Полный текст (1 167 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
رنا فأودع قلبي ... سهم الآسى والمنون
فذاب من حر شوقي ... فقطرته جفوني
ومن شعر المترجم في المجون ما كتبه لبعض أحبابه مهنئاً له بزفاف وهو قوله
قيمت لك الأفراح في كانون ... إذ كنت بالأسخان كالكانون
أوصيك عبد المحسن التقوى فلا ... تأتي إليها من ورا الطاحون
قد كنت ترغب بالحرام وطالما ... جئت البيوت بأظهر وبطون
أصبحت ترغب في الحلال تكلفاً ... ورجعت منه بصفقة المغبون
وأقمت في شق العجوز مخيماً ... والناس راجعة على ذنون
فأسلم ودم بالكسكسون منعماً ... تحشى النقانق في حشا خاتون
وكان المترجم ذهب إلى الروم وأوصى صاحباً له يقال له الشيخ عبد الوهاب السؤالاتي في باب الجامع الأموي وقال له مهما وقع من الوظائف محلولات اكتب لي عنها حتى أتخذها لمعاشي فصار الشيخ عبد الوهاب يكتب له الحمد لله الأسعار رخيصة وسعر اللحم كذا والخبز كذا واللبن كذا والحمص والعدس وما شابهها ولا يتعرض إلى شيء مما أوصاه به فضجر منه فكتب له هذين البيتين في ضمن كتاب أرسله له وهما قوله
فأما أن تكون أخي بصدق ... فأعرف منك غثى من ثميني
وإلا فأطرحني وأتخذني ... عدوّاً أتقيك وتتقيني
وبالجملة فقد كان نزهة النفوس وكانت وفاته سنة خمس وأربعين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى.
محمد النهالي
ابن يوسف المعروف بالنهالي الحنفي الرهاوي الأصل الحلبي المولد نزيل قسطنطينية الأديب الألمعي الفاضل الكامل قرأ على أفاضل بلدته وكان مكباً على تحصيل الفضائل والكمالات وأقام مدة بالمدرسة الحلاوية وصار له غاية الاكرام من الوزير محمد باشا الراغب وكان المترجم أديباً شاعراً فمن شعره قوله
يا راكب اللهو قصر ... عنان خيل التصابي
يداك لم تقو حبس ... اللجام بعد الشباب
وله
كنت في غفلة من العشق لما ... أيقظتني نواعس الأجفان
كشفت عن مجاز عيني غطاها ... فأرتها حقائق الأكوان
стр. 1017
وله مشطراً أبيات الشهاب الخفاجي في الأبوين الكريمين
لوالدي طه مقام علا ... فوق علا الناس بلا ارتياب
بوأهما الرحمن من فضله ... في جنة الخلد ودار الثواب
فقطرة من فضلات له ... تبرئ أسقام فؤاد مصاب
ما دخلت جوفاً إلا غدت ... في الجوف تشفي من أليم العقاب
فكيف أرحام به قد غدت ... تؤمل الخير وحسن المآب
حاشي لأرحام له أصبحت ... حامله تصلي بنار العذاب
وشطرهما معاصره الشيخ أحمد الوراق الحلبي بقول
لوالدي طه مقام علا ... على العلا لما غدا مستطاب
مقدّس رحب منير الفضا ... في جنة الخلد ودار النواب
فقطرة من فضلات له ... دواء ذي الداء بلا ارتياب
وصح في الأخبار عن كونها ... في الجوف تشفي من أليم العقاب
فكيف أرحام به قد غدت ... بنوره مملوءة أن تخاب
أم كيف أرحام به انثنت ... حاملة تصلي بنار العذاب
وحين سافر إلى اسلامبول تلميذه الفاضل السميدع السيد مصطفى الحلبي الكوراني اجتمع بالمترجم شيخه ثم ابتدر كل منهما لتضمين البيت المشهور وهو
إن الملوك إذا أبوابها غلقت ... لا تيأسنّ فباب الله مفتوح
فقال المترجم
قلب بسهم أليم الهجر مقروح ... ومقلة دمعها بالبين مسفوح
فقال الكوراني
وخاطر في يد إلا هو أعلى خطر ... من الأماني له باليأس تلقيح
فقال المترجم
ولاعج مضرم لولا التوكف من ... دموعه ولعت فيه التباريح
فقال الكوراني
موزع البال مطويّ الضلوع على ... فرط الآسى جسد ليست به روح
فقال المترجم
حليف كرب رهين الاغتراب شج ... به عقود هموم الدهر توشيح
فقال الكوراني
به أحاديث أشجان يردّدها ... لها من الغم تعديل وتجريح
стр. 1018
فقال المترجم
له عتاب على الحظ المسوّد إذ ... خابت مقاصده والقلب مجروح
فقال الكوراني
وكلما نابه خطب الزمان غدا ... بساحة الياس صبراً وهو مطروح
فقال المترجم
مستوثق العزم من بيت أقيم به ... للعذر متن بنصح القول مشروح
البيت القديم
إن الملوك إذا أبوابها غلقت ... لا تيأسن فباب الله مفتوح
وكانت وفاة المترجم في سنة خمس وثمانين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
محمد الأسبيري
ابن يوسف بن يعقوب بن علي بن محسن بن شيخ اسكندر الغزالي الحلبي الشهير بالأسبيري مفتي حلب الشيخ الفاضل الفقيه الأوحد البارع الصالح العالم الكامل ولد بعينتاب سنة ثلاث وثلاثين ومائة وألف وقرأ القرآن العظيم والصرف والنحو والمنطق على ابن خال والده مصطفى أفندي وعلى الشيخ الياس المرعشي ثم سافر إلى كليس فقرأ المنطق على علي أفندي نجي زاده تلميذ تاتار أفندي المشهور وعلى شريكه صالح وأخذ أيضاً شرح مختصر المنتهى لأبن الحاجب عن شيخي زاده وقدم حلب ولازم بها محموداً أفندي الأنطاكي وقرأ على ابن عمه محمد أفندي أيضاً وأخذ بعينتاب أيضاً عن عبد الرحمن أفندي الخاكي وأجازه اجازة عامة سنة تسع وخمسين ثم دار البلاد وقرأ على مشايخ يطول ذكر أسمائهم ثم دخل اسلامبول وصار بينه وبين نفير حبر الروم مباحثات ثم رجع إلى حلب وتوطنها ودرس بمدرسة الرضائية وأخذ عنه جماعة كثيرون وله من التآليف شرح على ايساغوجي سماه الفوائد الأسبيرية على الرسالة الأثيرية وقرظه بعض تلامذته بقوله
لعمرك ما در بنظم القلائد ... بأحسن مما في كتاب الفوائد
كتاب جلت حجب الظلام طروسه ... بلؤلؤ لفظ مثل سلك الفرائد
أزاح عن الغيد الحسان نقابها ... فواصلنا من بعد طول التباعد
ولا غرو إذ تأليفه منتم إلى ... محمد أوصاف كريم موالد
سلوا مشكلات العلم عنه فإنها ... لأدري بهذا الحبر من كل واحد
إليه انتساب المكرمات حقيقة ... يلوح عليها نوره كالفراقد
وهنوا أثير الدين حين تشرفت ... رسالته الغراء ذات القواعد
стр. 1019
بشرح الامام الاسبري الذي حوى ... خصال كمال أوجبت لمحامد
فلا زال ماوي العلم والحلم والتقى ... مدى الدهر ما لاح الصباح لماجد
وله من التآليف أيضاً شرح على مغنى الأصول المسمى بالمستغنى لكنه لم يكمل وشرح على أوائل المنار سماه بدائع الأفكار وكتاب مناسك بالتركي سماه تحفة الناسك فيما هو الأهم من المناسك وله رسائل عديدة منها رسالة في مسئلة الجزء الاختياري ورسالة في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ورسالة في بيان معنى كلمة التوحيد ورسالة في نجاة الوالدين المكرمين لسيد البشر ﷺ وله تعليقات على بعض المواضع المغلقة في تفسير الكشاف والبيضاوي ولخص الفتاوي الخيرية وحاشية على شرح المنظومة المحبية للشيخ عبد الغني النابلسي مسماة بالخلاصتين وأهدى منه نسخة لشيخ الاسلام مفتي الروم محمد شريف أفندي فتلقاه بالقبول وأرسل له إفتاء حلب من غير طلب ثم وجه له المدرسة الشعبانية ثم المدرسة الكلتاوية وأخذ عنه جماعة من علماء حلب وغيرهم منهم السيد محمد المقيد والشيخ إبراهيم المكتبي والسيد عر وكان معيداً في درسه الاشباه والنظائر الفقهية ووكيله في المدرسة الخسروية والشيخ يوسف النابلسي الشهير بابن الحلال وكيله في مدرسة الشعبانية والسيد محمد صادق بن صالح البانقوسي وبيض له حاشية عمدة الحكام وامتدحه في آخره بأبيات منها قوله
كتبتها وشرحها كاملة ... برسم حبر فاضل علام
مهذب الدين غزير العلم ... والنقد طود راسخ الاقدام
وألمعي السبر والتنقير بل ... في كل فن أحد الأعلام
شيخ الشيوخ واحد الدهر الذي ... من حقه مشيخة الاسلام
محمد المولى الكريم الاسبريّ ... المجد غصن دوحة الكرام
فدا لك النفس وهذا غاية الت ... قصير من عبد من الخدام
فاسبل العفو وعامل كرماً ... وغض إن طاشت سهام الرامي
سدا لما اختل من التحريف في الر ... سم واخطأ من الاقلام
وابق لها ما بقيت مؤرخاً ... واهنا بشرح عمدة الحكام
سنة ١١٨٧ ٦٣ ٥١٠ ٥١٤ ١٠٠
وكان صاحب الترجمة يتولى في ابتداء أمره النيابات في محاكم حلب وكان ينتمي إلى نقيب حلب محمد أفندي طه زاده وأفرده بالترجمة تلميذه الشيخ محمد الموقت وكانت وفاته في شوال سنة أربع وتسعين ومائة وألف
محمد البقري
стр. 1020
ابن إسمعيل الملقب بشمس الدين الضرير الأزهري البقري المصري الشافعي شيخ القراء بالجامع الأزهر الإمام العلامة الفقيه المقري قرأ عليه القرآن بالروايات من لا يحصى عددهم منهم المرحوم شيخ الاسلام أبو المواهب الدمشقي واشتهر أنه جاوز المائة عام وكان ملازماً للاقراء والافادة ومات بمصر سنة سبع ومائة وألف وصلى عليه صلاة الغائب رحمه الله تعالى
محمد المنير
ابن الحسن بن محمد بن أحمد السمنودي الشافعي الأحمدي ثم الخلوتي المصري الشهير بالمنير الشيخ الإمام المحدث المقري الصوفي العارف بالله ولد بسمنود سنة تسع وتسعين وألف وقدم الأزهر وعمره نحو عشرين سنة بعد أن حفظ القرآن العظيم وجمع للسبع والعشر ونظم المنظومة في قراءة ورش وجاور بالأزهر وأخذ عن جملة من العلماء منهم الشمس محمد السجيني وعلي أبو الصفا الشنواني والشمس محمد بن محمد بن شرف الدين الخليلي وأجازه أبو حامد محمد البديري الدمياطي والقطب السيد مصطفى البكري الدمشقي والشمس محمد بن أحمد عقيلة المكي والنجم محمد بن سالم الحفني وعليه انتفع وبه اشتهر وأخذ الناس عنه الحديث والقراآت والفقه طبقة بعد طبقة وألف مؤلفات نافعة منها شرح الطيبة وهو من أجل تآليفه وشرح الدرة ومنظومة في طريقة ورش وشرحها ورسالة في رواية حفص ورسالة في أصول القرآن وله في التصوف تحفة السالكين والآداب السنيه لمريد سلوك طريق السادة الخلوتية وهو شرح على منظومة له في ذلك ومنظومة في علم الفلك وشرحها ورسالة في مساحة القلتين ورسالة في تصريف اسمه تعالى اللطيف وله شرحان على البسملة سمى الأول الهام العزيز الكريم فيما في خبايا معان بسم الله الرحمن الرحيم تكلم فيها على الاسرار الواقعة في البسملة والثاني تكلم فيه على البسملة من حيث ما يتعلق بألفاظها وله شعر رائق يتعلق غالبه بالحقائق وصار شيخ الأزهر وهو أول من انتزع مشيخة الأزهر من المالكية وكانت وفاته عقب صلاة الجمعة حادي عشر رجب سنة تسع وتسعين ومائة وألف ودفن بتربة المجاورين رحمه الله تعالى رحمة واسعة ورحم من مات من أموات المسلمين أجمعين آمين
محمد الدقاق
المغربي الفاسي المالكي نزيل المدينة المنورة الشيخ الامام العامل الصوفي الوفي المحقق على الاطلاق أبو عبد الله شمس الدين قدم المدينة المنورة من بدلته فاس وأخذ بها عن العلامة عبد الرحمن ابن شيخ الشيوخ عبد القادر الفاسي وعن غيره وصار له الفضل
стр. 1021
التام مع السلوك لطريق السادة الصوفية أهل النقض والابرام ودرس بالحرم الشريف النبوي وانتفع به خلق كثيرون وكان هماماً فاضلاً عليه السكينة والوقار ملازماً للدروس بالحرم الشريف لا يشتغل بغيرها توفي بالمدينة المنورة سنة ثمان وخمسين ومائة وألف ودفن بالبقيع رحمه الله تعالى ووجد بخط صاحب الترجمة أبيات من شعره وهو قوله
أنا المحب لكم طول المدا أبدا ... أنا الوفي لكم بالعهد والذمم
أنا الذي غمرت قلبي محبتكم ... سحت سحائبها بوابل الديم
أنا الذي بعيون الود أبصركم ... وبعت روحي لكم راض بلا قيم
أنا الذي بوفاء العهد متسم ... والصدق من سيرتي والصدق من شيمي
محمد الضرير الإسكندري
ابن سلامة بن إبراهيم الضرير الاسكندري ثم المكي المالكي العلامة المفسر النحري المفنن الشاعر أخذ عن أحمد السندربي ومحمد الخراشي وعبد الباقي الزرقاني وإبراهيم الشبراخيتي وأحمد البشبيشي وغيرهم وله تفسير منظوم للقرآن العظيم نظماً في عشر مجلدات وغير ذلك وكانت وفاته بمكة في ذي الحجة سنة تسع وأربعين ومائة وألف
محمد الخالدي الديري
أحد الفضلاء الأنجاب طلب العلم فارتوى من مناهله وجد واجتهد تولى رياسة الكتابة بالمحكمة القدسية وهي وظيفة آبائه وأجداده ولم يزل في الكتابة رئيساً وتوفى في سنة ألف ومائة وتسعة وثلاثين رحمه الله تعالى
محمد الزمار
المعروف بابن الزمار الشافعي الحلبي الشيخ العالم الفاضل التقي الناسك الزاهد الصابر الوقور المهاب جمع بين الولاية والعلم عليه آثار العبادة والصدق والتقوى وانتفع به كثير من أهل حلب وغيرها وله ملازمة تامة في الاشتغال بالعلوم ويد طولى في المنطوق والمفهوم وكان مع جلالة قدره يتفقد أرامل جيرانه وأيتامهم وبالجملة فقد كان من أولياء الله تعالى وكانت وفاته سنة سبع وستين ومائة وألف رحمه الله تعالى
السيد محمد البيلوني
المعروف كأسلافه بالبيلوني الحنفي الحلبي العالم الفقيه الفاضل الأديب الأريب كان له اطلاع تام ذا مباحثة دقيقة يشغل المجلس بمذاكرة المسائل العلمية ويغلب عليه الفقه
стр. 1022
لأنه كان به متبحراً وكان مهاباً وقوراً محتشماً تولى افتاء أنطاكية ثم ولاه شيخ الاسلام افتاء القدس مع رتبة السليمانية المتعارفة بين الموالي وأحبه أهل بيت المقدس وكانت وفاته سنة خمسين ومائة وألف ودفن بتربة باب الرحمة خارج باب الاسباط رحمه الله تعالى
محمد السؤالاتي
الشافعي الدمشقي السؤالاتي الخلوتي الشيخ العالم الماهر المتقن الصالح الفقيه الفاضل كان له فهم ثاقب وحفظ تام لمسائل الوقائع والأحكام قرأ الفقه والفرائض والحساب والنحو وكان يكتب أسئلة الفتاوي بباب الجامع الأموي وكانت وفاته في يوم الخميس الثاني عشر من جمادي الأولى سنة اثنين وثلاثين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى
محمد المورلي القاضي بدمشق
ابن يحيى بن عبد الله المورلي الأصل الاسلامبولي الحنفي أحد الموالي الرومية ولد باسلامبول سنة أربع وثلاثين ومائة وألف ولازم على قاعدتهم من شيخ الاسلام محمد مير زادة وتنقل إلى أن وصل للسليمانية فمنها أعطى مخرجاً قضاء سلانيك وأخذ من الشيخ قرا داود الرومي والعلامة محمد آق كرماني وكان فاضلاً صالحاً متديناً سليم العرض والدين حج سنة اثنين وسبعين وولي قضاء دمشق سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف وكان بدمشق يسلك في القضاء مسلك الشدة وكانت وفاته في شعبان سنة أربع وتسعين ومائة وألف
محمد الغلامي
الشافعي الموصلي الفاضل الأديب اللطيف الأريب البارع ترجمه محمد أمين الموصلي فقال شيخ علم وأدب كان عاقلاً كاملاً زكياً بارعاً من مجالسي الوزير الكبير حسين باشا وولاه القضاء بنيابة عنه في سنة ست وسبعين وله قريض لطيف لم أقف عليه وإنما سمعت به من بعض أولاده وله مناقب حسنة وأوصاف جيدة وكانت وفاته في سنة ست وسبعين ومائة وألف وقد قارب الثمانين أو جاوزها ودفن بالموصل رحمه الله تعالى
محمد العبدلي
نسبة إلى عبد الله حي من عرب العراق على غير القياس كان رافعاً أعلام الفضل وناشراً ألوية العلم نشأ في الموصل وهاجر إلى مصر ونواحيها فاكتسب هناك كل نادرة
стр. 1023
وجمع من العلوم كل غريب الأسلوب مهجور القواعد وكان في الطب آية من آيات الله مشهوراً بتمييز الأمراض المشتبهة لا يعرف له في ذلك نظير في الاقليم الرابع وكان له في العلوم الرياضية يد طولى ولم يزل في مصر ونواحيها ينقل منها الكتب إلى الأطراف وكل يوم يحصل نادرة وكل ساعة يظفر بقاعدة حتى صار في الكمال عين الكمال وغرة الليالي ودخل حلب مراراً ويقال إنه اجتمع بابن النحاس الشاعر الماهر والله أعلم ولما كمل مرامه وحصل مقصوده عاد راجعاً إلى وطنه فنشر من الفضل كل مطوي وأظهر من أسرار العلم كل خفي وكان له شعر رقيق النظام مليح الانسجام ونثر ألطف من مغازلة الآرام ولطائف مشهورة بين الأنام ومن لطائفه أنه سئل في مجلس عن مولده فقال إن تاريخه نقل في ألف وثمانين فضحك الحاضرون فقال واحد منهم وأنا كان مولدي في عام ألف وإحدى وثمانين فقال إذن أنت أنقل مني وكان بخيلاً بالفضائل التي عنده لا يضعها في فاتر الهمة لما قاسى في تحصيلها من المشاق والتعب فكان يفر من طالبه إلى البر فربما لحقه إلى البيداء وكان عارفاً بالزيج والاسطرلاب والهيئة خبيراً بالحساب والمنطق والعربية محباً للنكب فكان عند منها النادور والعجيب واللطيف والغريب وترجمه محمد أمين الموصلي فقال
لما أردت صفاته فمدحته ... هانت عليّ صافت جالينوسا
آيات موسى فيه قد جمعت كما ... أوتي بنان يديه آية عيسى
هذا الهمام فارس عصابة الأدب وسابق حلبة أفاضل العجم والعرب ابقراط الحكمة له غلام وافلاطون الحكمة له من جمل الخدام أبطل ذكر بطليموس بعجائب آثاره ودك طور ابن سينا لما تجلى بسنا أنواره ما الفارابي إلا رشحة من هذا المنهل ولا الأبهري من هذا البحر إلا جدول اذهب تعفن اخلاط الجهالة بمعاجين علمه وأصلح مزاج الفضل والأدب باخلاط فهمه وأدب حميا الايضاح بعروق جسم المعضلات وأبرأ خرائد المسائل من أمراض الاشكالات ودبر الأدب بعدما شاخ بالمرطب ليبس مزاجه واسترجع العلم بعدما أشرف على الممات بإصلاح فساده وعلاجه ومن بلاغته قوله وبعث به إلى علي أفندي العمير حين عاد إليه الافتاء فقال من قصيدة
حمد المولى بعين اللطف مذ نظرا ... إلى العباد أزال الضر والضررا
فاصحب الكون طلق البشر منشرحا ... صدرا وباليسر والاقبال قد سفرا
وبالمنى والأماني الزمان أتى ... والدهر مما جناه جاء معتذرا
عناية تزلت في الأرض فاعتدلت ... أوقاتها فخلت من مفسد غدرا
أطيارها صدحت غدرانها طفحت ... رياحها نفحت تهدي شذا عطرا
стр. 1024
ومنها
كما حمى كرماً عرض العباد بمن ... يحيى بفصل خطاب جده عمرا
وصار بين الورى في الكون لفظة إجم ... اع عليها وفاق العصر قد قصرا
أثيل مجد تليد عن أبيه وعن ... أجداده فهو ارث ليس مبتكرا
ومنها
بالعلم والحلم ساد الناس قاطبة ... ولميقاربه منهم من علا سيرا
يروي أحاديث جود عن يديه عطا ... أخبار صدق بلا شك لمن أثرا
من جعفر في الندى من ابن زائدة ... ومن زهير ومن قس إذا جهرا
ما ابن ماء السما ما حاتم كرما ... إلا كقطرة ماء منه قد قطرا
تجمعت فيه أوصاف مفرقة ... في الخلق يدرك ذا من كان مختبرا
أن يجمع الله كل الناس في رجل ... فليس ذلك بدعا عند من سبرا
لم وحلم وجود عفة وتقى ... طلاقة بوقار هيبة وقرا
فتاح أبواب تلخيص الفصاحة لا ... يحتاج فيها إلى المفتاح لو حضرا
حبر بدايته فضلاً نهاية من ... سواه فرد على أقرانه افتخرا
وهي طويلة جداً وله أشعار غيرها وقصائد وتوفي في الموصل سنة ست وستين ومائة وألف ودفن هناك رحمه الله تعالى
محمود الغزي
ابن إبراهيم بن محمود بن حسين الشافعي الغزي الدمشقي الشيخ الفاضل كان من العلماء الاجلاء أحد من اشتهر وتفوق بالعلم والفضل قرأ على جهابذة شيوخ أفاضل وارتحل إلى مصر القاهرة وأخذ بها وقرا على جماعة كالشيخ أحمد بن محمد الفقيه المصري الشافعي قرأ عليه الفقه والنحو والتوحيد والحديث والمنطق وغير ذلك وأجازه بالافتاء والتدريس وكذلك الشيخ عبد الرؤف البشبيشي المصري وغيرهم وارتحل إلى الروم وقطن به مدة سنين وتولى بدمشق تولية وتدريس المدرسة الارمينية ودرس بالشامية وتزوج بدمشق وأعقب وارتحل إلى حلب وصار بدمشق قاضي الشافعية بمحكمة الباب وتعاطى القضاء إلى أن مات وبالجملة فقد كان من الأفاضل المنوه بهم وكانت وفاته في سنة خمس وخمسين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى
محمود الجزري الكردي
ابن أبي بكر بن عثمان الشافعي الجزري نسبة إلى الجزيرة الكردي نزيل دمشق
стр. 1025
الشيخ الأستاذ العارف كان مشهوراً معتقداً له معرفة تامة في الفنون والعلوم الغريبة كالزابرجا والحرف والأوفاق والرياضات وغيرها مع الصلاح والتقوى والديانة ولد بالجزيرة سنة ست وسبعين وألف ونشأ بها وحفظ القرآن العظيم وقرأ شيئاً من العلوم ثم سافر قاصداً نحو القدس الشريف فاجتمع برجل من الأولياء يقال له الشيخ محمد زمان السندي فانقطع إليه ولازم خدمته وظهر له منه كرامات عديدة وحج هو واياه ولقنه طريق السادة النقشبندية وأمره أن يرجع إلى بلده ويختلي خمس سنوات ثم بعد انتهاء الخلوة رجع حاجاً بأمر شيخه المذكور واجتمع به وأمره أن يسكن دمشق فبعد رجوعه إليها أرسل إلى أهله واستقام في دمشق في دار بمحلة العقيبة ينفع الناس بافادة ما منحه الله به من المعارف والعلوم وكانت له مناقب كثيرة وأشياء عجيبة في ذلك وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً ويختلي في رمضان في مكان يختم القرآن مرة بالليل ومرة بالنهار إلى ليلة العيد ويخرج لصلاة العيد والجمعة ولم يتزوج قط وقصد الحج هو وأهله وعند رجوعه توفي بين الحرمين في أوائل محرم سنة احدى وأربعين ومائة وألف في منزلة الجديدة ودفن بها رحمه الله تعالى.
محمود العبدلاني
ابن عباس الشافعي العبدلاني الكردي نزيل دمشق الشيخ العالم العلامة المحقق المدقق الفاضل ولد في عبدلان ونشأ بها في كنف والده وكان هو ووالده ووالدته في خدمة الأستاذ العالم الصالح الشيخ إسمعيل العبدلاني الكردي جد الشيخ عبد القادر الكردي المقدم ذكره في محله ووالده من أتباع المذكور وخدمته وكان لا يعلم العلم فنشأ المترجم والأستاذ يلمحه بنظره واشتغل المترجم بعد وفاة الشيخ في القراءة والافادة فحصل على ما حصل وظهرت فضيلته ودرس في عبدلان وصار مفتياً في كوي صنجق وخرج منها إلى حلب واستقام شهرين ثم قدم دمشق ومنها ارتحل إلى الحج وعاد سكنها إلى أن مات وكانت وفاته في سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف ودفن بسفح قاسيون قرب الجوعية رحمه الله تعالى.
محمود المعروف بالسالمي
الشيخ العابد الزاهد كان صالحاً فاضلاً اجتمع به الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي وكانت وفاته في رمضان سنة اثنين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
محب الله بن زين العابدين
ابن زكريا بن شيخ الاسلام البدر الغزي العامري الدمشقي الشافعي الشيخ العالم الفاضل العابد الناسك الأديب الأوحد كان منقطعاً عن الناس وأحب ما يكون إليه العزلة يلقى
стр. 1026
الناس بالبشر والتودد أخذ عن والده وعن عم أبيه شيخ الاسلام النجم الغزي وعن القطب أبي الصبر أيوب الخلوتي وغيرهم وبرع وفضل ونظم ونثر ومن شعره قوله مضمناً
أهواه شروى البدر يرمى دائماً ... من لحظه قلب الكئيب بأسهم
حفت جوانب وجنتيه بحمرة ... لجمالها الياقوت دوماً ينتمي
فرأيت فيه تناسقاً وتناسباً ... من عادة الكافور امساك الدم
وهذا المصراع قد ضمنه جماعة من الأدباء جمعهم صاحبنا محمد الكمال الغزي في رسالة سماها لمحة النور في تضمين من عادة الكافور وكان صاحب الترجمة مشهوراً بالصلاح والبركة فكان يكتب للأمراض والعلل المزمنة فيحصل الشفاء على يديه وأم بمحراب الأولى في الجامع الأموي مدة حياته وله تاريخ نفيس رتبه على الوقائع اليومية وبالجملة فقد كان من أفراد صلحاء العالم ووجوه الناس ولم يزل على طريقته المثلى إلى أن توفي وكان صلى بالناس اماماً العصر ودخل إلى حمامهم الذي بقرب دارهم واغتسل في آخر يوم من رمضان وخرج من الحمام ودخل بيته فأفطر وصلى المغرب ومات فجأة ليلة الثلاثاء غرة شوال سنة ست عشرة ومائة وألف ودفن يوم العيد بمرج الدحداح رحمه الله تعالى.
محب الدين الحصني
ابن إسمعيل المعروف بالحصني الحسيني الشافعي الدمشقي السيد الشريف خلاصة الخلاصات ولد سنة ثمان وثلاثين وألف وكان من أخلص الصالحين وغلبت عليه عند انتهائه الأضعاف وكان لا يفتر عن ذكر الله وذكر رسوله مستجيراً بجنابه العظيم وكانت وفاته سنة ثلاث عشرة ومائة وألف ودفن بزاويتهم في دمشق بمحلة الشاغور البراني رحمه الله تعالى.
محب الدين بن شكر
الدمشقي الشيخ العالم الولي الصالح هو من مشايخ الشيخ أحمد بن علي المنيني وأخبرت إن المترجم كان يستقيم في المدرسة الكاملية شمالي الجامع الأموي وإنه كان من أهل الصلاح ولم أتحقق وفاته في أي سنة كانت رحمه الله تعالى.
محيي الدين المصري
ابن علي بن إبراهيم بن محيي الدين بن عبد الحافظ المصري نزيل دمشق كان حافظاً لكتاب الله تعالى مجوداً خفيف الروح مقبولاً عند الخاصة والعامة استقام بدمشق نحو ستين سنة وكانت وفاته بها يوم الثلاثاء سابع عشر جمادي الثانية سنة ست ومائة وألف رحمه الله تعالى.
стр. 1027
مراد المرادي
ابن علي بن داود بن كمال الدين بن صالح بن محمد الحسيني الحنفي البخاري النقشبندي نزيل دمشق وقسطنطينية جدنا الكبير الأستاذ الامام الأعظم الشهير قطب الأقطاب ونادرة الأزمان والأحقاب السيد الشريف العالم العلامة الولي العارف الفهامة الفاضل المحقق المدقق الصوفي الغوث الصمداني الرباني الحبر البحر الحجة الرحلة المسلك المرشد امام أهل العرفان وصدر أرباب الشهود والوجدان صاحب الكرامات والعلوم كان آية الله الكبرى في العلوم النقلية والعقلية خصوصاً في التفسير والحديث والفقه وغير ذلك مع الديانة والصلاح والتقوى والنجاح والولاية وعلمي الظاهر والباطن وكان مبجلاً معظماً أحد الأفراد من العباد مرشداً كاملاً ورعاً زاهداً عابداً معتقداً مع اتقان اللغات الثلاث العربية والفارسية والتركية معمراً نورانياً جامعاً للمذاهب جليل المناقب متضلعاً من العلوم مظهر التوفيق والكرامات حتى كان يحفظ أكثر من عشرة آلاف حديث مع أسانيدها وحفظ روايتها ودائماً رأسه مكشوف غارقاً في بحر عشق مولاه حامداً لما أناله وأولاه ولد في سنة خمسين وألف وكان والده نقيب الأشراف في بلدة سمرقند فلما بلغ المترجم من السن ثلاث سنين حصلت له نازلة على قدميه وساقيه عطلتها وبقي مقعداً بسبب ذلك ثم نشأ مجتهداً في اكتساب العلوم والكمالات ثم قرأ العلوم العربية والفنون العلمية ثم حصلت له النفحة الربانية والمنحة الصمدانية فأقبل على طاعة ربه واجتهد معرضاً عن شهوات الدنيا مقبلاً على الاخرى فهاجر إلى بلاد الهند وأخذ هناك الطريقة النقشبندية وغيرها عن الأستاذ الكبير مهبط الأسرار الألهية ومورد المعارف الربانية الشيخ محمد معصوم الفاروقي المنسوب إلى الامام عمر الفاروق ﵁ فلازمه وتتلمذ له وأخذ عنه وأقام عنده أياماً ثم أمره بالتوجه لارشاد العموم وكان الجد المترجم سبقت جذبته الألهية على سلوكه وهو أخذها عن والده الأستاذ أحمد الفاروقي الملقب بالمجدد وهو عن الامام محمد الباقر إلى أخر السلسلة العلية وأشرقت منه شموس الارشاد وبزغت من مطالعه نجوم الهداية والعلوم في البوادي والبلاد وكان فيه المراد ثم بعد مدة قدم إلى الديار الحجازية قاصداً حج بيت الله الحرام وزيارة سيد الأنام محمد ﷺ ثم استقام مجاوراً ثلاث سنين وبعدها توجه نحو بغداد ومنها قصد التوجه إلى بخارى ومنها إلى أصفهان ومنها إليها ولما مر على بلاد العجم خرج لملاقاته ميرزا صائب الشاعر المشهور وأهدى إليه المنتخبات من شعره وصحب في هذه الرحلة علماء سمرقند وبلخ ومشايخها واجتمع بهم ثم قصد ثانياً العود إلى بغداد فعاد واستقام بها مدة ثم عزم على التوجه إلى مكة المكرمة ثانياً فتوجه وبعد أداء الحج والنسك والزيارة مر على مصر
стр. 1028
القاهرة ومنها وفد إلى دمشق وقطن بها وكان دخوله ووفوده إليها بعد الثمانين وألف وأقبلت الناس عليه بدمشق بالتعظيم والاعتقاد والمحبة لما جبل عليه من الزهد والايثار والعبادة والتحقيق في العلوم ففي سنة اثنتين وتسعين وألف قصد التوجه لبلاد الروم فارتحل إلى دار الملك قسطنطينية فلما وصل أقبلت عليه علماؤها وصلحاؤها ومشايخها ومواليها وأخذوا عنه الطريقة وتلقنوا منه الذكر واعتقدوه وصار له تعظيم وتبجيل ثم استقام بها بمحلة أبي أيوب الأنصاري قدس سره مقدار خمس سنين وفي سنة سبع وتسعين عاد إلى دمشق فبعد مدة قصد التوجه إلى الحجاز إلى مكة المكرمة ثالث مرة وكان ذهابه في غير وقت الحج بل ذهب وحده هو ومن معه بلا قافلة إلى أن وصل إلى هناك وجاور سنة واحدة وعاد إلى دمشق ثم حج في سنة تسع عشرة ومائة وألف رابعاً وعاد إلى دمشق أيضاً وكان في دمشق معتقداً ملاذاً مفيداً مكرماً مكرماً تحترمه أهاليها وله مزيد التعظيم عندهم وكانت الحكام تهابه وهو مقبول الشفاعة عندهم وكان موقراً وأخذ من السلطان مصطفى خان قرى بدمشق اقطاعاً بمال يدفعه للخزينة الميرية في كل سنة وهو الآن المعروف بالمالكانات وكان الجد أول من وجه له ذلك بهذه الطريقة وهي الآن علينا وصار له تعظيم وافر واجتمع بشيخ الاسلام إذ ذاك العلامة الكبير المولى فيض الله ورفع المترجم عن أهالي دمشق مظالم عديدة وكان قوالاً بالحق ناصراً للشريعة مسعفاً منظلم مساعداً لأولي الحاجات غاية المساعدة ومن آثاره بدمشق المدرسة المعروفة به وكانت
قبل ذلك خاناً يسكنه أهل الفسق والفجور فأنقذه الله من الظلمات إلى النور وشرط في كتاب وقفه أنه لا يسكنها أمرد ولا متزوج ولا شارب للتتن وكذلك بنى مدرسة في داره بمحلة سوق صاروجا وتعرف بالنقشبندية البرانية مع مسجد كذلك هناك وكان كثير الصدقات مسارعاً إلى القربات وله من التآليف المفردات القرآنية في مجلدين تفسير للآيات وجعله باللغات الثلاث أولاً بالعربية ثم بالفارسية ثم بالتركية وهو مشهور بين علماء الروم وغيرها وله رسائل كثيرة في الطريقة النقشبندية وتحريرات ومكاتبات وكانت وفاته في قسطنطينية في ليلة الثلاثاء ثاني عشر ربيع الثاني سنة اثنتين وثلاثين ومائة وألف وصلى عليه في جامع أبي أيوب خالد الأنصاري ﵁ ودفن في درسخانة المدرسة المعروفة في محلة نيشانجي باشا ورثى بالقصائد الكثيرة العربية والتركية ومن ذلك ما رثاه تلميذه الشيخ أحمد المنيني مؤرخاً وفاته حيث قالل ذلك خاناً يسكنه أهل الفسق والفجور فأنقذه الله من الظلمات إلى النور وشرط في كتاب وقفه أنه لا يسكنها أمرد ولا متزوج ولا شارب للتتن وكذلك بنى مدرسة في داره بمحلة سوق صاروجا وتعرف بالنقشبندية البرانية مع مسجد كذلك هناك وكان كثير الصدقات مسارعاً إلى القربات وله من التآليف المفردات القرآنية في مجلدين تفسير للآيات وجعله باللغات الثلاث أولاً بالعربية ثم بالفارسية ثم بالتركية وهو مشهور بين علماء الروم وغيرها وله رسائل كثيرة في الطريقة النقشبندية وتحريرات ومكاتبات وكانت وفاته في قسطنطينية في ليلة الثلاثاء ثاني عشر ربيع الثاني سنة اثنتين وثلاثين ومائة وألف وصلى عليه في جامع أبي أيوب خالد الأنصاري ﵁ ودفن في درسخانة المدرسة المعروفة في محلة نيشانجي باشا ورثى بالقصائد الكثيرة العربية والتركية ومن ذلك ما رثاه تلميذه الشيخ أحمد المنيني مؤرخاً وفاته حيث قال
غوث البرايا مرشد العباد في ... سنن السلوك إلى مناهج قربه
بحر الحقيقة والشريعة من سرت ... أنواره في الأفق مسرى شهبه
انسان عين الوقت كامله الذي ... يمّ المعارف قطرة من سحبه
стр. 1029
الملجأ الاحمى مراد الله من ... لحماه يهرع عائذ من كربه
قد جاءه من ربه بشرى الرضا ... بلقاء مولاه الكريم وحزبه
إلى آخرها وهي طويلة ورثى بغير ذلك رحمه الله تعالى ومن مات من أموات المسلمين أجمعين آمين.
مكي الجوخي
ابن محمد سعيد بن يس بن سليمان بن طه بن سليمان الجوخي الشافعي الحلبي الأصل الدمشقي المولد الفاضل البارع الأديب اللغوي الضابط كان أحد البارعين في الأدب وفنونه وله شعر حسن واطلاع تام في اللغة مع ضبطها وكان يتفحص عن النكات والأحاسن من الأشعار والفوائد ويضبطها مع باع في النحو والفقه وغيره ذا ثروة مشتغلاً بالمتاجرة والاكتساب من ذلك قدم جده يس من حلب إلى دمشق في حدود سنة ستين وألف ونزل في خان الجوخية بدمشق في تجارة فلما بلغ الخبر إلى مفتي دمشق العلامة المولى أحمد المهمنداري الحلبي أرسل بعض خدمه إليه وأنزله عنده وكان يتردد إلى الخان المذكور ويعود يبيت عنده ثم بعد مدة اشترى داراً في محلة مدرسة الباذرائية وتوطن بها وتزوج وصار له أولاد منهم محمد سعيد والد المترجم ثم ولد لمحمد سعيد أولاد منهم المترجم وهو أنجبهم ونشأ في حجر والده وقرأ القرآن على الشيخ حسين البيتماني وأخذ عن غيره ثم طلب العلم واجتهد في تحصيله فقرأ على الشيخ محمد الغزي وهو أول شيخ أخذ عنه ورباه وأخذ عن غيره من جماعة أفاضل أجلاء وارتحل إلى حلب وأخذ عن عالمها الشيخ طه الجبريني والشيخ محمد المواهبي ولما حج في سنة ثمانين ومائة وكان والدي في تلك السنة حاجاً وكنت مع والدي وكان سني دون البلوغ فأخذ عن علماء الحرمين وصار له تآليف فاختصر شرح الأذكار للنووي واختصر شرح الصدور وله مجاميع وشعر وفوائد وله ضبط في اللغة والأدبيات وغير ذلك وله ديوان شعر وبالجملة فقد كان من أدباء ذلك القرن ومن شعره الباهر ما مدح به الجناب الرفيع ﷺ بقوله
بك يا سيد الأنام التجائي ... وعياذي من طارق اللأواء
يا ضياء الوجود يا رحمة الل ... هـ التي ترتجي لكشف البلاء
يا نبيّ الهدى وخير البرايا ... من حباه الآله بالاسراء
يا مغيث الملهوف يا من بعليا ... هـ التجأنا في البؤس والضراء
أنت شمس العلوم بحر العطايا ... منبع الفضل سيد الأنبياء
أنت مصباح كل جود وتهدى ... كل سار إلى الطريق السواء
стр. 1030
فنداك المأمول في كل ضيق ... ومرجي بشدّة ورخاء
لك أشكو من ضعف حالي إني ... أرتجي لمحة تزيل عنائي
كن ملاذي في النائبات مغيثي ... من صروف الزمان والبلواء
فعليك الصلاة بعد سلام ... معآل وصحبك النجباء
ما تغنت حمائم الروض صبحاً ... أو سرى البرق في دجى الظلماء
وقوله من نبوية أيضاً
ويح قلبي من غزال شردا ... من جفاه كم أرى عيش ردى
بعت روحي في هواه رغبة ... ذبت من شوقي عليه كمدا
كيف أسلو وهواه قاتلي ... وجفوني شابهت قطر الندى
قلت يا من بالجفا أتلفني ... جد بوصل ولك الروح فدا
وأبحني نظرة أشفي بها ... كبد أذاق العنا والنكدا
أنا راض بالذي يفعله ... جوره عذب وإن لج العدا
وبأكناف الحمى لي جيرة ... حبهم فرض على طول المدى
قمت ليلاً في روابي شعبهم ... كي أرى نحو حماهم منجدا
أنشد الحيّ فلم ألف به ... من مجيب مسعد إلا الصدى
قلت هل أبصرت ظبياً شرداً ... قال هل أبصرت ظبياً شردا
يا لقومي إنني ذو شغف ... في هواه وهوى الغيد ردى
ومنها
ثم عرّج نحو وادي طيبة ... لحمى طه التهامي أحمدا
إن لي قلباً لدى أطلاله ... شجا في حلل الوجد ارتدى
سيد الأكوان ذو المجد ومن ... نرتجي منه لنا فيض الندى
يا رسول الله يا غوث الورى ... يا سراجاً للمعالي والهدى
أدرك أدرك مستهاماً دنفا ... لك شوقاً ليس يحصي عددا
قد وردنا نرتجي فيض الرضا ... ومن الجدوى طلبنا المددا
فعليك الله صلى دائماً ... ما حدا الحادي وما الطير شدا
ولصاحب الترجمة
ويلاه من رشأ تهفو النفوس له ... حلو الشمائل يسبينا بطلعته
نسج بعارضه أم أحرف رقمت ... فوق اللجين فراقت حسن بهجته
كأنما نملة مشت أناملها ... على مداد فدبت فوق وجنته
стр. 1031
هو من قول الشيخ عبد الرحمن الموصلي
أنبت عذار أم شقائق روضة ... مشى فوقها نمل بأرجله حبر
وهو ناظر إلى قول العارف الشيخ أيوب
انظر إلى السحر يجري في لواحظه ... وانظر إلى دعج في طرفه الساجي
ر انظر إلى شعرات فوق وجنته ... كأنما هن نمل دبّ في عاج
ومن ذلك قول بعضهم
كأن عارضه والشعر عارضه ... آثار نمل بدت في صفحة العاج
توحلت في لطيم المسك أرجلها ... فعدن راجعة من غير منهاج
وما أحسن قول البارع أحمد الشاهيني
دب العذار بخدّه ثم انثنى ... فكأنه في وجنتيه مروّع
نمل يحاول نقل حبة خاله ... فتمسه نار الخدود فيرجع
وللمترجم متغزلاً
أقسمت بالدر من ثغر وما نسقا ... والخال من خدّه الباهي وما عبقا
وليل شعر على الأجياد منجدل ... وبارق من ثناياه لقد برقا
ما شمت قط لباهي حسنه شبهاً ... بين الظباء فسبحان الذي خلقا
هو الغزال فما أحلى تلفته ... كم عاشق هام فيه مذله عشقا
يسبي العقول إذا ما ماس في حلل ... من الجمال وكم قلب به علقا
مقسم الوجه منه البدر مفتضح ... أنى يضاهيه بدر تمّ واتسقا
فاق الحسان سنى من نور غرّته ... فلاح في بدر تم فوق غصن نقا
أفديه ذا هيف يرنو لعاشقه ... كالظبي ملتفتاً كالغصن ممتشقا
ذو مبسم برد قد راق منهله ... والمسك من طيبه الفوّاح قد نشقا
أعيذ طلعته من شرّ حاسده ... وغاسق وعذول لومه غسقا
قد ماس في حسنه يختال متشحاً ... ومال في تيهه عجباً وما رمقا
وراش لي أسهماً من هدب مقلته ... أصمت فؤاد المعنى عندما رشقا
يا ويح قلبي مما قد لقيت أسى ... في حبه زاد وجدي والحشا خفقا
يا أيها المعرض المسبي بقامته ... رفقاً بقلب كئيب زدته حرقا
كسوت جسمي نحولاً في هواك ولم ... يدع صدودك والهجران لي رمقا
كم ذا أقاسيه من فرط الغرام ومن ... تلوّع واصطباري عنك قد نفقا
عطفاً على صبك المضني الشجي كرما ... قد طلق النوم جفني واكتسى أرقا
стр. 1032
وجد بوصل فدتك الروح يا أملي ... وارحم حشاء بنيران الجوى احترقا
وله مخمساً
قفا ننشد الأحباب علّ الندا يجدي ... بسفح اللوى والبان من علمي سعدي
وقولاً إذا ما هيمنت نسمة الرند ... ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد
لقد زادني مسراك وجداً على وجدي
إذا ما وميض البرق لاح وأوضحا ... وأبدى حديث الشوق عني وصرحا
أهيم بذكراهم وجسمي قد انمحى ... وإن هتفت ورقاء في رونق الضحى
على فنن غض النبات من الرند
أحن إلى الأوطان من ذلك اللوى ... وقلبي بنار الهجر وجداً قد اكتوى
فأوّاه من وجدي ومن لوعة النوى ... بكيت فأبكاني الذي بي من الجوى
ومن شدة البلوى ومن ألم الفقد
أهيل الحمى ظهري لبعدكم انحنى ... نأيتم فبات القلب يشكو من الضنى
وقلتم بأن الصبر يعقبه المنى ... بكل تداوينا فلم يشف ما بنا
على أن قرب الدار خير من البعد
رحلنا عن الأوطان رحلة طامع ... وقلنا حداة العيس جدّوا بوالع
عسى ندرك المأمول من غير مانع ... على أن قرب الدار ليس بنافع
إذا كان من تهواه ليس بذي ودّ
ومن نثره وقد أرسل بها إلى بعض أصحابه لأمر اقتضى ذلك حرس الله تعالى جناب سيدنا نتيجة الزمان ومعدن الفضائل والعرفان ومحير أرباب اللسن بطلاقة اللسان والسالب برقة ألفاظه كل انسان الرفيق الكامل الذي تعقد على مثله الخناصر وتشد الأنامل من قلد جيد الزمان بالأيادي وأخرس بفصاحته سحبان وقسا الأيادي وأخجل سحب الغمام بالأيادي وأروي بمورده العذب كل صادي أما بعد فمتى غابت شمس الود حتى اكفهر ليل المقاطعة واسود ومتى تقشع سحاب المحبة حتى لم ينبت في رياضها حبه ومتى كان هذا الجرح حتى اندمل ومتى سل حسام المحاربة حتى كل وفل ولكن إذا كان المحب قليل الحظوظ فكل ما يبديه بعين السخط ملحوظ
إذا كان المحب قليل حظ ... فما حسناته إلا ذنوب
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا
أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر
стр. 1033
ما صاحبتك طمعاً فيما في يديك ولا واخيتك للاعتماد عليك والاحتياج إليك ولا تقربت إليك لتنقذني من المهالك ولا واددتك لتواسيني بمالك ولكني كنت أعدك عدة للأعدا وأعدك إذا عدت الأصدقاء فرداً وأفزع إليك إذا اشتد الكرب وأشكو إذا أعضل الخطب أموراً يتوجع منها القلب
ولا بدّ من شكوى إلى ذي مروءة ... يواسيك أو يسليك أو يتوجع
من غص داوي بشرب الماء غصته ... فكيف يفعل من قد غص بالماء
كنت في كربتي أفرّ إليهم ... فهم كربتي فأين الفرار
على أنني ما أنكرت ودك المستطاب ومعروفك الذي هو أصفى من الشراب ولا جحدت ما أثقلت كاهلي به من الأيادي بل ذكرتها ونشرتها في كل نادي
إذا محاسني اللاتي أدل بها ... كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر
شعر
لست أشكو من امتناعك عني ... يا منى القلب حين عز الاياب
سوء حظي أنالني منك هذا ... فعلى الحظ لا عليك العتاب
فإذا كان هذا الأمر اقتضاه الحال فحلمكم أوسع وإن اتسع المجال والصديق هو الذي يعد للشدة والضيق والرفيق هو الذي يكون بالرفيق رفيق
أعلى الصراط تكون منك مودّة ... أم في المعاد تكون من خلاني
إني قصدتك للشدائد فانتبه ... والأمر في الأخرى إلى الرحمن
فيا سيدي ما هذا التجني والأعراض والتسخط والانقباض فبعض هذا الجفاء يا مولاي مقنع وأقل ما رأيته منك للقلب مؤلم وموجع
فلا خير فيمن غير البعد قلبه ... ولا في وداد غيرته العوامل
ولقد أكثرت في الالحاح والطلب وأزعجت نفسك غاية الازعاج وأتعبتها غاية التعب وحملتها ما لا تطيق وأوقعتها في أشد الضيق فإذا كان هذا الأمر سريع الفرج فلا يكن في صدرك حرج
وخفض عليك فإن الأمور ... بكف الآله مقاديرها
شعر
غصص الحياة كثيرة ولقد ... تنسى الحوادث بعضها بعضاً
ولقد بلغنا من بعض الأحباب إنك أكثرت من الملامة والعتاب فسبحان الله ما هذا القلق والاضطراب كإنما تقطعت بيننا العلائق والأسباب أم هل سمعت إنها ضاقت بنا المذاهب أم قصرت يدنا عن درك هاتيك المطالب أم أخبرت اننا على جناح سفر
стр. 1034
أم جحدنا حقاً في قبلنا اشتهر أم عرفنا بالمطل والافلاس أم اشتهرنا بأكل أموال الناس وذكرت أن أباك وبخك على صحبتنا لهذا الأمر الخطير وعيرك بمودتنا غاية التعيير كأنه ظن أننا انتسبنا إليك لتواسينا بمالك أما علم إننا بفضل الله غنيون عن ذلك وقد اعتذرت عن ذلك بأعذار لا تقبل بناؤها أو هي من بيت العنكبوت لا يستقر لها حقيقة ولا ثبوت ولكن لما رأيتك ألححت غاية الالحاح في الطلب وأبديت ما كمن من الغضب وأظهرت من النفرة ما فيه نهاية العجب وقطعت للمودة كل سبب ورأيت أن تركنا أولى وأنسب فلذلك اقتحمت هذه الأخطار وتعللت بنسج الأعذار لأنظر انتهاء هذا الأمر وأطلع على مكنون هذا السر وأتحقق حقيقة صحبتك وأنتهي إلى نهاية مودتك فإن في هذا الباب تذكرة لأولي الألباب وفي التتبع والاستحضار تبصرة لأولي الأبصار
الشيء يظهر في الوجود بضده ... لولا الحصى لم يبد فضل الجوهر
ألم تر أن العقل زين لأهله ... وأن تمام العقل حسن التجارب
وأن النقود تظهر ما كمن للوجود وتنقد الرجال وتترجم عن حقيقة المال وتفرق بين الصويحب والصاحب وتبين الصادق في محبته من الكاذب كما قال من جاء بالحجة البيضاء فيمن مدح عنده هل عاملته بالصفراء والبيضاء هذا والمرجو عدم المؤاخذة بما نطق به لسان اليراع وأودعه في سطور الطروس على أكمل ابداع وإن أخطأنا فالصفح من جنابكم مأمول والعذر عند أمثالكم مقبول والسلام فأجابه عنها بقوله
رسالة ودّ من محب لقد أتت ... من الفضل والآداب خالصة السبك
حوت حكماً أبدت نهاية فحره ... وسؤدده بين الأنام بلا شك
فكم مفخر في طيها غير مفترى ... به ضاع نشر الروض والطيب والمسك
وكم نطقت عتباً نشا عن ديانة ... وأفصح لوم عن سماحته تحكي
مخدرة يهدي بها كل عاقل ... مهذبة تستوجب النسخ بالصك
يلين لها الطبع الشديد لأنها ... محببة إذ تنتمي لذوي الملك
تراكيبها محمودة فلذا غدت ... مسهلة لكنها من سنامكي
فيالها من رسالة تنبئ عن قصارى أمر منشيها ومطمح نظر مبديها ومنشيها فكم أطنب فيها لنيل مناه وأبدى حكماً هي نهاية شرفه وعلاه فهي تنادي بأفصح عباره لا بالطف اشاره
ظلم الذي يعزي التجار إلى العلا ... حسب التجار دفاتر الحسبان
همم لهم بين النقود وصرفها ... والسعر والمكيال والميزان
стр. 1035
ولقد أمسكت عما به أطنبت وأغربت وأعرضت عن جواب ما أبديت وأعربت واخترت الايجاز على الاطناب لأن الوقت غير مستطاب والمحل غير قابل للخطاب على أن ترك الجواب أولى من الجواب وفي هذا القدر كفاية وفي امساك عنان اليراع صواب انتهى ومن شعر المترجم ما كتبه إلي مادحاً بقوله
يا تائهاً ببديع لفظ كلامه ... وبنثر درّ من جمان نظامه
وبحسن آداب ورونق منطق ... وبما حواه من ذكا أفهامه
خضعت مصاقع عصره لما رأوا ... فضفاض فضل فاض من انعامه
فغدا الفصيح لديه أبكم عاجزاً ... وتبين الملسان من تمتامه
وانقادت الفصحاء طوع يمينه ... وغدت له منقادة بزمامه
وأهاله من أروع وسميذع ... أربت فضائله على أقوامه
لما رأوه فاق كل مهذب ... كل أطاع بلفظه وبهامه
فاق الألى ورقى العلا بشهامة ... فغدا لعمرك شامة في شامه
وإذا ثوى في مجمع أو محفل ... فتراه بدراً كاملاً بتمامه
لا بدع فهو الشهم نخبة دهرنا ... وخليلنا المفضال في اعظامه
نجل الكرام إلا مجدين بلا مرا ... من قد سموا كالبدر مع أنجامه
ورث الفضائل كابراً عن كابر ... بل نال فخر المجد يوم فطامه
من عمني من فضله بهدية ... من جوده بل من ندى انعامه
يمضي الزمان ولا أقوم بشكره ... حسبي بذاك سموّه بمقامه
فالله يوليه الجزاء من فضله ... ويعمه بالفيض من اكرامه
وتدوم رفعته على أقرانه ... بمزيد عز شامخ بدوامه
مولاي إني قد أتيتك زائراً ... ومهنئاً بالعيد في أيامه
تحيا وتبقى في سرور عائداً ... في طيب عيش في مدى أعوامه
ما بلبل الأفراح قام مغرّداً ... فوق الغصون الملد في ترنامه
وكتب إلي يطلب مني مبراة أقلام
يا سيداً حاز من كل الفنون ومن ... بديع خط كذا آلات أرقام
أرجوك مولاي مبراة تساعدني ... على الكتابة في اصلاح أقلامي
وكتب إلي أيضاً مرة قوله وقد عاقه المطر عن زيارتنا
أيا مولى له شوقي ... ومالي عنه مصطبر
مرادي أن أزوركم ... ولكن عاقني المطر
стр. 1036
ومثل ذلك جرى لي لما كنت في الروم حصل في بعض الأيام مطر وثلج وكان قد دعاني أحد مواليها إليه فكتبت إليه معتذراً عن الزيارة بقولي
أمولاي يا شمس المحامد والبها ... ويا واحداً حاز المعالي مع الفخر
إلى بابك العالي أروم زيارة ... فتمنعني الأقدار بالثلج والقطر
فلا تك للداعي المرادي مؤاخذاً ... فمثلك من يعفو عن الذنب والوزر
وكتب المترجم إلي أيضاً ضمن رسالة قوله
أما والله يا بدر المعالي ... ومن قد جاد لي ببديع حبك
ومن أولاك مكرمة ومنا ... وصير جنتي بنعيم قربك
لأنت أعز من طرفي وقلبي ... فسل عما أقول شهود قلبك
ويوم لا أرى ذاك المحيا ... يلوح فذاك يوم عند ربك
وكان بدمشق غلام عراقي بغدادي أسفر وجهه المنير وراق رونق جماله النضير فأنشد المترجم فيه مخبراً عما في الضمير قوله
أفدي عراقياً تملك مهجتي ... باهي الجمال كبدر تمّ مشرق
فنحوت غرباً أبتغيه مموّهاً ... عن عاذلي والقصد نحو المشرق
وأنشد فيه غيره من أدباء دمشق فمنهم السيد حسين بن حمزة الدمشقي الحسيني فقال
أرنو إلى وجهك من غاية ... قصوى وأرضى بقليل النظر
ويقبل الليل فيخفى سني ... وجهك عن عيني ويعشى البصر
فلم ترى يخفيه وهو الذي ... من شآنه اظهار نور القمر
وللمترجم في مدح باب السلام
يا حبذا باب السلام فإنها ... هي جنة تجري بها الأنهار
فاقت على نزه الشآم نضارة ... وبوصفها قد حارت الأفكار
يترقرق الماء الزلال بها كأعم ... دة الرخام طفا عليه غبار
وكأنما الأمواج حين تتابعت ... سفن جرت وتسوقها الأقدار
سلسالها عند الهواء نخاله ... كالثلج يصعد قد علاه نضار
يا حسنها من روضة وغصونها ... قد غرّدت من فوقها الأطيار
ونسيمها وخرير صوت مياهها ... تجلي بها الأحزان والأكدار
لا سيما زمن الربيع وزهره ... تهفو النفوس إليه والخطار
من أمها يبغي التنزه قائل ... لو كان لي قصر بها أو دار
لكنها بمكاره حفت لذا ... يأتونها في خلسة أخيار
стр. 1037
أنعم بها من نزهة أنست بها ال ... أحباب والخلان والسمار
يا صاح عرّج نحوها مستأنساً ... ما تشتهي فيها وما تختار
وزاره صاحبه الشيخ عبد الله الطرابلسي المتقدم ذكره في هذا الكتاب وذلك نهار عيد الأضحى وكان يوماً ممطراً فقال المترجم في ذلك
زارنا معدن الفنون صباحاً ... فحبينا به الأماني صباحا
كان عيدان من تلاقيه عيد ... وبعيد الأضحى ألا عم صباحا
خلت شمساً في حيناً قد أضاءت ... أو كبدر التمام في الأفق لاحا
أدهش الناظرين نور سرور ... من لقاه وجدّد الأفراحا
ياله من نهار أنس منير ... قد وقينا من لطفه الأتراحا
زارنا الغيث حين زار ووافى ... بسرور فأنعش الأرواحا
وسحاب الهناء أمطر درّاً ... حيث حوض السرور كان طفاحا
هو عبد الله المحب الذي قد ... بلغ القلب في هواه نجاحا
ماجد وابن ماجد قد تسامى ... بمعان منها رأينا الفلاحا
ياله من مهذب وأديب ... لم يزل طيبه لنا فوّاحا
ذي نظام يفوق عقد اللآلي ... لنحور الحسان كان وشاحا
ففؤادي بحبه ذو امتزاج ... وبه عنبر المحبة فاحا
يا أديب الزمان لطفاً ويا من ... لفظه جوهر يفوق الصحاحا
هاك أبيات مدحة من محب ... فيك بالحب قلبه قد باحا
فعليها أسدل ثياب التغاضي ... ثم بالعفو كن لها مناحا
ثم سامح أخاك بالصفح فضلا ... حيث ألقى لديك منه السلاحا
وابق في نعمة وطيب حبور ... ما هزار في روضة قد صاحا
فكتب إليه الطرابلسي المذكور الجواب بقوله
مسك دارين قد شممناه فاحا ... أم خزامى أم عنبرا أم أقاحا
ولآل تنظمت أم نجوم ... أم شموس ضياؤها قد لاحا
وضروب الألحان ما قد سمعنا ... أم تغني طير الرياض وصاحا
أم مدام قد أشرقت بكؤس ... عطرت من شميمها الأقداحا
أم نظام كالدر أشرق حسنا ... فغدا للنفوس منا وشاحا
من معان تفوق سحر المعاني ... ومبان تهيج الأرواحا
لا عد مناك من أديب أريب ... ولبيب يجلي اللآلي الصحاحا
стр. 1038
صغت عقداً يفوق حلي العذارى ... أم نظاماً يبدي المعاني الصحاحا
فأضاءت منها شموس المباني ... حيث أمسى نظامها وضاحا
فأقبل الآن مدحة من محب ... بنظام لم يقبل الاصلاحا
وابق في العز ما تغنت حمام ... حيث يبدي الهنا لك الأفراحا
وكتب المترجم إلى الشيخ سعيد الجعفري الدمشقي بعد عتاب جرى بينهما لأمر كان بقوله
عتابك لي أشهى من المنّ والسلوى ... لقلبي وأحلى في المذاق من الحلوى
بنظم كسلك الدرّ بل هو جوهر ... يلوح على القرطاس من رصفه أضوا
أرق من الصهباء في الكاس إذ صفت ... فبت بها نشوان لا أعرف الصحوا
أتى من ذوي الأفضال والمجد والتقى ... وحاوي كمال السبق في العلم والتقوى
فسرّحت هذا الطرف في طيّ نشره ... فدلت خوافيه عليه من الفحوى
فإني وأيم الله منذ عرفتكم ... مقيم على صدق الوداد بلا دعوى
وقد غرست أصل المحبة بيننا ... وغصن ثمار الود رطب فلا يذوى
فلا زلت يا ذا الفضل تسمو برفعة ... تدوم مع الاقبال تحبوك ما تهوى
فكتب إليه الجعفري المذكور الجواب بقوله
فداؤك مني الروح ذا الفضل والتقوى ... جوابك لي أحلى من المن والسلوى
بلى هو أمياه الحياة لوامق ... على رمق أبقاه بالصد من يهوى
فما اللؤلؤ المنضود ما الجوهر الذي ... تنوب مناب النيرين به الأضوا
وما الخمر ما برد اللمى ما عذيبه ... ترشفه الولهان من رشا أحوى
بأشهى وأحلى من عذوبة لفظه ... حباني بخمار اعتذاراته الصحوا
وأخبر أن الودّ ما شاب صفوه ... سلوّ ففيه القلب لا يقبل الرشوا
أجل ففؤاد العاشقين محرر ... صفاء لميزان المعاملة الأقوى
وما الغرّ يا بدر العلا مثل أروع ... بمضمار حسن الودّ قد أدرك الشأوا
وإنك في العيوق عندي رفعة ... ولا غرو إذ حزت العلا أنت لا غروا
وإني يا خدن المودّة جازم ... بأنك في ذا الود ذو الرتبة القصوى
وإني ما أثبت أمراً مخيلاً ... وإن يك ذا فالآن أستجلب العفوا
بلى إنني بادرت للمنهج الذي ... نهجت على التحقيق ما كان ذا سهوا
وحاولتكم حسن التقاضي وللادا ... بحسن لقد طالبت نفسي بالنجوى
فدم في ذرا العز المؤبد راقيا ... تقرطق آذان الفهوم بما تهوى
стр. 1039
وللمترجم غير ذلك وكانت وفاته في سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف وجاء تاريخها نال الرضى مكي ودفن بتربة باب الصغير رحمه الله تعالى.
مصطفى القنيطري
ابن أبي بكر بن أبي بكر بن عبد الباقي المعروف بالقنيطري الحنفي البعلي الأصل ولد بدمشق في سنة احدى ومائة وألف ونشأ بها وقرأ على قريبه الشيخ أبي المواهب والشيخ إسمعيل العجلوني والشيخ أحمد الغزي والشيخ محمد الحبال والشيخ عبد الغني النابلسي أخذ عنهم وأجازوه وكان له أدب ومعرفة عطاردي الطالع أظهر البدائع من كل صناعة وكان حظه قليلاً وبالجملة فقد كان من الأدباء المفننين وله شعر ومن شعره قوله في الورد
قد سألنا الورود حين نزلنا ... روضها والزهور ضاع شذاها
فلماذا كتمتم العرف عنا ... قبل نيل الشفاه منكم شفاها
فأجابوا لو دّنا القرب منها ... قد فرشنا الخدود ثم الجباها
وكتمنا العبير في الغصن شوقا ... لتنال النفوس منكم مناها
وفي ذلك للشيخ سعدي العمري قوله
وروض طوى عرف الأحبة غيرة ... عليه فنمت بالزهور الشمائل
وما زال عني الورد يطوي حديثهم ... إلى أن رمته بالأكف الأنامل
وقوله أيضاً
صن سرّ من والاك بين الورى ... دون الورى رعياً لحق الصديق
فالروض في الورد طوى عرفه ... دون الأزاهير لأجل الشقيق
وفي ذلك قول الشيخ أحمد المنيني
صن عرف فضلك عن صديق ناقص ... كيلا يصير من الخجالة في وجل
فالورد بين الزهر أخفى عرفه ... خوفاً على غصن الشقيق من الخجل
وفي ذلك قول المولى أحمد علي الرومي أحد الموالي الرومية
اظهار جهل المرء من ... خل شقيق لا يليق
فاكتم كمالك إن عرا ... في مجلس منه الصديق
فالورد يكتم عرفه ... عن أن ينمّ به الشقيق
وفي ذلك أيضاً للشيخ محمد بن الأمير الدمشقي
سألت من الورد الجني الغض عندما ... رأيت زهور الروض تزهو على الرند
أعرفك هذا ضاع في الروض قال بل ... أعرت زهور الروض بعض الذي عندي
стр. 1040
وممن انشد في ذلك الشيخ سعيد السمان فقال
سألنا ورود الروض حين ورودنا ... حماها لماذا النشر عنا طويتم
فقالوا طوينا عرفه خشية الصبا ... إذا ما سرت فيه تنم عليكم
وقوله
ألا قل لمن أودعته السر في الورى ... يكتمه عن صنوه وصديقه
ألم تر أن الورد يكتم في الربا ... شداه ولم يسمح به لشقيقه
وكانت وفاة المترجم في شعبان سنة ستين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى والقنيطري نسبة إلى القنيطرة وهي تكية ناحية تركمان بناها لا لامصطفى باشا رحمه الله تعالى.
السيد مصطفى العلواني
ابن إبراهيم بن حسن بن أويس المعروف بالأويسي العلواني الشافعي الحموي نزيل دمشق أحد الأفاضل كان أديباً بارعاً ناثراً ناظماً كاتباً لوذعياً ألمعياً له الحسب والنسب محرزاً دقائق الكمالات جانياً ثمرات الفضائل والمعارف ولد بحماه سنة ثمان ومائة وألف كما أخبرني ونشأ في حجر والده وقرأ عليه وبه تخرج في فن العربية والأدب وقراءة القرآن وحمله على طلب العلم ونزل بمدرسة الباذرائية واشتغل بقراءة العلوم على أفاضل دمشق فمنهم الشيخ إسمعيل العجلوني وأخذ عن الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي ولازمه في الدروس وأخذ عن الشيخ عبد الله البصروي وعن الشيخ محمد العجلوني وعن الشيخ عبد السلام الكاملي ونظم الشعر والانشاء البليغ مع خط حسن باهر متناسق وشرف نفس وكان ملازم السكون في خلوته وارتحل إلى الروم مرات متعددة وعاد ببعضها متقلداً نقابة بلدته حماه وعزل منها ثم عاد إلى الروم لقضاء ما فات وبلوغ المرام وآخر أمره أن جعل دمشق مأواه وسكنه وكان في السوداء متسماً بغاية لا تدرك وكان والدي يحبه وهو من أصدقائه وكتب لوالدي عدة كتب بخطه وأجازني بمروياته عن شيوخه واجازة خاصة بخطه وأجازني بمنظومته التي نظمها بطريق التوسل بأسمائه الحسنى جل وعلا وبأسمائه ﷺ وأخبرني أنه اجتمع بالجد الكبير الأستاذ الشيخ مراد الحسيني قدس سره حين ارتحاله إلى الديار الرومية في سنة تسع عشرة بعد المائة وأخبرني أنه لما ذهب به ولاده إلى الجد وكان الجد مستقبل القبلة بعد اتمام صلاة ذلك الوقت فلما رآه الجد دعا له ولمس ظهره بكفه وكان المترجم من العلماء الأفاضل البارعين بفنون الأدب وغيره وشعره عليه طلاوة فمن شعره قوله
стр. 1041
أشرف الأنبياء يا نقطة الكو ... ن ومبنى هذا الوجود العجيب
يا رسولاً آياته قد أذابت ... من ظلام الأهواء كل مريب
يا عزيزاً على الآله وفي فص ... ل القضا المستبدّ بالتقريب
أنت باب الآله من يأت من أع ... تابه نال غاية المرغوب
أنت أنت الملاذ إن أفظع الكر ... ب ومدّت للفتك أيدي الخطوب
أنت ملجأ المؤملين فكم من ... ك أنيخ الرجا بواد عشيب
أنت ذخر الضعيف أن يخش عند ال ... بعث والحشر هول يوم عصيب
يا شفيعاً هناك إذ يوقع الأن ... فس في المزعجات كرب الذنوب
يا كريماً حياً العطاش على الحو ... ض إذا ما أتوا بأعذب شوب
كيف يخشى وقع الحوادث عند ... منك قد لاذ بالجناب الرحيب
فأغثني وكن مجيري فإني ... منك للبرّ صرت أيّ رقيب
مع أني إلى علاك تشفع ... ت بصدّيقك الحليم المهيب
وأبي حفص الذي وافق القر ... آن منه لخير رأى مصيب
وابن عفان ذي الحياء شهيد ... الدار ظلماً بدون شك وريب
وعليّ ليث الحروب أبي السب ... طين زوج البتول باب الغبوب
وبأصحابك الهداة الألى من ... ك لقد أتحفوا بأكمل سيب
وبأتباعهم ذوي الذبّ عن هد ... يك كيلا يغشاه شوب كذوب
وخصوصاً منهم هداة اجتهاد ... قد أذابوا فيه سويدا القلوب
بابن ادريس الذي منك أدنت ... هـ لعمري قرابة التعصيب
والمرقى أبي حنيفة عالي ال ... كعب في نيل أشرف المطلوب
وامام المدينة الحبر حقا ... مالك الشرع حائز التقريب
والزكيّ التقيّ أحمد من في ال ... علم قد حاز كل فن غريب
وعليك الصلاة يا خاتم الرس ... ل وأعلى معظم وحبيب
ما توالى من مصطفى بن أويس ... لك مدح مع سح دمع سكوب
يرتجي منك فيه ابلاغ حاج ... هي فيما يرضيك ذات ضروب
وله عند خروج الحاج متوجهاً نحو طيبة الطيبة على ساكنها الصلاة والسلام
ظن أن القلب عنه سلا ... رشأ أغرى بنا المقلا
كبدي لحظاه كم جرحا ... وكمثلى كم فتى قتلا
فعلا فعلاً بمهجته ... بعضه هاروت ما فعلا
стр. 1042
بفتور الجفن كم تركا ... عاشقاً بين الورى مثلا
فتنا الألباب من دعج ... بسواه قط ما اكتحلا
كم أمالا الصب عن أمل ... يرتجيه بائساً خجلا
حرساً ورد الخدود فلم ... نر صبا نحوه وصلا
وإذا ناما فإن له ... حارساً في الصدغ ما غفلا
ويح مضناه فليس على ... ما سوى أحزانه حصلا
فيه كم أصبحت ذا كلف ... متلف طفلاً ومكتهلا
حيث يمسي مبرداً كبدي ... دمع عين ظل منهملا
أرقب الأفلاك منتظرا ... لصباح ينتج الأملا
وعذول جاء يؤلمني ... بملام عنه ما عدلا
قائلاً خفض على كبد ... في الهوى قد أكسب العللا
فأنادي خل عن عذلي ... فلي التعذيب فيه حلا
وافتضاحي في هواه أرى ... حسناً والذل محتملا
من يقل تهواه قلت نعم ... أو يقل تسلوه قلت بلى
في هواه رق لي غزلي ... بعد أن لم أعرف الغزلا
ولعمري سوف يبصرني ... عن غرامي فيه مشتغلا
بامتداحي من ببعثته ... لجميع الأنبيا فضلا
شرّف الله الوجود به ... وكذا الأملاك والرسلا
كل خير في الوجود فمن ... يمنه حقاً لقد وصلا
رحمة عمّ الوجود فما ... أحد عنه تراه خلا
قد أبان الحق مبعثه ... حيث ظل الشرك عنه جلا
كامل ما مثله أحد ... كل وصف فيه قد كملا
إن مدح الخلق قاطبة ... دون علياً مدحه سفلا
ليس يحصى الناس كلهم ... ما عليه خلقه اشتملا
إن عجز المرء عن جمل ... من معالي عزه جملا
فاعترف بالعجز يا لسنا ... وتذلل واترك الجدلا
أن يقس بالرسل أجمعهم ... فهو حقاً خيرهم رجلا
وهم نوّابه ولهم ... نظر منه لقد شملا
ونبياً كان حين بدا ... آدم في الطين منجدلا
стр. 1043
نوره الرحمن أوجده ... قبل خلق للسوى أزلا
ثم لما شمسه ظهرت ... عنه كل العالم انفصلا
ثم تم السعد حين بدا ... خاتماً للرسل واكتملا
وتحدّى فاهتدى رجل ... فائز وارتاب من خذلا
ثم ما قد جاء فيه لنا ... كله والله قد نقلا
وكتاب الله أكبر ما ... جاءنا فيه بنا اتصلا
فهو أسنى نعمة ظهرت ... فضلها والله ما جهلا
وهو باب الله أيّ فتى ... من سواه جاء ما دخلا
يا نبياً جاء يرشدنا ... للهدى إذ أوضح السبلا
يا رسولاً مدحه أبدا ... هو أولى ما به اشتغلا
قد مددت الكف ملتمسا ... منك معروفاً ومبتهلا
يا كريماً لم يردّ لمن ... سال الاحسان قط بلا
يا منيلاً برّه أبدا ... لمن استجدى ومن سالا
حمل الأحباب نحوك من ... بعد والعبد ما حملا
بل تبقى في دمشق لدى ... أيّ سقم فيه قد نزلا
لبس الأحزان فهي له ... كغشاء فوقه انسدلا
فاغتدى يذري الدموع أسى ... راجياً أن يبلغ الأملا
ويرى الأعتاب ملتثما ... تربها والدمع قد هطلا
فأجرني آخذاً بيدي ... وقل المرجوّ قد حصلا
وصلاة الله واصلة ... لك ما غيث السما انهملا
مع سلام لا يزال على ... ربعك المعمور متصلا
والرضا عن صاحبيك فكم ... مهجة في الله قد بذلا
وهما الصديق سيدنا ... وكذا الفاروق من عدلا
ثم ذي النورين خير فتى ... بجلابيب الحيا اشتملا
وعليّ باب كل هدى ... منك للأحباب قد وصلا
وكذا الأصحاب أجمعهم ... مع جميع الآل خير ملا
وبهم يرجو الاغاثة من ... كربه عبد غدا وجلا
مصطفى الويسيّ مرتجياً ... بهم أن يحسن العملا
ويرى عقبى الأمور إلى ... فرج آلت وما انخذلا
стр. 1044
وله أيضاً
ربع الأحبة بالأنداء حييتا ... وما بقى الفلك الدوّار أبقيتا
لله أوقات أنس قد سمحت بها ... بذلت فيها من السرّاء ماشيتا
حيث الرياض إذا أزهارها ضحكت ... بكى الغمام فظل الصبّ مبهوتا
حيث المطوّق والقمري قد ضمنا ... أن يسكت الناي تغريداً وتصويتا
والسلسبيل إذا ما قيل صفه غدا ... عن بعض أوصافه المكثار سكيتا
أكرم به ولجين الماء فيه جرى ... فكم يرى غامراً من عسجد حوتا
ومنها
حملت من زمني ما لو تحمل من ... أمثاله جبل لا ندك تفتيتا
ولم أكن وشبابي الغض مقتبل ... لحمل أصغر احدى الذرّ صفتيتا
أخالني زمني شلت يداه لدى ... شيبي ووهني قد حوّلت عفريتا
وإنّ مما به دهري يكافحني ... ولم يزل سيف هذا الدهر أصليتا
داءين بعدك عن عيني أشدّهما ... ثانيهما السقم من داءيّ عوفيتا
إلى آخرها وله أيضاً
كلانا غنى عن أخيه بربه ... وحفظ الأخا يأبى التقاطع والهجرا
إذا دار أمر المرء بين تقاطع ... وصدق وداد كان ثانيهما الأحرى
وليس الذي يبدا بصدع زجاجة ال ... حشا كالذي يبدا بما يجبر الكسرا
وإن كنت بالثاني اتصفت فإنها ... صفاتك بي قد أثرت ذلك الأمرا
وإن منك يبدو أوّل فمن السوى ... أتاك فجدّد في تجنبه الطهرا
لأنك من بيت زكيّ صفاتهم ... لقد عطرت من نشرها البر والبحرا
وإن نزغ الشيطان ما بيننا فقد ... أنال بني يعقوب من نزغه شرّا
وله معاتباً بعض الأشراف
أيها المعرض عني ... ما الذي أوجب صدّك
وبماذا لا أراني ... مكرماً بالله عندك
ألصدق في وداد ... لك قد أخلص وحدك
أم لنطقي في ثناء ... هو لا يبلغ مجدك
أم لسعيي بالذي أر ... ضي به في الحشر جدّك
أم لغرسي في سويدا ... ء الحشا تالله ودّك
فبجدّيك ابن لي ... ما به أعرف قصدك
стр. 1045
أفهذا حال محسو ... ب قد استوثق ودّك
انما الكيس بأن تن ... جز للداعين وعدك
وتوالى من أيادي ... ك على الراجين رفدك
فبذا والعفو عمن ... قد جنى تقمع ضدّك
فبمن بالفضل مولا ... ي وبالعز أمدّك
وبمن أسعد بالعل ... ياء والنعماء جدّك
وإذا اخترت بعادي ... فأنا أكره بعدك
عميت عيناي إن قرّ ... ت برؤيا الغير بعدك
وله من قصيدة
غنت على الدوح البلابل ... سحراً فهيجت البلابل
فسرى النسيم مؤدياً ... نشراً له قد جاء حامل
فبلطفه قد ماس غص ... ن البان كالنشوان مائل
وبروحه أحيا فؤا ... داً جسمه بالبعد ناحل
وتفتقت أكمام ور ... د عز عن قطف الأنامل
جادت عليه السحب بالأن ... داء إذ بانت هوامل
فكأن ذلك لؤلؤ ... في أكؤس المرجان حاصل
أو أنه ماء الحيا ... ة على عقيق الثغر جائل
أو وجنة حمراء قد ... عرقت حياء من مواصل
والروض تصفق فيه أغ ... صان تشبب بالشمائل
وأدار فينا الراح مع ... شوق بخمر الدلّ ثامل
خصر اللمى عذب المقب ... ل في ثياب الحسن رافل
يروى مسلسل ريقه ... عن كوثر للثغر ناقل
إن اللحاظ بسيفها ال ... فتاك أنست سحر بابل
قد أسكرتنا دون خم ... ر منه هاتيك الشمائل
فانهض أخيّ إلى الريا ... ض عساك أن تحظى بطاتل
واشفع صبوحك بالغبو ... ق وصل غدوّك بالأصائل
لا يشغلنك يا أخا ال ... ذات عن ذا الأنس شاغل
إلا امتداحك سيداً ... قرّت به عين الفضائل الخ
وله يمدح عبد الله باشا الجشنجي أمير دمشق ويشكو الفتن الواقعة فيها إذ ذاك بقوله
стр. 1046
عركتنا عرك الأديم الكروب ... وبسهم الردى رمتنا الخطوب
فاختلاف شق العصا باتفاق ... فيه حمقى حجاهم مسلوب
أقسم السيف لا يقرّ بجفن ... دون كشف عما تسر القلوب
جرّدته يد عن الخير شلا ... ء وفي الشرّ بطشها مرهوب
فاصطبحنا من ذاك كأس ارتياع ... واغتبقنا ما الجسم منه يذوب
فلصدر الشريف منا زفير ... ولقلب التقيّ فينا وجيب
وعلمنا بأنّ لله لطفاً ... من إليه التجي فليس يخيب
فابتهلنا إليه نضرع بالشك ... وى ونبكي فهو القريب المجيب
فتجلت سحائب الخوف عن شم ... س من الأمن لا تكاد تغيب
وأظلت دمشق رايات من أن ... قصد النجم فهو منه قريب
الوزير الكبير من رأيه الثا ... قب في المعضل السديد المصيب
كم له من يد لدى الحرب بيضا ... ء إذا ما اكفهرّ يوم عصيب
يتلقى الجموع منه هزبر ... صدره في الوغى فسيح رحيب
ضاحك الثغر بادي البشر منه ... حيث للحرب يقرع الظنبوب
ثابت الجاش إذ تطيش المواضي ... في مقام به الرضيع يشيب
صحبته طفلاً وكهلاً وكم أثر ... وصفا في الصاحب المصحوب
فإذا جرّد اليمانيّ أو هز ... الردينيّ منه زند صليب
فرّق الجمع مثل تفريق أحوى ال ... عصف في البيد فرّقته الجنوب
جاء والشام سيف ذي البغى فيها ... مصلت من دم المطيع خضيب
وعليها أخنى الزمان وقد أج ... دب من فيحها المكان الخصيب
فحبت نار ذلك البغى حتى ... أصبحت لا يشام منها لهيب
وتعرّت جموعها عن فراق ... ما لجمع التصحيح منه نصيب
فثغور الشآم تفترّ بشراً ... وببيت الطعام يعلو النحيب
وترى الأرض وهي مخضرّة الأر ... جا سقاها الحيا الغمام السكوب
وذراها الفسيح لم يلف فيه ... منذ حل الوزير أرض جدوب
فعلى دوحها بشكر عليه ... وثناء قد غرّد العندليب
وأقمنا وللسان مجال ... بثناء يذكو شذا ويطيب
يصبح النطق قاصراً إنّ تقصي ... ر ذوي النطق فيه أمر غريب
فهلموا معاشر الفصحاء ال ... لسن للشكر جملة وأجيبوا
стр. 1047
فعسى اليوم أن يؤدي لعبد الله ... حق أداؤه مطلوب
صانه الله من وزير به الحق ... إلى الكامل المحق يؤب
وبه الباطل اضمحل كأهلي ... هـ فتعسا لهم إذا لم يتوبوا
إن مدحاً لبعض أوصافه الغرّ لأ ... مر يحار فيه اللبيب
أفمثلي بمثل هذي القوافي ... غرض القصد في المديح يصيب
وأنا مثقل بما قرّح القل ... ب من الدهر بل حزين كئيب
وإذا ما عجزت كانت معالي ... هـ عليه بالمدح عني تنوب
إنّ من قد أقرّ عين المعالي ... دهره بالثنا عليه الخطيب
دام للمجد غرّة ولوجه ال ... جدّ نوراً سناه ليس يغيب
ما تغنت في الروض ورق وما هب ... نسيم فاهتز غصن رطيب
وله مؤرخاً تعمير جامع دمشق بعد انهدامه بالزلازل ومادحاً لجناب الوالد وكان إذ ذاك مفتي الشام في سنة ألف ومائة وأربع وسبعين
لك لا لغيرك للعلا استعداد ... فلذا برمتها إليك تقاد
وإذا تعرّض من سواك لنيلها ... أضحى وعنها لأطردت يذاد
فأفخر فإنك يا عليّ ورثتها ... من علية حازوا الفخار وسادوا
وبمحتد الشرف الرفيع تبوّؤا ... شأوا لأدناه السها يرتاد
ضموا إليه معارفاً وفضائلاً ... وسموا بذاك فكلهم أمجاد
ظلوا الهداة بفارس وبهديهم ... في الشام ظلت تهتدي العباد
وإليهم في كل خطب فادح ... يلجأ فيصدر بالمنى الورّاد
لو في الثريا العلم كان لناله ... منهم رجال فهمهم وقاد
وحويت كل مزية فيهم ولا ... تنفك من شيم علت تزداد
إن أنفذ العدّ المكارم في امرئ ... فلغير وصفك ينفد التعداد
مهما تقلب فيه من شيم العلا ... فجميعه مستحسن وسداد
وما تحرّره بفهم ثاقب ... أبداً سلمت تسلم النقاد
يا أيها الساري يحثّ ركابه ... طلاع أنجد حثه استرشاد
يمم ذراه تجده طود معارف ... ظلت لديه تواضع الأطواد
وافتح به من معضلاتك ما غدا ... مستغلقاً ينحلّ منه صفاد
هذا وضمّ إلى العلوم خلائقاً ... وعن الصبا يروى لها اسناد
إن أخلف المزن البلاد فكفه ... فياضة منها يسحّ عهاد
стр. 1048
يسمو بهمته الرفيعة إنه ... يقفو به في الذاهبين جواد
ولسعده فيما يروم تفرّد ... فيه يظلّ يساعد الأسعاد
من قبله الأمويّ ولي معشر ... ذهبوا فمنه وهي ودك عماد
لم تسم همة من تقدمه إلى ... ترميم شيء بل أبيد وبادوا
فألمّ فيه وظلّ يصلح بعض ما ... فيه تبدد طارف وتلاد
حتى وهي الزلزال فانهارت به ... سقف وأعمدة وطمّ فساد
فنمى الحديث إلى الخليفة من له ... خضع البرية كلهم وانقادوا
ظل الآله بأرضه من أصبحت ... للخوف منه تضاءل الآساد
فاهتمّ في تحرير ما قد جاء في ... فضل الشآم بذاله الاسناد
وأشار في تاريخ تعمير لجا ... معها الرفيع به الثنا يزداد
فأجابه فضلاؤها لمراده ... راجين منه قبوله وأجادوا
وبهم تشبه ذا الضعيف وإن يكن ... عن شأو فضلهم له أبعاد
فأتى ببيت كامل تاريخ ما ... يحلو به للسامع الانشاد
أموي جلق إن هوى بزلازل ... فبمصطفى الملك المجيد يشاد
٥٧ ١٣٣ ٥١ ٢١ ٧٧ ٣١١ ١ - ٢١ ٨٨ ٣١٥ سنة ١١٧٤ وله مادحاً لجناب أسعد أفندي قاضي العساكر الروم إيلية في قسطنطينية
ألا كل ما يختار من مهجتي وقف ... عليه فعما لست أسمعه كفوا
فيا ربما أغرى المتيم لائم ... فأصبح مشغوفاً بما دونه الحتف
بروحي غزالاً صاد قلبي بما غدت ... تمد من الاشراك أهدابه الوطف
غفا عن مراد الصب يلهو بدله ... خلياً وأجفان المتيم لا تغفو
لقد كان لي جسم يقلبه الآسى ... على جمرات بات يضرمها الضعف
وعهدي بأن القلب بين جوانحي ... ومأموله من ذلك الرشا العطف
فلم يبق لي إلا تتابع زفرة ... تلت مثلها أخرى وأعقبها ألف
ودمع مشوب بالدما ظل هاملاً ... على صفحات الخد أو مدمع صرف
خليليّ ما بذل المتيم روحه ... عزيزاً وما أحلاه إن رضى الخشف
فقولاً لمن قد أكثر العذل جاهلاً ... بحال الهوى أقصر جفا فمك الحرف
سلوّى محال عنه ما دام ينتمي ... لأخلاق من جلت فضائله اللطف
همام لو أن الدهر جاد بمثله ... لما انحصرت فيه المعارف والعرف
стр. 1049
له راحة في لثمها كل راحة ... وكف بها وقع النوائب بنكف
فتى حليت أسماعنا بصفاته ... ففي كل أذن من محاسنها شنف
تأرجت الأرجاء من طيب نشرها ... وفي كل قطر فاج قطر بها عرف
وله مادحاً جناب السيد سعيد أفندي ابن المرحوم شيخ ميرزا زاده
قلب له بين الضلوع خفوق ... عن حمل أعباء البعاد يضيق
ما زال يذكر من دمشق مسرة ... تصفو مناهل أنسها وتروق
جاد الحيا منها رياضاً قد حلا ... فيها اصطباح مؤنس وغبوق
ما ثم إلا نرجس أو وجنة ... للورد كللها الندى وشقيق
وتطارح الآداب بين أحبة ... كل بساحر لفظه منطيق
أخلاقهم تحكي النسيم لطافة ... وكأنّ أفهام الجميع بروق
نيطت بأجياد البلاغة منهم ... درر فرائد نظمهن نسيق
طابت مجالس أنسهم فكأنها ... دارين يعبق مسكها المسحوق
ما زال يحسدني الزمان عليهم ... وأنا بأسهم كيده مرشوق
حتى غدت أيدي الفراق تقودني ... لتحيط بي من بعد ذاك فروق
بلد بها عز الخلافة مانع ... عن أن ينال مرامه مخلوق
ما لم يكن عضداً له ذو همة ... عليا بعيني سؤدد مرموق
وكأنني بالمبتغي متيسراً ... مفت به المجد الأثيل حقيق
فرد المعارف والمكارم من له ... أصل بفعل المكرمات عريق
من شب في حجر الفضائل والتقى ... يسمو على كل الورى ويفوق
من لا يزال يجول في أفكاره ... فهم لتنقيح العلوم دقيق
ويسوقه لمكارم الأخلاق أن ... يختارها ويحبها التوفيق
من ليس مثل أبيه بين مشايخ ... الاسلام بالمجد الرفيع خليق
فرد مضى لسبيله وكأنه ... فيما أكنّ من التقى الصديق
إن رمت تدري هديه فانظر إلى ... هدى ابنه يبدو لك التحقيق
فهو السعيد بنيل كل فضيلة ... يقفو بها نهج السداد طريق
تالله لي فيه أكيد محبة ... عقدي عليها في الفؤاد وثيق
يا خير من منه لمن يرجوه في ... حاجاته وجه النجاح طليق
ما خاب مثلي في المجئ لبلدة ... ولها بمثلك بهجة وشروق
فاسعف أخا ثقة بجاهك إنه ... وافاك ملهوفاً وأنت شفيق
стр. 1050
لا زلت للمرجوّ خير مؤمّل ... ما ماس غصن في الرياض وريق
وله أيضاً وقد كتبها إلى فتحي أفندي الدفتري
هبّ النسيم فللصبوح فهاته ... وأدره ممزوجاً بريق شفاته
سيال ياقوت حكى أو ذائباً ... من خالص الابريز في كاساته
يصفو عن الأكدار راشف كأسه ... كصفائه عنها لدى حاناته
هات أسقنيه والهزار مردّد ... في الروضة الغنا فصيح لغاته
وأصخ إلى الناي الرخيم ممازجاً ... للعود والسنطير في دقاته
في روضة عبث الصبا من غصنها ال ... ممشوق منه القدّ في عذباته
قد كاد يحكي في الملاحة قدّ من ... تهوى لو أن البدر من ثمراته
إنّ احمرار الورد فيها خجلة ... من نرجس يرنو إلى وجناته
يحظى بصرف همومه في ضمنها ... من يصرف الدينار في لذاته
هذا هو الأنس الذي من ناله ... يسهو عن المكروه من أوقاته
كم شنّ غارات عليّ وقلما ... أمسى خليّ البال من غاراته
حسدتني الأيام إذ أنا ساحب ... ذيل التنعم في فضا ساحاته
وأسرّح الطرف المقرّح جفنه ... من بعد مس البعد في جناته
في قصره السامي الذي قصر الهنا ... وجميع ما يهوى على غرفاته
لله ذاك السلسبيل وقد غدا ... يجري لجين الماء فوق صفاته
ما زال وارده يرد عليه من ... ماء الحياة به لذيذ حياته
عذبت موارده عذوبة طبع من ... شاد المكارم في ذرى جنباته
من ضم للمجد الأثيل معالياً ... قعساء غرّاً نالها من ذاته
ذو مجلس جمع المفاخر كلها ... لكنّ أنس النفس بعض صفاته
فيه من الأدباء خير عصابة ... يحشون سمعهم بدرّ نكاته
وأباح كيس المكرمات لأنه ... يتلو عليه الفتح من آياته
كم جاس موقف شدّة لم يثنه ... أو يثني الجوّاس بيض ظباته
سل عمراً المشهور عن اقدامه ... واسأل ليوث الغاب عن عزماته
قد نال كل الجدّ في حركاته ... وخلا مع التدبير في سكناته
نظمت في سمط القريض فرائداً ... منها تعلق في طلي أبياته
فأنا لذاك وإن أكن عن ذاته ... ناء فلي أنس بقرب صفاته
стр. 1051
وحياته لو لم امتع خاطري ... فيها لمتّ من الآسى وحياته
فالعبد بعد فراقه لفراقه ... متفتت الأكباد من زفراته
لا زال ذاك الربع مغموراً بما ... يسدي إليه الله من بركاته
وله من قصيدة امتدح بها والدي عند ختم درس الهداية بالسليمانية مطلعها
ملأ الوفاض من القلوب وفاضا ... فضل غدوت لدرسه تتقاضى
أحبب بعلم حث ريش البحث في ... ما لم يجئ فيه النبئ وهاضا
ألقاه عن فهم توقد فطنة ... من لا يزال إلى العلا نهاضا
بكر إليه تجد لديه مباحثاً ... في الفقه كادت أن تكون رياضا
وترى الشفا من داء جهل بل ترى ... إن جئت مجلسه الشفا وعياضا
أبحاثه لم تبق في جفن الهدى ... بهداية يعني بها أغماضا
إن يبد صاحب بدعة حججا على ... ما يدعيه يرى لها دحاضا
هو جوهر في الفضل فرد والسوى ... أن قوبات فيه غدت أعراضا
كم قد أفاق سهام فهم ثاقب ... عند الجدال فأنفذ الأغراضا
ما أن يرى عما يباين شرعة ... لنبينا خير الورى يتغاضى
بل لا يزال إلى إزالة ما به ... في الشرع بعض حزازة ركاضا
ومن شعره
يا منكراً حركاتنا في حب من ... أفديه من بين الأنام بروحي
هو قد أصاب حشاي سيف لحاظه ... حتى أضر بقلبي المقروح
ذبح الفؤاد وليس ينكر ذو حجى ... أن تصدر الحركات من مذبوح
وله أيضاً
بانخفاض وغربة يرتقي الحر ... العلا راغماً لأنف الأعادي
إنما المرء من تغرب أضحى ... عقد درّ يناط في الأجياد
وهو من قول ابن قلاقس
سافر إذا حاولت قدراً ... سار الهلال فصار بدرا
والماء يكسب ما جرى ... طيباً ويخبث ما استقرا
وممن مدح الغربة وذم الاقامة في دار الهوان الأديب الحكيم الأندلسي حيث قال
إذا كان أصلي من تراب فكلها ... بلادي وكل العالمين أقاربي
وأنشد الآخر
ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان غير الميّ والوتد
стр. 1052
هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثى له أحد
وللطغرائي من قصيدته المشهورة
إن العلا حدثتني وهي صادقة ... فيما تحدث إن العز بالنقل
لو كان في شرف المأوى بلوغ مني ... لم تبرح الشمس يوماً دارة الحمل
وللشيخ محمد المناشيري الدمشقي
كثرة المكث في الأماكن ذل ... فاغتنم بعدها ولا تتأنس
أوّل الماء في الغدير زلال ... فإذا طال مكثه يتدنس
وهو من قول البديع الهمذاني الماء إذا طال مكثه ظهر خبثه وقال أبو فراس
إذا لم أجد في بلدة ما أريده ... فعندي لأخرى عزمة وركاب
وأنشد الآخر
وربما كان ذل المرء في بلد ... لعزه في بلاد غيرها سببا
وقال بعضهم
ليس الرحيل إلى كسب العلا سفراً ... بل المقام على ذل هو السفر
وأنشد بعضهم
والمرء ليس ببالغ في أرضه ... كالصقر ليس بصائد في وكره
وكتب صاحب الترجمة لبعض أحبابه
مرارة اليأس أحلى في المروءة من ... حلاوة الوعد إن يمزج بتسويف
فاختر فديتك للداعي أحبهما ... إليك لا زلت تسدي كل معروف
وله غير ذلك أشياء كثيرة ولم تطل مدته وكان من أفاضل أهل عصره يغلب عليه حب العزلة والامتناع عن مخالطة الناس حتى لزم في آخر أمره السكنى في حجرة في مدرسة الوزير إسمعيل باشا الكائنة بسوق الخياطين تتردد إليه الطلبة للقراءة عليه والأخذ عنه وكتب بخطه الحسن المضبوط عدة من الكتب ولما توفي السيد محمد سعيد السواري خادم المحيا ومدرس المدرسة المزبورة وجه التدريس المرقوم على صاحب الترجمة فدرس إلى وفاته وكانت وفاته بكرة يوم الثلاثاء سادس صفر سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
مصطفى اللقيمي
ابن أحمد بن محمد بن سلامة بن محمد بن علي بن صلاح الدين المعروف باللقيمي الشافعي الدمياطي نزيل دمشق الشيخ العالم الفاضل الفرضي الحيسوب الكامل الأديب الناظم
стр. 1053
الجهبذ النقاد العابد التقي الماجد الأوحد الزاهد العفيف ولد بدمياط في ربيع الأول ليلة الجمعة بين العشائين سنة خمس ومائة وألف وبها نشأ في كنف والده مع أخويه العالم الأديب الشيخ محمد سعيد والأديب المتقن الشيخ عثمان وعليه تخرجوا في سائر الفنون والمترجم أيضاً أخذ وقرأ على جده لأمه العلامة الشيخ محمد الدمياطي الشهير بالبدر وابن الميت من أنواع العلوم وبه تخرج ومنه انتفع وحج مع والده إلى البيت الحرام وأخذ بالحرمين عن العلماء السراة كالشيخ عبد الله بن سالم البصري المكي والشيخ الوليدي وفي المدينة عن أبي الطيب المغربي أحد المشاهير من المحدثين وقرأ وأخذ عن علماء مصر ودمياط ودمشق وبيت المقدس واستجاز منهم وعمته نفحاتهم وكان يتعاطى المناسخات والمقاسمات بالفرائض والحساب وكان ذا زهد وعفة وديانة وكان يختم في رمضان كل يوم وليلة ختمة وكان على قدم صدق عظيم من التهجد وله من التآليف الرحلة المسماة بموانح الأنس بالرحلة لوادي القدس تحتوي على فوائد ونكت واختصر كتاب الأنس الجليل في زيارة بيت المقدس والخليل وشرح ورد الأستاذ شيخه الصديقي البكري وله التوصل في شرح الصدر بالتوسل بأهل بدر وله رسائل كثيرة في الحساب والفرائض مشهورة وله ديوان شعر جمعه وسماه تحائف تحرير اليراعة بلطائف تقرير البراعة وكانت له اليد الطولى في الأدب ونظم الشعر وعمل التاريخ على سبيل الارتجال وله رسائل أدبية وتحريرات مفيدة غير أنه كان رحمه الله تعالى مطوياً في راحة الدهر يوم كجمعة وجمعة كشهر وبالجملة فقد كان من أفراد دهره وعصره ومن شعره الرائق قوله
سقى سفح قاسون السحائب بالوكف ... وحياه من فوح الصبا فائح العرف
وغنت به الورقاء تشجي بصوتها ... فتغنى بمغناها عن الجنك والدف
تروح وتغدو للسرور هواتفاً ... لتروي أحاديث المسرّة والعطف
جمال كمال منه لاح ضياؤه ... وفاضت به الأنوار سامية الوصف
زها حسنه الزاهي بحسن مشاهد ... هي الشمس لكن قد تحامت عن الكسف
معاهد أنوار موائد رحمة ... موارد أمداد حوت أطيب الرشف
سرينا على طرف اشتياق نؤمه ... لنسقى كؤس البشر من خمره الصرف
صعدنا إليه كي نفوز بأنسه ... فنادى منادي الأنس فأووا إلى الكهف
فروض حماه زاهر بمسرة ... وفيه ثمار الأنس يانعة القطف
سما بأناس جاء في الذكر مدحهم ... وحفتهم أيدي العناية باللطف
هم فتية قد آمنوا بالههم ... فزادهم هدياً بنور سنا الكشف
стр. 1054
نزلنا لديهم نرتجي من نوالهم ... موانح أسرار لسقم الهوى تشفي
فوافى بشير بالهناء مبشراً ... لحسن قبول قد تسامى بلا صرف
ومنح فيوض من سحاب سمائهم ... بأمداد فضل وبله دائم الوكف
فلا بدع إن وافى السرور لأسعد ... بمدح كرام سرهم للسوى ينفي
فأهديهم مني السلام تحية ... بمسك ختام عطره جل عن وصف
تغاديهم ماسح بالسفح أدمع ... وما مستجير جاء يأوى إلى الكهف
وقوله
شط النوى بأحبتي فجفوني ... فتواصلت بالمرسلات جفوني
وتصاعدت نار الجوى بجوانحي ... والنوم من شوقي جفته عيوني
لولا فراق أحبتي وبعادهم ... ما بت أروى لوعة المحزون
أبغى السرى والعيس عز مسيرها ... والطرق سدّت عن فتى مسجون
يا جيرة طال اغترابي عنهم ... عنكم رحلت بصفقة المغبون
وسريت أقطع للبلاد سياحة ... بمهامه رجلاً وفوق متون
فظننت صحبي يحفظون مودّتي ... بعدي فحابت في الصحاب ظنوني
ودّعتهم أرجو اتصال رسائل ... منهم فلم يجد الرجا ودعوني
لم يكفهم هذا التناسي والجفا ... حتى قلوني بالجفا وسلوني
كم أحتسي منهم سلاف ملامة ... في ذوقها رشف لكأس منون
خلوا الملام على البعيد ببعده ... ودعوا شؤنكم لكم وشؤني
وجدي سما شوقي نما دمعي هما ... نومي انتفى صبري اختفى بفنوني
عطفاً جميلاً وابعثوا برسالة ... تشفى الفؤاد وبالوصال عدوني
ودعوا التمادي في الوعود تفضلا ... فلقد قضيت من البعاد ديوني
وقوله أيضاً
حبي وحبك للجمال اليوسفي ... هو خالد وبغيره لا أشتفي
بالبعد تلحاني ولم تر حسنه ... فإذا نظرت فبعد ذلك عنف
فبخده الورديّ روض قد جنت ... منه نواظرنا وإن لم يقطف
وبثغره ماء الحياة لوارد ... فبورده نار الجوانح تنطفي
تحلو محاسنه لناظر وجهه ... وحديثه العذب الهنيّ يلذ في
قد شاقني لما بدا متبسماً ... برق الثنايا من عقيق المرشف
ولقد قنعت بكأس خمر حديثه ... لما منعت من الرحيق القرقف
стр. 1055
جاذبته حسن الحديث وجدته ... من كل معنى باللطافة مكتفي
في روضة غنت صوادح ورقها ... فشقت فؤاد المستهام المدنف
فغنيت من طرب بطيب غنائها ... عن مطرب يشجي بحسن تلطف
غنى لنا يا ورق ثم ترنمي ... واجلي على سمعي غناك وشنفي
وقوله
قمر تناهى في مطالع سعده ... وزها بأوج الحسن طالع مجده
متوشحاً أثواب تيه معجباً ... يختال تيهاً في محاسن برده
حاوي بديع الحسن إلا أنه ... متلاعب بأخي الهوى في عهده
أفديه ظبياً نافراً متانساً ... يبدي الدلال بوصله وبصده
إن صدّ خلت النجم دون مناله ... وإذا دنا نلت المنى من ودّه
مزجت حلاوة وعده بوعيده ... من مزجه هزل المقال بجده
سرق الزهور من الرياض لطافة ... وعليه عدل شاهد من قده
فالأقحوان بثغره والياسمي ... ن بجيده والجلنار بخده
ماء العذيب حلا بمنهل ثغره ... واحرّ قلبي للعذيب وورده
يا حبذا لما أتى نحو الحمى ... جنح الدجى وحللت عقدة بنده
ونشقت عرف المسك من وجناته ... وقطفت رمان الربا من نهده
وسكرت من حان الصفا بمدامة ... من ثغره السامي حلاوة شهده
عز التقى لما ضللت بحسنه ... وخفت على فكري مسالك رشده
كيف الخلاص ولات حين تخلص ... والصب يستحلي الغرام بوجده
وقوله
أفدي بديع الحسن حالي المنظر ... يزهو حلاه بالمحيا المزهر
سلطان عز في الملاحة مفرد ... جمع المحاسن بالجمال الأزهر
فالوجه منه بالأزاهر جنة ... برهانه بالثغر ماء الكوثر
وشقيقه الورديّ عمّ بزهره ... خدّا يفوح شذا بخال عنبري
وجبينه البادي بداجي شعره ... متلألئ نوراً كصبح مسفر
والحسن دبجه بثغر أبيض ... ونواظر سود وخدّ أحمر
أسر القلوب هوى بقدّ أهيف ... وسبى العقول جوى بلحظ أحور
فنواظري في جنة من حسنه ... لكن قلبي في الجحيم المسعر
يا عاذلاً وافى يلوم بحبه ... كف الملام فأنت عندي مفتري
следующие страницы →