Полный текст (1 167 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
بالمطالعة والعبادة صارفاً عمره بالاشتغالات في العبارات العلمية عابداً فالحاً ولد بحلب في سنة أربع وخمسين وألف ونشأ بها وأخذ العلم عن علمائها الفحول والواردين اليها وقرأ التفسير على والده المحقق المولي الكواكبي والفقه على الشيخ زين الدين أمين الفتوي وأخذ المعقولات عن الفاضل السيد أبي بكر المعروف بنقيب زاده والحديث عن الشيخ أبي الوفا العرضي والآلات عن الشيخ عثمان الشعيفي وأخذ كثيراً من الفنون على كثير من العلماء منهم الشيخ إبراهيم بن حسن الكوراني ثم المدني وبرع وفاق وفهد بفضائله الآفاق وألف وأفاد وصنف وأجاد وكتب على مواضع كثيرة في التفسير ودون حاشية على جزء البنا وحاشية على منظومة والده التي في الفروع المسماة بالفرائد السنية وشرحها الفوائد السمية وحاشية على منظومة والده في الاصول المسماة منظومة الكواكب وشرحها ارشاد الطالب وله تحريرات على المطول والتلويح وغير ذلك لكنه لم يخرج أكثرها من المسودات ولازم المولى شيخ الاسلام علامة الافاق يحيى بن عمر المنقاري ودخل طريق المدرسين والموالي في دار الملك قسطنطينية المحمية وعزل عن مدرسة بأربعين عثماني ففي سنة ست وتسعين وألف توفي والده الشهير العلامة فأعطى مكانه فتوى حلب بلدته مع مدرسة الخسروية باعتبار رتبة السليمانية ففي سنة ست ومائة وألف في ذي الحجة أعطى رتبة قضاء القدس الشريف ثم في سنة عشرين ومائة وألف في شعبانها أعطى قضاء ازنيق على طريق الاربلق في سنة احدى وعشرين ومائة في جمادي الأولى أعطى قضاء طرابلس الشام وبعد عزله توجه إلى القسطنطينية وجرى له مع علمائها مباحث ومذاكرات نفيسة في أنواع العلوم وله في أهلها القصائد اللطيفة والمدائح البديعة الا أنها لم تدون ولما كان قاضياً بطرابلس الشام أنشد فيه ممتدحاً العالم الشيخ محمد التدمري الطرابلسي قوله
على فترة قاض أتانا كيوشع ... فردت شموس الفضل بعد الغياهب
فقل للمدعي أن رام يبلغ شأوه ... محال ومن يبلغ بلوغ الكواكب
وقد ترجم المترجم خاتمة البلغاء السيد الأمين المحبي الدمشقي في ذيل نفحته وذكر له من شعره وقال في وصفه سابق حلبة الاحسان والحجة البالغة في فضل الانسان بهمة دونها فلك التدوير وشهاب تابى أن تنطبع في غالب التصوير لا يبعد على قدره نيل السها ولا تعز على شيمته في المعاني سدرة المنتهى وثائقه في المجد ثابتة وأغصان محامده في رياض الشرف نابته فهو أعظم من أن يفي قول بأوصافه وأكبر من ان يقاس طول بمعروفه وأنصافه وهو الآن مفتي تلك الديار وعند حماه تلقى
стр. 177
عصاه التسيار فهو كالكعبة يزار ولا يزور وأم الفضائل بمثله مقلاة نزور وتأليفه وتحريراته وفتأويه وتقريراته مل النواظر والمسامع ورونق المحافل والمجامع ولاقلامه صرير من سرور الصواب بتحرير فتأوي شقت صدور الجواب وله شعر تسمو به البراعة وتعلو وتنمو به فرائد البراعة وتغلو فمنه قوله مضمناً مطلع قصيدة المتنبي
دار للمياء كنت أعهدها ... يجمع شمل السرور معهدها
أقوت فلا ريمها وربربها ... بها ولا ريمها وخردها
لا تلحي أن وقفت أنشدها ... بيت أخي الشعر وهو سيدها
أهلاً بدار سباك أغيدها ... أبعد ما بان عنك خردها
وكف عن عبرة أحدرها ... فيها وعن زفرة أصعدها
هل هي الابلوي أحققها ... ونار وجد بالدمع أخمدها
ما لبنات الهديل تطربني ... ألحانها عندما ترددها
حمائم كلما هتفن ضحى ... يشب من لوعتي توقدها
أبكي وتبكي معي فنحن كذا ... تسعدني تارة وأسعدها
يا من لنفس عن برئها عجزت ... أسانها واستعاذ عودها
ومهجة قد قضت صبابتها ... لها وقد خانها تجلدها
ساروا بريا الشباب ناعمة ... يزين أعطافها ناؤدها
ما لغصون النقا موشحها ... ولا لسرب المها مقلدها
ساروا ولي في حمولهم كبد ... تائهة ما أطيق أرشدها
بالله يا حاد بي ركائبها ... قفوا لعلي في الركب أنشدها
في كل يوم دار أفارقها ... وأهل دار بالرغم أفقدها
ترمي النوى بي وناقتي سعة ... للبيد ينضي المطي فدفدها
أرح بمثواك همة تعبت ... وعزبلاً لا تزال تجهدها
سينظر الناس بعدها ويرى ... أطواق مدحي لمن أقلدها
قيل فأي الكرام تطلب أو ... تقصد والحال أنت أحمدها
قلت منجي العباد هاديها ... إذا ما عرت ومرشدها
وقوله
بالله ان لحظات فتان الهوى ... لحظت فكن للناس أكبر ناسي
متهتكاً في هاتك بجماله ... بل فاتك بقوامه المياس
стр. 178
وإذا جلست إلى المدام وشربها ... فاجعل حديثك كله في الكاس
وتنأول الافراح من حالاتها ... بالزق أو بالدن أو بالطاس
واجعل نديمك فيه غير مقصر ... ابن الكرام لبنت كرم حاسي
الراح طيبة وليس تمامها ... الا بطيب خلائق الجلاس
ومديرها رشأ كأن عيونه ... وسنانة كالنرجس النعاس
فاشرب ولا تقنع بحسو قليلها ... فأقل فعل الخمر ميل الرأس
وإذا مللت من المدام فثغره ... نعم المدام الطيب الانفاس
قوله متهتكاً في هاتك البيت إلى آخره والذي بعده هما لأبي نواس من خمرية له وقوله من قصيدة
يا رشادي وابن منى رشادي ... غاب عني مذ غاب عني فؤادي
كان عهدي به باطلال سلع ... ضل مني ما بين تلك الوهاد
أسرته من ساكنيه مهاة ... فهو في أسرها ليوم المعاد
فهو في قبضة الجمال معنى ... في هواها وهالك دون وادي
يا خليلي عرجاً نحو سلع ... وأنشداه من رائح أو غادي
وأشرحا حالتي وسقمي لمى ... وغرامي بها وطول سهادي
وأبكيا لي بين الطأول بدمع ... فدموعي قد آذنت بنفاد
عل ذات الحمي ترق لصب ... قد خفي رقة عن العواد
وابلغ ما قيل في معناه قول الخالدي أبي بكر رحمه الله تعالى
مهدد خانه التفريق في أمله ... اضناه سيده ظلماً بمرتحله
فرق حتى لو أن الدهر قاد له ... حيناً لما أبصرته مقلتا أجله
وأغرب منه قول أبي الطيب المتنبي
ولو قلم ألقيت في شق رأسه ... من السقم ما غبرت من خط كاتب
وقول أبي الطيب أيضاً
ابلي الهوى اسقا يوم النوى بدني ... وفرق الهجر بين الجفن والوسن
روح تردد في مثل الخيال إذا ... أطارت الريح عنه الثوب لم يبن
كفي بجسمي نحولاً أنني رجل ... لولا مخاطبتي اياك لم ترني
وألطف منه قول الثماد الواسطي
قد كان لي فيما مضى خاتم ... والآن لو شئت تمنطقت به
وذبت حتى صرت لو زج بي ... في مقلة النائم لم ينتبه
وقول كشاجم
стр. 179
وما زال يبري أعظم الجسم حبها ... وينقصها حتى لطفن عن النقص
فقد ذبت حتى صرت ان أنا زرتها ... آمنت عليها أن يرى أهلها شخصي
وقال الأديب أبو بكر العمري الدمشقي
كدت أخفي من ضنا جسدي ... عن عيون الجن وأبشر
وقال بعضهم
براني الهوى بري المدى وإذا بنى ... صدودك حتى صرت انحل من أمس
ولست أرى حتى أراك وانما ... يبين هباء الذر في الق الشمس
وللمترجم
ان لم يكن لي أجداداً سود بهم ... ولم تثبت بنو الشهباء لي شرفا
ولم أنل من ملوك العصر منزلة ... لكان فخري في ذا العلم منه كفى
وبعد نفيه وأجلائه إلى قبرس وعزله عن الافتاء بلا جناية تقتضي ذلك ارتحل للروم وكان خلاصه على يد الوزير الصدر علي باشا فألف كتاباً باسم السلطان أحمد خان وهو مبني على تعريف السلطان والرعايا وما يجب له عليهم وما يجدهم عليه وجمع به نوادر ومسائر علمية وغير ذلك وأعقبه بنثر هو فرائد جمان ودرر وامتدح الوزير بقصيدة يذكر بها تراكم الخطوب عليه ومطلعها
حلف الزمان يمينه مأجورا ... من دون مجدك لا يروم وزيرا
وبلابل الافراح غنت في الربا ... طرباً بمن ملأ الوجود سرورا
بجدد الدين الذي علم الهدى ... لا زال في ساحاته منشورا
صدر له شم المعالي رتبة ... بالصدق يعرف ظاهراً وضميرا
انسان عين الدهر جوهره الذي ... ما مثله بين الانام نظيرا
ألقت له الدنيا مقاليد الملا ... فغدا العصي بعزمه مأسورا
تجري الأمور بوفق ما يختاره ... فالعسر كان ببابه ميسورا
ما قابلته كتيبة الا غدا ... سلطانها من بأسه مقهورا
فكان وقع سيوفه في حامهم ... قلم يسطر طرسهم تسطيرا
كل الولاة لأمره منقادة ... حتى الزمان غدا له مأمورا
يا أيها البدر الذي في أفقه ... أضحى على أهل الزمان منيرا
بشرت طالعت السعيد بأنه ... في الخافقين بنى علا وقصورا
هابتك أجناس الحلائق كلهم ... وغدا الكبر براحتيك صغيرا
وعلى قدر شارفت شرفاته ... شرف النجوم غدا لديك حقيرا
стр. 180
لك هيبة لولا تبسم سنك ال ... ضحاك ألقت في القلوب سعيرا
منها
والعبد يعرض حاله فلقد غدا ... بالعزل ظلماً جابراً مكسورا
فغدا يكابد همه وغمومه ... في قعر دار لا يريد سمرا
يدعو لسلطان البسيطة والذي ... أضحى بنصرة دينه مشهورا
بعلاك يرجو أن يكون مؤيداً ... في خدمة تدع الفقير أميرا
أيحل من كأنت تراجعه الورى ... من كل مصر أن يرى محجورا
فإذا تصادمت الفحول بمشكل ... أضحى بخافيه البهيم بصيرا
وغدا يقول الفاضلون بأنه ... فخر غدا للفاضلين أميرا
وامنن على قوم كرام لم يروا ... مما دهاهم منقذا ونصيرا
كانوا بحال في الغنا متوسط ... حالت إلى حال أراه خطيرا
لا زلت في أوج المعالي صاعداً ... متأيداً متأبداً منصورا
وأسلم ودم تمضي أمورك في الورى ... كمضاء سيف لم يزل مشهورا
وامتدح بالقصائد من دمشق وغيرها فممن مدحه الأمين المحبي المذكور
يهيجني للوجد ذكر الحبائب ... وللمدح أشواقي كوصف الكواكبي
همام به الشهباء تسمو وتعتلي ... وتجري على مضمارها بالغرائب
فتى لبس المجد الموئل فخره ... فكان إذا كشاف كل النوائب
إذا فسروا وألتفت الساق بينهم ... ودارت رحاهم في دقيق التشاغب
فما عد لو أمنه بمثل ابن عادل ... ولا فخروا بالفخر عند الثعالبي
وان حدثوا قال البخاري ليته ... تقدمني يوماً ليسند جانبي
وان ذكروا الاسناد سلم مسلم ... فمن فوقه حتى البراء بن عازب
ومهما رووا قال الامامان سلموا ... له فهو منا عوض ضربة لازب
ومهما نحوا بز الكسائي ثوبه ... وجر به عمرو ذيول المآرب
وان وزنوا قال الخليل بن أحمد ... عروض عروضي ثم غير مناسب
وان نظموا قال ابن أوس مدائحي ... سبايا وقال البحتري نسائي
جواد تناجي الفكر آثار جوده ... بأن ثرى ناديه مثوى المواهب
لقد سارت الركبان شرقاً ومغرباً ... بأوصافه الغر النقايا المناقب
ترقرق ماء الشرفية ورنقت ... على خلقه الأيام صفو المشارب
له سؤدد لو كان للشهب أصبحت ... شموس نهار لا نجوم غياهب
стр. 181
وثمة أراء بنجح حوافظ ... تسدد من أطراف سمر سوالب
تقلم أظفار المكارم تارة ... وتمسح طوراً عن وجوه المطالب
من القوم يثني نحو سدة مجدهم ... عنان القوافي والثنا المتراكب
وان كثروا احصوها بفضل بيانهم ... على ذلك التدوير زهر الكواكب
كأني وقد أسجيته المدح ريطة ... ثنيت على عطفيه حلة كاعب
أحييه بالمدح الذي فاح نشره ... وأودعه قلباً نزوع المآرب
ولي أمل أرجو به طول عمره ... يجدد ما أبلته أيدي الحقائب
فلا زال يبقى للأنام يفيدهم ... علوماً كحد الماضيات القواضب
وكأنت وفاة المترجم في قسطنطينية في يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر رجب سنة أربع وعشرين ومائة وألف ودفن خارج باب أدرنة وفي حصر أثاره واستقصائها تجأوز الحد وكمال التطويل رحمه الله تعالى.
أحمد السابق
أحمد بن محمد بن علي بن عبد القادر العراقي الحدادي المعروف بالسابق الدمشقي الشافعي الشيخ الصالح الفاضل الأديب اللوذعي الأريب الصوفي كان ممن كرع من حوض العلوم وتفيأ ظلال الكمال والأدب الكامل وله أشعار كثيرة وترجمة الشيخ سعيد السمان في كتابه وقال في وصفه أحد من جال في ميدان هذا الطابق وجرى في حلبة رهانه فكان هو السابق شرع في طلب الكمال فنال المرام وقال في صوته النوم على الأجفان حرام وجد وما قصر وطمع وربما أبصر وله أشعار أكثرها على لسان القوم قد عام في مداركها أي عوم رأيته وبياضه بالكتم مكتوم راضياً من الزمن بالأمر المحتوم الا أن نكته العذب المساغ بل الذهب الذي هو للأجياد مصاغ وقد أثبت من شعره اللامع ما يطرب به المنشد السامع أنتهى مقاله وأجار له الشيخ مصطفى السواري شيخ المحيا بدمشق بعد أن قرأ عليه الفقه وأصوله وله من التأليف مختصر الاتقان للسيوطي ومن شعره قوله من بحر السلسلة
من عرك بالصد للمحب وأغراك ... ترمى بسهام عن اللواحظ سفاك
يا ظبي كناسي ويا خلاصة ناسي ... كم عهدي تنسى وليس قلبي ينساك
يا نعم جليس ويا أعز أنيس ... لا عاش عزول على تلاقي ولاك
يا سالب لبي ويا حشاشة قلبي ... ما لكشف كربي بطيب ساعة لقياك
لقياك مرامي وفيك زاد هيامي ... ارحم لسقامي ودع لعاذل ينهاك
стр. 182
أصبحت وجالي من الصدود عجيب ... هل منك مجيب يفك عقدة أسراك
قد ردت بنحبي وما درى بي صحبي ... لا تحرق قلبي فإن قلبي مأواك
أشمت حسودي وقد نقضت عهودي ... وزدت بصدي وبات طرفي يرعاك
يا خير نبي له الفضائل تعنو ... قد حزت فخاراً وقد أعزك مولاك
يا صفوة ربي عساك تجبر قلبي ... اذ مدحك دأبي أروم وصف سجاياك
لا أقدر أوفى ببعض بعض مديح ... في بدر مليح له المحامد أفلاك
وقوله ملغزاً
اسم الذي طرزت نظمي به ... أوله يسحر عقل الأديب
والثاني يا صاح عذار الذي ... أهواه والباقي دعاء الحبيب
وقال مخمساً
تذكار عهد بالوصال تقدما ... سلب الرقاد ورض مني الاعظما
فلذا أقول من الغرام تبرما ... لله موقفنا العشية بالحمى
ودموعنا شرقت بها الالحاظ
ولقد كفى من أدمعي ما قد جرى ... ومن الهوى ما بيننا ياما جرى
مما يزيد به الفؤاد تسعرا ... والعاذلات هواجع خاط الكرى
أجفانها وذوي الهوى ايقاظ
آه على ذاك اللقاء وطيبه ... في مربع فاز الشجي بحبيبه
أكرم به لو تم لي أحبب به ... فسقى الحياء وأدمعي ربعا به
فست القلوب ورقت الالفاظ
وقال أيضاً مخمساً
ان الذين مضوا لقد حازوا العلا ... بمكارم الأخلاق ما بين الملا
قل للذي في عصرنا رام اعتلا ... يكفي الذين تقدموا شرفا على
من بعدهم وطئوا على الغبراء
قوم كرام شاع سامي فخرهم ... بودادهم ووفائهم وببرهم
ان لم أنل فوزاً بسالف عصرهم ... اني لأحيا أن مررت بذكرهم
وأموت من نظري إلى الاحياء
وقال مخمساً بيتي القاضي رضي الدين الغزي
ان من أعرض عنافاته ما يتمنىقد تركناه وقلنا
كل خل مل منا ... خلنا بالله منه
стр. 183
عله قد ساء ظناًفبنا أورث ضغنافنجازيه ويعني
هو لا يسأل عنا ... نحن لا نسأل عنه
وقال مخمساً بيتي الامام الشافعي رضي الله تعالى عنه
تهاجمت الأهوال من كل جانب ... علي ودهري خصني بمصائب
وقوم رأوني ذا جفون سواكب ... يقولون ان الصرا كرم صاحب
صدقتم ولكن قد تقضي به عمري
فيا قوم من لي قد اضر بي العنا ... ولم أدر يوماً أية ساعة الهنا
هبوا ان صبري صار طبعاً وديدنا ... إذا كنت ذا صبر ولم أبلغ المنى
ومت أنا من يجتني ثمر الصبر
وله غير ذلك وكأنت وفاته في سنة احدى وستين ومائة وألف ودفن بتربة الباب الصغير بالقرب من سيدي بلال الحبشي ﵁ ورحمه الله تعالى.
أحمد الخليفي
أحمد بن محمد بن عطية بن أبي الخير القاهري الشافعي الشهير بالخليفي الشيخ الامام العالم العلامة المفنن الفقيه المحقق أبو العباس شهاب الدين أخذ عن الشمس محمد ابن دأود العناني والجمال منصور بن عبد الرزاق الطبوخي والشهاب أحمد بن عبد اللطيف الشبيشي وغيرهم وكان فرداً من أفراد العالم وكأنت وفاته سنة سبع وعشرين ومائة وألف ورثاه تلميذه الجمال عبد الله الشبرأوي بقصيدة طويلة مطلعها
لا تأمن الدهر ان الدهر خوان ... يعطي ولكن عطايا الدهر حرمان
ولا تخل ان عين الدهر نائمة ... الدهر يقظان والانسان وسنان
لا تحسبن المنايا عنك غافلة ... لها اليك وان لم تدر امعان
كل ابن انثى فان الموت يصرعه ... قد استوى فيه أشياخ وشبان
وهي طويلة مشتملة على محاسنه وقد كان آية من آيات الله العظام رحمه الله تعالى
أحمد السلامي ابن أغري يبوزي
أحمد بن محمد السلامي الشهير بابن أغري يبوزي الدمشقي كان أحد أعيان جند دمشق أديباً نحوياً صوفياً بارعاً منشياً وله شرح على الشاهدي بالعربي وأودعه مقولات مستحسنة وكان مسكنه في دار بمحلة سوق صاروجا وصار تذكره جي دفتر خانة التيمارات التي كأنت سابقاً في دمشق ورفعت عنها وسافر
стр. 184
إلى الحج الشريف وحبس في قلعة تبوك في سنة خمس عشرة ومائة وألف بأمر من أمير الحاج اذ ذاك الوزير محمد باشا ابن كرد بيرم لما بلغه أنه يتكلم بحقه بعض كلمات لا تليق به وأنه مراده يجعل صرا لبعض العرب وكان أخذه من دمشق كتخدا له ثم بعد مدة أطلقه وعاد إلى دمشق وأخذ بدمشق عن الاستاذ العارف الشيخ عبد الغني النابلسي وقرأ عليه الفتوحات المكية لابن العربي ﵁ ولازمه واختص بصحبته وكان للأستاذ نظر عليه وكان عليه تيمار قرية حلبون بدمشق وترجمه خاتمة البلغاء السيد الأمين المحبي في ذيل نفحته وقال في وصفه تذكرة العرب المتوفر فيه من الأدب الأرب بحسن أداء يعرب ويطيب ولطف خلق كل عضو فيه لسان رطيب وله شعر كالروض فتح الندى وجه ثراه فاستيقظ ثواره ونثر كأنه سقيط فيه در وقد تجسمت نوراً أنواره أغرب فيهما أحسن أغراب وأعرب عن فهمه بحسن تخيله أبدع أعراب فكأن حبيباً من لهجته تعلم والوليد على لسانه تكلم وهو رفيقي من عهد معرفتي الرفاق وزميلي في العشيرة التي أسست على محض الوفاق ولي معه مجالسات يستعير منها النسيم فضل التلطف ويأخذ عنها الهزار والغصن حسن الترنم والتعطف فتعطر منها مجامر الزهر في الأندية لنسائم الاسحار حواشي الأذيال والأردية ان سكرت بكلامه فنديمي ذكراه وتهدي لي شمائله الصا فيبعث إليه الروح في مسراه ويتحفني بكل ما يملك لب الاحسان مقتنيه ويدل على ما يثمر جمع الحسن مجتنيه فمما أملاه علي وهداه إلى قوله
علقته ذا قوام ماس من هيف ... كالغصن يعطفه من لينه الميد
يرنو بفاترة الأجفان فاتنة ... بالسحر غضبانة ما شأنها القود
بنغنغ فوق جيد أجيد يفق ... كذائب الدر تحت الدر يتقد
ممنطق فوق خصر دق عن نظر ... كالخيزرانة لطفاً كاد ينعقد
والردف مثل كثيب هامل ترف ... ان رام نهضا به الا امواج تطرد
وقوله
علفته ذا نواس مترف غنج ... كأنه كوكب يزهو بأطلسة
قد رق لطفاً فلو في لحلم أبصره ... أدماه في الطيف فكري في تخلسه
ضنيت سقماً فلو جس الطبيب يدي ... لم يلق منبي عضواً في تجسسه
وقد خفيت فلو وهم توهمني ... لما اهتدى لي وهم في توجسه
والنفس طارت شعاعاً في تنفسها ... مثل لحباب تفانى في تنفسه
وقريب منه قول ابن القيسراني في وصف شمعة
стр. 185
يا حسنها من شمعة ثوب الدياجي احرقتفاعجب لها لابها
تفنى إذا تنفست
وقول المترجم قد رق لطفاً البيت من قول خالد الكاتب
توهمه طرفي فأصبح خده ... وفيه مكان الوهم من نظري أثر
وصافحه كفي فألم كفه ... فمن لمس كفى في أنامله عقر
ومر بفكري خاطراً فجرحته ... ولم أر خلقاً قط تجرحه الفكر
وقريب منه قول إبراهيم النظام
عجباً أعوازك الماء وأطرافك ماء ... كيف لا يخطفك الظل ويحويك الهواء
وخفي اللحظ يدميك وان عز اللقاء ... يا بديعاً كله غنج وشكل وبهاء
وقوله
رق فلو بزت سرأبيله ... علقه الجو من اللطف
يجرحه اللحظ بتكراره ... ويشتكي الايماء بالكف
وقوله
ومز نرقسم الا له مثاله ... قسمين من غصن ومن رمل
فإذا تأمل في الزجاجة ظله ... جرحته لحظة مقلة الطل
ومنه قول عبد الصمد البغدادي
اضمران اضمر حبي له ... فيشتكي اضمار اضماري
رق فلو مرت به ذرة ... لخضبته بدم جاري
ولشيخ الاسلام البدر الغزي العامري الدمشقي
توهم اني ربما زرت طيفه ... فأمسى شهيداً حيثما لمع الصبح
وخيل بأن لي فكرة فيه فأنثنى ... ومن خده من وهم فكري به جرح
وقال آخر
نظرت إليه نظرة فتحيرت ... دقائق فكري في بديع صفاته
فأوحى إليه الوهم اني احبه ... فأثر ذاك الوهم في وجناته
وألطف منه قول الأديب اللوذعي مصطفى البأبي الحلبي من قصيدته الميمية
صنم كأن الله صوره من الأرواح جسماً ... فكأنما مزج الصبا حتى تكون منه بالما
وجناته دقت فكادت من خيال الوهم تدمى خفض عليه أيا نطاق فقد كددت الخصر ضما
واخفف مرورك يا نسيم فقد خدشت الخد لثما
والمعنى كثيراً ما تدأولت به الشعر أفلنمسك عنه عنان القلم ونقول من شعر المترجم قوله
стр. 186
يا ليلة سمحت حواشي بردها ... واحلولكت بظلام هجر مسبل
لما اكفهرت أقمرت بجبين من ... رغمت بزورتها انوف العذل
فطفقت أفرش في ممر نعالها ... أهداب أجفان بدمع مهطل
بتنا جميعاً والنجوم شواخص ... ورقيبها يرنو بطرف أجدل
فتنبهت وسناء تمسح عن نوا ... ظهرها الكرى بتذلل وتململ
فلحظت ما سترت ذوائبها إذا ... أثر جناه ساعدي ومقبلي
عاينت رصة قرطها في جيدها ... تحكي بنفسجة بصفحة جدول
وله أيضاً
قد زارني في الدجى والشمس طلعته ... حتى ظننت نهاراً حالك الظلم
يرد طرفي لآلاء بوجنته ... ويلاه لا نظرة يشفي بها سقمي
مشى يرنح خوط البان من هيف ... على نقا خلقت من لؤلؤ هضم
صيغ الجمال على تمثال صورته ... فاستغرق الحسن بين الفرع والقدم
سبحان من صاغ من ابداع قدرته ... روح الجمال ولكن حل في صنم
ومنه قول الحشري
وذي دلال كان الله صوره ... من جوهر الحسن لولا أنه شبح
وقول المتنبي
لعبت بمشيته الشمول وجردت ... صنماً من الأصنام لولا الروح
وقول الأديب حسين ابن الجزري الحلبي
نتفداك ساقياً قد كساك ال ... حسن من فرقك المضئ لساقك
تشرق الشمس من يديك ومن في ... ك الثريا والبدر من أطواقك
أوليس العجيب كونك بدراً ... كاملاً والمحاق في عشاقك
فتنة أنت اذ تميت وتحبي ... بتلاقيك من تشا وفراقك
لست من هذه الخليقة بل ان ... ت مليك أرسلت من خلاقك
وللمترجم غير ذلك وكأنت وفاته فجاة بعد ما شرب القهوة يوم الجمعة سابع رجب سنة ست وعشرين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح ﵀.
أحمد المهمنداري
أحمد بن محمد بن عبد الوهاب الحلبي نزيل دمشق والمفني الحنفي بها المعروف بالمهمنداري العالم الجليل العلامة المحقق المدقق البارع كان من أفاضل الأجلاء عالماً ماهراً متضلعاً من علوم شتى حسن الخلق متودداً مع الخلق عفيفاً ولد في سنة
стр. 187
أربع وعشرين بعد الألف كما نقلته من خط الفاضل الشيخ إبراهيم الجينيني وذكر انه استملاه من لفظه وطلب العلم على جماعة منهم والده العلامة المولى محمد أحد الموالي الرومية المتوفي عن قضاء أيوب بدار السلطنة قسطنطينية في سنة ستين بعد الألف والعالم المحقق الشيخ محمد نجم الدين الحلفأوي الحلبي وغيرهما واتقن كثيراً من العلوم وصار علماً لا يحتاج إلى اشارة وظهر علمه وفضله وقدره وقدم إلى دمشق الشام واستوطنها وألقى بها عصا التسيار وحل بها محل الندى في عيون الأزهار وتصدر للأفادة والتدريس وتولى الافتاء بها في رمضان سنة ست وسبعين بعد الألف وباشرها وفتأويه متدأولة بين الناس وتولى نيابة الباب بدمشق وتدريس السليمانية ولم يعهد منه انه شتم أحداً وذكره العلامة الشيخ إبراهيم الخياري المدني في رحلته الرومية واثنى عليه وقال انه أسمعه بعض مباحث في التفسير له وعلى كل حال فإنه ممن ازدان به الزمان وتباهى وترجمه الأديب السيد محمد الأمين المحبي في نفحته وأثنى عليه وقال في وصفه اتخذ الثريا مصعداً وورد المجرة مقعداً ثم طلع شنباً فكان في ثغر الشام وهب نسيماً فحرك طرباً أغصان البشام واستقر روضها الزاهر استقرار الغمض في الجفن الساهر فقيد الأعين بصفاته كما عقل الأفكار بلحظه والتفاته وهو نسيج وحده استيلاء على الفضل واشتمالاً ووحيد نسجه ابداعاً لتحالف المقول واعتمالاً يتحلى بخلق لو كان للروض ما ذبل في الشتاء نوره وفكر يدرك غور البحر ولا يدرك غوره وحلم ما شيب بوهن وتثبت لم يخف له وزن يصعب أغضابه ويسهل ارضاؤه ويفيض اقباله ولا يتوقع اغضاؤه ويقرب الزمن في عطفه ولا يتراخى المدى إلى لطفه وهناك أدب بسلسل الرقة يتدفق وطبع عن زهر الرياض يتفتق فإذا تفوه بسطت الحجور لالتقاط لآليه وإذا املأ ترك الملأ املأ أماليه وهو أحد من حضرت عنده واقتدحت في الافادة زنده وكان هو وأبي عقيدي صحبه وأليفي مودة ومحبه وبينهما لحمة ليست سداً واتفاق ليس الا ببر فضل وندا وكان أبي يقول فيه لم أر مثله كثرة اناءه وتجنب بذاءة واساءة وتناسب ذات ونعت وتوافق سجية وسمت تروق أنوار خلاله وأدبه تنفس الرياض في خلاله وقد أوردت له من شعره الرقيق ما هو أعذب من ريق الندى في ثغور الشقيق أنتهى ما قاله ومن شعره قوله من قصيدة
دون رشف اللمى وضم النهود ... طعنات المثقف الاملود
واقتحام المنون اجدران ... اعقب وصلاً بحال كل عميد
стр. 188
مهج العاشقين منذ قديم ... خلصت للبلاء والتنكيد
من لقلبي باغيد قسم القل ... ب بعضب من اللحاظ حديد
ألف النفرة التي تعقل العق ... ل وتذري الدموع فوق الخدود
قال الامين وكتب إلى والدي
حيتك فصل الله ديمة سؤدد نشأت بمجدكوعلتك أنواع السعا
دة فاغتنم أشراق سعدكوكذا الفضائل والفواضل والمكارم حشو بردك
أما القريض ونسجهفلأنت فيه نسيج وحدكبك جلق فخرت كما
بأبيك قد فخرت وجدكمولاي فكري قاصرعن ان يحيط بكنه حدك
فاعذر ودم بمسرة ... تبقى على الدنيا بودك
فراجعه بقوله
هل زهر روض أم زواهرا نجم أم در عقدكأم روضة قد فاح من
ريا رباها عرف ندكأم ذي بدور أشرقتفي حينا من أفق سعدك
يا مفرد العصر الذيلم تسمح الشهبا بندكأنت الذي افتخرت بفض
لك أهلها من عصر مهدكولك المعارف والعوارف واللطائف قدح زندك
أرسلت نحوي غادةألفاظها شهدت بشهدكحيت فأحيت مغرما
قد كان منتظراً لوعدكواليك مني روضةبالود زاكية بحمدك
وافت علي ظماء بهاتبغي الورود لعذب وردكفأقبل بفضلك عذر من
يرعى الوفا بوثيق عهدك
ودعاه الخطيب المحاسني إلى داره وقمر سعده اذ ذاك في ابداره فلما طابق خير المجلس مخبره وأطلق فيه عوده وعنبر أنشد بدبها
قد حللتا بمنزل راق حسناً ... وبهاء وحاز لطفاً عجيبا
ضاع مسكاً وكيف ينكر هذا ... منذ ضم الخطيب ضمخ طيبا
وقد تنأول هذا الجناس من قولهم بعضهم
ملئ المنبر مسكاًمذ به قمت خطيباًأترى ضم خطيباًأم ترى ضمخ طيباً
قال الأمين وأنشدني من لفظه لنفسه معنى ما زلت أحمق به فكري وأتمنى لو كان لي بكل شعري وهو هذا
مذ رأى الورد على أغصانه ... خد من أهواه في الروض الأنيق
صار مفمي فلطيف الطل قد ... رش في جنته كي يستفيق
ولصاحب الترجمة مؤرخاً عام اتمام بناء قاعة صدر دمشق حسين باشا المعروف
стр. 189
بابن قرنق في سنة سبع وسبعين وألف الكائنة في صالحية دمشق
لقد شيد الشهم الحسين الذي له ... مآثر مجد لا يحيط بها عد
بناء إلى أعلى السماكين أرخوا ... هي القاعة الحسنا لطالعها السعد
وله في القرنفل قوله
قرنفل في الرياض هيئته ... تحكي وقد مد للسحاب يدا
فوارة من زبرجد فنقت ... ففار منها العقيق وانجمدا
وله فيه أيضاً
هذا القرنفل قد بدافي لونه القاني يحمدفكأن مرآه الأنيق
لدى الرياض إذا تبددقطع العقيق تناثرتفتخطفته يد الزبرجد
ومن ذلك للأديب مصطفى ابن بيري الحلبي فيه
الا حبذا في الروض زهر قرنفل ... ذكي الشذا قاني الأديم مورد
إذا ما بدا للناظرين حسبته ... مجن عقيق فوق رمح زبرجد
وقوله فيه
قرنفلنا يحكي وقد ضاع نشره ... ولاح لنا في ثوبه المتوقد
صحافاً من الياقوت قد نصبت لها ... سواعد الا انها من زجرجد
ومن ذلك قول البارع المجيد السيد عبد الرحمن ابن حمزة الدمشقي
أهدى لنا الروض من قرنفلة ... عبير مسك لديه مفتوت
كأنما سوقه وما حملت ... من حسن زهر بالطيب منعوت
صوالج من زبرجد خرطت ... لها الغوالي كرات ياقوت
وقوله
وجنى من القرنفل يبدو ... لك عرف من نشره بابتسام
فوق سوقي كأنها من أباري ... ق الحميا مساكب للمدام
وسدت فوقها السقاة خدوداً ... داميات منها مكان الفدام
وقوله
قم بنا قرنفل يا نديم فالطير غرد ... لمدام كؤسه تتوقد
فلدينا قرنفل قد نماه ... جبل الفتح نشره قد تصعد
بين سوق عوج الرقاب لطاف ... شعرات من لينها تتجعد
وقوله
стр. 190
أرى زهر القرنفل قد علته ... قدود ترجحن به قيام
أخال لو أنها أعناق طير ... نهض به لقلت هي النعام
توقد زهره جمراً لدينا ... وتلك لها من الجمر التقام
وقوله في الأبيض
ما ترى ناصع القرنفل وافى ... بتحايا الشميم بين الزهور
قضب من زبرجد حاملات ... قطعاً فككت من الكافور
وللأديب الامير منجك المنجكي
قرنفلنا العطري لوناً كأنه ... رؤس العذارى ضمخت بعبير
مداهن ياقوت بأعلى زبرجد ... لقد أحكمت صنعاً بأمر قدير
ومن ذلك قول الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي
كأن قرنفلاً في الروض يسبي ... شذا رياه منتشق الانوف
سواعد من زبرجد قائمات ... بلا بدن مخضبة الكفوف
وقوله
قم يا نديمي لداعي اللهو منشرحاً ... فقد ترنمت الورقاء في الورق
وانظر إلى حسن ياقات القرنفل ما ... بين الربا نفخت كالمندل العبق
أطفى النسيم لهيباً من مشاعلها ... في ظلمة الروض حتى حمرهن بقي
وقوله
هيا بنا فالطير صاح مغرداً ... ما ان يقاس لدى الورى بمغرد
والروض مدمن القرنفل للندى ... كاسات در في زنود زبرجد
وقوله في المشرب بحمرة
وزهر قرنفل في الروض يحكي ... قطور دم على صفحات ماء
رأى وجنات من أهوى فأغضى ... فبان بوجهه أثر الحياء
ومن ذلك قول العلامة السيد الأمين المحبي الدمشقي
وافى القرنفل معجباً فينا بمنظره الانيق ... يبدي زنود زبرجد حملت تروساً من عقيق
ومن ذلك قول الكاتب الاريب السيد سليمان الحموي وكان محمر القرنفل اذ بدا عطر ندى أفلاذ ياقوت جمعن برستبان زبرجد وفي ذلك للشعراء مقولات كثيرة ومقاطيع شهيرة فلنمسك عنان القلم عن تحريره وللمترجم غير ذلك من الشعر وكان جدي والد والدي اتصل بابنة ابنه المولى الفاضل عبد الرحمن المهمنداري المتوفي في سنة ثمان عشرة ومائة وألف
стр. 191
وتوفت قبله بسنة وكأنت وفاة المترجم في ليلة الاثنين ثالث عشر جمادي الثانية سنة خمس ومائة وألف ودفن بتربة الشيخ أرسلان ﵁ وكان يوم موته مطر غزير والمهمنداري نسبة إلى جامع المهمندار بحلب لكون جده كان اماماً به ﵀.
أحمد الباقاني
أحمد بن محمد الشافعي الباقاني النابلسي الشيخ العالم الفقيه المحدث الاصولي المفسر المتكلم النحوي المنطقي الأديب الفاضل كان من العلماء الأجلاء ولد في سنة ثمان عشرة ومائة وألف وأخبر أنه لا يعي نفسه الا في تلأوة القرآن وتجويده والاعتناء بحفظه وحفظ المتون وتحصيل الفنون وحفظ القرآن العظيم على العالم الصالح الشيخ السيد محمد السقيني العباسي النابلسي الشافعي مع جملة من المتون كالجوهرة والسنوسية ومقدمة ابن الجزري وغير ذلك وقرا عليه طرفاً من الفقه ورباه وتخرج عليه وبالغ في نصحه وحثه على الطلب وكان من أكابر الصالحين الأجواد جامعاً بين الشريعة والحقيقة وقد لقي الأكابر وأخذ عنهم العلوم وحضر معه المترجم مجلس الشيخ محمد الخليلي المحدث المقدسي واستدعى منه أن يسمعه الحديث المسلسل بالأولية فأسمعه اياه بسنده ثم قدم المترجم دمشق ومكث فيها مجأوراً مدة وأخذ عن شيوخها أنواعاً من العلوم كالتفسير والحديث والفقه والأدب والتصوف وغير ذلك منهم الاستاذ الشيخ علي بن أحمد كزبر الدمشقي قرأ عليه كتباً عديدة في الفقه ومنهم الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي حضر في دروسه في البيضأوي وفي صحيح مسلم وفي الشمائل وأجازه اجازة عامة بسائر مؤلفاته ومروياته وقرأ على الشيخ الياس الكردي نزيل دمشق جملة من الرسائل في التوحيد وغيره ومنهم الشيخ إسماعيل بن محمد جرح العجلوني حضر عليه وسمع منه طرفاً من صحيح البخاري وحضر دروس الشيخ أحمد بن علي المنيني الدمشقي في البخاري وأجازه اجازة خاصة ومنهم الشيخ مصطفى ابن سوار المحيوي حضر دروسه في البخاري وأجازه به وبغيره وقرأ في الفقه والعربية على الشيخ محمد بن عبد الرحمن الغزي الدمشقي وحضر دروس الشيخ موسى بن أسعد المحاسني الدمشقي في البيضأوي وغيره وقرأ عليه شرح الكافية للجامي بتمامه مع حاشية عصام الدين عليه وعلى الشيخ محمد بن محمود الجمال الدمشقي وحضره في دروس البيضأوي وقرأ على الشيخ عبد الرحيم المخللاتي الدمشقي رسائل في المنطق وقرأ في النحو على الشيخ
стр. 192
حسن المصري نزيل دمشق وحضر دروس الشيخ عبد الله البصروي الدمشقي ومنهم الشيخ محمد الكردي المعروف بأبي قميص نزيل دمشق قرأ عليه شرح مقدمة الجزري للقاضي زكريا وقرأ على الشيخ محمد بن عبد الغني العجلوني نزيل دمشق وغيرهم وعادت عليه بركاتهم وتنبل وحصل وتفوق وعاد إلى نابلس واستقام يفيد ويقري واشتهر فضله ونبله وأخذ طريق السادة الخلوتية عن العارف الشيخ مصطفى بن كمال الدين الصديقي الدمشقي ولازمه مدة وأثنى عليه الاستاذ المذكور وبالغ في مدحه ورقة فهمه وسعة اطلاعه وألف رسائل في علوم المادة متعددة وكتابة على شرح المنهاج لابن حجر فائقة وبالجملة فقد كان من أخيار العلماء في عصرنا الأخير ولم يزل على حالته إلى أن مات وكأنت وفاته في سنة خمس وتسعين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
أحمد البهنسي
أحمد بن محمد بن عبد الرزاق بن عبد الحق المعروف كأسلافه بالبهنسي الحنفي الدمشقي الفاضل الفقيه الأديب كان من الأفاضل المنوه بهم كاملاً بارعاً نبيهاً فائقاً ولد بدمشق في سنة أربع وعشرين ومائة وألف وبها نشأ في صيانة وديانة واشتغل بطلب العلم على جماعة منهم الشيخ محمد الغزي قرأ عليه في النحو شرح الشذور لمصنفه وشرح الالفية لابن الناظم وشرحها للاشموني مع مطالعة بعض الحواشي ولازم الشيخ إسماعيل العجلوني أيضاً وأخذ عن الشيخ حسن الكردي نزيل دمشق ولازمه مدة ومهر وفضل وحصل فضيلة حسنة وتصدى للاقراء والافادة في النحو والصرف والمعاني والبيان واشتهر وترجمه الشيخ سعيد السمان وقال في وصفه فاضل روضه خصيب وفايق فكره مصيب نشاء في حجر الصيانة وترعرع ما بين طاعة وديانة فشمر للتحصيل عن ساق وأطلق العنان في ميدانه وساق فأدرك الخصلة المحسودة وأكبت بها شانيه وحسوده بغض طرف عن المحارم ولواء عن الجرم والجارم فما عهدت له صبوه ولا زلت به كبوه منزل خاطره في رياض طروشه وشاغلاً ضمائره في استنساخ دروسه وكنت واياه نستقبل باردة الطلب وتقابل الصباح بمحأوراته حتى نعود مجس المنقلب الا أنه ما رث جلباب شبابه وما خلق حتى عاد إلى ما منها خلق وذوت ريحانة تلك الرونق وصار عليه الزمان وهو المغلط المحنق وله شعر قليل كنفس الصبا العليل وقد أثبت منه ما هو مستجاد ويشبب به في الأغوار والأنجاد أنتهى مقاله وله الشعر الحسن فمن ذلك قوله
стр. 193
لما رأيت بنات نعش أدبرت ... والليل مدمن الظلام رواقا
والسحب قد وكفت دموع جفونها ... والرعد صاح وطبق الافاقا
أيقنت أن الصبح مات وقد كسى ... الليل السواد لفقده الاشراقا
هو ناظر لقول الأديب أحمد بن منقذ
لما رأيت النجم ساه طرفه ... والقطب قد ألقى عليه سباتا
وبنات نعش في الحداد سوافرا ... أيقنت أن صباحه قد ماتا
وللمترجم
والله ما كنت أدري أن سيبعدنا ... هذا الزمان وسمط الود ينفصم
لكن يد القدر المحتوم قد رقمت ... به فحمد العل الشمل ينتظم
وقوله
أفديه ريمي المعاطف والطلا ... حلو المراشف مر بي يتبسم
يومي بحاجبه أتصبر للهوى ... وبطرفه قلب الشجى يكلم
وقوله مضمناً
ظبي أنس حاز أنواع البها ... وحكى غصن النقا لما اعتدل
رمت منه الوصل كي أحيا به ... فبدا في وجهه ورد الخجل
فأنتضى صارم لحظ باتر ... وغدا يشحذه منه الكحل
لا تلمني ان سطت ألحاظه ... يا ابن ودي سبق السيف العذل
وقوله
وإذا رمت رؤية الحب يوماً ... ابتلاني الآله بالرقباء
فينادي الفؤاد مما اعتراه ... آه من شدتي وفرط عنائي
هكذا الدهر شأنه عكس آما ... ل محب بل ذاك حكم القضاء
وقوله من قصيدة مطلعها
أبدى السلو لعذال وقد كتما ... وجداً فنم به الدمع الذي انسجما
متيم نسجت أيدي الغرام له ... ثوب الضنى فكست جثمانه سقما
لا يهتدي الطرف من وهن إليه وقد ... يكاد ريح الصبا يؤذيه ان نسما
وكيف يسلو رسيس الحب من لعبت ... به المحبة مذ لم يبلغ الحلما
فيا عذولي دع عتب المشوق فلا ... يصغي اليك كأن في سمعه صمما
ولا يميل إلى لاحيه في عذل ... فكيف يصبر فان والغرام نما
ففي حبائل هذا الظبي قد علقت ... حشاشة والحشا من حبه انفصما
стр. 194
قد كان يجدي ملام قبل ما عبثت ... به الصبابة أما بعد ذاك فما
لا يشرئب إلى نصح النصوح شج ... قد خاض تيار بحر الحب حين طما
فيا خليلي هلا تسعفان فتى ... من حمل أعباء داعي الشوق قد سئما
يبيت يسبل دمع العين من حرق ... على سعير غضا في القلب قد ضرما
وليس بالدمع ما تذري المحاجر بل ... نار الهوى قد أذابت قلبه فهما
وقوله
لما تمنع عن وصال متيم ... ظبي يصيد بني الهوى بخداع
أملت من دهري الفراق سفاهة ... كيما أقبل خده لوداع
هو من قول بعضهم
أرأيت من يرضى الفراق لألفه ... أنا قد رضيت لنا بأن نتفرقا
لأفوز منه بقبلة في خده ... عند الوداع ومثلها عند اللقا
وقد يقرب منه ما ذكره ابن خلكان في ترجمة ابن ماهان الخزاعي قال وكان قد مرض فعاده الوزير فلما انصرف عنه كتب إليه ما أعرف أحد أجزى العلة خيراً غيري فإني جزيتها الخير وشكرت نعمتها علي اذ كأنت إلى رؤيتك مودية فأنا كالأعرأبي الذي جزى يوم البين خيراً فقال
جزى الله يوم البين خيراً فإنه ... أرانا على علاتها أم ثابت
أرانا دبيبات الخدود ولم نكن ... نراهن الا يانعات البواغت
ومثله ما كتبه البحتري إلى ابن غانم وقد مرض فعاده الوزير وهو
يا أبا غانم غنمت ولا زا ... لت عهاد الوسمى تسقي بلادك
ليت أنا مثل اعتلالك نعتل ... ل على أن يعودنا من عادك
أبهجت زورة الوزير أودا ... ك جميعاً وأرغمت حسادك
وقد رأيت بخط العلامة الأديب السيد محمد الأمين المحبي الدمشقي ما نصه مما اتفق لي أني حصل لي بعض توعك فعادني بعض أصدقائي ممن أوده فكتبت إليه
أن يوماً مرضت فيه لعمري ... خير يوم فديته من يوم
قد شفاني فيه حضورك عندي ... وبه الفخر نلت من بين قومي
وللمترجم مشجراً
عذاب جسمي مقيم في هوى عمر ... وحبه عن فؤادي غير منصرف
مضى وأخلفني وعد وثقت به ... فزال صبري وزاد الدمع في الذرف
رحماك ما فيك من عدل ومعرفة ... فقال نكرتني في العشق فانصرف
стр. 195
وله
لو بيع بالشهباء جامع جلق ... يوماً لأضحى البائع المغبونا
هل مثل جامعها الرحيب وماؤه ... يحكيه ماء سيما جيرونا
وله
جس نبضي الطبيب لما رآني ... ذا نحول وقال داء عضال
ألم حل في سويدا فؤادي ... ليس يرجي يا صياح منه نصال
قلت حقق مما اعتراني فنادى ... أنت أدرى مما اعتراك الهزال
قلت صرح فإنني ذو ذهول ... لست أدري فقال هذا محال
كيف ينسى ما خامر القلب واللب ... ب وفي الفكر دائباً لا يزال
وأشنى قائلاً بماذا أدأوي ... داء صب أضناه حبا غزال
وله
يا نجل طه اني محب ... وجدك المصطفى المطهر
وقد روينا معنى حديث ... المرء مع من أحب يحشر
وله
يا فريد العصر يا من هو في العلياء نجم ... لا تسئ ظنك فينا ان بعض الظن اثم
ومن ذلك للشيخ منصور الدمشقي خطيب السقيفة قوله
عاذلي ظن قبيحاً مذ رأى عشقي ينمو ... ظربي ما هو فيه ان بعض الظن اثم
وله أيضاً
ظن بالناس ميلاً واتبع الخيرات تسمو ... واجتنب ظناً قبيحاً ان بعض الظن اثم
وفي ذلك للعلامة الشيخ عبد الباقي حفيد بن غانم المقدسي المصري
صادني خشف ربيب ... فاتن بالحسن يسمو
ظن عذالي سلوى ... ان بعض الظن اثم
وله
وأغيد حيي بتفاحة ... محمره اللوان ذات اصفرار
يفضح غصن ألبان أن ماس بال ... الأعطاف والبدر وشمس النهار
فقال خذ شاهد جمالي بها ... ان لم يكن للوصل عني اصطبار
فعندي اللون خدي إذا ... ضممته للثم غب النفار
ولونها الآخر يحكيك إذا ... نأى وقد شط بحبي المزار
وله
стр. 196
سألتها عن فؤادي حين سار بها ... وظل في طرق البيداء يرعاها
قالت لدى قلوب لست أحضرها ... فأيها يا معنى قلت أشقاها
وأصله قول ماميه الرومي نزيل دمشق
سألتها عن فؤادي أين مسكنه ... فإنه ضل عني عند مسراها
قالت لدى قلوب جمة جمعت ... فأيها أنت تعني قلت أشقاها
وللمترجم قوله
ها هو بليل عذار الوجه حين دجى ... كأنه روضة حفت بأحداق
ما ذاك الأغراب البين ينعق في ... اطلال حسن عفت من لثم عشاق
أو بدرتم أحاط الحسف دائره ... فأظلم الأفق منه بعد الأشراق
وله
أقول لعاذل مذ لام جهلاً ... أما تسلو هوى هذا الغلام
سلوى والوصال ونوم عيني ... حرام في حرام في حرام
أقول هذا النوع تسميه أهل البديع التطريز وهو أن يبتدي المتكلم بذكر جمل من الذوات غير مفصلة ثم يخبر عنها بصفة واحدة من الصفات مكررة بحسب العدد الذي قرره في تلك الجمل الأول وقد أكثر الشعراء في ذلك فمنهم قول عز الدولة أبو منصور بختيار
وفاؤك لازم مكنون سري ... وحبك غايتي والهم زادي
وخالك مع عذارك في الليالي ... سواد في سواد في سواد
ومنه قول بعضهم
أيا قمراً تبسم عن أقاح ... ويا غصناً يميل مع الرياح
جبينك والمقلد والثنايا ... صباح في صباح في صباح
قال الاستاذ الأعظم الشيخ عبد الغني النابلسي في بديعيته المسماة نفحات الأزهار على نسمات الأسحار في مدح النبي المختار عند ذكر البيت والكلام عليه وعائشة الباعونية لم تنظم هذا النوع مع أن التطريز من عادة النساء وقد تلطف ﵁ وكأنت وفاة صاحب الترجمة في يوم الأربعاء ثامن عشر جمادي الأولى سنة ثمان وأربعين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
أحمد الكجي
أحمد بن محمود بن محمد بن محمد بن جانبك الكجي العصروني الحنفي الدمشقي الأديب كان بارعاً لطيف الطبع والذات ويتولى بدمشق نيابات الحكم كالكبرى والميدان
стр. 197
وترجمه خاتمة البلغاء السيد محمد أمين المحبي في ذيل نفحته وقال في وصفه روح الفؤاد وانسان الطرف وظرف الرشاقة المملوء من الظرف فظرفه من لب اللباب ولطفه يكيد نشطات الشباب يجتلي أوقاته غرا صقلة فلو تجسمت لكأنت حسناً عقيله فإذا حل بنادي صحب تلقاه قلباً واسعاً وصدراً رحب فتتضاحك له الحدائق والأزهار ويجذل به الجديد ان الليل والنهار وطبعه الربيع في نضارته وعهد الشبيبة في غضارته وهو على الحرص على الشهاب يستر شمس الشيب بالضباب مع أن روض صباه أخلق برده واستعار ثيابه من لا يرده وهو صحيبي منذ عرفت الصحبة وعقيدي في العشرة التي تمحضت للمحبة لم يزل بيتنا عيش حلو غير أن كلامنا من سجو صاحبه خلو فهو في عشق الجمال متفضح وسمته بحسب الغريزة جلي متوضح فلهذا تغلب عليه القلق حتى استعاذ برب القلق وله في صبوته موشحات وشحت بها النوادي وحثت بها المدامة في الحانات والاظعان في البوادي وشعره وان كان قليلاً الا أنه يروي غليلاً فمنه قوله
عدنا بوصل عسى تجدي المواعيد ... وأحسن لنا فبهذا تعرف الصيد
وأرفق بنفس قضت في راحتيك أسى ... مذ نابها منك تسويف وتنكيد
يا ظالماً صدنا من بعد وصلتنا ... الحب ذنب لنا أم هكذا الغيد
ان كنت أضمرت تجفونا وليس لنا ... خل وقد عمناهم وتسهيد
فأي ليل إذا وافى نسر به ... وبدرتا فيه محجوب ومفقود
وأي يوم من الأيام نشكره ... وما به وقفة تشفي ولا عيد
وأي باب من الأبواب نسلكه ... إلى منانا وباب الوصل مسدود
وأي دخل من الأصحاب كنت له ... عوناً أتتني إذا منه الأناشيد
علاء لم يأتنا من نحوكم خبر ... ولم يكن بيننا بيد أباعيد
ولم أراك بحال لا أسر به ... ترعاك من دوننا بيد رعاديد
فإن منك صلات كنت أعدها ... في كل يوم لها للوصل تجديد
وإن منك حديث كنت أسمعه ... أرق مما راقته العناقيد
يا من إذا ماس من تيه ومن هيف ... تغار من قده الغصن الاماليد
ويا غز الأغز أنا من لواحظه ... بمرهف قد نضته الأعين السعود
ان كنت أقسمت حتماً لا تواصلنا ... عدنا بوصل عسى تجدي المواعيد
وقوله يمدح بعض امراء دمشق
стр. 198
الخير فيك وفي رجالكوالدهر يفخر في مثالكوكذاك يروى عن أبي
ك وجدك السامي وخالكولك المودة والفتوةوالحجي شكراً لذلك
يتلوهم الفضل الذيما ذال يخبر عن كمالكمنح الآله وذاك من
حسن اعتقادك واتكالكيا فخر آل الترجمانوعزهم وأنعم بذلك
أنت المذهب والمحببوالتأدب من خصالكوالناس طرا يمدحون
ويشهدون بحسن حالكهذا وأنك في الوغىتخف الكواسر من نزالك
ما سرت خلف قبيلةوقناك أسبق من نبالكألا أسرت كبيرها
والحيش أصبح في اعتقالكوالجود فيك سجيةوالشح لم يخطر ببالك
والمجد قد أورثتهمن قومك النجبا وآلكمن رام مجدك فليكن
يا واحد الدنيا كذلك
وطلب منه امضاء حجة نظماً حين كان نائب الشرع بمحكمة الميدان فكتب
لما تأملت ما تحويه أسطره ... وصح عندي ما في طيه وقعا
أنفذته واثقاً بالله معتمداً ... عليه دون الورى راض بما صنعا
فإنني أحمد الكنجي ابن أبي ال ... ثناء الذي بحبال الله مدرعا
وانني النائب الشرعي بمحكمة ال ... ميدان والحر في دنياه من قنعا
يا رب فاختم بخير لي وخذ بيدي ... ما طاف بالبيت عبد صالح ودعا
ومن شعره ما قاله مخمساً
دعوني من مكائدكم دعوني ... فما نظرت مثالكم عيوني
فيا تيساً تعمم بالقرون ... تقول أنا لكبير فعظموني
ألا ثكلتك أمك من كبير
جهلتم نسائر الأشياء جمعاً ... وفيكم صار جل اللوم طبعا
فيا لردى الورى جوزيت صنعا ... إذا كان الصغير أعم نفعا
فما فضل الكبير على الصغير
وله قسماً ومن بالحب قد أبلاني ... اني لغيرك ما لويت عناني
يا أيها الظبي الذي ألحاظه ... من غنجهن السقم قد وافاني
مالي أراك اضعتني وتركتني ... في حر نار بعضها أضناني
وصبوت عني بعد كنت مواصلي ... وأمرت عندي بالجلوس مكاني
فلك البقاء فالرب يوم ان تسل ... عني تراجعني فلا تلقاني
ان المحب إذا تناهى عمره ... فالدهر لا يعطيه عمراً ثاني
стр. 199
ومن مقطعاته قوله مضمناً
كن حليماً ما تستطيع وأحسن ... لجميع الأخوان والخلان
ان من كان محسناً قابلته ... بجميل عوائد الاحسان
وقال مداعباً لابن المليحي
يا سيد أو حبيباً ... بالخبر لا زلت تذكر
تدعى بابن المليحي ... وأنت أبلوج سكر
وكأنت وفاته في سابع وعشرين رمضان ليلة القدر سنة سبع ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح وسيأتي ذكر ولده محمد ان شاء الله تعالى ورثاه جماعة من الفضلاء الاعلام منهم الاستاذ الأعظم الشيخ عبد الغني النابلسي فقال مؤرخاً
أحمد النجي قد ما ... ت فاصبر واصطبر
قد أتى تاريخه ... ليلة القدر قبر
وقال أيضاً
أحمد الكنجي أحمد خل ... فاضل خلقه احتمال وصبر
مات شهر الصيام ليلة قدر ... وله من الهه كان جبر
يا لميت مبارك كنت حتى ... لك أرخه ليلة القدر قبر
ومنهم نابغة الأدباء السيد أمين المذكور فقال
يبكيه متى ما بقيت ... قديم ود لا يحول
ان كان فارق ناظري ... فله بأحشائي مقيل
خطب الكيجي الجليلي ... ولي به الصبر الجميل
لو كان يفدي لأفتدا ... هـ الناظر الدامي الكليل
ما للأماقي لا تفيض ... لحطبه منها سيول
حتى تفيض نفوسنا ... وتضلها منها عقول
رحمه الله تعالى ورحم من مات من أموات المسلمين أجمعين آمين
أحمد النحلأوي
أحمد بن مراد بن أحمد الشهير بالنحلأوي الأحمدي الدمشقي المولى المشهور العارف الخاشع الناسك المستغرق في أبحر المشاهدة والعرفان كأنت له مكاشفات خارقة وكرامات ظاهرة وللناس فيه اعتقاد وافر عظيم وهو بركة الشام وأحواله وأطواره غريبة مع التغفل الالهي والجذب وترددت إليه الناس من الخاص والعام
стр. 200
يتبركون به وعلى كل حال فقد كان بركة الشام وخلاصة الأولياء الكرام أظهره الله بدراً كاملاً بالولاية وشمساً منيرة بالدراية والهداية نفعنا الله به وببركاته وأعاد علينا من نفحات نفحاته وكان مستقيماً في المدرسة النورية عند محكمة الباب ويقيم الذكر في مدرسة الخاتونية عند المحكة أيضاً وله حفدة ومريدون وتلاميذ وإلى الآن يقام الذكر هناك ورأيت للفاضل السيد محمد الجعفري تلميذه كتاباً ألفه في أحواله ورتبه على مقدمة وخمسة فصول وخاتمة فالمقدمة في ذكر مولده ومنشأه وتنقلاته وسلوكه وبمدائه والفصل الأول في تجنبه عن الدنيا وزهده فيها وملبوسه وقنعه بالقليل منها والفصل الثاني في حسن مودته وسيرته واقبال الناس عليه ورأفته بهم وشفقته والفصل الثالث في تربيته للمريدين وكلامه حال الشطح والتنبه على انه مع حزب معينين والفصل الرابع في زياراته وبعض كرماته والفصل الخامس في ذكر نبذة تتعلق بفضائل دمشق الشام ذات الثغر البسام والخاتمة في ذكر طائفة ممن لهم في السلوك قدم راسخ ونسب رفيع باذخ شامخ وسماه الجعفري المذكور بالطبيب المدأوي بمناقب الشيخ أحمد النحلأوي وللماهر الشيخ عبد الله الطرابلسي نزيل دمشق رسالة فيه أيضاً وذكره الاستاذ العارف السيد مصطفى الصديقي الحسيني في كتابه الذي ترجم به من اجتمع معه من الأولياء وأثنى عليه وذكر من مكاشفاته اللامعة فمما اتفق لابن عمته قال أتيته بعد المغرب مرة في جامع في القرب من الشاغور البراني فقال لي أجلس إلى أن آتيك فذهب إلى الطهارة قال فرأيت الحائط قد انشق وظهر لي رأس كبير له عيون تقدح جمراً فخفت منه خوفاً شديداً ولم أستطع الفرار ولا القرار وكلما لمحت له بطرفي رأيته يرمقني فلما خرج غاب الرأس فوجدني مذعوراً خائفاً فقال جاؤا يجربونك فلم تثبت قال فقلت له أقسمت عليك بسيد المرسلين من هذا الذي رأيته قال السيد أحمد البدوي ﵁ ومنها ما نقله الاستاذ في ترجمته قال ذهب بعض الاخوان إلى زيارة الشيخ مصطفى بن عمرو فجاء مع الشيخ عبد الرحمن السمان ومعهما غيرهما فقال له الشيخ مصطفى غنى لنا مطا وعيا فتوقف عادته ثم غنى فلقت له أعمل عشرة فأخذ ينشد فأعددت ما يقوله فلم يزد عليها ثم ذكرنا زيارة أبا يزيد البسطامي قدس سره فقال الشيخ عبد الرحمن هيا بنا الساعة فقلت هيا فسرت والمذكور صحبتنا يعني عن النحلأوي فلما وصلنا إلى زيارة سيدي أبا يزيد البسطامي ﵁ توقف ولم يسر فسألناه عن توقفه فقيل له يقول
стр. 201
الاخوان تتعب ويشير للفقير فألحينا عليه فسار فلم يزل سائر فلم أصل إلى قرية ببيلا الا بجهد شديد ويتنابها فقام أهلها باكرامنا أتم قيام وحملونا على دوابهم إلى الزيارة وسرنا بعد زيارة سيدي عقيل المنبجي ومنه إلى الشيخ حياه بن عيسى الحراني وهو معنا وكان يوم الأربعاء فبتنا عنده وأقمنا يوم الخميس وليلة الجمعة وأقامنا الشيخ عبد الرحمن غلساً وقال صلوا الصبح فإن الفجر خرج فلما رآنا أردنا القيام للصلاة رفع رأسه من النوم وقال ايش هذه الصلاة الفجر ما طلع فعجبت من كلامه ثم صلينا وركبنا الطريق على ظهور الدواب فلم يخرج الفجر الا بعد ساعتين فنزلنا عند نهر بردا وأعدنا الصلاة وأخبرني الشيخ عبد الرحمن أنه بعد ذلك قال ومقصودي أن نصل قبل أن يحمي الحر أنتهى ثم قال ولقد عاينا للشيخ أحمد المذكور كرامات كثيرة وقال لنا مرة وكان معنا الشيخ أحمد بن سراج أنا متصرف في ثلثي الأرض وقال ابن سراج قبله أنا متصرف في نصف الأرض فقلت كأن كلام كل واحد منهما بحسب ما يظهر له ثم قال الأستاذ الصديقي وفي خطرتي الأولى للبيت المقدس سنة اثنين وعشرين بعد المائة والألف خرجت ملتحفاً بشال لئلا يعرفني أحد فعارضني عند باب الله وقال لي مصادف العون فعجبت من معرفته لي وحصل لنا لطف في تلك الخطرة وعناية وقال وأخبرت أنه في مبدأ أمره كان يلازم جامع أهل البلوى الملاح فخرج إلى المنارة وألقى نفسه منها إلى الأرض وبدت عليه طوالع الفلاح ووقع له
مثل هذا في جامع القرب كما حكى عنه ذلك بعض من إليه تقرب وحدثني عنه بعض الملازمين لصحبته الهائمين بمحبته ما لو أخذنا في سرد ذلك لأدى إلى الاتساع في تلك المسالك والقصد من ذكرهم التنبيه لا الاستيفاء فإن الأولى حظ النبيه أنتهى ما قاله الصديقي وذكر الجعفري المقدم ذكره ان مولده كان سنة احدى وثمانين بعد الألف وتوفي والده وكان سنه اذ ذاك شهرين فنشأ في حجر جدته لأمه رحمهما الله تعالى وربته هو وأخاه الشيخ محمد ثم أنه تعلم القرأن العظيم وهو وأخوه المذكور وفاق الشيخ سائر أقرانه وكان شأنه في صغره أنه يجلس مطرقاً رأسه ناصتاً وأنه كان طلب العلم مدة وقرأ الغاية في فقه السادة الشافعية على العالم الشيخ أحمد الدسوقي ثم لما بلغ تعاطي ضمان الثمار مدة هو وأخوه ومع ذلك كان يدأب نفسه في العبادات وبدهنه بواده التجليات وهو راق على السلم ليجني الزيتون ولاحت له بارقة الجذب وسمع هواتف الأحوال تناديه بدخول ديوان الرجال فنزل عن السلم وفرق جميع ما كان عليه من الملابس والثياب
стр. 202
وأتلف جميع ما عنده من متاع ونحاس وغيره ثم أنه خرج في ساعته هائماً إلى الجبانة المعروفة بباب الصغير وصعد إلى محل عال هناك شاخصاً ببصره إلى السماء واستمر مدة على ذلك قال الجعفري قال أخوه فجئت إلى البيت فسألت عنه فلم أره وكان الشيخ توجه من ساعته إلى الصالحية قال فخرجت أطلب أثره فلم أجده إلى سبعة أيام وفي اليوم الثامن جاءني رجل وأخبرني أنه في الصالحية فخرجت من ساعتي مسرعاً فوجدته واقفاً في السفح خأوي الجوف من الجوع مرخى الزنار ثم قال له أخوه أين كنت يا أحمد فقال أخذوني السادات إلى بغداد ووضعوني في مغارة وشرعوا يذكرون الله تعالى علي ثم جاءني رجل أشعث أغبر وأعطاني غليون وقال أشرب فأخذته وشربت ثم قال له أخوه قم بنا واركب معي حتى نذهب إلى البيت فأبى فألحيت عليه واستنجدت بعض الناس حتى الجأناه إلى الركوب فأركبوه وراء في وسرت حتى وصلنا من سيدي خليل عند باب السرايا فجذبني فسقطت أنا واياه إلى الأرض ثم ألحيت عليه في الرواح معي فأبى وتركني ومضى في سبيله وفي اليوم الثاني وجدته في البيت وشاع خبره واشتهر بين الناس ذكره وصدرت عنه أحوال عجيبة وأخبار غريبة حتى كان الناس يظنون أن حالته هذه حالة جنون وحاشاه انما هي فنون بعدها حركة وسكون واستمر الشيخ على هذا المنوال مدة حتى جئ له برجل من أشياخ طريقة سيدي أحمد الرفاعي قدس سره فكبسه وجاء له بسعوط وسعطه في أنفه فأنتفخ حالاً وجعل يقول قتلتني يا شيخ أحمد يا سيدي العفو فنظر إليه فانطلق معافى لساعته وتاب لوقته فشفى واستمر الشيخ المذكور على منوال ما ذكر مدة طويلة يتطور في تطورات الأحوال إلى سنة عشرين ومائة وألف وفي العام الحادي والعشرين أطلق أمره في التصرف وترقى من ذرى الأحوال إلى ذرى أهل المقامات على ما حدث به بعض أهالي الكشف وقد أخبر بعض الناس أن رجلاً من أهل الله تعالى يقال له الشيخ أسعد الجبأوي حصل له في السنة المذكورة حالة غطوس استغرق فيها معظم النهار فلما أفاق من غيبته سأله ولده الشيخ أحمد عن سبب ما حصل له من هذا الحال فقال ان السادات أهل الباطن اجتمعوا وألبسوا الشيخ أحمد النحلأوي التاج وأخبر بعض الناس أيضاً عن الشيخ إبراهيم الرفاعي أنه قصد زيارة جده وكان مدفوناً في قرية براق فذهب لزيارته فحصل له وارد وحال عظيم فنادى يا رجال الشام فجاء الشيخ أحمد النحلأوي وأنا أقول وبالله التوفيق قد ذكر الجعفري للأستاذ المترجم مقامات كثيرة وغالبها شاهدها في العيان فمنها ما ذكره قال ومن كراماته ما اتفق له وقد كنا عند بعض الاخوان فسقط
стр. 203
صبي من أعلى سطح عال ولم يبق به رمق فحملوه ودخلوا به إلى الشيخ فوضعوه بين يديه فمسكه وهزه فعادت روحه إليه بعدما أيست منه حياته ومنها وكان دخل إلى محله الآن ونصب السلم وصعد إلى السطح ولم يدر أحد ما السبب ثم نزل وبعد حصة من الزمان خرج إلى الشجرة ولد لأهل المحل وتعلق بغصن منها فسقط على السلم ومنها إلى المسطبة فغشى عليه فحمل إليه ووضع بين يديه فأمر يده عليه وهزه فشفى لوقته مما به ومنها ما أخبرني به بعض محبيه قال خرجت إلى الحج فجئت المدينة ليلاً فرأيت صبياناً تجاه شباك الرسول ﷺ يقرأون الموالد فقلت لهم قرأو لي أربعين مولداً فصرت أقول هذا المولد على
اسم فلان وهذا لصديقي فلان فخطر في خلدي جناب الشيخ حفظه الله تعالى فقلت لهم اقرأو لي مولداً يكون مقدار الجميع ختاماً لهذه الموالد على اسم الشيخ أحمد النحلأوي فقرأوه وختموه وأهدوه للشيخ حفظه الله تعالى فلما ذكروا اسمه مدت يدمن الشباك وبدرت عليهم المصاري فأردت أن آخذ منهم شيأ فلم يمكنوني وقالوا يا سيدنا ان صاحب هذا المولد أعطانا فنظرت إلى الشباك فرأيت رجلاً بصفة جندي واقفاً والشعرية لا يمكن مد اليد منها فعلمت أن الشيخ حضر هنا ومنها وقد اجتمع عنده صبيحة يوم الثلاثاء أشخاص أحدهم من الميدان وآخر من الصالحية والثالث من باب توما فقال أحدهم كان الشيخ نائماً عندي بالأمس فقال له الآخر لا فإنه كان عندي فقال الثالث كل منكما لم يصدق كان بالأمس عندي فحلف كل بالطلاق على ما ادعاه مع أنه كان نائماً في محله تلك الليلة ومنها ما شاهده الوزير سليمان باشا العظم والي دمشق وأمير الحج قال دخلت الحرم في مكة ليلاً فوجدت الشيخ وجماعته يذكرون الله تعالى فيه ومنها ما أخبرته بعض تلامذته أن الشيخ في الحج يرى عياناً في الطريق وأنه شاهده مراراً ومنها ما أخبر به أنه لما ذهب الوزير سليمان باشا المذكور إلى الدورة جاء إلى عنده الشيخ هو وفقراؤه فلما بلغه زيارة الشيخ قام ولاقاه وانسر غاية السرور فجلس الشيخ والفقراء عنده فطلب من الشيخ الاذن إلى طبريا فقال له ايش لك عندهم فقال له يا سيدي ان حضرة السلطان أرسل جنجانه وفرمان ان أركب عليهم فأجابه بقوله تعالى وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت فتروع الباشا من هذا الكلام ثم ان الشيخ عاد إلى زأويته وبعد خمسة عشر يوم جاء الخبر بأن سليمان باشا توفي وجئ به محمولاً بتخت إلى دمشق ودفن بمقبرة باب الصغير ومنها انقلاب الحجر ذهباً حين نظر إليه قال الجعفري كنا في زيارة سيدي أبي يزيد البسطامي ﵁ صحبة الشيخ والاخوان وكان الشيخ جالساً بقرب الضريح فجاء رجل من الاخوان بحجر مستدير مقدار خمسة أرطال ووضعه بين يديه وقال له يا سيدي لو كان هذا ذهباً كنا تججنا به وانبسطنا فقال له وقد نظر إلى الحجران لله رجالاً إذا نظروا إلى الحجر يصير ذهباً ثم أمره بحمله فلم يقدر يزعزعه من محله فقال له يا سيدي ما قدرت على رفعه وقد صار ذهباً فنظر إليه ثانياً وقال رده إلى محله فاقتلعه كما جاء به أولاً على هيئة الحجرية ومنها ما حكاه الجعفري المذكور قال كنا ذهبنا لزيارة السيدة زينب بصحبته فجلسنا في أثناء الطريق وأوقدنا ناراً فقال بعض الحاضرين لما أردنا المسير يا سيدي ضع لي راحتين من هذه النار في ذيلي فغرفها براحتيه ووضعها في ذيله وسرنا إلى أن قطعنا الطريق فرماها وهي متوقدة ولم يتأثر ذيل جوخته بها أصلاً وكان جديداً فكأنه لم يوضع فيه شيء أصلاً وقد ذكر الجعفري له كرامات غير الذي ذكرناها ولكن نحن أردنا الاقتصار ولو أردنا التطويل في بعض ما ذكر من مزاياه لأعيي الأوراق نشره وتحريره والقول الصحيح المجمع عليه أنه فرد وقته وولي عصره وكأنت وفاته في سبع عشر جمادي الثانية سنة سبع وخمسين ومائة وألف ودفن بالمدرسة الخاتونية التي كان يقيم بها الذكر عند المحكمة وإلى الآن يتبرك به ويزار ورثاه الأديب عبد الرحمن البهلول بهذه القصيدة مؤخراً وفاته بقولهفلان وهذا لصديقي فلان فخطر في خلدي جناب الشيخ حفظه الله تعالى فقلت لهم اقرأو لي مولداً يكون مقدار الجميع ختاماً لهذه الموالد على اسم الشيخ أحمد النحلأوي فقرأوه وختموه وأهدوه للشيخ حفظه الله تعالى فلما ذكروا اسمه مدت يدمن الشباك وبدرت عليهم المصاري فأردت أن آخذ منهم شيأ فلم يمكنوني وقالوا يا سيدنا ان صاحب هذا المولد أعطانا فنظرت إلى الشباك فرأيت رجلاً بصفة جندي واقفاً والشعرية لا يمكن مد اليد منها فعلمت أن الشيخ حضر هنا ومنها وقد اجتمع عنده صبيحة يوم الثلاثاء أشخاص أحدهم من الميدان وآخر من الصالحية والثالث من باب توما فقال أحدهم كان الشيخ نائماً عندي بالأمس فقال له الآخر لا فإنه كان عندي فقال الثالث كل منكما لم يصدق كان بالأمس عندي فحلف كل بالطلاق على ما ادعاه مع أنه كان نائماً في محله تلك الليلة ومنها ما شاهده الوزير سليمان باشا العظم والي دمشق وأمير الحج قال دخلت الحرم في مكة ليلاً فوجدت الشيخ وجماعته يذكرون الله تعالى فيه ومنها ما أخبرته بعض تلامذته أن الشيخ في الحج يرى عياناً في الطريق وأنه شاهده مراراً ومنها ما أخبر به أنه لما ذهب الوزير سليمان باشا المذكور إلى الدورة جاء إلى عنده الشيخ هو وفقراؤه فلما بلغه زيارة الشيخ قام ولاقاه وانسر غاية السرور فجلس الشيخ والفقراء عنده فطلب من الشيخ الاذن إلى طبريا فقال له ايش لك عندهم فقال له يا سيدي ان حضرة السلطان أرسل جنجانه وفرمان ان أركب عليهم فأجابه بقوله تعالى وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت فتروع الباشا من هذا الكلام ثم ان الشيخ عاد إلى زأويته وبعد خمسة عشر يوم جاء الخبر بأن سليمان باشا توفي وجئ به محمولاً بتخت إلى دمشق ودفن بمقبرة باب الصغير ومنها انقلاب الحجر ذهباً حين نظر إليه قال الجعفري كنا في زيارة سيدي أبي يزيد البسطامي ﵁ صحبة الشيخ والاخوان وكان الشيخ جالساً بقرب الضريح فجاء رجل
стр. 204
من الاخوان بحجر مستدير مقدار خمسة أرطال ووضعه بين يديه وقال له يا سيدي لو كان هذا ذهباً كنا تججنا به وانبسطنا فقال له وقد نظر إلى الحجران لله رجالاً إذا نظروا إلى الحجر يصير ذهباً ثم أمره بحمله فلم يقدر يزعزعه من محله فقال له يا سيدي ما قدرت على رفعه وقد صار ذهباً فنظر إليه ثانياً وقال رده إلى محله فاقتلعه كما جاء به أولاً على هيئة الحجرية ومنها ما حكاه الجعفري المذكور قال كنا ذهبنا لزيارة السيدة زينب بصحبته فجلسنا في أثناء الطريق وأوقدنا ناراً فقال بعض الحاضرين لما أردنا المسير يا سيدي ضع لي راحتين من هذه النار في ذيلي فغرفها براحتيه ووضعها في ذيله وسرنا إلى أن قطعنا الطريق فرماها وهي متوقدة ولم يتأثر ذيل جوخته بها أصلاً وكان جديداً فكأنه لم يوضع فيه شيء أصلاً وقد ذكر الجعفري له كرامات غير الذي ذكرناها ولكن نحن أردنا الاقتصار ولو أردنا التطويل في بعض ما ذكر من مزاياه لأعيي الأوراق نشره وتحريره والقول الصحيح المجمع عليه أنه فرد وقته وولي عصره وكأنت وفاته في سبع عشر جمادي الثانية سنة سبع وخمسين ومائة وألف ودفن بالمدرسة الخاتونية التي كان يقيم بها الذكر عند المحكمة وإلى الآن يتبرك به ويزار ورثاه الأديب عبد الرحمن البهلول بهذه القصيدة مؤخراً وفاته بقوله
زر مقاماً مباركاً بمزايا ... حضرة الشيخ أحمد النحلأوي
وتوسل إلى الاله بصدق ... فيه يظفر بكل ما أنت نأوي
كان في أهل جلق الشام قطباً ... واضح السر للكمالات حأوي
وهو مستغرق بمولاه حقاً ... كشحه عن سواه بالصد طأوي
قد أصبنا به فصبر جميل ... عظم الأمر حيث عز التدأوي
ولئن غاب شخصه ان فينا ... منه سراً يرجى الدفع البلأوي
ان لله في البرايا خواصاً ... ساريات في كل رطب وذأوي
أيها الخل خل عنك أنتقاداً ... فهو يغضي إلى ارتكاب المسأوي
انما الاعتقاق أسلم قطعاً ... عن ذي العلم ثابت بالفتأوي
أمة الدين أجمعت ان ذا من ... سادة صالحين لأوتك غأوي
قد حباه الا له رتبة قدس ... وهي علياء لم تنل بالدعأوي
دام روح الرضى وريحان فضل ... في ضريح أمسى له متنأوي
قد قضى يوم جمعة في جمادي ... آخر في النعيم لا زال ثأوي
جاء تاريخه ببيت فريد ... راق معنى لسامع ولرأوي
стр. 205
قدس الحي سر قطب سني ... صادق الحال أحمد النحلأوي
أحمد البقاعي
أحمد بن ناصر الدين بن علي الحنفي البقاعي ثم الدمشقي نزيل قسطنطينية وأحد الموالي الرومية العالم الأديب الفاضل الخبير كان من فضلاء الزمان الذين انجنبهم سيما بفنون الأدب وفضله مشهور لا يحتاج إلى شاهد ولد بالبقاع بقرية تل ذي النون المشهورة الآن بتل الذنوب وهي بطريق المالكانه في تصرفنا وقدم إلى دمشق وقطن في حجرة داخل مدرسة لسميساطيه بدمشق واشتغل بطلب العلم على جماعة وشيوخة شيوخ الشيخ أحمد المنيني ومهر وظهر له فضل غض ودرس بالجامع الأموي وأنتمى إلى صدور دمشق بني القاري وكان بدر سعد هم اذ ذاك في ابداره وتغالى بمدحهم ومما يحكي من ذلك ان الأديب مصطفى ابن أحمد الترزي كتب إليه هذين البيتين موبخاً له ومتعرضاً بهما لذم بني القاري وهما قوله
ورب عطوف في نهار ضرامه ... يذيب دماغ الضب والأسد الضاري
سقاني به ثلجاً كأن جليده ... قريض البقاعي في مديح بني القاري
فأجابه بقوله وتعرض إليه لما اشتهر عنه من التشع
ليس القريض يروق حسناً نظمه ... ما لم يكن بمديح آل القاري
كيف للئيم الرافضي يعيبني ... في مدحهم ويسب من في الغار
ولبعض الأدباء هذين البيتين معرضاً بهما للبقاعي المترجم
سألت خدينا للبقاعي وامقاً ... به قلت من أي البلاد أخا الجهل
رفيقك من تل الذنوب فقال لا ... ولكنه والله يا سائلي بعلي
وفي ذلك قول مصطفى الترزي المقدم ذكره مخاطباً بهما المولى عمر القاري
أيا عمر القاري ابن مفصحا لنا ... عن الغمر شرواك البقاعي أخي الجهل
فاني لم أعرف حقيقة نجره ... ومن أي عفر حيث فرع بلا أصل
فقال فاني قد تنأولت أصله ... وأروي الذي أرويه عندي عن أهلي
توارثته عن والد بعد والد ... وناهيك عما قد توارثت بالفعل
فقلت أمن تل الذنوب فقال لا ... ولكنه والله يا سائلي بعلي
وفي ذلك كتب الترزي المذكور للبقاعي المترجم جواباً عن بيتيه بقوله
دع الجاهل المغرور بالجهل انه ... يزيد بشتمي ثم ينصب في خفضي
فلو كان أهلاً للهجاء هجوته ... ولكنه والله منخرق العرض
زعمت بأني عبت شعرك كونه ... يمدح اناس حبهم كان كالفرض
стр. 206
ولكن لما ضمنته من سماجة ... وبرد ومن يصغي له عجلاً يقضي
وحاشا أمير الغار من أفك مبطل ... كتلك بل حبيه ذخري للعرض
فمت كمدا ليس القريض موافقاً ... لطبعك لو تهوى النجوم إلى الأرض
وما عيب ذا الشعر الفصيح بمدحهم ... ولكن أيا شالوص شعرك لا يرضى
وشالوص اسم رجل من أتباع امراء ناحية البقاع وكان أصل ذهاب المترجم إلى الروم وتوطنه بها كونه منتسباً اليهم وذلك أن المولى محمد بن إبراهيم العمادي المفتي تغبر خاطره عليه وأوشوا له بعض الناس به فتوافق مع القاضي بدمشق اذ ذاك أن يرتب علي البقاعي دعوة قبيحة توجب تعزيره لأجل أن يعزره وأحضر عدة شهود فلما مثل بين يدي القاضي بالمحكمة أثبتوا عليه ذلك الأمر وشهدوا بصحته الشهود الذين من طرف العمادي وأمر القاضي بتعزيره وضربه وأهين اهانة بليغة واشتهرت بدمشق في ذلك الوقت وطنت حصاتها فبعد ذلك لم يستغم بدمشق وسافر إلى دار الخلافة وأنتظم في سلك مواليها واشتهر والذين شهدوا عليه لم تطل مدتهم وماتوا جميعاً وكان دخل اليها في حين سفر المورة وتوجه مع العسكر عسكر ياثم أنه في ختان أولاد السلطان أحمد عمل تاريخاً للختان ودخل طريق الموالي وأخذ عنه ثمة جماعة من علماء رؤساء الروم فهم شيخ الاسلام الولي محمد أمين حياتي زاده ورئيس الكتاب المولى مصطفى الشهير بالطأوقجي وكان يعتقده آغة دار السعادة بشير أغا وتقلب بالمدارس وأقرا دروساً عامة إلى أن وصل إلى قضاء ديار بكر ولم يتول غيره من المناصب وجمع من الأموال شيأً كثيراً ولم يتزوج وترجمه الشيخ سعيد السمان الدمشقي في كتابه وقال في وصفه هذا ممن ساد بنفسه وشمخ بعرنينه على أبناء جنسه في البقاع العزيز ترعرع وفي دمشق برع وتورع ثم قاد بناصيته العجب حتى ظن أنه يخرق الحجب فدعى من أجل ذا عصيبه وكأنت اراؤه غير مصيبة فانسل إلى الروم واليها سعى واستند إلى العراقة ولها ادعى فصادفته العناية وغض عن تلك الجناية فقابلته بوجه الاقبال وقمصته من الشرف أحسن سربال وكان حصل في أبان عمره من العلم ما حصل فببركته توصل إلى ما توصل الا أنه لم يزل من البيضاء والصفراء صفر اليد والجيب فكأنه ينفق من الغيب شاهدته في الروم وهو من الادعاء في مكانة وأي مكانه ينتسب لبيت أسست أصوله قواعده وأركانه ودعواه أو هي من بيت العنكبوت واهية الأدلة مقطوعة الثبوت إذا تكلم بالتركية ضحك وتحقق سامعه ماهيته وما شكك والثمانون تعز به بعمره وهو
стр. 207
ملتهى عن الحسناء بزيده وعمره غير أن الزمان بعدها له تنفس وتبسم بعد أن قطب وعبس وجعله بعد رتب التدريس من الموالي وجدد ما رث من ثياب حظه البوالي وبالجملة فأدبه بيت القصيد باسط به ذراعيه بالوصيد وله شعر عجيبة أساليبه يعجبني منه قوافيه وتراكيبه أنتهى مقاله وكان امتدح الوزير الكبير علي باشا المعروف بابن الحكيم في صدارته الأولى مؤرخاً فتح مورة بقوله من قصيدة
ما المجد الا بحد السيف والأسل ... والعيش الا بعز الخيل والأسل
ان المعالي في هذين من قدم ... وليس يدركها من كان ذا كسل
وافت برونقها في كل منقبة ... تعزى إلى أسد في القول والعمل
من نال منها أقاصي كل مرتبة ... أدنى فضائله كالوابل الهطل
صدر الصدور التي سارت محامده ... في المشرقين مسير الشمس والمثل
لا يشغل الفكر الا في اقتناص عدا ... ما بين مؤتسر منهم ومنجدل
كأنه والعدى في كل معترك ... سيف يقد بهم كالأعين النجل
يختار فكري بأوصاف له تليت ... في صفحة لدهر مثل المندل الخضل
فليت شعري أمدح ما أفوه به ... في وصف صدر العلي أم رقة الغزل
يستوضح الجيش من لالاء غرته ... ان كان في الليل آثار من السبل
يسعى إلى الحرب والأسياف لامعة ... والخيل تعثر في الخطية الذبل
فأوضح الملك حتى صار مشكله ... من حسن سيرته كالشمس للمقل
لا يختشي العسكر الجرار يوم وغى ... ان جر ذيل القنا في حومة الوجل
منها
لا زلت تنصر من وافاك ملتجياً ... من كل هول يذيب القلب من وجل
حتى أقمت بأبطال الحروب على ... أكناف مورة فانقادت على عجل
وخضت منها بحار الحرب ممتطياً ... من نصرة الله خيل العز في الدول
وكان طائرك الميمون من ملك ... تروى مفاخره عن أهله الأول
ومنها
قد صار بيتين في كل يؤرخه ... من بعد هذا كعقد زان ذا عطل
في كل حرب دهى الاسلام من نوب ... قد أيد الله فيها أحمداً بعلي
لا زال بين الورى أعلاء عدلهما ... ما دام عزهما في السهل والجبل
وقال مضمناً لمصراعه الأخير
يا رب ظبي كالمدام حديثه ... فيسيغه سمعي وعقلي يطرب
стр. 208
قد خلعته شمس النهار بكفه ... مرآة حسن لونها يتذهب
والوجه فيها لائح فكأنما ... هي دارة البدر فيها يلعب
ومن ذلك تضمين العالم أحمد المنيني
عاينته وكأنه من لطفه ... راح تكاد لها اللواحظ تشرب
بالعقل والشطرنج يلعب وهو في ... فسطاط حسن للمسرة يجلب
يحكي الزمرد خضرة فكأنما ... هي دارة والبدر فيها يلعب
ومن ذلك تضمين الناظم الناثر أبي الحسن محمد بن العتر المصري حيث قال
يا سائلي عن خصده ونطاقه ... حيث استدار بكل عضو كوكب
ثبت جنانك ما استطعت فانما ... هي دارة والبدر فيها يلعب
وقوله
انظر مناطقه على أعطافه ... والبدر فيها بالترافة يحجب
ليست مناطق تستدير وانما ... هي دارة والبدر فيها يلعب
وقوله أيضاً وقد نقله إلى العذار
خد بأقلام العذار مغضض ... وبأحرف الحسن البديع مذهب
لام العذار به تدار كأنما ... هي دارة والبدر فيها يلعب
وضمنه الأديب الشيخ محمد سعيد اللقيمي الدمياطي بقوله
وممنطق بحلي الجمال مجرد ... وعذاره الزاهي الطراز المذهب
نشوان يسبح لاهياً في بركة ... هي دارة والبدر فيها يلعب
وأصله بيت الأديب الألمعي سعدي بن عبد القادر العمري من قصيدة وهو مضمن لمصراع الصفي بقوله
خفقت مناطق خصره فكأنما ... هي دارة والبدر فيها يلعب
ولصاحب الترجمة
هذا الجمال بوجه من في وجهه ... قد أدهش الألباب والأبصارا
فكأنه المرآة لو من خلفها ... خدشت غداً في وجهها آثارا
ومما وقع له من المسأجلة مع العالم الشيخ أحمد المنيني حيث قال
وروضة قد بكتها أعين السحب ... فراح يفتر فيها الزهر عن شتب
فقال المترجم
وبات يعتل في أكنافها سحراً ... ريح الشمال وداعي الشوق والطلب
стр. 209
فقال المنيني
وغرد الطير في أعلى أرايكها ... والنهر صفق بالأمواه من طرب
وقد كستها يد الانواء طرز حلي ... للنبت يختال في أثوابه القشب
فقال هو
وصاغ جدولها للغصن من ورق ... خلاخل الحلي والتيجان من ذهب
فقال المنيني
يستوقف الطرف من لالاء بهجتها ... نور من النور أو ورد من الحبب
إذا شدا بلبل الأفراح ينعشها ... أجابه عند لبب اللهو من كثب
وأن سرى نحوها جيش الصبا سحراً ... تدرع النهر واهتزت قنا القضب
فقال هو
فمن ثراها عبير المسك قابلنا ... وفي حماها نرى الحصباء كالشهب
فقال المنيني
طبنا بطل نما في حجر دوحتها ... مذ شب يبدو لنا في زي محتجب
فقال هو
مع كل مولى كان الله صوره ... من زهرة الفضل أو ريحانة الأدب
فقال المنيني
ان لاح أحجل بدر التم في شرف ... أوفاه بالقول أزرى بابنة العنب
ولما ارتحل الأديب سعيد السمان إلى الديار الرومية اجتمع به وتردد إلى داره كثيراً وكان كلما حضر عنده يملي عليه من راح آدابه أكواباً ويفتح له من كل ما ترتاح إليه النفس أبواباً وكتب إليه السمان المذكور هذه القصيدة
ظمأى لمنهل ثغرك الوباص ... وتشوقي للقاك واستشخاص
مالي وللاحي الملح بلومه ... غلب الغرام ولات حين مناص
كيف الخلاص وهل يلذ لمدنف ... دامي الفؤاد وليس بالخراص
نسجت عليه يد الهوى ثوب الضنا ... حتى اختفى عن أعين الأشخاص
يصغي لترجيع الحمائم في الدجى ... فيئن منه كأنه المخماص
ما ساء التبريح في طرق الجوى ... الا الملام وقالة النقاص
عذراً له يا ناهجي نهج الهوى ... فدموه في الحب غير رخاص
كيف التخلص من يدي رعبوبة ... سلبت حجاه بطرفها القناص
رقصت مناطقها وقلبي للقا ... كتراقص الأطيار في الأقفاص
стр. 210
وغدت تهز من الدلال معاطفاً ... مرحاً كهز الاسمر الرقاص
وسرت فناظر وجهها بدر السما ... شتان بين حدائد وخلاص
يا دمية الأهواء رحمة مشفق ... لمتيم يا درة الغواص
يرعى الثريا غير أن غرامه ... في كثرة والصبر في استنقاص
شوقاً لمراك البديع لكي يرى ... ذاك الجمال بمقلة الأخلاص
فتبسمت عن در ثغر اشنب ... يزري بحسن الجوهر البصاص
أوما كفاك بأن يزورك طارقاً ... طيفي على رغم الرقيب العاصي
من لي بذاك ولم أذق طعم الكرى ... والنوم عن جفن المسهد قاصي
من حاز في طرق المعالي رتبة ... عزت مداركها عن الفحاص
لولا اشتغالي في امتداح أخي العلا ... من آن من اسر الغرام خلاصي
هو أحمد الأوصاف فرد زمانه ... ووحيده من قادة وخواص
وحديقة الفضل الجني المجتنى ... حأوي الكمال وأشرف الأعياص
قد غاص في بحر البلاغة مخرجاً ... درر الهدى بذكائه الوباص
متلفعاً برد المحامد والتقا ... متدرعاً منهن أخير دلاص
حيث القوافي تستقل بنظمه ... وتفوه فيها السن القصاص
يا ساكناً بحبوحة المجد الذي ... أهل الكمال لهم بذاك تواصي
خذها اليك بديعة ألفاظها ... عذراء تمشي مشية العراص
وافتك تسأل ما اسم شيء لائح ... في الجوبل في الترب والادعاص
يسري فيهدي المدلجين فربما ... سلب النفوس يسيره الحصحاص
طوراً تراه مسدداً قوس الردى ... بل فاغراً فاها كما المعراص
وتراه طوراً في السرى مستخفياً ... وتراه يستره رفيق نشاص
وتراه ممدوداً ونهراً سائحاً ... متدفقاً في روضة وعراص
ذو شوكة فيها المنية والأذى ... يسقي السموم كما القنا الوقاص
يخشى سطاه ويتقي من بأسه ... وهو الجبان الشخت في الأشخاص
فابن معانيه لاقدام على ... كسب المعالي والكمال حواص
واسلم ودم ما سار ركب في الدجى ... يطوي الحزون على متون فلاص
فأجابه بقوله
وافت على رغم العذول العاصي ... هيفاء بين تطأوع وتعاصي
تغدو كروض في نهار ملاحة ... وتروح عاترة بذيل عقاص
مصقولة الحذين الا انها ... كالسيف يفشي هامة النقاص
стр. 211
ضربت قباب محاسن من دلها ... من كل فج يبتغي كصياصي
لم تتخذ لقريب معنى حبها ... قلباً سوى الصاد الروي العاصي
لو رام لأستنباط ماء وسامة ... من وجهها لحظ رمي برصاص
تختال في الخيلا علا وفصاحة ... قد قاد كلاً منهما بنواصي
ذو الفضل من بالشعر صار لبيده ... وسعيده في الود والاخلاص
من أو تصفح في الصحائف فكره ... ألقت معانيها له بخواص
لولا حقوق الشعر عند فحوله ... لجنحت عنه وملت للقصاص
لكن أجبت سعيدهم عن اسم ما ... هو عقرب في الجو والاعاص
لا زال من شمس المعارف نورها ... يرقى لكوكب فضله الوباص
ما سار عن وادي دمشق عشية ... بين الغصون نسيمة كعلاص
وكتب إليه الجاب السامي السيد فتح الله الدفتري الفلاقنسي هذه القصيدة مع النثر الآتي ذكره وهي قوله
الماجد الصرف الودادخدن السيادة والسدادترب المعارف والعوارف
والمساعي والأياديمن شأنه نفع الصديقوقمع أعناق الأعادي
ذو خاطر في كل شأنمعضل وأرى الزنادومآثر غر غدا
برهانها كالشمس باديفخناصر النقاد قدعقدت عليه باعتقاد
لا زال نادي فضلهذات العماد إلى المعادأهدى إليه من تنأي
ما يخطر كل ناديومن السلام أرق حينيروق من دمع الغوادي
وإذا تكرم بالسؤالعن تلقيم على الودادفالحمد لله المفيد
بحمده حمد العبادنعماؤه مع ما نقصركل آن في ازدياد
لكن للأشواق ناراًفي الحشا ذات اتقادوعلام لا اشتاقه
وبه ابتهاجي واعتداديوهو الذي يصفي الودادعلى التداني والبعاد
يغدو على حلل الطريقمن الفضائل والتلادوعلى التصنع والتزين
بالملابس غير غاديفي رونق الصمصام مايغنيك عن حلي النجادي
لا مثل من يضحي وعنوان الهوان عليه باديلا لاصطناع يد ولا
لمنال فضل مستفاديرضى بقهقهة القناني دون حمحمة الجياد
والمجد أمر لا ينالبدون كد واجتهادشرف ابن آدم ان نظرت
بفضله لا بالعتادوقناعة المجهود بالموجود من جنس الجهاد
стр. 212
ماء الوجوه أعز منأن يقتني بعد النفادأيداً يضن به الأبي
وان غدا سلس القيادوبريقه من لا يبالي بازدراء الازدراد
هيهات لا تحسب دم الفرصاد مثل دم الفصادهو من وصفت وما وصفت
بغير بحيث وأنتقادالمتعب الحساد والحساد من أهل الفساد
يغدو الحسود وكيدهكالجمر من تحت الرمادوالعير يقمص جاهداً
ويفوته جري الجواديا ويح أهل الفضل منأهل الجهالة والكياد
ان غبت عنهم امعنوافي السب من غير اقتصادمتجأوزين حدودهم
سلقاً بالسنة حدادهذا وقد ورد الكتابوشاؤ شوقي في امتداد
فاغاث قلباً كان فيالله الترقب دون فاديوجلا العناء بكل معنى
مستجد مستجادصد الهموم وراح مروبالرواء لكل صادي
فكأنه نفس النسيمإذا تضمخ بالجسادفسقى معاهد أنسنا
بلقاكم صوب العهاد
الجناب الذي رفع الله سبحانه ذروته العليا على منكب الجوزاء وخفض جناح اعتزازه بالتواضع للأصدقاء وبرأ ساحته من شوائب المعائب كما أسبل تقلب حيائه على غر المناقب وأترع حياضه من زلال الفضائل في أنه مثل مارين رياضه بزخارف الفواضل فلا مرية عند ذوي الألباب في أنه غنى عن كثرة الألقاب مبنى فسطاط مجده بدون أطناب الأطناب وإذ كان ذاك كذاك فغيم تطأول الكوالي مساحة الافلاك وقد جل عطارد عن المس والادرك الا فجدد الله من عبير التحية والتسليم ما يضاعف طيب الندى الكريم ومن الثناء ما تزداد به الحضرة النضرة فتهتز بهجة ومسرة ولا زال الاقبال يغشاها والاكدار تتحاماها وتنحاشاها هذا وان تعارضت السؤال عن كيفية الحال روابط الصداقة الوثيقة التي هي بالنمو حقيقة فالحمد لله الذي ما من نعمة في الوجود الا وهي من جوده الموجود ومن جلائل نعمته سلامة الاخوان الثقاة التي لا نطيب الا معها الحياة ومنها ورد الكتاب البديع الخطاب وقد كان الفؤاد الواجد لطلوع نجمه الزاهر راصد فلما فضت ختامه المسكي يد التوقير أفضت إلى روضة وغدير ونسيم وعبير فشيد دعائم المحبة لا لنقصان وجدد معالم الذكرى وحاشاه من النسيان ثم حاشى رسائل الجناب بعد الآن من الفترة فان أخبار سلامته ذريعة إلى أقصى المسرة وهي منه مبر ولا سيما إذا تضمنت ما يسنح من الطائر الميمون بحاجة يرتاح بانجازها القلب وتقر العيون والسلام فأجابه عنها بأبيات ونثر لما وصلت إليه وهي قوله
стр. 213
وافت عقود من ودادفي جيد ألفاظ جيادفي كل معنى قد جرى
من لفظه ماء الفوادي ... كادت تسيل فصاحة وبلاغة في كل واد
فكأنها الغزلان ينشرطيبها مسك المدادعن فكر منشيها بدت
توري الحقيقة كالزنادلله فيه سريرةبين الحواضر والبوادي
لو أعلنت أجرى بهاالماء الزلال من الجمادولقد علمت بأنه
صب إلى بذل الأياديمن ضئضئي نص الكتاب بأنه خير العباد
فرع شريف أشبه الأصل الأصيل من المهادجاز الكرام إلى ذرى
غايات مجد فيه باديواحتل غارب كل فضللم ينل من عهد عاد
خطم الانوف وذلل الأعناق من أهل الفسادما نام شخص منهم
الا على شوك القتادحيث انثنوا في شب نيران لهم ذات اتقاد
فكأنه من عزهشمس وهم مثل الرمادلم يرمهم بعزائم
لكريهة بل للرشادما زال يقحم كل يومخيل علياء الطراد
حتى أشام سيوفهبطلى الأشد من الأعاديوالله أيد فتحه
بالنصر مع بيض حدادوأناله من كل خيرما يروم من المراد
وأباح عفواً بعضهموالبعض صار إلى انقيادهذا الثقاف يقيم مع
وج الأنام إلى السدادهذا هو المجد المؤثل والطريف مع التلاد
هذا الذي تتلى مدائحه على سمع المعاديصارت بها تحد والحدا
ة كما ترى في الارتيادوغدت بما تحدويهترقى على السبع الشداد
والشعر مثل مطيةلا تنبري الا بحاديهذا وأهديه السلا
م مع الدعاء من الفؤادوأبيحه مدحا مع الود الاكيد المستزاد
لا زال يرقى بالسعو ... د وعمره بالامتداد
وصلت العذراء من القصائد وفي جيدها عقد من القلائد وعليها من ملابس البديع حلل وهي مفردات من الجواهر وجمل حاكتها كلماته الغر كشجر طيبة ثمرها الدر فعذبت في المغاز له وطابت عند المنادمة والمسأجلة مع نثر يعير النور إلى الكواكب ويغبر في وجه الصأبي الصاحب وكلاهما من شريف ألمعي وأديب لوذعي وفاؤه سموءلي في هذا الزمان وسخاؤه غيث مريع في كل مكان صدقته كعين الصدق صادقه ومودته مع محببه بكل لسان ناطقه يجريان مجرى الروح في الجسد ويستعيذان من شرحا سدا ذا حسد ويرويان عن وشي خلوص الفتح من فتحهما وعن الرياض الغضة من نضارتهما ما يهزأ بخلوص كل ذي
стр. 214
نظافة ويروض ورد ومحاسن اللطافة حرس الله عن الزيغ فكره وأدام على الألسنة حمده وشكره مع دوام حياته في ربوع مسراته ليحظى محبوه برسائله السائرة المشتملة على خصائصه النادرة فقابلتهما بسلام وشوق إليه وثناء كجلائل النعم عليه هذا وعمره مع السلام يطول بجاه جده النبي الرسول آمين وكأنت وفاة المترجم في قسطنطينية دار الخلافة في سنة احدى وسبعين ومائة وألف ودفن بها والبقاعي نسبة إلى البقاع العزيزي نسبة إلى العزيز عكس الذليل وكأنه نسبة إلى الملك العزيز ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب قال في التعريف ومقر ولايت كرك نوح وأما البقاع البعلبكي فهو نسبة إلى بعلبك لقربه منها قال في التعريف وليس له مقر ولاية وهاتان الولايتان منفصلتان عن بعلبك وهما مجموعتان لحاكم غير حاكمها والآن يتولى تلك الناحية حاكم من طرف ولاء الحكم في دمشق الشام والله أعلم.
الشيخ أحمد العاني
أحمد بن هديب بن فرج العاني نزيل دمشق الميداني الشافعي الشيخ الفاضل الفقيه القرصي الصالح الكامل كان عابداً ديناً نقا ولد ببلده عانه وقدم دمشق بعد ما جأوز العشرين وقطن بها في المدرسة السميساطية واشتغل على جماعة من شيوخها كالعلامة الشيخ الاستاذ عبد الغني النابلسي والعالم الشهاب أحمد الغزي العامري ابن عبد الكريم والمحدث الشيخ محمد الكامل وحضر دروس الشيخ علي كزبر ودرس في بعض مساجد محلته بميدان الحصا وصار اماماً بجامع الدقاق ولم يزل على حالته إلى أن مات وكأنت وفاته بدمشق في شوال سنة تسع وخمسين ومائة وألف ودفن بمقبرة الشيخ الحضي خارج باب الله رحمه الله تعالى وسيأتي ذكر ولده محمد ان شاء الله تعالى.
الشيخ أحمد الأكرمي
أحمد بن يحيى بن محمد المعروف بالأكرمي الحنفي الصالحي الدمشقي خادم مقام سيدي الشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي قيس سره انشح المعمر الفاضل الأديب الشاعر كان مجموعة معارف تعلو بها الأقدار لكنه حظه نزر فصيره اضبع بين أترابه في زمانه من البدر في اليالي الشتاء كما قيل
ان المقدم في حذق لضنعته ... انى توجه منها فهو محروم
стр. 215
وكان المترجم ملازماً تلك العتاب رامياً بنفسه في رحب ذلك الجناب وترجمه الأمين المحبي في نفحته وقال في وصفه شيخ هرم يحدث عن سيل العرم مناخاته كلها سكر وأرى وفكاهاته ملؤها شبع ورى وقد عبثت به يد اللأواء فصيرته طوع مقتضيات الأهواء فحاله أضيق من فم الحبيب وأشد غصة من بأس الطبيب الا أنه وان أرهقه الدهر بصرفه ونبا به كأنه سها في طرفه فصفحته يغشي العيون ائتلاقها وشيمته ما غير المكارم اعتلاقها وله شعر جاش به خاطره فجاء كزهر الروض فاح عاطره أنتهى مقاله
ومن شعره قوله
ثنيت عناني عن فتية ... يرون من العار علمي وكتبي
وكانو أصحأبي علي زعمهم ... وكلهم قد تهيا لحربي
فأعرضت عنهم لهم قاليا ... ولم آل جهدا بشتم وسب
واذ ذاك لو هتفوا بي هلم ... لما كنت يا صاح ممن يلبي
وقوله
أقول لا هيف أضحى بقلبيمقيراً باختيار وانقيادأيا حلواً للما وأصل محبا
ولا تقصد مجبك بالبعادوبرد غلتي بالوصل انيأخاف عليك من حر الفؤاد
وقوله
سقياً لموقفنا العشية بالحمى ... نشكو الغرام ولفظنا الألحاظ
وعواذلي لما تشابه أمرنا ... هجعوا أسى لكنهم ايقاظ
فكأننا المعنى المراد لطافة ... وكأنهم في ضمنه ألفاظ
وهي عروض أبيات الأمير المنجكي التي هي قوله
ومهفهف لولا عقارب صدغه ... لتناهبت وجناته الألحاظ
طارحته ذكر الهوى وعواذلي ... لا نائمون ولا هم أيقاظ
نبدي الحديث ولا حديث كأنما ... عبراتنا ما بيننا ألفاظ
وقوله من قصيدة مطلعها
لك لا لغيرك في البرية أعشق ... يا من به ثوب الحشا يتمزق
يا مخجل القمر المنير وفاضح ال ... ظبي الغرير لك الجمال المشرق
اني أضعت جميع عمري رغبة ... في أن يرى لي من ودادك موثق
يا من به أضحى فؤادي راتعاً ... في روضة من حسنه تتنمق
وغدا لساني ناطقاً في حبه ... بمدائح تعلو وحمد يشرق
следующие страницы →