Полный текст (394 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وإذا قيل: إن عبد الله بن الزبير دعا لنفسه ٦٥ هـ وعمر الزهري كان ١٥ سنة، فهل وضع الزهري هذا الحديث الذين يزعمونه، سيكون ما بين سنة ٦٥ هـ إلى ٧٣ هـ لماذا لأن هذه المادة التي كانت الحجاز تحت ولاية عبد الله بن الزبير، وعلى زعمهم فعبد الملك يريد أن ينصرف الناس عن الذهاب إلى الحجاز، ويريد أن يخترع لهم مكانًا للحج جديدًا كما يزعم هؤلاء الزاعمون.
الرد -كما قلت- في طيات الكتب التاريخية، هذه الفترة كان الزهري صغيرًا صغيرًا جدًّا، ثم إن ملك أو خلافة عبد الله بن الزبير عادت إلى بني أمية، فلا حاجة أبدًا، ثم إن أحدًا لم يقل أبدًا في فهم حديث: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) أن الذهاب إلى المسجد الأقصى يعوض الذهاب إلى المسجد الحرام ويغني عنه ويسد عنه.
الحديث واضح الدلالة في أن هذه المساجد الثلاثة هي التي تُضرب إليها أكباد الإبل خاصة ليصلى فيها؛ لأنها هي الأماكن التي شرفها الله تعالى، وميزها بالأجر الزائد عن غيرها في الصلاة فيها، على تفاوت بينها في المرتبة، وكل العلماء مجمعون على أن أفضل المساجد المسجد الحرام ثم المسجد النبوي ثم المسجد الأقصى، هذه الممالأة لعبد الملك لم تدعُ أحدًا أن يقول: إن المسجد الأقصى أولى من الكعبة في أي شيء. هذا حديث واضح الدلالة هو صحيح أخشى أن يروج "جولد تسيهر" اليهودي لهذا الكلام؛ انتصارًا ليهوديته ليبين مثلًا أن المسجد الأقصى لم يكن في ملك المسلمين، أو ليوهم أنه أفضل من الكعبة أو ما شاكل ذلك؛ حتى ينصرف المسلمون عن احترام كعبتهم وعن الدفاع عنها ... إلى آخره.
أحيانًا الفرية تكون بتهافتها وضعفها وهوانها بحيث لا تستحق الرد عليها، ولولا أنها سجلت في كتب علمية، وأن بعض الدارسين قد تأثر بها ما كانت تحتاج لرد أبدًا.
стр. 352
أيضًا من الردود التي نقولها: العلماء الخلفاء -هؤلاء وهؤلاء- من الورع والتقوى بحيث والله لا يقبل أحد منهم وضع حديث، ومهما قلت في حاكم أنه وقع في بعض الأخطاء من حكام الدولة الأموية أو الدولة العباسية، أنا لا أريد أن أنتقل إلى الخلفاء وسيرتهم، هذا بحث تاريخي، لكن على ما قد يقع في الدولة، فهي كانت دول إسلام، الحكم فيها لله، ولسنة النبي ﷺ وتحترم العلم والعلماء، حتى وإن اختلفت معهم أحيانًا وعاقبت بعضهم أحيانًا كما في خلق القرآن، والحدود مقامة، والشريعة مصانة، والنساء محجبات، والجهاد قائم، ماذا أقول؟ دول إسلامية بكل ما يعنيه الإسلام من شمول وفهم وتطبيق، فلا احتياج أبدًا إلى حديث يؤيد مذهبهم أو فكرهم أو يدعم دولتهم.
تدعيم دولتهم في المقام الأول كان يأتي من شدة تمسكهم بحديث الرسول ﷺ بالقرآن الكريم بالإسلام، هذه هي الشرعية التي كانت تؤهلهم للاستمرار على بقاء كرسي الحكم وحسن علاقة الرعية بهم؛ أنهم قائمون على حدود الله وعلى أمر الله، يقيمون شرع الله، لم تكن لهم شرعية غير ذلك أبدًا، لا من وضع حديث ولا من أي شيء من هذا الأمر.
معاوية صاحب النبي ﷺ وصهره أخو أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكتب له الوحي، وكتم سره ﵁ وأرضاه- معاوية يثبت له كل ما يثبت للصحابة ﵃ من العدالة ومن الصدق ومن الأمانة ومن العفة والطهارة، ومن الحرص على القرآن والسنة، أي افتراء عليه لا يجوز، أي خطأ في حقه مردود، هذا من كيد الشانئة المغرضين الرافضة، وإن شاء الله كيد الجميع مردود إلى نحورهم؛ يعني صفحة معاوية وصفحة أبي هريرة وغيرهم أكبر من أن تنالهم هذه الترهات.
أبو هريرة يضع حديثًا إرضاء لمعاوية!! الزهري في خلافة معاوية كان صغيرًا، معاوية مات سنة ستين والزهري كان عمره عشر سنوات، لا معاوية يحتاج؛ لأن
стр. 353
الله ثبّت ملكه، ودولته كانت دولة إسلام، بل إن الحقائق التاريخية تقول: إن معاوية لم يدعُ لنفسه أبدًا بالخلافة في زمن علي ﵁ ولم يكن الخلاف بينهم قائمًا على الخلافة، فما نازع أحد عليًّا الخلافة أبدًا لا معاوية ولا غيره، إنما كان الخلاف بينهم على قتلة عثمان، وأقول: هذا أمر تاريخي، فحين انتهى الأمر إلى معاوية كان بإجماع الأمة، لم يكن محتاجًا أبدًا إلى حديث يؤيده ويعضّد ملكه، انتقل الأمر إليه بتنازل الحسن ﵁ وبموافقة الأمة كلها على ذلك، وبمبايعته له؛ ولذلك اصطلحت الأمة على تسمية هذا العام بعام الجماعة، فلا الواقع التاريخي ولا الظرف الزمني أتى فيه سيدنا معاوية كان محتاجًا إلى أن يوضع له حديث يعضد ملكه أو يثبت دعائم حكمه، كما يزعم الزاعمون إلخ.
أيضًا المستشرقون يقولون "جولدتستير ومن شايعه": لقد وضعوا أحاديث تؤيد الحكام مثل: ((مَن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)) وأنا لا أدري ماذا في هذا الحديث من الممالأة لحكام المسلمين، وحين يقول النبي ﷺ : ((اسمعوا وأطيعوا، وإن تأمر عليكم عبد حبشي)) وكل هذه أحاديث صحيحة في مصادرنا الصحيحة، وغير ذلك من الأحاديث، ونهى عن الخروج على ولي الأمر: ((إلا أن تروا منه كفر بواحًا عندكم فيه من الله برهان)) ماذا في هذه النصوص من ممالئة للحكام؟ إنه قيام بحق ولي الأمر وحفظ للجماعة من الاختلاف، محافظة على وحدة الأمة، محافظة للوقاية من الفتن، من التفكك.
إن الأمم غير المسلمة تضع في دساتيرها ما يحافظ على وحدة الأمة، ووحدة الأمة -كما يقال في زماننا هذا- أمنٌ قومي، غير مسموح لأحد أن يعبث به، كل الأمم تضع نصوصًا في دساتيرها تحافظ على وحدتها، وكما ذكرت: غير مسموح لأحد أبدًا أن يعبث بهذه الوحدة، وأن يعرض أمن الأمة للخطر، فهذه
стр. 354
الأحاديث تحافظ على وحدة الأمة، ثم إن هناك أحاديث -لن أقول مقابلة- إنما متممة: مثلًا: "النصيحة للمسلمين"، لدرجة أن النصيحة أمر يبايع النبي ﷺ عليه الأمة، ((بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، والمنشط والمكره، والنصيحة لكل مسلم))، الحديث الآخر: ((النصح لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم)).
إذن، هم حافظوا على وحدة الأمة، ولم يسكتوا على تجاوز الأمراء، بل نبهوهم، كل الأمر كان في أسلوب التصحيح، ليس بشدة تؤدي إلى فتنة: ((مَن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطِع فبقلبه))، ((الدين النصيحة، قلنا: لِمَن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم)) إلخ. بل إن من مهمة الأنبياء هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ (الأعراف: ١٥٧) إلخ.
فهذه القواعد التي هي من مهمة الأنبياء، ومن مهمة الخلفاء بعدهم، ومن مهمة العلماء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنبي ﷺ نَهَى عن أن يطيع أحدًا في معصيته، بل إن النبي ﷺ بايع الصحابة على ذلك، في حديث الصحيحين "حديث عبادة بن الصامت" أن النبي ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه من أصحابه: ((بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا بمفتر تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف)) انظر إلى هذا القيد: ((ولا تعصوا في معروف))، النبي ﷺ هو الذي يبايع الأمة على هذا الأمر: ألا يعصوا في معروف؛ يعني: لا بد أن تكون الطاعة في معروف،
стр. 355
فإذا كانت في غير معروف فهي حرام، لماذا لم يكتب العلماء هذا القيد؟ وقالوا: ولا تعصوا فقط، لماذا لم يكتبوا حديث: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)) لماذا لم يكتبوا "النصيحة للأمراء" وغيرهم؟
عندنا كتب في السيرة الشرعية تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فلم يكن هناك حكام الذين يحتاجون إلى وضع الأحاديث، ولم يكن هناك علماء الذين يقبلون ذلك، لو كانت هناك أمور توجه إليهم بذلك.
هذه فرية مردود عليها بما ذكرناه وكل الأحاديث التي وردت في ذلك وضحناها بشكل يوضح الفهم الصحيح لها من خلال أقوال الأمة، فشبه المستشرقين أن الأحاديث تطورت نتيجة تطور المسلمين إلخ، كل ذلك مردود عليه بالأدلة، وفرية مكذوبة، ونأسف أن ينخدع البعض بهذا الكلام الزائف، وفي الأمر تفاصيل أخرى ما أشرنا إليه كفاية ويقاس عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمدًا وعلى آله وصحبه.
стр. 356
الدرس: ٢٠ حديث الذباب والرد على الشبهات التي أثاروها حوله .
стр. 357
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس العشرون
(حديث الذباب والرد على الشبهات التي أثاروها حوله)
رد الشبه المثارة حول حديث الذباب
الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فنتكلم عن حديث الذباب، والرد على الشبهات التي أثاروها حول هذا الحديث.
لماذا حديث الذباب؟
هو يمثل مجموعة من الأمور:
يمثل حدود العقل مع النص.
يمثل توضيحًا للشبهات التي يثيرونها حول السنة.
في بداية دروسنا قلنا: إن الهجوم على السنة لم يترك شيئًا في السنة إلا هاجمه: رواة السنة مصادر السنة، تدوين السنة، الصحابة الذين رووا السنة، لم يسلموا من الهجوم، المطلوب القضاء على السنة! هذا هو الهدف؛ لذلك لم يتركوا شيئًا لم يهاجموه، والقضاء على السنة قضاءٌ على الإسلام، وفي دروسنا الأولى بيّنا دور السنة في حياة الأمة بإيجاز، بقدر ما يتسع له المقام، وأنها تبين القرآن الكريم وتشرع مع القرآن الكريم، وأنه لولا بيان السنة للقرآن الكريم لَمَا فهمنا القرآن، لما طبقنا القرآن؛ لأن فهم القرآن يتوقف على السنة.
إذن، بيان السنة للقرآن يجعل القرآن متوقفًا في معنى السنة، ثم لم يقتصر دور السنة على بيان القرآن، فهي تشرع مع القرآن الكريم؛ ولذلك لم يتركوا شيئًا أبدًا في السنة بدون هجوم.
حديث الذباب مثال لما يثيرونه؛ من أن العقل لا يقبل هذا الحديث، ويثير هذه القضية: ما هي حدود العقل مع النص؟ وما عَلاقة العقل بالنص؟ وهذه علاقة افتعلوها أو معركة افتعلوها وتوهموها، لا صدام أبدًا بين العقل والنص.
стр. 358
وحين كنا نتكلم في بعض دروسنا قلنا: إن المحدثين هم أول من بينوا أنه إذا الحديث باين المنقول أو خالف المعقول أو صادم الأصول فاعلم أنه موضوع، لم نكن بحاجة إلى من يعلمنا أنه كيف تفهم العقول النصوص، إنما من سابق عهدنا ونحن أبناء المدرسة الحديثية، ونحن أحد تلاميذها بفضل الله ندرك جيدًا أن العقل له دَوْر في فهم النص، وهذا يجعلني أشير بسرعة قبل أن أتكلم عن هذا الحديث، وعن الشبهات التي أثاروها حوله- إلى علاقة العقل بالنص، العقل دوره هو فهم النص، ولا يشرّع مع النص، العلاقة الواضحة الجلية والتي صاغها علماؤنا في القاعدة المعروفة: لا اجتهاد مع النص، النص يقول شيئًا وأنت تقول شيئًا آخر؛ هذا مرفوض، إنما يعمل عقلك في فهم النص في ضوء القواعد المقررة عند العلماء في فهم النصوص، وأن يستنبط منها الأحكام وأن يدرك العلاقات إلى ذلك، فهذا ما لم يمنعه أحد أبدًا، نحن الذين لم نفهم الفرق بين الأمرين؛ بين الاجتهاد في النص والاجتهاد مع النص.
وكمثال توضيحي ضربناه مرارًا قلنا مثلًا: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء﴾ (النساء: ٤٣) ملامسة النساء ناقضة للوضوء، لا أحد يقول غير ذلك، وإذا قال أحد غير ذلك فإنه يصادم النص، يقول مع النص، يجتهد مع النص، أما أن تجتهد العقول في فهم المراد بالملامسة، فهذا هو الاجتهاد في فهم النص، وقد أعمل الصحابة عقولهم في فهم النص، في قصة مشهورة جدًّا قصة الصلاة في بني قريظة: ((لا يصلين أحد العصر إلا في بني قُريظة)) هذا نصٌّ لا يستطيع أحد أن يخالفه، لكن كيف نحققه؟ كيف نطبقه؟
هذا هو الاجتهاد في الفهم، فريق صلى في الطريق، وفهم أن المراد من النص هو الإسراع، وليس المراد تأجيل الصلاة حتى تخرج عن وقتها؛ لأنهم يعلمون من
стр. 359
خلال النصوص الكثيرة أن الصلاة في أول وقتها هي من أفضل الأعمال على الإطلاق؛ فلذلك فهموا أن النبي ﷺ يريد منهم أن يسرعوا بالذهاب إلى ديار بني قريظة، لكن لا يريد منهم أن يخرجوا الوقت عن وقته الأصلي، هناك فريق أصرَّ على أن يعمل النص على ظاهره ولم يصلِّ إلا في ديار بني قريظة، وكتدريب للأمة على الاجتهاد في فهم النصوص، قابل النبي ﷺ الفهمين معًا، ولم يعِب على أحد منهما، هذا مجرد مثال.
المشكلة والله جاءت من أنهم حاولوا أن يُدخلوا العقل فيما ليس من ميدان عمله، وهذه قضية خطيرة، كانت من بين القضايا الهامة التي عالجها ما يسمونهم الفلاسفة الإسلاميون وغيرهم، حدود العلاقة بين العقل وبين النص.
النص -كما قلت- يوثق مِن خلال الطرق المعروفة في توثيقه، ومن بينها العقل، لكن أي عقل ينظر في النص؟ هذه هي المشكلة! عقلٌ تربَّى على مائدة المستشرقين وتأثر بأفكارهم، بل لم يقرأ لغيرهم، هذا نريده أن يتحكم في النصوص وفي فهمها ويقول: هذا حديث صحيح، وهذا حديث كذا؟! عقل تلقى تعليمه في شرق أو في غرب، كل ذلك لا يجوز إنما العقول التي تنظر في النصوص هي العقول المحكومة بكتاب الله وبسنة النبي ﷺ وتبحث عن الحق، وتسعى إليه.
إذن، حديث الذباب حديثٌ أنموذج لما زعموا أنه يخالف العقل، وزعموا أنه يخالف القواعد الطبية، والحديث رواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الطب، باب إذا وقع الذباب في الإناء، وأخرجه في كتاب الخلق، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم، وله طرق كثيرة، الحديث في (صحيح البخاري) -رحمه الله تعالى- بسنده إلى أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: ((إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، ثم ليطرحه؛ فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء))
стр. 360
هذا نص الحديث عند الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- مع تفاوتٍ بين الروايات في بعض الألفاظ اليسيرة مثل: ((فليطرحه كله، أو يغمسه كله)) وردت في بعض الروايات ولم ترد في بعض الروايات الأخرى.
الحديث مشكلته -كما يقولون- عقلية، أنه مخالف للعقل، وسبب مخالفته للعقل لما هو معروف طبيًّا من أن الذباب ناقل للعدوى، فكيف يكون فيه شفاء؟! إلى آخر ما أثاروه من شبهات حول هذا الموضوع.
وما نتكلم به عن حديث الذباب نتكلم به عن أحاديث كثيرة ردوها، في الصحيحين، حديث فقأ موسى لعين ملك الموت، حديث السحر، المنهج لا يتسع للرد على كل هذه الأحاديث حديثًا حديثًا، وهناك كتب عَنيت بذلك، وما نتناوله في دروسنا إنما يفتح الباب لأبنائنا المتلقين؛ لكي يتابعوا القراءات مع الكتب التي عُنيت بالموضوع، عندنا عشرات الكتب عنيت بالرد على الشبه حول السنة من الدكتور مصطفى السباعي والدكتور محمد أبو شهبه والدكتور محمد زهرة، وكثيرين من المحدثين، وهناك مواد الآن في الكليات حول الشبهات التي أثيرت حول السنة، فيما يتعلق بكل فروعها وتفصيلاتها من الصحابة ومن الرواة ومن الكتب ... إلى آخره. فما نذكره يكون أنموذجًا لآخرَ.
إذن، حديث الذباب معناه: أن الذباب إذا وقع في إناء أحدنا، فماذا عليه أن يفعل؟ أن يغمسه كله، يعني: يضع الذبابة كلها في السائل الذي في الإناء، يُغرق الذباب في السائل الذي في الإناء، ثم بعد ذلك يقذف بالذباب إلى خارج الإناء؛ أي: ليطرحه أي: ليلقيه بعيدًا عن الإناء، والنبي ﷺ يعلل يقول: ((إن في إحدى جناحيه داء، وفي الأخرى شفاء)).
أعداء السنة -قديمًا وحديثًا- يتكلمون عن هذا الحديث، والذين تطاولوا على
стр. 361
أبي هريرة، قالوا: إن هذا الحديث من رواية أبي هريرة، وقالوا: إنه حديث آحاد يفيد الظن، نفس القضايا التي أثيرت حول السنة تثار من خلال هذا الحديث وغيره مما قلناه.
قضية أنه حديث آحاد يفيد الظن، هذه رددنا عليها في الدروس المتعلقة بالمتواتر والآحاد، وبيّنا أن حديث الآحاد عند كثير من العلماء يفيد القطع؛ أي: نقطع بنسبته للنبي ﷺ وحتى مع القول بإفادته بالظن، بمعنى: أن نسبته إلى ﷺ مظنونة- فهذا لا يمنع العمل به؛ فإن العلماء قد أجمعوا على أنه يجب على الأمة أن تعمل بما غلب على ظنها، وقد أشرنا إلى هذه المسألة -كما قلت- في الدروس المتعلقة بالمتواتر والآحاد.
بقية الشبهات: أنه مخالف للعقل، مخالف للشرع، كيف هو مخالف للشرع؟ يقولون: إن الشرع قد حدثنا على اجتناب الضار، واجتناب النجاسة، والعلم يقطع بمضار الذباب، يعني: النصوص التي تمنع المسلمين من أن يقعوا في الضرر كثيرة جدًّا: بل إن كثيرًا من المحرمات حرمت لضررها، مثل الخمر وما إلى ذلك على الصحة، ومثل التدخين إلى آخر ما نعرفه. الشرع الحنيف حرص من خلال الأدلة المتعددة على الحفاظ على صحة الإنسان، والحفاظ على الصحة هي إحدى الكليات التي حافظ الإسلام عليها، فكيف نأتي بحديث نقول: إنه من أقوال النبي ﷺ وهو يقول: إن الذباب فيه داء وشفاء، فليفعل كذا -يعني: الذي قلناه من غرس الذبابة- ثم طردها إلى خارج الإناء.
أيضًا، يقولون: إن هذه ليست عقيدة، وهذا أمر ليس من عبادات الإسلام ولا من شرائعه حتى ندافع عنه، وحتى نستمسك به، وهم يريدون أن يفتحوا الباب لأنفسهم أنه إذا اعترضوا على هذا الحديث فلا غبار عليهم؛ لأنهم لم يتجرءوا
стр. 362
على قواعد الشرع ولا على عقائده ولا على عبادته، بل إن بعضهم يتصور أنه يدافع عن الإسلام ويطهره -هكذا يقولون- مما قد يثار حوله أنه يخالف العلم أو يأخذ بالمضرات إلخ، بل يقولون: إن هذا الحديث وغيره إن الاشتغال به إنما هو صرف للناس عن أمور هامة في مجال الاختراعات والمكتشفات، والوقوف عند مثل هذه الأحاديث التي تعطل الناس على الانطلاق في هذه المجالات لا يجوز أن نأخذ بها.
هذه بعض الشبه، وآثارها خصوم الإسلام، ومنذ يومين فقط قرأت في إحدى الصحف لمن يدافع بشدة عن رفض الحديث، وهم أصحاب جرأة على أهل العلم الذين يرفضون ذلك، ويتهمونهم بالتخلف وبالظلام، ولعل الأبناء الذين يتابعون شيئًا من هذا ويقفون على صنعهم، وكأن جزءًا من منهجهم أن يخيفوا العلماء المخلصين بالاتهامات وبالسب وبكذا، حتى يتوقفوا عن الدفاع عن السنة المطهرة.
على كل حال، نحن ذكرنا الشبهات التي أثاروها، رددنا على أنه حديث آحاد، وبينا بإيجاز أن العمل بالآحاد واجب حتى مع القول بأن نسبته للنبي ﷺ مظنونة، حتى الفريق الذي قال: بأن خبر الآحاد يفيد الظن ولا يفيد القطع، لم ينازع أبدًا في وجوب العمل بها، بل إننا هناك قلنا: إن الأثر الوحيد لهذه القضية هو عند الترجيح، بمعنى أنه: إذا تعارض حديث متواتر مع حديث آحاد، ولم يمكن الجمع بينهما بحال وانتقلنا إلى الترجيح، فإن المتواتر يتقدم؛ لكونه أقوى ثبوتًا من حديث الآحاد، لكن أقوى ثبوتًا لا تعني أن حديث الآحاد غير ثابت، ولا تعني أنه ضعيف، فمتى ثبتت صحته وجب العمل به على العين والرأس، وهذه من القواعد التي قررها العلماء وانتهوا منها والعودة إليها لا تجوز، إذن هذه الشبهة مردود عليها.
стр. 363
الحديث ثابت في أصح مصادرنا، الحديث رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والإمام أحمد، وعبد بن حميد، والدارمي، وأبو عبيد، وأبو يعلى، وابن الجارود، وابن خزيمة، وابن حبان، البزار، ابن قتيبة، الطبراني، البيهقي, الطحاوي، الحاكم، ابن السكن، النجار، ابن أبي خيثمة، ابن عبد البر، كل هؤلاء وغيرهم من أصحاب كتب السنة قد خرّجوا الحديث بطرق متعددة، يعني الحديث ليس في كتاب واحد ولا هو عند البخاري فحسب، والذي ذكرناه بإيجاز، والأستاذ الدكتور الشيخ ملا خاطر -حفظه الله- له كتاب طيب في حديث الذبابة بالذات نحيل عليه، اسمه (الإصابة في صحة حديث الذبابة) يتكلم عن حديث الذبابة كما ذكر هو في عنوانه من النواحي الفقهية والطبية والحديثية، الحديثية بمعنى ثبوته.
إذن، الحديث نستطيع أن نقول: يملأ دواوين السنة، هذا من ناحية.
من ناحية أخرى لم ينفرد أبو هريرة ﵁ بروايته، ولو انفرد أبو هريرة بروايته فعلى عيننا وعلى رأسنا، وأبو هريرة راوية الإسلام، وعالم السنة الفحل، وأحفظ هذه الأمة للسنة كما وصفه الإمام الشافعي، لن يخيفنا كلام أحدهم عن اعتقاد هذه الحقائق اليقينية، جزى الله أبا هريرة خيرًا عن الإسلام وعن سنة النبي ﷺ لكن نحن نتكلم بشكل علمي.
لقد تتبع الدكتور ملا خاطر طرقه بوضوح في كتابه، فهو قد ورد من رواية أبي هريرة ومن رواية أبي سعيد الخدري ومن رواية أنس بن مالك ومن رواية عدي بن أبي طالب ﵃ أجمعين- إذن ورد عن طريق جملة من الصحابة وليس صحابيًّا واحدًا، ولو ورد من طريق صحابي واحد -كما قلت- من هؤلاء فضلًا أن يكون هو أبا هريرة، فعلى عيننا وعلى رأسنا، وفي قلوبنا وفي عيوننا، ونقول: سمعنا وأطعنا.
لكن هذا اتباع للأساليب العلمية في الرد على الشبهة، وهو أن نجمع طرق
стр. 364
الحديث؛ لنبين أن من بين الرد على شبهاتهم أن أبا هريرة لم ينفرد بروايته، إذا كنت ستشكك في أبي هريرة -ولن نقبل- لكن هب أنك ستجترئ عليه، فماذا تقول في رواية أبي سعيد ورواية علي بن أبي طالب ورواية أنس بن مالك؟ وكل ذلك قد جمع طرقه العلامة شيخ ملا خاطر أحيل عليه حتى لا أطيل، لكنها كلها طرق صحيحة تؤكد صحة الحديث، ولو لم يرد إلا في البخاري لحسبنا هذا.
لكن هذا يفيد في قضية أخرى، أجمعت الأمة على تلقيه بالقبول وملأ دواوينها، كنا في انتظار أحد حتى هذا العصر حتى يأتي ليبين لنا أن هذا الحديث لا تقبله قواعد الشرع، ولا تقبله القواعد الطبية ولا ما يقولون! هذا كيف مر على عقول الأمة وقلوبها، وقبلته وساغته وروته، وحفظته وعملت به، ثم بعد ذلك يأتي من يدحض ذلك كله؟!
على كل حال، يقول الشيخ ملا خاطر في ختام كلامه عن دراسته لطرقه وأسانيده وأنه في أعلى درجات الصحة: ومن الغريب جدًّا أن هذا الحديث بعينه -وهو حديث الذبابة- لم يكن مما قد استدركه أحد من أئمة الحديث على الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- بل هو عندهم جميعًا مما جاء على شرطه، وفي أعلى درجات الصحة، ولم يتكلم فيه إلا من لا خَلاق له في العصور المتأخرة، كما قال الإمام الخطابي -رحمه الله تعالى- تكلم عن هذا الحديث من لا خلاق له.
إذن، هذا الحديث الصحيح، أجمع العلماء على تلقيه بالقبول، العلماء الذين انتقدوا بعض الأحاديث في الصحيحين، لم يجعلوا هذا الحديث من بين الأحاديث التي انتقدوها، لا من ناحية الإسناد ولا من ناحية المتن.
لكن دعنا نفرغ الآن من تأكيد هذه الحقيقة، وهو أن الحديث صحيح إسنادًا ومتنًا، وأنه في أعلى درجات الصحة، بل نقول: إن أمتنا كلها قد تلقت هذا الحديث بالقبول، وأجمعت على أنه صحيح بنسبة مائة بالمائة أو كما يقال في لغتنا المعاصرة كتأكيد: مليون في المائة، لا يخالف الواقع
стр. 365
ولا العقل ولا الطب في شيء مما سنذكره فيما بعد، لكن نحن أشرنا إلى المسألة الأولى وهي أنه قد ورد في دواوين السنة وبطرق صحيحة، ومن طرق الصحابة الأربعة وأن أبا هريرة ﵁ لم ينفرد بروايته.
الشيخ الألباني أيضًا في دراسته لهذا الحديث في (سلسلة الأحاديث الصحيحة)، تكلم عن هذا الحديث، وذكر له ثلاثة طرق، وهي من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وأنس ﵃ ولم يشر لحديث علي بن أبي طالب، الذي أضافه الشيخ ملا خاطر -رحمه الله تعالى-.
وفي بعض روايات الحديث عن الزيادات: ((وإنه ليتقي بجناحيه الذي فيه الداء، فليغمسه كله)) ماذا يتقي؟ يعني: هو حين ينزل في السائل ينزل بجناحه الذي فيه الداء، ثم عليك أن تغمسه؛ لتَحدث المعادلة.
إذن الحديث في أعلى درجات الصحة، ونفعل ذلك لأنه -كما قلت- ينزل بالجناح الذي فيه الداء، فإذا غمستَه كله في الإناء قوبل الداء بالدواء أو بالترياق، فتحققت المعادلة، وتحقق الغرض الذي أشار إليه النبي ﷺ .
المعجزة النبوية في حديث الذباب، ودفع شبهة تعارضه مع الطب
يقول الشيخ محمد أبو شهبة ﵀ في كتابه الطيب (الدفاع عن السنة) وضع له عنوانًا من ضمن العناوين في دراسة الكتاب، بين أنه معجزة نبوية ليس حديثًا عاديًّا فقط، وإنما هو معجزة نبوية.
يشير الشيخ ملا خاطر إلى قضية جميلة طريفة كأسلوب من أساليب الرد على الشبه، هناك أمر مستغرب وهناك أمر مستحيل؛ المستحيل هو الذي يستحيل وقوعُه، أما المستغرب فيعود إلى ضعف المتصور نفسه وعدم إدراكه؛ يعني:
стр. 366
الأمر مستغرب بالنسبة لي، أنا لا أستطيع أن أفهمه، كثير من الناس يخلطون بين المستحيل وبين المستغرب، وحتى في غير التشريعات، لو أن أحدنا جاءنا يحدثنا عن أمر مستغرب؛ كنا نستغرب الطائرات في أول الأمر، كنا نستغرب النزول على سطح القمر، كنا نستغرب أمور كثيرة، كنا نستغرب أن ينتقل البث التلفازي في أي مكان في الأرض إلى كل أرجاء الأرض في وقت واحد، كل ذلك لو تحدثتَ به منذ خمسين سنة أو منذ مائة سنة أو مائتي عام لكان ضربًا من الجنون. الآن أصبح أمرًا واقعًا يعيشه الناس، ويدركونه، فهناك أمر مستغرب لكنه مستحيل.
يوضح الشيخ المثل يقول: لو جئت مثلًا برجل عامي وكلمته عن الأوزون، وعن اختراقه، وعن هبوط الإنسان على سطح القمر، ربما استبعد ذلك جدًّا، بل في استبعاده ربما رأى أنه مستحيل، لكن الذين تمرّسوا في المسائل العلمية لا يستبعدون هذا، فهناك فرقٌ بين أن تستبعد وتقول له: مستحيل، وبين الاستغراب.
الإسلام -بفضل من الله تعالى- ليس فيه أبدًا ما يخالف العقلَ، ولا ما يرفضه الواقع، ولا يحكم باستحالته، إسلامنا -بفضل الله بريء من كل هذا، بل أنا دائمًا أقول في مناسبات كثيرة: إننا نفخر بإسلامنا، ليس في إسلامنا ما نخجل منه، ولا نحاول أن نداريه ولا نتمنى أنه لو لم يكن، لا، كل ذلك غير وارد بالنسبة للإسلام.
إسلامنا نأخذه من المصادر الصحيحة من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة.
إذن، قد يُقبل استغراب البعض لهذا الحديث لكنه لا يقبل منه أبدًا أن ينكره، أو أن يحكم باستحالته، وعلاج الاستغراب واضح، الاستحالة نوع من العناد إنما
стр. 367
الاستغراب المعالجة له بمزيد من العلم، الأمر الذي تستغربه أدرسه علميًّا وشاور فيه أهل الاختصاص، وانظر مدى إمكانية وقوعه، أو هل العلم يؤيده؟ هل الواقع يؤيده أو هل العقول تقبله؟ أما أن تبني رفضك له على استغرابك له، فهذا ما لم يقل به أحد من قبل.
ولذلك ننتهي إلى أن الحديث صحيح، وأن الأمة قد أجمعت عليه، وأن أحدًا من علمائنا الأثبات القدامى الذين نظروا في السنة ومَنحوا الإجماع لـ (صحيح البخاري) و (مسلم) لم يتوقفوا مع هذا الحديث، بل تلقوه بالقبول، ولا تجد رواية واحدة أعلت هذا الحديث بأي نوع من أنواع العلل.
يقولون: كيف ألهم الله الذباب من وجوه قولهم: أنه يتعارض مع العقل، كيف الهم الله الذباب أن ينزل بالجناح الذي فيه الداء؟! هل له إدراك وأنه يحمل في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء؟! وكيف ينزل بالجناح الذي فيه الداء؟ وهل الذباب عاقل حتى يدرك ذلك كله؟!
نقول: ما دام الكلام بالعقل -كما يقولون-: هناك مخلوقات كثيرة فيها نفس القضية أو غيرها، مثلًا الحية مليئة بالسم وفيها الترياق أيضًا، النحل فيه السم وفيه العسل، كل ذلك يعرفه أهل العلم، النملة تحمل الحَبّة وهي تحملها تخرقها، لكي لا تنبت؛ حتى تستطيع أن تحتفظ بها، يعني: عشرات المخلوقات التي ليست من أصحاب العقول بالمستوى الذي نتصوره في العقل تصدرُ عنها أفعال عاقلة، بل في قمة النضج، بل مليئة بالحكمة.
فهذا كله ثابت بالأدلة، ثابت بالواقع العملي الذي نراه، كل الحيوانات التي تتقي الخطر عن نفسها؛ لأن هناك فطرة فطر الله المخلوقات كلها عليها، ليس شرطًا أن يدرس المخلوق من الحيوانات في جامعة علمية، أو أن يدخل إلى المعامل التجريبية، إنما هناك فطرة فطَر الله تعالى الخلق جميعًا عليها، ومن هؤلاء الخلق
стр. 368
كل المخلوقات، وكل صنف من المخلوقات أمة من الأمم: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ (الأنعام: ٣٨).
النحلة تخرج العسل والسم، الحية فيها السم وفيها الترياق، ويستفيد أهل الصيدلة جدًّا من سمها ومن ترياقها أيضًا، الهدهد الذي تكلم في: ﴿أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (النمل: ٢٥) النملة التي قالت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ (النمل: ١٨) كل هذه المخلوقات التي تبحث لنفسها عن مأوى عن مهرب، بمجرد أن ترى الخطر أو حتى تلمحه ولو من بعيد، حين يرى حيوانٌ ضعيف حيوانًا مفترسًا فإنه يهرع بالفرار وبالهروب حتى لا يتعرض لأذاه، ما الذي حرك كل ذلك؟ هذه المخلوقات بالفطرة، فاستبعاد أن يدرك الذباب أن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، رددنا عليها بالمخلوقات نفسها، ولم نذكر عشرات، وأعتقد أن كل واحدًا يعني يرى ذلك جيدًا جدًّا في كل الحيوانات المحيطة به.
ائتِ أي حيوان مثلًا وألقي به في النار، واترك له الحرية في أن يبتعد عنها، قطعًا لن يدخل، كيف عرف هذا؟ هل هناك عقل كما يقولون؟ هذا أمر فطري فطره الله عليه، لماذا يفر الفأر حين يرى القط مثلًا؟ ولماذا يهرب القط حين يرى الكلب؟ أسئلة تبين في وضوح وجلاء أن الفطرة عرفت الذباب هذا الأمر، ثم إن الذي خلق فيه الدواء والداء هو الذي ألهمه بذلك، لماذا نستبعد هذا: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا مما في بطونه من بين فرث ودمًا لبنًا خالصًا﴾ (النحل: ٦٦)، سبحان الله! استبعدت أن يلتقي الترياق مع الداء في كائن واحد ها هو القرآن يتحدث: ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِين﴾ (النحل: ٦٦) دم وفرث وكلاهما متعب يخرج من بينهم شراب خالص سائغ للشاربين، وهو اللبن الطيب الذي نشربه بفضل الله نعلمه جميعًا.
стр. 369
إذن، أي عقل يستبعد أن يدرك الذباب هذا الأمر، وقد ضربنا له أمثلة كثيرة.
إذن، هذا ليس مخالفًا للعقل، إنما الأدلة عليه أتكلم من ناحية إدراك الذباب لما فيه من أمور الخلق، وأنه ينزل بالجناح الذي فيه الداء ليتقيَ ثم علينا أن نغمسه.
ننتقل إلى رد آخر: الحديث هل فيه أمر بضرورة فعل ذلك؟
لم يفهم أحدٌ من العلماء أبدًا بالقول بوجوب ذلك، وهم يشرحون الحديث، وأنا هنا أحيل على شرّاح الحديث من كتب السنة، في (فتح الباري) وفي غيره من كتب شروح البخاري وشروح السنة كلها، ومن كتب الطب التي تعرضت له ومن غيرها -غيرها كثير- أحيل عليها؛ لأبين أن أحدًا من علماء الأمة لم يقل بالوجوب، ماذا يعني هذا الكلام في الرد عليهم؟ يعني: إذا طابت نفسك بالاستفادة من هذا المشروب أو السائل الذي في الإناء، إذا وقع فيه الذباب فافعل ذلك، وإن لم تفعل فاطرحه، إذا لم تقبل، فاطرحه، لكن لا تعترض على الحديث، لمجرد أنك تستبعده أو تستغربه.
وقد ضربنا له الصلة بما يشابهه وبما هو أقوى، بما لا يقل عنه في الغرابة إذا أردت أن نستغرب، لكن في ليس في الاستحالة، واستدللنا بالقرآن، هم في السنة يجترءون ويقولون: هذا حديث آحاد وربما أخطأ الراوي، وما إلى ذلك، فماذا سيقولون في القرآن: ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِين﴾، وحينما أثبت الإدراك للهدهد وللنملة وللسماء والأرض: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِين﴾ (فصلت: ١١).
هذه أدلة كثيرة تدل على الإدراك عند هذه المخلوقات، الإدراك الذي خلقه الله تعالى بما يريد وكيف يريد بالفطرة، وليس شرطًا أن تكون لها عقول كما يتوهم الواهمون، حتى تدرك هذه الأشياء.
стр. 370
أقول في الاستدلال الآخر: ما الذي في الحديث من غريب؟
إذا لم تطب نفسك باستعماله فأرِقْه، لكن -كما قلت- لا تعترض على الحديث، بل إني سأنتقل إلى النقطة الأخرى، وأقول: إن في هذا الحديث سبقًا اقتصاديًّا عظيمًا؛ إنه سبق اقتصادي يتناسب مع المجتمعات المتوسطة والفقيرة.
لو أن الذباب وقع مثلًا في إناء من العسل فيه جملة من الكيلوات، لو وقع في إناء من اللبن، لو وقع في إناء من السمن، أنلقي ذلك كله ونرميه؟ نقابل ربنا بأي وجه، وهب أنك ستقول: إنك رجل غني تستطيع أن تعوض ما ألقيته من هذا، فماذا يفعل الفقراء؟
دائمًا أقول: هاتِ أي سيدة من سيداتنا الحريصات على البيوت وعلى المعاش كما نعرفها جميعًا، واطلب إليها إذا وقعت ذبابة في إناء من العسل أو من اللبن أو من السمن أو من غير ذلك مما له قيمة وقل لها: ألقيه في اليم أو في الأرض ولا تستعمليه! ستستغرب ذلك جدًا، وستحاول بفطرتها أيضًا وبعقلها أن تتغلب على ما قد يقال: إنه من الضرر، مثل: أن تدخله النار مثلًا، أن تغليه في النار أو أن تقدحه في السمن حتى تموت الميكروبات، حتى من غير أن ترى أن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، لكنها بفطرتها بحرصها سيشق عليها جدًّا أن تهدر هذا الأمر الذي يتكلف مع غلاء الزمان الذي نعيش فيه.
أقول: إن هذا الحديث سبق اقتصادي، وتفوق في التجاوب مع الظروف الاقتصادية التي تطرأ، وتصبح هذه الأشياء غالية، مع أننا يمكننا أن نستفيد بها من غير ضرر -بإذن الله رب العالمين-.
وقد لا يروق للبعض هذا الرد -التفوق أو السبق الاقتصادي- أقول: ليس في الحديث إجبار على أن تستعمله، لكن لا تنكر عن الذين تستعملونه، الآفة أنهم
стр. 371
لا يقبلون غير رأيهم، حتى لو قلنا: المسألة اجتهادية، هي ليست اجتهادية؛ لأنه حديث، لكن ليست واردة بأدلة غير الحديث حتى نجتهد فيها، إنما نجتهد في فهمها، والعجب أنهم لا يكتفون بجرأتهم على الحديث، بل الشيطان يسول لهم ويملي لهم ويزين لهم أنهم يدافعون عن إسلامهم، وأننا الذين نتمسك بهذه الأحاديث نحن الذين نأتي بالاتهام للسنة المطهرة.
إذن، فيه سبق اقتصادي، ليس فيه أمر بضرورة الاستفادة بهذا الأمر، بل كما قلت خلاصته: أنك إذا طابت نفسك باستعماله فعلى الرحب والسعة، وإذا لم تطب من الممكن أن تريقه، لكن في كل الأحوال ليس من المسموح لك أن تعترض على الحديث الذي أجمعت الأمة على تلقيه بالقبول.
أيضًا، قضية أن الحديث يتعارض مع الطب في أن الذباب يحمل الجراثيم، اقرءوا الحديث جيدًا، وليأتِ أحدنا بأي نص أو بأي جملة في الحديث تقول: إن الذباب لا يحمل الجراثيم، هم يحمّلون للحديث؛ لأنهم أصلًا لم ينظروا فيه وفي دراسته، ولم يقرءوا أقوال العلماء، إنما يسارعون بالهجوم من غير تبدر وتأمل وتفكير ورويّة. بل بالعكس، هو يقرّ إن في أحد جناحيه داء، هذا هو الضرر، وهو يدلنا على كيفية اتقاء هذا الضرر بأن نغمسه فيه.
إذن، ليس في نص الحديث أبدًا ما يجعلهم يقولون: إن هذا يتعارض مع الطب؛ لأن الذبابة حاملٌ للجرثومات أو للأمراض، بل أقول: إن هذا الحديث يؤكد هذه الحقيقة؛ لأنه بين لنا أنه يحمل في أحد جناحيه داء، والله بفضله وبمنه وبكرمه وضع ترياقًا مقابلًا لهذا الداء في الجناح الآخر، وكل المطلوب منك إذا أردت أن تستفيد من هذه المادة التي وقع فيها الذباب، أن تغمسه فيه، ثم تنزعه وتطرحه بعيدًا عن الإناء، ثم استفِدْ بهذا الذي في الإناء إن قبلت وإن أردت.
стр. 372
إذن، الحديث لم يُنكر أن في الذباب جراثيم وبلاء، بل هو يدلنا على اتقاء هذه البلاءات التي في الذباب نفسه، ثم -في فهمي- الحديث يحمل رحمةً من الله تعالى للناس جميعًا، وليس للمسلمين فحسب، كيف؟ الذباب لا نستطيع أن نتقيه، هو يملأ حياتنا، صحيح نقاومه بوسائل متعددة، لكننا لا نقضي عليه تمامًا، يعني هو في حياتنا إن شئنا أو أَبينا، يدخل علينا حجرات نومنا، ويلقي بنفسه على طعامنا ونحن نتناوله، رغم أخذنا بالأسباب الاحتياطية، فالله تعالى من رحمته ومن كرمه ومن فضله ومن إحسانه على هذه الأمة، أنه يعلم بعلمه الكشفي الإحاطي، أنهم لن يستطيعوا أن يدرءوا الذباب عن أنفسهم مهما حاولوا، فأوجد لهم هذه الطريقة التي تدفع ضرر الذباب عنهم.
بما أنك لن تستطيع أن تدفع الذباب فاستعمل هذه الفائدة الإلهية، بأن تطرحه في الإناء إذا وقع فيه، إذا لم يقع فيه فلا مشكلة، أين المشكلة! أما إذا وقع فيه وأردت أن تستفيد به فافعل ما أمر به النبي ﷺ فالحديث سبق أيضًا، وفضل، وكيف يخفى ذلك.
يقول الشيخ ناصر الألباني ﵀: والحقيقة أن الحديث لا يخالف الأطباء في ذلك -أي: في أن الذباب يحوي الجراثيم- بل هو يؤيده؛ إذ أخبر أن في أحد جناحيه داء، ولكنه يزيد عليهم -أي: على أهل الطب- وفي الآخر شفاء، فهذا مما لم يحيطوا بعلمه، فوجب عليهم الإيمان به إن كانوا مسلمين، وإلا فالتوقفُ إذا كانوا من غير المسلمين إن كانوا عقلاء؛ لأن العلم الصحيح يشهد بأن عدم العلم بالشيء لا يستلزم عدمه، يعني: أنا لا أعلم أن محمدًا قد سافر، فهذا لا ينفي أنه قد سافر، فالذي ينفي الشيء؛ لأنه لا يعلم به -يقول: هو غير موجود- هو يتصادم مع بدهيات العقول، هو رتّب نتيجةً على مقدمة لا
стр. 373
تُؤيده في ذلك، أنا لا أعلم بهذا الشيء يكون غير موجود، هذا ما لم يقل به أحد من العقلاء ولا من العلماء.
وننتقل الآن إلى جانب آخر من جوانب الرد على الشبهات وهو أخطر مشكلة من المشاكل التي أثاروها، وهو أن الطب الحديث أثبت أن الذباب ضار وليس في أحد جناحيه وفي الآخر دواء:
هذه الفرية يرد عليها أيضًا العلماء الذين تكلموا في هذا، الشيخ ناصر الألباني يقول: وقد قرأت قديمًا -يشير إلى مجلةٍ علمية قرأها قبل ذلك-: لا مانع من أن أنقل إلى القراء خلاصة محاضرة ألقاها أحد الأطباء في جمعية الهداية الإسلامية في مصر حول هذا الحديث، فيقول هذا الطبيب: يقع الذباب على المواد القذرة المملوءة بالجراثيم التي تنشأ منها الأمراض المختلفة، فينقل بعضها بأطرافه ويأكل بعضها، ويتكون في جسمه من ذلك مادة سامة يسميها علماء الطب مبعد البكتيريا، وهي تقتل كثيرًا من جراثيم الأمراض، ولا يمكن لتلك الجراثيم أن تبقى حيةً أو يكون لها تأثير في جسم الإنسان في حالة وجود مبعد البكتيريا هذا، وأن هناك خاصية في أحد جناحي الذباب هو أنه يحول البكتيريا إلى ناحيته.
وعلى هذا، فإذا سقط الذباب في شراب أو طعام وألقَى الجراثيم العالقة بأطرافه في ذلك الشراب، فإن أقرب مبيد لتلك الجراثيم وأول واقٍ منها هو مبعد البكتيريا الذي يحمله الذباب في جوفه قريبًا من أحد جناحيه، فإذا كان هناك داء فدواؤه قريب منه، وغَمْس الذباب كله وطرحه كافٍ لقتل الجراثيم التي كانت عالقةً، وكافٍ في إبطال عملها.
هذا كلام الشيخ الألباني -رحمه الله تعالى- نقلًا عن أحد الأطباء.
ويتكلم أيضًا الشيخ محمد أبو شهبة -رحمه الله تعالى- في كتابه (الدفاع عن السنة): وقد شاء ربك العالم بما كان وبما يكون أن يظهر سر هذا الحديث، وأن
стр. 374
يتوصل الأطباء إلى أن في الذباب مادة قاتلة للميكروب، فيغمسه في الإناء، تكون هذه المادة سببًا في إبادة ما يحمله الذباب من الجراثيم، التي ربما تكون عالقةً به.
وبذلك أصبح ما قال العلماء الأقدمون تجويزًا حقيقةً مقررةً.
وينقل الشيخ أبو شبهة نقلًا آخرَ، يقول: وفي "مجلة التجارب الطبية" الإنجليزية، عدد ١٣٠٧ - ١٩٢٧ ما ترجمته: لقد أُطعم الذباب من زرع ميكروبات بعض الأمراض، وبعد حينٍ من الزمن ماتت تلك الجراثيم، واختفَى أثرها، وتكون في الذباب مادة سامة تسمى بـ"كتريوفاج"، ولو عُملت خلاصة من الذباب لمحلول الملح لاحتوت على هذه المادة التي يمكنها إبادة أربعة أنواع من الجراثيم المولدة للأمراض.
على كلٍّ، النقول الطبية في هذا الأمر كثيرة، وهناك طبيبان أشار إليهما الشيخ محمد أبو شهبة كتب في "مجلة الأزهر" في عدد رجب سنة ١٣٧٨: أشار إلى كثير من البحوث التي قام بها كثير من علماء البلاد الغربية، هذه البحوث في بلادهم، وأشار أيضًا الطبيبان اللذان كتبا هذا المقال إلى المصادر التي ذكرت تلك المعلومات، ذكروا العلماء بالاسم، وذكروا بحوثهم والمجلات التي نشرتها في آخر هذا البحث، يعني: استعملوا أساليب التوثيق العلمي الدقيقة؛ ليردوا على هذه الفرية.
والخلاصة:
أن هذا الحديث من الناحية الحديثية ثابت وفي أعلى درجات الصحة، في عدم مخالفته للفطرة، وضربنا نظائر لهذا، حتى أكبر شبهة أثاروها وهي مخالفته للطب فيما يزعمون، كثيرٌ من أبحاث الطب تُثبت صدقه، وحتى ولو لم تثبت فيكفينا أنه كلام سيد الخلق ﷺ .
стр. 375
ويشير الشيخ مُلا خاطر ﵀ إلى أشياء أخرى، أفادها الحديث غير ما ذكرناه، أفاد أن الحديث ناقل للأمراض ونحترز منه ما أمكن، أفاد أنه يقدم سمه ويؤخر الشفاء، وقال العلماء بعضهم: وجدناه يتقي بجناحه الأيسر فعُلم أن الأيمن الذي فيه الشفاء، وأيضًا علم أن الجناح الذي فيه الشفاء يقضي على المرض الذي في جناحه الممرض -والعياذ بالله-.
وهذا الحديث من دلائل نبوته، الذي يخبر بذلك في زمن لم تكن فيه معامل ولا أبحاث ... إلى آخره، كل ذلك ذكره العلماء، ولو لم يكن في هذا الحديث إلا أنه كلام النبي ﷺ فعلى عيننا ورأسنا، بل إن الشيخ ملا خاطر يقول: إن هذا الحديث فيه معجزات: معجزة إثبات الداء والمرض في الذباب قبل أن يتوصل العلم إلى ذلك بقرون، معجزة إثبات الشفاء في الذباب، أو قل إثبات عنصر الشفاء والدواء والمضاد له؛ يعني: الداء والدواء في كيان واحد، والعقل والفطرة والأدلة العلمية والأدلة الحديثية، كل ذلك يُثبت صحة الحديث.
وفي النهاية فإن الذي لا تطيب نفسه به فلا يعترض على الحديث، ولكن إذا أراد أن لا يستفيد به فإنه ليس في الحديث ما يفيد الإجبار.
وهذا الحديث أُنموذج -كما قلت- لافتراءاتهم في الأحاديث الأخرى، ولنرجع إلى علمائنا المتخصصين، الذين دافعوا عن السنة قديمًا وحديثًا لنستفيد من علمهم.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 376
الدرس: ٢١ الرد على كتاب (الأضواء القرآنية) للشيخ سيد صالح .
стр. 377
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الحادي والعشرون
الرد على كتاب (الأضواء القرآنية) للشيخ سيد صالح
التعريف بكتاب (الأضواء القرآنية)، وبيان شُبهه ومصادره
الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فنتكلم بعون من الله ﵎ وتوفيقه- على أحد الكتب التي اجترأت على السنة وعلى مصادرها الصحيحة، وحاولت أن تتهم أو تثير الشبهات حول الأحاديث النبوية.
والساحة الآن تمتلئ بكثير من هذه الكتب، التي تملأ الساحة، يعني: أمر يوجع القلب، لكن على كل حال، الحمد الله رب العالمين أهل العلم: يدافعون عن سنتهم، ويثبتونها بالأدلة القاطعة الصريحة.
هذا الكتاب اسمه (الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية، وتطهير البخاري منها) يعني: هذا الكتاب يكتسح الأحاديث الإسرائيلية، ويطهر البخاري منها، (صحيح البخاري) الذي أجمعت الأمة على تلقيه بالقبول، كان في انتظار من يأتي من أهل العصور المتأخرة، الشيخ سيد صالح أبو بكر صاحب هذا الكتاب؛ ليطهر البخاري منه، هو يضع لنفسه أسسًا؛ ليسير عليها، هو كتب عدة مقدمات. يعني: ما الغاية من هذا الكتاب؟
يقول: في أمرين، ألا نصدق بكلام يخالف كلام الله وهدي رسوله، فنقع في خطيئة الشرك العلمي، سماه هكذا شركًا علميًّا؛ وذلك بمنازعة الله في حق الكلمة والتشريع.
وأنا أهدف إلى أن أبين خطورة هذا الكلام، هذه الجملة: "وذلك بمنازعة الله في حق الكلمة والتشريع"، يريد من خلالها أن يقول: إن السنة لا تُشرع، من أجل أن تتضح هدفهم، هم: تختلط كلماتهم حتى يموه علينا، هذا في أول صفحات
стр. 378
الكتاب، انظر: "ألا نصدق بكلام يخالف كلام الله، وهدي رسوله" ﷺ هو لم يقل ﷺ وفي كل كتاب يضع "صاد".
لكن على كل حال قد يخدع البعض بكلمة: "وهدي رسوله" فيتصور هو لم يقل: وسنة النبي ﷺ وهدي رسوله أحيانًا يقول في أثناء الكلام: السنة العملية المتواترة يعني: يعني: أنت إذا قلت له مثلًا: إن الصلاة أحاديث آحادية يقول: لا، هي سنة عملية تواترت بنقل الأمة كلها، فهو لا يريد أن يقبل من السنة إلا هذا الهدي المتواتر على حد جمع الهدي العملي، يعني: هو يؤلف الكتاب من أجل ألا ينازع أحد الله في حق الكلمة والتشريع، يعني: لا نقول: إن السنة تشرع.
ثم بعد هذا، الكتاب قسمان: قسم أول يتعرض فيه لبعض القضايا، يقول: العرض الكامل لقضية الحديث، وأقوال العلماء فيها، تقدير حصيلة للفحص الدقيق للأحاديث المعارضة للقرآن، والمنافية لما يليق بالله ورسوله، والتي جمعناها في (صحيح البخاري) باعتباره عمدة المراجع في هذا المجال، وعددها مائة وعشرون حديثًا، والتعقيب القرآني على كل منها، بما يثبت أنها دخيلة على كلام النبي ﷺ .
ويسوق عشرة أهداف لا أدري ماذا أسميها، نسميها أسسًا يقيم عليها كتابه، يعني: هو يهدف إلى العرض الكامل لقضية الحديث، والدعوة العملية إلى تقسيم الحديث المنسوب إلى النبي ﷺ إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: حديث يوافق القرآن في المضمون أو في معناه.
والنوع الثاني: هو حديث يأتينا بفضائل الأعمال، ولا يعارض القرآن. وهذان النوعان يفرض الله ﵎ الإيمان بهما كجزء من رسالة النبي ﷺ .
стр. 379
ونوع ثالث: يأتينا بمعان أو أحكام أو قصص يقرر القرآن في مضمونه أو في معناه، وهذا النوع يجب رفضه، وتبرئة النبي ﷺ منه.
أنا أوضح الأهم أن نرد على الأسس التي أقام عليها الكتابة، أنا أشرت أنه يريد أن يبعد السنة عن كونها تشريعًا، هنا قضية أخرى. هو يقسم الأحاديث إلى ثلاثة أقسام، ليس التقسيم المعروف عند أهل العلم، صحيح وحسن وضعيف، إنما يقسمه إلى حديث يوافق القرآن في مضمونه أو في معناه، وحديث يأتينا بفضائل الأعمال ولا يعارضه القرآن، لم يأتِ في القرآن ما يعارضه، هذان نوعان مقبولان بالنسبة له، ونوع ثالث يأتينا بمعان أو أحكام أو قصص يخالف القرآن في مضمونه، أو في معناه، وهذا النوع يجب رفضه، وتبرئة النبي ﷺ منه.
وذلك -انظر إلى كلامه- عمل على تطهير ديننا من شوائب الدس الإسرائيلي؛ حتى يعود إليه الرونق الجميل، الذي يحمل العالم على احترامه والدخول فيه.
تقديم حصيلة للفحص الدقيق للأحاديث المعارضة للقرآن، والمنافية لما يليق بالله وبرسوله، والتي جمعناها من (صحيح البخاري).
المحور الذي يدور عليه: الحديث الذي يوافق القرآن قبلناه، والحديث الذي لا يوافق القرآن لم نقبله، ضم هذه إلى تلك. الأولى: أن السنة ليست مشرعة. الثانية: أن المعيار في قبول الأحاديث أو رفضها هو موافقتها للقرآن، أو عدم موافقتها للقرآن.
إلى أن يقول: إلى إثبات أن دين الله هو القرآن بدايةً ونهايةً، وأن الرسول ﷺ قد بلغ ذروة الأمانة وقمة الوفاء في بلاغه للناس نصًّا كاملًا، بالنسبة للقرآن، وفي
стр. 380
بيانه لهم تطبيقًا وعملًا، والتأكيد القوي على أن كل ما يأتينا من أخبار منسوبة للنبي ﷺ وليس لها سند قرآني، إنما هي من وحي الخيال الخرافي الشارد.
انظروا إلى التعبيرات الجريئة، لا أريد أن أصفها بغير هذا، إنما هي من وحي الخيال الخرافي الشارد، أو الكيد الإسرائيلي اللعين، وأن رسول الله ﷺ هو صاحب الساحة البريئة من تلك الأخبار؛ لأنه لا يستطيع أن يضيف إلى كتاب الله شيئًا من عنده، بعد أن ضرب الله للناس فيه من كل مثل، وأكد تمامه بقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيءٍ﴾ (الأنعام: ٣٨).
أظن أو أعتقد المحور الأساسي الذي يهدف إليه الكاتب قد وضح، هو له مقدمات أخرى غير ذلك.
يعني: يعرض الاهتمام بالأسانيد ويسميها عبادة الأسانيد، يقول: إقامة الحجة القوية على الذين يتعصبون لآراء شيوخهم، أو معتقدات آبائهم، أو يلغون عقولهم أمام أسانيد تأتيهم بأحاديثَ تكذب كتاب الله؛ زعمًا منهم أن الشلل الإرادي لعقولهم -هو طبعًا فيه أخطاء نحوية كثيرة- احترام لتلك الأسانيد، وهو التعبد المطلوب متناسين أن تقديس رجال الإسناد هو التعبد المرفوض، وقد أنساهم الشيطان أن تقديس هؤلاء الرجال في ما يخالف كتاب الله، هو أعظم أنواع الشرك الصريح؛ لأنه -انتبهوا- منازعة لله في حق الكلمة والتشريع، وذلك أعظم ما لله من حقوق على خلقه ... إلى آخر.
ويعود إلى البند الحادي عشر: كتابنا هذا يستند إلى كتاب الله نصًّا ومعنًى. يؤكده مرة ومرات. وقد سلكنا في تدوينه درب الأحرار المفكرين من الموحدين والسلفيين، الذين يلتزمون بالقرآن، وبتطبيق النبي تعبدًا وتشريعًا. فقط.
إذن نفهم من الآن أنه يستبعد السنة التشريعية، وأنه القرآن فقط، إذن هو
стр. 381
قرآني، حتى وإن ادَّعى أنه يحتكم إلى السنة التطبيقية، أو المتواترة والعملية، إذًا المسألة واضحة في أنه يهدف إلى تضييع السنة.
ماذا نناقش هنا؟ ناقشناها كثيرًا، لكن لا مانع من أن نذكر أبناءنا بهذا، هنا الأمر متعلق بحجية السنة بكل المحاضرات، التي سمعتموها ودرستموها من عندي ومن عند غيري في حجية السنة، متعلق بالآيات القرآنية الكثيرة جدًّا، أنا في بداية الدروس تكلمت عن حجية السنة، وقلت: إنها قضية قرآنية، وقضية عَقَدية، وقضية إيمانية، إيماننا لا يتم ولا ينعقد إلا باعتقاد أن السنة تشرع كما يشرع القرآن، وأن طاعة النبي ﷺ واجبة كما يجب علينا طاعة الله تعالى، سواءً بسواء، ومثلًا بمثلٍ، من غير خوف أو اضطراب من أحد.
ذكرنا عشرات الأدلة، قلنا: قضية إيمانية، قضية عقدية، هي جزء من اعتقادنا، قضية قرآنية بمعنى: أن القرآن أولاها اهتمامًا كثيرًا جدًّا.
وهذا ينقلنا إلى القضية الثانية، هل هناك في القرآن أو في السنة أحاديث أو آيات طلبت منا أن نعرض أحاديث النبي ﷺ على القرآن والسنة قبل أن نقولها؟ نحن الآن نناقشه في الأساس الذي يبني عليه كتابه؛ لأنه متى انهدم هذا الأساس انهدمت كل القضايا التي في الكتاب.
عندنا لا توجد آية واحدة تقول: اعْرِضوا حديث النبي ﷺ على القرآن، فما وافقه فاقبلوه وما لم يوافقه فارفضوه، أو اتركوه، والقرآن الكريم موجود أمام الدنيا كلها، فليخرج لنا واحد آية، تقول: لا تقبلوا الحديث إلا بعد عرضه على القرآن.
في هذه الأسس هو يضع أساسًا جديدًا لقبول الأحاديث لم يسبق إليه أحد من علماء الأمة، وهي أن أنواع الأحاديث ثلاثة: يوافق القرآن في مضمونه أو في معناه، والنوع الثاني: حديث يأتينا بفضائل القرآن ولا يعارضه القرآن، هذان فقط، أما النوع الثالث الذي يأتي بمعان أو أحكام أو قصص يخالف القرآن في مضمونه، أو في معناه، هذا النوع يجب رفضه.
أساس المخالفة هنا كيف يكون؟
يخالف القرآن يعني: لم يذكره القرآن هو ليس مخالفًا، إنما لم يذكره القرآن، انظروا إلى التمويه في الكلام، يعني: هو سيعتبر أن كل حديث ذكر حُكمًا ليس في القرآن معارض للقرآن ومخالف للقرآن؛ لماذا؟ لأن القرآن لم يذكره، ولم يقل أحد
стр. 382
من علماء الأمة: إن هذه الأحكام التي سكت عنها القرآن مخالفة للقرآن، إنما يقولون عنها: إنها أحكام سكت عنها القرآن الكريم، كيف تعارضه وليس فيها -أي: ليس في القرآن- ما يعارضه، أو يخالفه؟ هذه المخالفة أن يقول القرآن شيئًا، وأن يقول الحديث شيئًا آخرَ.
أما أن يأتي الحديث بأمر لم يذكر في القرآن، أو يأتي القرآن بأمر لم يذكر في الحديث، هذا لم يكن، ولا هو عند العلماء من الذي يطلق عليه المخالف، هذا أمر جديد لم يسبق له ذكر في أحدهما، فهذا تشريع.
أنت تصدق أن السنة تشرع أو لا تشرع؟ إذا صدقتَ أن السنة تشرع، وهذا ثابت بالأدلة القطعية، فيجب عليك ما جاء في الحديث حتى لو لم يأتِ له ذكر في القرآن الكريم، هذه قضية إيمانية عقدية؛ ولذلك كان عندنا موضوع آخر، وهو علاقة السنة بالقرآن الكريم، ماذا تفعل السنة مع القرآن الكريم؟ واستدللنا على ذلك بأدلة كثيرة، السنة تبين القرآن، وتوافق القرآن، وتشرع مع القرآن.
وهناك قضية ناقشها العلماء لا يجب أن تلتبس علينا، وهي هل الأحكام النبوية تصدر عن أصل قرآني، أو ليس شرطًا؟
ذكرها الشاطبي وغيره يعني: بعض العلماء يستعملونها استعمالًا يوافق أغراضهم، القضية ليست خلافًا خطيرًا، هناك من يقول: إن كل الأحكام التي جاءت بها السنة الجديدة هي منبثقة عن أصل قرآني، ليست مشكلة، المهم: أنها حكم جديد، لا أحد ينازع في أنها حكم جديد، لم يسبق له ذكر في القرآن الكريم، لكن هل ينبثق عن أصل قرآني أو لا ينبثق؟ هذه قضية أخرى.
مثلًا: حين يحرِّم النبي ﷺ الجمع بين المرأة وأختها، بين المرأة وعمتها أو خالتها، يقول فريق من العلماء: إن هذا منبثق عن أصل قرآني في فكرة تحريم الجمع
стр. 383
أحيانًا، وهي أن القرآن حرم الجمع بين المرأة وأختها، وجاء النبي ﷺ وحرم الجمع بين المرأة، وعمتها، أو خالتها، والفريق الآخر يقول: لا، هذا حكم جديد، لكن الفريق الأول لا ينكر أنه حكم جديد، وإن كان عنده منبثقًا من أصل قرآني، الخلاف ظاهري كما يقول أو خفيف، لكن في النهاية الكل يجمع على أنه حُكم جديد، لم يسبق له ذكر في القرآن الكريم، فهل تعرض القرآن لتحريم الجمع بين المرأة وخالتها وعمتها؟ هذا حكم في السنة انبثق عن أصل قرآني أو لم ينبثق، لكنه جديد، فالسنة تشرع كما يشرع القرآن الكريم.
إذن، الهدف هو نفي السنة عن التشريع، الهدف هو الاقتصار على القرآن، ونحن أشبعنا هذه القضية كلامًا الاقتصار على القرآن ضياع للإسلام، لماذا؟ لأننا سنضيع الأحكام التي جاءت في السنة، وفَهْمُنا للقرآن سيُعطل؛ لأننا لن نحتكم إلى السنة التي تبينه، هذا ما يهدفون إليه.
أقول: لا يوجد نص في القرآن الكريم يقول: علينا أن نعرِض أحاديث النبي ﷺ على القرآن الكريم، فما وافق القرآن قبلناه، وما لم يوافق القرآن رددناه.
إذا انتقلنا إلى السنة المطهرة استندوا إلى حديث: "عَرْض السنة على القرآن" الكريم، انظروا إلى هذه الأحاديث كلها أو بعضها ضعيف جدًّا، وبعضها موضوع، والقرآن الكريم والسنة النبوية كلاهما وحيٌ من عند الله، لا يمكن أن يتعارضَا أبدًا؛ لأنهما نبعا من مشكاة واحدة، وهي أنهما وحي من عند الله فالقرآن الكريم نور الله والسنة النبوية أيضًا من عند الله .
الحديث الذي استندوا إليه: "إذا جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فهو مني وما لم يوافقه فإنه ليس مني"، إلى آخره، يروى الحديث بعبارات متعددة؛ ولأنه أصلًا موضوع، فعبارته ركيكة، يعني: أيًّا كان اللفظ الذي ورد، لكننا نناقش أصل القضية.
стр. 384
علماؤنا قالوا عن هذا الحديث: إنه يحمل الدليل على وَضْعه في طياته، وبالمناسبة فإن هذا من باب نقد المتن الذي أفردنا له دروسًا حسب المنهج، وبينَّا أن علماء السنة قد اهتموا بالمتن كما اهتموا بالأسانيد، ووضعوا لكل منهما ضوابطَ دقيقة؛ لتمييز الصحيح من غيره منها، والمهم هنا نقد للمتن.
الحديث على زعمهم هو حديث من باب المشاكلة اللغوية، لكنه ليس حديثًا بالمعنى الاصطلاحي، يعني: لم يأتنا عن النبي ﷺ لا من قوله ولا من فعله ولا من إقراره، هو الحديث على زعمهم يحمل الدليل على وضعه في طياته، هو نفسه يعارض القرآن. كيف؟ هل في القرآن آية تطلب منا أن نعرض كلام نبينا على القرآن الكريم؟ وأن قبولَنا للأحاديث النبوية يتوقف على مدى موافقتها للقرآن الكريم؟ لا توجد آية تدل على ذلك، فهذا دليل على أن الحديث يحمل الدلالة على وضعه في طياته؛ حتى من غير أن نحتاج إلى دراسة أسانيده.
أيضًا أنتقل إلى نقطة هامة في للشيخ ما هي المصادر التي اعتمد عليها في كتابه؟
كلها بدون استثناء هي المصادر التي تناوئ السنة، يكاد يكون أخذ كتاب الشيخ أبي رية ووضعه في كتابه، لا توجد صفحة من صفحات الكتاب، إلا وفيها نقل عن الشيخ وعن صاحب كتاب (الأضواء) أبو رية، وهو متأثر جدًّا بكلام أبي رية.
أكثرَ جدًّا عن نقل من المستشرقين من "دائرة المعارف" وغيرها، وإن كان يحاول أن يلبس علينا بأن يتهم المستشرقين في نياتهم، لكنه يقبل كلامهم، فيقول مثلًا بعد أن نقل كلامهم، فيقول: بعد وفاة النبي ﷺ لم تستطع الآراء والمعاملات الدينية الأصلية التي سادت الرعيل الأول أن تثبت على حالها من غير تغيير، فقد حل عهد جديد للتطور، وبدأ العلماء يدخلون شيئًا من التطور في النظام من الأعمال والعقائد، يتوائم والأحوال الجديدة، فقد أصبح الإسلام بعد الفتوح
стр. 385
العظيمة، يبسط سيادته على مساحات شاسعة، واستعمل الشعوب المغلوبة على أمرها آراءه الجديدة، وتأثرت حياة المسلمين وأفكارهم حينذاك في كثير من النواحي بآراء النصرانية والإسرائيلية وحدها، بل وبغيرها مثل البوذية وغيرها.
هذه المسألة رددنا عليها في الدرس قبل الماضي، حين استكملنا كلام المستشرقين وفكرة الشبهة أنه قد حدث تطور في حياة المسلمين، وهذا التطور ألجأهم إلى أن يضعوا أحاديث تواكب هذا التطور في الجوانب السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية.
ها هو صاحب كتاب (الأضواء القرآنية) يردد هذا الكلام ويقبله، ويعقب عليه، ويقول: وما قاله المستشرقون هو حق أرادوا به باطل، يعني: هو أقرهم أن الأحاديث الموضوعة تناولت الأحكام، كالحلال والحرام والطهارة، وأحكام الطعام والشريعة وآداب السلوك إلى آخره.
ومع مضي الزمن ازداد ما روي عن النبي ﷺ من قول وفعل شيئًا فشيئًا، وغزوات إلى آخره. كلامه هنا طويل، لكنه يقبل أنه قد حدث تطور في حياة الأمة أدى إلى أن العلماء الكبار يضعون أحاديثًا تتوافق مع هذا التطور.
هل يخدعنا قوله: "إن المستشرقين أرادوا بهذا الكلام ... ". قد رردنا عليه وفندناه، وبينا حتى هذا اليوم لا يقبل أحد من المسلمين، حتى لو كان رقيق الدين، أن يضع حديثًا يؤيد به أمرًا جديدًا جاء في حياة الناس.
لا يمكن أمر جاءنا من شرق أو من غرب أو من هنا أو هنا نضع له حديثًا، هذه لم تحدث في العصور المتأخرة، بل قلت في ردنا: إن المجتمعات التي دخلت في الإسلام هي التي طورت -إن جاز التعبير- حياتها؛ لتتواءم مع الإسلام، فغيرت عاداتها وتقاليدها ونظمها الاجتماعية وأخلاقها وأعرافها ... إلى آخره، وأصبحت تستمد ذلك كله من القرآن الكريم، ومن السنة المطهرة، ويشهد على ذلك واقعُ المسلمين، وقلنا: حتى عادتهم في الطعام كانت واحدة.
стр. 386
هل كان يأكل أحد بشماله؟ استجابةً لثقافة اجتماعية تركها قبل الإسلام؟ غُير كل شيء حتى يتوافق مع الإسلام.
فالشيخ هنا يقبل ما قاله المستشرقون، وكما قلت: يعتمد على مصادر هي التي تناوئ السنة.
في صفحة ٣٠ يقول صاحب (أضواء على السنة)، ينقل كلامه ويقول الأستاذ أبو رية في كتابه (أضواء على السنة)، في صفحة ٩٩، وهذا كلام الشيخ في صفحة ٣١ إلى آخره.
يكاد أن يكون قد نقل كلام الشيخ، وفرقه في كتابه كما نقول، وبنَى عليه كتابه هذا، أو تعاون معه، ثم إنه كما قلت: يكثر من النقل عن المستشرقين، ويكثر من النقل عن الكتب التي أصحابها هناك لها شبهات من التشيع، وما إلى ذلك، يزين بها كتابه أو يعتمد عليها في المصادر، ويستشهد بكلام الأستاذ أحمد أمين، وبكلام المدرسة التي حكَّمت العقل في النص، وأرادت أن تجعل العقل قاضيًا على النص، وما قبله العقل قبلوه، وما رفضه رفضوه ... إلى آخره، كل ذلك اعتمد عليه في كتابه.
يقول: الوضَّاعون في عهد العباسيين بإرضائهم. يعني: كثر الوضاعون في العهد العباسيين؛ لإرضاء العباسيين، وهي نفس الفرية التي رددنا عليها، أن الحكام قد استمالوا من العلماء مَن يضع لهم أحاديثَ تُعضد مُلكهم، وهذه فرية، بل إن الحكام كانوا يتقربون إلى الله بدماء مَن تجرءوا على رسول الله ﷺ وهو هنا في هذا الصدد، يأتي بأحاديث يضع عنوانًا، فيقول: معاوية يضع نفسه. يقول: يروي عن الواقدي: أين قال الواقدي هذا الكلام؟ انظر راجع ص٣٦١ (شرح نهج البلاغة) الحديث. وهو كتاب شيعي معروف.
стр. 387
أنا هنا أستعرض مصادره التي بنى عليها، يعني: استعرضت أسسه التي يبني عليها كتابه، وفكرته الأصيلة التي يدندن حولها، ويحوم حولها، وهي أنه يريد أن يهدم السنة وأن يضيعها. ويعتمد في ذلك على المصادر التي تشترك معه في الغرض وفي الهدف، من كتب المستشرقين، ومن كتب الشيعة، ومن كتب المحدثين الذين تجرأت على السنة، ومن الشيخ أبي رية وغيره، ويردد نفس الشبهات والفريات التي اجتمعوا حولها جميعًا، من اتهام الحكام بدفع العلماء للوضع، بأن العلماء تمالئوا مع الحكام، مع أن هذه كلها أحاديث أجمعت الأمة على أنها موضوعة.
يعني: روى البزار عن أبي هريرة أن رسول ﷺ قال للعباس: "فيكم النبوة والمملكة"، وأخرجه كذلك أبو نُعيم في (الدلائل)، وابن عدي في (الكامل)، وابن عساكر: "فيكم النبوة وفيكم المملكة"، إلى آخره. هو هنا لا يذكر لا كتابًا ولا بابًا، يعني: إذا أردت أن تحاسبه فابحث، هذا الكلام حقيقة أو غير حقيقة، الله أعلم.
لكن على فرض حقيقته، مَن الذي قال: إن العلماء قبلوا هذه الأحاديث، وعملوا بمقتضاها؟
هي أحاديث موضوعة بإجماع الأمة، كيف تحاكم الأمة على أحاديث هي لم تقبلها، وعاقبتْ الوضَّاعين وفضحتهم، وألفت كتبًا حددتهم؛ ليكون الخزي لاحقًا بهم إلى يوم القيامة، وفي نفس الوقت جمعت هذه الأحاديث الموضوعة في كتب وبينت وَضْعها، وبينت الأسباب التي دعت إلى وضعها، وأن هناك مَن أراد أن يفتري على الله وعلى النبي ﷺ ولم يقبل الحكام ذلك، ولم يقبل العلماء ذلك، ولن تجد عالمًا أبدًا ذا شأن -ولو قليلًا- وضع حديثًا أبدًا، الوضاعون هؤلاء قوم كذابون، ليس من بينهم واحد من أهل العلم المحترمين أبدًا. إلخ.
стр. 388
إذن، هو يأتي بروايات وكأن العُرف الإسلامي أو كأن الواقع الإسلامي قبلها. وكأنهم أقروا أن هذه الأحاديث رضيناها، وعمِلنا بها، وأصبحت في مصادرنا المعتمدة، ولم نشر إلى ضعفها وإلى وضعها.
هذا خداع، هذا خلاف للمنهج العلمي، يعني: أنا لا أريد أن استعمل عبارات شديدة، كل كتابه مدمر من هذا الأمر من أساسه الذي بنَى عليه، من مصادره التي اعتمد عليها، من مخالفته لقواعد المنهج العلمي في أنه يسوق القضايا وكأنها مقررة عند الأمة، وكأنها رضيت به، من اعتماده على المصادر المناوئة للإسلام ... إلى آخره.
يقول: نكتة لطيفة في التعريض بالوضاعين ومؤسفة في وضع الحديث ص١٣٩ من (أضواء على السنة) كتاب الشيخ أبي رية: وقد بلغ من أمرهم أنهم كانوا يضعون الأحاديث لأسباب تافهة، ومن أمثلة ذلك ما أسنده الحاكم عن سيف بن عمر التميمي، قال: كنت عند سعد بن طريف، فجاءه ابنه من الكتاب يبكي، فقاله: ما لك؟ قال: ضربني المعلم، قال: لأخزينهم اليوم، حدثنا عِكرمة عن ابن العباس مرفوعًا: "معلمو صِبيانكم شِراركم، أقلهم رحمةً لليتيم، وأغلظهم على المساكين". قال الأستاذ أبو رية صاحب (أضواء على السنة): سيف بن عمر كان كذَّابًا، وكان أشهرَ مَن روى عنهم الطبري في (التاريخ) وغيره من كتبهم.
ماذا أقول؟ كان كذابًا لم يأتِ بها صاحب (الأضواء) من عند نفسه، هو معروف عند المحدثين، هل وجده في كتب المحدثين؟ هل ذكره أحد؟ هذا التعقيب من أبي رية لماذا جاء به؟ كأنه يقول: إن سيفًا هذا كان معتمدًا عند أهل العلم. وانظر إلى الخداع، روى الطبري عنه في (التاريخ) الطبري معروف، هو يعلم أنه
стр. 389
كان كذابًا وغيره روى عنه، الطبري لم يقل في منهجه في كتاب (التاريخ) أنه سيعتمد على الروايات الصحيحة فقط، لم يقل هذا، بل هو اعتمد على جَمْع الروايات بأسانيدها ثم بعد ذلك تُمَحَّصُ.
ولذلك وإن الطبري يعلم أن هذا كان كذابًا وغيره من الرواة كان كذابًا، وجاء بروايته؛ لأنه كان يريد أن يحافظ على المرويات التاريخية، كما جاءت بأسانيدها؛ تمهيدًا لنقدها، سواء على يده هو أو على يد غيره، نستطيع أن نقول: جمع المادة العلمية.
يقول الأستاذ أبو رية صاحب (أضواء على السنة): سيف بن عمر كان كذَّابًا، وكان أشهر مَن روى عنه الطبري في (التاريخ)، كأنه يريد أن يقول: إن الطبري اعتمد عليه ووثق بكلامه، وكل ذلك لم يحدث.
وليرجع إلى الطبري وغيره، وكما قلت: منهج الطبري كان مهمته الجمع.
بتر استخدام النصوص فيما يوافق أغراضهم
علامات وبراهين تكشف كذب الحديث المختلق:
صـ١٤٠ من (أضواء على السنة)، كما قلت ويذكر العلامات، وهذه العلامات لم يأتِ هو بها ولا شيخه الذي اعتمد على كتابه من عند نفسه، لكنهم يكذبون: مخالفته لظاهر القرآن، مخالفته للسنة المتواترة، مخالفته للإجماع القطعي، مخالفته للقواعد المقررة في الشريعة، أو البُرهان العقلي، مخالفته للحِس والعيان، اشتمال الحديث على مجازفات، كل ذلك قال به ابن القيم وغيرُه، وقد ذكرنا بعض أقوالهم في كتبهم.
لكن هل هنا كلام مخالفته لظاهر القرآن مخالفة لا يمكن الجمع بينها، ولن تجد حديثًا ذلك أبدًا، هذا من القواعد، انظر إلى المنهج العلمي الذي يعتمدونه: بتر القواعد، بتر
стр. 390
استخدام النصوص فيما يوافق أغراضهم، يعني: مصادرهم متهمة، أعمالهم متهمة، ليست متهمة يقينًا، يعني: هم أصلًا نحاسبهم بأقوالهم لا نفتري عليهم، واضح جدًّا عداؤهم للسنة، واكتفاؤهم بالقرآن، ويحاولون الدندنة حول هذه المسألة.
مخالفته للسنة المتواترة، بحيث يتعذر الجمع ويستحيل الجمع، والعلماء وضعوا مناهجَ للتعامل مع النصوص التي يبدو من ظاهرها التعارض مع القرآن، والقرآن مع السنة، والسنة مع القرآن، وحتى القرآن مع القرآن.
مخالفته لظاهر القرآن هكذا من غير أن تتم المسألة، قل: مخالفته لظاهر القرآن مخالفة يستحيل معها الجمع، أو الترجيح أو النسخ، حين يوجد نص شرعي ظاهره يتعارض مع نص شرعي آخر، العلماء لهم مناهج في الجمع بينهم، لكن هكذا بمجرد ما يبدو من مخالفة أو تعارض نقول: هذا الحديث مردود هكذا، ويزيف على الناس، ويقول: هذا منهج علمي، لا، ويقول: أو إن كان مناقضًا لما جاءت به السنة الصريحة العملية، أو كان باطلًا في نفسه، أو إن قامت الشواهد الصحيحة على بطلانه.
مثل ماذا؟ وَمن الذي يحكم بذلك؟
يعني: هو يأخذ القواعد وهم لم يأتوا بهذه القواعد من عند أنفسهم، وإنما أخذوها عن علماء الأمة، لكنهم يريدون أن ينحرفوا بها في التطبيق، يقول: أنا لم آتِ بهذا الكلام. لكنه يريد أن ينحرف بها في التطبيق، فيقول: هذا حديث معارض للقرآن والسنة فأرفضه، بدون أن يعمل مناهج العلماء في كيفية التعامل مع النصوص التي يبدو من ظاهرها التعارض.
أيضًا يستمر في هذا في الجزء الأول، إلى أن ينتقل إلى قواعد عامة يقول: عدد الأحاديث المنسوبة لكل صحابي .. يعني: أنموذج آخر، وأيضًا يعتمد على
следующие страницы →