← Тараджим

Тараджим · id 9607

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

محمد خليل المرادي

Полный текст (1 167 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

ما بالهم يبغون غماً للذي ... بندى يديه تخصب الأرجاء يكفي الحسود بأن سحنة وجهه ... بين الخلائق غمة سوداء هل يستوي صبح وليل أليل ... والدرّ ليس كمثله الحصباء يا أكمل الرؤساء لا مستثنياً ... أحداً إذا ما عدّت الرؤساء يكفيك يا عين الأماجد والعلا ... حمد ومدح رفعة وعلاء قد أجمع العقلاء إنك أوحد ... وسواك يا روح العلا غوغاء لا رأى يلفي مثل رأيك صحة ... منه استضاءت في الورى آراء ما كل من ولي المناصب ماجد ... كلا ولا كل الشموس ذكاء ضاقت صدور بني المراتب بالذي ... قد أودعوه وصدرك الدهناء أنت الصباح لنا وغيرك عندنا ... ليل وغرّة وجهك اللألاء ولأنت في سعد السعود لدى المدى ... والضدّ في وادي العنا عوّاء غلبت طباعك كل طبع مائل ... وتباعدت عن عرضك الأسواء في الله لم تأخذك لومة لائم ... كلا ولا مالت بك الأهواء لك نعمة عند الورى خضراء ... ويد لعفة كفها بيضاء سدت الأنام بها بغير مشارك ... والناس فيما دونها شركاء بل سدتهم من كل وجه لا كمن ... قد سوّدته بيننا الصفراء قد أطبق الأجماع أنك وجهة ... قد قلدتها السادة الحنفاء شهدت لك الأعدا بفضل زائد ... والفضل ما شهدت به الأعداء وإليك يا بحر النوال عروسة ... عذراء زفت بالثنا وطفاء وفدت تقنع رأسها بردائها ... خجلاً ويعلو وجهها استحياء وقفت بباب الفتح إن يك منعماً ... بقبولها زادت لها النعماء إن أبطأت عن لثم كفك لا تقل ... يكفي الذي قد خلف الابطاء وأقبل لنائية الديار مسامحاً ... فأخو النباهة دأبه الأغضاء لا زلت في مجد وسعد دائماً ... ما نقطت وجه الربا الأنواء ومن نثره لما هتف بريد السعد وأعلن بشير الجد والمجد وتزايد وافر الشوق والوجد وسرت إذ سرت مسرة الفتح المبين ماست عروس الشام في حلل الجمال وقبلها البهاء من الجبهة إلى الخلخال وعلت روضة النيرين على النيرين بأفق الكمال وتناهت وتباهت بذروة العزة والتمكين وقامت خطباء الطير على منابر الغصون وهتفت سواجع الورق فحركت

стр. 982

سواكن الشجون وأطرب فأعرب كل صادح بلحن غير ملحون ونادى منادي المجد بنادي السعد أهلاً بفخر القادمين تفطرت أكباد الأعداء والحساد وأشرقت أرجاء الوهاد والمهاد واطمأنت القلوب وتلت ألسن العباد والعباد فرحاً بنيل الأماني والتهاني ادخلوها بسلام آمنين هذا أجل ما تنظره العيون وترقبه هواجس الخواطر والظنون وتطلبه الحامدون الراكعون الساجدون على رغم أنف كل حسود هو في هاوية الغيظ رهين فلله الحمد على نعمه العميمة وأجلها هذه النعمة العظيمة وله الشكر على سننه الكريمة التي قرت بها أعين المحبين وبعد لثم الأعتاب السنية أقبل بناديكم كل راحة ندية وأهدى أكمل تحيات وتكريمات ندية لكل أخ وعم وأبنائهم وتابع وخدين أدام الله تعالى حفظ الجميع وأبقاكم على ذروة العز الرفيع وخلد أعداءكم في الحضيض الوضيع بجاه أشرف النبيين والمرسلين واستاذنا معدن العرفان والتحقيق سبط الحسنين وصفوة الصديق يهدي لكم وللأخوة وابن العم الشقيق مع دعاء ومدد مدى المدد بهما يتأبد التمكين ومولانا السيد فضل الله العلمي أجل مخلص يهدي التحية ودمتم ملاذاً للخائفين والطائفين والعاكفين أقبل كفا طالما كفت الأذى ... وقلدت الأعناق ما يوجب الشكرا فلثمي لتلك الخمس كالخمس واجب ... عليّ فصارت واجباتي بها عشرا أقول بعد لثم راحة تناولت زهر الكواكب ونابت عن الغيث فسحت وما شحت بخمس سحائب يا مولاي المتطول بأياديه المتفضل بما غمرتني غواديه المرتدي بأثواب الجلال المبتدئ بالعطاء قبل السؤال لم أستطع تمثيل حمدك ومدحك ولم أطق وصف ذرة من أفضالك ومنحك فلقد أتعرت مواردي ومناهلي وحملتني من حقائب الجود ما أثقل كاهلي كم من يد بيضاء قد أسديتها ... تثني إليك عنان كل وداد شكر الآله صنائعاً أوليتها ... سلكت من الأرواح في الأجساد ولما تشرفت العيون بكريكم المرسوم وأوصلنا داعيكم ما به مرسوم كل عن الشكر بناني ولساني وأعلن بالأدعية المقبولة جناني لأني كلما فرغت من شكر يد كثر مددها وصلتها بأياد جزيلة أعد منها ولا أعددها فلا تحدث لي بعدها زياده وأرفق بعبدك فقد ملك العجز قياده أنت الذي قلدتني نعماً ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا لا تسدينّ إليّ عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا وما عسى مادحك أن يقول يا من بهر بحسن مناقبه العقول المتكلم يعجز عن وصفك

стр. 983

يراعه والبليغ يقصر عن حصر وصفك باعه على أن كلاً لو استعار لساناً واتخذ الريح في نقل أخبارك ترجماناً أدركه الملال ولم يصل إلى غايتك وأعياه الكلال دون الوقوف عند نهايتك فالله يتولى مكافأتك بما هو أبلغ من شكر الناس ويمتع الأحباء ببقاء ذاتك التي جلت عن النعت والقياس آمين بجاه أشرف المرسلين وقال مادحاً له صبح المسرّات قد راقت زواهره ... ودوح روض المنى افترّت أزاهره وماست القضب سكري في خمائلها ... لما سقاها من الوسميّ باكره وعانق النهر قامات الغصون وقد ... سرّت دمشق بعصر راق سائره وقرّ مسجدها عيناً ببهجته ... وكاد من قبل أن تدمى محاجره وكاد يعوزه بسط الحصير به ... عند الحصور الذي جلت مآثره والآن يزهو بتعمير ويزهر من ... دروس علم وقد قامت شعائره يختال في برد الوشي البديع وقد ... ترنحت طرباً منه منايره وزانها في دجى الأسحار حسن دعا ... لناظر ماجد طابت سرائره الأوحد الفرد فتح الله خدن علا ... نسل الأماجد من زادت مفاخره ذو الحزم والعزم والرأي السديد وما ... تحيد عن غرض التقوى أوامره وهي طويلة وله غير ذلك وكانت وفاته بالقدس سنة خمس وسبعين ومائة وألف رحمه الله تعالى وأموات المسلمين. محمد الكناني ابن عيسى بن محمود بن محمد بن كنان الحنبلي الصالحي الدمشقي الخلوتي أحد العلماء الأتقياء والصلحاء العاملين ولد في سنة أربع وسبعين وألف ونشأ في كنف والده وأخذ عنه الطريق وأخذ على جماعة كالشيخ خليل الموصلي قرأ عليه حصة من جمع الجوامع في الأصول والرسالة الأندلسية في العروض وغيره من الأجلاء وحج إلى بيت الله الحرام واجتمع في المدينة المنورة بالأستاذ الشيخ إبراهيم بن حسن الكوراني وأخذ عنه الحديث ولما توفي والده صار مكانه شيخاً واستقام إلى أن مات ولازم الأذكار وألف التاريخ الذي جمعه بالحوادث اليومية وقد طالعته واستفدت منه وفيات وبعض أشياء لزمتني لتاريخ هذا وهو تاريخ يشتمل على الحوادث الصادرة في الأيام مع إيراد وفيات ومناسبات وفوائد وورد يوماً من الأيام مذاكرة بين الوالد وبينه في المعميات فذكر أنه يستخرج اسم هود من قوله تعالى ما من دابة إلا هو آخذ بناصيته واسم شهاب من قوله تعالى والليل إذا

стр. 984

يغشاها وكانت وفاته في سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف ودفن بسفح قاسيون بالصلاحية وتولى بعده المشيخة ولده الفاضل الشيخ محمد سعيد رحمه الله تعالى. محمد أمين المحبي ابن فضل الله بن محب الله بن محمد محب الدين بن أبي بكر تقي الدين بن داود المحبي الحموي الأصل الدمشقي المولد والدار الحنفي العلامة الأديب فريد العصر ويتيمة الدهر المفنن المؤرخ الذي بهر العقول بإنشائه البديع الذي ذل له البديع الفاضل الذكي اللوذعي الألمعي الشاعر الماهر الفائق الحاذق النبيه أعجوبة الزمان مع لطافة عجيبة وطلاقة غريبة ونكات ظريفة وشواهد لطيفة ولد بدمشق في سنة احدى وستين وألف ونشأ بها في كنف والده واشتغل بطلب العلم فقرأ على العلامة الشيخ إبراهيم الفتال والشيخ رمضان العطيفي والأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي والشيخ علاء الدين الحصكفي مفتي دمشق والشيخ عبد القادر العمري ابن عبد الهادي والشيخ نجم الدين الفرضي وأخذ طريق الخلوتية عن الشيخ محمد العباسي الخلوتي وأخذ بعض العلوم عن الشيخ محمود البصير الصالحي الدمشقي وأخذ عن الشيخ عبد الحي العسكري الدمشقي وأجاز له الشيخ يحيى الشاوي والشيخ محمد بن سليمان المغربي وأخذ بالحرمين عن جماعة من علمائهما منهم الشيخ حسن العجيمي المكي والشيخ أحمد النخلي المكي والشيخ إبراهيم الخياري المدني حين ورد من الشام وغيرهم ومهر وبرع وتفوق في فنون العلم وفاق في صناعة الانشاء البليغ ونظم الشعر وظهر فضله وكان يكتب الخط الحسن العجيب وألف مؤلفات حسنة بعد أن جاوز العشرين منها الذيل على ريحانة الشهاب الخفاجي سماه نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة والتاريخ لأهل القرن الحادي عشر سماه خلاصة الأثر في تراجم أهل القرن الحادي عشر ترجم فيه زهاء ستة آلاف وهو مشهور والمعول عليه في المضاف والمضاف إليه والمثنى الذي لا يكاد يتثنى وقصد السبيل فيما في لغة العرب من الدخيل والدر المرصوف في الصفة والموصوف وكتب حصة على ديوان المتنبي وحاشية على القاموس سماها بالناموس صادفته المنية قبل أن تكمل وكتاب أمالي وديوان شعر وغيرها من درر غرره وتحائف فكره ورحل للروم وللديار الحجازية وناب في القضاء بمكة ورحل للديار المصرية وناب في القضاء بمصر وحج بيت الله الحرام وولي تدريس المدرسة الأمينية بدمشق وبقيت عليه إلى وفاته قال الشمس الغزي في كتابه لطائف المنة اجتمعت به مرتين في خدمة والدي فإنه كان بينه وبين المترجم مودة أكيدة وسمعت من فوائده وشعره وكان قد أدركه الهرم بسبب استيلاء الأمراض عليه انتهى

стр. 985

قلت وله شعر لطيف وهو مشهور أودع غالبه في نفحته وتاريخه فلنذكر نبذة منه فمن ذلك قوله ألا في سبيل الله نفس وقفتها ... على محن الأشجان في طاعة الحب أعاني جوى من ذي ولوع بكيده ... إذا لم يمت بالصدّ يقتل بالعجب تخيرته من ألطف الغيد خلقة ... تكوّن بين الراح والمبسم العذب أبى القلب إلا أن يكون بحبه ... وحيداً على رغم النصيحة والعتب فلو فوّقت سهم المنون جفونه ... لقلب سوى قلبي تمنيته قلبي وكان له ترب بدمشق ألف بينهما المكتب وحبيب كان يرتع معه أيام الصبا ويلعب فكان فراقه عنده من أعظم ذنوب البين وفي المثل أقبح ذنوب الدهر تفريق المحبين فكتب هذه الأبيات وهي أول ما سمح به فكره من النظم لا كانت الدنيا وأنت بعيد ... يا واحداً أنا في هواه وحيد يا من لبست لهجره ثوب الضنى ... وخلعت برد اللهو وهو جديد وتركت لذات الوجود بأسرها ... حتى استوى المعدوم والموجود قسماً بما ألقى عليك من العدا ... ومحب وجهك في الورى محسود إن المحب كما علمت صبابة ... فالصبر ينقص والغرام يزيد ولقد ملأت القلب منك مهابة ... فعليّ منك إذا خلوت شهيد والحرص مذموم باجماع الورى ... إلا عليك فإنه محمود وقوله وأغيد يسكر عقل الغيد ... يصيد بالحسن قلوب الصيد فؤاده صوّر من حديد ... وقلبه أقسى من الجلمود مولى عظيم الفتك بالعبيد ... يغنيه حسنه عن الجنود سكر لحاظه بلا حدود ... يصدّو الهلاك في الصدود قد عاقه الثلج عن الورود ... ما الثلج إلا برص الوجود وقوله في بعض الأمراء بأبي وإن كان أبي سميذعاً ... خلقت يداه للشجاعة والندى راجعته في أزمة فكأنما ... جردت منه على الزمان مهندا ملك كريم كالنسيم لطافة ... فإذا دجا خطب قسا وتمرّدا أمواج إحسان أسرّة وجهه ... لصديقه وسيوف بأس للعدا كالبحر ينعم بالجواهر ساكناً ... كرماً ويأتي بالعجائب مزبدا

стр. 986

يفنى من الأعمار إن غشي الوغى ... ما لو حوى أفنى الزمان وخلدا والهام نسجد خشية من سيفه ... لما أبت أربابها أن تسجدا لا تعجبوا إن لم يسل منهم دم ... فالخوف قد أفنى النفوس وجمدا وقوله في مدح القسطنطينية معارضاً أبيات الحريري في البصرة بلاد قد حوت كل الأماني ... نبيت بها ونصبح في أمان هي البلد الأمين فليس تخشى ... بها ظلماً سوى جور الغواني حدائقها من الروضات حسناً ... هي الفردوس من بين الجنان وبقعتها من الدنيا جميعاً ... بمنزلة الربيع من الزمان وكوثرها على الحصباء يجري ... كذوب التبر سال على الجمان إذا صدحت بلابلها أجابت ... كواكبها بأنوار الحسان ومن مقاطيعه قوله وقد تعجب منه بعض الأكابر في محفل فقال بديها لئن أصبحت أدنى القوم سنا ... فعدّ فضائلي لا يستطاع كشطرنج ترى الألباب فيه ... حيارى وهو رقعته ذراع وقوله كلنا جرحى خطوب ... مالنا الدهر مريح فلهذا لم يكن يو ... جد شاميّ صحيح ومن نفثاته البديعة قوله للقلب ما شاء الغرام ... والجسم حصته السقام وإذا اختبرت وجدت مح ... نة من يحب هي الحمام عجباً لقلبي لا يم ... لّ جوى ويؤلمه الملام وأبيك هذي شيمتي ... من منذ أدركني الفطام إني أغار على الهوى ... من أن تؤمله الأنام وأروم من حدق الظنا ... نظراً به حتفي يرام أفدي الذي منه يغا ... ر إذا بدا البدر التمام فعلت بنا أحداقه ... ما ليس تفعله المدام إن شط عنك خياله ... فعلى حشاشتك السلام أأخيّ من يك عاشقاً ... فعلام يجفوه المرام إني بليت بمحنة ... هانت بها النوب العظام حتى لقد عميت على ... مسالكي ودجا القتام

стр. 987

صاحبت ذلي بعد أن ... قد كان تفخر بي الكرام والمرء يصعب جهده ... ويلين صعدته الصدام لا تتهمنّ تذللي ... فالتبر معدنه الرغام وإذا جفاني من أحب ... صبرت حتى لا أضام فعبوس أردية الحيا ... عقباه للروض ابتسام ولئن وهت لي عزمة ... فلربما صدئ الحسام فعسى الذي أبلى يعي ... ن وينقضي هذا الخصام وقوله قد قعقعت عمد للحيّ وانتجعت ... كرام قطانه لم ألق من سند مضى الألى كنت أخشى أن يلمّ بهم ... ريب الزمان ولا أخشى على أحد فأفرخ الروع أن شالت نعامتهم ... فأفسد الدهر منهم بيضة البلد وقوله وشادن قيد العقول وجهه ... وصدغه سلسلة الآراء شامته حبة قلب مذ بدت ... جنت بها الأحشاء بالسوداء وقوله لا بدع أن شاع في البرايا ... تهتكي في الرشا الربيب عشقي عجيب فكيف يخفى ... وحسنه أعجب العجيب وقوله بي من أن عاينته مقلتي ... ينمحي جسمي ويفنى طربا أيّ شيء راعه حتى انثنى ... هارباً مني وولي مغضبا وقد اتفق في مجلس بعض الأعيان أن دعى إليه صاحب الترجمة وكان به المولى علي بن إبراهيم العمادي والسيد الشريف عبد الكريم الشهير بابن حمزة وغيرهما فسقطت ثريا القناديل في ذلك المجلس فقال المترجم مرتجلاً لله مجتمع كواكبه ... تلك الوجوه وضيئة الحلك حتى النجوم هوت له كلفاً ... بنظامها من قبة الفلك وقال وليس سقوط الثريا لدى ... نديّ الموالي من المنكرات فإن الشموس إذا أسفرت ... فلاحظ للأنجم النيرات وقال السيد عبد الكريم المذكور في ذلك

стр. 988

مجلس ضم شملنا بانسجام ... كالثريا وحبذا الانسجام نظمتنا يد العناية عقداً ... سلكه الودّ لأعراه انفصام والعماديّ منه وسطاه والوس ... طى لها الصدر منزل ومقام فأدرنا من الحديث كؤساً ... سكرت من مدامها الافهام ونعمنا بالاً وروحاً وسمعاً ... ولدينا للنيرات ازدحام بينما نحن من ثرياه عجب ... وبها الزهر زانه الانتظام إذ تداعت من أفقه وهي خجلى ... إذ حكتنا وفاتها ما يرام ولصاحب الترجمة يرثى بعض الأعيان وقد حبس ثم قتل أسفي على بحر النوال ومن له ... بأس الملوك وعفة الزهاد لو أن بعض صفاته اقتسم الورى ... لرأيت أدناهم كذي الأعواد لم يجن ذنباً غير أن زمانه ... قد فوّض الأحكام للحساد هابوه وهو مقيد في سجنه ... وكذا السيوف تهاب في الأغماد ذهب السرور بفقده فكأنما ... أرواحنا غضبى على الأجساد يا ثالث الحسنين عاجلك الردى ... والحتف قد يسري إلى الأطواد لك بالكواكب والسحائب أسوة ... فاذهب كما ذهب السحاب الغادي وذيل على البيتين الأولين وأرسل ذلك إلى بعض المعزولين عن مناصبهم فقال إن الأمير هو الذي ... أضحى أميراً يوم عزله إن زال سلطان الولا ... ية لم يزل سلطان عدله والسيف عند الاحتيا ... ج إليه يعرف فضل نصله والحق ينفر تارة ... ويعود معتذر الأهله والبدر يرجع ثانياً ... بعد الغروب إلى محله والعقد يثر كي ين ... ظم ثانياً جمعاً لشمله والخلد موعد آدم ... سيعودها أيضاً بأهله لكن يكون مخلداً ... والشيء مرجعه لأصله لا بأس من كرم الكري ... م فثق برحمته وفضله وله أيضاً ومقرطق لولا جفون جفونه ... خلنا دم الوجنات من ألحاظه وتكاد تقرأ من صفاء خدوده ... ما مرّ تحت الخد من ألفاظه وله غير ذلك من النظام والنثار المزري بكاسات العقار وكانت وفاته في ثامن عشر جمادي

стр. 989

الأولى سنة احدى عشرة ومائة وألف ودفن بتربة الذهبية من مرج الدحداح قبالة قبر العارف أبي شامة وكثر الأسف عليه وقامت عند الأدباء مآتمه فرثى بالقصائد العديدة منها ما قاله الشيخ صادق أفندي الخراط من قصيدة مطلعها هذا المصاب الذي كنا نحاذره ... القلب من هو له شقت مرائره بئس الصباح صباح البين لا طلعت ... شموسه بل ولا لاحت بشائره أهدى لنا جمل الأكدار مطلقة ... فلا رعى الله ما أهدت بوادره وهي طويلة جداً وترجمه الأمين حقيقة بالتدوين وفي هذا القدر كفاية لأهل الدراية. محمد بن الطيب ابن محمد بن محمد بن موسى الشرفي الفاسي المالكي الشهير بابن الطيب نزيل المدينة المنورة الشيخ الامام المحدث المسند اللغوي العالم العلامة المفنن أبو عبد الله شمس الدين ولد بفاس سنة عشر ومائة وألف ونشأ بها وأخذ عن جملة من العلماء منهم والده ومحمد بن محمد المسناوي ومحمد بن عبد القادر الفاسي ومحمد بن عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي ومحمد بن عبد السلام البناني ومحمد بن عبد الله الشاذلي وأبو عبد الله محمد بن محمد ميارة وأبو الاقبال أحمد بن محمد الدرعي وأبو عبد الله محمد بن محمد الأندلسي وأحمد بن علي الوجاري ومحمد أبو الطاهر بن إبراهيم الكوراني واستجاز له والده من أبي الأسرار حسن بن علي العجيمي وعمره نحو سنتين والسيد عمر البار العلوي وغيرهم ممن ينوف على مائة وثمانين شيخاً وبرع وفضل وصار امام أهل اللغة والعربية في وقته محققاً فاضلاً متضلعاً في كثير من العلوم ودرس بالحرم الشريف النبوي وانتفعت به الطلبة ورحل للروم من الطريق الشامي ورجع منها على الطريق المصري وأخذ عنه في الشام ومصر خلق كثيرون وحصل بينه وبينهم مباحث في فنون من العلم وله تآليف حسنة منها حاشية على القاموس وشرح نظم فصيح ثعلب في مجلدين وشرح على كفاية المتحفظ وحاشية على الاقتراح وشرح كافية ابن مالك وشرح شواهد الكشاف وحاشية على المطول ورحلة وجمع مسلسلاته في كتاب وهي تنوف على ثلثمائة وغير ذلك من المصنفات مما ينوف على خمسين مصنفاً وله شعر لطيف ينبئ عن قدر في الفضائل منيف فنه قوله هذه القصيدة في مدح السفر سافر إلى نيل المعزة ... إن في السفر الظفر وانفر لنيل المجد في ... من للمعالي قد نفر واعلم بأن المكث في ال ... أوطان يدعو للضجر ويورّث الأخلاط وال ... أجسام أنواع الضرر

стр. 990

أوما رأيت المالطو ... ل المكث يعلوه الوضر والبدر لو لزم الاقا ... مة في محل ما بدر والدرّ لو أبقوه في ... قعر البحار لما افتخر والتبر ترب في المعا ... دن وهو أفخر مدّخر والعود معدود لدى ال ... غابات من جنس الشجر والباتر المغمود لو ... لم يخرجوه لما بتر هذا وكم مثل سرى ... في الناس من هذي العبر أبدى البدائع منه من ... نظم القريض ومن نثر عن وجهها في غالب ال ... أسفار أسفر من سفر فادأب على الترحال في ال ... أحوال أجمعها تسر واعلم بأن البعد عن ... وطن به تمّ الوطر وأغرب بشرق وأشرقن ... في الغرب إن تك ذا نظر واجعل جميع الناس أز ... رك والثرى طرّاً فذر لا تؤثرن بدواً ولا ... حضراً وكن مع ما حضر فالبدو عز واللطا ... فة والظرافة في الحضر فإذا بدوت فكل عز ... باذخ فيك استقر وإذا حضرت فكل ظر ... ف ظرفه لك مستقر لا تبك الفالاً ولا ... داراً ولا رسماً دثر فالناس الفك كلهم ... والأرض أجمعها مقر فمتى وجدت العز وال ... عيش الهنيّ أقم تبر ومتى رأيت الضدّ والص ... دّ الخفيّ فدع وذر واجعل بضاعتك التقى ... مع من أسرّ ومن جهر فإذا اتقيت الله فز ... ت بكل كنز مدّخر وقوله ألا ليت شعري هل أرى البيت معلماً ... وهل أردن يوماً على الريّ زمزما ومن لي بحج البيت في خير معشر ... حدا بهم الحادي وغنى وزمزما ومن لي بأن أمسى على حجراته ... وأصبح ممن للمغاني به انتمى ومن لي بالخلّ الذي قد ألفته ... فندعى جهاراً أنتما القصد أنتما نطوف بذاك البيت طوراً وتارةً ... نلمّ بهاتيك البقاع فنلثما

стр. 991

وآونة نأتي إلى الحجر الذي ... سما قدره حتى تطاول للسما نعفر فيه الخدّ والوجه كله ... ولست أرى ممن يخص به فما وطوراً نصلي ثم نسعى إلى الصفا ... لنصفي الفؤاد المستهام المتيما ونسرع كي نلقي المنى ولدى مني ... نخيم فيمن كان لليمن خيما ونجني ثمار العرف من عرفاته ... ونغرف منه الخير غرفاً معمما ونبرأ من كل العقاب إذا دنت ... عقاب جمار تحرق الذنب أينما وتصبح فيمن برّ لله حجه ... وأصبح في تلك الرياض منعما ويا ليت شعري هل أرى طيبة التي ... بها طابت الأكوان نجداً وأتهما وهل تبصر القبر الشريف محاجري ... فأصبح فيه منشداً مترنما أخاطبه جهراً وأسأل ما أشا ... وأرجو حصول السؤل منه متمما ويسعدني القول البليغ فأتثنى ... إذا ما نظمت القول فيه تنظما وارجع مملوء الحقائب غامراً ... بما شئت من علم وحلم وما وما وتخد مني الدنيا وأصبح في غد ... لدى رتبة شماء في منزل سما تحف بي الأملاك من كل جانب ... لدى جنة الفردوس فوزاً معظما فتربح هاتيك التجارة كلها ... ويغنم مولاها ابتداءً ومختما وأهدى إلى خير الأنام محمد ... سلاماً بعرف الطيبات مختما وقال في عين الماضي حين وصل إليها من طريقه وهي عين ماء غزيرة محتفة بالنبات والأشجار وعندها قرية ماهولة قد وصف أهلها بمحاسن الأخلاق واتصف نساؤها بمحاسن الخلق وحسن العيون على الخصوص وهذه العين المذكورة واقعة في أرض الجريد ما بين مدينة فاس ومدينة طرابلس الغرب عين ماضي بها عيون مواضي ... فاعلات فعل السيوف المواضي والتفات الغزال لما غزا لي ... صائلاً صولة الأسود المواضي وقدود تزهو إذا قدّت القل ... ب ازدهاء الأغصان بين الرياض قال الشيخ المذكور بعد إيراد هذه الأبيان التي وصف فيها نساء عين الماضي غير أنا أخبرنا انهن لا يستعملن الماء في الاغتسال لأنه يضر بأبدانهن مهما قطر عليها وسال وقد ورد علينا سائل بين موجب ذلك وأوضح عذره قائلاً إن ذلك الماء يسقط حمل الحوامل ويذهب من الأبكار بالعذرة انتهى وله أيضاً ورد الربيع فمرحباً بوروده ... وبنور بهجته ونور وروده

стр. 992

وبحسن منظره وطيب نسيمه ... وأنيق مبسمه ووشي بروده فصل إذا افتخر الزمان فإنه ... إنسان مقلته وبيت قصيده يعني المزاج عن العلاج نسيمه ... باللطف عند هبوبه وركوده يا حبذا أزهاره وثماره ... ونبات ناجمه وحبّ حصيده وتجاوب الأطيار في أشجاره ... كبنات معبد في مواجب عوده والغصن قد كسى الغلائل بعدما ... أخذت يدا كانون في تجريده نال الصبا بعد المشيب وقد جرى ... ماء الشبيبة في منابت عوده والورد في أعلى الغصون كأنه ... ملك تحف به سراة جنوده وكأنما الأقاح سمط لآلئ ... هو للقضيب قلادة في جيده والياسمين كعاشق قد شفه ... جور الحبيب بهجره وصدوده وانظر لنرجسه الجنيّ كأنه ... طرف تنبه بعد طول هجوده واعجب لآذربونه وبهاره ... كالتبر يزهو باختلاف نقوده وانظر إلى المنثور في منظومه ... متنوّعاً بفصوله وعقوده أوما ترى الغيم الرقيق وقد بدا ... للعين من أشكاله وطروده والسحب تعقد في السماء مآتما ... والأرض في عرس الزمان وعيده ندبت فشق لها الشقيق جيوبه ... وأزرق سوسنها للطم خدوده وله وقد أنشدهما في الحجر والحطيم هديت إلى الصراط المستقيم ... فجئت لحجة البيت العظيم وعند الحجر قال الحجر أبشر ... فقد حطمت ذنوبك بالحطيم وله غير ذلك من الأشعار الرائقة والمكاتبات الفائقة وكان له الباع الطويل في اللغة والحديث وكان فرداً من أفراد العالم فضلاً وذكاءً ونبلاً وله حافظة قوية وفضله أشهر من أن يذكر وكانت وفاته بالمدينة المنورة سنة سبعين ومائة وألف بتقديم السين ودفن عند قبر السيدة حليمة ﵂ ورحمه الله وإيانا. محمد ابن محمد بدر الدين ابن جماعة الكناني القدسي رئيس الخطباء بالمسجد الأقصى والامام بالصخرة المشرفة كان من أعيان القدس فاضلاً عالماً صوفياً حاجاً لبيت الله الحرام وتوفي بأراضي الحجاز بعد الحج وأولاده ثلاثة الشيخ إسحق والشيخ عماد الدين والشيخ بدر الدين ولم أتحقق وفاته رحمه الله تعالى. محمد الخليلي

стр. 993

ابن محمد بن شرف الدين الشافعي الخليل نزيل القدس بركة الزمان ونتيجة العصر والأوان الشيخ الامام المحدث العالم الفقيه الأصولي الصوفي الدين كان من أخيار العلماء المشاهير في وقته وصدور الأجلاء في تلك الديار وغيرها ولد ببلدة الخليل وكان أوان شبابه يتعاطى كسباً دنيوياً لمعاشه الجميل فحركته العناية الألهية لمصر الأمصار بإشارة شيخه العالم العامل الشيخ حسين الغزالي وبمدد شيخه الشيخ شمس الدين القيسي قطب زمانه نفعنا الله به وله معه واقعة ملخصها أنه أتاه بإناء يطلب شيئاً فقال له الشيخ محمد أملؤه لك فقال الشيخ شمس الدين إن ملأته ملأناك فملأه له حتى سال من جميع أطرافه فطلب وجد واجتهد وتلقى العلوم عن علمائها وما زال مشمر الذيل بها آناء الليل وأطراف النهار حتى أثمرت نخلاته وكملت في التحصيل نحلاته فاستجاز شيوخه فأجازوه وكتبوا له اجازتهم المستحسنة بما دروه ورووه وحازوه وكان شافعي المذهب أشعري العقيدة قادري المشرب فرجع من مصر بدراً تام الأنوار قد فاض نيل نيله المكثار وأزهر روض فضله المعطار فسكن بيت المقدس بإذن من الخضر ﵇ حيث قال له أسكن بيت المقدس ونحن أربعون معك يا محمد أينما كنت وشد أزاره ونشر العلوم العقلية والنقلية للطلاب وكان وعظه يلين القلوب القاسية ويأخذ بنواصي النفوس القاصية وكان حاله الرباني غالباً على حاله العرفاني راغباً في الخيرات مكثراً للبر والصدقات تشربته قلوب الخواص والعوام وكان أماراً بالمعروف نهاء عن المنكر يغلظ على الحكام مؤيداً للسنة في أقواله متبعاً لسبلها في أفعاله كثير الحب للفقراء والمساكين مقبلاً على زوار المسجد الأقصى والمتقربين قد لبس جلباب التواضع وخلع خلعة النفسانية والعصبية وهو بإقامة مولاه راض اجتمعت على حبه العامة فكلامه عندهم لا يتوقف فيه أحد من خاصة ولا عامة واشتهر أن دعوته مستجابة ومن ذلك أنه أرسل إلى بعض العرب وقد أخذوا الزيت الذي كان محملاً على بعير وحمارة للشيخ محمد يقول له البعير بالأمير والزيت بصاحب البيت والحمارة بغاره فما أصبح الصباح حتى وقع ما وقع بعين ما قال وخلت الديار من الفجار ومن ذلك إنه دعا على رجل بالشنق فشنق نفسه بنفسه بأن وضع مخدات تحت قدميه ثم وضع الحبل في عنقه وأزاح المخدات إلى جهة الحلو فكان حتف أنفه ومن ذلك إنه دعا على النعامرة حين آذوه في طريق السيد الخليل ﵊ بالنار ورجم الأحجار فما زال بهم رمي الأحجار وحرق النار في بيوتهم بالليل والنهار حتى أتوه واستعفوه فعفا عنهم وختم كتاب البخاري مراراً في حضرة سيدنا الكليم موسى ابن عمران ﵊ وأمده ذلك النبي بمدده الموسوي الفائض الهتان وحين ختمه أنشد فقال

стр. 994

حمداً وشكراً لرب أجزل النعما ... ثم الصلاة على من قد أزال عمى وآله صم صحب مخلصين بما ... قد أسسوه لدين الله فانتظما علي البخاري بحمد الله خالقنا ... في روضة لكليم الله قد ختما لأنها من جنان الخلد منشؤها ... أزهارها تذهب الأحزان والألما ومعدن الحب فيها والأمان بها ... فتذهب الهم للمهموم والسآما ما جاءها قط مهموم فعاد به ... بل المسرات ممن أبدع النسما وهي تسعة وأربعون بيتاً وكان قرأ البخاري أيضاً لما زار حضرة خليل الرحمن وأولاده سكان الغار منهل الظمآن وعند ختمه أنشأ قصيدة ابتهالية تتضمن مدحاً للبخاري وهي هذه الحمد لله من قد أوجد الأمما ... وخص من شاء خيرات وزد كرما هذا كتاب رسول الله قد ختما ... هو البخاري بكل الخير قد وسما في روضة لخليل الله نسبتها ... كأنها جنة الفردوس كيف وما فيها أبو الرسل والأنباء قاطبة ... في وسطها منه كل الخير قد رسما والسيد اسحق لا تنسى مهابته ... من فوق رأس خليل الله قد علما يعقوب قد قابل الأصلين في كرم ... كي يظهر الفرق للزوّار والعظما صدّيقهم يوسف قد جاور الكرما ... لكون موسى له بالنقل قد حكما وسارة هي أمّ الرسل أجمعها ... قد قابلت بعلها من أسس الكرما وربقة قابلت اسحق في نسق ... ولبقة بعلها يعقوب ذا الكرما فهل ترى روضة في الأرض أجمعها ... قد شابهت هذه كلا ولا علما وهي طويلة جداً وفي بعض زياراته لحضرة الكليم وقعت له قصة وهي ما حكاه عن نفسه بقوله ومما وقع لنا مع جناب موسى ﵊ إني نزلت لزيارته ليلاً فأخذت أقرأ دلائل الخيرات في الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ فختمنها ثم شرعت فيها ثانياً فعرض لي أن الأولى اشغال الوقت بالصلاة والسلام على موسى وهرون فأخذت أقول اللهم صل على موسى وأخيه هرون فسمعت صوتاً فصيحاً من القبر الشريف عصبة النسب مقدمة على عصبة الولاء ففهمت المراد والمعنى أنتم منسوبون لمحمد كعصبة النسب لقوله ﷺ أمتي عصبتي ولغيره كعصوبة الولاء وعصبة النسب مقدمة على عصبة الولاء فرجعت إلى دلائل الخيرات فثبت عندي بهذه الواقعة فائدتان أدب سيدنا موسى مع سيدنا محمد وكونه في قبره المشهور وله قصة أخرى مع سيدنا

стр. 995

إبراهيم الخليل وهي إن رجلاً من الوزراء يقال له ناصوح جاء إلى مدينة إبراهيم الخليل ﵇ قال فتخيلت منه إرادة الانتقام من أهلها فذهبت مع جماعة منهم شيخنا الشيخ حسن الغزالي لجنابه الشريف وجعلت استغيث به ففي تلك الليلة رأى رجل من أصحابنا يقال له الشيخ محمد الغزالي المترجم في رحلة سيدي عبد الغني مكتوباً جاء من رسول الله ﷺ فيه من محمد بن عبد الله ورسوله إلى جده الأعظم أرفع هذه الغمة فأقلع الوزير ولم يحصل على شيء وكان المترجم مجاب الدعوة تهابه الأعراب والأعيان ولا يخالفون له أمراً وبالجملة فقد كان نادرة الزمان ونتيجة العصر والأوان ولم يزل على هذه الحالة الحسنة إلى أن مات وكانت وفاته في سنة سبع وأربعين ومائة وألف ودفن بمدرسة البلدية ورثاه تلميذه العارف السيد مصطفى البكري بقوله أيها الذات في حمى الذات قيلي ... فلقد لذلي لديها مقيلي واطربي واعربي عن السر إذ ما ... لك منا إني إليه وكيلي وهي طويلة جداً مذكورة في ديوان الأستاذ المرقوم اقتصرنا منها على المطلع الوزير محمد باشا ابن مصطفى بن فارس بن إبراهيم وجده لأمه الوزير الشهير إسمعيل باشا الدمشقي الشهير بابن العظم الوزير الكبير صاحب الرأي السديد والحزم والتدبير كريم الشيم والأصول ومن جمع من أنواع المزايا وشرائف السجايا وبدائع الكمالات ما لا تحيط به العقول ذا وزير لم يأل في النصح جهداً ... ظل يسعى بكل أمر حميد ومتى عدّ آل عثمان جمعاً ... يالعمري فذاك بيت القصيد كان من رؤساء الوزراء عفة وكمالاً وعدلاً وديناً وسخاءً ومروءة وشجاعة وفراسة وتدبيراً وكان واسع الرأي مهاباً بحيث إنه يتفق فصل الخصومة بين الشخصين بمجرد وقوفهما بين يديه ونظره لهما ينقاد المبطل منهما للحق وهذه المزية قد استأثر بها وكان يحب العلماء والصلحاء والفقراء ويميل إليهم الميل الكلي ويكرمهم الاكرام التام باليد واللسان ذا شهامة وافرة وشجاعة متكاثرة وحرمة واحتشام وكمال مشهور في الأنام طاهراً من كل ما يشين مشغول الأوقات أما بفصل الخصومات بين المسلمين أو بتلاوة كتاب الله المبين أو بالصلاة على سيد المرسلين أو اصطناع يد أو اسداء معروف إلى أحد من المساكين لم تسمع عنه زلة ولم تعهد له صبوه ولم يوقف له على كبوة ولا هفوه ميمون الحركات والسكنات مسعوداً في سائر الأطوار والحالات بحيث إنه لم يتفق له توجه إلى شيء إلا ويتمه الله له على مراده ولم يتعاص عليه أحد إلا ويكون هلاكه على يديه ولد بدمشق في عاشر شوال سنة

стр. 996

ثلاث وأربعين ومائة وألف وبها نشأ وقرأ وحصل وبرع وتنبل ثم ذهب إلى حلب سنة ثلاث وستين ومائة وألف مع خاله الوزير الشهير سعد الدين باشا لما وليها ودخل معه طرابلس مرات ثم استقام بدمشق وعكف على تحصيل الكمالات إلى أن بلغ السلطان مصطفى ابن السلطان أحمد خلد الله ظلال دولتهم في الأنام وفاة الوزير سعد الدين باشا فنظر إلى المترجم بأنظار اللطف وأنعم عليه برتبة أمير الأمراء بروم ايلي مع عقارات خاله الوزير أسعد باشا الشهير فترقى بذلك أوج السعادة وبعد برهة من الزمان أنعم عليه برتبة الوزارة فأتت إليه منقادة مع الانعام بمنصب صيدا وذلك سنة ست وسبعين ومائة وألف وأرخ له ذلك العالم الأديب الشريف صالح بن عبد الشافي الغزاوي نزيل دمشق بقصيدة طويلة تاريخها قوله شباك العلا صادت لمجدكم صيداً فنهض من دمشق إليها وسار السيرة الحسنة بين أهليها ثم انفصل عنها وولي حلب فدخلها رابع عشري شعبان سنة سبع وسبعين ومائة وألف وكانت حلب مجدبة ولم يصبها المطر فحصل بيمن قدومه كثرة أمطار ورخاء أسعار ونمو زروع وعامل أهلها بالشفقة والاكرام ورفع عنهم من البدع ما كان ثلماً في الاسلام فأثلج بذلك الصدور وأحيا معالم السرور منها إزالة منكر كان قد حدث بها سنة احدى وسبعين ومائة وألف وذلك أنه جرت العادة في بعض محلاتها أن تفتح حانات القهوة ليلاً وتجتمع بها الأوباش إلى أن زاد البلاء وفجرت النساء مع ما ينضم إلى ذلك من شرب الخمور وفعل المنكرات وأنواع الفساد فحانت التفاتة من صاحب الترجمة في بعض الليالي من السطح إلى ذلك فقصده مختفياً وأزاله وفي ثاني يوم أمر بإزالة هذا المنكر ونبه على أن لا تفتح الحانات ليلاً أبداً فطوي بسبب ذلك بساط الفجور وانجلى من ظلمة المعاصي الديجور ومن جملة ما رفعه من المظالم بحلب حين توليه لها بدعة الدومان عن حرفة الجزارين التي أوغرت صدور المسلمين وكان حدوثه بها سنة احدى وستين بعد المائة والألف والدومان اسم لمال يجتمع من ظلامات متنوعة يستدان من بعض الناس باضعاف مضاعفة من الربا ويصرفه متغلبو هذه الحرفة في مقاصدهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة وطريقتهم في وفائه أن يباع اللحم بأوفى الأثمان للناس من فقراء وأغنياء وتؤخذ الجلود والأكارع والرؤس والكبد والطحال بأبخس ثمن من فقراء الجزارين جبراً وقهراً كل ذلك يصدر من أشقياء الجزارين ومتغلبيهم إلى أن هجر أكل اللحم الأغنياء فضلاً عن الفقراء وأعضل الداء واتفق إنه في سنة ست وسبعين كان قاضياً بحلب المولى أحمد أفندي الكريدي فسعى في رفع هذه البدعة فلم تساعده الأقدار فباشر بنفسه محاسبة أهل هذه الحرفة الخبيثة ورفعها وكتب عليهم صكوكاً ووثائق وسجلها في قلعة حلب فلما عزل عاد كل شيء لما كان عليه فلما كان أواخر محرم سنة ثمان وسبعين قبض صاحب الترجمة

стр. 997

على رئيسهم كاورحجي وقتله وأبطل تلك البدعة السيئة وصار لأهل حلب بذلك كمال الرفق والاحسان وامتدحه ادباؤها بالقصائد البديعة فمن ذلك ما قاله الشهاب أحمد الشهير بالوراق أعرف البان أم نفح الورود ... أطيب المسك أم أنفاس عود أروض مر سجساج عليه ... فنم بسره غب الورود أم الأزهار أيقظها نسيم ... فضاعت بالشذا بعد الرقود وقامت ترقص الأزهار زهواً ... بأدواح السرور لدى السعود وباكرها السحاب بنقط در ... يفوق بحسنه نثر العقود وغنتنا العنادل كل لحن ... باعراب ولا عبد الحميد ووافى الأنس من كل النواحي ... فخلنا الدهر قد وافى بعيد وحيانا المنى من حيث قرّت ... عيون قد عفت طيب الهجود كأن الله جل علاه حيا ... عواصمنا بكل سنا حميد وألبسها الفخار ثياب عز ... تتيه به على شرف النجود كأن ظلامها صبح منير ... بروض وارف خضل نضيد كأن الشمس تحكي بابتهاج ... كمالاً وجه واليها السعيد محمد الوزير الشهم طالت ... أياد منه بالفضل المديد وزير لم يزل أسداً هصوراً ... على الأعداء يقمع للعتيد رقى رتب الكمال من المعالي ... وحاز السبق بالرأي السديد له في قلب من ناواه خوف ... يشيب لهوله رأس الوليد ومن والاه في دعة وأمن ... يزيل عنا القطيعة والصدود له همم كبار لا تباري ... وأخلاق زكت وحجار شيد وآرء حسان نمّ عنها ... جميل الفعل في الزمن الكنود مقل راية المعروف حامي ... ذمار الفضل والفخر المجيد فإني مثله في كل أرض ... يحاكي مجد سؤدده الرغيد سرت بثنائه العالي حداة ... بوصف راق في زمن المهود حوى القدح المعلى غير ثان ... عنان المجد عن كرم الجدود فمن كانت خولته اسوداً ... رأيت بذاته شيم الأسود ومن وفى المعالي مهر مثل ... له دانت على رغم الحسود ومن يذكو أريج الخيم منه ... زكا فعلاً ووفى بالعهود ومن يبغ المكارم لا يبالي ... بما يوليه من كرم وجود

стр. 998

ومن هانت عليه النفس نالت ... يداه ما يروم من الوجود ومن يطع الآله ينل مراماً ... ويحرز ما يسرّ من المجيد ومن يرد اكتساب الحمد تنأى ... مطامعه عن الأمل البعيد ومن يول الجميل لكل عاف ... ينل حمداً مع المدح المزيد فذا الدستور أضحى كل خير ... يلوح بوجهه الضاحي السعيد أتى الشهبا فشرّفها قدوماً ... فأبهج ما على وجه الصعيد وأحيا رسمها العافي فصارت ... رحابتها بكل هنا جديد وبشر أهلها بزوال بؤس ... وأكدار بابقاء السعود وأهلك للبغاة بكل عضب ... صقيل مذهب نفس العنيد وأهدى الأمن للطرقات حتى ... أنام قطاتها بعد الهجود وغلق في الدجى أبواب سوء ... هي القهوات مآوى للوغود وأرهب كل باغية فولت ... على خوف بها بثياب سود وأذهب بدعة الدومان تسمى ... بخسر مؤلم كبد المريد فكم ذبح الفقير بغير جرم ... بسكين المظالم والحقود فيا حصن الأنام بقيت دهراً ... معافى بالطريف مع التليد لترقى بالكمال إلى محل ... إلى العلياء راق مستزيد وتحيا في رضا يولي سروراً ... جديداً دائماً مرّ الجديد وتعلو فوق هامة كل ضدّ ... سنابك خيل عسكرك الشديد وتبقى أعين الرحمن تولي ... علاك الحفظ من خطب مبيد فخذها يا أبا الأشبال بكراً ... أبت إلا حماك لدى الوفود على عجل مشت تبغي قبولاً ... من السمع الكريم لدى النشيد فألثمها يديك وجرّ ذيلاً ... على هفوات ذي عجز عميد ودم في ذروة المجد المعلى ... كبدر التم في شرف الصعود وتبعه الأديب الجمال عبد الله اليوسفي الشهير بالبني وعقد قوله ﷺ اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله بقوله داعي الهنا قال لنا تبيانا ... أمراً ونهياً اتقوا اعلانا حيث رسول الحق قد بشرنا ... فيمن حبى فراسة عيانا يحظى بنور الله في أحكامه ... بقلبه المؤمن حيث كانا فتنجلي عليه أسرار غدت ... ناطقة فإنه أحيانا

стр. 999

محمد أفضل عادل يرى ... بالضعفاء ينظر استحسانا فإنهم غب الصلاة يسألو ... ن من بنور الحق قد هدانا يبقى دواماً والسلام لم يزل ... له من الله لما أولانا لأنه خير وزير أرّخوا ... خلوصه قد أهدر الدومانا ١١٧٨ ٧٣١ ٣١٤ ١ - ٣٣ ثم أن المترجم المزبور ضوعفت له الأحور عزل من حلب في منتصف شوال سنة ثمان وسبعين وولي إيالة الرهاء المعروفة بارفة فاستقام بحلب إلى ورود المنشور بذلك سابع عشر ذي القعدة من السنة المرقومة فنهض إليها ودخلها سلخ ذي القعدة المرقوم ولم تطل إقامته بها فعزل عنها وولي إيالة آدنة فنهض منها واجتاز بحلب ودخلها في المحرم سنة تسع وسبعين ونزل بتكية الشيخ أبي بكر وتوجه إلى آدنة فقبل وصوله إليها ولي إيالة صيدا فكر راجعاً إلى صيدا ودخلها في أوائل صفر من السنة المرقومة ثم عزل عنها وأعطى قونية ثم ولي الشام وإمارة الحاج الشريف بعد الوزير عثمان باشا فدخلها في شهر رجب سنة خمس وثمانين ومائة وألف وصار لأهلها به كمال الفرح والسرور وسلك سبل العدل وتردى برداء الانصاف ثم عزل عنها في ربيع الأول سنة ست وثمانين وأعطى قونية ثم أعيد إلى ولاية دمشق وإمارة الحاج في سنة سبع وثمانين وأقبل على أهلها بكمال الاكرام ووفور الاعتناء التام وكانت أيامه بها مواسم أفراح واستمر واليها إلى وفاته كما سيأتي وراج في أيامه سوق الشعر وأغلى منه القيمة بين الأدباء والسعر فمدحه الشعراء بالقصائد الطنانة وكانت أيامه مواسم إقبال وأهلك الله على يديه جملة من الخوارج منهم علي بن عمر الظاهر الزيداني قتله في رمضان سنة تسع وثمانين وصالح العدوان من بغاة المشايخ ومرعى المقداني الشعي وغيرهم من البغاة وقطاع الطريق وراقت دمشق وما والاها في أيامه وصفا لأهلها العيش ونامت الفتن وسلم الناس من الاحن وبنى بدمشق آثاراً حسنة صار بها ارتفاق للمسلمين منها السوق الذي بناه بقرب داره تجاه القلعة الدمشقية عند المدرسة الأحمدية وكان الشروع في عمارته في أوائل جمادي الأولى سنة خمس وتسعين وبنى فيه لصيق البوابة الموصلة إلى داره العامرة سبيلاً لطيفاً محكماً وأجرى إليه الماء من نهر القنوات وعمل للضريح اليحيوي في الجامع الأموي كسوة من الديباج المقصب عظيمة وكذلك أمر بأن يصنع لضريح الاستاذ الشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي قدس الله سره تابوتاً من النحاس الأصفر ويوضع على قبره وعمر غالب ضرائح الأنبياء والأولياء والصحابة بدمشق وما والاها من البلاد وبنى في طريق الحاج الشريف قلعة البئر الزمرذ واصطنع فيه آثاراً جميلة وعمرت في أيامه دار خزينة السراي بدمشق وتم بناؤها في أواخر محرم سنة

стр. 1000

ست وتسعين وعمل لذلك تاريخاً الشيخ نجيب بن محمد العطار الدمشقي فقال قد شاد ليث العرم دار سعادة ... فأضاء فيها عدله المتأبد وأقام لألاء السرور مبشرا ... ببقائه فيها بنصر يحمد والسعد أرخ حكم دار سعادة ... أبداً يوطده الوزير محمد ١١٩٦ وبنى الجهة القبلية في السراي المرقومة جميعها على أكمل بناء وأحكمه وهذا البناء كان قبل ذلك في شعبان سنة تسعين ومائة وألف بمباشرة جعفر أغا أمين الجاويشية وبنى محكمة الباب وجددها بعد أن تهدم غالبها وصرف على ذلك نحو ثلاثة عشر ألف قرش وكان القاضي العام بدمشق إذ ذاك المولى السيد محمد طاهر محمود أفندي زاده فنقله المترجم منها إلى دار بني الترجمان قرب القلعة الدمشقية وهناك صار مجلس القضاء إلى أن تم بناء المحكة فأرجعه إليها وكان رحمه الله تعالى له مبرات كلية وصدقات جلية وخفية خصوصاً لمن أدركهم الفقر من ذوي البيوت وأهل العلم بدمشق فكان يتفقد أحوالهم ويبرهم ويكرم نزلهم وله عطايا جزيلة كل سنة للعلماء وأهل الصلاح والدين وإغاثة كلية للضعفاء والمساكين طاهر الذيل واللسان واليد من كل ما يشين ومدح من أدباء دمشق بالقصائد العديدة التي لو دونت لبلغت مجلدات وكان يجيزهم على ذلك الجوائز السنية وكانت أوقاته مصروفة في أنواع القربات من تلاوة قرآن واشتغال بالصلاة على النبي ﷺ أو رفع ظلامة عن مظلوم أو تنفيس كربة عن مكروب وبالجملة فهو أحسن من أدكناه من ولاة دمشق وأكملهم رأياً وتدبيراً ولم يزل على أحسن حال وأكمل سيرة حتى توفي بدمشق وهو والي عليها وكانت وفاته قبيل طلوع شمس يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادي الأولى سنة سبع وتسعين ومائة وألف وتمرض أياماً قلائل واجتمعت الأعيان والرؤساء بداره التي ابتناها لصيق المدرسة القجماسية جوار سوقه المقدم ذكره فغسل بها وخرجوا بجنازته على السوق الجديد حتى وصلوا به إلى الجامع الأموي فوضعت تجاه ضريح سيدنا يحيى وتقدم للصلاة عليه المولى أسعد أفندي الصديقي المفتي ثم حمل بمجمع عظيم لم يتخلف عنه أحد من أهل دمشق من الرجال والنساء وخرجوا بالجنازة على سوق جقمق ودفن بتربة الباب الصغير شمالي ضريح سيدنا بلال الصحابي الجليل وعمل على قبره تجعير لطيف وكثر الأسف عليه وجرت لذلك العبره رحمه الله تعالى وجعل في الفراديس العلية مقره محمد بن محمد الطيب المالكي الحنفي التافلاتي المغربي مفتي القدس الشريف علامة العصر الفائق على أقرانه من كبير وصغير وله الفضل الباهر وكان في الأدب الفرد الكامل له الشعر الحسن مع البداهة

стр. 1001

في ذلك وسرعة نظمه وذكاؤه يشق دياجر المشكلات ولد بالمغرب الأقصى وحفظ القرآن على طريق الامام الداني وهو ابن ثمان سنين ثم اشتغل في حفظ المتون على والده وكان والده متوسطاً في العلم بين أماجده وقرأ عليه الآجرومية وعلى الشيخ محمد السعدي الجزائري السنوسية ومنظومة في العبادات مختصرة في المسائل الفقهية ودرس السنوسية للطلاب قبل أوان الاحتلام ورحل من بلاده في البر إلى طرابلس الغرب وما وجبت عليه صلاة ولا صيام ومن طرابلس ركب البحر إلى الجامع الأزهر فطلب العلم بمصر سنتين وثمانية أشهر وأخذ عن شيوخه الآتي ذكرهم ثم سافر لزيارة والده في البحر فأسره الفرنج وذهبوا به إلى مالطة مركز الكفر ثم نجاه الله تعالى بعد سنتين وأيام وناظرته رهبان النصارى مناظرة واسعة وكان فيهم راهب له دراية بالمسائل المنطقية والعربية ويزعم أن همته بارعة وكانت مدة المناظرة نحو ثمانية أيام فأخرسهم الله وأكبتهم ووقعوا في حيص بيص وألجموا بلجام الالزام فمن جملة مناظرتهم معه في ألوهية عيسى أن قال كبيرهم يا محمدي إن حقيقة عيسى امتزجت مع حقيقة الاله فصارتا حقيقة واحدة قال فقلت له لا يخلو الأمر فيهما قبل امتزاجهما أما أن تكون قديمتين أو حاثتين أو إحداهما قديمة والأخرى حادثة وكل الاحتمالات باطلة فالامتزاج على كل الاحتمالات باطل أما على الأول فإن الامتزاج مفض للحدوث قطعاً لأنه تركيب بعد إفراد وكل تركيب كذلك لا محالة حادث والحادث لا يصلح للالوهية وأما الثاني فظاهر البطلان وأما الثالث بوجهيه فباطل أيضاً لأن القديمة منهما بعد الامتزاج يلزم حدوثها والحادثة منهما بعده يلزم قدمها فيؤدى إلى قلب الحقائق وقلبها محل ويلزم أيضاً اجتماع الضدين وهو باطل باتفاق العقول ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا في هذا الطريق قال لي كبيرهم عقولنا لا تصل لهذا الأمر الدقيق فقلت له هذا عندنا من علوم أهل البداية لا من علوم أهل النهاية فبهت الذي كفر وعبس واكفهر ثم قلت لكبيرهم بالله عليك أعيسى كان يعبد الصليب قال لا وإنما ظهر الصليب بعد قتله على زعمهم ونحن نعبد شبيه الاله فقلت له بالله عليك الله شبيه قال لا فقلت له يجب عليكم حرق هذه الصلبان بالزفت والقطران فاستشاط غيظاً وقال لي كنت أوقعك في المهالك وأجعلك عبرة لكن الله أمرنا بحب الأعداء فقلت له لكن الله أمرنا ببغض الأعداء فقال لي إذاً شريعتنا كاملة فقلت له على طريقة الاستهزاء شريعتكم كاملة لأنها تعبد الأصنام والصلبان وشريعتنا ناقصة لأنها تعبد الله وحده لا شريك له فاشتد غضبه حتى كاد أن يبطش بي ولكن الله سلم لمزيد اللطف بي ثم إن كبيرهم قال لي يا محمدي إني رأيت في كتبكم الحديثية أن نبيكم انشق له القمر نصفين فدخل نصفه من كم ونصفه من الكم الآخر وخرج تاماً من جيب صدره ومساحة البدر مثل الدنيا ثلاث مرات وثلث وهي

стр. 1002

ثلاثمائة وثلاث وثلاثون سنة وثلث فما هذه الخرافات فقلت له أما ورد أن ابليس جاء لسيدنا ادريس وهو يخيط بالابرة وبيده قشرة بيضة وقال له أيقدر ربك أن يجعل الدنيا في قشرة هذه البيضة فقال لي نعم ورد ذلك فقلت له كيف يقدر فقال إما أن يكبر القشرة أيصغر الدنيا فقلت له سبحان الله تحلونه عاماً وتحرمونه عاماً وإذا سلمت هذا فلم لا تسلمه لنبينا فغص بريقه واصفر وعبس وتولى فقتل كيف قدر وهذا الجواب مني من باب ارخاء العنان للالزام وإلا فدخول نصفي البدر في الكمين باطل عند جميع المحدثين الأعلام لكن كبيرهم لا يعرف اصطلاح علمائنا ذوي المقام العالي فلو أجبته ببطلانه لقال لي رأيته في كتبكم فلا يصغي لمقالي فلذلك دافعته بالبرهان القطعي العقلي لأنه لا يمتثل بعد ما رآه للدليل النقلي ثم إن كبيرهم في ميدان البحث أنكر نبوة نبينا السيد الكامل وقال إنه عندنا ملك عادل فقلت له ما المانع من نبوته فقال نحن لا نقول بها وإنما نقول بشدة صولته فقلت له أليس النبي الذي أتى بالمعجزات وأخبر بالمغيبات فقال كبيرهم أي معجزة أتى بها وأي مغيبات أخبر بها فسردت له بعض المعجزات وأعظمها القرآن وذكرت له بعض المغيبات فقال لي رأيت البخاري من علمائكم ذكر بعضها ثم قال لي إنما علمه ذلك الغلام يشير لقوله تعالى إنما يعلمه بشر فقلت له بالله عليك لسان ذلك الغلام ماذا قال أعجمي فقلت له بالله عليك لسان بيننا ماذا قال عربي قلت له بالله عليك نبينا يقرأ ويكتب أم أمي قال أمي لا يقرأ ولا يكتب فقلت له بالله عليك هل سمعت عربياً يتعلم من عجمي قال لا فأفحم في الجواب وانقطع عن الخطاب ثم قال لي كيف يقول قرآنكم يا أخت هرون وبينه وبينها ألف من السنين فقلت له أنت أعجمي لا تعرف لغة العرب كيف مبناها فقال لي وكيف ذلك فقلت له يطلق الأخ في لغتهم على الأخ النسبي وعلى الأخ الوصفي والمراد هنا الثاني ومعنى الآية يا أيتها المتصفة عندنا بالعفة والديانة والعبودية مثل هرون الموصوف بتلك الصفات الكاملة وهذا المعنى في لسان العرب شائع وفي مجاراتهم ومجاري أساليبهم ذائع فوقف حمار الشيخ في الطين ولما رآني صغير السن وكان سني إذ ذاك نحو تسع عشرة سنة قال لي تصلح أن تكون مثل ولد ولدي فمن أين جاءتك هذه المعرفة التامة فقلت له جميع ما سألتني عنه هو من علوم البداية ولو خضت معي في مقام النهاية لأسمعتك ما يصم أذنيك وفي هذا القدر كفاية فترك المناظرة ورجع القهقري وشاع صيتي في مالطة بين الرهبان والكبراء وكنت إذا مررت في السوق يحترموني وما خدمت كافراً قط وكان سبب خلاصي رؤيا مبشرة من يومها ركبت سفينة النجاة متوجهاً لأسكندرية ثم منها لمصر القاهرة ثم سافرت للحجاز مراراً ودخلت اليمن وعمان البحرين والبصرة وحلب ودمشق وتوجهت للروم ثم ألقيت عصا التسيار في بيت المقدس العطير الأطوار وجاءتني الفتيا وأنا لها كاره وأنشد قول من قالنما علمه ذلك الغلام يشير لقوله تعالى إنما يعلمه بشر فقلت له بالله عليك لسان ذلك الغلام ماذا قال أعجمي فقلت له بالله عليك لسان بيننا ماذا قال عربي قلت له بالله عليك نبينا يقرأ ويكتب أم أمي قال أمي لا يقرأ ولا يكتب فقلت له بالله عليك هل سمعت عربياً يتعلم من عجمي قال لا فأفحم في الجواب وانقطع عن الخطاب ثم قال لي كيف يقول قرآنكم يا أخت هرون وبينه وبينها ألف من السنين فقلت له أنت أعجمي لا تعرف لغة العرب كيف مبناها فقال لي وكيف ذلك فقلت له يطلق الأخ في لغتهم على الأخ النسبي وعلى الأخ الوصفي والمراد هنا الثاني ومعنى الآية يا أيتها المتصفة عندنا بالعفة والديانة والعبودية مثل هرون الموصوف بتلك الصفات الكاملة وهذا المعنى في لسان العرب شائع وفي مجاراتهم ومجاري أساليبهم ذائع فوقف حمار الشيخ في الطين ولما رآني صغير السن وكان سني إذ ذاك نحو تسع عشرة سنة قال لي تصلح أن تكون مثل ولد ولدي فمن أين جاءتك هذه المعرفة التامة فقلت له جميع ما سألتني عنه هو من علوم البداية ولو خضت معي في مقام النهاية لأسمعتك ما يصم أذنيك وفي هذا القدر كفاية فترك المناظرة ورجع القهقري وشاع صيتي في مالطة بين الرهبان والكبراء وكنت إذا مررت في السوق يحترموني وما خدمت كافراً قط وكان سبب خلاصي رؤيا مبشرة من يومها ركبت سفينة النجاة متوجهاً لأسكندرية ثم منها لمصر القاهرة ثم سافرت للحجاز مراراً ودخلت اليمن وعمان البحرين والبصرة وحلب ودمشق وتوجهت للروم ثم ألقيت عصا التسيار في بيت المقدس العطير الأطوار وجاءتني الفتيا وأنا لها

стр. 1003

كاره وأنشد قول من قال إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل ويركب حد السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن ساحة السيف مرحل وتمثلت ببيتي امرئ القيس وهما بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه الخ ولما وصلت للروم باب المراد وتمتعت بتلك المهاد متوجاً بتاج فتوى الحنفية إلى القدس الشريف الرفيعة العماد وعزل مراراً وأخذ عن أجلاء منهم الشمس محمد بن سالم الحفني وعلى أخيه الشيخ يوسف الحفني والشيخ أحمد الملوي وعن الشيخ علي العروسي والسيد محمد البليدي بفتح الباء والشيخ أحمد الجوهري والشيخ أحمد الأشبولي نزيل الحرم المكي والشيخ أحمد الدمنهوري والشيخ عمر الطحلاوي والشمس محمد العمادي والشيخ عبد الرحمن اللطفي وغيرهم ناس كثيرون وأما تصانيفه فإنها ناهزت الثمانين ما بين منظوم ومنثور وكتب ورسائل في فنون شتى وأما نظمه فهو رائق جداً فمنه قوله وكتب به لبعض أحبابه مذيلاً على بيت امرئ القيس قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل قفا بربوع العامرية انني ... كلفت بها من حين عهد التحمل ولو ذابها ثم انشقا طيب عرفها ... وقصا حديثاً للأسيف المعلل فيا سائق الأظعان يطوي فداً فدا ... إلى دوحة الجرعا رويدك فانزل بجيرة نجد سادة الحيّ كم روت ... ثقاة لهم طيب الحديث المسلسل فديتهم من جيرة لأعدمتهم ... حماة زمام للنزيل المملل لنارهم تعشو السرات وترتوي ... بحوضهم الأصفى على كل منهل سقتهم غديقات التهاني كرامة ... وأخصب واديهم بند ومندل ونادى بشوق مذ غدا الركب سائلاً ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل فأجابه بقوله لك الله يا حادي الركاب مغلساً ... إلى الحرم القدسي رويدك فانزل وروّى نفوساً بالمقام ولا تقل ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ودعنا على بسط المسرّة والصفا ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل وروّح فؤادي بالوصال هنية ... بمشهد مولانا الوجيه المكمل حديقة فضل بالمعارف أثمرت ... وشمس جمال بالمحاسن تنجلي بديع بيان في احتكام تصرّف ... باجمال تفصيل وتفصيل مجمل قضايا علاه بالكمال تسوّرت ... ببرهان فضل عن قياس مخصل

стр. 1004

يحن اشتيقاقاً والهاً متولعاً ... إلى المربع السامي بدومة جندل أراع فؤادي بالنوى وحديثه ... وسلسل دمعي بالحديث المسلسل وأحرمني طيب المنام وإنه ... تسلم قلبي قبل يوم الترحل فيا أيها المولى الذي حاز سيرة ... ترفق بصب بالبعاد مبلبل ولاطفه إن حان الوداع تكرماً ... وروّق له كأس الحديث وعلل وإن فزت بالمسرى إلى الحي والحمى ... ونحت به فامنن بحسن الترسل وللمترجم لهفي على وادي العقيق وبانه ... وعريب نجد أحكموا توثيقي شام الحداة الأبرقين فأرعدت ... مني الجوانح من لظى التفريق يا جيرة لكم السيادة إنني ... أرجو اصطباري مبرد التشويق وله أيضاً إن لاح برق الغور أو هب الصبا ... أو صاح ورق بالأرائك تصدح أو رنم الحادي الركاب مهيماً ... فدموع جفني كالسحائب تسفح مالي وللواشي العذول وفي الحشا ... يوم النوى نار الصبابة تسرح وكتب إليه بعض أحبابه بقوله مضمناً لربك سرّ قد خفا كنه أمره ... على كل غوّاص نبيل مسدّد فكم عازم والحق بنقض عزمه ... وكم غافل والسعد وافى بمسعد فسلم له ما شاءه فهو عالم ... وإياك والتدبير في كل مقصد ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد فأجابه بقوله شهدنا خفايا السرّ منه حقيقة ... بحسن تلاقينا على غير موعد علمنا به صدق المودّة والوفا ... نتيجة حق قد خلت عن تردد وها قد بدت مني إليك بشارة ... تحوز بها العلياء في كل مشهد فلا زالت الأيام تهديك منحة ... بتحقيق آمال وابلاغ مقصد وللمترجم مضمناً أروم وقد طال النوى طيب نظرة ... وأستخبر الركبان من كل وجهة وأستعطف الأيام كيما تجود لي ... بحسن اتصال في خيام العشيرة وفي كبدي حراء هاج لهيبها ... ومن فرط ما ألقى جرت عين عبرتي على أنني للدهر أغفر ما جنى ... وأنشد بيتاً يقتضي حسن وصلتي

стр. 1005

وكل الليالي ليلة القدر إن دنت ... كما أن أيام اللقا يوم جمعة وله من قصيدة فؤادي بنار الشوق يصلي ويضرم ... ودمعي وحق العهد بالسفح عندم ونار الغضا قد أججت بجوانحي ... على حبه والسقم عني مترجم أراقب نجماً في الدجى نابذ الكرى ... ولو شئته ما كان للجفن ينعم كأن جفوني بالسما قد تشبثت ... كأن ليالي الوصل بالصدّ ترغم أمن مبلغ عني سعاداً تحية ... بسفح النقا والحب فيها محكم سبت مهجتي لما أصابت حشاشتي ... بسهم وقيدي بالصبابة أدهم نقضت لويلات التداني برامة ... رمت كل واش والفؤاد متيم ومن بعد طيب الوصل شطت مراتع ... وعادت عواد للمودّة تعتم فلا وصلها يدنو فتبرد لوعتي ... ولا مهجتي تسلو عليها فارحم إلى كم أراع العاذلون بوشيهم ... بصد وهجر من سعادي ونمنموا وقلبي على العهد القديم وما صفا ... ثكلتهم ما الودّ مني مصرم عجبت لها فالعهد منها مزوّر ... وعهدي بها من عالم الذرّ مبرم فياليتها وافت بوصل لمغرم ... شجى ولكن وعد زينب مخرم تصرم دهري والشبيبة آن أن ... يطيب لها الترحال والبين محجم أجيرتنا بالنير بين وحاجر ... وسلع ومن بالرقمتين مخيم فديتكم عطفاً فنيران مهجتي ... عليّ قضت والطعم بالصد علقم ألا ليت شعري والأماني كواذب ... تمن سعاد الحي وصلاً وترحم وتسعدني الوجنا لأطلال جلق ... وربوتها الغرّا بها القلب مغرم وأزهو بسفح الصالحية برهة ... وفي مرتع الغزلان أحظى وأغنم ومن شعره وكان وقع شتاء وثلج في نيسان أكثر من كانون كأن كانون أهدى من منازله ... لشهر نيسان أصنافاً من التحف أو الغزالة تاهت في تنقلها ... لم تعرف الجدي والنور من الخرف ومن شعره قوله مضمناً المصراع الأخير ألا يا غزالاً في مراتع رامة ... أجزني حديثاً صح عن طرفك إلا حوى عن الغنج الساري بفاتر جفنه ... عن الدعج الداعي إلى السقم والبلوى عن الكحل الفتاك عن وطف به ... عن الحاجب النوني شفاء بني الشكوى فقال رويناه على الكتم بيننا ... وما كل ما ترى عيون الظبا يروى

стр. 1006

ومن مستملحاته الشعرية في مسئلة فقهية ولي حب عليه القلب وقف ... ليسكنه ويبتهج المزار فقلت له أعره لنا زماناً ... فقال الوقف عندي لا يعار ومراسلاته وأشعاره كثيرة وكانت وفاته في القدس في ذي القعدة سنة احدى وتسعين ومائة وألف ودفن بمقبرة مأمن الله رحمه الله تعالى. محمد الحنفي ابن محمد الحنفي الحلبي نزيل قسطنطينية وأحد الموالي الرومية المولى العالم العلامة الفقيه كان غواص بحر العلوم معلماً نافعاً عالماً بأكثر الفنون صاحب نكت ونادرة ظريفاً أنيساً وقوراً له عظمة وفضيلة ولد بحلب وبها نشأ وقرأ على علمائها وحصل مقدمات العلوم وبعده ارتحل إلى مصر ولازم في الجامع الأزهر الشيوخ واكتسب الفضائل حتى صار له مزيد الرسوخ وألف رسالة ورفعها إلى شيخ الاسلام المولى البهائي وبسببها دخل في سلك المدرسين وطريقهم وبعد أن عزل عن مدرسة بأربعين عثمانياً أظهر مؤلفاً له على شرح الملتقى الفقه وصار عنواناً له بين الكبار والصغار ثم تنقل بالمدارس كعادتهم وأعطى قضاء أدرنة برتبة قضاء مكة وآخر أظهرت الشكايات عليه ورفعت مناصب الأربلق التي كانت عليه ووجهت إلى حكيم باشا زاده المولى يحيى الحلبي وبقي المترجم صفر اليدين وحك اسمه من الطريق وصار قاضياً بقسطنطينية بهمة الصدر الأعظم مصطفى باشا وعزل عنها وتولى غيرها وله تآليف غريبة وكانت وفاته في محرم سنة أربع ومائة وألف رحمه الله تعالى. محمد الغزي ابن محمد بن علي بن بدر الدين الشافعي الغزي قرأ القرآن على والده وأخذ عنه العلم ثم توجه إلى مصر القاهرة وأقام بها احدى عشرة سنة وصارت له اليد الطولى في علم الطب وله التآليف الحسنة وكان على غاية من الفقر لم يتعلق بشيء من أمور المعاش بل كان يرزقه مولاه من حيث لا يحتسب وفي الشتاء يقيم بالرملة ويصيف في غزة هاشم ومن شعره ما قاله راثياً العلامة محمد بن تاج الدين الرملي وهو هذا قد مات بحر العلم خير الورى ... محمد الرملي التقيّ الألمعي وقال في تاريخه ناقل ... قد مات بعد الحج في ينبعي وله فيه قد توفي مفتي الورى نجل تاج ... وعدمنا فضلاً عهدناه منه

стр. 1007

وقضى نحبه وقد أرخوه ... بوفاة تجاوز الله عنه وأشعاره كثيرة وكانت وفاته بالرملة سنة ست وعشرين ومائة وألف رحمه الله تعالى. محمد العمري ابن محمد بن أحمد العمري بابن عبد الهادي الشافعي الدمشقي الشيخ العالم العامل العابد الناسك العارف المعتقد البركة كان محققاً فاضلاً له يد في العلوم تعتقده أهالي دمشق قرأ على جماعة منهم والده المذكور وغيره ودرس وأفاد في عدة علوم ولم يزل معتقداً عند الناس إلى أن مات وكانت وفاته في جمادي الأولى سنة ثلاث وعشرين ومائة وألف ودفن بمرج الدحداح رحمه الله تعالى. محمد المالكي ابن محمد المالكي الدمشقي مفتي المالكية بدمشق وقاضيها العلامة المفنن الفاضل المحصل المتفوق البارع قرأ واشتغل بالعلوم وأخذ على جماعة أجلاء ودرس بالجامع الأموي وأخذت عنه الطلبة وتولى افتاء المالكية مع القضاء وكانت وفاته يوم الخميس تاسع شوال سنة ثمان عشرة ومائة وألف ودفن بمرج الدحداح رحمه الله تعالى. محمد العجي ابن محمد بن أسعد الدمشقي الحنفي الشهير بالعجي خطيب جامع سنان باشا خارج باب الجابية الشيخ الفاضل العالم النبيل الزكي الجهبذ أبو عبد الله شمس الدين ولد بدمشق ونشأ بها وأخذ عن فضلائها فنوناً من العلم كالشهاب أحمد بن علي المنيني والعلم صالح بن إبراهيم الجينيني والشرف موسى بن أسعد المحاسني والشمس محمد بن عبد الحي الداودي ومحمد بن أحمد قولقسز واختص بالأخذ عن الأخير بالفقه والتفسير وحضر دروس الحديث تحت القبة على العماد إسمعيل بن محمد العجلوني الجراحي ونبل قدره واشتهر بالذكاء والفضل أمره وفاق أقرانه بالذكاء المفرط فدرس بالجامع الأموي بكرة النهار وبين العشائين وأخذ عنه جماعة من الطلبة وانتفعوا به وتوجه آخر عمره لدار السلطنة العلية قسطنطينية ومكث بها مقدار نصف سنة ثم عاد إلى دمشق فلم تطل إقامته حتى توفي وله شعر لطيف ينبئ عن قدر في الفضائل منيف منه قوله مضمناً قالوا دع الزهد واشطح في هوى رشا ... طلق المحيا شهي الثغر أشنبه فقلت قد عشت خالي البال منفرداً ... وكل شخص له عقل يعيش به ومن ذلك قول الأديب محمد سعيد السمان

стр. 1008

جاء المؤنب ينهي عن مكابدتي ... وجداً أذاب فؤادي في تلهبه دع ما تعاني فسمعي صم عن عذل ... وكل شخص له عقل يعيش به وللمترجم مضمناً أيضاً ولما دنا مني حبيبي بعطفه ... وألحاظه طيّ الصبابة تنشر وقد كنت قدماً للجهالة تاركاً ... فذكرني والشيء بالشيء يذكر ومن ذلك قول صاحبنا الأديب الكمال محمد الغزي العامري بدت فيّ أيات الغرام بحبه ... بديع من الأقمار أبهى وأبهر ولما نأى عني تناءت مسرتي ... وأنحل جسمي من نواه التحسر ومن بعده قد صرت صبا مولها ... أسير غرام عز فيه التصبر وكيف خلاص القلب من لاعج النوى ... ونزع الهوى حقاً من الصدر يعسر إذا شمت ورداً قلت هذي خدوده ... ومن أين للأوراد ماس مجوهر وإن بان بدر التم أحسب وجهه ... لديّ بدامع أن ذلك أنضر وإن بان لي غصن من البان ناضر ... تذكرته والشيء بالشيء يذكر وكانت وفاته سنة أربع وسبعين ومائة وألف عن نيف وخمسين سنة ودفن بتربة الباب الصغير رحمه الله تعالى. محمد الوليدي ابن سلطان الشافعي المكي الشهير بالوليدي المدرس بدار الخيزران الشيخ العالم الفقيه البارع الأوحد أخذ عن جماعة من الشيوخ كالشهاب أحمد بن محمد النخلي وأبي الأسرار حسن بن علي العجيمي وادريس بن أحمد المكي الشماع والشهاب أحمد بن محمد البنا الدمياطي والنور علي الطبري والسيد محمد زيتونة التونسي ومصطفى بن فتح الله الحموي نزيل مكة المشرفة ومؤرخها وعلى الحداد الشافعي ومحمد بن علي العلوي ونبل وتقدم في الفضل وأخذ عنه جملة منهم المولى حامد بن علي العمادي ومصطفى وسعدي ابنا عبد القادر العمري وأحمد بن علي المنين وغيرهم وكانت وفاته شهيداً سنة أربع وثلاثين ومائة وألف رحمه الله تعالى. محمد البليدي ابن محمد بن محمد الحسني المغربي المالكي الشهير بالبليدي نزيل مصر السيد الشريف خاتمة المحققين صدر المدققين الثبت الحجة المتقن المتفق على جلالته صاحب التصانيف الشهيرة ولد سنة ست وتسعين وألف وأخذ عن جملة من الأئمة كأبي السماح أحمد البقري

стр. 1009

وعبد الرؤف البشبيشي وعبد ربه بن أحمد الديوي وأحمد بن غانم النفراوي وسليمان الشبرخيتي وأحمد بن محمد البنا الدمياطي ومنصور المنوفي وإبراهيم بن موسى الفيومي ومحمد بن عبد الباقي الزرقاني ومحمد بن القاسم بن إسمعيل البقري سمع منه في سنة عشر ومائة قبل وفاته بسنة وهو أعلى ما عند المترجم من مشايخه وأخذ أيضاً عن عبد الله الكنكسي والهشتوكي واشتهر أمره بالعلم وانتفع به جماعة من محققي علماء الأزهر والشام وله مؤلفات منها حاشية على تفسير البيضاوي وحاشية على شرح الألفية للأشموني ورسالة في المقولات العشر وكانت له يد طولى في علم القراآت وله في طريق الجمع مؤلف كبير في كل آية يذكر كيفية الجمع فيها من أول القرآن العظيم إلى آخره وكان يقرأ تفسير البيضاوي في الجامع الأزهر ويحضر درسه أكثر من مائتي مدرس ومفيد وكان الأستاذ ولي الله عبد الوهاب العفيفي يلازم درسه وكانت وفاته سنة ست وسبعين ومائة وألف ودفن بالقاهرة في تربة المجاورين وقد جاوز الثمانين رحمه الله تعالى. محمد الدمياطي ابن سلامة بن عبد الجواد بن العارف بالله الشيخ نور ساكن الصخرية من أعمال فارسكور الصخري الدمياطي المقري الشافعي الصوفي المعروف بأبي السعود ابن أبي النور كان ممن جمع بين حالي أهل الباطن والظاهر ولد بدمياط ونشأ بها وأخذ عن فضلائها فتفقه على الشيخ جلال الدين الفارسكوري والعلامة مصطفى التلياني وقرأ عليه شرح المنهج تسع مرات في تسع سنين ثم رحل إلى القاهرة فلازم الضياء سلطان المزاحي وأخذ عنه القراآت للسبع وللعشر وتفقه عليه وأخذ عنه جملة من الفنون وأخذ العربية عن الشيخ ياسين الحمصي نزيل القاهرة وعن غيرهم وغزر فضله واشتهر نبله وألف في القراآت وغيرها وكانت وفاته سنة سبع عشرة ومائة وألف رحمه الله تعالى. محمد الكردي ابن سليمان الكردي المدني الشافعي الشيخ الامام العلامة الفقيه خاتمة الفقهاء بالديار الحجازية المتضلع من سائر العلوم النقلية والعقلية ولد بدمشق وحمل إلى المدينة وهو ابن سنة ونشأ بها وأخذ عن أفاضلها كالشيخ سعيد سنبل ووالده الشيخ سليمان والشيخ يوسف الكردي والشيخ أحمد الجوهري المصري والقطب مصطفى البكري وغيرهم وألف مؤلفات نافعة منها شرح فرائض التحفة في نحو أربعين كراساً وحاشيتان على شرح الحضرمية لأبن حجر الهيثمي كبرى وصغرى ثم اختصرها فصارت ثلاث حوافر وعقود الدرر في بيان مصطلحات تحفة ابن حجر وحاشية على شرح الغاية للخطيب والفوائد المدنية

стр. 1010

فيمن يفتي بقوله من أئمة الشافعية وفتح الفتاح بالخير في معرفة شروط الحج عن الغير ثم اختصره وسماه فتح القدير وكاشف اللثام عن حكم التجرد قبل الميقات بلا احرام والثغر البسام عن معاني الصور التي يزوج فيها الحكام والدرة البهية في جواب الأسئلة الجارية وشرح منظومة الناسخ والمنسوخ وزهر الربا في بيان أحكام الربا والانتباه في تعجيل الصلاه وكشف المروط عن مخدرات ما للوضوء من الشروط وفتاوي عدة في مجلدين ضخمين وغير ذلك وتولى افتاء السادة الشافعية بالمدينة إلى وفاته وكان فرداً من أفراد العالم علماً وفضلاً وديناً وتواضعاً وزهداً متخلقاً بأخلاق السلف الصالح جبلاً من جبال العلم وكانت وفاته رابع عشر شهر ربيع الأول سنة أربع وتسعين ومائة وألف عن سبع وستين سنة. محمد النابلسي ابن مصطفى بن عبد الحق الحنبلي النابلسي الأصل الدمشقي المولد أحد الأفاضل وفقهاء الحنابلة المشهورين كان فاضلاً له فضيلة بالعربية والفقه مع عفة وباع في الفرائض والحساب وكان بدمشق يتعاطى المقاسمات والمناسخات ولد بدمشق وأخذ وقرأ على جماعة كالشيخ عبد الرحمن الكردي نزيل دمشق والشيخ علي الطاغستاني والشيخ أبي الفتح العجلوني والشيخ أحمد البعلي وتفوق ودرس بالجامع الأموي ولزمه جماعة من الطلبة وولي افتاء الحنابلة بعد وفاة شيخه البعلي ولم تطل مدته وكانت وفاته في ذي القعدة سنة إحدى وتسعين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح. محمد بن حجيج ابن مصطفى بن حسين بن مصطفى حجيج بن موسى المعروف بالبصيري الشافعي القدوة الصالح المعلم الناصح امام القراآت السبع والعشر المتقن المقري ولد في قرية تل حاصد من قرى حلب وتوطن حلب وكف بصره وقدم دمشق في سنة أربعين ومائة وأخذ القراآت السبع والشاطبية والتيسير عن الشيخ علي كزبر وأخذ عن المقري الشيخ إبراهيم الدمشقي وكان كثير الصيام ملازم الطاعة والعبادة مع الورع والزهد والتقوى وكانت وفاته في حلب سنة ثمانين ومائة وألف رحمه الله تعالى. محمد الحنفي أمين بن صالح الحنفي الدمشقي الأصل القسطنطيني المولد وكان والده وجيهاً فاضلاً منتسباً للعلوم وقوراً شديداً غيوراً وهو من أهالي دمشق ثم ارتحل إلى قسطنطينية وصار من القضاة وتولى قضاء طرابلس الشام وقفديه وغير ذلك وتوفي في رمضان سنة ثمان

стр. 1011

وتسعين وألف رحمه الله تعالى. محمد السندروسي ابن محمد المعروف بالسندروسي الشافعي الطرابلسي الفاضل النجيب الفقيه تفقه في المسائل وألف كتاباً في أسماء الصحابة ثم تطلب افتاء الحنفية كشيخه الخليلي فتوجه عليه افتاء طرابلس الشام فما استقامت مدة يسيرة إلا وعزل منها وكانت وفاته سنة سبع وسبعين ومائة وألف رحمه الله تعالى رحمة واسعة آمين. السلطان محمد أورنك سلطان الهند زيب عالم كير بن خرم شاه جهان بن جهان كير ابن شاه أكبر ابن أبي النصر محمد همايون بن أبي الفيض روح الدين محمد باكير بن عمر شيخ ابن أبي سعيد باقرابا بن محمد بن محمد شاه ابن مران شاه جهان كير ابن أمير تيمورلنك السلطان المشهور سلطان الهند في عصرنا وأمير المؤمنين وامامهم وركن المسلمين ونظامهم المجاهد في سبيل الله العالم العلامة الصوفي العارف بالله الملك القائم بنصرة الدين الذي أباد الكفار في أرضه وقهرهم وهدم كنائسهم وأضعف شركهم وأيد الاسلام وأعلى في الهند مناره وجعل كلمة الله هي العليا وقام بنصرة الدين وأخذ الجزية من كفار الهند ولم يأخذها منهم ملك قبله لقوتهم وكثرتهم وفتح الفتوحات العظيمة ولم يزل يغزوهم وكلما قصد بلداً سلكها إلى أن نقله الله إلى دار كرامته وهو في الجهاد وصرف أوقاته للقيام بمصالح الدين وخدمة رب العالمين من الصيام والقيام والرياضة التي لا يتيسر بعضها لآحاد الناس فضلاً عنه وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وكان موزعاً لأوقاته فوقت للعبادة ووقت للتدريس ووقت لمصالح العسكر ووقت للشكاة ووقت لقراءة الكتب والأخبار الواردة عليه كل يوم وليلة من مملكته لا يخلط شيئاً بشيء والحاصل إنه كان حسنة من حسنات الزمان ليس له نظير في نظام سلطنته ولا مداني وقد ألفت في سلطنته وحسن سيرته الكتب الطويلة بالفارسية غيرها فمن أرادها فليطلع عليها مولده سنة ثمان وعشرين وألف وجاء تاريخه بالفارسة اقتاب عالم قاب وربى في حجر والده واشتغل بحفظ القرآن من صغره حتى حفظه وجوده واشتغل بالخط حتى كتب الخط المنسوب يضرب بحسنه المثل وكتب مصحفاً بخطه وأرسله للحرم النبوي وهو معروف ثم شرع في تحصيل العلوم حتى حصل منها الكثير الطيب وصار مرجعاً للعلماء وحضرته محط رحال الفضلاء ثم اشتغل بعلوم الطريق وأخذ عن كثير من أهله العارفين بالله حتى حصلت له نفحة من بعض أولياء الله تعالى وبشره بأشياء حصلت له واشتهر ذكره في حياة والده وعظم قدره وولاه والده الأعمال العظيمة فباشرها

стр. 1012

أحسن مباشرة ثم حصل لوالده فالج عطله عن الحركة وكان ولي عهده من بعده أكبر أولاده دار شكراه فبسط يده على البلاد وصار هو المرجع والسلطان معنى فلم ترض نفس المترجم وأخوه مراد بخش بذلك فاتفقا على أن يقبضا عليه ويتولى المملكة منهما مراد بخش فقبضا عليه ثم احتال اورنك زيب على مراد بخش أيضاً وقبض عليه ووضع أخويه في الحبس ثم قتلهما لأمور صدرت منهما زعم انهما استوجبا بها ذلك وحبس والده واشتغل بالمملكة من سنة ثمان وستين وألف وأراد الله بأهل الهند خيراً فإنه رفع المظالم والمكوس وطلع من الأفق الهندي فجره وظهر من البرج التيموري بدره وفلك مجده دائر ونجم سعده سائر وأسر غالب ملوك الهند المشهورين وصارت بلادهم تحت طاعته وجبيت إليه الأموال وأطاعته البلاد والعباد ولم يزل في الاجتهاد في الجهاد ولم يرجع إلى مقر ملكه وسلطنته بعد أن خرج منه وكلما فتح بلاد أشرع في فتح أخرى وعساكره لا يحصون كثرة وعظمة وقونه لا يمكن التعبير عنها بعبارة تؤديها حقها والملك لله وحده وأقام في الهند دولة العلم وبالغ في تعظيم أهله حتى قصده الناس من كل البلاد والحاصل إنه ليس له نظير في عصره في ملوك الاسلام في حسن السيرة والخوف من الله سبحانه والجد في العبادة وأمر علماء بلاده الحنفية أن يجمعوا باسمه فتاوي تجمع جل مذهبهم مما يحتاج إليه من الأحكام الشرعية فجمعت في مجلدات وسماها بالفتاوي العالم كيرية واشتهرت في الأقطار الحجازية والمصرية والشامية والرومية وعم النفع بها وصارت مرجعاً للمفتين ولم يزل على ذلك حتى توفي بالركن في شهر ذي القعدة الحرام سنة ثماني عشرة ومائة وألف ونقل إلى تربة آبائه وأجداده وأقام في الملك خمسين سنة رحمه الله تعالى. السيد محمد المرادي ابن السيد مراد بن علي المعروف بالمرادي الحسيني النقشبندي الحنفي البخاري الأصل الدمشقي تقدم ذكر ولده إبراهيم وعلي ووالده وهذا هو جدي والد والدي الأستاذ العارف العلامة كان من أجلاء العارفين المرشدين ومن العلماء العاملين فاضلاً صوفياً مرشداً مسلكاً نبيهاً ورعاً متعبداً متهجداً ساكناً وقوراً حسن الأخلاق صاحب عفة وديانة لطيف الصحبة رقيق الطبع حميد الأفعال مواظباً على العبادات رافضاً للدنيا جانحاً للأخرى لم يلتفت إلى الدنيا ولا إلى زخارفها له فضيلة في العلوم والمعارف مع حفظ الألسن الثلاثة العربية والفارسية والتركية وله في حل كلام القوم اليد الطولى والمعرفة التامة وبالجملة فقد كان من أجلاء علماء الظاهر والباطن ولد المترجم بقسطنطينية لكون

стр. 1013

والده كان إذ ذاك ثمت وذلك في سنة أربع وتسعين وألف ونشأ في حجر والده وأخذ عنه الطريق وتتلمذ له وغمرته نفحاته وبركاته ودعواته وتنبل وتفوق وقرأ على غيره وعلى الشيخ عبد الرحيم الكابلي الأوزبكي تلميذ والده وعلى الشيخ عبد الرحمن المجلد الدمشقي والأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي قرأ عيه الفتوحات المكية وظهرت شمس الفضائل من سمائه وبزغ بدر المعارف والعوارف من فلك فضائله وسنائه وبرع في العلوم معقولاً ومنقولاً خصوصاً في التصوف والمعارف الألهية ولم يزل في ظل والده الظليل قائلاً إلى أن انتقل بالوفاة إلى رحمة مولاه كما ذكرناه في ترجمته وكان الجد المترجم حينئذ بدمشق فلما جاء الخبر ارتحل قاصداً الروم ففي أثناء الطريق حصلت له نفحة الهية ومنحة ربانية فبعد عوده لدمشق ترك الدنيا وترك العقارات وجميع ما كان يتعاطاه وسلم ذلك لأتباعه من مالكانات وقرى ومزارع وعقارات وغيرها حتى تجنب مس الدراهم والدنانير بيده فلم يعهدانه أمسكها واشتغل بالعبادة ولبس خشن الأثواب وتتوج بتاج الفقراء والدراويش إلى أن مات وخلع ثياب الدنيا وتسربل بحلل العرفان والارشاد واستقام يفيد واستمر على ذلك مدة تزيد على أربعين سنة واشتهر في البلاد وعم ذكره الأغوار والأنجاد خصوصاً في الديار الرومية والمواطن الشامية وتتلمذ له خلق كثيرون لا يحصون عدداً وأخذوا عنه طريق السادة النقشبندية الذي هو طريقنا وحج إلى بيت الله الحرام وزيارة النبي ﵊ مراراً وارتحل للقدس والخليل ووصل إلى مراتب الهداية وغرف من بحر الولاية وتولى قضاء المدينة المنورة باعتبار الرتبة وله رسائل في العلوم وتعليقات وكان السلطان محمود خان عليه الرحمة والرضوان أرسل يطلبه من اسلامبول في سنة خمس وستين ومائة وألف فارتحل إليها ولم يزل من حين خروجه من دمشق إلى حين دخوله إليها محترماً في كل بلدة وكلهم يأخذون عنه الطريق ويتبركون به إلى أن وصلها فقابله السلطان المذكور بوافر الانعام ومزيد الاحترام واجتمع به مرات وأعطاه الأوامر السلطانية المتوجة بخطه الشريف في مصالح الجد وصار له اعتبار تام من رجال الدولة وأركانها ثم أذن له بالحج بدلاً عن السلطان المذكور فحج بدلاً عنه في تلك السنة ثم عاد بعد عوده بأمر سلطاني إلى اسلامبول ونزل بالمكان الذي هيئ له من طرف الدولة كالمرة الأولى واجتمع به ثانياً وكان في خدمته في المرة الثانية والدي وأخي وابن ابن عم والدي ثم لم تطل مدة السلطان محمود وجلس على سرير السلطنة السلطان عثمان أخوه فكذلك قابل المترجم بغاية التعظيم والتوقير ثم قصد الجد الديار الشامية وتوجه للأوطان واستقام إلى أن مات وكانت وفاته في صفر سنة تسع وستين ومائة وألف ودفن بدارنا الكائنة بمحلة سوق صاروجا وكان له جنازة حافلة عظيمة ورثى بالقصائد الغر فمن

стр. 1014

ذلك ما أنشده الشيخ شاكر بن مصطفى العمري بقوله حتى الرثاء وقل بذل الأنفس ... بفداء ذا القطب الأجل الأنفس فبفقده صدع الردى شمل العلا ... ورنت لنا الدنيا بوجه معبس هذا المصاب فما المصاب فيومه ... لبس الضياء به حداد الحندس ومرائر شقت وفاضت أعين ... بشؤنها وتصدع القلب القسي يا دهر ويحك فاتئد بقلوبنا ... أكذا فعالك بالكرام الكيس وهي طويلة جداً ورثاه كثير من الأدباء رحمه الله تعالى وأموات المسلمين. محمد الحبال ابن محمود بن إبراهيم بن عمر المعروف بابن الحبال الشافعي الأشعري المزي الأصل الدمشقي الشيخ المحقق العالم العامل الفرد المفسر الأصولي اشتغل بطلب العلم على جماعة من العلماء كالشيخ إسمعيل الحائك المفتي والشيخ عبد القادر العمري بن عبد الهادي والشيخ إبراهيم الفتال وغيرهم وحضر دروس الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي وبرع وتفوق ومهر وصرف عمره في اكتساب العلوم واستفادتها ودرس بالجامع الأموي وفي حجرته داخل مدرسة الكلاسة وانتفع به خلق كثير وترجمه الأمين المحبي في ذيل نفحته وقال في وصفه مد إلى الأفق ساعداً فتناول العيوق قاعداً بهمة لا تقنع بمدار دون الفلك وفكرة تكاد تستخلص نور الشمس إلى الحلك وهو الآن مركز دائرة الانتفاع ولمن سامته في الفضل الانخفاض وله الارتفاع فعذبته على مناكب الجوزاء خافقه وبضاعته لم تزل في سوق الرواج نافقه ومن شعره قوله ولولا ثلاث هنّ همي إذا أمسى ... لما بت مأثوراً نهاري على أمسي فتكميل نفسي بالعلوم ودرسها ... وتهذيبها قبل المسر إلى الرمس وتأميل إيفاء الحقوق لأهلها ... وانقاء ثوب النفس من دنس البخس وزورة خير الخلق أفضل شافع ... لأبرئها من ثقل وزر على النفس أفاض عليه كل يوم تحية ... مدى الدهر ما امتد الشعاع من الشمس وهذه الثلاثيات نظم فيها كثير من المتقدمين والمتأخرين منهم الشيخ عمر القادري الدمشقي فقال لولا ثلاث هنّ أقصى المراد ... ما اخترت أن أبقى بدار النفاد تهذيب نفسي بالعوم التي ... بها لقد نلت جميع المراد وطاعة أرجو باخلاصها ... نوراً به تشرق أرض الفؤاد

стр. 1015

كذاك عرفان الآله الذي ... لأجله كان وجود العباد فاسئل الرحمن بالمصطفى ... وآله التوفيق فهو الجواد ومنهم ابن صابر القيسي فقال لولا ثلاث هن والله من ... أكبر آمالي من الدنيا حج لبيت الله أرجو به ... أن يقبل النية والسعيا والعلم تحصيلاً ونشراً إذا ... رويت أو سعت الورى رأيا ما كنت أخشى الموت أنى أتى ... بل لم أكن ألتذ بالمحيا وبالجملة فإن المترجم كان من أجلاء العلماء المشاهير وكانت وفاته تاسع عشر ربيع الأول سنة خمس وأربعين ومائة وألف رحمه الله تعالى. محمد طبيعة الدمشقي ابن يس بن مصطفى المعروف بطبيعة الحنفي البقاعي الأصل الدمشقي كان والده من أفاضل فقهاء الحنفية سيما بالفرائض وسائر العلوم وكان يخالط الكبراء والأعيان ويتردد إليهم والجميع يستلذون بمصاحبته وعشرته وهو مشهور بالنكات والأجوبة وله شعر لطيف منه قوله في عذار ألا بروحي غزال أنس ... له فؤاد الشجي كناس بدر بوجه بدا كبدر ... علاه من عنبر نواس زها بخد حكته شمس ... وعنبر السالفين كاس فحين أضحى به ثمولي ... وصار في عقلي اختلاس أشار نحول وقال قولاً ... صغى له الفكر والحواس بما تؤرخه يا نديمي ... فقلت ورد عليه آس ١١٢١ ١٢٥ ٦١٠ ٢١٠ ١١٥ - ٦١ وقوله نظر الحب لي فسألت دموعي ... من غرامي به ونيران فقدي ما هو الدمع إنما نصل سهم ... منه قد ذاب في حرارة وجدي ومن ذلك قول المولى خليل الصديقي مذ أقصد الحب قلبي ... بسهم تلك الجفون أذابه الشوق حتى ... ألقته دمعا عيوني وقال الشيخ سعدي العمري

стр. 1016

رنا فأودع قلبي ... سهم الآسى والمنون فذاب من حر شوقي ... فقطرته جفوني ومن شعر المترجم في المجون ما كتبه لبعض أحبابه مهنئاً له بزفاف وهو قوله قيمت لك الأفراح في كانون ... إذ كنت بالأسخان كالكانون أوصيك عبد المحسن التقوى فلا ... تأتي إليها من ورا الطاحون قد كنت ترغب بالحرام وطالما ... جئت البيوت بأظهر وبطون أصبحت ترغب في الحلال تكلفاً ... ورجعت منه بصفقة المغبون وأقمت في شق العجوز مخيماً ... والناس راجعة على ذنون فأسلم ودم بالكسكسون منعماً ... تحشى النقانق في حشا خاتون وكان المترجم ذهب إلى الروم وأوصى صاحباً له يقال له الشيخ عبد الوهاب السؤالاتي في باب الجامع الأموي وقال له مهما وقع من الوظائف محلولات اكتب لي عنها حتى أتخذها لمعاشي فصار الشيخ عبد الوهاب يكتب له الحمد لله الأسعار رخيصة وسعر اللحم كذا والخبز كذا واللبن كذا والحمص والعدس وما شابهها ولا يتعرض إلى شيء مما أوصاه به فضجر منه فكتب له هذين البيتين في ضمن كتاب أرسله له وهما قوله فأما أن تكون أخي بصدق ... فأعرف منك غثى من ثميني وإلا فأطرحني وأتخذني ... عدوّاً أتقيك وتتقيني وبالجملة فقد كان نزهة النفوس وكانت وفاته سنة خمس وأربعين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى. محمد النهالي ابن يوسف المعروف بالنهالي الحنفي الرهاوي الأصل الحلبي المولد نزيل قسطنطينية الأديب الألمعي الفاضل الكامل قرأ على أفاضل بلدته وكان مكباً على تحصيل الفضائل والكمالات وأقام مدة بالمدرسة الحلاوية وصار له غاية الاكرام من الوزير محمد باشا الراغب وكان المترجم أديباً شاعراً فمن شعره قوله يا راكب اللهو قصر ... عنان خيل التصابي يداك لم تقو حبس ... اللجام بعد الشباب وله كنت في غفلة من العشق لما ... أيقظتني نواعس الأجفان كشفت عن مجاز عيني غطاها ... فأرتها حقائق الأكوان

стр. 1017

وله مشطراً أبيات الشهاب الخفاجي في الأبوين الكريمين لوالدي طه مقام علا ... فوق علا الناس بلا ارتياب بوأهما الرحمن من فضله ... في جنة الخلد ودار الثواب فقطرة من فضلات له ... تبرئ أسقام فؤاد مصاب ما دخلت جوفاً إلا غدت ... في الجوف تشفي من أليم العقاب فكيف أرحام به قد غدت ... تؤمل الخير وحسن المآب حاشي لأرحام له أصبحت ... حامله تصلي بنار العذاب وشطرهما معاصره الشيخ أحمد الوراق الحلبي بقول لوالدي طه مقام علا ... على العلا لما غدا مستطاب مقدّس رحب منير الفضا ... في جنة الخلد ودار النواب فقطرة من فضلات له ... دواء ذي الداء بلا ارتياب وصح في الأخبار عن كونها ... في الجوف تشفي من أليم العقاب فكيف أرحام به قد غدت ... بنوره مملوءة أن تخاب أم كيف أرحام به انثنت ... حاملة تصلي بنار العذاب وحين سافر إلى اسلامبول تلميذه الفاضل السميدع السيد مصطفى الحلبي الكوراني اجتمع بالمترجم شيخه ثم ابتدر كل منهما لتضمين البيت المشهور وهو إن الملوك إذا أبوابها غلقت ... لا تيأسنّ فباب الله مفتوح فقال المترجم قلب بسهم أليم الهجر مقروح ... ومقلة دمعها بالبين مسفوح فقال الكوراني وخاطر في يد إلا هو أعلى خطر ... من الأماني له باليأس تلقيح فقال المترجم ولاعج مضرم لولا التوكف من ... دموعه ولعت فيه التباريح فقال الكوراني موزع البال مطويّ الضلوع على ... فرط الآسى جسد ليست به روح فقال المترجم حليف كرب رهين الاغتراب شج ... به عقود هموم الدهر توشيح فقال الكوراني به أحاديث أشجان يردّدها ... لها من الغم تعديل وتجريح

стр. 1018

فقال المترجم له عتاب على الحظ المسوّد إذ ... خابت مقاصده والقلب مجروح فقال الكوراني وكلما نابه خطب الزمان غدا ... بساحة الياس صبراً وهو مطروح فقال المترجم مستوثق العزم من بيت أقيم به ... للعذر متن بنصح القول مشروح البيت القديم إن الملوك إذا أبوابها غلقت ... لا تيأسن فباب الله مفتوح وكانت وفاة المترجم في سنة خمس وثمانين ومائة وألف رحمه الله تعالى. محمد الأسبيري ابن يوسف بن يعقوب بن علي بن محسن بن شيخ اسكندر الغزالي الحلبي الشهير بالأسبيري مفتي حلب الشيخ الفاضل الفقيه الأوحد البارع الصالح العالم الكامل ولد بعينتاب سنة ثلاث وثلاثين ومائة وألف وقرأ القرآن العظيم والصرف والنحو والمنطق على ابن خال والده مصطفى أفندي وعلى الشيخ الياس المرعشي ثم سافر إلى كليس فقرأ المنطق على علي أفندي نجي زاده تلميذ تاتار أفندي المشهور وعلى شريكه صالح وأخذ أيضاً شرح مختصر المنتهى لأبن الحاجب عن شيخي زاده وقدم حلب ولازم بها محموداً أفندي الأنطاكي وقرأ على ابن عمه محمد أفندي أيضاً وأخذ بعينتاب أيضاً عن عبد الرحمن أفندي الخاكي وأجازه اجازة عامة سنة تسع وخمسين ثم دار البلاد وقرأ على مشايخ يطول ذكر أسمائهم ثم دخل اسلامبول وصار بينه وبين نفير حبر الروم مباحثات ثم رجع إلى حلب وتوطنها ودرس بمدرسة الرضائية وأخذ عنه جماعة كثيرون وله من التآليف شرح على ايساغوجي سماه الفوائد الأسبيرية على الرسالة الأثيرية وقرظه بعض تلامذته بقوله لعمرك ما در بنظم القلائد ... بأحسن مما في كتاب الفوائد كتاب جلت حجب الظلام طروسه ... بلؤلؤ لفظ مثل سلك الفرائد أزاح عن الغيد الحسان نقابها ... فواصلنا من بعد طول التباعد ولا غرو إذ تأليفه منتم إلى ... محمد أوصاف كريم موالد سلوا مشكلات العلم عنه فإنها ... لأدري بهذا الحبر من كل واحد إليه انتساب المكرمات حقيقة ... يلوح عليها نوره كالفراقد وهنوا أثير الدين حين تشرفت ... رسالته الغراء ذات القواعد

стр. 1019

بشرح الامام الاسبري الذي حوى ... خصال كمال أوجبت لمحامد فلا زال ماوي العلم والحلم والتقى ... مدى الدهر ما لاح الصباح لماجد وله من التآليف أيضاً شرح على مغنى الأصول المسمى بالمستغنى لكنه لم يكمل وشرح على أوائل المنار سماه بدائع الأفكار وكتاب مناسك بالتركي سماه تحفة الناسك فيما هو الأهم من المناسك وله رسائل عديدة منها رسالة في مسئلة الجزء الاختياري ورسالة في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ورسالة في بيان معنى كلمة التوحيد ورسالة في نجاة الوالدين المكرمين لسيد البشر ﷺ وله تعليقات على بعض المواضع المغلقة في تفسير الكشاف والبيضاوي ولخص الفتاوي الخيرية وحاشية على شرح المنظومة المحبية للشيخ عبد الغني النابلسي مسماة بالخلاصتين وأهدى منه نسخة لشيخ الاسلام مفتي الروم محمد شريف أفندي فتلقاه بالقبول وأرسل له إفتاء حلب من غير طلب ثم وجه له المدرسة الشعبانية ثم المدرسة الكلتاوية وأخذ عنه جماعة من علماء حلب وغيرهم منهم السيد محمد المقيد والشيخ إبراهيم المكتبي والسيد عر وكان معيداً في درسه الاشباه والنظائر الفقهية ووكيله في المدرسة الخسروية والشيخ يوسف النابلسي الشهير بابن الحلال وكيله في مدرسة الشعبانية والسيد محمد صادق بن صالح البانقوسي وبيض له حاشية عمدة الحكام وامتدحه في آخره بأبيات منها قوله كتبتها وشرحها كاملة ... برسم حبر فاضل علام مهذب الدين غزير العلم ... والنقد طود راسخ الاقدام وألمعي السبر والتنقير بل ... في كل فن أحد الأعلام شيخ الشيوخ واحد الدهر الذي ... من حقه مشيخة الاسلام محمد المولى الكريم الاسبريّ ... المجد غصن دوحة الكرام فدا لك النفس وهذا غاية الت ... قصير من عبد من الخدام فاسبل العفو وعامل كرماً ... وغض إن طاشت سهام الرامي سدا لما اختل من التحريف في الر ... سم واخطأ من الاقلام وابق لها ما بقيت مؤرخاً ... واهنا بشرح عمدة الحكام سنة ١١٨٧ ٦٣ ٥١٠ ٥١٤ ١٠٠ وكان صاحب الترجمة يتولى في ابتداء أمره النيابات في محاكم حلب وكان ينتمي إلى نقيب حلب محمد أفندي طه زاده وأفرده بالترجمة تلميذه الشيخ محمد الموقت وكانت وفاته في شوال سنة أربع وتسعين ومائة وألف محمد البقري

стр. 1020

ابن إسمعيل الملقب بشمس الدين الضرير الأزهري البقري المصري الشافعي شيخ القراء بالجامع الأزهر الإمام العلامة الفقيه المقري قرأ عليه القرآن بالروايات من لا يحصى عددهم منهم المرحوم شيخ الاسلام أبو المواهب الدمشقي واشتهر أنه جاوز المائة عام وكان ملازماً للاقراء والافادة ومات بمصر سنة سبع ومائة وألف وصلى عليه صلاة الغائب رحمه الله تعالى محمد المنير ابن الحسن بن محمد بن أحمد السمنودي الشافعي الأحمدي ثم الخلوتي المصري الشهير بالمنير الشيخ الإمام المحدث المقري الصوفي العارف بالله ولد بسمنود سنة تسع وتسعين وألف وقدم الأزهر وعمره نحو عشرين سنة بعد أن حفظ القرآن العظيم وجمع للسبع والعشر ونظم المنظومة في قراءة ورش وجاور بالأزهر وأخذ عن جملة من العلماء منهم الشمس محمد السجيني وعلي أبو الصفا الشنواني والشمس محمد بن محمد بن شرف الدين الخليلي وأجازه أبو حامد محمد البديري الدمياطي والقطب السيد مصطفى البكري الدمشقي والشمس محمد بن أحمد عقيلة المكي والنجم محمد بن سالم الحفني وعليه انتفع وبه اشتهر وأخذ الناس عنه الحديث والقراآت والفقه طبقة بعد طبقة وألف مؤلفات نافعة منها شرح الطيبة وهو من أجل تآليفه وشرح الدرة ومنظومة في طريقة ورش وشرحها ورسالة في رواية حفص ورسالة في أصول القرآن وله في التصوف تحفة السالكين والآداب السنيه لمريد سلوك طريق السادة الخلوتية وهو شرح على منظومة له في ذلك ومنظومة في علم الفلك وشرحها ورسالة في مساحة القلتين ورسالة في تصريف اسمه تعالى اللطيف وله شرحان على البسملة سمى الأول الهام العزيز الكريم فيما في خبايا معان بسم الله الرحمن الرحيم تكلم فيها على الاسرار الواقعة في البسملة والثاني تكلم فيه على البسملة من حيث ما يتعلق بألفاظها وله شعر رائق يتعلق غالبه بالحقائق وصار شيخ الأزهر وهو أول من انتزع مشيخة الأزهر من المالكية وكانت وفاته عقب صلاة الجمعة حادي عشر رجب سنة تسع وتسعين ومائة وألف ودفن بتربة المجاورين رحمه الله تعالى رحمة واسعة ورحم من مات من أموات المسلمين أجمعين آمين محمد الدقاق المغربي الفاسي المالكي نزيل المدينة المنورة الشيخ الامام العامل الصوفي الوفي المحقق على الاطلاق أبو عبد الله شمس الدين قدم المدينة المنورة من بدلته فاس وأخذ بها عن العلامة عبد الرحمن ابن شيخ الشيوخ عبد القادر الفاسي وعن غيره وصار له الفضل
следующие страницы →