Полный текст (1 167 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
لو تركها غرق في بحار الوحول أو لو تصدق بها للاحتساب وجعلها طعمة للذباب وهزوة للكلاب لكي تستريح من صب صوت العذاب فكم طوينا بها والليل حالك مهامه فسيحة الارجا والمسالك في سعة الصدر الكريم أو قريب من ذلك حتى أشرفنا على البلد المعروف والوطن المألوف فخرج إلى استقبال الداعي كل كبير وصغير ونحن لهم بصدد التوقير إلى أن غصت أفواه الطرق بالناس وأسفرت وجوه المحبين بالاستيناس
فقلت لصاحبي انعم صباحا ... لعمرك قد تعارفت الوجوه
وأوقد في بعض الأسواق الشموع والشمس في الرابعة والدعوات لأولياء النعم متتابعة والتأمين بالارتفاع حتى من ذوات القناع ولا سيما عند وصول الداعي للدار واجتماعه بمن كان له في الأنتظار من أهل وحرم وأتباع وخدم كان أبكاهم ألم الفراق وتجرعوا مرارة كاسه الدهاق فرب قارة في كنها لم تخرج وطفل من وكنه بعد لم يدرج وكان الارجاف بنا أقعدهم عن النهوض ومنع أجفانهم من لذة الغموض وتخلى عنهم كل صديق كان يعد للمضيق
لا تعدن للزمان صديقا ... وأعد الزمان للأصدقاء
وبحمد الله تعالى سهام مطاعن الأعداء علينا طاشت وأباطيل الحساد اضمحلت وتلاشت ومودات من قد كانوا دفنوا المعرفة عاشت ومن غضب من غير شيء كان من غير شيء رضاه فلا بلغ حاسد ما يتمناه وبتوفيق الله تعالى قد بذل الداعي ما في طوق الامكان من إكرام كافة الاخوان ولم يبدلا حد منهم صفحة انكار ولا أحوجه إلى مضض الاعتذار
على أنني أقضي الحقوق بطاقتي ... وأبلغ في رعى الذمام لهم جهدي
وما مثل الداعي ومثل من دبت إليه منهم عقارب النميمة ورموه عن قوس الزور والبهتان بكل عظيمة إلا كما قيل
كل يوم يقول لي لك ذنب ... يتجنى ولا يرى ذاك منى
فانا الدهر في اعتذار إليه ... وإذا ما رضى فليس يهنى
ربما جئته لاسلفه العذ ... ر لبعض الذنوب قبل التجني
على أن الأكثر فيما تقولوه وازهقه الله فبطل كما قيل في المثل مكره أخاك لا بطل
ورب اشارة عدت كلاماً ... ولفظ لا يعد من الكلام
ونثار المترجم من جزيل وأشعاره كثيرة وكأنت وفاته في ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف ودفن بتربة الباب الصغير رحمه الله تعالى وبنو كيوان بدمشق طائفة
стр. 107
خرج منها امرآء واعيان اجناد ونسبتهم إلى كيوان ابن عبد الله احد كبراء اجناد الشام كان في الاصل مملوكاً لرضوان باشا نائب غرة ثم صار من الجند الشامي وصدر منهم بغي وتطأول في الظلم جداً وكان قتله في صبيحة يوم الخميس الثالث والعشرين من محرم سنة ثلاث وثلاثين والف ودفن عند باب دمشق من ابواب بعلبك وارخ وفاته شيخ الادب بدمشق الاديب ابو بكر الغمري بقوله
ولما طغى كيوان في الشام واعتدى ... وارجف اهليها وللظلم فصلا
فقلت لهم قرّوا عيواناً وارخوا ... ففي بعلبك قتل كيوان اصلا
وله ترجمة طويلة في تاريخ الاعين المحبي الدمشقي والله سبحانه اعلم
أحمد الدمشقي
أحمد بن حسين بن جمال الدين الدمشقي ثم القسطنطيني كان والده المزبور من اهالي دمشق وارتحل إلى قسطنطينية دار الملك وسلك بها طريق الموالي والمدرسين وتنقل بالمدارس إلى ان وصل إلى مدرسة قاسم باشا برتبة التمشلي وصار عند شيخ الاسلام مفتي التخت العثماني المولى على مفتش الأوقاف ومرح في خدمته وتوفي في جمادي الأولى سنة مائة والف وكان مشهوراً بالمعارف العلمية وولده صاحب الترجمة بعد سن التمييز اشتغل بتحصيل المعارف وفن الآداب وكان ممدوح الاطوار والحركات مشتغلاً بكسب العلوم والكمال ثم في سنة سبع وتسعين والف اعطى ملازمة الطريق من المولى محمد الانقروي وعزل عن مدرسة باربعين عثماني ففي سنة خمسة عشر ومائة والف في شوال اعطى رتبة الخارج مكان المولى يحيى زاده المولى عبد الله بمدرسة حاج حمزة وامتاز بين الاقران ولما تولى المولى حسين الطيار قضاء مكة المكرمة وكان المذكور مصاهرة توجه بخدمته فلما كانوا في الطريق على جهة مصر القاهرة بقرب اسكندرية غرقوا جميعاً بالبحر وذلك في شعبان سنة سبعة عشرة ومائة والف رحمهم الله تعالى
أحمد بك دست
أحمد بن خليل المعروف بيكدست الحنفي النقشبندي الجورياني نزيل مكة المكرمة الشيخ الاستاذ العارف الكامل العمده كان من مشاهير الأجلة والشيوخ الاخيار تلمذ للاستاذ الكبير محمد معصوم بن أحمد الفاروقي السرهندي واخذ عنه الطريقة النقشبندية وسلك على يديه وعمته نفحاته وروته رشحاته وفاض عليه صيب امداده
стр. 108
وبركته فاثمر وأورق واينع وطاب للواردين روضه ودفق بالارشاد حوضه وقدم مكة المكرمة واستقام بها مدة سنين واشتهر وفاق واخذ عنه الطريقة المذكورة اناس كثيرون وكان هو والجد الاستاذ محمد مراد بن علي البخاري قدس سرهما رفيقين التلمذه على الاستاذ محمد معصوم الفاروقي المذكور واعطاهما القبول واشتهر امرهما ظهرت لهما الكرامات واحوال العجيبة وعقدت على ولايتهما خناصر الاتفاق ومدهما الله بمدد وعونه وكأنت وفاة المترجم بمكة المكرمة سنة تسع عشر ومائة والف والجورياني بضم الجيم وكسر الراء ثم مثناة تحتية والف ونون وياء نسبة إلى جوريان وبكدست لفظة مركبة بالفارسية من كلمتين الأولى بك بمعنى واحد والثانية دست بمعنى اليد أي ذو يد واحدة لان الاستاذ المترجم كان عاطل اليد الواحدة فلذا اشتهر بيكدست رحمه الله تعالى
أحمد بن رمضان
أحمد بن رمضان الملقب بوفقي على طريقة شعراء الفرس والروم الحنفي القسطنطيني الاسكداري احد الادباء المشهورين والشعراء البارعين باللغة التركية تزوج اخت الشيخ عيسى شيخ زأوية درغمان التي بالقرب من جامع سلطان سليم خان بقسطنطينية واخذ عنه الطريقة الجلوتية بالجيم وأخذ الخط عن حسين الكاتب المشهور ومهر باتقانه واجاد فنونه وصار واعظاً في جامع الوزير علي باشا الحورللي وله أشعار كثيرة جميعها باللغة التركية وكان مشهوراً بجودة الخط واجادة الشعر وكأنت وفاته سنة احدى وخمسين ومائة والف ودفن في خارج قسطنطينية في تربة قاسم باشا المشهورة رحمه الله تعالى
أحمد بن النقطه
أحمد بن محمد بن يحيى المعروف بابن النقطة وبابن المغرفة مقاطع جي الخزينة وكاتبها كان من أرباب التوريق وله وقف على ذريته توفي ليلة الخميس ثاني ربيع الأول سنة ثمان عشرة ومائة والف عن اثنين وخمسين سنة
أحمد بن سراج
أحمد الشهير بابن سراج الدمشقي أحد مجاذيب دمشق الولي المجمع على ولايته ترجمه الاستاذ السيد مصطفى البكري في رسالة ترجم بها من لقيه من الأولياء بدمشق وقال في وصفه أظن أصله من نواحي صفد أو نابلس واقام بجامع السقيفه
стр. 109
نحو ثمان سنين وحروف شهرته مطموسة ثم أنتقل إلى مدرستنا واقام بها مدة خافي الحال إلى ان أذن له بالظهور الكبير المتعال ولقد ذكره الشيخ أحمد الكستي الحلبي الامجد في رسالة شرح بها تطهر بماء الغيب ان كنت ذا سر وقال فيها عند قول الاكبري وقدم اماماً كنت أنت امامه ورد علي مجذوب كردي فسألته عن معنى الامامة فتكلم في معناها بكلام لم أره في كتب خاتم الولاية المحمدية فاخبرني الاخ الشيخ مصطفى بن عمرو ان الشيخ أحمد اخبره قال كان عندي الشيخ أحمد المجذوب وقال لي ما عاينت من مر علي قال فسألته من مر قال أكثر من مائتي رجل من رجال الغيب قال الشيخ أحمد وصدقته فاني أدركت أشباحاً مرت وحكى لي عنه أيضاً قال بينما الشيخ أحمد في البيت والباب مغلق عليه كعادته وقد طبخ له مملوكه الطباخ أوزتين وإذا بالشيخ أحمد لمجذوب داخل عليه وطلب ما يأكله فاني له بأوزة فقال ابن الثانية فقال له كل هذه فإذا أتممتها فإني لك بالاخرى فاخرج من جيبه موسى وقال اشق بطن هذه أو بطنك فقال له وأنا عندي سيف واشار به إلى سيف هنالك وكان مملوكه حسن ذهب إلى السوق ليشتري له حاجة فرآه مجذوب فقال له ان شيخك دخل عليه رجل من رجال الشام يمتحنه فخذ لي ما آكل وانا احميه منه فاشترى له ذلك ورجع فرأى الشيخ أحمد يتحأور مع سيده وهممت مرة على مشأوريه في الذهاب إلى حلب فقلت له مرادي اشأورك على أمر فشره علي والمستشار لا يكون خواناً فقال قف حتى أشأورك أنا أولاً فقلت قل فقال مرادي اذهب إلى حلب فكيف تقول فعلمت انه يحكي على لساني فقلت له أنا أذهب بالنيابة عنك فلوص على هناك جماعتك وجاءني قبل ان اعرفه على الحج وقال لي يا مصطفى كيف تقول مرادهم يرسلوني الآن غفيراً في الحج ففهمت اشارته وقلت له انا اذهب نائباً عنك ثم جاء وانشدني ولو قيدوا المشتاق بقيد بن ماهدا فتحرك مني العزم وسهل الله تعالى بالحج ذلك العام وكنت ليلة الاثنين اعمل ذكراً في المدرسة واناديه أحياناً بباطني فمتى ناديته جاء وإذا غفلت عن مناداته لم يأت فعاتبته مرة فقال انك لم تناد علي فقلت له أنت كل ليلة تحتاج من يناديك فقال كل انسان يعطي حقه وخرجت إلى خلوته مرة فرأيته يكتب في كتاب الفه فقلت له ما هذا الكتاب فقال تراجم اهل الوقت فقلت له ما الذي ترجمتني فيه فقال قلت مصطفى من الامراء فقلت هذا فقط فقال يكفي واخبرني الاخ الشيخ مصطفى قال اتيت مرة اليك فلم القك وكان واقفاً عند الايوان فسلمت عليه فقال لي أنت ما تأتي الا إلى ابن البكري لم تأتي إلي ولا مرة فقلت له أنت مكانك مرتفع وانا عاجز فقال
стр. 110
اخرج إلى الحلوة اضيفك قال فلم تسعني مخالفته فخرجت معه وخفت من رائحة النتن ان تؤذيني لصغر الحلوة فعلق غليونه وصار يحكي معي لكن لم اشم رائحة النتن ولم يأت إلى جهتي منه شيء فعلمت انها كرامة له قال وسألته هل يأتي اليك الخضر ﵊ قال نعم وأي فائدة فانه ينطق حنكاً ويذهب قلت قوله ينطق حنكاً أي يفيد علوماً لم تكن عندنا لان الخضر ﵊ ما اجتمع بأحد إلا وأفاده علماً لم يكن عنده وقوله أي فائدة اعظم من هذه وقصد التعمية بهذا الكلام وقدم وأخر لأنه من الملأ متيت الكرام وأخبرني ابن الخالة المرحوم السيد عبد الرحمن السرميني في مرض موته انه دخل عليه الخلوة قبل ان يمرض بأيام قليلة فقال له يا عبد الرحمن لنا رجل اسمه عبد الرحمن رايح يموت قال فلما سمعت عبارته هبط قلبي وانا أخشى ان يكون اشار الي ففسحت له في الأجل وقلت له ما بقي في الدنيا عبد الرحمن إلا أنت قال وكنت إذا توعكت أرسلت خلفه فيأتي من غير مهلة والآن ارسلت خلفه مراراً فلم يأت فقلت له هؤلاء ارباب الاحوال كل ساعة في طور وسليته بما أمكن وكان ما اشار به إليه ودخل على الخلوة التي في ايوان البادرائية الكبير وكنت اطالع في كتاب فلم احفل به كعادتي فقال لي انا لا أواخذك لكن لا تفعل هذا مع غيري فقلت جزاك الله خيراً وأوصاني ان لا أجلس بدون سروال وطلب من العم الحاج إبراهيم بن أحمد ابن الطويل كان الله له مرة في عتبه الخلوة
مصرية فدفعها إليه فطلب اخرى فدفعها ثم طلب منه اخرى فتوقف عن الدفع فقال له أنت تعطي صدقة عنك هات حقنا فرأيته تنبه وبادر إلى اعطائه وعدله خمساً أخر فأخذها ومضى فسألته عن ذلك فقال قد تذرت وأنا في البحر لاصحاب النوبة سبع مصريات ونسيت النذر فلما طلب مني أولاً وثانياً وثالثاً وذكرتي تذكرت وتحققت انه فهم ووقع له مع رجل مصري يقال له الشيخ عمر واقعة وآخر يقال له السيد مصطفى الدباغ فسلب الأول ولم يلبث ان مات الثاني واشهرت قصتهما واعتقدت الناس فيه وكنت ارسلت له مع الوالد القلبي الشيخ إسماعيل الحرستاني المرحوم من البيت المقدس كتاباً وصدرته بقصيدة مطلعهاصرية فدفعها إليه فطلب اخرى فدفعها ثم طلب منه اخرى فتوقف عن الدفع فقال له أنت تعطي صدقة عنك هات حقنا فرأيته تنبه وبادر إلى اعطائه وعدله خمساً أخر فأخذها ومضى فسألته عن ذلك فقال قد تذرت وأنا في البحر لاصحاب النوبة سبع مصريات ونسيت النذر فلما طلب مني أولاً وثانياً وثالثاً وذكرتي تذكرت وتحققت انه فهم ووقع له مع رجل مصري يقال له الشيخ عمر واقعة وآخر يقال له السيد مصطفى الدباغ فسلب الأول ولم يلبث ان مات الثاني واشهرت قصتهما واعتقدت الناس فيه وكنت ارسلت له مع الوالد القلبي الشيخ إسماعيل الحرستاني المرحوم من البيت المقدس كتاباً وصدرته بقصيدة مطلعها
يا نفس في وحب من تهوينه طيبي ... واستشقى عرفه الزاكي على الطيب
وسر اهل الهوى ضنى بذاك ولو ... ضنى فنيت لتحظى بالاعاجيب
وفي المنى هيمي وجدا من محبته ... وعنك حال تجليه به غيبي
وان بدالك منى في السرا ملل ... لومي علي وفي التقصير لي عيبي
وحافظي عند ارباب اللسان على ... حفظ اللسان وقومي في المحاريب
стр. 111
ولازمي عند ارباب القلوب على ... صون القلوب فهم صقل المخاليب
وحاذري فعل اهل الحان تعترضي ... وسلمي كل احوال المجاذيب
وصدقي ما يقول السائرون به ... في حال كشفهم من غير تكذيب
قوم بأرواحهم جادوا وما بخلوا ... وجدهم بين ترغيب وترهيب
وقلبهم فوق نار الشوق قد وضعوا ... ولم يمل لسلو عند تقليب
قد هذبوا انفساً منهم مجاهدة ... واضعفوها بتفحيص وتنقيب
وكابدوها إلى ان ضاع نشر ندى ... فضاع عقلهم عن وصف تدريب
عليهم ابدا ما لاح نجم هدى ... سلام لعب بهم راج لتقريب
ما اشتاق نحوهم من ذاق محوهم ... أو ما شجتني اسرار المناهيب
وما شدا مصطفى البكري ملتهفا ... في النصح يلي بانواع الاساليب
قال الوالد المرحوم صب الله على جدثه مياه الغيوم فلما اسمعتها له قال ابن عرب وقال لي مرة يا مصطفى مرادهم يعملوني قاضي فقلت أي شيء تفعل بالقضاء فقال انا مرادي افرغ لك عنه فقلت أنت ما لقيت تعملني الاقاضيا فقال هذا أمر مليح فتحادثت معه كثيراً فقال يا مصطفى راسين في مكان فقلت له انا تنزلت لك عن الرياسة فقال لا نحن نقسم المدرسة قسمين النصف الذي من جانبك لك والذي من جانبي لي فقلت له وهكذا يكون ﵁ وله حال غريب ومقال عجيب يحكي حكايات عن بعض اناس وبلاد ويضحك لحكيه فيملا بالسرور الفؤاد يدعي بالملكيه لكل ما استحسن وشاهد من باب مشاهدة لله ما في السموات وما في الارض ومما سمعت عنه انه قال نحن لا نفيد قارياً ولا ولد قاري أي نحن معاشر الملامية من شرطنا ان لا نفيد عالماً عارفاً ولا ولده بل نفيد من ليس عنده علم ولا خبر ولا له رسم في هذه الدائرة ولا أثر قال وكان قد أكل بطيخاً ومن أكل البطيخ ولم يغسل لحينه فقد أساء اليها وسمعته يقول من لا يشأورك لا تهنيه بالسلامة وقد رأيته مع جماعة في المنام وانا متوجه في البحر إلى يافا من دمياط ذات الثغر البسام وعلمت انهم ارباب المقام ورأيتهم يتشأورون في امر منهم عشرة ومنهم من يقول سبعة فرأيته قام على قدميه وفتح اصابع يده وقال خمسة فاستفقت وكأنت الرؤيا يوم دخولي السفينة فخشيت ان يكون أشار لايام الاقامة فيها وإذا الامر كما خطر لي سقاه الله من خمرة القرب صافيها وغاينت له غير ما ذكرت ولكن لما قصدت الاختصار على ما قدمت اقتصرت وقد بلغتني وفاته وانا بالبصرة وانها كأنت بدمشق في ربيع الأول سنة تسع وثلاثين ومائة والف رحمه الله تعالى.
стр. 112
أحمد المحاسني
أحمد بن سليمان بن إسماعيل بن تاج الدين بن أحمد الحنفي الدمشقي التميمي الشهير كأسلافه بالمحاسني الشيخ الفاضل العالم الكامل الأوحد البارع الفقيه المفتن المؤرخ ابو العباس شهاب الدين أحد رؤساء دمشق واعيانها واصلائها ولد ليلة الثلاثاء التاسع محرم افتتاح سنة خمس وتسعين وألف ونشأ في حجر والده وتلا القرآن العظيم واخذ عن جملة من أعيان علماء دمشق كالاستاذ الشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي والشهاب أحمد بن عبد الكريم الغزي العامري والشمس محمد بن علي الكاملي والشمس محمد بن أحمد عقيلة المكي وغيرهم وولي خطابة جامع الاموي وتدريس المدرستين الامينية بدمشق والباسطية بصالحيتها وصارت له الاعتبارات المتعارفة بين الموالي وجمع مجاميع حسنة في الفقه والادب وكتب الكثير بخطه وكان حريصاً على الفوائد العلمية وكأنت وفاته في سابع ذي الحجة سنة ست وأربعين ومائة والف ودفن بتربة الباب الصغير.
أحمد بن سوار
أحمد بن شمس الدين بن زين الدين بن عبد القادر الشافعي الدمشقي المعروف كأسلافه بابن سوار شيخ المحيا بدمشق كان عالماً فاضلاً محققاً ورعا عاملاً زاهداً متبحراً في الفنون كلها معقولاً ومنقولاً لا سيما الحكمة والكلام وله قدم راسخ في الحديث وتوابعه مع حسن الاخلاق ولطف المعاشرة والاحسان إلى فقراء طريقه وطرح التكليف ولد بدمشق في سنة ثمانين بعد الالف وبها نشأ واشتغل بطلب العلم على جماعة منهم الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي والشيخ محمد الكاملي والشيخ ابو المواهب الحنبلي والشيخ الزاهد الملا الياس الكردي نزيل دمشق والشيخ يونس المصري المدرس تحت قبة النسر بالحديث والشيخ عثمان القطان والشيخ محمد المالكي والشيخ إسماعيل الحائك المفتي الحنفي والشيخ السيد عبد الباقي مغيزل والشيخ عبد الرحمن المجلد والملا عبد الرحيم الكابلي نزيل دمشق والشيخ محمد عقيلة المكي وغيرهم وحصل واحتسى كؤس الفضل واغتذى من لبان التحقيق حتى أشير إليه بالبنان فدرس في القبة الباعونية الكائنة داخل الجامع الاموي بالخارج ويحضره جماعة وفي محلته قبر عاتكة مشتغلاً بافادة العلوم والعبادة ولما توفي قريبه العلامة الولي الصالح الشيخ مصطفى اراد ان يصير مكانه شيخاً في عمل المحيا فلم تصر له المشيخة وصارت لأولاد قريبه المذكور فصار يجعل ذكراً وحده ووقع بينهما الخصام التام ثم بعد ذلك حصل
стр. 113
اتفاق بينه وبين قريبه على ان كلاً منهما يعمل ليلة في مشهد المحيا داخل الجامع الاموي والاخرى في جامع البزوري خارج دمشق كما هم عليه الآن ولما صارت الزلزلة العظمى في دمشق ونواحها في سنة وفاته صاموا الناس ثلاثة ايام ودعوا وابتهلوا إلى الله تعالى في مسجد المصلى وكان المترجم هو الذي قدموه للدعاء فدعا وابتهل والناس خلفه وبالجملة فانه كان من العلماء المشهورين بالفضل والصلاح وكأنت وفاته في ثالث شوال سنة ثلاث وسبعين ومائة والف وسيأتي قريبه مصطفى وولداه رحمهم الله تعالى.
أحمد الوراق
أحمد بن صالح بن أحمد بن صدقة المعروف بالوراق الخلوتي الاخلاصي الحلبي الاديب النظم البارع السميدع كان نادرة الشهباء في الادب ونظم الشعر فاضلاً له اطلاع وفضيلة بالمعاني والبيان والعربية وفنون الادب والعلم ممن اشرقت شمس آدابه واينعت حياض معارفه وراقت مواردها حسن الاخلاق مجيداً ماهراً محبوباً عند الناس ولد في رجب سنة ثلاث وعشرين ومائة والف وكان في ابتداء شبابه يتعاطى صناعة القصب ثم في عام ثمان وأربعين أنتقل إلى باب أموي حلب الشرقي واشتغل ببيع الورق فنسب حينئذ إلى الورق صحب أفاضل الشهباء وجد في الطلب اخذ العربية عن العالم الشيخ محمد الحموي واخذ الفقه والعقائد عن الشيخ قاسم النجار واخذ البديع عن الشيخ قاسم اليكرجي وعن الشيخ محمد المعروف بابن الزمار واجازه علامة بغداد الشيخ صالح البغدادي وسمع معظم صحيح الامام البخاري عن المحدث محمد بن الطيب المغربي نزيل المدينة عام قفوله من الروم واخذ المصطلح والادب والمعاني والبيان عن الشيخ أبي الفتوح علي الميقتي باموي حلب وأنتفع به كثيراً واستجاز الشيخ صالح الجينيني الدمشقي عام ارتحاله اليها وذلك في سنة ثلاث وستين ومائة والف فاجازه بثبته وله ادبية وشعر واطلاع على فنون الادب ومعرفة غنه من سمينه فن ذلك قوله متوسلاً بزاكي الاباء والحدود وصاحب المقام المحمود ﷺ
زمن الربيع به الازاهر ... تفتر عن ثغر البشائر
فانهض إلى روضي المنى ... وانف الهموم عن الضمائر
واسمع غناء بلابل ... قد غار منها كل طائر
وتمايلت قضب الاراك ... تريك ميلات المفاخر
стр. 114
والنهر يحكي ماؤه ... درا اذيب على الجواهر
والشمس من حلل الغصو ... ن كأنها غير تناظر
وغدت نسيمات الريا ... ض تنم عن سر الازاهر
والورد كلل خده ... در من السحب المواطر
والاقحوان كأنه ... اجفان صب بات ساهر
فاطرب بما صنع الآله ... وكن له يا صاح شاكر
منها
وأجل الكروب بمدح طه ... المصطفى نور البصائر
الفاتح البر الرؤ ... ف محمد زاكي العناصر
والعاقب الماحي الذي ... ضاءت بمبعثه الدياجر
ذي المعجزات الباهرا ... ت ومن غدا للغي باتر
هو سيد سادت به ... آباؤه الغر الأطاهر
وبه افتخار أولى الكما ... ل من الأوائل والأواخر
طابت ارومة ذاته ... والطيب لا ينفك عاطر
منها
ما الشمس الا من ضيا ... ء جبينه حازت مفاخر
وإذا ألم بصحبه ... ما البدر ما الزهر الزواهر
يا قطب دائرة النبيي ... ن الكرام أولى المآثر
يا سيد الكونين يا ... من لم يزل للحق ناصر
يا رحمة الله التي ... قد نالها باد وحاضر
مولاي يا كنز العفا ... مومن غدا بالعفو آمر
عفوا رسول الله عن ... ذنب به الوراق حائر
اني استجرت بجاهك ال ... احمى المنيع من المضائر
وبآلك الاطهار وال ... اصحاب من سادوا العشائر
وبصاحبيك توسلي ... لافوز من ظلم العناصر
وانال في الآخرى شفا ... عتك التي تمحو الكبائر
فلأنت اكرم شافع ... حيث القلوب لدى الحناجر
فاقبل ضراعة عاجز ... حين الشدائد غير صابر
صلى عليك وسلم ال ... رحمن ما لمحت نواظر
стр. 115
وكذاك آلك والصحا ... بة ما شدا في الدوح طائر
أو حن مشتاق إلى ... أوطانه أو سار سائر
وقوله متوسلاً بأشرف الوسائل وسيد الأواخر والأوائل ﷺ
خطرت فغار الغصن من خطراتها ... ورنت فشمنا السحر في حركاتها
غيداء رنحها الصبا بعقاره ... فنضت سيوف الهند من لحظاتها
نصبت لنا شرك الغرام شعورها ... فتكابنا والفتك من عاداتها
ورمت حواجبها القسي سهام ما ... قد راشت الاجفان من نظراتها
طارحتها شكوى الغرام فلم يفد ... الا تماديها على نفراتها
ودعوتها أخت الغزال ترفقي ... في مهجة صبرت على زفراتها
ومحاجري ترعى النجوم وربما ... اربت على الطوفان في عبراتها
لم يرقها الا التكحل من ثرى ... دار يفوح المسك من عنباتها
دار الذي وسع البرية فضله ... وله اليد البيضا على ساداتها
أعني به طه الذي بجنابه ... لاذت جميع الخلق في شدانها
ما في العوالم ذرة الا به ... تكوينها خلقاً واصل حياتها
جبلت على الحلق العظيم طباعه ... من ذا يباريه بحسن صفاتها
قد طهر الاكوان من دنس الردى ... وازال ما قد كان من شبهانها
وبه النجاة من الشدائد كلها ... وخلاص أهل الكرب من كرباتها
تالله ما وصلت لعبد نعمة ... الا وكان هو الممد لذاتها
مولاي يا ختم الرسالة جد على ... نفس اضر الذنب في حالاتها
مالي سواك وأنت أكرم شافع ... في المذنبين مشفع لنجاتها
صلى عليك الله ما هبت صبا ... سحرا فهاج الصب من نفحاتها
وكذا على الآل الكرام وصحبك ال ... اطهار من كرمت بطيب ذواتها
ابدا على مر الجديد مسلما ... لا نال حسن الختم من بركاتها
وله مضمناً البيت الاخير
يا صاحبي قفا نسائل ساقيا ... ملاء القلوب بلا عج الاشواق
تالله لا ادري عشية ان سقى ... ماذا سقى لمعاشر العشاق
قد خامرتني والكؤس لحاظه ... فكأننا كنا على ميثاق
فاستنشداه عل يخبر صادقا ... فلقد تشاكل امر هذا الساقي
احدافه ملئت من الافداح ام ... اقداحه ملئت من الاحداق
стр. 116
وله أيضا
اسأت إلى نفسي وغيري جهالة ... بسهو وعمد والمهيمن ساتر
وظني بان الله ﷻ ... جميع ذنوبي حين موتى غافر
وله غير ذلك مرض في أوائل شعبان المعظم وانقطع في داره وتوفي ليلة الخميس ثاني عشر ذي القعدة الحرام سنة تسع وثمانين ومائة والف ودفن في مقبرة جامع البختي تجاه تكية بابا بيرم رحمه الله تعالى واموات المسلمين.
أحمد العلمي
أحمد بن صلاح الدين المعروف كاسلافه بالعلمي القدسي تقدم ذكر ولده أبي بكر وابن عمه أبي الوفا وكان هذا عالماً فاضلاً صوفياً صالحاً اشتهر حاله بالصلاح والتقوى وكان على قدم العبودية صائماً نهاره وقائماً ليله على نهج الصوفية ولد في يوم السبت سادس شوال سنة خمس وخمسين والف وتنبل واخذ الطريق عن الاستاذ المزطاري المغربي الشاذلي وجعله خليفة له في الديار القدسية ومع ذلك فبنوا لعلمي أهل طريق أيضا وصار يقيم الاذكار وقرأ في العلوم على الشيخ السيد عبد الرحمن اللطفي القدسي وغيره وكان يخطب بالسجد الاقصى المحترم بصوت حسن ويعظ وعظاً يلين القلوب القاسية وكان مع ذلك صاحب فضيلة ومعرفة وبالجملة فقد كان من محققي اهل زمانه ومعتقد اهل عصره وأوانه وكأنت وفاته في ليلة الاحد عاشر شعبان سنة ستة عشر ومائة والف رحمه الله تعالى.
أحمد الملوي
أحمد بن عبد الفتاح بن يوسف المجبري الشافعي القاهري الشهير بالملوي الشيخ الامام العلامة المعمر مسند الوقت شيخ الشيوخ واستاذ اهل الرسوخ التحرير المفنن الأوحد صاحب التآليف النافعة ابو العباس شهاب الدين ولد في ثالث شهر رمضان سنة ثمان وثمانين والف ودخل الازهر وطلب العلم واخذ عن جملة من الشيوخ منهم الشيوخ الأجلاء الشهابان أحمد ابن الفقيه وأحمد بن محمد الخليفي وأبو محمد عبد الرؤف البشبيشي والجمالي منصور المنيفي وأحمد بن غانم النفرأوي وأحمد الشبراخيتي وعبد ربه بن أحمد الديوي ومحمد بن عبد الباقي الزرقاني وعبد الجواد بن القاسم المحلي ومحمد بن عبد الله النكسي وأبو الصلاح أحمد بن محمد الهشتركي ومحمد بن عبد الله السجلماسي ومحمد بن عبد الرحمن بن ذكرى وابو العز بن الشهاب محمد العجمي والشمس محمد بن منصور الاطفيحي ورضوان الطوخي وابو الحسن علي
стр. 117
بن علي الحسيني الحنفي وعمر بن عبد السلام التطأوني وأبو الانس محمد بن عبد الرحمن الملحي وابو الفيض محمد بن إبراهيم الابوتيجي ومحمد ابن أحمد الورزازي وغيرهم واشتهر صيته وعلا ذكره وله من المؤلفات شرحان على رسالة الاستعارات مطول ومختصر وشرحان على السلم للاخضري مطول ومختصر وغير ذلك من المؤلفات وكأنت وفاته سنة احدى وثمانين ومائة والف رحمه الله تعالى.
أحمد الدمنهوري
أحمد بن عبد المنعم بن خيام الشافعي الحنفي المالكي الحنبلي هكذا كان يكتب بخطه المصري الشهير بالدمنهوري الشيخ الامام العلامة الأوحد آية الله الكبرى في العلوم والعرفان المفنن في جميع العلوم معقولاً ومنقولاً ابو المعارف شهاب الدين ولد في حدود التسعين والف ونشأ طالباً للعلوم فأخذ عن جملة من العلماء كالشهاب أحمد الحليفي وعبد ربه الديوي ومنصور المنوفي وعبد الجواد الميداني وعلي أبي الصفا الشنواني ومحمد الغمري وعبد الوهاب الشنواني وعبد الرؤف البشبيشي وعبد الجواد المرحومي وعبد الدائم الاجهوري ومحمد بن عبد العزيز الحنفي الزيادي وأحمد بن غانم النفرأوي المالكي ومحمد الورزازي وأحمد بن محمد الهشتركي ومحمد بن عبد الله السجلماسي والسيد محمد سلموني المالكي والشهاب أحمد المقدسي الحنبلي وكان عالماً بالمذاهب الاربع أكثر من أهلها قرآءة وله اليد الطولى في سائر العلوم منها الكيمياء والأوفاق والهيئة والحكمة والطب وله في كل علم منها تآليف عديدة وتولى مشيخة الجامع الازهر بعد وفاة الشمس محمد الحفني وله من التأليف شرح على سلم الاخضري في المنطق وشرح على رسالة الاستعارات السمرقندية وشرح على أوفاق قلب القرآن وغير ذلك من التآليف وبالجملة فهو نسيج وحده في هذه الاعصار وكأنت وفاته سنة اثنين وتسعين ومائة والف.
أحمد الغزي
أحمد بن عبد الكريم بن سعودي بن نجم الدين بن بدر الدين بن رضي الدين بن رضي الدين أيضاً ابن أحمد بن عبد الله بن مفرج بن بدر الشافعي الغزي الاصل العامري الدمشقي مفتي الشافعية بها وابن مفتيها شيخ الاسلام وابن مشايخه واحد ذوي البيوت المشهورة بدمشق ابو العباس شهاب الدين الشيخ الامام العالم العلامة الحبر الفقيه النحوي كان عالماً صدراً رئيساً محققاً مكرماً للناس مقبول
стр. 118
الشفاعة عند الحكام كثير الوعظ اليهم محترماً لديهم له وجاهة كلية واقدام مع التوقير والاحترام من الخاص والعام ولد بدمشق في سنة ثمان وسبعين والف وبها نشأ واشغله والده بطلب العلم بعد ان تأهل لذلك فقرأ عليه في الفقه وعلى الشيخ إسماعيل الحائك المفتي الحنفي في الاصول والنحو وعلى الشيخ محمد أبي المواهب في مصطلح الحديث واجازه السيد محمد بن عبد الرسول البرزنجي المدني وبرع وفضل وساد وتصدر للتدريس بعد وفاة والده فدرس بالمدرسة الشامية البرانية في شرح المنهج وفي الاشهر الثلاث بالجامع الاموي في صحيح البخاري وصنف شرحاً على المنحة النجمية في شرح اللمحة البدرية وشرحاً على نظم نخبة الفكر لجده الرضي لم يشتهر واختصر كتاب جده محدث دمشق الشيخ محمد نجم الدين الغزي المسمى اتقان ما يحسن في الاحاديث الواردة على الالسن وسماه الجد الحثيث في بيان ما لبس بحديث واختصر السيرة النبوية للشيخ العلامة علي الحلبي وشرح منظومة النخبة التي نظمها جده رضي الدين الغزي وله غير ذلك وتولى افتاء السادة الشافعية بعد وفاة والده وحمدت سيرته بها وكان بدمشق مقداماً له القول والكلمة النافذة ويحترمه اعيانها وله مزيد التعظيم عندها إلى ان مات وكأنت وفاته في يوم الجمعة ثاني شعبان سنة ثلاث واربعين ومائة والف ودفن بتربتهم بمقبرة الاستاذ الشيخ ارسلان ﵄ ورثاه الشيخ سعيد السماني الدمشقي والاديب عبد الرحمن بن محمد البهلول بقصيدة مطلعها
قضاء الله من للخلق أوجد ... بنا يمضي تواني الشخص أوجد
والعامري نسبة إلى عامر بن لؤي ﵁ والغزي نسبة إلى غزة هاشم ولكن المحقق المتواتر انهم رؤساء العلم في دمشق ابا عن جد من حين وفودهم اليها وأول من قدم منهم إلى دمشق جد المترجم الكبير أحمد بن عبد الله في سنة سبعين وسبعمائة قاله لسخأوي وقال ابن قاضي شهبة تقي الدين في سنة تسع وسبعين وسبعمائة وقطنها واخذ بها عن ائمة اعلام كالشهاب الزهري والشرف الشريشي والنجم ابن الجأبي والشرف عيسى الغزي صاحب كتاب أدب القاضي وشرح المنهاج والبرهان الصنهاجي المالكي واذن له بالافتاء في سنة احدى وتسعين وبرع في الفقه واصوله وناب في الحكم عن القاضي شمس الدين الاحساء في اخر ولايته وعن غيره وولي نظارة البيمارستان النوري فحمدت ديأنته وعفته ودرس بعدة مدارس كالعذرأوية والناصرية والشامية والكلاسة والاتابكية بالصالحية وتصدر للاقراء وجلس لذلك بالجامع الاموي والف مؤلفات منها مختصر المهمات في ثلاث مجلدات وشرح الحأوي
стр. 119
الصغير في اربع مجلدات ومنسك كبير جمع فيه فأوعى وشرح جمع الجوامع لابن السبكي وشرح عمدة الاحكام لم يكمله فاكمله ولده الرضى والجواب الرأسي عن مسئلة التقي الفاسي وتحفة المبتغي لمعان ينبغي يشرح من المنهاج قطعة من أوله إلى كتاب الصلاة في مجلدين وله تعليق على صحيح البخاري في ثلاث مجلدات وشرح قطعة من منهاج البيضأوي وجانباً من الفية ابن مالك في النحو وكتاب تراجم رجال البخاري واختصر تاريخ ابن خلكان وغير ذلك وكأنت وفاته بمكة حين كان حاجاً في يوم الخميس سادس شوال سنة اثنين وعشرين وثمانمائة ودفن بالمعلاة وقد انجب فروعاً ازدهت بهن الايام وعمت فضائل علومهم للخاص والعام وإلى وقتنا هذا موجود منهم بقية أفاضل كرام وسيأتي ذكر والد المترجم عبد الكريم واقاربه عبد الحي وعبد الرحمن ومحمد وعلي ان شاء الله تعالى.
أحمد بن عبد اللطيف العمري
أحمد بن عبد اللطيف بن محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن تقي الدين أبي بكر بن زين الدين عبد الهادي وينتهي نسبه إلى سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ الدمشقي الشافعي المعروف بابن عبد الهادي الشيخ الفاضل الاديب البارع الصالح ولد بدمشق في ثاني عشر ربيع الثاني سنة ثلاثين ومائة وألف وبها نشأ واشتغل بطلب العلم فقرأ على جماعة منهم الشيخ أحمد المنيني العثماني والشيخ إسماعيل العجلوني والشمس محمد بن عبد الرحمن الغزي العامري والشيخ صالح الجنيني والمولي حامد بن علي العمادي المفتي وغيرهم وفضل وبرع وصار له فضيلة ودرس في آخر أمره بالجامع الأموي عند المنارة الشرقية ولما توفي والده صار خليفة مكانه إلى أن مات وكان له نظم جيد وترجمه الشيخ سعيد السمان في كتابه وقال في وصفه من محتد يفتخر به السودد وتذعن له المعالي إذا سهم النسبة سدد تضرع منه الكرم المحض وارتضع من لبنه الخالص الذي لم يشب بمخض فطلع بدره في افق المجد تماماً وتفتق الروض زهوراً وكماماً فقضى له بالتوفيق العزيز وأنزل منه بالمكانة القعساء يحرز حريز ووالده الفرد الذي يشار إليه إذا عدت الافراد والمأخوذ عن كمالاته إذا تليت الأوراد صور الله ذاته من لطف وكونها وسهل على يديه الامور الشاقة وهونها فلورقي ذا جنة لاستفاق أوامر يديه على ذي عاهة برئ باذن الله ولم يحتج إلى أوفاق فدعوته تكف المرتكب عن معاصيه وتأخذ المتهالك بالاعتراض بنواصيه بمنظر بملاء العيون وضاء ويغني عما للبدر من الاضاءة وحلم دون متالع بمراتب ومحاسن
стр. 120
لا تحصيها براعة حاسب ولا مداد كاذب إلى نسبة إلى الفاروق تنتهي ونفس عن استيفاء المكارم لا تنتهي فعطر الله تلك الروح بالنفحات الربانية وانزلها في المحل الاسني من الفراديس الجنانية وخلفه هذا خير خلف كما ان سلفه نعم سلف وله من الشعر ما هو واضح الدلائل إلا أن أبيات قصائده قلائل أنتهى مقاله ومن شعره قوله
بادرتني سواجع الالحان ... وحبتني بنشر بشر التهاني
مذ رأتني مغري بحفظ عهود ... سالفات جنيت منها التداني
وادبرت سلافة الصفو صرفاً ... فازدرينا بها بنات الدنان
ان يوماً يمضي بغير نصاب ... ليس عندي يعد في الازمان
وعجيب بأن يكون المعنى ... غير صب مكابد الاشجان
لا أرى صحوة لمخمور وجد ... أسكرته مدامة الاجفان
يا خليلي عرجاً بعناني ... نحو أرض بها تركت جناني
وقفا بي على الرياض صباحاً ... واسألاها عن الغواني الحسان
واغنما فرصة الزمان فما التس ... ويف الامطية الحرمان
بسوى من بجلق من صحأبي ... ولداني بالله لا تذكراني
كلما هزني الغرام اليهم ... أصبح الوجد آخذ بعناني
ان لي بينهم غزالاً شروداً ... من ظبي النير بين رخص البنان
صال باللحظ بين فتك وسفك ... بفؤاد أقسى من الصوان
لا وعهد الاحباب لست بسال ... مذهبي في الهوى رأى ابن هاني
مراده بقوله رأى ابن هاني قول المذكور
سأبكي عليكم مدة العمر انني ... رأيت لبيداً في الوفاء مقصرا
بيد أني أرجو الخلاص بمدحي ... والنجائ لوارث النعمان
من به قرت العيون ونالت ... ما عنت من كل قاص ودان
واستثارت فيه دمشق وطابت ... واكتست فيه حلة الرضوان
بقدوم قد قارنته سعود ... انقذتنا من صولة الحدثان
وتباشير انسه قد اذاعت ... نشر عرف الهنا بكل مكان
لوذعي يصبو بصائب فكو ... ما توارى في غيهب الاذهان
ما جد كل ما جد من علاه ... يرتقي فوق هامة الاقران
ذو بنان تجري بعشرة انها ... ر من فيض جودهن اليدان
خير مستودع كنوز علوم ... نورت صدره بآي المثاني
стр. 121
من غدا زند فضله اذ دهتنا ... مشكلات في فضلها كاليماني
من كرام ولاؤهم فرض عين ... وكذا مدحهم بكل اسان
سبقوا الناس بارتقاء المعالي ... وتساموا فلا ترى من يداني
كيف والسابق الخليفة من قد ... كان في الغار للمشفع ثاني
قدحوا نسبة إليه ونالوا ... بالنبي الرسول اسني الاماني
والتجائي من بينهم لخليل ... العز دوما في كل ما قد دهاني
وابق في روضة السرور تهني ... بارتقاء من دونه الفرقدان
مع بنيك الانجاب ما صيغ مدح ... في معاليك ناشر للتهاني
وقوله من قصيدة
بنيل الاماني طاب وقت مجدد ... ووافى الهنا والعيش فينان ارغد
ورجعت الورقاء في نغمة الرضى ... تغني على حظ المنى وتغرد
ودارت كؤس الانس فينا وقد غدا ... يطوف بها ساق كما الغصن اغيد
هلال محا آي الظلام جبينه ... وظبي بجفنيه حسام مجرد
رعى الله منه ساعة قد سرقتا ... وغصن التصأبي بالهوى متأود
نعمت به والدهر يفتر ثغره ... وقد غاب عنا عاذل ومفند
ولم اك ممن يسمع اللوم في الهوى ... ويصغي لاقوال الوشاة ويرصد
اخلاي ان رمتم من الدهر مأمناً ... وحصناً منيعاً فيه للعز مقعد
فجلوا بباب الفتح ذي الحلم والنهى ... ومن رأيه في المعضلات مهند
فتى طيب الأوقات طيب خصاله ... ولم يبق الا ما يروق ويحمد
منها
امولاي يا كهف العفاة ومن غدت ... خلائقه روضاً سقاه المزرد
ونجل الأولى شادواد عائم سؤدد ... تزول الرواسي وهي فينا تخلد
تهني باهنى العيد عاد مقامه ... يعيد لنا البشرى كما كان ينجد
طلعت طلوع الشمس يمحي بها الدجى ... وأنت بصمصام الفخار مقلد
واسديتنا ما لا نقوم بشكره ... من النعم اللاتي عليهن نحسد
فدم في أمان الله صدراً مؤملاً ... وكل البرايا بحر جودك تورد
مدا الدهر ما جادت قريحة شاعر ... بمدح وما غنى الهزار المغرد
وقوله من قصيدة امتدح بها المولى العالم حامد العمادي المفتي مطلعها
بشرى بها الدين قد قرت نواظره ... ومن سماء العلا لاحت زواهره
وكوكب النصر حياناً بطلعته ... يهدي إلى العز من قلت نواصره
стр. 122
وبلبل البشر يشدو في الرياض على ... غصن المسرات يحبو من يذاكره
وعرف طيب ربا الآمال قد نشقت ... نفحاته حيثما فاحت ازاهره
والفجر لاح على الافاق معترضاً ... يزيل جيش الدجى عنا عساكره
وللمنى امتد من أهل التقى مقل ... قد شاقها لمراقي السعد فاخرة
وأعين الشام قرت غب ما يئست ... والدهر عن أهلها عفت نواظره
وقد اغيثت بمفتيها الذي ابتهجت ... به الورى وزكت فينا عناصره
من كف غرب الأسى عن قرع لامتها ... وقد كفتها عن الشكوى بوادره
وقد جلا بمواضي الحزم ما احتكمت ... ايدي الردى فيه واختلت مصادره
منها
صدر الموالي عماد الدين حامده ... شمس المعارف زاكي الوصف عاطره
من أصبح الدهر مختالاً بطلعته ... ومن سمت أنجم الجوزا مفاخره
الماجد الجهبذ المولى الذي بزغت ... شموسه فاهتدت فيها معاصره
مجرى يراع القضايا بالسداد على ... لوح الهدى لم تزغ عنه ضمائره
ما زل عن موقف التقوى له قدم ... ولا انثنت لهوى يوماً سرائره
مولاي يا من غدت أقلامه شهبا ... يرمى بها كل شيطان ينافره
اعر يتيمة فكر نظرتي كرم ... واغفر قصور معنى كل خاطره
وللمترجم معرباً معنى بالفارسية وهو قوله
لقد خضت بحر الحرب يطفو عبابه ... ونازلت في الهيجآء كل فتى قرم
وقارعت آساد الشرى فقهرتها ... واشبعتها ضرياً يحل عرى العزم
فما راعني الا وقطب حاجب ال ... غزال الذي الحاظه للحشا تصمي
فلما رأت عيني تهلل وجهه ... ومن حاجبيه حاللاً عقد الزم
تيقن طرفي صفحه ورضآءه ... وبشرت قلبي بالعناق وباللثم
لأن إذا حلت لأوتار قوسها ... ليوث الوغى كان الدليل على السلم
ومن ذلك قول العالم الفاضل أحمد بن علي المنيني
طلبت وصالاً من حبيب ممنع ... فأوتر قوس الحاجبين وقطبا
وفوق لي سهماً أصاب مقاتلي ... واصمى فوآدا بالصدود معذبا
فلما رأى ما برحت بي جفونه ... وقد عيل صبري والسلو تغيبا
стр. 123
رثى لي ومن تعبيسه حل عقدة ... وحلل وصلاً كان حوباً وأوجبا
كذاك بنوا لهيجاً إذا تم سلمهم ... يحلون أوتار القسي تجنبا
ومن ذلك قول ولده الاديب إسماعيل بن أحمد المنيني
عيل صبري في حب ظبي غرير ... فاتر اللحظ فاتن الالباب
أوترت حاجباه قوس التجافي ... مذ رآني ملك الهوى والتصأبي
ثم وافى متيماً بوصال ... بعد بين مبرح واكتئاب
وكذا الصيد في النزال إذا ما ... عقدوا السلم حل قوس الحراب
ومن ذلك قول الاديب الفاضل مصطفى اسعد اللقيمي
بأبي الذي لما تحقق حيرتي ... وغدا بتقطيب الحواجب معرضا
وافى وفرق حاجبيه تقطعا ... متبسماً فعلمت منه بالرضى
اذ عادة الصيد الملوك بحربهم ... فك القسي إذا الوطيس قد انقضى
ومن ذلك قول النبيه السيد محمد الشويكي
وافى وقطب حاجبيه مطرقاً ... طرقاً بذا منه الرضى لي وافى
وكذلك الفرسان ان هم سالموا ... فكوا القسي واغمدوا الاسيافا
ومن ذلك قول الاديب محمد سعيد السمان
ومذ زار الحبيب بلا عتاب ... وتقطيب يحاجبه السني
علمت رضاءه من غير شك ... وقد امسيت بالعيش الهني
لأن الحرب ان خمدت لظاها ... تجل الصيد أوتار القسي
وكأنت وفات العمري المترجم في ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح وسيأتي ذكر والده عبد اللطيف وجده محمد وقريبه سعدي وأخيه مصطفى وقريبه الآخر محمد وبنو عبد الهادي في دمشق مشايخ صلحاء وللناس بهم اعتقاد واصلهم من بيت معروف بقرية صفوريه ولهم أنتساب صحيح إلى سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ وأول من قدم منهم دمشق الشيخ العارف الكبير المسلك المربي الشيخ عبد الهادي ابن الشيخ عيسى بن عبد اللطيف ونزل بمحلة قبر السيدة عاتكة وأقام هناك إلى أن توفي في سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة ودفن بتربة له هناك وقبره مشهور يزار ويتبرك به قال ذلك الحافظ النجم محمد ابن الغزي في كتابه الكواكب وأما ما ذكره المحبي في تاريخه أولاً فلا أصل له
стр. 124
وتزوج حفيده محمد بن أبي بكر عبد الهادي المزبور بنت العارف بالله الشيخ عبد القادر ابن سوار شيخ المحيا بدمشق وجاءه أولاد كثيرون منهم أحمد جد المترجم فنشأ طالباً للعلوم وقرأ وحصل وتوفي في أواخر ذي القعدة سنة تسع بعد الألف ودفن في تربة القصارين في جانب قبر عاتكة والله سبحانه أعلم
السيد أحمد التونسي
السيد أحمد ابن عبد اللطيف التونسي نزيل دمشق المغربي بن العالم المحقق المتفوق الماهر البارع الفاضل ترجمه الشيخ سعيد ابن السمان في كتابه وقال في وصفه هذا الأديب وان كأنت تونس مسته القوابل فيها الا أن الشام حبته بملء فيها فربض بها ربضة الليث وقال لوطنه منادياً إلى حيث ولاذ ببعض الصدور وجعل لندبه الورود والصدور فأنزله منه منزلة ابن اللبانة من المعتمد وأصبح في لجه المستقبض هو المغترف المستمد فأقبل عليه الدهر بوجه أغر وما أقدمه على هجر ولا به غر وأقطعه من الحظوة نصيباً وأورثه الرعاية فرضاً وتعصيباً فاستكان وتقرب وبعد في مرامه ومارب فتهدلت عليه أغصان الحنو وعطفت عليه الافئدة بالدنو وتابط سفراً وكراسه وأكب على قراءة ودراسه فارتشف من ذلك دون الوشل ولم بالعنا منه حد الفشل وادعى الفضل التام وخاض في ذلك القتام وسولت له نفسه الاماره ما خفرت به الآمال ذمته وذماره وشمخ بعرنين الانفه واستنكف عمن احله كنفه فلم تقبل له خوكه وقال في القفول البركه فند ندو البعير ولم يدرا هو من العيرام من النفير فحل القدس والديار المصرية ورصد من الدهر العطفة الحرية فرق له وحن وسقاه من الأوبة الغمام مرجحن فعاد لما سلف وعانق ذلك العلف فعافته الطباع وقذفته في مهأوي التعريض باليد والباع ومكر به حاله واستدرجه ووضعه من الأعين درجة فدرجه ولم يزل أطواره تتقلب وطويته عليه تتغلب حتى عصفت به مهاب هواء وأكبه على مخطمه عقبى دعواه وقام به الغرام واستأثر ورشقته بما أودى بفواده وأثر وسلم قلبه لمن عذبه واستلذ تهتكه فيه واستعذبه حتى بعدت عليه من التنصل الشقه واستقلت به المضرة والمشقه وانقلب وهو مليم عرضة للتقريع الاليم وما انفك يريه من التجني ما يريه ويطرق سمعه بكل كريه حتى تخطفته أيدي الشتات بعد أن طلق الشام تطليق البتات فما استقر حتى نودي إلى ابن المفر وطواه رمسه كما طوي أمسه وبالجملة فقد كان يستأنس بمذاكرته ويستروح بمحاضرته وله شعر زهري الارج ما عليه في سبكه حرج قد انبت منه
стр. 125
طرفاً وتركت ما يعد سرفاً أنتهى ومن شعره قوله وأرسله إلى الاديب سعيد السمان ملغزاً
أيا بابلي السحر في النثر والنظم ... وجامع أشتات الدقائق عن علم
ويا من سما فوق السماكين هامة ... ففاق اياساً بالذكاء وبالفهم
ويا من غدا في الشام مذهل بدره ... سعيداً فنير الكون مذ لاح في التم
نجمت ففقت الناس علماً وحكمةً ... ومن ذا يسأوي انجم الارض بالنجم
ابن لي ما اسم رباعي أحرف ... له نشأة أحلى من الضم واللثم
فأوله في الذكر أول سورة ... وأمر بلا شك لدى الكسر في الحكم
وربعه ان اخرت يأتيك قلبه ... سريعاً كما قد كان في أول الرقم
وأوله أيضاً كذلك مثله ... وباقيه يقري الطرد كالعكس في الرسم
توان حذفوا اخراه لاح لناظر ... مصحفه فهو الضمير بلا وهم
وان حذفوا ربعيه صدراً وآخراً ... هو الحق لا يخفي بعيد عن الوصم
ونصفه ان صحفت فه بجماله ... معانيه قد لاحت تروق لذي فهم
على ان هذا الاسم قد شاع ذكره ... شبيه سحيق المسك يجلو صدا الغم
عزيز فمن قسم المباح فعده ... وصرح بمن تهواه رغماً على الخصم
وجد بجواب يا فريد زمانه ... ويا بابلي السحر في النثر والنظم
فأجابه بقوله
الأقل لموفور النهي ثاقب الفهم ... فريد السجايا أحمد الوصف والاسم
ومن جلق الفيحاء قرت عيونها ... بمقدمه اذ لاح كالبدر في التم
فتى في الورى أخلاقه وحديثه ... وآدابه كالروض باكره الوسمي
لقد طاب أصلاً مثل ما طاب مخبراً ... وفاق أياساً بالنثار وبالنظم
انثنى منه بنت فكر كأنها ... بما ضمنت سكري تشير إلى الضم
تسايلني ما اسم إذا لاح في الورى ... شذاه أبى الا التحكم في الجسم
يمد له العافي بنان صبابة ... فيرشفه ثفراً حماء من اللثم
رأينا به قبض النفوس وبسطها ... فهذا على الاداء يشكل في الحكم
تلظى حشاياه من الحقد للورى ... فيظهر فوه ما أكن من الظلم
على أنه لا يرتضى قط منزلاً ... سوى القلب لا يخشى بذلك من جرم
ويغدو على الراحات بالرغم قائماً ... وناهيك ممن يرتقي العز بالرغم
عجبت وقد أمسى إلى الحق محرماً ... اناثاً وذكراناً لدى اللثم والشم
стр. 126
حلال يطوف البيت وهو محرم ... فلم يخل من مدح وذم بلا اثم
من النار أمست روحه وحياته ... ولم تدر معنى صوته العرب كالعجم
فخذ ما يروق السمع من بنت ليلة ... جواباً معانيه توقد كالنجم
ودم سالماً موموق عيش نضيره ... براعيك طرف الامن واليمن والسلم
وله من قصيدة أرسلها للشيخ أحمد بن علي المنيني ملغزاً بقوله
لعمرك ما ريح الصبا اذ تنسما ... ولا الزهر في الروض الا ريض تبسما
ولا طيب انفاس الربيع وحسنه ... ولا ريق محبوب به يذهب الظما
ولا ضم خود كالاراكة قدها ... اجادت لمشغوف بها قد تيتما
ولا شرب كاس الراح من كف أغيد ... بديع السنا عذب المراشف واللما
بأطيب من عرف زكي شممته ... صبيحة وافيت الامام المكرما
له الله من مولى أحاديث مجده ... معنعنة تروى وتعدادها نما
سليل التقى شمس المعارف أحمد ال ... مزايا وفي أوج السيادة قد سما
غدا شافعي في الحب لي وهو مالكي ... وفي مذهب النعمان بحر لقد طما
وأحسن ما قيل في هذا المعنى
ألا ليت شعري من إلى الوصل شافعي ... لدى أشعري حرت في وصفه الجلي
فنعمان خديه لقلبي مالك ... ولا تعجبوا من ردفه فهو حنبلي
ولبعضهم في المعنى
يا مالكي شافعي ذلي فصل كرما ... ولا تكن رافضي وأقصر عن الملل
فجملة الامراني مغرم دنف ... شوقي أمامي وصبري عنك معتزلي
وقال الآخر
قلت وقد لج في معاتبتي ... وظن ان الملال من قبلي
خدك الاشعري حنفني ... وكان من أحمد المذاهب لي
حسنك ما زال شافعي أبداً ... يا مالكي كيف صرت معتزلي
عودا إلى قصيدة المترجم فمنها
أتى بحلال السحر هاروت نطقه ... وأدهش أرباب العقول وأفحما
وغاص بحور العلم غواص فكره ... فأبدى نفيس الدر دراً متيما
ومنها
فيا أحمد الأوصاف يا عالم الورى ... وعلامة الدنيا ويا فاضلاً سما
بك اسم خماسي كروض مدبج ... يا فنانه ظبي الاراك ترنما
стр. 127
حوى كل لطف واحتوى كل رقة ... جرى في كتاب الله لا شك مبهما
وقد حله قدما كثير أعزة ... وهام أبو نواس فيه وهيما
وتصحيفه معنى هو الموت للعدا ... يلوح لذي فهم إذا ما تفهما
وان زال من أولاه خمساه فاعتبر ... مصحف باقي الاسم بخلاقه أنتمى
لنا في نبي جاء بالحق مرسلاً ... لقوم هم أهل الجهالة والعمى
وان قلبوا باقيه ماس بعطفه ... كغصن النقا اذ مال في روضة الحمى
وان حذفوا اخراه من بعد قلبه ... غدا اس بنيان كودك محكما
ونبتا بديع الحسن كالغصن قد زكت ... روائحه كالمسك اذ ما تنسما
امط عنه ستر اللبس لا زلت محسناً ... ودمت لطلاب الافادة منعما
وله من قصيدة امتدح بها والدي لكونه كان نزيلاً عنده في مدة اقامته بدمشق
هي الأدب النفسي وهي النفائس ... بها غصن عمري بالتأدب مانس
ولي غزل فيها الغزالة في الضحى ... إلى لطفه يصبو الغزال الموانس
هي البكر بنت الكرم هيفاء ناهد ... كعوب لعوب لا ذلول وعانس
من الغرس بيت المجد عنقود كرمها ... فيا حبذا ذا الكرم ربا فارس
أدرها لنا قبل الصباح فإنني ... رأيت شراب الليل للنفس آنس
ودعني صريعاً بين ندمان حانها ... اهيم بها وجداً وجسمي رامس
أدرها بلا مزج ولا تقتلنها ... فما بسبطها الا البسيط المجانس
وان شئت فامزجها ولكن بريق من ... له من ظبا البيدا عيون نواعس
مليح صبيح الوجه ظبي خباؤه ... له من ظبا الغارات حام وحارس
يصيد قلوب الناظرين بلفتة ... بها الأسد في الغيل المنيع فرائس
أخالسه في موكب الحسن بغتة ... فيرنو بطرف فاتر ويخالس
له غرة كالصبح لا ليل قبلها ... ولكن له شعر هو الليل دامس
إذا قيس بالغصن الرطيب يقول من ... يقس بقوامي النبث ما ذاك قايس
وان قيس بالبدر المنير يقول لا ... فبدر الدجى من نور وجهي قابس
يدير علينا الراح في عسجدية ... تطيب بها بين الندامى المجالس
إذا جليت في كأسها عند ذائق ... ترى يا نديمي كيف تجلى العرائس
على تاجها اكليل در تناسقت ... فرائده منها تضئ الفوانس
وما هي راح الحسن دع عنك ذكرها ... فتلك لمن تسطو عليه الوسأوس
مرادى بها خمر المعاني فشربها ... ينافس في احرازه من ينافس
стр. 128
مدام غذاء الروح والجسد الذي ... ترنحه الآداب وهي النفائس
فقد تسكر الارواح من غير خمرة ... فغيبتها ذاك الحضور المماسس
لراح المعاني نشوة أي نشوة ... إلى شربها تنحو الكرام الاكايس
فتفعل بالالباب ما تفعل الطلا ... إذا كان ساقيها الهمام المجالس
على على القذر من بحر فضله ... مديد طويل وافر لا يقايس
وله من قصيدة ممتدحاً بها والدي أيضاً مطلعها
على مقام دونه الأنجم الزهر ... هو الراح والريحان والورد والزهر
تجلت له الأسرار من ملكوتها ... فحفت به الأنوار ما الشمس ما البدر
إلى أن سرى في سائر الكون سره ... فنور أسرار الورى ذلك السر
وحل حلول القطر في القطر كم فتى ... رآه أتى كالعبد وهو الفتى الحر
إذا افتخرت بين المدائن جلق ... وأبدت به تيهاً وحق لها الفخر
وقد لبست منها غلائل زينة ... كما زين الغلمان ما زانه النحر
زان فخرت مصر وقالت لجلق ... بي النيل نهر هل يقاس به نهر
تقول نعم بالشام سبعة أنهر ... كذا بر بر ليس يعد له بر
واني أنا الفردوس في الأرض جنة ... ولي بحر فضل بين أقرانه حبر
نعم ان في كفيه عشر أنامل ... مقدسة في كل أنملة بحر
مرادي وروحي بل ملاذي ومنيتي ... على على القدر دام له العمر
فتى في الورى تروى أحاديث فضله ... معنعنة قد طابق الخبر الخبر
ورتبته فوق المراتب كلها ... وما ثم في اثنا طريقته وعر
فما عزه عز وما قاده هوى ... ولا عابه تيه ولا شأنه كبر
ولا هو مثل الغيران زاد رتبة ... يميله من فرط اعجابه السكر
وما دابه الا اجتلاب خواطر ... بكل طريق في ميامنه الشكر
فقوله مسموع وأمره نافذ ... يقل ما يشا يسمع لقولته الدهر
تراه كمثل الغيث والليث في الوفا ... وفي الدفع عمن في حماه له خدر
فلا نقص الغيث الهتون بقطره ... ولا مس ليث الغاب في دفعه ضر
وله غير ذلك من النظم وكأنت وفاته في حدود السبعين ومائة وألف باللاذقية رحمه الله تعالى وأموات المسلمين.
стр. 129
أحمد بن عبد الله بن بهاء الدين بن محفوظ بن رجب العطار المعروف بابن جدي الدمشقي الشيخ الفاضل الأديب الماهر الناظم كان رقيق الحاشية لطيف المذاكرة حسن الخط وله مشاركة جيدة في كل فن وقد ترجمه المين المحبي في نفحته فقال في وصفه سمح سهل لكل ثناء أهل كانما بينه وبين القلوب نسب أو بينه وبين الحياة سبب بمحاضرة أشهى من ريق المحبوب ومحأولة أصفى من ريق الشؤبوب وعلى الجملة فما هو الا تحفة فادم واطروفة منادم ودعوة صحة لمريض واصطباح عيش في روض أريض وبيني وبينه اخوة أو أخيها مشدودة وأبواب التمويهات عنها مسدودة مازلنا في خلسة للود ونهزه وأريحية للحظ وهزه من حين رضعنا للتالف ذلك الدر وجرينا فيه على حكم عالم الذر والله يصوننا في بقية العمر عن الغير كما صاننا عن الشوائب فيما مضى وغبر فمن أريج عاطره الذي نفح به روض خاطره
وبليلتي ساجي اللحاظ قوامه ... غصين على دعص تثنيه الصبا
يهتز لينا حين يخطر مائساً ... جذلان من مرح الشبيبة والصبا
بدر تقمص بالملاحة والبها ... فغدا إلى كل القلوب محببا
سلت لواحظه علينا مرهفاً ... ما كان الا في القلوب مجربا
يخشى على ورد الخدود للافح ... فغدا بريحان العذار منقبا
سأومته وصلاً فحدق لحظه ... متبرماً نحوي والوى مغضبا
فكان صفحة خده وعذاره ... تفاحة رميت لتقتل عقربا
وقوله من قصيدة طويلة مطلعها
عتبي على الدهر عتب ليس يسمعه ... اذ بالهوى والنوى قلبي يروعه
بأنوافاً صبحت أشكو بعدما رحلوا ... للبين ما بي يد التفريق تجمعه
شكوى يكاد لها صم الصفا جزعا ... كما تصدع قلبي منه يصدعه
منها
ومن رسيس الهوى داء يصانعني ... طول الزمان إلى ما الحب يصنعه
وانثنى من لظى الأشواق في حرق ... إذا وميض الدجى يبدو تلعلعه
لم ألق يوم النوى الأحشا قلقاً ... ومدمعاً بأبي الدمع يشفعه
يا صاح أين ليالينا التي سلفت ... مرت سراعاً وطيب العيش أسرعه
فاعجب لنار ضلوعي كلما حمدت ... أشبها من غروب الجفن أدمعه
وبات يذكي ضرامي صادع غرد ... في النير بين بترتام يرجعه
يا ورق مهلاً إذا الترجاع من فرح ... بالروض ام فقد ألف عن مرجعه
وله من قصيدة
стр. 130
أفي كل يوم بالنوى نتروع ... ومن حادثات الدهر يشجيك موقع
وتشقي برسم قد ترسمه البلى ... وتسقى ثراه كل نكباء زعزع
وتندب اطلالاً تعفت رسومها ... وتشكو لربع أعجم ليس يسمع
وتصبح هيماً بين قفر تجوسه ... وتمسي ولهاناً وأنت مروع
وترمي بطرفيك الهضاب عشية ... وفي كل هضب للأحبة مطلع
وقائلة فيما الوقوف وقد خلا ... من القوم مصطاف يروق ومربع
فقلت لها أذرى الدموع وهكذا ... أخو الشوق من فرط الصبابة يصنع
وما كنت أدري قبل وشك رحيلهم ... بأني إذا بانوا عن الجزع أجزع
ولا أن أنفاسي يصدعها الجوى ... إذا لاح برق في الدجنة يلمع
فرحت ودمع العين تجري غروبه ... على الخد مني والحمائم تسجع
تنوح بشط الواديين ولي حشا ... إذا ما انبرى ترنامها تنصدع
فلا كبدي تهدى ولا الشوق مقصر ... ولا لوعني تخبو ولا العين تهجع
وقد رحلوا عن أيمن الجزع غدوة ... فلم يبق في قرب التزأور مطمع
وقوله
ومطعف الأصداغ تختلس النهى ... أبدى التشاغل عن محب واله
يبدي تلفت شادن ويدير لح ... ظي جؤذ روا البدر جزء كما له
تمثال شكل الحسن لا بل انما ... ذا الحسن مطبوع على تمثاله
وقد كان أنشده الأمين المحبي قوله
ولما أدار الشمس بدر لا نجم ... يا فوق الهنا بين الهلالين في الغسق
عجبت له يبدي لنا البدر طالعاً ... وما غاب عنا بعد في جيده الشفق
فنظم المترجم هذا المعنى وأنشده اياه بقوله
وساق ميود القد أحور أوطف ... إذا لم يمت بالصد يقتل بالحدق
يرينا بافق الكاس شمساً توسطت ... هلالين يمحو نورها آية الغسق
ومذ هم يحسوها ترفع جيده ... فبان لنا صبح وما غرب الشفق
ومن ذلك قول العالم الشيخ عبد القادر العمري بن عبد الهادي وقد أجاب بهما الأمين
وساق أراثاً من بدائع حسنه ... هلالين والشمس المنيرة في الغسق
فهم بها رشفا فقبل مذاقها ... أتى الصبح من أطواقه ورأى الشفق
وقوله كذلك
стр. 131
حث شمس الجام بدر ليلة ... بهلالين أطلا في نسق
فبدا من طوقه الصبح وما ... غاب عنا بعد في فيه الشفق
وكتب له الأمين المحبي يستدعيه إلى روض طلع علينا هذا اليوم في نضارته يكاد صحوه يمطر من عضارته فلقينا زهره ونظمنا نثره في يوم وشي بخسرواني الديباج وغشى بما يربو على أصناف الجواهر في الابتهاج فمن نور مدرهمه بهج وزهر مدثره رهج يضاحك دره مرجانه وتعبق بصائك المسك أردائه وللنسيم فيه اعتلال اشفاق إذا ما رقد المخمور فيه أفاق والروض رطب الثرى رطب المقيل وليس فيه غير ردف الساقي ثقيل ولم نعدم ندامى بألفاظ عذاب كائنها قند مذاب معرفتهم بأغصان القدود وتفاح الخدود لا بالنصول الحداد والقسي الشداد ولديهم من الفكاهة ولطف البداهة ما إذا جلى فما الراح والتفاح وما ريحان الأصداغ إذا فاح وان شاؤا ألحقوها بحكم متلوه وأخبار في صحف الاحسان مجلوه وعندنا لحن يثير الشجن ويبعث من الشوق ما أجن وحبيب قرب من عهد الصقال خده فلم يجف ريحانه ولم يذبل ورده يزل عن خده الدر فلا يعلق ويمش عليه انمل فيزلق وقد تمنينا فلم نجد غيرك امنيه ولا مثل ادابك غضة جنيه وعلمنا انه ما للأنس مع غيبتك بهجه ولا للعيش دون لقائك مهجه فبالله الا ما انحجت الأوطار وفتحت بمذاكرتك عن جونة العطار ولك الثناء الذي يتجمل به الدهر ويتفتق رياه عن الروض فاح فيه أرج الزهر وكأنت وفاة المترجم في يوم الأحد ثاني عشر شوال سنة ست وعشرين ومائة وألف ودفن بمرج الدحداح رحمه الله تعالى مع اشهاده على نفسه لولده الأديب المجيد الشيخ محمد وللشيخ عبد اللطيف العمري ابن عبد الهادي انه تارك الدنيا مقبل على الاخرى يشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له وان محمداً عبده ورسوله وان ما جاء به رسول الله حق وان الجنة حق والنار حق وان الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور هكذا أشهد المذكورين على نفسه حين موته ثم أنه ابتدأ في قراءة شهد الله انه لا اله الا هو إلى آخر الآية وسلم وولده المذكور ترجمه الأمين المحبي في ذيل نفحته وذكر له من شعره وكان هو ينسخه قرأ عليه كثيراً من مؤلفاته وكتبها وأنا لم أظفر بكيفية أحواله حتى اترجمه ولكن من أراد الاطلاع على شيء من شعره فعليه بالذيل المذكور رحمهم الله تعالى.
أحمد البعلي
أحمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن مصطفى الحلبي الأصل البعلي
стр. 132
الدمشقي الحنبلي الامام الورع الزاهد الفقيه كان عالماً فاضلاً عاملاً بعلمه ناسكاً خاشعاً متواضعاً بقية العلماء العاملين عابداً فرضياً اصولياً لم يكن على طريقته أحد ممن أدركناه مع الفضل الذي لا ينكر ولد في رمضان سنة ثمان ومائة وألف واشتغل بطلب العلم فقرأ على جماعة وأخذ عنهم الحديث وغيره منهم الشيخ أبو المواهب الحنبلي والشيخ عبد القادر التغلبي وأنتفع به ولازمه ومنهم الشيخ أحمد الغزي العامري الدمشقي ومنهم الشيخ مصطفى ابن سوار شيخ المحيا والشيخ محمد الكاملي والشيخ محمد العجلوني نزيل دمشق والمنلا الياس الكردي نزيل دمشق أيضاً والشيخ عواد الحنبلي الدمشقي وأخذ طريق الحلوتية عن الاستاذ الشيخ محمد بن عيسى الكناني الصالحي الدمشقي والشيخ محمد عقيله المكي والشيخ عبد الله الخليلي نزيل طرابلس الشام وتتبل وتفوق وحاز فضلاً سيما بالفقه والفرائض ودرس بالجامع الأموي وأفاد وأنتفع به الناس سلفاً وخلفاً وله من المؤلفات منية الرائض لشرح عمدة كل فارض والروض الندي شرح كافي المبتدى والدخر الحرير شرح مختصر التحرير في الاصول وغير ذلك من التعليقات في الحساب والفرائض والفقه وكان يأكل من كسب يمينه في حياكة الالاجه وفي آخر عمره ترك ذلك لعجزه وحج ودرس بالمدينة المنورة ولازمه جماعة من أهلها وتولى افتاء الحنابلة بعد الشيخ إبراهيم المواهبي سنة ثمان وثمانين ومائة وألف وكأنت وفاته في محرم سنة تسع وثمانين بعد الألف ودفن بمقبرة باب الصغير وسيأتي ذكر أخيه عبد الرحمن نزيل حلب رحمهما الله تعالى.
السيد أحمد البيروتي
السيد أحمد الشهير بابن عز الدين البيروتي ذكره الاستاذ الأعظم الشيخ عبد الغني النابلسي في رحلته الحجازية سنة خمس ومائة وألف وقال كان قدم علينا دمشق سنة ثلاث وتسعين وألف وكان يحضر دروسنا ويلازم عندنا وهو رجل من الأفاضل الكرام ذوي الصلاح والكمال والخير التام أنشدنا من لفظه لنفسه هذين البيتين تاريخ وفاة الولي الصالح الشيخ عيسى الصالحي الكناني شيخ الخلوتية بدمشق الشام وهما قوله
حسبنا الله تعالى وكفى ... من هموم أعقبت هماً وبؤساً
قد أصبنا يالعمري حيثما ... جاء في تاريخه بالشيخ عيسى
ثم قال والسيد أحمد المذكور له قراءة على والدنا المرحوم العلامة الشيخ إسماعيل النابلسي واجازه وكتب له على نسبه الشريف وكان مولده في سنة اثنين وعشرين
стр. 133
بعد الألف وأنشدنا من لفظه لنفسه قوله
ثمانون عاماً فما فوقهامضت يالعمري بلا فائدهتقضت ولم أك أشعر بها
كأني بها ساعة واحدةأيا ضيعة العمر حيث انقضىبآراء سامجة فاسدة
فيا ليت ما أهتم بي والدي ... ويا ليتها حارت الوالدة
وقال الاستاذ وأنشدنا أيضاً من لفظه لنفسه قوله من الدوبيت
صبري وتجلدي بإسماعيلا ... والقلب متيم بإسماعيلا
لو قيل تسلي عنهما يا هذا ... قالت عيناي لا وإسماعيلا
وهو من قول بلدينا الشيخ أحمد العناياتي النابلسي ثم الدمشقي
صبري عدم في حب إسماعيلا ... لا تحسبه في حب إسماعيلا
كم قلت له بمن تسميت به ... أنعم بنعم فزاد إسماعيلا
وقال الاستاذ ولقد كان بيننا وبين السيد أحمد المذكور موانسات أدبية ومطارحات شعرية في أيام اجتماعه بنا وتردده علينا مع كمال محاضرته وقد جمع لطفاً وليناً وفيه شباهة اعتقادية وطرف جذبة الهيه ثم قال الاستاذ وأنشدنا من لفظه السيد أحمد فوله
أرى هذا الوجود خيال ظل ... محركه هو الرب الغفور
فصندوق اليمين بطون حوا ... وصندوق الشمال هو القبور
وأنشدنا أيضاً من لفظه لنفسه
ما خيال الظل الاعبرة لمن اعتبرفاعتبر قولي اياهذا تجده معتبر
وكذا الدنيا شخوصتترآءى للنظرثم تمضي وتوليمثل لمح بالبصر
وهو من قوم الامام الشافعي ﵁
رأيت خيال الظل أكبر عبرة ... لمن كان في علم الحقيقة راقي
شخوص وأشباح تمر وتنقضي ... الكل يفنى والمحرك باقي
أنتهى وله غير ذلك ولم تصلني وفاته في أي سنة كأنت وترجمته لئلا يخلو كنا بي منه رحمه الله تعالى وأموت المسلمين.
أحمد المنيني
أحمد بن علي بن عمر بن صالح بن أحمد بن سليمان بن ادريس بن إسماعيل بن يوسف ابن إبراهيم الحنفي الطرابلسي الأصل المنيني المولد الدمشقي المنشأ الشيخ
стр. 134
العالم العلم العلامة الفهامة المفيد الكبير المحدث الامام الحبر البحر الفاضل المتقن المحرد المؤلف المصنف كان فائقاً ذائقا له مسامرة جيده ولطافة ونباهة من شيوخ دمشق الذين عمت فضائلهم وكثرت فوائدهم وطالت فواضلهم المعيا لغوياً نحوياً أديباً أريباً حاذقاً لطيف الطبع حسن الخلال عشوراً متضلعاً متطلعاً متمكناً خصوصاً في الأدب وفنونه حسن النظم والنثر ولد بقرية منين سحر ليلة الجمعة ثاني عشر محرم افتتاح سنة تسع وثمانين وألف ولما بلغ سن التمييز قرأ القرآن العظيم ثم لما بلغ من السن ثلاثة عشر سنة قدم إلى دمشق وقطن بحجرة داخل السميساطية عند أخيه الشيخ عبد الرحمن وكان له أخ آخر يقال له الشيخ عبد الملك ارتحل لبلاد الروم وصار مفتياً بأحد بلادها وشغله أخوه الشيخ عبد الرحمن المذكور بقراءة بعض المقدمات كالسنوسية والجزرية والاجرومية وتصريف العزى على بعض المشايخ وله رواية في الحديث عن والده عن قاضي الجن عبد الرحمن الصحأبي الجليل الملقب بشمهورش فانه اجتمع به والده في حدود سنة ثلاث وسبعين وألف وصافحه وآخاه وأمره بقراءة شيء من القرآن فقرأه وهو يسمع فلما أتم قراءته قال له هكذا قرأه علينا النبي ﷺ بين الأبطح ومكة وتكرر اجتماعه به بعد ذلك وقد توفي شمهورش المذكور في سنة تسع وعشرين ومائة وألف وأخبر بوفاته الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي ووافق تاريخ وفاته فقد الجني شمهورش ثم ان المترجم طلب العلم بعد أن تأهل له فقرأ على سادات أجلاء ذكرهم في ثبة منهم الشيخ أبو المواهب المفتي الحنبلي وولده الشيخ عبد الجليلي وجل أنتفاعه عليه والشيخ محمد الكامل والشيخ الياس الكردي نزيل دمشق والاستاذ العارف الشيخ عبد الغني النابلسي والشيخ يونس المصري نزيل دمشق والشيخ عبد الرحيم الكاملي نزيل دمشق والشيخ عبد الرحمن المعروف بالمجلد والشيخ عبد القادر التغلبي المجلد والشيخ عبد الله العجلوني والشيخ عثمان الشهير بالشمعة والشهاب أحمد الغزي العامري والشيخ نور الدين الدسوقي والشيخ الصالح محب الدين ابن شكر وأخذ عن علماء الحجاز كالامام عبد الله بن سالم المكي البصري والشيخ أحمد النخلي المكي والشيخ محمد البصير الاسكندري المكي والشيخ عبد الكريم الخليفتي العباسي والشيخ أبي الطاهر الكوراتي المدني والشيخ علي المنصوري لصراي نزيل القسطنطينية وعلامة الروم المولى سليمان بن أحمد رئيس الوعاظ بدار السلطنة العلية وأخذ عن الشيخ محمد الحليلي القدسي والشيخ محمد شمس الدين الرملي وأخذ طريق السادة النقشبندية مع بعض العلوم عن الجد الشيخ مراد البخاري الحسيني الحنفي وطريق
стр. 135
الخلوتية عن الشيخ حسن المرجاني البقاعي الحلوتي الشهير بالطباخ وطريق القادرية عن الشيخ السيد يسن الحموي القادري الكيلاني ومهر وفضل وطهر كالشمس في رابعة النهار ونشرت تلاميذه وقرأ عليه الوالد حصة من العلوم وأخذ عنه الحديث وغيره واجازه بسائر مروياته وأسانيده وتزوج وكان يوده ويحبه ومن تآليفه نحو ألف ومائتي بيت من كامل الرجز نظم بها انموذج اللبيب في خصائص الحبيب وشرحها فتح القريب ومنها شرح رسالة العلامة قاسم بن قطلوبغا في اصول الفقه ومنها شرح تاريخ لعتبي في نحو أربعين كراساً للغة في رحلة الرومية بطلب من مفتي الدولة العثمانية في ذلك الوقت وهو كتاب مفيد وشرح بشروح كثيرة لكن هو استوفى الجميع وزاد عليها زيادات حسنة ومنها النسمات السحرية في مدح خير البرية وهي تسع وعشرون قصيدة على الحروف المعجمة ومنها القول المرغوب في قوله تعالى فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب ومنها العقد المنظم في قوله تعالى واذكر في الكتاب مريم ومنها تفح المنان شرح القصيدة الموسومة بوسيلة الفوز والامان في مدح صاحب الزمان وهو المهدي ومنها القول الموجز في حل الملغز ومنها بلغة المحتاج لمعرفة مناسك الحاج لخص فيه منسك الشيخ عبد الرحمن العمادي مع الزيادة الحسنة ومنها مطلع النيرين في اثبات النجاة والدرجات لوالد سيد الكونين ومنها الاعلام في فضائل الشام ومنها الفرائد السنية في الفوائد النحوية ومنها اضاءة الدراري في شرح صحيح البخاري وصل
فيه إلى كتاب الصلاة ولم يكمله وله غير ذلك من الرسائل وجمع للوزير الفاضل عثمان باشا الشهير بأبي طوق والي دمشق وأمير الحج كتاب السبعة أبحر في اللغة للامام الجليل مير علي شيرنوأبي ونقله من السواد إلى البياض من مسودة المؤلف وحسنه وجعل له خطبة من انشائه ودرس بالجامع الاموي بشرق المقصورة بأمر من شيخه الشيخ أبي المواهب مفتي الحنابلة لما توفي ولده الشيخ عبد الجليل فاستقام إلى أن توفي الشيخ أبو المواهب فبعد وفاته درس بحجرته داخل مدرسة السميساطية إلى أن توجه عليه تدريس العادلية الكبرى فأنتقل اليها ودرس بها وأقام على الافادة في المدرسة المذكورة والجامع الاموي مدة عمره فدرس بالجامع المذكور في يوم الاربعاء في البيضأوي وفي يوم الجمعة بعد صلاتها صحيح البخاري وبين العشائين في بعض العلوم وأنتفع منه خلق كثير وتزاحمت عليه الأفاضل من الطلاب وكثر نفعه واشتهر فضله وعقدت عليه خناصر الأنام مع تواضع ما سق لغيره في عصره وحسن المجانسة ودماثة الاخلاق وغزارة الفضل والمطارحة اللطيفة ورحل إلى دار الخلافة مرتين وكان ابناؤها يحترمونه وله هناك شهرة بسبب شرحه على تاريخ العتبي المقدم ذكره ورحل إلى الحج مرة وأعطى رتبة السليمانية المتعارفة بين الموالي وصارت عليه تولية السميساطية والعمرية وآخراً صار له قضاء قاراً وأحدث له في الجامع الأموي عشرون عثمانياً وربط عليه خطابة في الجامع المذكور وصار بينه وبين الخطيب محمد سعيد بن أحمد المجانسي المجادلة في ذلك والشقاق وشاعت في وقتها ثم استقر الأمر عليها بعد علاج كثير وقد ترجم المترجم تلميذه الشيخ سعيد السمان في كتابه وقال في وصفه شيخ العلم وفتاه ومن بوجوده ازدان الفضل وتاه أشرق بدراً من افق الهدى تقتبس أنواره وأصبح وهو لمعصم العلى دملجه وسواره فاكتحل به انسان الكمال وتعلقت بذيله من أولى الفضائل الآمال وانقلب به الدهر كله حسنات محمود العواقب في الحركات والسكنات تنهل أساريره بشراً وننفح أردانه نشراً بذكاء لو كان لذكاً لما غيرها الأصيل وأصل في باذخ المجد أصيل وخلق يعلم الحلم الاناءة وشيمة تقابل بالحسنة الاساءة فكم من مغفل فضل أعلمه وكم من مستفيد علم علمه فممن عارفه الا هو أبو عذرتها ولا نادرة الا هو مرهف شفرتها فإذا خاض في مشكل تحقيق حصحص الحق وإذا ابتدر مبحث تدقيق حاز السبق واستحق وإذا ارتقى المنبر سجد له كل مصقع وما تكبر وأما الأدب فهو روضة ذات أفنان الآتي من بدائعه ببدائع أفنان فأساليبه فيه حسنة الانطباع تسوغها الأسماع والطباع وحسبك بمن تأهل للكمالات واعتد من قبل غصن شبيبته يمتد ففاق ببيانه ولسانه وابتهج طرف المعارف بانسانه وتزينة صفحات المهارق بتحريره والتقطت فرائد الفوائد من تقريره وأذعنت لمؤلفاته الصناديد وأودعتها الصدور اشفاقاً عليها من التبديد وكان دخل الروم فتطوقت منه بعقد الثريا واقتدحت من أفكاره زنداً وريا فتلقته رؤساء أعيانها وأحلته منها بسواد أعيانها واقترحت عليه فأجاب بما هو كالصبح المنجاب وقصارى الأمر أنه الفرد الذي عليه المعول والمظهر بمعاني بيانه أسرار الأطول والمطول وهو حدقت عين أساتذتي الذي تحرجت عليه وحبوت للأفادة بين يديه وعطرت أوقاتي بأنفاسه واقتبست نور الأماني من نبراسه وتفيات ظل رعايته عمراً ولم أعص له نهياً ولا أمراً ولي في كل لحظة دعوات أرجو لها الاجابة وتوسلات مقرونة بالضراعة والانابة الا يعتري زهرة أيامه ذبول ولم يبرح لابساً من العمر برداً ضافي الذيول فقد أحلني مكان بنيه ومن يحتوي عليه ويدنيه وهاك من آثاره ما هو أشهى للعيون من الوسن وأفتن للمشجون من الوجه الحسن أنتهى مقاله وكان جدي الشيخ مراد المذكور آنفاً أجل أخصائه ومريديه أخو صاحب الترجمة الشيخ عبد الرحمن المنيني وكان قائماً في أمور جدي بالخدمة وغيرها حتى لما بنى المدرسة المعروفة به في سنة ثمان ومائة وألف جعله ناظراً على العمالين والصناع بها وجعله على أوقافها كاتباً وأمين الكتب وغير ذلك من الوظائف وهي الآن على أولادهم وكذلك جدي والد والدي ووالدي بعده لم يزل كل منهما قائماً باحترام صاحب الترجمة كما سبق إلى أن مات وله شعر كثير حسن بديع فمن ذلك قوله من قصيدة مدح بها المولى أسعد مفتي الديار العثمانيةفيه إلى كتاب الصلاة ولم يكمله وله غير ذلك من الرسائل وجمع للوزير الفاضل عثمان باشا الشهير بأبي طوق والي دمشق وأمير الحج كتاب السبعة أبحر في اللغة للامام الجليل مير علي شيرنوأبي ونقله من السواد إلى البياض من مسودة المؤلف وحسنه وجعل له خطبة من انشائه ودرس بالجامع الاموي بشرق المقصورة بأمر من شيخه الشيخ أبي المواهب مفتي الحنابلة لما توفي ولده الشيخ عبد الجليل فاستقام إلى أن توفي الشيخ أبو المواهب فبعد وفاته درس بحجرته داخل مدرسة السميساطية إلى أن توجه عليه تدريس العادلية الكبرى فأنتقل اليها ودرس بها وأقام على الافادة في المدرسة المذكورة والجامع الاموي مدة عمره فدرس بالجامع المذكور في يوم الاربعاء في البيضأوي وفي يوم الجمعة بعد صلاتها صحيح البخاري وبين العشائين في بعض العلوم وأنتفع منه خلق كثير وتزاحمت عليه الأفاضل من الطلاب وكثر نفعه واشتهر فضله وعقدت عليه خناصر الأنام مع تواضع ما سق لغيره في عصره وحسن المجانسة ودماثة الاخلاق وغزارة
стр. 136
الفضل والمطارحة اللطيفة ورحل إلى دار الخلافة مرتين وكان ابناؤها يحترمونه وله هناك شهرة بسبب شرحه على تاريخ العتبي المقدم ذكره ورحل إلى الحج مرة وأعطى رتبة السليمانية المتعارفة بين الموالي وصارت عليه تولية السميساطية والعمرية وآخراً صار له قضاء قاراً وأحدث له في الجامع الأموي عشرون عثمانياً وربط عليه خطابة في الجامع المذكور وصار بينه وبين الخطيب محمد سعيد بن أحمد المجانسي المجادلة في ذلك والشقاق وشاعت في وقتها ثم استقر الأمر عليها بعد علاج كثير وقد ترجم المترجم تلميذه الشيخ سعيد السمان في كتابه وقال في وصفه شيخ العلم وفتاه ومن بوجوده ازدان الفضل وتاه أشرق بدراً من افق الهدى تقتبس أنواره وأصبح وهو لمعصم العلى دملجه وسواره فاكتحل به انسان الكمال وتعلقت بذيله من أولى الفضائل الآمال وانقلب به الدهر كله حسنات محمود العواقب في الحركات والسكنات تنهل أساريره بشراً وننفح أردانه نشراً بذكاء لو كان لذكاً لما غيرها الأصيل وأصل في باذخ المجد أصيل وخلق يعلم الحلم الاناءة وشيمة تقابل بالحسنة الاساءة فكم من مغفل فضل أعلمه وكم من مستفيد علم علمه فممن عارفه الا هو أبو عذرتها ولا نادرة الا هو مرهف شفرتها فإذا خاض في مشكل تحقيق حصحص الحق وإذا ابتدر مبحث تدقيق حاز السبق واستحق وإذا ارتقى المنبر سجد له كل مصقع وما تكبر وأما الأدب فهو روضة ذات أفنان الآتي من بدائعه ببدائع أفنان فأساليبه فيه حسنة الانطباع تسوغها الأسماع والطباع وحسبك بمن تأهل للكمالات واعتد من قبل غصن شبيبته يمتد ففاق ببيانه ولسانه وابتهج طرف المعارف بانسانه وتزينة صفحات المهارق بتحريره والتقطت فرائد الفوائد من تقريره وأذعنت لمؤلفاته الصناديد وأودعتها الصدور اشفاقاً عليها من التبديد وكان دخل الروم فتطوقت منه بعقد الثريا واقتدحت من أفكاره زنداً وريا فتلقته رؤساء أعيانها وأحلته منها بسواد أعيانها واقترحت عليه فأجاب بما هو كالصبح المنجاب وقصارى الأمر أنه الفرد الذي عليه المعول والمظهر بمعاني بيانه أسرار الأطول والمطول وهو حدقت عين أساتذتي الذي تحرجت عليه وحبوت للأفادة بين يديه وعطرت أوقاتي بأنفاسه واقتبست نور الأماني من نبراسه وتفيات ظل رعايته عمراً ولم أعص له نهياً ولا أمراً ولي في كل لحظة دعوات أرجو لها الاجابة وتوسلات مقرونة بالضراعة والانابة الا يعتري زهرة أيامه ذبول ولم يبرح لابساً من العمر برداً ضافي الذيول فقد أحلني مكان بنيه
стр. 137
ومن يحتوي عليه ويدنيه وهاك من آثاره ما هو أشهى للعيون من الوسن وأفتن للمشجون من الوجه الحسن أنتهى مقاله وكان جدي الشيخ مراد المذكور آنفاً أجل أخصائه ومريديه أخو صاحب الترجمة الشيخ عبد الرحمن المنيني وكان قائماً في أمور جدي بالخدمة وغيرها حتى لما بنى المدرسة المعروفة به في سنة ثمان ومائة وألف جعله ناظراً على العمالين والصناع بها وجعله على أوقافها كاتباً وأمين الكتب وغير ذلك من الوظائف وهي الآن على أولادهم وكذلك جدي والد والدي ووالدي بعده لم يزل كل منهما قائماً باحترام صاحب الترجمة كما سبق إلى أن مات وله شعر كثير حسن بديع فمن ذلك قوله من قصيدة مدح بها المولى أسعد مفتي الديار العثمانية
تذكر والذكر يجد قديمها ... سطور عهود قد تعفت رسومها
فهب به التهيام يسترشد السها ... م إلى ابن امت بالعقائل كومها
الا في سبيل الحب قلب كأنه ... غداة ناؤا وحشية ضل ريمها
سروا عنقاً في ليلة مدلهمة ... تخيلت ان النائبات نجومها
فصرت أرى الأيام تقصر بعدهم ... خطاها كأن قد قيدتها همومها
إلى الله ما بي من بقايا صبابة ... فكادت إذا شبت يبين كظيمها
فمن خلدي لم يبق الا نسيسه ... ومن مقلة لم يبق الا سجومها
ومن شبح لم يبق الا ذمأوه ... ومن أعظم لم يبق الا رسومها
ولما تلاقيا وللعين أعين ... أشد من الهندي فبنا سقيمها
فأيقنت أن لا حتف الا لوامق ... يخال التداني فرصة يستديمها
هنالك من باع الفضائل حلمه ... لعمر العلي بالخرق فهو حليمها
وكم لي من ليلى أمطت به المكري ... أراعي نجوماً راع قلبي رجومها
تحجب عني الفجر حتى كأنه ... سريرة صب لم يزعها كتومها
فبت أراعي النجم فيه وعزمتي ... تشب كنار قد نحاها كليمها
سأضرب وجه الأرض لا أنتحي به ... من المجد الا ما أنتحته قرومها
إلى أن أعاف البدن وهي لواغب ... وأترك غيطان الفيافي تلومها
وأبصر غيلان المنايا تنوشني ... بها الواري أوطار نفسي ترومها
فمن لم يكن ذا همة دونها السها ... فسوف تلاقي نفسه ما يضميها
لعل النجيات الجياد إذا طوت ... من البيد ما لا يطويه نسيمها
стр. 138
يجوب بنا بيد أيضل بها القطا ... إلى أسعد المولى الهمام رسيمها
إلى ماجد لم يبرح الدهر واهباً ... رغائب لم يسمح بهن يميمها
يكتم مهما اسطاع جدواه للورى ... وكيف صرار المسك يخفي شميمها
ولا عيب فيه غير أن نواله ... إذا ضنت الانواء فهو سجومها
على الخير مقطور بغير تكلف ... سجية طبع عطر الكون خيمها
ومن لي بأن أرجي المطي على الدجى ... وتدنو بالآمال مني حلومها
لدار هي الدنيا وشهم هو الورى ... وجود هو الانواء سحت غيومها
فما روضة غناء جاد نبالها ... من المغدق الهطال جود يرومها
توالى على أرجائها غير ضائر ... وأمرع ما بين الرياض هشيمها
وظل يباري المندلي عرارها ... ويزهو لعين الناظرين جميمها
كأني قد أسقيتها من محاجري ... حياء سقاها من عيوني عميمها
باندي يداً منه وأبسط راحة ... تمادي على مر الزمان نعيمها
وكم من يد بيضاء من شام نورها ... يقل عاد للدنيا عياناً كليمها
أعد نظراً في وجهه تر بهجة ... هي الشمس لا يسطيع طرف يشيمها
وقوله من قصيدة ممتدحاً بها المولى خليل الصديقي حين ولي أفناء دمشق الشام
ألم والشهب حيرى في دياجيها ... طيف يقرب آمالي ويقصيها
فاعجب له من خيال زار مشبهه ... والعين لم تدن من غمض مآفيها
اني اهتدي المكاني والكري حقباً ... كراه عن وكر جفني ضل هاديها
يزورني والدجى سود غدائره ... وينثني وهي مبيض حواشيها
كي لا ينم على خود ممنعة ... لم يطمع الوهم يوماً في تلاقيها
مهاة حسن كخوط البان ان خطرت ... فالدل يقطر من اعطا فيها تيها
هي الغزالة في أشراقها فلذاً ... تكلف البدر لما رام يحكيها
وشاحها خافق يشكو الصدى أبداً ... من فوق أمواج حقف عم طاميها
وللحجول نعيم لا يزايلها ... يظل بالري غصاناً مجانيها
والحلم في قلبها خلق تزان به ... والقرط يبدي لنا طيشاً وتسفيها
تمشي كما لاعبت ريح الصبا غصناً ... أو كالغمامة تخطو في تهاديها
لولا دجى شعرها ما ضل ذو شجن ... ولا انثنى عن هدي لولا تثنيها
واهاً لقلبي كم يصلي بنار جوى ... وكم يساء بيأس من تجنيها
стр. 139
قل للعقيلة من تيماء تحرسها ... بيض الصفاح وسمر الخط تحميها
مالي إذا افتر صبح أو دجى غسق ... أو نص بالعيس يوم البين حأويها
تهزني نشوات من تذكرها ... كأنما أنا للصهباء حاسيها
وتستثير إذا هبت يمانية ... دواعي الشوق مني من أقاصيها
حتى طويت رداء الحلم ممتطياً ... سوابقاً ضل عن رشدي هواديها
فخضت بحر حديد من عشائرها ... وجست غيل رماح من أهاليها
ما خلت أن يطبيني وصل غانية ... ولا يحل حبي حزمي أمانيها
لكن طرفك يا هذي أفاح دمي ... مذموه السحر في عينيك تمويها
اتلفت مهجة من يهواك فاحتملي ... غرماً فقد يغرم الاشياء مرديها
فان أراك ذو جهل وشي فسلى ... فإنما ينبئ الاشياء داريها
هذي شريعة خيراً لخلق ظاهرة ... وذا ابن صديقه بالحق مفتيها
وقوله مشطراً أبيات العارف بالله تعالى الاستاذ أبي المواهب البكري المصري
ما أرسل الرحمن أو يرسل ... من كل خبر للورى يحصل
وما حبا الله لأهل الولا ... من رحمة تصعد أو تنزل
في ملكوت الله أو ملكه ... فوق الطباق السبع أو أسفل
وما من الألطاف حف الورى ... من كل ما يختص أو يشمل
الأوطه المصطفى عبده ... سر الوجود السيد الأكمل
خاتم رسل الله مبعوثه ... نبيه مختاره المرسل
واسطة فيها وأصل لها ... وليس فيها للسوي مدخل
وكل افضال منوط به ... يعلم هذا كل من يعقل
فلذ به من كل ما تخشى ... تأمن أذى خطب غدا يثقل
ولا تخف سطوة باغ سطا ... فإنه المأمن والمعقل
وناده ان أزمة انشبت ... مخالباً من دونها الأنصل
وقل إذا نائبة علقت ... أظفارها واستحكم المعضل
يا لكرم الخلق على ربه ... وأشرف الرسل الأولى فضلوا
وشافع الخلق بفصل القضا ... وخير من فيهم به يسال
قد مسني الكرب وكم مرة ... قد ضمني من جاهك الموئل
وكم لدى الضيق عن الخلق قد ... فرجت كرباً بعضه يذهل
стр. 140
ولن ترى أعجز مني فما ... لدى صبر في البلا يجمل
ولست من ضعفي وما حل بي ... لشدة أقوى ولا أحمل
فبالذي خصك بين الورى ... بانك الخاتم والأول
فصرت ممتازاً على الانبيا ... برتبة عنها العلى تنزل
عجل باذهاب الذي أشتكي ... فقلبي المضني به موجل
مالي سواك اليوم من ملجأ ... فإن توقفت فمن أسأل
فحيلتي ضاقت وصبري انقضى ... وهول أوجالي لا يحمل
وضقت ذرعاً بالذي نابني ... ولست أدري ما الذي أفعل
وأنت باب الله أي امرء ... لازمه فاز بما يأمل
وفضله جم ولكن من ... أتاه من غيرك لا يدخل
صلى عليك الله ما صافحت ... أيدي الصبا قضب الربا الميل
وما أفاحت كل وقت شذا ... زهر الروأبي نسمة شمأل
مسلماً ما فاح عطر الحمى ... مذ جاده صوب الحيا المسبل
وما سرى صبحاً نسيم الصبا ... وفاح منه الند والمندل
والآل والأصحاب ما غردت ... صوادح منها حلا مقول
وما استقلت فوق غصن النقا ... ساجعة املودها مخضل
وقوله
لا تعجبوا أن قلبي عندما نظرت ... عيناي طلعته يصلي لظى الوهج
فوجهه الشمس منا العين قد قبست ... للقلب نار أتسوق الحنف للمهج
والشمس أن قابل البلور طلعتها ... تذكي وتحرق ما مسته بالبلج
وأصل المعنى فارسي ومنه قول الأديب إبراهيم السفرجلاني
اطلاق طرفي في محاسن وجهه ... أذكى الجوى في القلب حتى برحا
فحريق قلبي من زجاجة ناظري ... مذ قابلت من وجهه شمس الضحى
ومنه قول الفاضل المولى خليل الصديقي
ترف كغصن البان يعجب بالبها ... وبوجهه الشمس المنيرة تشرق
فكأن عيني عندما نظرت له ... بلورة فيها فؤادي يحرق
ومن ذلك قول الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي
يقولون ما نار بقلبك أوقدت ... ومن أين تأتي النار أدركك السلب
стр. 141
فقلت لهم بلورة العين قابلت ... أشعة شمس الحب فاحترق القلب
وقوله أيضاً
قال لي من أحب من أين نار ... هي في القلب منك قلت اعتذاراً
ان عيني بلورة قذفت في ... وسط قلبي من شمس وجهك ناراً
وقوله أيضاً
قابلت عيني شعاعاً لاح في شمس الجبين ... فرمت في القلب نار العشق بلورة عيني
وللمترجم
أقول لما بدا كالغصن يخطر في ... برد حكى الجلنار الغض في الورق
جل الذي فتنة للناس صوره ... قوموا انظروا كيف يسري البدر في الشفق
هو من قول تاج الدين جعفر وقد رأى غلامين على أحدهما ثوب ديباج أحمر وعلى الآخر ثوب أسود
أرى بدرين قد طلعا ... على غصنين في نسق
وفي ثوبين قد صبغا ... صباغ الخد والحدق
فهذا الشمس في غسق ... وهذا البدر في شفق
وقول الآخر
ظبي من الترك يرمي قوس حاجبه ... في قلب ناظره سهماً من الحدق
تضئ في الحلة الحمراء طلعته ... كأنه قمر قد لاح في الشفق
ويقرب من ذلك قول بعضهم في غلام متردي بلباس أزرق
ولما بدا في أزرق من قبائه ... يتيه بفرط الحسن في خيلائه
خلعت عذارى ثم صحت عواذلي ... قفوا وانظروا بدر الدجى في سمائه
وقول الآخر في مليح لابس ثوب أحمر
يا طلعة القمر المنير الأزهر ... يا مقلة الظبي الغرير الأحور
لو لم تكن غصناً لما لاحت لنا ... أعطاف قدك في لباس أحمر
ولبعضهم في مليح لابس ثوباً أصفر
بدا قاتلي في أصفر فتعجب ال ... خلائق منه قال ما في من عجب
لا بي أرى جسمي سبائك فضة ... فأحببت منها أن تموه بالذهب
ولبعضهم في مليح لابس نوباً فستقياً في فستقي اللون لما بدا يميس مثل الغصن المورق من وقد مر على صبه وما الذ المن بالفستق وللمترجم
стр. 142
على السر لا تطلع صديقاً ودعه في ... ضميرك عن كل الأنام مصوناً
فان ضمير الفرد مستتر وان ... تثنى تبدي للعيان مبيناً
هو من قول بعضهم
سرك ان أودعته ثانياً ... فاعلم بأن قد آن أن تفشيه
فإن ما اضمر في حالة ال ... افراد تستخرجه التثنيه
وللمترجم
وصفته ببديع من محاسنه ... بدر غدا يخجل الأغصان بالميد
فقام من فرح يسعى للثم يدي ... لما سلكت بمدحي أحسن الجدد
فقلت تفديك مني الروح من فطن ... فاق المها والظبا باللحظ والجيد
قبل فمي يا رشا ان رمت جائزة ... فإنه بفمي قد صيغ لا بيدي
وأصل ذلك يحكي عن عبد الباقي شاعر الروم أنه كان نظم قطعة من الشعر في غلام مشهور بالجمال فلما سمع الغلام القطعة أعجبه ما فيها من التخيل وأقسم أنه يقبل رجله إذا رآه فاتفق انه صادفه في بعض أسواق قسطنطينية وعبد الباقي راكب وجماعته في خدمته فدخل الغلام وأراد يقبل رجله فمنعه من ذلك وقال ما حملك على هذا الك حاجة قال لا وأخبره باليمين الذي حلفه فقال له أنا نظمت الشعر بفمي ولم أنظمه برجلي فخجل الغلام وانصرف ونظم هذه الواقعة الأديب أبو بكر العمري الدمشقي في ثلاثة أبيات وهي قوله
قال لما وصفته ببديع ... الحسن ظبي يجل عن وصف مثلي
مكن العبدان يقبل رجلاً ... لك كيما يحوز فضلاً بفضل
قلت انصف فدتك روحي فإني ... بفمي قد نظمته لا برجلي
وقريب منه قول الصاحب ابن عباد
وشادن جمالهتقصر عنه صفتيأهوى لتقبيل يديفقلت لا بل شفتي
وقوله الوأواء الدمشقي
يا بدر بادر إلي بالكاس ... فرب خيراتي على ياس
ولا تقبل يدي فان فمي ... أولى به من يدي ومن رأسي
وللمترجم
يا مانعاً لزكاة حسن صانه ... وبوجنتيه من الجمال نفائس
أدى زكاة الحسن بوسا أنني ... لبهاء طلعتك الفقير البائس
стр. 143
أخذه من قول الآخر الحسن مال له زكاة وعندكم جزؤه الكبير ادوا زكاة الجمال بؤساً فها أنا البائس الفقير ومن نثره البديع ما كتبه بعض الموالي في غرض عرض سهم أصاب وراميه بذي سلم من بالعراق لقد أبعدت مرماك اليك نفثة مصدور قد خزئها اللسان وبثة مضرور انطوى على شوك القتاد منها الجنان قد كنت في ابدائها شفاهاً أقدم رجلاً وأوخر اخرى ثم رأيت حملها على لسان القلم بي أحرى حذراً من مشافهة ذلك الجناب بما لا يدري الاعتذار هوام عتاب وذلك أن الداعي تشرف منذ قريب بالمجلس العالي لا زالت به مشرقة الأيام والليالي وفاز من كعبة المجد بالتقبيل والاستلام وحيا ذلك المحيا بعد لثم الأيدي بسلام فلما استقرت به زمر الناس وحمل كل منهم على ايناس بعد ايناس شمت منه أعزه الله بارقة أعراض ولمحت من جنابه عين أغماض ووجدت أبواب الأقبال محكمة الأقفال وكواعب الالتفات ممنعة بحجب الجلال ولطالما وردت من ألطافه كل عذب نمير وتنزهت من بشراه ونداه بين روضة وغدير واستضحكت ببشاشة الروض الأنيق ورنحت بنسائم لطفه كل غصن وريق
كريم لا يغيره صباح ... عن الخلق الجميل ولا مساء
فأحدقت بي اذ ذاك الهواجس وتنازعتني الوسأوس وانبثت مطايا افهامي في كل فج عميق وطاشت سهام أفكار في كل مرمى سحيق إلى أن ظهر السبب بما يقضي منه العجب فتمنيت أني كهدهد سليمان لأبرز جلية ما عندي على منصة البيان أو أبوء بالنكال والحسران ولا أتقلب من الكتمان على جمر الغضا وأردد الأمر بين سخط ورضى ومما زاد ذلك ضراماً وملأ القلب كلاماً أنني يوم تشرفت برؤياكم وتوسمت جميل محياكم قصدت الاجتماع بجناب سيدي المولى الأكرم من لا أذكره من الحقوق الا بعهد زمزم لأشكو إليه بثي وحزني وأبين له جلية أمري وشأني فلما آنس مني ذلك سرى كما يسري الطيف الحالك وخرج من المنزل السامي سراً كأنه كلف شيأ نكراً فليت شعري أخالف كريم شيمه أم أخلف عهود كرمه
قد كنت عتى التي أسطو بها ... ويدي إذا اشتد الزمان وساعدي
فرميت منك بغير ما أملته ... والمرء يشرق بالزلال البارد
تالله أنكم لأهل بيت مرفوع العمد بخفض الجناح للمؤمنين وبذل النصح والمعروف لأهل التقى والدين الطافكم وافرة وصلاتكم غامرة فمن أبدى لكم عقوقاً أو غمصكم منناً وحقوقاً فقد ظلم نفسه وخسر يومه اذ نسي أمسه وتعرض للمقت والهوان
стр. 144
وأرتدي بجلباب الردى والخسران وكان كالرأس إذا جحد جسده أو كالسارق إذا عق يده ولكن زادكم الله تثبيتاً وصانكم عن أن تسوموا محباً تعنيتاً هل يحسن منكم بعض الظن بعبيد رق لا يروم فداء ولا من ام كيف تشهر صوارم الأعراض على من لا يطيق مع ذوي وده كفاحاً أو يرمي بالقطيعة أسيرحب لا يريد سراحاً ومن أين يشتبه عليكم من سبكت أيدي امتحانكم نضاره وسبرت بصائر نقدكم أسراره كيف وأنتم ملجأه الأسمي وكهفه المنيع الأحمي واليكم مهيعه ومهر به إذا نشب به من الزمان مخلبه وحاشاكم من ضعف الثقة بأهل المحبة والمقه أو أن بروج عليكم زخرفة كلام أو يستوي عندك التبر والرغام أو يرضيكم تبسم كاشح لم يدر ما وراء برقه أو يقنعكم تمويه ظاهره عما جنه من خلقه فلكم قطوب من وداد خالص وتبسم عن غل صدروا غر وإذا غنم عليكم من سحب هلال رمضانه أو أشكل لديكم شيء من شأنه فالاخرى بأمثالكم أحضاره ثم اختباره واستفساره كيلا تصغو إلى بهتان أو يدنو من سماء مجدكم شيطان ومثلكم لا يخفى عليه الحسن من الشين ولا يلتبس عليه الصدق بالمين وها أنا أبرز القضية بجليتها وأعبر عها بحقيقتها والله المطلع على السرائر العليم بما اكنته الضمائر فان تبين بهذا المقال حقيقة الحال وتميز السراب من الشراب والاه لتربص إلى أن يأتي الله بالبيان ويتجلى الأمر للعيان فهو المزيج لما في الضمير وبيده أزمة التقدير وقلوب بني آدم بين اصبعين من أصابع الرحمن يصرفها كيف شاء أنتهى.
وله أيضاً
وصاحب هزني شوق لرؤيته ... ولم تزل ناجيات الوجد تحملن
حتى إذا الدهر يوماً حط راحلتي ... بقربه وأنتهزنا فرصة الزمن
جأورت منزله كيما أنال به ... انسا يزيل صدا الاكدار والحزن
فلم يزدني علي دعوى الطعام كما ... يدعى على سغب ذو الفقر والاحن
لم يقض حقي فما لبيت دعوته ... وما بذلك عار عند ذي الفطن
ودعت من ذاته رسماً وقلت له ... حتى م الوى على الاطلال والدمن
وله راداً على رومي يسمى شهري نعرض لذم أهل الشام بقوله
يقولون شهري قد تجأوز حده ... بتنقص أرباب الكمال ذوي القدر
فقلت إذا كأنت مذمة ناقص ... فتلك كمال ظاهر عند من يدري
وما قد بدا من فيه فيه محقق ... ولا عجز فالنقص من عادة الشهر
стр. 145
وله أيضاً
يا شقيق الغزال جيداً وطرفاً ... أنت باللحظ قاتلي وحياتك
أنني نائل الشهادة حتماً ... بسيوف الجفون من لحظاتك
ما لقلبي يصلي من الخد ناراً ... تتلظى في جنتي وجناتك
قد تركت الكماة بين قتيل ... وصريع لم يصح من سكراتك
وإذا ما تثنيت تخطر تيهاً ... كان حتف العشاق في خطراتك
كيف يرجو النجاة من رشقته ... بفتور تلك العيون الفواتك
تستلذ لقلوب منها احوراراً ... وهو أمضى من السيوف البواتك
من جفك المديد صبري جفاني ... ونفار المنام من نفراتك
لم يكن لي إلى سواك التفات ... فتدارك وأو ببعض التفاتك
لم يدع لي جفاك غير ذماء ... وبه قد سمحت في مرضاتك
أنت في الحل من دمي وبروحي ... مع أهلي أفدي بديع صفاتك
وله غير ذلك من الأشعار الرائقة والنثر البديع والعنوان يدل على ما في لصحيفة وكأنت وفاته في يوم السبت تاسع عشر جمادي الثانية سنة اثنين وسبعين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح وسيأتي ذكر أولاده عبد الرحمن وعلي وإسماعيل ان شاء الله تعالى والمنيني نسبة إلى قرية منين من قرى دمشق ولد بها هو ونشأ وأصله من برقائيل بكسر الباء الموحدة وسكون الراء بعدها وقاف ثم ألف ثم ياء مثناة تحتية مكسورة ثم لام قرية من أعمال طرابلس الشام كان والده ولد في برقائيل المذكورة في سنة ثمان وعشرين وألف ثم ارتحل وسنه احدى عشرة سنة إلى دمشق الشام وتوطن بصالحيتها واشتغل بطلب العلم على جماعة منهم العلامة الشيخ محمد البلباني الصالحي والشيخ علي القبردي الصالحي وتفقه على مذهب الامام الشافعي ثم ارتحل إلى قرية منين المذكورة في سنة ست وأربعين وألف وكان مرجعاً لأهل تلك القرية وغيرها بالفرائض وتوفي بالقرية المزبورة في سنة ثمان ومائة وألف ودفن بها والله أعلم.
أحمد السعيد المرادي
أحمد السعيد ابن علي بن محمد بن مراد بن علي بن دأود وينتهي إلى النبي ﷺ المرادي الحسيني الدمشقي الحنفي أبو المجد رشيد الدين أخي المولى الامام الأجل العالم الفاضل العديم المناظر والمناضل الذكي النبيل النبيه
следующие страницы →