Полный текст (1 167 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
بم المكارم لا يمل من العطا ... وكفاك ان تحذو بحفظ ووداده
وأبوه جدك وهو بحر زاخر ... فمحمد قط بالملا بجهاده
وكبيرهم في الأولياء مرادهم ... وغياثهم متعبد برقاده
وإلى أبي السبطين تسمو نسبة ... نسب له شرف لدى تعداده
قد حل بي ما قد سمعت من البلا ... فبفضلكم حسناً روى بفؤاده
وبعرفه مذ كان منك بسرعة ... فبدا بياض عواقب بسواده
وعسى يكون كما المهيمن مخبراً ... في محكم التنزيل خير عباده
لله حمدي دائماً من سعيكم ... برجاك فينا يا خليل مراده
أنت المقدم مع حداثة سنكم ... في عصرنا عد لا على أسياده
وتقاصرت همم الأساتذة الأولى ... عن منصب اذ جزت فوق جواده
لا سيد بالشام مثلك يرتجي ... عند المضيق وحق ذا وأجداده
ماذا أقول وطول مدحي قاصر ... لوفاء وصفك لم أطق بمداده
لكنه شرفي به أسمو على ... أتراب عز لوقدت بزناده
عذري اليك فان حان ظاهر ... والفكر مني فاتر بمعاده
فحسيتكم بالذل ظل مسربلاً ... بالخطب مخضوباً لدى حساده
نظمت بدمع والدعاء ختامها ... من مبتل بالنأي عن أولاده
وكتب إلى من القدس بعد دخوله اليها
ما أنت في الأعلام الأعاشر الأيام من شهر الحجيج فيحمد لكن ذاقي كل عام مرة عيد وأنت بكل يوم أحمد أنت الخليل لذا الزمان وأهله بل وجهه اذ أنت فيه محمد ما رقم قلم وما تنفس فجر عن ظلم وما غرد طير الفلاح وتنفس روح الصباح وما كشف الكروب عن كل محزون ومكروب الا وأهديت سلاماً أرق من نسيم الصبا على خمائل الرياض أبدا وألذ من زمن الصبا بين شمائل المآرب والوصال سرمداً مع بث أشواق قلبيه وأدعية قدسيه من قلب صب حزين عن سويداه بأنين في رحب بورك فيه للعالمين لجناب ولي الاحسان والنعم عميم المجد والكرم فريد الحسن والشيم خليل المحاسن على الهمم خلاصة مراد الله خيراً في العرب والعجم نور صدقة آل النبي في الحرم صدر الشريعة وتاجها وكنز الهداية ومعراجها انسان عيون الأفاضل ونور مرادها وحسنة الأيام والليالي بل هو أوقات أعيادها من تباهت ببهائه الأعلام وتاهت بمدحه على أترابه الأقلام بهجة الجمال وبدر
стр. 352
الكمال كعبة القاصدين وحرم الخائفين ملجأ الأفاضل وسابق الأوائل أكليل السؤدد والمجد وفلك الرفعة والسعد مالك أزمة ولائي وسبب حياتي وبقائي شيخ الاسلام مفتي الخاص والعام مولانا وسيدنا السيد المفتي المرادي جعل الله فلك سعده مستنيراً في كل نادي لا زالت الأدباء متشرفين برفده والأفاضل متعلقين بسعده ولا برحت العلماء مبجلين مرفهين بامتداد ظله ورياض قلوبهم ممطرة بفيض طله ووبله اذ هو المدأوي مرضاهم بطب قلمه ومزيل شعث فقرهم وعناهم بسوابغ كرمه فنسألك اللهم أن تجمع له المد الطويل في العمر والعلو المتفاضل المتواصل في القدر والنفاذ الدائم في القول والأمر والمعروض غب الدعاء المفروض اننا بحمد الله تعالى غب بلوغنا الأوطار ووداعنا لتلك الدار التي بصاحبها أصول وعلى الحساد والأعداء أقول فقلت لها والدموع هطالة على الخدود متوسلاً بالدعاء لخليلها إلى الملك المعبود
لا زال فيك ثلاثة يا دار ... العز والاحسان والدينار
ولباغضي خليلك أضدادها ... الذل والباساء والأكدار
لا زالت بالضيفان معموره وبالخيرات ان شاء الله مغموره ولما دخلنا الوطن المقدس بالحبور وتلقتنا الأحباب بالسرور نشرنا لكم ألوية الثناء الوافرة على رؤس الأكابر والأصاغر وما من سامع من الأخوان الا وهو لكم داع إلى الرحمن بكل خير واحسان فنسأله سبحانه القبول بجاه الرسول وانني غب ذلك مقيم لكم على الدعوات الخيرية في الأماكن القدسية السنية ما دامت الأنفاس وأدركت الحواس كما هو الواجب علينا وعلى العيال وعلى اخواننا وذوي الفضل بكل حال وله في الوالد مدائح ومرائي ذكرتها في مطمح الواجد ومنها ما أنشدنيه من لفظه يمدح بها الوالد قال وكنت كتبتها إليه رحمه الله تعالى من القدس
دعاء لكم مني بدا وسلام ... وألف تحيات اليك عظام
إلى تاج أهل الفضل في الشام كلها ... وفيه تباهت في المدائن شام
وينبوع علم ثم حلم وسؤدد ... وجدله للأولياء سنام
ومن نسل طه المصطفى ولقد سما ... على مرادي في الأنام أمام
سنائي له من كل كلي كذا الورى ... وكل مديح في سواه حرام
لك المدح من كل العوالم انها ... لمدحك شخص واللسان أنام
وانك ذو الأنعام في الناس كلها ... وشكرك نور والجحود ظلام
وانك ليت للمروءة جامع ... محاسن أخلاق وأنت همام
стр. 353
فيا حبذا ذات تجلت بجلق ... كطلعة بدر القدس وهو تمام
فثغر دمشق ضامتك بوجودكم ... وتأمينها بالعدل منك يرام
فعدلك حظ في دمشق كساهر ... وأعين أهل البغي منك نيام
وعيدك مسبوق بعفوك أوجزا ... ووعدك حتماً بالوفاء دوام
فلا زال فيك المجد بالفضل خادما ... فمنك رسوم المكرمات تقام
ولا زلت محبوباً إلى السعد دائماً ... ولا زال فيكم للسمو غرام
فكم فاز بالأسعاف منك ذوو التقى ... وكم كمدت بالقهر منك لئام
وكم نال ذو حق بفتواك حقه ... وكم نالت النعماء منك كرام
لكم راحة تعطى بخير مؤمل ... تسح نوالاً أنها لغمام
نداها حياة الواردين بسرعة ... وأقلامها للطاعنين سهام
فذلك شيخي وافداً لربابكم ... وبابك للقصاد فيه زحام
ومن كان محسوباً عليكم فإنه ... ليرجوك تفريجاً وأنت مرام
بقيت بقاء الدهر في ذروة العلى ... فأنت إلى كل الكرام ختام
حمزة بن بيرم الكردي
حمزة بن بيرم الكردي نزيل دمشق الشافعي الاستاذ الصوفي الامام العالم العلامة العابد الناسك القدوة المسلك أحد مشاهير الصوفية بدمشق ولد كما قرأته بخط تلميذه الفرضي السيد سعدي الحسيني ابن حمزة في سنة ثمان وثلاثين بعد الألف وقدم إلى دمشق واستطونها وتولى بها المدرسة الفارسية ودرس بها في الفتوحات المكية وغيرها ولزمه جماعة وأجاز لهم الحديث وكان في ابتدائه رحل إلى دار الخلافة بالروم وكان بدمشق في أول أمره إذا ركب الجواد وأراد الذهاب إلى مكان تحيط به الأتباع والخدام ثم أخراً ترك ذلك وهو جد والدي رحمه الله تعالى لأمه لكون جدي والد والدي المذكور العلامة المربي الصوفي الشيخ السيد محمد المرادي اتصل بابنته وجاءه منها والدي وغيره وكأنت وفاته بدمشق في يوم الخميس العشرون من محرم افتتاح سنة عشرين ومائة وألف ودفن بتربة الباب الصغير بالقرب من سيدي بلال الحبشي ﵁ وتولى بعده المدرسة الفارسية جدي السيد الشريف محمد المذكور آنفاً رحمهما الله تعالى.
حمزة الدومي
حمزة بن يوسف بن محمود الحنبلي الدومي الأصل ثم الدمشقي الشيخ العالم
стр. 354
العلامة العمدة الفهامة الفاضل الصالح التقي كان متضلعاً من عدة علوم مع الصلاح والتقوى ولد في سنة خمس وثلاثين بعد الألف ونشأ واشتغل بالقراءة على جماعة وأخذ عنهم منهم الشيخ منصور السطوحي نزيل دمشق وحج معه مرتين وأخبر عنه انه كان يفرق في المدينة ثلاثمائة قميص وسبع جبب وثلاثمائة بابوج وتسع سراميج وخمسمائة ذهب مشخص وكذلك في مكة المشرفة يفرق خمسمائة ذهب ومنهم الشيخ محمد يحيى البطنيني ومحدث الشام الشيخ محمد نجم الدين الغزي والشيخ عبد الباقي الحنبلي والشيخ محمد بن بلبان الصالحي الدمشقي ودرس وأفاد بالجامع الأموي مدة تزيد على ثلاثين سنة وبالمدرسة اليونسية مدة مديدة ولزمه جماعة وأخذوا عنه منهم الشيخ محمد الحبال والشيخ عبد السلام الكاملي وآخر من روى عنه الشيخ صالح الجينيني وكأنت وفاته بدمشق في ليلة الأحد غرة جمادي الثانية في سنة ست ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح بالقرب من الشيخ أبي شامة ﵄.
حيدر الحسين أبادي
حيدر بن أحمد الشافعي الحسين أبادي الشريف الصفوي كان في التقوى والزهد والعلم والعمل على جانب عظيم وكان مرجع علماء قطره ولد في حدود سنة ست وثلاثين وألف وكان قد أخذ العلم عن والده وهو عن أبيه حيدر وترجمه صاحب الروض فقال في حقه هذا الثاني صاحب المثالث والمثاني باقة مسك ضاع ندا وعبق مجداً فعطر الكون برياه العاطر وحاز بطيب مكارم فضائله المعالي والمفاخر.
فاح الثرى متعطر ببيانه ... حتى حسبنا كل ترب عنبرا
وترجمتهم في كتأبي المومي إليه فقلت هذا البيت كالسبع المثاني في البيوت وأهله بين الأنام كالجواهر والياقوت نهلوا من نهر المجرة واقتطفوا بالمعالي زهر الزهرة تغذوا بلبان المجد وتربوا بموائد المدح والحمد وتفوح من طيب الثناء روائح لهم بكل مكانة تستنشق
مكية النفحات الا انها ... وحشيه بسواهم لا تعبق
أنتهى وله تآليف عديدة منها حاشية كبيرة على شرح اثبات الواجب وسافر لدار السلطنة العلية قسطنطينية المحمية سنة ست وعشرين ومائة وألف ثم رجع منها إلى الموصل وتوفي بعد عوده بنحو ثلاث سنين وقد جأوز التسعين ويقال انه لما توفي ظهرت لوفاته امور خارقة فاشتد الريح وأرعدت السماء وأبرقت وأحمرت الدنيا وأسودت بالغبرة الآفاق فكانوا يرون ان ذلك حزناً
стр. 355
على فقده رحمه الله تعالى.
حيدر بن قرأبيك
حيدر بن قرأبيك الشيخ العالم الفاضل الزاهد العابد الموصلي الشافعي كان له في العلوم اليد الطولى ولد سنة أربع وسبعين وألف وطلب العلم وقرأ وجد واجتهد وحصل جملة صالحة من جميع الفنون الشرعية والآلية وكان قد سافر إلى البصرة وأخذ الطريقة الرفاعية هناك عن آل السيد يوسف وفتح الله عليه فتحاً ربانياً وأفاض عليه فيضاً لدنيا وكان منعزلاً عن الناس منقطعاً للعبادة لا يعاشر أحداً من الناس ولا يذهب إلى أحد وكان ينسج الثياب ويكتسب الحلال وعاش غير محتاج وما عهد لأحد عليه منه بل كل من صحبه كان له عليه المنة وسافر إلى حلب وعاد ماشياً وعرض عليه بعض التجار الركوب فأبي والناس تشهد بولايته وله كرامات وأحوال واضحة ظاهرة عند أهل الموصل واشتهر ذكره وظهر أمره وبعد صيته وتوفي في سنة تسع وستين ومائة وألف ودفن بالموصل وكان سنه اذ ذاك خمساً وتسعين سنة وقبره الآن يقصد للزيارة ويرجى لقضاء الحاجت رحمه الله تعالى ونفعنا ببركاته في الدنيا والآخرة.
حرف الخاء المعجمة
خالد بن صنون
خالد بن محمد بن زين الدين المعروف بابن صنون بفتح الصاد المهملة وتشديد النون الحمصي الخلوتي الشيخ لمبارك المعتقد الصالح الدين الخير السيد الشريف ولد في سنة سبع وأربعين وألف وكان يتردد إلى دمشق ولبعض أهلها اعتقاد عليه وكان يتردد إلى الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي وكان يثني عليه وهو من أصحابه وبالجملة فقد كان من الأشراف الصالحين أهل الجذب والخير وكأنت وفاته في أواخر جمادي الأولى سنة ثلاث ومائة وألف ودفن بحمص في تربة الأشراف عند باب الدريب بضم الدال المهملة مصغراً أحد أبواب حمص رحمه الله تعالى.
خالد القدسي
خالد القدسي الشافعي كان عالماً فاضلاً مفيداً شيخاً بارعاً بالفقه كاملاً زكياً أخذ العلوم على مشايخه وأزهر روض فضله وكرع من حياض العوارف وفاز بالتحصيل وأكمل التفريع بالتأصيل وتفوق وحصل وتصدر للافادة والتدريس واشتغل عليه جماعة من الطلاب وأنتفعوا به مع تواضع وزهد ورفض اللغو والتمنع
стр. 356
من اللهو مقبل على شأنه في سره واعلانه وتوفي بالقدس وكان صغير السن وبالجملة فقد كان من العلماء والفقهاء الأفاضل المفيدين وكأنت وفاته في سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف ودفن بباب الرحمة رحمه الله تعالى.
خالد العرضي
خالد ابن السيد محمد بن عمر بن عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمود بن علي المعروف كأسلافه بالعرضي الحنفي الحلبي الأديب الأريب اللوذعي الفائق الفاضل السميدع البارع هو من بيت بحلب خرج منه علماء وأفاضل اشتهرت فواضلهم وفضائلهم وكان جده الشيخ عمر علامة فهامه خصوصياً بالفقه والحديث والأدب أوحد عصره ومصره وله من التأليف شرح على الشفاء في أربع مجلدات ضخام وشرح شرح الجامي ولم بكل وشرح على العقائد وحاشية على تفسير المولى أبي السعود العمادي المفتي بالدولة العثمانية وغير ذلك من التآليف والرسائل والتحريرات والتعليقات واشتهاره يغني عن الاطالة بمدحه وكأنت وفاته في شعبان سنة أربع وعشرين وألف وولده والد المترجم ترجمه الأمين المحبي الدمشقي في تاريخه ونفحته والشهاب أحمد الخفاجي المصري في ريحأنته وكان فرد دهره أدباً وفضلاً وتولى افتاء الحنفية بحلب وكأنت وفاته في صفر سنة احدى وسبعين وألف وكان ولده المترجم صغيراً فنشأ يتيماً وقرأ على علماء عصره ومهر ونظم ونثر وتخرج في الأدب وابتدر مشرقاً بالكمالات مورقاً غصن فضله وأنتظمت عقود فضائله وبرع في العلوم وسيادته من جهة والدة والده وأقاربه كلهم شافعية أجلاء وكان هو حنفي ووالده أيضاً وترجمه السيد الأمين المحبي الدمشقي في ذيل نفحته وذكر له شيأً من شعره وقال في وصفه مولى الفضل وسيده ومن انحشر إليه حسن القول وجيده فعجز عن شأوه وقصر وعميت عليه طرق الحيلة فلم يهتد ولم يبصر سكن في القلوب ولوعه من قبل أن تساكن القلب ضلوعه فكل قلب به كليم يتبع خضراً في الهوى بود سليم فما ترى له نظيراً ولا مثلاً فإذا أنتهجت في وصفه فأنتهج طريقة مثلي فوصفه كله تلميح وتمليح والعد في المجيد المليح مليح وقد ذكرت من شعره النضر ما التقى في روضه ماء الحياة والخضر أنتهى مقاله فيه ومن شعره قوله يمدح بعض قضاة حلب الشهباء
بالصدر حأوي القدر من قدره ... قد جأوز العيوق والنسر
قد أشرقه أرجاء شهأنا ... وفاقت المدن به قدرا
فالعدل فيها باسم ثغره ... عن كل أنصاف قد افترا
والشرع قد نار بأحكامه ... تهللت أوجهه بشرا
стр. 357
مولى إذا قست به حاتما ... ما قلت الا كلما هجرا
أو بأياس رمت تشبيهه ... أتيت بالمعضلة الكبرى
أو كشريح قلت في حكمه ... كنت لعمري الجاهل الغرا
فكل ذي منقبة لو رأى ... سؤدده دان له قسرا
فانه بكر الليالي إذا ... أتى بصنع تلقه بكرا
لو علمت شهباؤنا انه ... يسعى اليها لم تطق صبرا
واشدرت تسعى لأعتابه ... والتمست من فضله العذرا
وكتب إلى بعض أحبابه معاتباً ومضمناً البيت الأخير بقوله
أيا من قد تحول عن ودادي ... وعهدي لا يحول ولا يزول
فديتك من غضوب ليس يرضى ... سوى روحي وذا شيء قليل
أيجمل ان تخيب فيك ظني ... وأنت الماجد الشهم الجليل
وكيف رضيت بي غيري بديلاً ... ومالي والهوى العذري بديل
على هذا تعاهدنا قديماً ... أم الجاني الخوؤن هو الجهول
أجلك أن تصدق في عذلا ... ومثلي ليس يجهل ما يقول
ليفعل مالكي بالعبد مهما ... يروم فانه العبد الذليل
فمل واهجر وصد فلا اعتراض ... عليك وأنت لي نعم الخليل
ولكني سأندب سوء حظي ... وما يجدي بكاء أو عويل
وكيف وكنت آمل منك حبا ... يدوم وصدق ودلا يحول
وكنت أظن ان جبال رضوي ... تزول وان ودك لا يزول
ومن شعره قوله ممتدحاً المولى أحمد بن محمد الكواكبي المفتي الحلبي بقصيدة مطلعها
قد منح الصد واللقا منعا ... وأوصل الهجر والوفا قطعا
بدر تفوق الشموس بهجته ... في منزل السعد والبها طلعا
أهيف قد بالتيه منفرد ... في وجهه رونق اليها جمعا
سكى عرف درى مبتسم ... يزيد عزا إذا الشجى خضعا
وقده الناضر الرشيق به ... مال لقتلي ظلماً وفيه سعي
ألحاظه في الحشا فعائلها ... في بعضها مهجتي غدت قطعا
لم يطق الطرف لمح طلعته ... هيهات برق الوصال ان لمعا
ومذ جفاني فاضت مدامع اج ... فاني وجادت وجودها همعا
أصبح في حبه حليف هوى ... مضني وأمسى محيراً جزعا
стр. 358
تضرم نار الغرام في كبدي ... كان قلبي على الغضا وضعا
وجأوز الجد في العباد وما ... جأوز خلا بحبه ولعا
ودعني الصبر حيث أودعني ... أسى قد أعيا الأسا وما رجعا
زاد فخاراً على الحسان كما ... أحمد زاد الكمال والورعا
سما مقاماً ومن له نسب ... كواكبي إلى السما رفعا
رب علوم يفوز طالبها ... في كل علم أراد وأنتفعا
راحته في انبساط راحته ... لو رام قبضا حاشاه ما استطعا
مكمل فضله ولا عجب ... في المهد ثدي الكمال قد رضعا
مهذب الخلق لن يرى أحد ... في لخلق أمثاله ولا سمعا
شهم حماه غدا بهيبته ... حمى مخوف وأمن من فزعا
ناهيك في ماجد أرومته ... من خير داع إلى الرشاد دعا
منها في الأخير
مولاي بكراً أتتك ترفع في ... روض المعاني ونورها طلعا
قانعة بالقبول تمهرها ... والحر يا ابن الكرام من قنعا
ولا برحت الزمان في دعة ... مرغد العيش رافعاً بدعا
ما صدح الورق في الرياض على ال ... أوراق صدحا به الحشا صدعا
وله قصيدة مطلعها
وحقك لا أشكو الزمان وأعتب ... إذا كان عنى عامداً يتجنب
وأي لبيب أكرم الدهر قدره ... وهل هان الا اللوذعي المهذب
فلا فاضل ألا تراه بحسرة ... يبيت على فرش الأسى يتقلب
تعانده الأيام فيما بريده ... وتمنعه عما أتى يتطلب
وله من قصيدة ممتدحاً بها بعض قضاة حلب ومطلعها
مديحك أشهى للنفوس من الوصل ... ومرآك حقاً انه آية العدل
ومجدك قد سامى السماكين رفعة ... وقدرك قدر لا يدنس بالمثل
ثويت بأسنى المجد مذ كنت يافعاً ... وجئت رياض العز تمشي على مهل
فيا كعبة الأفضال يا منهل الندى ... ويا قاضياً يفضي على الحق في الفضل
أقمت بشهبانا شريعة أحمد ... وأيدتها بالعلم عن وصمة الجهل
ومزقت أثواب المظالم كلها ... وأظهرت دين الحق بالعدل والفضل
стр. 359
منها
تراه لأهل الفضل يبذل لطفه ... وفي بره لم يصغ يوماً إلى العذل
تحلى بأنواع المعارف قلبه ... كما قد تخلى عن مدانسة الغل
فلا زال في حفظ الاله مؤبداً ... بخصب الأماني في أمان من الذل
وله
لا تطلبن من الاله وعفوه ... الا الكفاف وحسن خاتمة العل
والعفو عن وزر مضى مع صحة ... يا حبذا المطلوب ان هو قد حصل
وله مقتبساً من الحديث
ان كنت لا ترحم المسكين ان عدما ... ولا الفقير إذا يشكو لك الألما
فكيف ترجو من الرحمن مرحمة ... وانما يرحم الرحمن من رحما
وله معرباً معنى بالتركية
تؤمل ان الدهر ينجز وعده ... فهذا محال بالزمان بلامين
فكم أحببتي صادق في وداده ... فيعطي بلا من ويبذل من عين
فأحسن عندي من قريب وماله ... بوارق احسان إذا صرت في حين
وله
إذا كنت لا تتقي الموبقات ... ولم ترم عنك حديث الدمى
ولم تحرز الفضل والمكرمات ... فأخذك للعلم قل لي لما
وهو مثل قول القائل
إذا كان يؤذيك حر المصيف ... وببس الخريف وبرد الشتا
ويلهيك طيب زمان الربيع ... فأخذك للعلم قل لي متى
وللمترجم غير ذلك من أحاسن الشعر وبدائعه وبالجملة فقد كان أحد الأدباء الأفاضل بحلب من ذوي البيوت ولم أتحقق وفاته في أي سنة كأنت غير أنه في سنة خمس عشرة ومائة وألف كان موجوداً على التحقيق رحمه الله تعالى.
الشيخ خليل اللقاني
خليل بن إبراهيم بن علي بن علي بن عبد القدوس بن محمد ابن هرون السيد الشريف المالكي الشهير باللقاني الشيخ الامام العالم العلامة المحدث المحقق المدقق الفقيه التحرير الأوحد المفنن أبو مفلح عز الدين أخذ عن جملة من الأعلام منهم والده البرهان إبراهيم والنور علي بن محمد الأجهوري والشمس محمد بن علاء
стр. 360
الدين البابلي والشيخ سلطان بن أحمد المزاحي وشيخ الاسلام عامر الشبرأوي والشيخ محمد الشبراملسي المالكي والنور على الشبراملسي الشافعي والجمال يوسف الفيشي المالكي والنور على الحلبي صاحب السرة والشهاب أحمد المنشأوي الحنفي تلميذ ابن نجيم والشمس أحمد الطحطائي المالكي والشهاب أحمد القلوبي والشهاب أحمد الدواخلي والاخوان الشمس محمد والشهاب أحمد الشوبريان الأول الحنفي والثاني الشافعي وعن أخيه زين الدين عبد السلام اللقاني والنور على النبتيتي الحنفي والشيخ عبد الجواد الجنبلاطي والشيخ يسن العليمي محشي الفاكهي والشمس محمد بن علان وتاج الدين القاضي ورضى الدين الهيتمي وعبد الرحمن الخياري وعبد العزيز الزمزمي وغيرهم مما هو مذكور في ثبته المسمى باتحاف ذوي الارشاد بتحرير ذوي الاسناد وأخذ عنه الشيخ محمد بن خليل العجلوني وكأنت وفاته سنة أربع ومائة وألف رحمه الله تعالى ونفعنا ببركاته.
خليل البياض
خليل بن أحمد المعروف بالبياض الدمشقي أحد مجاذيب دمشق المشهورين المعتقدين كان من أولياء الله تعالى معتقداً عند الخاصة والعامة وله كرامات ظاهرة ومجالسته أنيسة ويستأنس بمنادمته وله حركات مقبولة كان خياطاً ولم يزل على هذه الحالة إلى أن مات وكأنت وفاته سنة ثمان وستين ومائة وألف ودفن بتربة الشيخ أرسلان ﵁ على جهة الطريق وقبر ظاهر مشهور رحمه الله تعالى.
خليل الدسوقي
خليل بن السيد أحمد ابن لاسيد عبد الرحيم بن إسماعيل الدسوقي الشافعي الدمشقي الشيخ الامام العالم الفقيه الدين الخير نشأ في صيانة وعفاف وطلب العلم على جماعة في صغره منهم الامام الشيخ السيد حسن المنير الدمشقي لازمه في دروسه بالدرويشية في شرح الغاية للشربيني وفي شرح المنهاج للمحلي وفي شرح المنهج لشيخ الاسلام القاضي زكريا وقرأ في النحو على المحقق الشيخ إبراهيم الفتال وفي مصطلح الحديث على شيخ الاسلام الشيخ أبي المواهب مفتي الحنابلة بدمشق وحضر دروس العلامة الشيخ عبد الكريم الغزي الدمشقي في المدرسة الشامية البرانية وبرع واقرأ دروساً بالجامع الأموي ولزمه جماعة من الطلبة ولم يزل على طريقته الحميدة إلى أن مات وكأنت وفاته يوم السبت ثالث
стр. 361
ربيع الأول سنة اثنين وثلاثين ومائة وألف ودفن بتربة الباب الصغير رحمه الله تعالى.
خليل بن عاشور
خليل بن أحمد عاشور الشافعي النابلسي الشيخ الفاضل الفقيه ولد في سنة احدى عشرة ومائة وألف وحفظ القرآن في صغره ورحل لمصر القاهرة وجأور وقرأ على الشيخ مصطفى العزيزي والشيخ عبده الريوي وحصل له الفتوح بالفقه فلا يكاد يجاري فيه وجر أذيال المفاخر على ذويه مع وقوف تام على بقية علوم المادة ولما عاد تولى الافتاء والتدريس وتصدر للافادة ولم يستنكف من الاستفادة وأخذ طريق الخلوتية عن الاستاذ الشيخ السيد مصطفى الصديقي الدمشقي وأثنى عليه هو وأنتفع عليه جملة من الطلبة ولم يزل على حالته الحسنة إلى أن مات وكأنت وفاته في سنة خمس وخمسين ومائة وألف ورثاه بعض تلامذته مؤرخاً وفاته بقوله
أدم من جفون الحزن دمعك ذارفا ... على فقد مفضال دهانا فناؤه
خليل بن عاشور الفقيه امامنا ... ومن بالامام الشافعي اقتداؤه
لقد زج في نور الاله وحزبه ... أفاح عبير الندمسكان شذؤه
ولما شممت العرف أرخت طيبه ... هنيأً بفردوس الخلود جلاؤه
خليل الصديقي
خليل بن أسعد بن أحمد بن كمال الدين الصديقي الدمشقي نزيل قسطنطينية الحنفي قاضي القضاة الصد الجسور المقداد الألمعي كان من أفراد الزمان فقيهاً عالماً فاضلاً أديباً بارعاً نبيهاً حاذقاً عارفاً فطناً ذيقاً ذهن وقاد وهمة دونها الثريا وطلاقة لم تدع لقاتل مجالاً مع النطق الحسن حيث إذا تكلم تعشق الآذان لسماع نوادره وطلاقته وله النظم والنثر البديعان ولد بدمشق في سنة ثمان وتسعين وألف ونشأ بها في كنف والده وتنبل وحضر الدروس وقرأ على جماعة في العلوم والأدب وتخرج على يد الشيخ محمد بن إبراهيم الدكدكجي وأخذ عن الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي وقرأ عليه وكذلك على الشيخ عبد الجليل ابن أبي المواهب الحنبلي وأنتفع به وعلى والده والشيخ عثمان بن محمود القطان وعلى الشيخ علي الشمعة والشيخ عبد الرحمن المجلد والشيخ محمد الكاملي وتفوق ومهر بالعلوم وجالس الأفاضل والأدبا وازدان به وجه الزمان وظهرت عليه علامات الرشد والفلاح ثم لما قدم جده قاضياً إلى مكة كما أسلفنا ذكر ذلك في ترجمته اصطحبه معه للحج مع والده وأقاربه وكان جده يرى فيه الرشد ويوصي والده به ثم لم يزل مستضياً ظلال نعم والده متنعماً في بلهنية العيش الهنية إلى أن مات والده فارتحل بعده إلى اسلامبول
стр. 362
في زمن الوزير رجب باشا ثم انه عاد إلى دمشق واستقام بها ففي أثناء استقامته توفي مفتي الحنفية بدمشق المولى الهمام محمد بن إبراهيم العمادي وذلك في سنة خمس وثلاثين ومائة وألف فانعقد الاجماع من أهالي دمشق على أن يصيروا مفتياً الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي فذهبوا لعنده وأبرموا عليه في ذلك فلم يرتضي وأبى فلم يزل يلحون عليه ويبرمون جميعهم إلى أن قبلها فكتبوا العروض للدولة العلية بذلك وصار الاستاذ النابلسي يكتب على الاسئلة الفقيهة فما استقام الخبر الا وجاءت الأخبار بورود الفتيا لصاحب الترجمة ثم انه ندم على فعله مع الشيخ النابلسي في ذلك لكونهم محبتهم معه قديمة وكان الاستاذ مرة فدا والد المترجم بعينه لأمر أوقع فيه بالهلاك وصار الاستاذ بعين واحدة إلى أن مات ثم لما كان مفتياً باشر بالهمة العلية وكأنت في تلك الأوقات دمشق الشام مشحونة بالظلم والعدوان وواليها الوزير عثمان باشا الشهير بأبي طوق فلما وجهت حكومة دمشق إلى الوزير إسماعيل باشا ابن العظم اصطلحت الفتن وكان المترجم الساعي في هذه الحيرية وتمهيد الفساد وقتل أربعة أنفار من المعلومين منهم صالح بن سليمان شيخ الأرض والصوباشي واهينت العوانية الذين تمردوا في زمن أبي طوق وخلت دمشق من الفساد ونظمت محاسنها بعدما كأنت منتشرة ثم ان المترجم ما استقام بدمشق وذهب إلى دار الخلافة قسطنطينية بالروم ثانياً واستقام بها إلى أن مات وكأنت له ملازمة في الأصل من شيخ الاسلام المولى فيض الله حسن جان زاده ولازم على طريقة قاعدة الموالي الرومية وسلك طريقهم وتنقل بالمدارس حتى وصل إلى رتبة الصحن فلما كان شيخ الاسلام المولى أبو الخير أحمد دامات زاده مفتياً بالدولة كان المترجم من المنتمين إليه فلما عزل وتولى مكانه افتاء الدولة شيخ الاسلام المولى اسحق كان المترجم بدمشق فارتحل عند وصول خبر صيرورته للروم ولما وصل بعد أيام قلائل أرسل له الأمر بقضاء طرابلس الشام وأخرجه من طريق الموالي إلى طريق الموالي الأوسط لكونه منتمياً لداماد زاده وكان المولى اسحق المذكور بينه وبين داماد زاده عدأوة كلية فرجاه برفعه ووقع عليه فلم يكن إلى أن وصل إلى السليمانية فدرس بها في الهداية ثم في سنة ثمان وخمسين ومائة وألف ولي قضا القدس الشريف وقدم دمشق وارتحل للقدس ثم عاد وارتحل لقسطنطينية واستقام بها إلى سنة خمس وستين ففيها ولي قضاء دمشق وقدم اليها وامتدح عند وروده بالقصائد الغر ونقل مجلس الحكم إلى داره في قرب المارستان النوري كما فعل جده حين ولي قضاء دمشق ثم بعد مضي مدته سافر إلى الروم وتولى قضاء مكة
стр. 363
رتبة ثم صار قاضياً في دار الملك مع رتبة قضاء عسكر اناطولي فشاع صيته وذاع إلى أن وصل خبره للسلطان الأعظم مصطفى خان رحمه الله تعالى حتى انه ألبسه في حضرته فروة من السمور وضبطها ضبطاً لم يسبق إليه ولم تطل مدته بها حتى توفي وترجمه الشيخ السمان في كتابه وقال في وصفه ماجد وضعته العلياء في مفرقها اكليلاً وأطلعته بدراً في أفق مشرقها واكليلاً
فاعتام زهر المجد اعتياما واقتعد منه سماء لم تقبل خرقاً ولا التئاماً بهمة تركت الأفلاك لحشدها قبيلاً والنيرين وسعانها لثماً وتقبيلاً حتى فاز من المعالي بالقدح المعلى وازدان به جيداً الليالي وتحلى إلى تيقظ يستزل النهى ويستنزل من الأفق السهى وشهامة تأنف أن يكون الدوار لها عبداً وتستكبر ان يتخذ عندها يداً وعهداً وناهيك بمن لم يفعم أطرافه من القوى حتى على نوابغ السؤدد احتوى وعلى منصة المحامد استوى ففاق بفياقته الأول وأسرعت لطاعته الدول وتفيات بابه الفتوى وتاهت به عجباً وهوا فاستقام له أمرها ولم يطل عمرها فطلب مقر الملك ومنداه والتحف برد السرى وارتداه فحل منه بين ذراعي الأسد وجبهته وبشرت بنجح مطالبه مطالع وجهته فحيته بالداخل والخارج وعرت به في تلك المعارج حتى تأرج ثالث الحرمين بأحكامه وأريج باب الرشوة في أيامه ثم تولى من الشام القضاء ونار منهج الشريعة بوجوده وأضاء حتى أقلع عنها غمامه الساكب وسار إلى الروم مسير الكواكب ولي معه علاقة مورثه وقصايد في مدحه مبثوثه لم ينازعني فيها معنى ولا رقم ولا تلعثم بها لسان ولا قلم ولما حللت قسطنطينية أحلني حماه وأمدني برأفته ورحماه وقد سقطت منه على الخير من غور يدك له ثبير وفضل ولسن ومنطق حسن إذا تكلم لم يدع لقائل مجالاً وأفحم كل منطق استرسالاً وإذا أنتسب فدون سلسلة فخر المجره أو أنتهى وافت له النجوم منجره مع أدب مستودع قلائد العقيان ونظم ونثرهما سحر البيان وسأتلو عليك منهما نوادر بهز الأريب لها عطفه ويجعل نحوها البليغ التفاته وعطفه أنتهى مقاله وقد امتدحه الشيخ أحمد الكردي الدمشقي بهذه القصيدة حين ولي الافتاء بدمشق وهي أجود ما امتدح به من القصائد في ذلك الوقت ولحسنها ذكرتها برمتها وهي قولهاعتام زهر المجد اعتياما واقتعد منه سماء لم تقبل خرقاً ولا التئاماً بهمة تركت الأفلاك لحشدها قبيلاً والنيرين وسعانها لثماً وتقبيلاً حتى فاز من المعالي بالقدح المعلى وازدان به جيداً الليالي وتحلى إلى تيقظ يستزل النهى ويستنزل من الأفق السهى وشهامة تأنف أن يكون الدوار لها عبداً وتستكبر ان يتخذ عندها يداً وعهداً وناهيك بمن لم يفعم أطرافه من القوى حتى على نوابغ السؤدد احتوى وعلى منصة المحامد استوى ففاق بفياقته الأول وأسرعت لطاعته الدول وتفيات بابه الفتوى وتاهت به عجباً وهوا فاستقام له أمرها ولم يطل عمرها فطلب مقر الملك ومنداه والتحف برد السرى وارتداه فحل منه بين ذراعي الأسد وجبهته وبشرت بنجح مطالبه مطالع وجهته فحيته بالداخل والخارج وعرت به في تلك المعارج حتى تأرج ثالث الحرمين بأحكامه وأريج باب الرشوة في أيامه ثم تولى من الشام القضاء ونار منهج الشريعة بوجوده وأضاء حتى أقلع عنها غمامه الساكب وسار إلى الروم مسير الكواكب ولي معه علاقة مورثه وقصايد في مدحه مبثوثه لم ينازعني فيها معنى ولا رقم ولا تلعثم بها لسان ولا قلم ولما حللت قسطنطينية أحلني حماه وأمدني برأفته ورحماه وقد سقطت منه على الخير من غور يدك له ثبير وفضل ولسن ومنطق حسن إذا تكلم لم يدع لقائل مجالاً وأفحم كل منطق استرسالاً وإذا أنتسب فدون سلسلة فخر المجره أو أنتهى وافت له النجوم منجره مع أدب مستودع قلائد العقيان ونظم ونثرهما سحر البيان وسأتلو عليك منهما نوادر بهز الأريب لها عطفه ويجعل نحوها البليغ التفاته وعطفه أنتهى مقاله وقد امتدحه الشيخ أحمد الكردي الدمشقي بهذه القصيدة حين ولي الافتاء بدمشق وهي أجود ما امتدح به من القصائد في ذلك الوقت ولحسنها ذكرتها برمتها وهي قوله
سقاها وان لم يطف حر غليلي ... ملث الحيا من أربع وطلول
وحاك لها كف الثريا مطارفا ... تسدي بأيدي شمأل وقبول
стр. 364
لئن حال رسم الدار عما عهدته ... فعهد الهوى في الدار غير محيل
اذ لدار من لمياء غير طروحة ... وشعب اللقا لم ينصدع برحيل
خليلي قد هاج الغرام وشاقني ... سنا بارق بالرقمتين كليل
يلوح خفي الومض حتى كأنه ... تكلف بشر في جبين تخيل
فميلا بأعناق المطي لعلها ... تقيل بظل في الاراك ظليل
فدون الكثيب الفرد بيض عقائل ... لعبن بأهواء لنا وعقول
وفي الكلة الحمراء بيضاء أصبحت ... أسيرة حسن في قيود حجول
من البابليات العيون كأنما ... تدير لنا باللحظ كأس شمول
محجبة يحمون ورد رضابها ... بسمر رماح أو ببيض نصول
لها فتكات الأسد في كل مهجة ... وطرف مهاة بالصريم خذول
عدت مقلتي فاحمر منها مدامع ... بخد لها مثل الشقيق أسيل
إذا قلت قد انحلت جسمي صبابة ... تقول وهل صب بغير نحول
وحتى م استشفى بسقم جفونها ... وهل في عليل من شفا لعليل
وليلة ودعت الرقاد مسامرا ... شجوني كما شاء الهوى ونحولي
طرقت حمى لمياء والنسر في الدجى ... صليب لجين في مسوح أبيل
ولا بد من خوض الفتى دون حبها ... مدامع صب أو دماء قتيل
فما أنا بالناسي الحياة مقالها ... وقد راعها للخدر وشك دخولي
أعنترة العبسي أنت فلم ترع ... باسد الشرى من اسرتي وقبيلي
فقلت لها ما خفت مذاناً عاشق ... طعان رماح أو نزال رعيل
ولا هبت صرف الدهر مذاناً منتم ... إلى ركن عز من جناب خليل
أخي الرتبة القعساء والأروع الذي ... يحدث جيلاً عن علاه لجيل
فذاك الفتى لا جوده بممنع ... ولا جاره في ظله بذليل
غنى عن الايضاح أصلاً ونسبة ... وهل أحوجت شمس الضحى لدليل
سما بمعال سار في الأرض ذكرها ... وفخر على هام الزمان أثيل
ورأى كصدر السمهري مثقف ... وعزم كمتن المشرقي صقيل
غدا مغرماً بالمكرمات فلم يطع ... بها قول واش أو ملام عذول
وكم كحلت من مهرها مقلة العلى ... مرأود أقلام لديه مثول
تكاد ترى خضراً إذا هو مسها ... بغيث ندى من اصبعيه همول
أنجل رفيق الغار بل سبط أحمد ... وأكرم فرع ينتمي لأصول
стр. 365
تهن بفتوى بل فتاه مهرتها ... نصيحة اسلام وحسن قبول
ببابك قد حلت فحليت جيدها ... وجرت بفضل منك فضل ذيول
وأنت الفتى مذ كان منك اشتقاقها ... فعادت لأصل في الكمال أصيل
فدمت تنال النجم عزا وسؤددا ... بباع على طول الزمان طويل
تلوذ بك الراجون هدياً ونائلاً ... ويغشى حماك الرحب كل نبيل
وغفرا لعبد زلة من قصوره ... بموقف مدح بالفحول ذليل
على أنني للكرد والشعر فيهم ... أقل وجوداً من وفاء مطول
ولكن معانيك البديعة صيرت ... إلى المكن بل للعجم أفصح قيل
وبقيت وطرف النجم يا من سموته ... لذاتك لما يكتحل بمثيل
مدى الدهر ما ورقاء غنت بروضة ... وسارت بنص في الفلا وذميل
وكان للمترجم نظم باهي باهر ونثر زاهي فمن نظمه قوله من قصيدة نبوية مطلعها
أي دمع لا يسحوشبح في الحب يصحومن ملام فتت الاح
شاء والشوق ملحكيف أصحو من غرامفيه للعشاق نحج
يا عذولي دع ملاميفدوام اللوم قبحان قلبي فيه من نار الجوى قدح ولفح
ومنها
يا نداماى وهل للدهر بعد البين صفحان قلبي طير شوق
دابه نوح وصدحبعت روحي منه في سوق الهوى والسقم ربح
ولسلواني بابماله بالعدل فتحيا حبيبي صل معنى
من هيام ليس يصحووترفق بفؤادفيه من قدك رمح
ودع الهجر فقلبيآن أن يثنيه مدحلرسول جاء بالان
وار ليل الشك يمحومنقذ الناس إذا ماهالهم في الحشر رشح
سيد الكونين من ذكراه لي طيب ونفحواسع الصدرا إذا ضاق بأهل الأرض فسح
منها
وبه الأكدار زلت ... حين مس القوم قرح
وبه الآفاق ضاءتوانجلى للكون جنحوهو غوث وغياث
وبه السقم يصحوله القدح المعلىويداه لا تشح
مدحه فرض ولكنليس يحصى ذاك شرحيا نبي الله يا من
أنت للراجين نحجعجل البرء لداعدمعه بالبين سفح
فعسى تشفي عليلاًشقه ضعف وكدححيث لي فيكم وفي الصد
стр. 366
ديق أنساب تصحفعليك الله صلىما غدا للطرف لمح
وعلى آل وصحبمن لهم في الدين نصحسيما الصديق من مد
حي له كسب وربحوعلى الفاروق من أيديه بالخير تسح
وعلى عثمان من زين به للدين قدحوعلى الكرار من تم
به للآل مدحأمد الدهر دواماًما بدا في الأفق صبح
ومن شعره الباهر يمدح ادباء دمشق بقوله
سمح الدهر باغتنام ليال ... طاب فيها السرور بالندمان
فاجتنينا ثمار دوح وصال ... واقتطفنا أزهار روض الأماني
وسمعنا صوت الأناشيد تتلى ... ببديع الغناء والالحان
وشممنا عبيرود صحاب ... كل شهم سما على كيوان
سيما الصادق الحبيب ومن قد ... بهر الناس فضله كل آن
شمس أفق الكمال بدر سماء ال ... فضل والعلم قدوة الأعيان
وكذا الكامل الشريف خدين ال ... مجد والسعد مصطفى الاخوان
فخر أهل الآداب انسان عين ال ... علم أنعم بذلك الانسان
والمفدى الفريد عاصم رأى ... من تسامى بنوره النيران
ثم فتح الزمان قرة عيني ... ووحيد الأوان والخلان
فهما في سما السعود كنجمين ... ينبران أو هما بدران
وسعيد شقيق روحي وخلي ... فهو لا شك زهر روض المعاني
فتراه كالمسك يهدي عبيراً ... أو كبحر أضاء بالعقيان
ثم ذخري محمد وملاذي ... كنز بحر العلوم والتبيان
وهو خدن الكمال غيث سحاب ال ... فضل والجود زائد العرفان
وشريف الخصال سعدي وفخري ... عقد جيد الفهوم والاتقان
فكره ثاقب كصبح تبدي ... فيريك الخفي مثل العيان
وكذاك الوحيد أسعد صحب ... ليس تلقى للطفه من يداني
قد تباهت به الفضائل فخراً ... فهو لا بدع سعد هذا الزمان
والزهيري أحمد المقوم من حا ... ز فخاراً يسمو على الأقران
سيد ساد قدره وتسامى ... نسبة في الورى إلى العدناني
يا سقي عهدهم بمربع أنس ... حيث كنا من الردى في أمان
وأدام المهيمن الحق فيهم ... كل بيت مشيد الأركان
стр. 367
وحباهم مراتب الغر والسعد ... دواماً ونيل كل تهاني
ما نعمنا بمجمع الشمل منهم ... وحظينا من قربهم بالأماني
فأجابه الشيخ سعدي العمري بقوله
درر القطر في طلي الأفنان ... نظمت أم قلائد العقيان
أم أسارير غرة قد تجلت ... تحت ديجور فاحم فينان
أم سطور من البلاغة جرت ... ذيل آياتها على سحبان
وأدارت على المسامع منا ... كاس فضل متوج ببيان
يالها أسطر حبست عليها ... جمر فكري وناظري ولساني
فنظمت المديح منها عقوداً ... لوحيد الكمال والعرفان
من حوى في ذرى العلاء محلاً ... وقفت دون منتهاه الأماني
وارتقى في معارج الفضل حتى ... قد غدا منه في أعز مكان
فاق في نثره البديع كما قد ... تاه في نظمه على حسان
فهو البارع الذي حاز فضلاً ... قصب السبق يوم عقد الرهان
واغتدى الغر في حماه وضحى ... يتحامى سطاه ريب الزمان
يا وحيداً به المفاخر تهفو ... هدب أعلامها على كيوان
هاك مني خريدة أبدعتها ... فكرة تملأ الطروس معاني
وابق في دوحة السرور بعز ... يتوالى بالبر والاحسان
ما تبدت عقودك الغر تحكي ... درر القطر في طلى الأفنان
ثم كتب المترجم جواباً بقوله
وافت عروسة فكر تزدهي شرفاً ... في حلة الحسن تهدي فرط احسان
جواهر قلدت جيد الزمان وقد ... فاقت فصاحة قس ثم سحبان
عقودها حيرت سمعي ومذ ظهرت ... خلنا اللآلئ في أسلاك عقيان
لله در فريد ناظم درراً ... تزري بنظم فصيح العرب حسان
فهو الهمام البليغ الشهم من بهرت ... منه الكمالات في علم واتقان
لساسانه سايح في بحر فكرته ... فينظم الشعر من در ومرجان
آدابه روضة والفضل رونقها ... ولفظه زهر يبدو كتيجان
فيا وحيداً لقد فاق الأنام علا ... ونال مجداً أثيلاً جل عن ثاني
اليك غيداء قد أهديت غانية ... تسبي الأنام بقد ماس كالبان
فأسبل عليها رداء الستر منك كما ... يعفو الكريم بلا من عن الجاني
стр. 368
وأسلم بعز وريف ما الرياض زهت ... برونق الزهر من ورد وريحان
فأجابه الشيخ سعدي العمري ثانياً بقوله
سلافة الفضل في أقداح عرفان ... دارت علينا بها آيات حسان
حلت بماء بلاغات وقد عقدت ... تاج الفصاحة مشمولاً باتقان
ألقت على السمع نوراً من أشعتها ... فهز فكري به أعطاف نشوان
ونافحت مهجة لا الورد يعطفها ... عنها ولا نسمات الشبخ والبان
فبت أنظم من شمائلها ... بدائعاً ما احتواها فكر سحبان
لمن أعار الربا أنار شيمته ... فرأوحت بشذا رند وريحان
مولى كأن الأماني غرس راحته ... حتى غدا من رباها القاطف الجاني
من لم يدع لصروف الدهر غير يد ... شلا بهمته عن قرع انسان
يا واحداً لم يزل ووض الكمال به ... معللاً بندا من واحسان
اليك عذارا في أثواب تهنية ... بخير عام حليف اليمن جذلان
ودم بأسنى المعالي ما أدرت لنا ... سلافة الفضل في أقداح عرفان
وكتب اللوذعي السيد مصطفى الصمادي للمترجم
يوم أغر وليلة غراء ... نعم الصباح وحبذا الامساء
أحبب به يوماً تلته ليلة ... حسدت سناً اشراقها الأضواء
بتنا وعين الحظ يقطى لم تنم ... والدهر ملء جفونه اغفاء
والشمل مجتمع بصحب نظموا ... عقداً عليه بهجة وبهاء
وخليل وسطى العقد كنز المجد في ... جيد الزمان يتيمة عصما
فخر الأكارم من بني الصديد من ... فاقت به آباءها الابناء
البارع الندب المجيد بدائعاً ... تنمو فليس يحدها الاحصاء
سحر البلاغة في فصاحة لفظه ... سحبان عند بيانه فافاء
في الطرس ينثر من عقود أوشكت ... تهوي لتلقط درها الجوزاء
ملك الكمال كساه برد وقاره ... ان الملوك لها الوقار كساء
يقظ الجنان ولوذعي الفكر لم ... تسبق بوادي رأيه الآراء
ينبي بأعقاب الأمور كأنما ... تبدي حقائقها له الأشياء
رقت شمائله كما بكرت على ال ... روض الشمال تبلها الانداء
لو جاء في العصر القديم لانبا ... بعظم أخلاق له الانباء
مولاي يا بن أجل من وطئ الثرى ... بعد النبي وحسبك العلياء
стр. 369
خذها خريدة خدر فكرا قلت ... تسعى اليك وحليها اسحياء
والعفو عن تأخير مدحك مهرها ... وبمهرها تستملك الحسناء
فامنن وقابل بالقبول قصورها ... عن بعض وصفك تعجز البلغاء
واسلم ودام ما رأوحتك وباكرت ... تتلى عليك مدائح وثناء
فأجابه المترجم بقوله
بدر الفصاحة لاح منه ضيآ ... أم زهر طرس أفقها الآراء
أم تلك أنوار بدت من غادة ... سكرت بنشر حديثها الندماء
مياسة الأعطاف يخجل حسنها ... بدر السماء وهكذا الحسناء
فتانة الألحاظ ملء جفونها ... غمز بها لقتالنا ايماء
فجبينها اللاهي وطرة شعرها ... تعم الصباح وحبذا الامساء
أم زهر روض الفضل فتح نوره ... فتارجت بشميمه الأدباء
أم هذه الأقمار من فلك العلى ... ضاءت بها الأكوان والأرجاء
بل هذه آيات سحر بلاغة ... من سيد دأنت له الفصحاء
الماجد الفرد الذي أخلاقه ... لطف النسيم بها ورق الماء
مولى أعار أولى الفضائل برده ... فتمسكت بذيوله البلغاء
ذو نسبة لا الزهر في اشراقها ... كلا ولا الأنوار والأضواء
كم قد شهدنا من بدائع لفظه ... درراً تضئ بحسنها الجوزاء
يختال في حلل العلوم كأنما ... هزت معاطف فضله صهباء
فهو الذي اتخذ الكمال سجية ... وعلت بطيب أصله العلياء
وهو ابن خير المرسلين المصطفى ... من أشرقت بجبينه الظلماء
يا أيها المولى الذي أفكاره ... سجدت لعقد نظامها الشعراء
خذ بنت فكر بالحياء توشحت ... ان الغواني طبعهن حياء
وأسبل عليها ثوب عفوك انما ... يعفو ويسمح سادة كرماء
لا زلت في عز مدا الأزمان ما ... أهدى لذاتك يا مليك ثناء
وللمترجم قوله
لقد قال الحبيب وقد رآني ... أردد في محاسنه عيوني
إلى كم أنت تولع بالتصأبي ... ألم تحفظ فؤادك من جفوني
فقلت وقد أصابتني سهام ... أذاقت مهجتي كاس المنون
فكيف أرد طرفي عن محيا ... به أجلو صدى قلبي الحزين
стр. 370
وقوله
من لي بطرف سقيم قد كسى بدني ... ثوباً من السقم لما زدته نظرا
يومي بقتلي بأهداب الجفون لذا ... غدا فؤادي لوقع السهم منتظرا
هو من قول إبراهيم السفرجلاني
وراشق لم يطش سهم لمقلته ... ولم أكن عن هواه قط منصرفا
فكلما فوقت سهما عرضت له ... كيلا يكون سوى قلبي له هدفا
وأحسن منه قوله أيضاً
ريم تصدى للرماية طرفه ... بعض القلوب ولا جناح عليه
فإذا رمت سهماً إلى جفونه ... جاراه قلبي بالمسير إليه
وللمترجم
عاتبت من أهوى فأطرق مغضباً ... والبدر يبدو من عرى ازراره
فأردت هصر منه عساه ان ... يلوى على فضاع من زناره
هو من قول أبي العباس البغدادي من شعراء الخريدة
رقت معاقد خصره فكأنها ... المعنى الخفي يجول في أفكاره
والبيت الأول مأخوذ من قول بعضهم
لا تعجبوا من بلا غلالته ... قد زرا زراره على القمر
وللمترجم
قبلته ليلاً فألوى جيده ... فنظرت فوق العاج منه عنبرا
فسألته ماذا فقال لي اتئد ... هذا سواد اللحظ فيه أثرا
وله
نام الحبيب بلا ضوء يؤانسه ... والورد في خده باد تفتحه
فرام أيقاظه بالضوء خادمه ... فقلت أخشى خيال الهدب يجرحه
وله
ومريض الجفون أصبح يمشي ... فوق جفني القريح بالتعظيم
لست أدري أذاك سرعة خطو ... منه تبدي أم ذاك مر النسيم
وله
من لي بظبي نحيل الخصر قامته ... تزري بسمر القنا بالميل والغيد
جفون عينيه سهم الحتف قد رشقت ... عن حاجبيه فسل الروح عن جسدي
стр. 371
وله
غزال انس كبدر تم ... تزيد نوراً به العيون
بديع حسن يتيه عجباً ... فكل حسن لديه دون
لو تابع الخطو فوق هدب ... لما أحست به الجفون
وله مضمناً
ومذ شمنا سواد اللحظ يدعو ... لشرب مدامة منه تدار
وقام صباح ذاك الجيد يومي ... لتقبيل وشط بنا المزار
أشار الخد بالثاني ونادى ... كلام الليل يمحوه النهار
وللأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي في ذلك مضمناً
توعدنا سواد الطرف منه ... بقتل مالنا منه فرار
فقال بياض ذاك الخد منه ... كلام الليل يمحوه النهار
ومن ذلك تضمين البديعي
جمعنا قهوتي بن وكرم ... لنعلم من له ثبت الفخار
فقالت قهوة البن اشربوني ... متى شئتم فبي نسي العقار
فأنشد ضاحكاً كأس الحميا ... كلام الليل يمحوه النهار
ومن ذلك تضمين النواجي وأحسن
بدا ليل العذار فلمت قلبي ... وقلت سلوت اذ طلع العذار
فأشرق صبح غرته ينادي ... كلام الليل يمحوه النهار
ومن ذلك تضمين الفاضل الأديب المولى إبراهيم بن عبد الرحمن العمادي الدمشقي
لقد وعدت زيارتنا سليمى ... وقد قل التصبر والقرار
فواخت بعد حين وهي سكرى ... ترنحها الشبية والوقار
فريعت من تبلج صبح شيبي ... وقالت لا أزور ولا أزار
فقلت لها وكم تعدين صبا ... كئيباً قد براه الأنتظار
فغضت طرفها عني وقالت ... كلام الليل يمحوه النهار
وأصل ذلك ما نقل ان أمير المؤمنين الرشيد هجر جارية ثم لقيها في بعض الليالي في القصر سكرى وعليها رداء خز وهي تسحب أذيالها من التيه فرأودها فقالت يا أمير المؤمنين هجرتني هذه المدة وليس لي علم بموافاتك فأنتظر حتى أتهيأ للقاك وآتيك بالغداة فلما أصبح قال للحاجب لا تدع أحداً يدخل علي وأنتظرها فلم تجئ فقام ودخل عليها وسألها انجاز الوعد فقالت يا أمير المؤمنين كلام الليل يمحوه النهار
стр. 372
فخرج واستدعى من بالباب من الشعراء فدخل عليه الرقاشي ومصعب وأبو نؤاس فقال أجيزوا كلام الليل يمحوه النهار فقال الرقاشي
اتسلوها وقلبك مستطار ... وقد منع القرار فلا قرار
وقد تركتك صبا مستهاماً ... فتاة لا تزور ولا تزار
إذا ما زرتها وعدت وقالت ... كلام الليل يمحوه النهار
وقال مصعب
أما والله لو تجدين وجديلما وسعتك في بغداد دارأما يكفيك ان العين عبري
وفي الاحشاء من ذكراك نارتبسم ضاحكاً من غير ضحككلام الليل يمحوه النهار
وقال أبو نواس وأجاد
وليلة أقبلت في القصر سكرى ... ولكن زين السكر الوقار
وقد سقط الردا عن منكبيها ... من التخميش وانحل الأزار
وهز الريح أرداقاً ثقالاً ... وغصنا فيه رمان صغار
فقلت ها عديني منك وعداً ... فقالت في غد منك المزار
ولما جئت مقتضيا أجابت ... كلام الليل يمحوه النهار
فقال الرشيد قاتلك الله يا أبا نواس كأنك كنت ثالثنا وأمر لكل واحد بخمسة آلاف درهم وأمر لأبي نواس بعشرة آلاف وخلعة سنية وللمترجم في تشبيه الشقيق
هذا الشقيق يروق منظر حسنه ... في وسط روض بالجمال أنيق
يحكي زنود زمرد من غادة ... تهدي إلى الندمان كأس عقيق
وللشريف الرضي في تشبيهه
جام تكون من عقيق أحمر ... ملئت دوائر بمسك اذفر
خلط الربيع قوامه فأقامه ... بين الرياض على قضيب أخضر
ومن ذلك قول الخالدي
وصنع شقائق النعمان يحكي ... يواقيتاً نظمن على اقتران
وأجيانا نشبهها خدوداً ... كساها الراح ثوباً ارجواني
شقائق مثل أقداح ملاء ... وخشخاش كفارغة القناني
ولما غازلتنا الريح خلنا ... بها جيشي وغى يتقاتلان
ومن ذلك قول أبي الفضل الميكالي
تصوغ لنا أيدي الربيع حدائقاً ... كعقد عقيق بين سمط لآلي
وقال الخبز أرزي
وفيهن أنوار الشقائق قد حكت ... خدود عذاري نقطت بغوالي
стр. 373
ومن ذلك في التشبيه قول القاضي عياض
انظر إلى الزرع وحاماته ... تحكي وقد ماست أمام الرياح
كتيبة خضراء مهرومة ... شقائق النعمان فيها جراح
وله في تشبيه الخشخاش
كأنما الخشخاش في روضه ... اذ لاح مبيضاً ومحمرا
كاسات در بعضها فارغ ... والبعض منها قد ملى تبرا
من ذلك تشبيه عز الدين الموصلي حيث قال في الأحمر منه
وزهر خشخاش بدا أحمرا ... كأنه في رونق وابتهاج
أقداح بلور وقد أترعت ... من خمرة لم تختلط بالمزاج
وقال ابن وكيع
وخشخاش كأنا منه تعرى ... قميص زبرجد عن جسم در
كأقداح من البلور صيغت ... بأغشية من الديباج خضر
وقال آخر
ولما بدا الخشخاش في الروض مزهراً ... وقد نظرت شزراً إليه الخلائق
حكى قلعة أبراجها مستديرة ... مشرفة دارت عليها الصناجق
وللمترجم مخمساً
خليلي اني لست أرضى بذلة ... إذا ما دعا داعي المعالي لرفعة
ولست بغير العزا سعي لرتبة ... ولا أقبل الدنيا جميعاً بمنة
ولا أشتري عز المراتب بالذل
وأنفق في العلياء روحي جملة ... والارتضى الا الصدور محلة
وأبذل في نيل المفاخر همة ... وأعشق كحلاء المدامع خلقة
لئلا أرى في عينها منة الكحل
وله في مليح ينظر في المرآه
نظرت إلى المراة وأنت شمس ... فكنت إذا نظرت لها مراتا
وقد أكسبت صفحتها شعاعا ... فأحرقت القلوب لها التفاتا
وله في تشبيه الورد
وكأنما ورد الرياض تميله ... أيدي النسائم بكرة وأصيلا
وجنات غلمان حسان أقبلت ... لتروم من أمثالها تقبيلا
هو من قول ابن تميم مضمنا
سبقت اليك من الحدائق وردد ... وأتتك قبل أوانها تطفيلا
стр. 374
طمعت بلثمك اذراتك فجعمت ... فمها اليك كطالب تقبيلا
ومثله قول الآخر
دوح روض تميس فيه غصون ... فتحاكى مهفهفات القدود
زهرها فوق ما تفتح منها ... كشفاه ضمت للثم الخدود
ويضارعه قول صاعد الاندلسي
ورد تفتح ثم انضم منطبقاً ... كما تجمعت الأفواه للقبل
وقول الآخر
ووردة تحكي أمام الورد ... طليعة سابقه للجند
قد ضمها في الغصن قوس البرد ... ضم فم لقبلة من بعد
وفي هذا المعنى قول بعضهم
أرى الورد عند الصبح قد ضم لي فما ... يشر إلى التقبيل في ساعة اللمس
وبعد زوال الصبح ألقاه وجنة ... وقد أثرت في وسطها قبلة الشمس
وللمترجم في تشبيه البنفسج
هزا البنفسج قد زهافي روضه الباهي المزاروعلته أوراق له
مثل انزبرجد في اخضرارفكأنه أثار لثم تحت حاشية العذار
هو من قول بعضهم
بنفسج يانع زكي ... يزهو على حسن كل ورد
كأنه عند ناظريه ... أثار قرص بصحن خد
وقد غيره الآخر فقال
وقد لاح في الزهر البنفسج مائلاً ... ترنحه القضب الضعاف الذوابل
كآثار لطم في خدود ثواكل ... مهتكة قد أحرقتها الأنامل
ومن المشبهات في البنفسج قول النامي
جاء البنفسج فاشرب كل صافية ... والزم مقالة أصحاب المقاييس
كأنه حين وافاك الربيع به ... منضد من أكاليل الطوأويس
وقال الآخر
كأن البنفسج مع ما حوى ... من الطيب أنفاسك المشرقة
يلوح فتحسب أوراقه ... فصوصاً من الفضة المحرقة
وقال ابن الرومي
وبنفسج غض القطاف كأنما ... نثرت عليه محاسن المازينج
لا شيء يحكي غير زرقة أثمد ... أو دمعة قطرت على فيروزج
وأحسن من ذلك كله قول أبي العتاهية
стр. 375
ولا زورديه تزهو بزرقتها ... بين الرياض على زرق اليواقيت
كأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت
وللمترجم
وكأنما نهر الربا لما ازدهت ... في صفحتيه من الغصون ظلال
وجه تدلى فوق باهر حسنه ... من فرعه في عارضيه خيال
وللأديب سعدي العمري في ذلك
تأمل في صفاء النهر وانظر ... رقيق الظل من تلك العروش
كمعصم غادة هيفاء لاحت ... على طرفيه آثار النقوش
وهو من قول زين العجمي
وحديقة ينساب فيها جدول ... طرفي برونق حسنه مدهوش
يبد وظلال غصونها في مائة ... فكأنما هو معصم منقوش
وقول الآخر
لما تبدى النهر عند عشية ... والروض يخضع للصبا والشمأل
عاينته مثل الحسام وظله ... يحكي الصدى ولريح مثل الصيقل
وللمترجم غير ذلك من أحاسن الشعر والنثر وكأنت وفاته بقسطنطينية في غرة جمادي الثانية سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف ودفن خارج باب أدرنة وأولاده الذكور الذين خلفهم هم المولى اسعد والمولى عبد الله والمولى عبد الرحمن والمولى سعد الدين رحمه الله تعالى وأموات المسلمين.
خليل الغزي
خليل بن رضي الدين بن سعودي بن شيخ الاسلام النجم محمد الغزي العامري الدمشقي الشافعي الشيخ الفاضل العالم العامل اللبيب الدين الصالح جامع الفضائل والفواضل أبو المحاسن فخر الدين ولد بدمشق سنة سبع وثمانين وألف وتلا القرآن العظيم وأخذ في طلب العلم فقرأ على والده وعلى ابن عمه الشهاب أحمد بن عبد الكريم الغزي العامري وحضر في دروسه ولازمه الملازمة الكلية وأنتفع به في فنون عديدة وعلى الشيخ محمد أبي المواهب الحنبلي والاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي وأجاز له المسند الشمس محمد بن محمد المقدسي الشهير بالخليلي باجازة مطولة وقفت عليها وصارت له فضيلة تامة خصوصاً في علوم العربية وكأنت وفاته بدمشق نهار الخميس العشرين من ذي الحجة سنة أربع وأربعين ومائة وألف مطعوناً ودفن بالتربة الرسلانية
стр. 376
خليل الموصلي
خليل بن عبد الرحمن بن أبي الفضل بن بركات بن أبي الوفا بن عبد الله الشهير بالموصلي كأسلافه الدمشقي الميداني الشافعي الصوفي الشيخ العلامة المتقن العالم الماهر الفاضل كان من مشاهير الأفاضل الأجلاء ولد تقريباً في حدود الخمس والستين وألف وقرأ واشتغل على جماعة بالعلوم كالفقه والنحو والصرف والأصول والفرائض والحساب والجبر والمقابلة والفلك والهية والهندسة والمساحة وعلم الشمس وغير ذلك ومهر وتفوق وأفاد وأخذ عنه جماعة منهم الشيخ محمد الحبال والشيخ عثمان الشمعة والشيخ محمد الكناني الخلوتي وكان ساكناً في صالحية دمشق وكأنت وفاته في عاشر ربيع الثاني سنة أربع عشرة ومائة وألف وسيأتي ذكر والده عبد الرحمن في محله رحمه الله تعالى.
خليل الحمصاني
خليل بن محمد بن علي بن عمر بن أحمد بن رمضان الشهير بالحمصاني الشافعي الدمشقي العالم الفاضل المحقق كان علامة له يد طولى في العلوم سيما في التفسير وكان يحل مشكلات البيضأوي ويكثر المطالعة له اجتهد ودأب في تحصيل العلوم بهمة وأخذ عن جماعة فقرأ على الشيخ محمد نجم الدين الفرضي الدمشقي وعلى الشيخ محمد علاء الدين الحصكفي وأخذ المعاني والبيان عن الشيخ إبراهيم الفتال والأصول والمنطق عن الشيخ أبي السعود القباقبي الدمشقي وحضر دروس العالم الشيخ محمد بلبان الصالحي الدمشقي وأخذ طريق الخلوتية عن الاستاذ الشيخ أبي السعود بن الشيخ أيوب الخلوتي ودرس بالجامع الأموي واقرأ بين المغرب والعشاء الحديث ووعظ في رمضان بالجامع المذكور ثم ترك ذلك وذهب إلى دار الخلافة في الروم مراراً وآخرها صارت له رتبة موصلة الصحن المتعارفة بين الموالي وأعطى توليه المدرسة الحجازية مع التدريس ولما قدم دمشق على طريقة الموالي ركب في الموكب مرتين أو ثلاثاً وترك ذلك وبقي يخطب في جامع سنان آغا كعادة الخطباء وكأنت له وظائف كثيرة منها الامامة في الجامع الشريف الاموي والخطابة في جامع السيبائية في باب الجأبية ووقف وقفاً بدمشق على أولاده وبالجملة فقد كان من العلماء المشاهير وكأنت وفاته بدمشق يوم الاربعاء رابع ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين ومائة وألف ودفن بتربة الباب الصغير وتولى بعده المدرسة الحجازية تلولى محمد بن علي العمادي
стр. 377
رحمه الله تعالى.
خليل الفتال
خليل بن محمد بن إبراهيم بن منصور الشهير بالفتال الدمشقي الحنفي الشيخ الفاضل الفقيه الأديب كان له يد في الفقه أصولاً وفروعاً وغيره حمولاً طارحاً للتكلف وجده الشيخ إبراهيم كان في عصره علامة فهامة محققاً تحريراً أنتقع به جملة أجلاء وكأنت وفاته في دمشق سنة ثمان وتسعين وألف وهذا المترجم ولد بدمشق في سنة سبع عشرة ومائة وألف وقرأ واشتغل على جماعة في العلوم منهم الشيخ أحمد المنيني الدمشقي قرأ عليه الفقه وغيره والنحو والصرف ومنهم الشيخ صالح الجينيني الدمشقي قرأ عليه شرح التنوير للحصكفي والهداية بالفقه وغير ذلك والشيخ محمد الحبال قرأ عليه النحو والمعاني والبيان وغيره والشيخ محمود الكردي نزيل دمشق قرأ عليه الاصول وغيره والشيخ عبد الله البصروي الدمشقي قرأ عليه أيضاً الاصول والطب وبعض آلات والشيخ حسن المصري نزيل دمشق قرأ عليه في بعض الآلات والشيخ السيد علي بن كوله الدمشقي والشيخ إسماعيل العجلوني والشيخ محمد قولقسز ولا مهم وقرأ عليهم في العلوم وصار يقرئ بالجامع الاموي وفي حجرته الكائنة في مدرسة الكلاسة التي هو متوليها واصل من جعلها حجرة وكأنت من مشاهد الجامع الاموي وكان المترجم ذهب إلى دار الخلافة بالروم وقطن بها مدة وعاد منها ثم رحل في تلك السنة للحج قاضياً بالركب الشامي ثم بعد مجيئه عاد إلى الروم مرة ثانية ومن ثمة رحل إلى مصر القاهرة ثم عاد إلى دمشق ورحل للروم ثالثاً ثم عاد لدمشق واستقام بها وكان في هذه المدة صارت له رتبة الخارج المتعارفة بين الموالي وقضاء عكة على طريقة التأبيد واشتهر حاشية بالفقه على شرح التنوير للشيخ علاء الدين الحصكفي ونسبها إليه وهي حاشية جليلة مفيدة وأخبرت ان له شرحاً على لامية ابن الوردي وألف رحلة حين سفره للروم وكان ينظم الشعر وآخراً صار صاحب الترجمة أحد كتاب أسئلة الفتوى عند سيدي الوالد وبعده عند عمي وقد ترجمه الشيخ سعيد السمان في كتابه وقال في وصفه هو من الزمرة الذين ألفتهم وبصدق الوفاء جاريتهم وعرفتهم حمدت في الأدب مساعيه وتوفرت فيه دواعيه فاعتنق منه غصناً يانع الثمر ورمق افقاً نيراً طالع القمر وركب من كل أمر صعباً وسلك من كل تخيل شعبا حتى استوى عنده الأمران السعة والضنك ولم تحركه نغمة الناي مؤتلفة بألحان العود والجنك لا يفتر عن مخبرة يسيرها أو أشياء تؤدي إلى
стр. 378
مقاصده يتدبرها ينقض ويبرم ويوصل ويصرم وله مطارحات لمحاضرات الراغب تنسيك وعبارات يحار منها الماهر النسيك وشعر يثلج الأوار وتختلف في أساليبه الأطوار فمما سمعت من فيه وكشف لي عن ظواهره وخوافيه قوله تاريخ عذار
طرز الحسن عارضاً من عذار ... في شقيق الوجنات بالاخضرار
فانجلى للعيان روض جمال ... متحل بحسن عقد الوقار
لوحيد من فرع دوح المعالي ... من تسامي حسناً على الأقمار
أحمد الاسم والصفات ومن قد ... حاز للفضل والعلى والفخار
لم يزل يألف الكمالات حتى ... عاد في افقها كبدر النهار
لو حوى البدر منه بعض جمال ... ما اعتراه الخسوف في الأسحار
يا وحيداً أعيذ ذاتك دهراً ... بالمثاني وأمناً في القرار
وتهنى بخط عارض خد ... وبعيد يضحى من الذنب عاري
قام فيه الهنا ينادي فأرخ ... أحمد زاد حسنه بعذار
وله
أسر القلب أهيف بدلاله ... وسبا القلب قده باعتداله
رشأ يفضح البدور جمالاً ... والهوى طوع لفظه ومقاله
غنج اللحظ أهيف ذو محيا ... هو للصب منتهى آماله
حين لاقيته تعشقت منه ... حسن لحظ يرمي الحشا بنباله
فتمنيت منه وصلا لأطفي ... جمر نار الجوى بماء زلاله
قال وصلى من المحال لأني ... قمر في الجمال عند اكتماله
لكن املأ كؤس عينيك مني ... فهي تطفي اللهيب عند اشتعاله
وقد نظم المعنى جماعة من ادباء دمشق منهم الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد الكنجي فقال
اغصن النقا رفقاً بمن شفه النوى ... مروع فؤاد في الدجى ساهر الجفن
أهل لا وصالاً برهة يشتفي به ... لواعج أشواق أرى لوعة تضني
وحق الهوى لولاك ما ذاقت الحشا ... تباريح أشجان ووجد لها يفنى
فقال وجفني فاض منهل غربه ... بموقف اذلالي لديه من المزن
أنا البدر بل لم يحص بعض محاسني ... ومن يرتجي بدر السماء له يدني
فوصلي محال فاطف نيران مهجة ... باملاء كأسي جفنك الآن من حسني
стр. 379
وقال أبو محمد عبد الله بن عمر الطرابلسي نزيل دمشق
يا مودعاً قلب المتيم حرقة ... بفتور جفن للبرية فاتن
هل منك وصل مطفئ نار الحشا ... ولهيب وجد في الأضالع ساكن
فأجابني ولجفني يذري دمعه ... وصلى محال للشجي الواهن
فاملأ كؤس العين مني نظرة ... يطفي بها حر الغرام الكامن
وقال رشيد الدين سعيد بن محمد السمان
علق القلب غادة أسرته ... بجفون تقرب الآجالا
من مهاة الصريم تفترس الاس ... د وتزري غصن الرياض اعتدالا
أودعت مهجتي لهيب غرام ... حينما شمت قدها الميالا
سمت منها الوصال كي تبرد القا ... ب فقالت أردت مني محالا
لكن املأ بنظرة من جمالي ... كأس عينيك تطفئ الاشتعالا
وقال فتح الدين عبد الفتاح بن مصطفى ابن مغيزل
أفديه ظبياً باللواحظ فاتكاً ... لما طلبت الوصل منه أجابني
وصلى محال لكن املأ يا فتى ... كأسي جفونك من بديع محاسني
وقال المترجم مخمساً بيتي السلطان سليم خان المكتوبين على المقياس في مصر
ان ساعدتك الأماني واستفدت غنى ... فكن حديثاً إذا طال المدا حسنا
ولا تباهي بملك من مشيد بنا ... الملك لله من يظفر بذيل منى
يردده قهراً ويضمن بعده الدركا
ان كنت ذا رتبة في الأفق نازلة ... أو ثروة لاجتنا العلياء سامية
فلا تقل لي شيء ضمن منزلة ... لو كان لي أو لغيري قدر انملة
فوق البسيطة كان الأمر مشتركاً وتوفي المترجم في ذي الحجة سنة ست وثمانين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
خليل البني
خليل بن محمد البني الحنفي الدمشقي الشيخ العالم الفاضل الفقيه كان صاحب تحرير وافادة راسخ القدم في العلوم رحل إلى دار الخلافة في الروم وتولى افتاء الحنفية بالقدس وقدم اليها واستقام بها متصدراً بالفتيا بأمر الدولة العلية وزمن في آخر عمره وتوفي بالقدس في سنة خمس وخمسين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
خليل بن محمد المغربي
خليل بن محمد المغربي نزيل القاهرة وخازن الكتب في المؤيدية المالكي
стр. 380
الشيخ الفاضل المعالم العامل الفقيه البارع المفنن أبو الصفا قدم مصر وأخذ عن المتصدرين بها كالشهاب أحمد بن عبد الفتاح الملوي قرأ عليه عدة فنون وروى عنه وهو أشهر شيوخه وغيره وبرع وفضل ودرس وأفاد وعنه أخذ شيخنا أبو العرفان محمد بن علي الصبان الشافعي وغيره وحج سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف فلما قضى حجه ورجع أدركته الوفاة في منزلة من منازل الحج المصري يقال لها أكرى ودفن بها.
خليل بن علي البصير
خليل بن علي الموصلي السيد الشريف صاحب البصيرة الوقادة كان نادرة من النوادر مع علم وعمل وتجويد وتبريز بكل صناعة وكان في الحفظ آية باهرة يحفظ الصحيفة بسماعها مرة أو مرتين وله سفرات عديدة إلى حلب والرها والروم والعراق وله لطائف نفيسة كان حاضراً في مجلس بعض الوزراء فأخبره بعض الحاضرين ان القاضي فلان ممتحن بزوجته وبالأمس اقتتلا فآذته فقال على الفور يا ليتها كأنت القاضية وكان يحفظ من الشعر ما لو كتب لكان أسفاراً وكان له في النحو والصرف والعلوم العقلية اليد الطولى وله نظم بالفارسية والتركية والعربية ونثر رشيق وله معرفة تامة بالمويسيقى وكان مهذب الأخلاق ميمون الطلعة مأمون العشرة ومن قريضه الرايق ونظمه البديع الفائق قوله مؤرخاً واقعة العجم
كفى الله أهل الموصل الشر اذ أتى ... عدو لهم من جانب الشرق ناهض
أجل ملوك العجم نادر اسمه ... ظلوم غشوم للمواثيق ناقض
سبى نسوة السكان في البيد والقرى ... بظلم وكل في المهالك حائض
وساق أناعيم الرساتيق كلها ... فما في الضياع اليوم بكر وقارض
فحاصرنا ستين يوماً مهيجاً ... حروباً وفي الجمعات ماتت فرائض
فحاربه الدستور والي ديارنا ... حسين بعون الله وهو يناهض
فألقى رعب في قلوب جنوده ... فبانوا وكل نحو مثواه راكض
فلما أزال الله عنا شعوبهم ... بتوفيقه أرخت زال الروافض
وقوله مخمساً
نأى الغزال الذي في القلب موضعه ... ياليت شعري أي الروض مرتعه
ناديته بانكساري إذ أودعه ... يا راحلاً وجميل الصبر يتبعه
هل من سبيل إلى لقياك يتفق
نار المحبة في الأحشاء حامية ... والعين كالنهر طول الدهر هامية
стр. 381
يا من به رتبتي في العشق سامية ... ما أنصفتك جفوني وهي دامية
ولا وفى لك قلبي وهو يحترق
وله مصدراً ومعجزاً
يا مشتكي الهم دعه وأنتظر فرجاً ... فمن يفرج كربات المساكين
واصبر على محن الأيام ذا جلد ... ودار وقتك من حين إلى حين
ولا تعاند إذا أصبحت في نكد ... من النوائب واستقبله باللين
هيهات هيهات أن تصفوا بلا كدر ... فانما أنت من ماء ومن طين
وكان مولده سنة اثنتي عشرة ومائة وألف وتوفي سنة ست وسبعين ومائة وألف بالموصل ودفن بها وله شعر كثير اختصرنا منه خوفاً من التطويل رحمه الله تعالى.
خليل المصري
خليل الملقب بأبي الفتوح الفيومي الشافعي المصري نزيل حمص الشيخ العالم الفاضل الصالح الناظم الأديب كان محققاً في سائر العلوم له مؤلفات عديدة وقصائد فريدة سريع النظم لا يتكلف إليه كان عظيم الفهم فصيح اللسان تقياً مغرماً بشرب القهوة والتتن ولد ببلدة الفيوم في سنة سبع ومائة وألف وارتحل إلى مصر وحصل العلوم في جامعها الأزهر الذي بالخيرات معمر وفضل وصار له فضيلة ومكانة عالية ويد طائلة في العلوم ومن مؤلفاته رسالة نظم في التصوف سماها دوام الراحات في اتخاذ الخلوات تنوف عن حجم كراس مطلعها يقول راجي من به التكميل المحيوي عبده خليل إلى آخرها وسلك فيها مسلكاً عظيماً يدل على عظم فضله وذوقه وله مؤلف في الرد على الإسماعيلية سماه السطوة العدلية بالفرقة الإسماعيلية نحو أربعمائة بيت وهي عجيبة وله مؤلف في العروض مفيد أجاد فيه كثيراً وله كتاب صنفه بالحديث اقتضيه من العهود الكبرى للشعراني ومن الأذكار النووية وله قصائد كثيرة يطول تعدادها وهو من أسباط سيدي الشيخ عبد الوهاب الشعراني نفعنا الله ببركاته وقدم دمشق في سنة ست وأربعين ومائة وألف وأخذ بها عن بعض علمائها وارتحل إلى حمص واستقام بها مدة سنين وكان فرد وقته رقيق الطبع والذات وله حدة في بعض الأوقات خارجة عن العادات يحصل منها أمور مضحكة منها انه رأى كلباً في بعض الأزقة وهو في تلك الحالة فخلع فرحيته عليه وقال له أنت أفضل من خليل وله مناقب كثيرة لا يحصر عدها وكأنت وفاته بحماة في نيف وستين ومائة وألف ودفن خارجها ﵀.
стр. 382
خليل الرومي
خليل بن جند الرومي نزيل دمشق كان علامة من الأفاضل المدققين مخشوشناً متقشفاً زاهداً ورعاً وعليه تدريس ووظائف توفي بدمشق في يوم السبت ثامن شوال سنة اثنين وثلاثين ومائة وألف ودفن في تربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى.
خليل الشهواني
خليل المعروف بالشهواني الشافعي القدسي الشيخ الأديب الفاضل الفقيه الكامل كان محبوباً للقلوب مرغوباً لدى الأعيان يجلب الأفئدة برقيق ألفاظه رقيق الحاشية ذكي الفهم وهو من ذي البيوت القديمة بالقدس وله اشعار وقصائد عديدة فمن ذلك قوله حين حج في سنة خمس عشرة ومائة وألف ومطلعها.
سل العقيق وسل عربا بذي سلم ... عن دمع عين جرى استهلاله بدم
وسل أهيل النقا مع أهل كاظمة ... وسل أهيلاً بذك الشيح والعلم
وقف بسلع وسل أهلاً بربعهم ... وحى أرضاً بذات البان والغم
وأنشد دليل السرى عن حالنا سحراً ... وحادي العيس والأظعان بالنغم
وسلهم عن فؤادي عن تضرمه ... وعن نحولي وما لاقيت من الم
يا صاح كرر أحاديث الغرام فما ... على المحب إذا ما باح من سدم
ودع كلام عذول ان ترم أربا ... ان المحب عن العذال في صمم
وبح بمدح ختام الرسل كلهم ... فهو الشفيع غدا في يوم حشرهم
وهو الملاذ إذا قلت بناحيل ... وهو الغياث غدا في موقف الحكم
خير النبيين قد عدوا وأفضلهم ... حوى المحاسن من فرق إلى قدم
وقد رقى للسموات العلا ودنا ... من قاب قوسين أو أدنى ولم يهم
وخاطبته الظبا والجذع حن له ... لديه قد أفصحت البدن بالكلم
والبدر شق له والضب كلمه ... وقد غدا معدنا للجود والكرم
لما تحققت اني في مدائحه ... مقصر نهت من وجدي ومن هيمي
ناديت والشوق مني قد نما ورقا ... ودمع عيني على خدي كما الديم
يا أكرم الرسل ياسر الوجود ويا ... كهف المساكين من عرب ومن عجم
مالي سوى جاهك الأسنى ألوذ به ... فأنت كل المنى يا خير مغتنم
وأنت قصدي وسؤلي ثم معتمدي ... ان لم تغثني أهل يا زلة القدم
اليك أشكو ذنوباً ضيقت حبلي ... وأجهدتني ومنها القلب في سقمي
стр. 383
ان لم تكن لي معيناً في المآب غدا ... فضلاً فيا حسرتي حزناً ويا ندمي
وامتدح السيد محمد بن عبد الرحيم اللطفي مفتي القدس حين قدم من الديار الرومية بقصيدة مطلعها
أبدر المنى في غيهب السعد قد طلع ... أم البرق في جنح البها بالهنا لمع
أم الروض بالزهر المنير تنورت ... حدائقه أم هاطل الخير قد همع
لعمري ما هذا سوى نفحة أتت ... هلال محياها بنور العلي سطع
لطلعة فرد الوقت أعنى محمدا ... هو العالم التحرير لا بدع ان برع
فقرت عيون المجد عند قدومه ... ونلت المنى والهم ولي مع الجزع
وعود الفخار أخضر بعد يباسه ... وغنى حمام الايك جهراً وما هجع
وأصبح ناموس الفضائل قائماً ... بمن زان تيجان المناصب وارتفع
أمام تربي في السيادة مذ نشا ... ترى كل مخلوق على حبه انطبع
همام يضيق الوقت عن كنه وصفه ... حسيب نسيب كل عز لقد جمع
فلله ما أحلى عذوبة منطق ... تنفس عن در كصبح إذا طلع
بليغ إذا رقت أحاديث لفظه ... فكم مشكل في لفظه انزاح واندفع
ومنها
فقد كنت قدماً أهلها ومحلها ... فمن أجل ذاعنها سواكم قد انخلع
فناهيك مجداً قد حوى كل سؤدد ... فلم يبق شيأ من مناك ولم يدع
فوا طرابا فيك المحامد جمعت ... وقطر الندا من بين أيديكم نبع
وفي الفضل قد أحرزت كل فضيلة ... فكم مرتج للفضل أبوابكم قرع
وكم قاصد للمجد أم حماكم ... فنال المنى عند المراد وما امتنع
وله غير ذلك وكان شعره متوسطاً وكأنت وفاته بالقدس في منتصف رجب سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
خليل الشهري المنجم
خليل بن مصطفى بن عيسى فايض الشهري المنجم له رسالة تفسيرية وفذلكة الحساب وشرح الحسينية وحاشية على شرح النونية لخضر بيك ورسالة الدخان وغيرها صلب نفسه ليلة الجمعة في جمادي الأولى سنة أربع وثلاثين ومائة وألف باسلامبول رحمه الله تعالى.
خليل حدادة
стр. 384
خليل حدادة الموصلي الكاتب الماهر الخطاط الشاعر إليه تنتهي الكتابة والخط في زمانه وصار يضرب به المثل في الجودة والحسن والنفاسة كأنه حواشي عذار على متون خدود أو نقوش فضة أو لؤلؤ على وجنات أبكار وكان أديباً ماهراً نبيلاً حاذقاً وله الفصاحة والنجابة رحل إلى الهند في سنة احدى وستين ومائة وألف وتوفي بها سنة ثلاث وستين ومائة وألف ومن شعره قوله في وقعة العجم مادحاً ومؤرخاً
وذاك من يمن الوزير الذي ... خصصه الله بلطف أعم
قام لنا في حسن تدبيره ... وأرهب الخصم بأعلى الهمم
وجال في عسكره جولة ... فميل الركن له وانهدم
ورام منه الصلح عن أنفه ... رغماً ولم يدر الصواب الأتم
فقام عنا وهو من غيظه ... يعض حرصاً لكفوف الندم
أبو مراد لم يزل دافعاً ... عنا إذا الخطب علينا هجم
فسأله من اسد قد حمى ... غايته من كل خصم صدم
خليل المصري
خليل بن شمس الدين المالكي المصري أحد المحققين المشار اليهم بالبنان المعقود عليهم بالخناصر في رفعة القدر والشأن أخذ عن العلامة السيواسي والسيد محمد البليدي توفي راجعاً من الحج في الطريق المصري شهيداً سنة ثمان وسبعين ومائة وألف عن نحو ستين سنة.
خير الله البولوي
خير الله محمد بن عثمان بن سفيان بن مراد خان البولوي الرومي الحنفي الشيخ الفاضل العالم الفقيه المتقن أخذ عن كل من تاج الدين بن محمد الدهان والجمال عبد الله ابن سالم البصري المكيين وعن أبي الطاهر محمد بن إبراهيم الكوراني وغيرهم.
حرف الدال
درويش الملحي
درويش بن أحمد بن عمر بن أبي السعود بن زين الدين عمر بن تقي الدين أبي بكر ابن علاء الدين علي بن صدر الدين أبي عبد الله محمد الدمشقي الحنفي الشهيري بالمليحي الشيخ الفاضل الكامل العالم النبيل المتفوق الأخذ من الفهم الثاقب بالحظ الأوفر ومن الذهن المتوقد بالنصيب الأكبر كان مولده بدمشق في شهر ربيع الأول سنة خمس وعشرين ومائة وألف وتربى في حجر والده وتوفي والده في جمادي الثانية سنة ثمان وأربعين ومائة وألف وقرأ القرآن العظيم وطلب العلم الشريف
стр. 385
فلازم الاستاذ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن الغزي العامري الملازمة الكلية في سائر أوقاته وقرأ عليه كتباً عديدة في فنون شتى من العلوم وقرأ عليه الفقه على مذهب سيدنا الشافعي فإنه كان أولاً شافعي المذهب على مذهب أبيه وجده ولازم خدمته والقيام بقضاء مصالحه وصحبته إلى أن توفي وسمع منه المسلسل بسورة الصف وبالحفاظ وبالشافعية وبالحنفية وبالقبض على اللحية وكثيراً من الأحاديث الصحيحة وما لا يحصى من الفوائد العلمية وكتب له اجازة مطولة وقفت عليها بخطه قدس سره ثم ان صاحب الترجمة تحنف لما صارت له حصة من امامة الحنفية بالجامع الأموي فقرأ في الفقه النعماني على الفقيه صالح بن إبراهيم الجينيني والعالم موسى بن أسعد المحاسني والشهاب أحمد بن علي المنيني الحنفيين وكتبوا له اجازات رأيتها بخطوطهم المباركة وأخذ عن الشيخ البركة أسعد بن عبد الرحمن المجلد السليمي وعن العلامة حامد بن علي العمادي مفتي الحنفية بدمشق قرأ عليه بين العشائين كتباً فقهية وأصولية عديدة كالهداية وحاشيتها للمولى المذكور فانه كان يقابلها معه حين اخراجها من المسودات وبيضها وعدة رسائل من مؤلفاته ومؤلفات غيره وكالمنار في الاصول وشرحه لابن ملك وغير ذلك وعن المحقق محمد ابن محمد قولاً فسر قرأ عليه في الفقه والعربية وعلى الضياء عبد الغني بن الصيدأوي مفتي مدينة صيدا قرأ عليه وصحبه واستجازه فأجازه وعن الجمال عبد الله بن زين الدين البصروي الشافعي قرأ عليه الفرائض والحساب وعن الركن محمد بن إبراهيم التدمري الشافعي وغيرهم وصارت له ملكة في الفقه والعربية وحج سنة احدى وستين ومائة وألف وصارت له حصة من امامة الحنفية بالجامع الشريف الأموي فباشرها مدة حياته وكان لطيف الذات كامل الأدوات مبجلاً له اللطف والظرف والديانة والعفة ومكارم الأخلاق وحسن الشيم وكأنت وفاته عشية يوم الجمعة سابع شهر ربيع الأول سنة أربع وسبعين ومائة وألف وصلى عليه بعد صلاة ظهر يوم السبت بالجامع الأموي ودفن بمرج الدحداح رحمه الله تعالى وأموات المسلمين.
درويش آغت اليرلية
درويش بن عبد الله الحنفي الدمشقي آغت أوجاق الينكجرية اليرلية ورئيسهم وأحد أعيان جند دمشق المشار اليهم والمنوه بقدرهم كان شهماً كاملاً فاضلاً أديباً بارعاً في العلوم له حفظ وتقيد تام فيها سيما بفنون الأدب والشعر ماهراً بالفارسية والتركية حسن الأخلاق متودد أطيب الخصال صاحب عقل وتدبير ذا رأي
стр. 386
حميد رئيساً معتبراً صاحب وجاهة واحتشام مع حسن الملتقى وطلاقة الوجه ولطف الشكل مهاباً ضابطاً له على أنفاره غلبة وسطوة ولد بدمشق في سنة ست وعشرين ومائة وألف ونشأ بها في كنف والده الآتي ذكره في محله آغة الوجاق المذكور وقرأ القرآن وبعض المقدمات على الشيخ عبد الرحمن الكليسي نزيل دمشق وبعده قرأ شرح القطر للفاكهي على الشيخ إسماعيل العجلوني ثم الدمشقي وشرح الألفية لابن الناظم على الشيخ محمد الغزي الدمشقي مفتي الشافعية بها وقرأ الدرر والغرر وشرح التنوير في الفقه على الشيخ صالح بن إبراهيم الجينيني وقرأ المختصر على الشيخ حسن المصري نزيل دمشق في داره وكان يجئ الشيخ إليه ويحضر معه الشيخ خليل بن محمد الفتال والشيخ محمد بن إبراهيم العجلوني الدمشقي وقرأ التوضح والتلويح على الشيخ علي الأنطاكي نزيل دمشق وكذلك تعلم منه الفارسية وقرأ عليه بها وقرأ شرح ديوان المتنبي للواحدي على الأديب أحمد بن حسين باشا الكيواني الدمشقي وتخرج عليه في الأدب ومهر وتفوق وحصل له فضيلة ونظم الشعر قليلاً بالعربية والتركية وجمع كتباً نفيسة وتملكها وكان مجلسه يحتوي على الأفاضل والأدباء والمطالعة والمطارحة الأدبية ولما توفي والده استقام في داره بأهنى عيش ثم تولى بطريق المالكانة قرية معلولا النصارى وقرية عيتا وقرية غزة وقرية قبر الياس وغير ذلك من العقارات ودار والده الكائنة في محلة العقيبة تجاه جامع التوبة وكان له أخ يسمى مصطفى شجاعاً جسوراً قتل في بعلبك لأمور في سنة أربع وخمسين ومائة وألف ثم ان المترجم صار رئيساً على أوجاق الينكشرية بدمشق سنة سبع وخمسين وكان قبله رئيسهم محمد بيك بن الوزير كوسج خليل باشا واستقام رئيساً عليهم مدة ثلاثة عشر سنة مع الضبط والربط وحسن السياسة والتدبير وتنظيم أمور الأوجاق وحسن الرعاية وكأنت أعيان دمشق تحبه وتوده سيما والدي فكان يتخذه بمنزلة الأخ الشقيق وهو مرغوب لديهم لأسباب منها فضله وأدبه ومنها عفته وديأنته ومنها تربصه وعقله ومنها كماله وحسن أخلاقه ولم ير في وقته من يضاهيه في هذه الخصال ولو اجتمعت بأحدهم خصلة من ذلك كان خالياً عن الأخرى وكان الوزير أسعد باشا ابن العظم والي دمشق وأمير الحاج يعرف قدره ومقامه ويحبه ويوده وله عليه مزيد التفات وكان يتخذه في أموره عضد أو في أفعاله مشاراً وكأنت الأدباء تمدحه لمعرفة مقام الأدب والشعر وممن امتدحه الشيخ سعيد بن محمد السمان الدمشقي وكان من أخصائه فقال هذه القصيدة ممتحده بها حين عاد من الحج ومطلعها.
стр. 387
نفحة الفجر من مهب الجنوب ... روحي مهجتي بطيب الهبوب
وأطيلي الوقوف بين المصلى ... وزرود وبين تلك الشعوب
واحملي من شذا تهامة نشرا ... ناشرا طي لذة المحبوب
وأرسفي بالنخيل من لابتيها ... حيث أظلاله مقيل الجبيب
والثمي رسم من أناخوا صباحاً ... في ذراه عن المحب الكئيب
وإذا ما أنتجعت أجراع حزوي ... وحمى الشعب من يمين الكثيب
فاسألي هذه المواطن عمن ... حل فيها من كل ظبي ربيب
رحلوا والفؤاد خلف النواجي ... حادياً يستفز بالتطريب
وطووا شقة الفلا واستقروا ... بتلاع العذيب عند الغروب
فاستقلت بهم نواحيه حتى ... شغلوا عن مولع محروب
فأريا بردة الدجى بانين ... ولهيب بين الحشا مشبوب
كلما عن ذكرهم رنحته ... لوعة ملء خليه والجنوب
وإذا ما استطار من نحو سلع ... برقهم وأصل البكا بالنحيب
وإذا جأوب الحمام هديلاً ... يشتكي الألف في القضيب القشيب
أخذته حمية الوجد حتى ... أوثقته برائعات الكروب
يا خليلي فاسعفا ذا قروح ... لم يغيره مؤلم التأنيب
ضاق ذرعاً عن عبء ما أوسعته ... محن البين كل ليث وثوب
خل يا عاذلي صنوف ملامي ... ما خلى الفؤاد مثل السليب
انما العشق والهوى لي طبع ... لم يزل في حديثه تشبيبي
وعيوني إذا العقيق تردئى ... سفحته بسفحه امهضوب
عللوني إذا أردتم حياة ... بحديث الغرام رغم الرقيب
وأثلجوا غلة الفؤاد بذكرى ... ما حواه بدر الكمال المهيب
كامل حل من ذرى فلك المج ... د مقاماً بحسن رأى مصيب
وهمام ما الحرب دارت رحاها ... وتلظى خلب الكمى الغضوب
فله العز والمفاخر تعزى ... والمعالي بالاسم والتلقيب
ليس يطوي الا على الحلم قلبا ... لا على ريبة ولا تكذيب
فمن اللطف قد تكون ذاتاً ... وصفاتاً من الجمال العجيب
نعم ليثاً للائذين وغيثاً ... ان دعى للندى وخير مجيب
وغياثاً للمستجير إذا ما ... مسه فرط لوعة ولغوب
стр. 388
دأبه في الورى اصطناع اياد ... لبعيد يوم الندى وقريب
فإذا لم يجد لبذل سؤالاً ... طالبته بنيله المسكوب
فلذا علم السحاب نداه ... كيف يهمي بكل روض خصيب
فلكل من راحتيه غمام ... يا لعمري وليت حين مشيب
ما رأينا ولا سمعنا بشهم ... مثله مفحم لكل لبيب
منح قادها الزمان إليه ... ذللاً فوق قصده المطلوب
فابتلى الدهر والأنام فلاذوا ... بحماه في موقف التأديب
وحوى ما المديح يقصر عنه ... بنظام وافى على اسلوب
أي مجددون الذي حزت يروي ... وفخار وأي صدر رحيب
ومن المعالي بلغتك المعالي ... رتب الافتخار والتهذيب
فنهنيك يا أغر السجايا ... بقدوم من حجة التقريب
نلت فيها الرضى وعفواً جلياً ... وبلغت المرام غير مخيب
ووردت المقام والبيت يهوي ... لهما كل ضامر يعبوب
فوقه كل أغبر أشعث الرا ... س ملب لربه ومنيب
حاسراً بردة الجدال يقضي ... تفثاغب نثرة المرغوب
ولدى المشعر الحرام صباحاً ... يذكر الله بالفؤاد السليب
ويوفي النذور بالعج ... والثج ويرمي الجمار بالترتيب
ويريق الدماء وهو حلال ... في منى موطن المنى بالوجوب
ويوافي أم القرى فيلاقي ... حرماً آمناً من الترهيب
وهي طويلة أخبرني صاحبنا الفاضل خليل بن مصطفى الدمشقي قال أخبرني من لفظه درويش محمد بن عبد الله رئيس الجند اليرلية انه رأى حاله بالمنام ينشد هذين البيتين واستفاق وهو ينشدهما ولم يدراهما قديمان أم جديدان وهما
لو كنت أملك طرفي عندما سكبت ... عيناي مذ فارقت حبي وأوطاني
لكنت قد خنت عهداً والعيون إذا ... خوانة بالهوى ان أبصرت ثاني
وكتب للمترجم الأديب مصطفى الترزي الدمشقي يشكره على حاجة أرسلها إليه بقوله
يا جوهراً قد صفا من العرض ... لم يجد المجد عنك من عوض
أنت لجسم العلاء روح حيا ... وشمس فضل للناس أنت تضي
ورثت طود العلاء مفتخراً ... عن والد والفخار منك رضي
стр. 389
وفقت بالجاه كل ذي عمم ... مرتفع الفضل غير منخفض
رأست حنك العلى بأجمعه ... كالسلك قد ضم كل متنقض
أرسلت لي برء ساعة وبه ... قد زال ما قد وجدت من مرضي
لا زلت في دولة مؤبدة ... بالغر كالكوكب السعيد تضي
أعيذ منك الجناب معتصماً ... بالله رب السماء والأرض
وارتحل المترجم إلى حلب وكأنت مستولية عليه الامراض السودأوية وكان مرهف العيش متنعماً في أحواله منتظم الملبوس حسنه جميل الهيئة متقن الحركات واللوازم المتعلقة في الزينة للدار وغيرها سخي الطبع ذكياً حاذقاً عشوراً وهو خال والدتي لأن والدة والدتي جدتي اخته وشقيقته وأحسن تربية والدتي لأنها لما توفي والدها المولى عبد الرحمن السفرجلاني كأنت طفلة فنشأت عند المترجم وقام في تربيتها أحسن وأشفق من الوالد والوالدة وفي سنة سبعين ومائة وألف عزل عن حكومة دمشق وامارة الحاج الوزير أسعد باشا ابن العظم وولي مكانه الوزير حسين باشا بن مكي الغزي فرأى المترجم بوادر الفتن وبوادي الفساد من الاشرار فترجى حسين باشا المذكور وترامى عليه أن يعزله من منصبه آغوية الوجاق المذكور لأنه أولاً قاسى منهم خطراً بليغاً وكان لا يألف النوم خوفاً من رؤسائهم المفسدين أن يغتنموه في الليل قتلاً أو نهياً وكان ذلك سبباً لأمراضه وعلله فانه ﵀ كأنت الامراض السودائية وغيرها دائماً تعتريه ولما رأى ما رأى عند عزل أسعد باشا تحقق القتل به واهأنته عند تحريك الفتن وظهور الاشقياء أهل البغي والشرور فاستعفى من المنصب المذكور برضاه وحسن اختياره وانه بسبب أمراضه عجز عن ذلك والقيام بهذه الخدمة فألحوا عليه الأعيان أن يبقي في المنصب وان لا يرتضي العزل فما قبل وما أمكن حتى كتب حسين باشا المذكور للدولة العلية بذلك وكتب هو أيضاً فعزل وصار مكانه السيد مصطفى آغا الحموي الآتي ذكره في محله ان شاء الله تعالى وفي محرم سنة احدى وسبعين لما صارت الفتنة بين الينكجرية اليرلية والينكجرية القول وعظمت بينهم المحاربات والقتال كان هو اذ ذاك ساكناً في دار زوج اخته محمد أغا الكمش الرومي نزيل دمشق الكائنة في القرب من البوابجية بالقرب من باب القلعة فجاء طائفة القول ليلاً ونقبوا جدار الحجرة التي في الدار المذكورة من جهة باب القلعة ودخلوا الدار ونهبوا أمواله وحوائجه وأخذوا غالب متاعه فلما أخبرت طائفة اليرلية بذلك جاؤا عليه وصار بينهم القتال والمحاربة ثم ان اليرلية أخرجوهم من الدار واستخلصوا بعض الأمتعة وكأنت اذ ذاك الأوقات مشتعلة بنيران
стр. 390
الفتن والبغي ولم ير في عصر من الأعصار مثلها وكان صاحب الترجمة وهاماً عاقلاً يحسب الأمور البعيدة فزادت عليه الأمراض غب واقعة الدار المذكورة ونهب متاعه وماله وزادت عليه الاسقام وابتلى بداء ورم المعدة فمات فجأة في جمادي الثانية سنة احدى وسبعين ومائة وألف وشاع في دمشق انه هو أودى بنفسه للهلاك فمن قائل انه شنق نفسه بيده ومن قائل انه أدخل عليه سم وحين شاع موته أرسل حسين باشا من طرفه كتخدا البوأبين وكذلك قاضي البلدة المولى علي ختن قاضي العساكر المولى أحمد علمي معتمداً من طرفه لأجل الكشف عليه فوجدوه ميتاً من غير سم ولا شنق بل بأجله فكتب بذلك حجة كشف ودفعت لورثته وكان كل الذي شاع افتراء وكذباً ودفن بتربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى.
درويش الحلواني
درويش بن ناصر الدين المعروف بالحلواني الحنفي البعلي ثم الدمشقي الخلوتي الشيخ العالم العامل الامام التحرير الأوحد كان فقيهاً فاضلاً عارفاً متقناً في الحديث وعلم الكلام ديناً ناسكاً ليناً متواضعاً قرا على جماعة من الشيوخ وبهم أنتقع كالشيخ إبراهيم بن منصور الفتال الدمشقي ولازم الشيخ إسماعيل الحائك المفتي مدة من الزمان وأنتفع به حتى انه قال الحائك عنه وشهد بأنه مفرد عصره وأوانه بالفضل وقرأ على الشيخ محمد علاء الدين بن علي الحصكفي الدمشقي شارح الملتقى والتنوير وغيرهما وأنتفع به ورحل للرملة واجتمع بمغيبها فقيه الشام ومحدث عصره الشيخ خير الدين بن أحمد الرملي الحنفي وسمع الحديث عليه وأخذ عنه واجتمع بدمشق بمحدث العصر الشيخ محمد بن سليمان المغربي الفاسي نزيل الحرمين وطالع عليه وأخذ عنه وجمع منسكاً في حج بيت الله الحرام ولازم الافادة والتدريس بالجامع الأموي وأنتفع به جم غفير وروى عنه جماعة منهم الشيخ محمد بن إبراهيم التدمري الطرابلسي نزيل دمشق والمولى عبد الرحمن بن أحمد القاري المفتي بدمشق والشيخ محمد ابن زين الدين الكفيري الدمشقي وغيرهم ورأيت في بعض المجاميع فائدة منقولة عنه وهي ان من دخل إلى مقام سيدنا إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وسلامه في قرية برزة بدمشق حرم الله جسده على النار ومن صلى فيه أربع ركعات خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه أقول وفيه ورد أخبار وآثار منها ما ذكره ابن الجوزي في كتابه الاشارات إلى أماكن الزيارات أخباراً وآثاراً كثيرة تدل على فضله حيث قال وعن أحمد بن سليمان سمعت شيوخنا الدمشقيين يقولون قديماً يذكرون ان الآثار التي بدمشق في برزة عند المسجد الذي يقال له مسجد إبراهيم ﵇ الذي
следующие страницы →