لا يصل إليهم، ومنها أنه قد ينسى، يعني: الصحابة أنفسهم على شدة معايشتهم للنبي ﷺ إما أنه بعض الأدلة لم تصل إليهم.
هل نتصور أن كل صحابي قد أحاط بكل أحاديث النبي ﷺ ؟ هذا مستحيل، عندنا روايات تدل على أن بعض الأحكام قد فاتتهم، في قضية الاستئذان وميراث الجدة وغيرها، ولكن أحدًا أبدًا لم يحتَج إلى وضع أحاديث لا نتيجة التطور ولا غير التطور، ولا يوجد واحد من علماء الأمة -صغر أو كبر- يقبل ذلك، وحكّام الأمة الذين يحاولون أن يشوهوا صورتهم، لا نجد رواية واحدة تبيّن أن واحدًا من الحكام الأمويين أو العباسيين، واشتم في أحدهم ما شئت، ولا نوافقك لكن افترض، لكنك أبدًا لن تستطيع أن تأتي بدليل تبين أن هذا الخليفة مثلًا، قد أمر بوضع حديث أو حتى قبِلَ بحديث وُضِع له من غير أمرٍ منه.
وعندنا المهدي في قصة الحمام، لما كان يحب اللعب بالحمام، فواحد من الوضاعين قال: "لا سبق إلا في نصل أو حافر أو حمام"، قال: والله أشهد أن قفاك هذا قفا كذاب، بل إن المهدي ترك اللعب بالحمام بعد هذه الحادثة، التي فهم منها أن ذلك قد يدفع بعض الوضّاعين إلى مجاملة الحاكم في ذلك، أما أن الحاكم قد أمر أو رضي، فلم تجدًا أبدًا دليلًا على هذا.
حتى النصوص التي احتكموا إليها أو التي استشهد بها المستشرقون ومَن شايعهم
стр. 349
في بعض هذه المواقف، هي من مصادر مزيفة، ويبترون التاريخ ويبترون النصوص من سياقها، يزيفون التاريخ، قد كنت أشرت في الدرس السابق إلى ملامح منهج المستشرقين، وهي ملامح تدمي القلب، على هذا الكذب والافتراء، الذي يجعلونه منهجًا علميًا ويخدعون به البعض.
اتهام الإمام ابن شهاب الزهري بوضع الأحاديث التي تخدم مصالح أمراء وحكام بني أمية
من العجيب أنهم يتجهون إلى أركان الرواية وإلى كبار علماء الأمة ليتهموهم في وضع الحديث مثل الزهري مثلًا، محمد بن يوسف بن شهاب الزهري المولود سنة ٥٠هـ والمتوفى سنة ١٢٤ أو ١٢٥هـ على خلافٍ في الروايات في تاريخ الوفاة، والرجل قرشي زهري من بني زهرة من أخوال النبي ﷺ وأحد كبار علماء الأمة، وأحد أركان الرواية، والقصص والروايات التي وردت في مهابة الأمراء له، وفي استعلائه بإيمانه وورعه وتقواه، وبخشيته لله، وحبه للنبي ﷺ على أي تُرهات فيما يزعمون؟! أنا أحيل أبنائي إلى أن ينتقدوا أو أن يقرءوا ترجمة ابن شهاب في (سير أعلام النبلاء) له فيه ترجمة واسعة وتهذيب الكمال وغيره، وانظروا إلى مكانة الزهري عند الأمة العامة، وعند الأمة الحكام والعلماء.
حديث: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام المسجد النبوي المسجد الأقصى)) يعني: روايات وافتراءات مضحكة، وضعه تأييدًا لعبد الملك، حينما أراد أن يصرف الناس عن الحج إلى بيت الله الحرام، حين كان بيت الله الحرام تحت ولاية عبد الله بن الزبير. عبد الله بن الزبير بعد موت مروان بن الحكم سنة ٦٥ هـ دعا لنفسه، ودخلت بعض الأقاليم في خلافته، منها مصر والحجاز، فكانت الحجاز تحت ولايته، عبد الملك بن مروان كان في الشام، آل
стр. 350
الأمر إليه، فأراد أن يمنع الناس من الذهاب إلى الدولة التي بها ي عبد الله بن الزبير حاكمًا يسيطر عليها، فأمر الزهري أن يضع أحاديث، ومنها ضمنها هذا الحديث، هكذا تقول الرواية.
هنا حقائق تاريخية نود أن نقولها:
عبد الملك بن مروان توفي سنة ٨٦ هـ وكان عمر الزهري حينئذٍ ستة وثلاثين عامًا وعاش الزهري بعد ذلك قريبًا من أربعين سنة وربما أكثر، مع كثير من الأمراء بعد عبد الملك؛ مع ابنه الوليد، وبعد الوليد سليمان، وبعد سليمان عمر بن عبد العزيز، إلخ، كلهم كانوا في موقع التلميذ بالنسبة له، يحسنون الاستماع إليه ويتلقون عنه، ويقدرونه قدره، وينزلونه منزلته ويعلمون أنه شيخهم الكبير، يؤدب أولادهم ويعلم أمراءهم، وكل ذلك من خلال الكتاب والسنة، وعلاقتهم به لم تخرج أبدًا عن كونها علاقة التلميذ بأستاذه.
هذا الأمر أن الزهري يضع هذا الحديث، هذه فِرية لأدلة كثيرة:
أولًا: ذكرنا سنّ الزهري، هو في خلافة الملك، حتى هناك خلاف كبير، يعني: في دخوله دمشق، هو أصلًا كما قلنا مدني من المدينة وهو أصل من مكة من بني زهرة، لكن رحل إلى أيه إلى الشام عبد الملك بن مروان مثلًا ستة وثمانين، عبد الله بن الزبير قتل سنة ٧٣هـ، سنة ٧٣هـ كان عمر الزهري ٢٣ سنة، فهل كان عالمًا كبيرًا جدًا جدًا، اتسعت مكانته بالعالم الإسلامي بحيث إذ وضع حديثًا كان يسكت عنه الناس، لأنه إذا فرض أن هذا الحديث وضع، فكان سيوضع في خلافة عبد الله بن الزبير، حتى يمتنع الناس عن الذهاب؛ لأنه بعد مقتل عبد الله بن الزبير سنة ٧٣ هجرية دخل الحجاز في خلافة بني أمية، بعد أن قتل عبد الله بن الزبير ﵁ وانتهت مسألة خلافته التي كان قد دعا إليها، وعاد الحجاز مرة ثانية بكل أقاليمه إلى لواء الدولة الأموية، في سنة ٧٣ هـ وفي مدة الخمس سنوات.
стр. 351
وإذا قيل: إن عبد الله بن الزبير دعا لنفسه ٦٥ هـ وعمر الزهري كان ١٥ سنة، فهل وضع الزهري هذا الحديث الذين يزعمونه، سيكون ما بين سنة ٦٥ هـ إلى ٧٣ هـ لماذا لأن هذه المادة التي كانت الحجاز تحت ولاية عبد الله بن الزبير، وعلى زعمهم فعبد الملك يريد أن ينصرف الناس عن الذهاب إلى الحجاز، ويريد أن يخترع لهم مكانًا للحج جديدًا كما يزعم هؤلاء الزاعمون.
الرد -كما قلت- في طيات الكتب التاريخية، هذه الفترة كان الزهري صغيرًا صغيرًا جدًّا، ثم إن ملك أو خلافة عبد الله بن الزبير عادت إلى بني أمية، فلا حاجة أبدًا، ثم إن أحدًا لم يقل أبدًا في فهم حديث: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) أن الذهاب إلى المسجد الأقصى يعوض الذهاب إلى المسجد الحرام ويغني عنه ويسد عنه.
الحديث واضح الدلالة في أن هذه المساجد الثلاثة هي التي تُضرب إليها أكباد الإبل خاصة ليصلى فيها؛ لأنها هي الأماكن التي شرفها الله تعالى، وميزها بالأجر الزائد عن غيرها في الصلاة فيها، على تفاوت بينها في المرتبة، وكل العلماء مجمعون على أن أفضل المساجد المسجد الحرام ثم المسجد النبوي ثم المسجد الأقصى، هذه الممالأة لعبد الملك لم تدعُ أحدًا أن يقول: إن المسجد الأقصى أولى من الكعبة في أي شيء. هذا حديث واضح الدلالة هو صحيح أخشى أن يروج "جولد تسيهر" اليهودي لهذا الكلام؛ انتصارًا ليهوديته ليبين مثلًا أن المسجد الأقصى لم يكن في ملك المسلمين، أو ليوهم أنه أفضل من الكعبة أو ما شاكل ذلك؛ حتى ينصرف المسلمون عن احترام كعبتهم وعن الدفاع عنها ... إلى آخره.
أحيانًا الفرية تكون بتهافتها وضعفها وهوانها بحيث لا تستحق الرد عليها، ولولا أنها سجلت في كتب علمية، وأن بعض الدارسين قد تأثر بها ما كانت تحتاج لرد أبدًا.
стр. 352
أيضًا من الردود التي نقولها: العلماء الخلفاء -هؤلاء وهؤلاء- من الورع والتقوى بحيث والله لا يقبل أحد منهم وضع حديث، ومهما قلت في حاكم أنه وقع في بعض الأخطاء من حكام الدولة الأموية أو الدولة العباسية، أنا لا أريد أن أنتقل إلى الخلفاء وسيرتهم، هذا بحث تاريخي، لكن على ما قد يقع في الدولة، فهي كانت دول إسلام، الحكم فيها لله، ولسنة النبي ﷺ وتحترم العلم والعلماء، حتى وإن اختلفت معهم أحيانًا وعاقبت بعضهم أحيانًا كما في خلق القرآن، والحدود مقامة، والشريعة مصانة، والنساء محجبات، والجهاد قائم، ماذا أقول؟ دول إسلامية بكل ما يعنيه الإسلام من شمول وفهم وتطبيق، فلا احتياج أبدًا إلى حديث يؤيد مذهبهم أو فكرهم أو يدعم دولتهم.
تدعيم دولتهم في المقام الأول كان يأتي من شدة تمسكهم بحديث الرسول ﷺ بالقرآن الكريم بالإسلام، هذه هي الشرعية التي كانت تؤهلهم للاستمرار على بقاء كرسي الحكم وحسن علاقة الرعية بهم؛ أنهم قائمون على حدود الله وعلى أمر الله، يقيمون شرع الله، لم تكن لهم شرعية غير ذلك أبدًا، لا من وضع حديث ولا من أي شيء من هذا الأمر.
معاوية صاحب النبي ﷺ وصهره أخو أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكتب له الوحي، وكتم سره ﵁ وأرضاه- معاوية يثبت له كل ما يثبت للصحابة ﵃ من العدالة ومن الصدق ومن الأمانة ومن العفة والطهارة، ومن الحرص على القرآن والسنة، أي افتراء عليه لا يجوز، أي خطأ في حقه مردود، هذا من كيد الشانئة المغرضين الرافضة، وإن شاء الله كيد الجميع مردود إلى نحورهم؛ يعني صفحة معاوية وصفحة أبي هريرة وغيرهم أكبر من أن تنالهم هذه الترهات.
أبو هريرة يضع حديثًا إرضاء لمعاوية!! الزهري في خلافة معاوية كان صغيرًا، معاوية مات سنة ستين والزهري كان عمره عشر سنوات، لا معاوية يحتاج؛ لأن
стр. 353
الله ثبّت ملكه، ودولته كانت دولة إسلام، بل إن الحقائق التاريخية تقول: إن معاوية لم يدعُ لنفسه أبدًا بالخلافة في زمن علي ﵁ ولم يكن الخلاف بينهم قائمًا على الخلافة، فما نازع أحد عليًّا الخلافة أبدًا لا معاوية ولا غيره، إنما كان الخلاف بينهم على قتلة عثمان، وأقول: هذا أمر تاريخي، فحين انتهى الأمر إلى معاوية كان بإجماع الأمة، لم يكن محتاجًا أبدًا إلى حديث يؤيده ويعضّد ملكه، انتقل الأمر إليه بتنازل الحسن ﵁ وبموافقة الأمة كلها على ذلك، وبمبايعته له؛ ولذلك اصطلحت الأمة على تسمية هذا العام بعام الجماعة، فلا الواقع التاريخي ولا الظرف الزمني أتى فيه سيدنا معاوية كان محتاجًا إلى أن يوضع له حديث يعضد ملكه أو يثبت دعائم حكمه، كما يزعم الزاعمون إلخ.
أيضًا المستشرقون يقولون "جولدتستير ومن شايعه": لقد وضعوا أحاديث تؤيد الحكام مثل: ((مَن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)) وأنا لا أدري ماذا في هذا الحديث من الممالأة لحكام المسلمين، وحين يقول النبي ﷺ : ((اسمعوا وأطيعوا، وإن تأمر عليكم عبد حبشي)) وكل هذه أحاديث صحيحة في مصادرنا الصحيحة، وغير ذلك من الأحاديث، ونهى عن الخروج على ولي الأمر: ((إلا أن تروا منه كفر بواحًا عندكم فيه من الله برهان)) ماذا في هذه النصوص من ممالئة للحكام؟ إنه قيام بحق ولي الأمر وحفظ للجماعة من الاختلاف، محافظة على وحدة الأمة، محافظة للوقاية من الفتن، من التفكك.
إن الأمم غير المسلمة تضع في دساتيرها ما يحافظ على وحدة الأمة، ووحدة الأمة -كما يقال في زماننا هذا- أمنٌ قومي، غير مسموح لأحد أن يعبث به، كل الأمم تضع نصوصًا في دساتيرها تحافظ على وحدتها، وكما ذكرت: غير مسموح لأحد أبدًا أن يعبث بهذه الوحدة، وأن يعرض أمن الأمة للخطر، فهذه
стр. 354
الأحاديث تحافظ على وحدة الأمة، ثم إن هناك أحاديث -لن أقول مقابلة- إنما متممة: مثلًا: "النصيحة للمسلمين"، لدرجة أن النصيحة أمر يبايع النبي ﷺ عليه الأمة، ((بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، والمنشط والمكره، والنصيحة لكل مسلم))، الحديث الآخر: ((النصح لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم)).
إذن، هم حافظوا على وحدة الأمة، ولم يسكتوا على تجاوز الأمراء، بل نبهوهم، كل الأمر كان في أسلوب التصحيح، ليس بشدة تؤدي إلى فتنة: ((مَن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطِع فبقلبه))، ((الدين النصيحة، قلنا: لِمَن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم)) إلخ. بل إن من مهمة الأنبياء هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ (الأعراف: ١٥٧) إلخ.
فهذه القواعد التي هي من مهمة الأنبياء، ومن مهمة الخلفاء بعدهم، ومن مهمة العلماء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنبي ﷺ نَهَى عن أن يطيع أحدًا في معصيته، بل إن النبي ﷺ بايع الصحابة على ذلك، في حديث الصحيحين "حديث عبادة بن الصامت" أن النبي ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه من أصحابه: ((بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا بمفتر تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف)) انظر إلى هذا القيد: ((ولا تعصوا في معروف))، النبي ﷺ هو الذي يبايع الأمة على هذا الأمر: ألا يعصوا في معروف؛ يعني: لا بد أن تكون الطاعة في معروف،
стр. 355
فإذا كانت في غير معروف فهي حرام، لماذا لم يكتب العلماء هذا القيد؟ وقالوا: ولا تعصوا فقط، لماذا لم يكتبوا حديث: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)) لماذا لم يكتبوا "النصيحة للأمراء" وغيرهم؟
عندنا كتب في السيرة الشرعية تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فلم يكن هناك حكام الذين يحتاجون إلى وضع الأحاديث، ولم يكن هناك علماء الذين يقبلون ذلك، لو كانت هناك أمور توجه إليهم بذلك.
هذه فرية مردود عليها بما ذكرناه وكل الأحاديث التي وردت في ذلك وضحناها بشكل يوضح الفهم الصحيح لها من خلال أقوال الأمة، فشبه المستشرقين أن الأحاديث تطورت نتيجة تطور المسلمين إلخ، كل ذلك مردود عليه بالأدلة، وفرية مكذوبة، ونأسف أن ينخدع البعض بهذا الكلام الزائف، وفي الأمر تفاصيل أخرى ما أشرنا إليه كفاية ويقاس عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمدًا وعلى آله وصحبه.
следующие страницы →