Полный текст (1 167 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
فاستجلها حيث نسيم الصيا ... يعبث بالورد وبالسوسن
راح كذوب التبر في كأسها ... قد كللت بالجوهر المثمن
يسعى بها أغيد ذو غنة ... يدعى شقيق الشادن الأرعن
ريم من الأعراب طاوي الحشا ... هميانه من حدق الأعين
تياه يعتم ببوشية ... منسوجة بالذهب المفتن
مسكية دارت على وجهه ... فهو بها كالبدر في الموهن
أحسن من تاج نفيس على ... كسرى أنوشروان أو بهمن
قد رنحت أعطافه في الصبا ... فاهتز يزري الغصن الألين
يبدي ابتسام الثغر في خفية ... صوناً لعقد فيه مستمكن
هذا ومن ألطف ما قد بدا ... في وجهه من حسنه المتقن
إن الشفاه اللآء من دونها ... وشم على كنز اللآلي السني
قفل من اياقوت مفتاحه ... من رائق الفيروزج المعدني
ساق صبيح حسن فاتن ... بكل عضو منه مستحسن
يسقيكها راحاً كنيل المنى ... فاشرب على ورد الخدود الجني
وأنشد من الأشعار ما قد حلا ... لفظاً وما خف على الألسن
واشرب وطب نفساً ولا تيأسن ... من رحمة البر الغفور الغني
وإن قول الحق جل اسمه ... قل يا عبادي حجة المؤمن
وقال أيضاً
لا تعجبوا إن ريحان العذار بدا ... في وجنة صاغها الرحمن وابتدعا
وإنما طوقة السمور قابلها ... فشكله في حواشيها قد انطبعا
ومثله للشهاب الخفاجي
وظبي من السمور ألبس فروة ... ومال كما هزت صبا سحرة سروا
والأعيون الناس من دهشة به ... تخايل أهداباً فتحسبه فروا
وللمترجم
شمس جمال غربت مذ بدا ... ليل عذارى فلقى كل ضير
والحسن قد قال لعشاقه ... مساكم الله تعالى بخير
وله
لا نظن الذي ترى بمحيا ... فتنة الخلق عارضاً مستديرا
إنما طير حسنه حل روضاً ... يانعاً فوق وجنتيه نضيرا
стр. 457
فأغتدى ناشراً جناحيه لكن ... لست أدري يقيم أو أن يطيرا
ويقرب منه قول الأديب أحمد الشاهيني الدمشقي
ومذ تبدى الشعر في وجهه ... بدلت الحمرة بالأصفرار
كأنما العارض لما بدا ... قد صار للحسن جناحاً فطار
وللمترجم
روضة حسن جف نوارها ... واستحصد النب بها واستطاب
أما ترى نمل عذاريه قد ... دب لكي ينقل حب الشباب
وفي معنى ذلك قول الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي
لا تحسبوا شامة في خده طبعت ... هاتيك حبة قلب زاده حبا
فدب ينقلها نمل لعذار له ... والنمل من شأنه أن ينقل الحبا
وللمترجم
وحديقة إحداق نرجسها غدت ... مكحولة بمراود الأمطار
حفت بورد شق عنه كمامه ... كالخد يزهو باخضرار عذار
بسط الربيع بها مطارف سندس ... قد رصعت بجواهر الأزهار
حتى إذا حاز الشروق وقد جلت ... ثغر الأقاح نسيمة الأسحار
جرت عليها الشمس ذيل شعاعها ... فتحاً لها قد موهت بنضار
أقول لي في هذا المعنى وهو معنى البيت الأخير بيتان كنت نظمتهما في جنينة بني العمادي الكائنة خارج دمشق بمحلة باب توما ولم أعلم أن صاحب الترجمة سبق الي هذا المعنى وابتكاره الأبعد ان نظمتهما وأودعتهما داخل أحد مجاميع شعري وهما قولي
قم بي لروض الزهر يا صاحبي ... نغتم زمان الصفو في ذا النهار
فالشمس في وقت أصيل لقد ... ألبست الروض مروط النضار
وللمترجم
عند الصباح سألت الورد يكشف عن ... باهي المحيا الذي بالكم قد حجبا
فضم لي انملاً خمساً يمهلني ... حتى ترى الشمس مدت مطر فاذهبا
وقال
ووردة حمراء قد ركبت ... في وسطها نرجسة ناضرة
كوجنة رائقة قد بدا ... بها مثال المقلة الناظرة
стр. 458
وقال
وكأنما الورد الجني إذا انتهى ... وتناثرت أوراقه عن نظمها
خود زهت بغلائل من سندس ... تغري المشوق بضمها وبلثمها
هب النسيم فراعها فتساقطت ... تلك الدنانير التي في كمها
وقال
لا تحسب الورد من ضعف المزاج إذا ... هب النسيم عليه فهو ينفتر
وإنما الورد في أبانه ملك ... ذو شوكة وبه الأزهار تفتخر
إذا نسيم الصبا وافاه مجتدياً ... يلقي له ألف دينار ويعتذر
وقال أيضاً
والشمس عند شروقها ملك له ... وجه البسيطة جنة ينتابها
والورد كالحور الحسان تنقبت ... بزبرجد فنما بها اعجابها
لما تبدى راعهن جماله ... فانزاح عن وجناتهن نقابها
وقال
بوجنة الورد شمس الأفق قد شغفت ... فقبلتها بلا خوف ولا حذر
لكن رأت أثر التقبيل يفضحها ... فنقطتها بدينار على الأثر
وقال أيضاً
تأن جهدك في كل الأمور ولا ... تضجر إذا سمت بحر الخطب قد ماجا
من لم يكن ذا أناة في مآربه ... لم يكس من ورق الفرصاد ديباجاً
وقال
وما كرب ظمآن بري الماء قربه ... فتمنعه عنه الأفاعي القواتل
بأعظم كرباً من شيخ ذي صبابة ... بأغيد تستولي عليه الأراذل
وقال
وثقيل روح بالمرأة مولع ... سمج المحيا هاذم اللذات
أهديته من صيد بازي بومة ... يغنيه منظرها عن المرآة
وقال أيضاً
حبذا النرجس النضير إذا ما ... راح يحكي لأعين النظار
معصماً من زبرجد وأكفاً ... من لجين واكؤساً من نضار
وقال
ذوو الكمالات والآداب ليس لهم ... حظ من الغيد غير المقت والضرر
وأرذل الخلق منهم نال بغيته ... إن الخنازير ترعى أطيب الثمر
стр. 459
وقال أيضاً
زاح شر يوشه عن الفرع يوماً ... فتدلت لخده أطرافه
شبه أوراق جنة قد أظلت ... ورد روض يشفي العليل اقتطافه
وقال فيمن سأله عن تحفة العشاق
عن تحفة العشاق جاء مسائلي ... رشأ يكف السحر بالأحداق
فأجبته يا من فتنت بحسنه ... هل ثم غيرك تحفة العشاق
وقال
يقولون لي صف من هويت مع اسمه ... فقلت ومن في لجة الحب القاني
حكى البدر وجهاً قد أدار لفتنتي ... على جانبيه شده الأحمر القاني
ومن شعره
فسما بالحواجب النونيه ... وافتراز المباسم الميميه
والثنايا التي تصان بياقو ... ت شفاء عقودها لؤلؤيه
ووجوه كأنهن رياض ... مشرقات تحكي الشموس المضيه
إن حالات من تتيم بالحب ورام الكتمن ليست خفيه
بأبي الاغيد الذي قد أثارت ... فتنا واو صدغه الملويه
رشأ قد اراش من هدب جفني ... هـ سهاماً لها فؤادي رميه
عربي الألفاظ يتسلب العق ... ل بسحر اللواحظ التركيه
وبوجه كطلعة البدر يزهو ... بخدود وردية عندميه
بهج مشرق حوى قسمات ... تحت تضعيف طرة مسكيه
مترف لين المعاطف يهتز ... دلالاً كالصعدة السمهريه
أهيف القد مخطف الخصرعبل ... الردف حلو المراشف الالعسيه
وكان الخال الذي شرف الله ... به ثغره فحاز المزية
حبشي رام التنزه فارتا ... د له أحسن البقاع البهيه
فاغتدى بين روضة وغدير ... قرب مسرى أنفاسه العنبرية
أقول هو مختلس من قول بعضهم
وبين الخد والشفتين خال ... كزنجي أتى روضاً صباحا
تحير في الرياض فليس يدري ... أيجني الورد أم يجني الاقاحا
وقريب من هذا قول ابن التلمساني
стр. 460
كأنما الخال على خده ... إذ لاح في سلسلة للعذار
أسود يخدم في روضة ... قيده مولاه خوف الغرار
تتمة منها
أيد الله دره من حبيب ... صلف لم يدع لصبري بقيه
قلت اذمر بي ضحى يتهادى ... ساحباً ذيل حلة موشيه
يا فدتك الأرواح صبحك ... الله بخير وألف ألف تحيه
راقب الله في فؤادي واكفف ... عنه أسياف لحظك المشرفيه
وتحنن ولو بطيف خيال ... واحي صبا مشافها للمنيه
إن من كنت الغه دام في أر ... غد عيش صباحه والعشيه
فانثنى ضاحكاً وقال رويدا ... أنا أدرى بكنه هذي القضيه
وقال
قد كنت حصلت فصلامن العتاب المنوعوقلت إن زار يوما
أقول ذاك ليسمعحتى إذا ما اجتمعنانسيت ذلك أجمع
هو مأخوذ من قول بعضهم
وقد كان عندي للعتاب دفاتر ... فلما اجتمعنا ما وجدت ولا حرفا
وقال
قد كان شحرور خال الثغر مسكنه ... بروض وجنة من قد حرت في صفته
لكن رأى المنهل الصافي بمرشفه ... فانقض للورد واستعلى على شفته
وله غير ذلك من الشعر وكانت وفاته بدمشق في سنة سبع عشرة ومائة وألف ودفن بتربة الباب الصغير رحمه الله تعالى
سليمان المنصوري
سليمان بن مصطفى بن عمر بن محمد الحنفي القاهري الشهير بالمنصوري مفتي السادة الحنفية بالجامع الأزهر وخاتمة الفقهاء الحنفية بالديار المصرية الشيخ الإمام الفقيه المفنن الأوحد البارع أبو الربيع بهاء الدين ولد سنة سبع وثمانين وألف وتفقه على كل من الشيخ شاهين بن منصور الارمنازي وعبد الحي ابن عبد الحق الشرنبلالي وأبي الحسن علي بن محمد العقدي وعثمان ابن عبد الله النحريري وعمر الدفري الشهير بالزهري وقائد الابياري شارح الكنز وغيرهم واشتهر أمره وبعد صيته وعلا ذكره وكانت وفاته سنة تسع وستين ومائة وألف ودفن بتربة المجاورين رحمه الله تعالى وأموات
стр. 461
المسلمين آمين
سليمان المجذوب
سليمان المعروف بتش تش بتاء وشين ثم تاء وشين الدمشقي الشيخ المجذوب المعتقد المستغرق الولي المبارك كان من المجاذيب والياء الله تعالى وله كرامات وأحوال عجيبة وكانت الناس تعتقده وإذا مر في الأزقة يسرع في المشي وإذا رأى أحداً من الناس يطلب منه دانقاً فبعضهم يقصد مداعبته فيعطيه درهماً أو دينار فيمسح يده منه ويحقه حتى يعطيه إياه ولا يقبل سوى الدانق فيهرب مه المعطى وهو لحقه مسرعاً حتى يعطيه ذلك وكانت الأولاد تجتمع عليه وكان يتكلم بسرعة وغالب أوقاته يكون في سوق البزورية تجاه حمام نور الدين عند باب دار بني المزور وكان دائماً مكشوف الرأس محلوق شعر الرأس واللحية والشوارب وإذا اجتمعت عليه الأولاد يفر منهم ويصرخ وهم يصرخون عليه تش تش فصار ذلك لقب له وفي آخر أمره قبل وفاته بنحو سنتين انقطع في داره وصارت غالب الناس يزورونه بها لعارض حصل له في رجليه وتغير في مرضه حاله للسكون وصار يتكلم بكلام منظوم دون عادته الأصلية واستقام في داره إلى أن توفي في سنة سبع وثمانين ومائة وألف ودفن بتربة الباب الصغير رحمه الله تعالى ونفعنا ببركاته آمين
حرف الشين
شاكر العمري
شاكر بن مصطفى بن عبد القادر بن بهاء الدين بن نبهان بن جلال الدين العمري المعروف بابن عبد الهادي الحنفي الدمشقي أحد الأفاضل البارعين بفنون الأدب كان أديباً أريباً عرافاً حاذقاً لطيفاً نبيهاً فاضلاً صاحب نكت ونوادر حسن المطارحة رقيق الطبع مع خط حسن وإنشاء بديع في اللغة العربية والتركية وكن له نظم رائق وحسن مذاكرة ولد بدمشق في ليلة الثلاثاء بعد العشاء بساعة ونصف السادس عشر من شوال سنة أربعين ومائة وألف وتفوي والده وهو صغير عمه ثلاث سنين وكذلك والده لما توفى والده الشيخ عبد القادر كان صغيراً عمره ثلاث سنوات وهذا من عجيب الاتفاق فنشأ المترجم يتيماً كما نشأ والده يتيماً وقرأ القرآن وأخذ الخط حتى أتقنه ومهر بصناعة الشعر ولازم الاستفادة والدروس ومن مشايخه الشيخ أحمد المنيني والشيخ محمد الغزي مفتي الشافعية ابن عبد الرحمن والشيخ محمد العبي والشيخ أبو الفتح العجلوني والشيخ أحمد التونسي المغربي نزيل دمشق وغيرهم وبرع وتفوق وحصل فضلاً مع أدب أينعت رياضه وراقت حياضه وكمالات ومعارف تفيأ في ظلها الوارف ثم ارتحل إلى اسلامبول واستقام بها مدة سبع سنين ينسخ ويقابل الكتب مع أركان الدولة الذين كان يتردد إليهم وأخذ
стр. 462
بها بعض العلوم وقرأ على بعض المحققين ثمة ولما توفي أحمد البقاعي نزيل اسلامبول أخذ وظائفه ووجهت عليه لموته عن غير ولد وكانت على البقاعي نصف قرية بسيما من نواحي دمشق بطريق المالكانة فوجهها الوزير محمد راغب باشا صدر الدولة إذ ذاك للمترجم أيضاً والسبب في إعطائها له إنشاء المترجم مكتوباً عن لسان الوزير المذكور إلى شريف مكة فوقع عند الوزير موقع الهيبة والقبول وقابله بالمالكانة المزبور وصارت له رتبة الخارج من شيخ الاسلام المولى فيض الله دامادزاده مفتي الدولة ثم لم يزل يتنقل إلى أن صارت له رتبة ابتداء التمشلي في دمشق وأعطى قضاء جبلة على طريق الاربلق بسعي وهمة من المولى إسحق منلاجق زاده قاضي العساكر في روم ايلي لكون المترجم من اخصائه ومنسوبيه وتولى بدمشق القسمة العسكرية ونيابة محكمة الباب مراراً وفي آخر أمره ترك ذلك ولازم العالم الشيخ عمر البغدادي نزيل دمشق وتلمذ له وأخذ عنه وقرأ عليه التصوف وحضره في التفسير وغيره إلى أن مات وكان ﵀ إذا حضر بمجلس يبدي الحكايات المستظرفة والنكات اللطيفة وبالجملة فقد كان من الأفاضل والأدباء وله شعر حسن فمن ذلك قوله مشطراً قصيدة العارف بالله محمد بن إسرائيل الدمشقي ومطلعها
غنها باسم من إليه سراها ... كي تراها تطير في مسراها
واذكر المنزل الشريف لديها ... تغن عن حثها وجذب براها
ثم عدها عيون حمزة وردا ... تعد شوقاً إلى شفاء جواها
فلديها تلك المناهل تروى ... فهي تشفى لا ماء صدى صداها
طالعات من الثنايا سراعا ... تتهادى والشوق قد انضاها
ليس تثنى عن المنازل عزما ... لو تبدى لها الردى ما ثناها
ناجيات من المفاوز نصبا ... ناصبات آذانها لحداها
قد أماطت أزمة الصبر عنها ... والمطايا نجاتها في نجاها
جاعلات ريف الشآم وراء ... منذ شامت من طيبة أضواها
وترامت تفلي الفيافي شوقاً ... حين أمت من الحجاز هواها
قد وصلن الهجير والآل قصدا ... قاطعات من الغرام كراها
ثم واصلن يومها بالليالي ... وهجرن الظلال والأمواها
كلما خفن في القفار ضلالاً ... حفها النور فاهتدت بسراها
ماذا ضلت المفاوز يوماً ... لاح برق من طيبة فهداها
حيث نور الهدى بلوح سناه ... ورياح الندى يفوح شذاها
стр. 463
أيها الظاعنون دعوة صب ... صب دمعاً والعين قد أجراها
قد أضر البعاد فيه وهذي ... نفسه كثر الخطايا خطاها
كم تمنت لقاء تلك المغاني ... فالأماني للنفس ما تهواها
ولكم حاولت وصالا لقرب ... وتحول الأقدار دون مناها
وإذا ما دنت بنية صدق ال ... قلب قرت عيونها إذ نواها
ولئن جادها القبول بحسن القص ... د والشوق لم يضرها نواها
خفف الله عنكم ثقل السي ... ر حداة المطي في مغناها
ولقيتم في سعيكم وافر الخي ... ر ووطا سبيلكم وطواها
وسقاكم على الظما سبيل الغي ... م وروى ركابكم وشفاها
وحماكم في السير من عنا العيث ... وقوي ركابكم في قواها
إن رحلتم من بئر عثمان نيلاً ... قاصدين الخيام مع ما حواها
وطويتم تلك الفيافي سراعاً ... والمطايا قد خف ثقل مطاها
ثم شارفتم النخيل صباحاً ... وشهدتم من المغاني علاها
وتراءت منارة المسجد الأش ... في لقلب المشتاق نور علاها
ورأيتم أنوار ساكنه الأش ... رف والحجرة المنير سناها
حبذا ذاك من صباح سعيد ... قرت العين فيه في لقياها
ياله من لقاء فوز ونحج ... تحمد العيس عنده مسراها
عندما تهبطون خير بلاد ... تر بها في العيون كحل جلاها
قد حوت أفضل البرايا جميعاً ... أرضها بالسمو تعلو سماها
بلدة حلها ضريح كريم ... يخلى الجلال قد حلاها
فيه بدر الدجى وشمس المعالي ... صفوة الله قبل خلق براها
وهو هادي الورى ببعثة حق ... والذي نوره جلا الاشتباها
سيد المرسلين أحمد خير النا ... س والمرتجى ليوم عناها
الرؤف الرحيم ذو الحمد أسمى ... الخلق طراً من كهلها وفتاها
فابلغوا ذلك الجناب سلاماً ... حين تاتوا الأعتاب منه شفاها
بلغوه كما يليق التحايا ... وصلاة بهولكم رباها
وهي طويلة تنوف على مائة وثلاثين بيتاً ومن شعره قوله من قصيدة امتدح بها شيخ الاسلام مفتي الدولة العثمانية المولى ولي الدين حين
стр. 464
ولي الافتاء في سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف المرة الأولى بقوله
زهر العلا من مطلع التمكين ... حلت بسعد في الهدى مقرون
أبدت لنا بالبشر أنوار الهنا ... يجلي على الأفضال بالتبيين
يزهو بها برج الهنا وبصفوها ... ثغر المعالي مشرق الترصين
دانت بعليا من صفا بعلومه ... للخلق سبل الفرض والمسنون
كل الورى بالشكر تبدي مذ سما ... حمداً بأدعية مع التأمين
الله أسماه إلى شرف العلا ... بالسعد والتوفيق والتزيين
لله ما أذكاه من متورع ... كالبدر بل كالليث وسط عرين
رد الضلال إلى مشارع شرع من ... جلت شعائره عن التوهين
حتى لقد أسدى فأحيى عافياً ... وأبان للسؤال طرق الدين
مهما يرم أحد لنائل جوده ... دهراً يصب من دره المكنون
نالت به الفتيا مفاخر إذ بدا ... كالليث يحمي وردها عن دون
بالسدة العلياء من أعتابه ... ممتاز حق عن هوى المفتون
أمته قاصدة على جنابه ... تعنو له إذ كان خير أمين
لما رأته بدر فلك سمائها ... وجمالها وافته في تمتين
تدعو لسؤدده العباد وترتجي ... جود الآله لشخصه المأمون
وتقول هذا سيد العلماء من ... هبت خلائقه بحسن شؤون
فالبحر من أقلامه والدر من ... أفضاله قد جل عن ثمين
ومن شعره
قوله وامتدحني بها حين توليت الأفتاء بدمشق ومطلعها
هل لجفن أضحى حليف السهاد ... غير طيف يجود غب البعاد
يا لقلبي من الغرام فوجدي ... شب فيه مشيب الأفواد
طال شوقي إلى اللقاء ومن لي ... بالتداني لظل هذا النادي
يا رعى الله شملنا في رياض ... حيث ورق السرور في الأعواد
وغياض قد كللتها زهور ... مشرقات كالدرر في الأجياد
والهوى قد أمال منها غصوناً ... كقدود الحسان عند التهادي
وبها الماء والأزاهير راقت ... وتسامت بالورد والأوراد
حيث كنا ندير خمر المعاني ... بكؤوس الانشاء والانشاد
والأماني لنا سوانح فكر ... سطرتها الرواة في الايراد
стр. 465
وترانا نميد في سوح فضل ... بيان يشفي غليل الصوادي
يالها من رياض أنس حكاها ... شعب بوان نزهة الوراد
فكان الزهور فيها استعارت ... عرف خيم الهمام نجل المرادي
وكأن الطيور تملي علينا ... وصف زاكي النجار سامي العماد
وكأن الأنهار تجري لتحكي ... غيث فضل من ذهنه الوقاد
عين شمس الفخار خدن المعالي ... وخليل الاسعاف والاسعاد
منها
يا هماماً سما بفضل وجود ... وكمال من ساعة الميلاد
فاعف واصفح عن القصور وسامح ... شاكراً قد أتى بنغبة صادي
وتهنا لدى المعالي بفتوى ... بل لها البشر بل لكل العباد
آل بيت المرادي دمتم ودامت ... في حماكم مطامح القصاد
فلأنتم شموس جلق حيث ... الفضل فيكم من النبي الهادي
وأنشدني من لفظه لنفسه متوسلاً
يا نبياً له السنا والسناء ... أنت للخلق نعمة غراء
يا رسولاً إلى العوالم طرا ... حيث من فضل نورك الابتداء
كن مغيثي يا سيدي ومعيني ... في زمان عنى به الأكداء
فلقد أثقل الظهور ذنوب ... طال منها البلاء لي والعناء
ليس الا علاك أرجو مجيراً ... يا شفيع العصاة أنت الرجاء
وعليك الآله صلى دواماً ... مع سلام لا يقتفيه انتهاء
وعلى الآل والصحابة جمعاً ... ما تغنت حمامة ورقاء
وله في أعرج ارتجالاً
قال العذول لقد شغفت بأعرج ... في مشيه غمز حوى كل السرف
فأجبته ما ذاك من عيب به ... ذا غصن بان مال نحوي وانعطف
قد شام من شعاقه أيدي المنى ... لعبت بملعب خصره فلذا انحرف
ولما قدم دمشق من الروم أحد الموالي الرومية العالم الشاعر الأديب المولى السيد يحيى المعروف بتوفيق قاضياً لدمشق اصطحب معه المترجم واختص به وأقبل عليه بكليته وكان المترجم له اختلاط بأبناء الروم لمعرفته لأحوالهم في استقامته باسلامبول وهكذا عادته فلما انفصل من القضاء وعاد ثانياً قاضياً بمكة المكرمة أهدى للمترجم هدية فكتب إليه صاحب الترجمة
стр. 466
أهديتني فهديتني للحمد إذ ... أوليتني رفعاً على التحقيق
وكسوتني ما لا أقوم بشكره ... أنواع ألبسة العلا الموموق
فالعذر لي في كل حال انني ... في الوصف محتاج إلى التوفيق
وكتب إليه معمياً باسمه بقوله يحيى توفيق وهو
أيا من فاق احساناً وحسناً ... وقد أربى على البدر التمام
متى توفي بقصد دون صد ... ترى بختي يعيش على الدوام
وأنشدني من لفظه لنفسه قوله
وعند ولي عن زيارته لنا ... وقد زرته وقت المصيف وفي المشتى
فقلت له لا غرو في ذا لأنه ... مثالي من يأتي ومثلك من يؤتى
وأنشدني قوله في فوارة ماء بقربها الثريا المصنوعة من القناديل
انظر إلى فوارة قد أبدعت ... رقصاً حلا بيد النسائم تهصر
فكأنما هي والثريا جنبها ... تومي للثم خدودها اذ تخطر
حسناء تاهت بالدلال فكلما ... قربت من الصب المتيم تنفر
وله قوله
يا خير خلق الله يا من فضله ... عم البرايا حيث كان لها شفا
أنت الذي داوى القلوب برحمة ... من دائها ولها بحق قد شفى
أنت الذي نجى الورى من بعدما ... كانوا لدى زيغ الضلال على شفا
صلى عليك الله ما تليت لنا ... أوصافك الغراء وما قرئ الشفا
وأنشدني معنى ابتكره فأجاد وهو قوله
قد قال لي الظبي مذ تبدي ... نمام وشي العذار عارض
من دولة الحسن قد أتاني ... خط شريف بذي العوارض
ومن شعره قوله مشطراً
وزارني طيف من أهوى على حذر ... مناد ما بعتاب لذاذ لطفا
يبدي الرضى باسماً عن ثغري جزع ... من الوشاة وداعي الصبح قد هتفا
فكدت أوقط من حولي به فرحاً ... لما أتى في برود الحسن ملتحفا
والقلب في عشقه زادت بلابله ... وكاد يهتك ستر الحب لي شغفا
ثم انتبهت وآمالي تحتيل لي ... وصلا فما زار حتى مر وانصرفا
يا للهوى ما أتى الا ليحكي لي ... نيل المنى فاستحالت غبطتي أسفا
стр. 467
وكتب إلى بعض أصحابه مستنجزاً وعده بالبطيخ ومداعباً
حسبي من المولى مقالة موجز ... والوعد أكرم شيمة للمنجز
مولاي يا من فضله جادلنا ... وسما بعز للقريض معجز
قد بت ليلي أشتكي حر الظما ... لا أرتوي الا بطيب الخريز
ولقد نصبت الأذن نحو الباب مر ... تقباً لآت حالة المستوفز
من بعدما مهدت في بيتي له ... كنا حصيناً مانعاً بتحرز
ومنعت نفسي من دخولي سوقه ... وانفت من سومي به وتجوزي
وشرعت اأخذ أهبتي للقائه ... وجعلت عند الباب يوماً مركزي
حاشى وعودك سيدي من أن ترى ... الا على الاسعاف للمستنجز
فابعث بها كبد ورتم أشرقت ... تروى الأوام بجوفها المتحزز
حمر وصفر عن بياض نزهت ... وزهت بخضرة جلدها المتطرز
وأسلم وسدولك البقا تختال في ... اسمي محل بالسعود معزز
وله غير ذلك من النظم والنثر وكانت وفاته في ظهر يوم الاثنين السادس والعشرين من ربيع الثاني سنة أربع وتسعين ومائة وألف ودفن بعد عصر اليوم في تربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى وأموات المسلمين.
شعبان الصالحي
شعبان بن محمد الشافعي الصالحي الدمشقي الشيخ الفاضل الفقيه الدين الناصح الورع الكامل المتواضع كان كثير الحيا حسن الهيئة وكتب بخطه كتباً كثيرة قرأ وتفقه وقرأ الفرائض والحساب وشيأ من النحو وأخذ في بداية أمره عن الشيخ علي القبردي الصالحي وعن الشيخ محمد البلباني الصالحي وعن الشيخ القاضي حسين العدوي الصالحي وخطب في جامع الماردانية وأم بمدرسة التابكية وكان عليه وظائف ولم يزل على حالة مرضية إلى أن مات وكانت وفاته في يوم الأربعاء سادس عشر ربيع الأول سنة ثلاثين ومائة وألف ودفن بسفح قاسيون بالصالحية رحمه الله تعالى.
السيد شعيب الكيالي
السيد شعيب الكيالي بن إسماعيل المعروف بالكيالي الشافعي الأدلبي العالم الفاضل كان أديباً أريباً محققاً هشابشاً لطيفاً عفيفاً من رآه تحقق علو نسبه ولد بأدلب سنة ست عشرة ومائة وألف وقرأ على أفاضلها ثم ارتحل إلى دمشق وقرأ على علمائها
стр. 468
وقدم حلب في سنة ثلاث وأربعين ونزل بالمدرسة العثمانية وقرأ على مدرسها الشيخ محمود الانطاكي ومهر في عدة من الفنون وله رسالة في التصوف سماها الدر المنضود في السير إلى الملك المعبود وشرح على صلوات بن مشيش وله مختصر في فقه ابن ادريس ﵁ سماه تدريب الواثق إلى معاملة الخالق وله شرح لطيف على دالية ابن حجازي وغير ذلك وأما نسبته إلى الكيال فهو جده الأعلى ولي الله تعالى الشيخ إسماعيل الكيال البلخي الأصل قدس الله روحه له كرامات ظاهره وقبره معروف بقرية من أعمال حلب تدعى طربنا وهو إلى الآن يزار وكان صاحب الترجمة له أدبية وشعر أكثره في الجناب الرفيع ﷺ فمن ذلك قوله مضمناً بيتي حسان ﵁
أهيل الود هل منكم وفاء ... وهل جرحي له منكم براء
سلبتم بالنوى قلبي ولبي ... وهل للمرء دونهما بقاء
قد استولى على كلى جواكم ... ومالي عن تعشقكم غناء
إذا ما لامني اللاحي بلوم ... أفوه له بان قل ما تشاء
هيامي ليس لي منه براح ... وصبري ليس لي عنه انثناء
فكيف وقد جبلت على هواهم ... وعهدي لا يغيره الضناء
فهم للروح إن ظمئت رواء ... وهم للعين إن رمدت جلاء
أيا سكان طيبة إن فيكم ... يطيب لي التمدح والرثاء
نأيتم عن عيوني واحتجبتم ... فهلا كان لي منكم لقاء
فبعد الدار عنكم هد حيلي ... وشيبني وما تم الصباء
على قلبي تجلى من حماكم ... حبيب قد تغشاه البهاء
جميل لا يشابهه جمال ... منير لا يقاربه سناء
يعير البدر عند التم نوراً ... وهل الا به ذاك الضياء
به الغبراء جاءت ثم قالت ... ومن مثلي فهاتي يا سماء
نبي هاشمي أبطحي ... قريشي يمازجه الزكاء
منها
وما إن جئت أمدحه بنظمي ... ولكن فيه للنظم الثناء
به الألفاظ تنفد والسجايا ... لعمر أبيك ليس لها انتهاء
رسول الله ما مدحي بواف ... وأين المدح مني والوفاء
رقيت من الكمال إلى مقام ... علي لا يقاربه علاء
стр. 469
وكيف وقد ملكت زمام حسن ... بشطر منه جاء الأنبياء
فأحسن منك لم ترقط عين ... وأجمل منك لم تلد النساء
ولدت مبرأ من كل عيب ... كأنك قد خلقت كما تشاء
محياك الجميل له ثناء ... لطلعتها حكتك به ذكاء
رسول الله يا غوث البرايا ... وملجأها إذا عم البلاء
شعيب قد ألم به خطوب ... يضيق الصدر عنها والفضاء
ومنها
ضعيف عاجز قلق ذليل ... له جرع الأسى أبداً غذاء
وقد فقد القوي كلا فأضحى ... وثكلى في كآبتها سواء
حزين دائماً حتى إذا ما ... جلاه الصبح كدره المساء
ومنها
له دارك رسول الله غوثاً ... إذا ما بالذنوب غدا بجاء
عليك الله صلى كل آن ... مع التسليم ما لاحت ذكاء
كذاك الآل والأصحاب جمعاً ... دواماً لا يرى لهما انقضاء
وله عدة نبويات عشقتها الأرواح والنفوس واتخذتها الأحباب تمائم فوق الرؤس وأما غزلياته فقليلة من ذلك قوله
وظبي من ظباء الأنس وافى ... بوجه يخجل البدر الاتما
وخد فيه جمر شاب ثلجاً ... فواعجبي لجمر جامع الما
وثغر قد حوي دراً وشهداً ... فواظمائي لشهد صار طلما
وجيد زانه خال كمسك ... وقد ما برا الا وأدمى
منها
سكرت ولم يكن في الحان خمر ... سوى الألحاظ حين إلي أومى
فقلت له وقلبي لم أجده ... لدي وكيف قلبي منك علما
فقال وكم لمثلك من فؤاد ... عليه قد وضعت يداً ورسما
ولكن أنت طب نفساً فإني ... أمين لا أخون العهد ظلما
وله غير ذلك وهذا ما وصلني منه وفي سنة اثنين وسبعين ومائة وألف أراد الحج من جهة مصر فأدركته الوفاة في الطريق رحمه الله تعالى.
стр. 470
حرف الصاد
صادق بن بطحيش
صادق بن مصطفى بن عبد المحسن بن أحمد بن محمد بطحيش الحنفي العكي مفتي عكة الشيخ العالم الفاضل كان فقيهاً فرضياً له مشاركة في غالب الفنون ولد في سنة تسع عشرة ومائة وألف وأخذ عن خاله العلامة الشيخ أحمد العكي وليس له من التصانيف سوى رسالة مختصرة في التوحيد توفي في محرم افتتاح سنة ثمانين ومائة وألف رحمه الله تعالى وأموات المسلمين.
صادق الخراط
صادق بن محمد بن حسين ابن محمد الشهير بالخاط الحنفي الدمشقي الشيخ اللوذعي العالم الماهر المفنن السابق في حلبة ميدان الأدب والكمال الفاضل الأديب الألمعي الشاعر كان من دهاة الدهر في الأمور الخارجية عارفاً بالأحكام الشرعية وله اليد الطولى في معرفة تنميق الصكوك والتوريق بحيث إنه انفرد بوقته في هذا الفن وله القدم الراسخ في فن الأدب وشعره كثير وكان يتولى نيابة محكمة الباب ولازم الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي وتزوج بابنته واتصل بها وأخذ عنه وعن غيره ودرس بالمدرسة العمرية مدة قليلة وترجمه الشيخ سعيد السمان في كتابه وقال في وصفه أديب قوافيه ثابتة الأوتاد ودون تخيلاته خرط القتاد استبد بالمعاني فلم يبق بها عليه حوج واستعد لها فارتقى أفقها وإليه عرج فهو بها لا تكاد تخطئ حججه ولا يخاض تيار غوره ولا لججه فما تقاعس عليه أمر الا وذلله بتدبير ولا ناواه امرؤ الا وأغرى على تدميره الا أن الكمال حشواها به والفضل مستودع ايجازه واسهابه فعنده ضالة الآداب تنشد ومنه تلقط الفرائد إذا أنشد وناهيك بمن منذ ترعرع سعى للأدب على قدم وساق وراض طرفه في ميدان البراعة وساق فقرطس بسهام اختراعاته أغراضها وشفي بنفثاته عللها وأمراضها ولم يزل على ذلك الانهماك حتى كاد أن يتناول السماك وقد ولته الثمانون أذنابها وأبدت له المنايا نواجذها وأنيابها فتوارت شمس عمره بالحجاب ودعاه داعي ربه فأجاب وله من النظم ما يستعبد أباً عباده ويحلي به الزمان أجياده اطلعت من ذلك على مجموعه بخطه اخترت منها ما هو كالزهر نبهه الندى بنقطه انتهى مقاله ومن شعره قوله معاً رضا قصيدة أبي بكر العمري التي أولها
لو تم لي في الحب سعدي ... يا حب ما أخلفت وعدي
وقصيدته مطلعها
لو كان صبري فيك يجديلجعلته زادي وورديلكنني أيقنت أن
مدى جفاك بغير حدوعلمت مذ بعد المزار بأن سهم البين يردي
يا غائباً طالت مكابدة النوى وعدمت رشديبالله قل لي ما الذي
يا بدر أوجب طول صدىلم أرد ما ذنبي لديك فلم ترى أنسيت عهدي
كم ذا أبيت بليلة الملسوع أشكو حر فقديوإلى متى أرتاع من
وشك النوى وأليم بعديوإلى م توعد بالوصال ولا تفي يوماً بوعدي
أتظن لي عمراً يطول به أبلغ منك قصديهيهات قد طال المدى
من أين لي عمر ابن معدييا هاجري من نار هجرك في فؤادي أي وقد
سل أنجم الليل البهيم فإنها أدرى بسهديوسل العقيق عن المدا
مع والغضا عن نار وجدييا صاحبي قفا بعيشكما على هضبات نجد
واستخبر أعمن نأىعن ناظري وخان عهديظبي جعلت كناسه
قلبي وأحشائي وخلديفارقته ووددت لوعند الفراق سكنت لحدي
يا للهوى هل مسعدأشكو له ما بي وأبدييا بان وادي الجزع لو
أنصفتني ما خنت وديمل مثل ميلي أوفد عني في هواه أميل وحدي
أنا عاذلي قد عاف لومي مذ رآه غير مجديأنا ينثني غصن الأرا
ك لذكر أشواقي ووجديويذوب رضوي إن بثتله جوي في القلب عندي
أنا بلبل الأدواح يذهل عند تغريدي ونشديأنا حاسدي فيه رثى
لي وعذولي العذر يبديمنهالست الذي أسوا هوا
هـ ولو بليت بألف جهدكلا ولا أنسى زماناً فيه قد وفى بوعدي
стр. 471
في ليلة قد زارنيفيها وأشرق بدر سعديفضممت منه معاطفاً
وشحتها زنداً بزندومنهايا قلب دع عنك العنا
واصبر لما الأيام تبديلا يوم الا مثلهيوم يقابله بضد
وله معارضاً قصيدة الأديب السيد محمد القدسي الدمشقي على ذكر غالب أنهار دمشق ورياضها بالتورية لأن القدسي الدمشقي المزبور يدعى بابن الخصيب وقصيدته مطلعها
يا نسمة لثمت حبيبي ... وتمسكت منه بطيب
وقصيدة المترجم
يا نسمة الروض الخصيببالنيرب الغض الرطيبحياك هطال الحيا
стр. 472
وحماك من وشي المريبورعى الاله مهبكالزاكي على عرف الجنوب
بالله بالعهد الذيما صافحته يد الكذوبوبما جرى يوم النوى
من مدمع العين السكوبوبمطلع الأقمار منفلك المحاسن والجيوب
وبحكم سلطان العيون على الجوارح والقلوبوبسهمها الماضي الذي
يرمي الندوب على الندوبوبمبسم يفتر عنصفو الرضى لا عن قطوب
وبكل قد أهيفإن ماس يزري بالقضيبوبمجمع الشمل الذي
أهدى المسرة للكئيبوباكؤس الأفراح مندارات ساحات الحبيب
وبطيب مصطلح اللقايا نسمة الروض الخصيبإن جزت روض الصالحي
ية في الشروق وفي الغروبورأيت غزلان النقافي ظل بانات الكثيب
وسمعت أطيار الرباتشدو بحي على الطروبولثمت من بين الأزا
هر وجنة الورد النصيبيفتنشقي أرج المنىمن طيبه الزاكي وطيبي
وإذا مررت على اللوىمن سفح قاسيون المهيبفتحملي أمثاله
شوقاً من القلب السليبواسصحبي نشر القرنفلوالخزام مع الهبوب
وخذيه نحو مراتع الغزلان والظبي الربيبوادي دمشق سقي الحيا
أكنافه أوفى نصيبوإذا وصلت لجلقوالجامع الفرد العجيب
عوجي على بيت العلادار النقيب ابن النقيبوقفي هناك وقبلي
أعتاب منزله الرحيبمنهاواليك يا كهف العلا
وافت على غيظ الرقيبهيفاء تزري بالمهالحظاً وبالظبي الربيب
ومنهالا زلت تسقي أكؤس الأفضال كوباً بعد كوب
متسربلاً ثوب الهناما هب معطار الجنوبوشدت على دوح الحمى ال
أطيار بالصوت الطروب
وقال مضمناً
أفدي غزالاً يرينا في تعطفه ... غصناً وبدراً تراه في ترفعه
يصمي بأسهم لحظيه القلوب فلا ... ترى فؤاداً خلياً من مصارعه
وكلما صاب قلباً صاح من فرح ... أهلاً بما لم أكن أهلاً لموقعه
ولإبراهيم السفرجلاني مضمناً
ومثبت سهم نجلاً وبه في كبدي ... كأنه الريم يعطو نجو مرتعه
يقول قلبي لسهم قد رماه به ... أهلاً بما لم أكن أهلاً لموقعه
ولصاحب الترجمة
وظبي سقاه التيه كأس محاسن ... وحيته بالكأس الروي يد اللطف
أدار علينا من رحيق رضابه ... ومقلته كأسين جلا عن الوصف
стр. 473
فلم أدر أياً منهما كان مسكري ... ولم أدر أياً منهما مال بالعطف
وله
وظبي من بني الأتراك المى ... هواه بمهجتي أبدا مقيم
يقول تظن في اللطف حتماً ... فقلت نعم كذا نقل النسيم
وله
لما تبدى دخان التبغ ينفخ من ... ثغر الحبيب به أهل الهوى ولعوا
قالوا سحاب علا شمساً فقلت لهم ... ما ذاك الأغبوق الورد يرتفع
وله
رأيت الحب يمنع لثم خد ... فقلت بحق حسنك لا تعارض
فحرك مبسماً بالأذن ينبي ... وبان من الثنايا البيض وامض
ولما ان دنوت ورست لثماً ... وجدت المنع من جهة العوارض
ولبعضهم
عزمت على السلو لطول هجري ... فجاءتني عوارضه تعارض
وكان العذر يقبل في سلوى ... ولكن ما سلمت من العواض
وللسيد أحمد الدمشقي في المعنى وهو قوله معتذراً
أيا من فضله والجود ساراً ... مسير النيرين بلا معارض
وعدتك سيدي والوعد دين ... ولكن ما سلمت من العوارض
وللماهر المجيد الشيخ إبراهيم الأكرمي الدمشقي في المعتي وهو قوله
لحا الله أيام العوارض انها ... هموم لرؤياها تشيب العوارض
يضيق لها صدري وإني لشاعر ... خليع وبيتي ما عليه عوارض
والعوارض مظلمة سلطانية تؤخذ من البيوت في الشام في كل سنة ويقال انها من محدثات الملك الظاهر بيبرس وللمترجم قوله
أوحشتني يا ظبي أنس غدا ... مرعاه في القلب وفي الخاطر
وللحشا آنست يا منيتي ... فليت لو فاز بذا ناظري
وقوله
قد كان يمكن أن أدوم مجانباً ... خلا عن المشتاق طال ذهابه
لكن خشين بأن تقول عواذلي ... هذا الذي قد خانه أحبابه
وقوله مضمناً
لئن أردتم سؤالاً عن محبتكم ... وعن وداد خلا عن كل تمويه
стр. 474
سلوا فؤادكم عني سيخبركم ... فصاحب البيت أدرى بالذي فيه
وقوله
ولا أنسى بوادي التل يوماً ... جرى ما بين خلاني وبيني
وطلقنا الهموم به وزالت ... ليالي جفوتي وانزاح بيني
وأنزلنا السرور على رياض ... تفوق على رياض النير بين
فقلت ترى تمنى بانشراح ... أجابتني على رأسي وعيني
وله معارضاً قصيدة البهاء العاملي
هب لمضناك نهلة من فيك ... وترفق بمن تولع فيك
يا غزالاً أزيد فيه جوى ... كل وقت حشاشتي تفديك
لك وجه سبى البدور سنا ... فوق رمح بمهجتي قد شيك
وعيون بغمزها فتكت ... في فؤادي فلم أجد تحريك
حاش لله أن نرى مثلاً ... لك في الحسن أو نروم شريك
لم أزل حافظاً ودادك بل ... ماضياً في الهوى بما يرضيك
فتصدق بطيب وصلك لي ... إن ذا الهجر والجفا يكفيك
ذبت شوقاً اليك يا أملي ... ليت لو زرت يارشا داعيك
يا فؤادي فخذ أمانك من ... لحظه فهو لا مرا مرديك
واصطبر عند صده فعسى ... وأرد الحلم منه يشفع فيك
لا تطع قول لائم أبداً ... في هواه أخاف أن يسليك
بدر تم بدت محاسنه ... يا عذولي احترز بأن يسبيك
جفنه بالسقام مكتحل ... فر يا جسم منك لا بعديك
لست أنسى ليالياً سلفت ... نلت فيها المنى بغير شريك
ولي من هذا الوزن والقافية قصيدة مطلعها
يا نديمي الحسن جمع فيك ... باكتمال يبدو بدون شريك
فقم الفجر نحتسي علناً ... خمرة طيب عرفها يشفيك
ورأيت بعد نظمي لها قصيدة للأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي من الروي والوزن المذكور مطلعها
حسن كل الملاح جمع فيك ... آه من لي بنهلة من فيك
وجهك البدر فوق غصن نقا ... شعرك الليل زائد التحليك
стр. 475
وقصيدة البهاء العاملي مطلعها
يا نديمي بمهجتي أفديك ... قم وهات الكؤوس من هاتيك
خمرة إن ضللت ساحتها ... فسنا نور كأسها يهديك
وهي شهيرة وقد عارض بها قصيدة لوالده وذلك هو المخترع لهذا الوزن وأبيات والده حسين الحارثي الهمداني مطلعها
فاح عرف الصبا وصاح الديك ... وانثنى البان يشتكي التحريك
قم بنا نجتلي مشعشعة ... تاه من وجده بها النسيك
وعارضتها المتأخرون بقصائد غير ذلك فلا حاجة للإيراد حذراً من تكثير السواد في المدام وللمترجم
في خده الروضة لا تحسبوا ... ثلاث شامات بدت عن حقيق
بل كاتب الحسن على خده ... نقط بالعنبر شين الشقيق
ولبعضهم
ثلاث شامات بدت ... في خد من أهوى حقيق
أم هن بارب النهى ... نقط على شين الشقيق
وللمترجم
حتى م تضرم نار قلبيوتروم اتلافي وسلبيوإلى م تعرض لاهياً
يا بدر عن حال المحبوتصدني عمداً بلاجرم بدا وبغير ذنب
إن كان أثر فيك قول عواذلي فالله حسبييا هاجري رفقاً فهج
رك قد أذاب صميم لبيكم ذا يحملني الهوىفي جنب حبك كل صعب
وأبيت حيراناً ولايدري بحالي غير ربياخفي الدموع تستراً
خوف الفضيحة بين صحبيوأنين من جزع ومنولهي ومن حزني وكربي
لم ألق من أشكو لهما سل بي وأليم قلبيكلا ولا أدري الذي
في الحب أوجب طول عتبييا مالك الأحشاء حبكفي الهوى قد صار دأبي
فأحكم بما نختارهبي يا شفا دائي وطبيفلقد رضيت بكل ما
ترضاه من بعدي وقربيفاسمح بوصلك أو أطلهجري فما بي لم يزل بي
وله مخمساً
لله ظبي رثى والقلب حاوله ... وقلب مضناه بالاسعاف عامله
ومذ رأى مهجتي قد شفها الوله ... ألقى يديه على صدري فقلت له
стр. 476
لقد شفيت فؤاداً أنت موجعه
أجاب قولي وآمالي بذا علقت ... فكيف تشفى وناري كم حشا حرقت
فقلت إني أرى الألطاف قد سبقت ... فقال لا تطمعن عيناي قد رشقت
سهماً فأحببت أدري أين موقعه
وله وتلطف
قد عهدنا من الزمان قديماً ... إن الانعام في الكلام السامي
فوق الأعراف موقعاً فشهدنا ... عجباً في الزمان بين الأنام
إن الأعراف قدمت في البرايا ... فتراها تعلو على الانعام
وله أيضاً
هو حسن قلوبنا عشاقه ... ويح من بالجفا رمته رفاقه
يا سميري على الهوى كن معيني ... إن قلب الشجي نمت أشواقه
شفني البعد والقلا فإلى ما ... ذا التجافي والصبر مر مذاقه
لي ظلوم أباح قتلي جوراً ... سيما عندما رنت أحداقه
ظبي أنس له فؤادي مرعى ... بدر تم سبي النهى اشراقه
ذو قوام له الغصون أطاعت ... حيث بان اللوى بدا أطراقه
جرحتنا باللحظ منه عيون ... لم تقينا من سحرها أوفاقه
كل يوم يصدني وفؤادي ... ليس يسلو ولا يطاق فراقه
وعذولي يهيم فيه غراماً ... وحشائي على المدا تشتاقه
وأنا لم يزل يكرر لومي ... حير العقل يالقومي نفاقه
وله متوسلاً
يا شفيع الأنام يا من يرجى ... في غد من لهيب نار الجحيم
أنت غوض الورى وربي مغيث ... وأنا قادم بذنب عظيم
ووضعت الرجاء ما بين غوث ... ومغيث وراحم ورحيم
ويقيني وحسن ظني بأني ... لم أخب بين مكرم وكريم
فعليك الصلاة مني دواماً ... تتوالى وأشرف التسليم
وعلى الآل والصحاب جميعاً ... وعلى التابعين بالتعميم
ما أفاض العبير زهر الروابي ... وحبا نابه مهب النسيم
وكانت وفاة المترجم في يوم الاثنين خامس شعبان سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف ودفن بتربة الباب الصغير ووافق إنه هو والأستاذ استاذه وشيخه وعمه والد زوجته
стр. 477
الشيخ عبد الغني النابلسي انتقلا في شهر واحد في سنة واحدة وسيأتي ذكر أخيه محمد أمين في محله إن شاء الله تعالى رحمهم الله تعالى.
صادق ابن الناشف
صادق بن أحمد بن محمد باشا بن محمود المعروف بابن الناشف الحنفي الدمشقي أحد أعيان الجند بدمشق كان معتبراً محتشماً ممدوحاً من رؤساء الأجناد وأكمل أهل زمانه تام الرياسة والهيئة والهيبة والوجاهة ولد بدمشق واجتهد بالعبادة والتهجد وكان لا يقطع الليل الا بها ملازماً للأوراد ويصوم الخميس والأثنين وأخذ طرق الخلوتية عن الأستاذ الشيخ عيسى الكناني الخلوتي الصالحي الدمشقي وتلقى ذلك عنه واشتهر وكان من متعني الأجناد وتقاعد على طريقتهم واستقام في حاله آخر أمره وتولى نظارات لوما فهم الكائنة بدمشق بعد جده وأبيه وكان جده محمد باشا من الصدور الكبار والرؤساء المشاهير وصارت له حكومة روم ايلي وهي صوفية وتولى بدمشق بعض مناصبها وكان ذلك لأقبال الوزير أبشير مصطفى باشا عليه صاحب الختام في دولة السلطان محمد بن إبراهيم خان وتوفي المذكور في صفر سنة أربع وسبعين وألف وترجمه المحبي في تاريخه وذهب إلى الحج سرداراً في سنة تسع وتسعين وألف وقبلها في سنة خمس وتسعين وسافر للروم لسفر النيش مع عسكر دمشق في سنة ثلاث ومائة وألف وكان له حلم وتودد في الكلام وأدب وكان لا يكثر التردد لحكام دمشق وتولى الجزية بدمشق وغيرها وكان قاطناً في داره الكائنة في زقاق الوزير بالقرب من المدرسة القجماسية والآن الدار المذكورة صارت سكن الوزير محمد باشا والي دمشق وأمير الحاج وبالجملة فإن المترجم كان من رؤساء الأجناد المنوه بهم وكانت وفاته في يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من جمادي الثانية سنة خمس وأربعين ومائة وألف ودفن بتربة جده محمد باشا بالتربة المنسوبة لعم محمد باشا المذكور الرئيس حسن ابن الناشف قبلي جامع حسان بدمشق رحمه الله تعالى.
صادق البيروتي
صادق بن عبد السلام المعروف بالبيروتي الحلبي الأديب النبيه الفاضل كان والده من صدور أعيان حلب المشار اليهم والمعول عليهم وله شهرة هناك وترجمه السيد محمد الأمين المحبي الدمشقي في ذيل نفحته وقال في وصفه من محتد صادق جامع ذكراهم شرف لافظ وسامع فهم عقد الجيد وتاج المفرق ومدحهم
стр. 478
فخر القلم وزينة المهرق نبغ منهم ماجد اثر ماجد فارقه الدهر وهو لعمري عليه واجد حتى طلع هذا بمجد لا مدعى ولا منتحل وهمة لو رامها البدر لأستحذى له زحل فركض في حلبة من حلبات المجد وعانق الغرام في ليل الجد والوجد فهو الآن خلاصة ذلك العنصر وله الفضل الذي تتباهى به الأعصر فهو أحق إلى العلى من شارف مجده متنافس فيه من تالد وطارف وله شعر أخلصه السبك أبريزاً فسما على نظرائه زجاجاً وتبريزا أثبت منه ما تديره كؤوساً على الندام فيتسلى به فؤاد لا تسليه المدام انتهى مقاله ومن شعره قوله من قصيدة
دمع بتذكار أحباب له سفحاً ... وباح من سره المكتوم ما افتضحا
ومعهد بالحمى صاف ترف له ... سرائر في سويدا القلب قد سنحا
أثار لاعج صب كان منكتماً ... بين الضلوع وشوق زند قدحا
حيث الشبيبة والأيام مقبلة ... وحيث دهري عن معوجه صلحا
نشوان أختال من خمر الصبا مرحاً ... لا أستفيق غبوقاً لا ومصطبحا
وقوله
وردنا مقامك نجلي الهموم ... بشرب المدام وتنفي الكرب
فلم نر فيه الجناب الرفيع ... وما فيه بغيتنا والأرب
فكاد الفؤاد جوى أن يذوب ... لغيبة شهم العلى والنسب
فلما قدمت أضاء المكان ... وزاد السرور بنا والطرب
فدرها سلافاً وحث الكؤوس ... فهذا الصباح أراه اقترب
وهذا النسيم له مؤذن ... وهذي البلابل تملي الخطب
فدا والكلوم ببنت الكروم ... وأفرغ نضارك فوق الذهب
وقوله أيضاً
حبذا عيشنا ونحن بروض ... بين هزل من الكلام وجد
وغناء من مطرب وأغان ... وعبير يضوع من عطر ند
وهزار مغرد وغدير ... بين وردين من نبات وخد
وسقاة مثل البدور وناي ... ومدام وضم خصر ونهد
وقوله أيضاً
لا ولحظ بابلي سحره ... وخدود حفها حسن الضرج
وخصور مضها طول الضنى ... وشعور فوقها تحكي السبج
وثنايا درها منتظم ... في عقيق زانه فيها الفلج
стр. 479
هو من قول أحمد المهمنداري الحلبي المفتي
إن الشفاه اللائي حملنني ... في الحب أضعاف الذي لا أطيق
جدول ياقوت بدا تحته ... سبحة در نظمت في عقيق
ولما سمع ذلك الأديب السيد محمد العرضي الحلبي فقال
تلك الثنايا وأشقائي بها ... باتت تريني عند لثمي الطريق
تبددت من غيرة عندها ... سبحة در نظمت في عقيق
عوداً
ما نسيم الروض إلا أنه ... سارق من طيب ذياك الأرج
ما تراه كلما وهبت ضحى ... فاح منه أرج يحيي المهج
وللمترجم
ولما زارني من بعد بعد ... وكاد اليوم يقضي بانقضاء
وأرشفني اللما بعد الثنائي ... وأحيى الروح في ذاك اللقاء
وقام مودعاً كالغصن قداً ... وكالشمس المنيرة في الضياء
وآلى إنه في اليوم يأتي ... قبيل غروب شمس في السماء
فليت الشمس لو بقيت قليلاً ... ففيها كلما بقيت فنائي
ومن مقطعاته قوله في التشبيه
وبدر يعاطيني المدام عشية ... وبمزج أخرى من لماه بأعذبه
إذا ما حساها من فم الكاس خلته ... هلالاً أزاح الشمس عن وجه كوكبه
وقريب منه قول الكامل فضل الله العمادي الدمشقي
ومدير لنا المدام بكأس ... مثل عقد حبابه منظوم
هو بدر وفي اليدين هلال ... فيه شمس وقد علته نجوم
وأصله من قول سيدي عمر ابن الفارض قدس الله روحه ونور ضريحه
لها البدر كأس وهي شمس يديرها ... هلال وكم يبدو إذا مزجت نجم
وللمترجم أيضاً من هذا المعنى قوله
لله يومي بالبستان إذ جليت ... على بنت الطلا من كف ذي ملق
كأنه إذ جلاها في الكؤوس ضحى ... بدر تناول شمساً من يد الأفق
وله أيضاً
وليلة قد تقضت بالدجى عبثت ... والكأس تجلى وبدر التم لي ساقي
فمذ حساها تراءى لي بغير مرا ... بدر يقبل شمس الأفق من طاق
стр. 480
ويناسبه قول الأديب منصور الشهير بكيغلغ
عاد الزمان بما هويت فاعتبا ... يا صاحبي فأسقياني وأشربا
كم ليلة سامرت فيها بدرها ... من فوق دجلة قبل أن يتغيبا
قام الغلام يديرها في كفه ... فحسبت بدر التم يحمل كوكبا
وهذا ما وصلني من خبر المترجم ولم أتحقق وفاته في أي سنة كانت غير أنه من أهل هذا القرن رحمه الله تعالى.
صادق الشرواني
صادق بن روح الله بن محمد الأمين الشرواني القسطنطيني الحنفي العالم العلامة المحقق شيخ الاسلام مفتي الديار الرومية ولد سنة اثنين وثلاثين وألف وطلب العلوم على مشايخ عصره فأخذ عن جده المحقق صدر الدين ولازم على قاعدة موالي الروم ثم قدم دمشق في خدمة والده لما ولي قضاءها واستجاز له والده بها من شيخ الاسلام الحافظ النجم الغزي العامري وغيره ثم ولي قضاء مصر وغيرها ثم قضاء القسطنطينية ثم قضاء العسكرين ثم في سنة ثمان عشرة ولي الأفتاء بدار السلطنة ثم انفصل عنها في آخر سنة تسع عشرة وقد ذكره العلامة المؤرخ الشمس محمد الغزي في ثبته المسمي لطائف المنة في فوائد خدمة السنة فذكره في جملة من اجتمع بهم فقال اجتمعت به وترددت إليه وسمعت من فوائده ورأيته قد أخذت منه السن وضعفت قواه من الهرم وكان عالماً فاضلاً فقيهاً وله تحريرات على مباحث من التفسير والفقه وتوفي سنة عشرين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
صالح المزور
صالح بن إبراهيم بن خليل الشهير بالمزور الحنفي الدمشقي خطيب السليمية في صالحية دمشق كان من الأدباء البارعين الأفاضل ولد تقريباً في حدود التسعين وألف بدمشق ونشأ وقرأ على الأفاضل والأجلاء وأخذ الأدب عن الأمين المحبي وانتفع به وتخرج عليه وكتب بعض تآليفه وكان عارفاً بارعاً في الأدب حسن الصوت لطيف العشرة ماهراً في المويسيقى والألحان وله شعر حسن وترجمه الأديب الأمين المحبي المذكور في ذيل نفحته وذكر له من شعره وقال في وصفه هو عندي بمثابة ابني وإذا أثنيت عليه فبصالح اثني فرابطتي معه علقة علائقه وإني لا أرى غذاء روحي الا في خلائقه فإن بدا روى عيوني رواؤه وإذا تكلم أشبع خاطري أداؤه وإن غاب شمت حزني بفرحي ومتى حضر حضر سروري بمقترحي فلله من روح حياة ضمنت ضلوعه وقمر ملاحة في سماء النبل طلوعه وهو في مبدا صوب قطرته من الغمامه وباكورة خروج زهرته من الكمامه يحل من القلوب بلطفه محل الروح من الجسد
стр. 481
ونتحاسد عليه العيون والآذان فكأنما خلق لأجله الحسد وله أدب نفس وسليقه تحلى بحسن خلق وخليقة إلى خط كخط العذار أول طلوعه وصوت يدعو القلوب قسراً إلى صبوته وولوعه فكم حل بمغنى فسيح فمر فيه بمعنى فصيح وشعره عليه مسحة الحسن يوقظ بغرامياته الجفون الوسن انتهى ما قاله الأمين المحبي ومن شعره قوله
يا عين لا تهجعي فالسعد وافاك ... وزار من تعشقي ليلاً وحياك
مليحة صاغها نوراً مصورها ... فافتنت كل ذي رأى وادراك
تعلم السحر هاروت وأتقنه ... من لحظها حين أرماه باشراك
كم عاشق ضل في داجي الذوائب قد ... أهداه نور صباح من محياك
حويت جنة حسن في الخدود علا ... من فوقها عرش شعر جل عن حاكي
قوله حويت جنة حسن إلى خره استعمل العرش في الشعر والمشهور استعماله في الخد كما قيل
غدا خاله رب الجمال لأنه ... على عرش خد فوق كرسيه استوى
وأرسل رسلاً من لحاظ أعزة ... على فترة تدعو الأنام إلى الهوى
عوداً
وكنز ثغر حصين بالعقيق حوى ... جواهراً نظمت من غير أسلاك
يا طلعة البدر يا شمس النهار ويا ... غصن الرياض وذات المبسم الزاكي
تالله لا أبتغي خلاً يسامرني ... يا ظبية أسرتني عين لقياك
لا سامح الله عذالاً لنا عذلوا ... لوعاً ينوا لغدواً من بعض أسراك
وكتب إليه الفاضل الألمعي السيد مصطفى الصمادي ملغزاً بقوله
أيا فاضلاً في حل ما جاء مشكلاً ... من الرمز في لغز ولا يتوقف
ابن لي ما اسم بدؤه بدء سورة ... بحرف عظيم القدر في الذكر يعرف
ومنطوق ذاك الحرف فعل كما ترى ... ووصف لموصوف إذا ما يحرف
وإن منه تحذف أولاً ثم تقلبن ... تبين فعلا ضده الذوق يانف
وتصحيف هذا الفعل إن كنت رادفاً ... تراه يقيناً أوضح الأمر يكشف
وإن منه تحذف ثانياً ثم رابعاً ... مع القلب فاسم الشخص بالسور يوصف
وإن تقلب المقلوب أيضاً رأيته ... أتى باسم ذي روح به النفس يتلف
وصحف لذي المقلوب وافتح لأول ... تراه غدا فعلاً عن الرشد يصرف
وإن رمت قلب الأسم كلا مصحفاً ... لأوله كنت النجاة ترادف
стр. 482
فأجابه المترجم عن هذه الأبيات والغز في ذيلها أيضاً بقوله
أياماً جداً حاز الفصاحة والذكا ... ومن لحماه الجود والفضل يألف
سالت عن اسم ما تلا بدءه من ال ... منزل أن تتلوه لفظ مشرف
وثاني رمز فيه قد صار فكرتي ... بما بعده صفني لرؤياك تنصف
ورابعه يا مفرد العصر لم يزل ... به عيش من يشناك يا خل يوصف
وصحفه يا مفضال واترك رديفه ... وحرفه إن العين للضد تألف
وإن تحذف الحرفين للهيئة التي ... أتيت بها بدأ عدو يؤلف
وثامن رمز من يروم بجهله ... يضاهيك في فضل به صار يعرف
وما بعده وقيت من ضده وإن ... تصحف بتعريف إذا ثم يكشف
وآخر ما فيه صلاح لما مضى ... من الرمز أجلى من لآل وألطف
وسامح بما قد جئت فيه مبيناً ... لرمزك يا من للغوامض يكشف
وبين أيا مولاي ما اسم ببدئه ... لقد أقسم الرحمن إذ ما يصحف
وإن تصفه تحذف وحرفه ما بقي ... يكن آلة للبطش في الذكر تعرف
وما بعده وقيت من ضده وإن ... تصحف بتحريف إذا ثم يكسف
وإن صدره تسقط فيوم معظم ... وحرف وصحفه فوصف مشرف
وإن رابعاً منه أزلت محرفاً ... ففعل على الأجساد منه تكلف
وإن تجعل الثاني من الفعل ثالثاً ... بقلب فمركوب إذا سار يسرف
أجب يا حليف المجد وأبدي خفاء ... فكل أديب من بحارك يغرف
ولا زلت محفوظاً على رغم حاسد ... ثمار معاتي النظم بالفكر تقطف
وحين وصل إليه أجابه الصمادي من الوزن والقافية بقوله
أيا روض فضل نوره الحذق والذكا ... ومنه جنى الآداب واللطف يقطف
جوابك وفي حيث وافى بحل ما ... تضمنه لغز من الرمز يكشف
والغزلي في اسم أتى الذكر مقسماً ... به المسجد المشهور بالفضل يوصف
أو الثمر المعروف أو نفس بلدة ... كذا قال أهل العلم فيه وعرفوا
وتصحيف هذا الحرف نبت وقلبه ... به مثل ذي يضاهيك يعرف
ومنطوق حرف جاء يتلوه في الهجا ... إذا فتحوا فالفتح شانيك يردف
وإن نصف هذا الاسم تحذف محرفاً ... فتلك يدمن بحر نعماك تغرف
وإن بعد هذا الحرف بدلت أولاً ... بما بعد حرف الميم فالطيب يعرف
стр. 483
وإن بدأه تسقط فيوم مبارك ... وعيد بتصحيف إذا ما يحرف
وإن شئت أسقطه وحرف وصحفن ... فوصف لمحبوب به الصب يشغف
وإن آخراً تسقط وحرفته أتى ... لك السعي مشكور به دمت تسعف
وإن تقطع الطرفين منه مشدداً ... وحرفته فالداء وقيت يضعف
وإن آخراً تخذف ونزلت أولاً ... بمنزله فالعيس في السير تعسف
وإن شئت صحف قلب ذا العيس وأقلبن ... وحرف فد وبطش من الوحش يرجف
وهذا جوابي وأعذر الفكر إن سها ... وسامح فمنك العفو والصفح يؤلف
ودم يا سعيد الرأي للمدح صالحاً ... بكل لسان يالكما لات توصف
ولا زلت تهدي كل عقد منضد ... من النظم يزري بالآلي وتتحف
وللمترجم أيضاً مضمناً
لقد كنت في أسر الغزال صيده ... خبيراً وفي أمري يحار ذوو اللب
إذا رمت صيد الظبي انصب في الهوى ... حبائل فكري حيث لا يشعروا صحبي
فها أنا قد عفت الغزال وصيده ... وأطلب بعدي عنه لا أبتغي قربي
وذاك لما قد قال قبلي شاعر ... فلا بد للصياد من صحبة الكلب
وتأبى نفوس الاسد ماء على الظما ... إذا كان كلب السوء يدنوه للشرب
وله أيضاً
يا معجباً في حسنهقف ريثما إن أسألكأتظن إن الحسن فر
دفى الوجود وتم لكخفض عليك عرفت آخرك القبيح وأولك
وسألت عنك فقيل لي ... من تحت غربال الفلك
وله مشجراً
خذوا بيدي يا أهيل الغرام ... فإني أسير هوى مستهام
لحا الله قلباً خلا من هوى ... وعذب بالسهد طرفاً ينام
يعيرني عاذلي في الضنى ... وما الفخر في الحب غير السقام
لعمرك يا عاذلي فاتئد ... ففي الحب موتي اقصى المرام
وله
أثر بخد معذبي فسألته ... عنه أجاب بعذب لفظ رائق
عوذت ياقوت الخدود بقطعة ... من لازورد خوف عين العاشق
وفي المعنى للأديب إبراهيم السفرجلاني
أجل في خده نظراً فإني ... غرست به البنفسج فوق ورد
ونطت به لرد العين عنه ... على الياقوت قطعة لازورد
وللمترجم
стр. 484
يا عاذلاً عن هوى لمياء كاعبة ... هلا عشقت رشيق القدماء نوسا
ضللت لما هويت الآن ملتحياً ... خالفت للناس في هذا وابليسا
أقول إن الشائع عن أهل الموصل إنهم لا يهوون الا المعذر وربما بالغ بعضهم فقال نحن قول إذا سمحنا في طريق المحبة بنوال لا نسمح الا لمن ينفق على عياله قال الأمين المحبي في تاريخه في ترجمة عطاء الله بن محمود الصادقي الحلبي وهذا مذهب جرى عليه الحلبيون وسال العلامة العمادي الحنفي الدمشقي العالم الشيخ أحمد ابن المنلا الحلبي بقصيدة عن ترك الميل إلى المرد والميل إلى المعذرين فأجابه بقصيدة وهي لا تشفي الغليل وكلا القصيدتين مثبتتان في ريحانة الشيخ شهاب الدين الخفاجي المصري ورأيت لأبن منقذ بيتين متعرضاً لما جرت عليه أهل الموصل مما ذكرناه بقوله
كتب العذار على صحيفة خده ... سطراً يحير ناظر المتأمل
بالغت في استخراجه فوجدته ... لا رأى الا رأى أهل الموصل
وفي ذلك قول بعضهم
وقيل محب المرد يدعى بلائط ... ويدعى بزان من يحب الغوانيا
فأحببت أهل الذقن مني تعففاً ... فلااناً لوطي ولا أنا زانيا
ولقد ترقى بعضهم فقال
أعشق المرد والنكاريش والشي ... ب عندي مثل البنين البنات
حد ما يشتهي وينكح عندي ... حيوان تحل فيه الحياة
ولأبن تميم مضمناً
ومعشر عذلوا لما ركبت على ... أحوى محاسنه قبحن فعلهم
دع يعذلوا ما استطاعوا انني رجل ... لو استطعت ركبت الناس كلهم
وترقى بعضهم فقال
كلفت به شيخاً كان مشيبه ... على وجنتيه ياسمين على ورد
أخا العقل يدري ما يراد من الفتى ... أمنت عليه من رقيب ومن ضد
وقالوا الورى قسمان في شرعة الهوى ... لسود اللحا ناس وناس إلى المرد
فقلت لهم لو كنت أصبو لأمرد ... صبوت إلى هيفاء مائسة القد
وسود اللحا أبصرت فيهم مشاركاً ... فاخترت أن أبقى بأبيضهم وحدي
وقد ذكر أن بعض الناس خرج إلى خارج بلدته يوماً للتنزه هو ورفيق له فمر على مكان وجد فيه رجلاً اختياراً بحذاء أمرد وهو يبكي ودموعه تساقط فقال له
стр. 485
ما يبكيك فقال له جد هذا ووالده وأعمامه كلهم في عائلتي وأنا قد نكحتهم جميعاً والآن أنكح هذا فأبكي حزناً على أولاد هذا وأولاد أولاده من ينكحهم بعدي أتذكر ذلك وأبكي انتهي قلت وما ذكر من مدح العارض والعذار محمول على المبالغة في الأشعار والاقتدارات في ابراز المعاني والعبارات وايراد الابتكارات الأدبية والا فمن يفضل الملتحي على ذي الوجنة الطرية ومن يميل إلى وجنة تلطخت بالسواد ولبست لموت جمالها ثياب الحداد وذبت ورودها واكتست جلباب الشعر خدودها شتان بين خدانيق يزدري بطراوته ونكهته الورد وحمرة الشقيق وبين المخالي ومن سودت وجهه الأيام والليالي فمن ينظر للقمر وقت المحاق أو يدخر الفضة بعد الاحتراق أو يعتاض عن الآرام بالقرود أو يستبدل بالترف خشن الخدود أو يستحسن كسوف الشمس أو يستغني بعجوز الشياطين عن عروس الأنس وكل ما أبدوه ابتكارات واختراعات للأقتدار لا لمدح العارض والعذار انتهى وللمترجم وكتبه لبعض أصحابه مضمناً
يا من أفاض على الراجين سحب ندى ... من كفه فوق هم ضيقة العطن
إني قصدتك من جور الزمان فلا ... نخيب الظن وأعددها من المنن
واذكر معاهد أنس قد مضين لنا ... تحكي رياض المنى في غابر الزمن
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا ... من كان يائفهم في المنزل الخشن
فهاك ابنه فكري قد بعثت بها ... اليك مستشفعاً في رونق حسن
فأسبل عليها ذيول الستر سابغة ... واغنم ثنائي لكم في السر والعلن
والبيت المذكور ضمنه بعضهم مع الاكتفاء وهو ما حكي إن الأمير بدر الدين بيلبك خزينه دار الحضرة القاهرة كان لتاجر وذلك التاجر يحسن إليه وهو في رقه فلما باعه تنقلت به الأحوال إلى ما صار إليه وافتقر التاجر فيما بعد فحضر إليه إلى مصر وكتب إليه رقعة فيها
كنا جميعين في كد نكابده ... والقلب والطرف منا في أذى وقذا
والآن أقبلت الدنيا عليك بما ... تهوي فلا تنسني إن الكرام إذا
فأعطاه عشرة آلاف درهم وكانت وفاة صاحب الترجمة في ربيع الثاني سنة اثنين وخمسين ومائة وألف ودفن بتربة الباب الصغير رحمه الله تعالى ورثاه الأديب الشيخ عبد الله الطرابلسي مؤرخاً بقوله
على صالح يا قوم تبكي المنابر ... فقد همعت بالحزن منا المحاجر
به أفلت شمس الكمال فأرعدت ... مصيبتنا والحزن بالغم ماطر
وغيضت مياه الحزن عنك فملنا ... وحقك قلب عند فقدك صابر
وليل العنا فينا اكفهر ظلامه ... وضاقت علينا للفراق السرائر
стр. 486
لتبك المعالي بعد فقدك حسرة ... كما لبست ثوب الحداد المفاخر
أيا لوذعياً كان في الفضل باهراً ... ومن عيشه بالبشر والعز هامر
لقد كنت بحراً في الفضائل والذكا ... خطيباً لبيباً نور علياك ظاهر
وقمت بأعواد المنابر واعظاً ... بحسن بلاغ منه ناه وزاجر
عليك من الرحمن ألف تحية ... ورضوانه ما ناح في الروض طائر
وما قال بالحزن الجزيل مؤرخ ... على صالح يا قوم تبكي المنابر
صالح الجينيني
صالح بن إبراهيم بن سليمان بن محمد بن عبد العزيز الحنفي الجينيني الأصل الدمشقي المولد النعمان الثاني وعمدة ذي التحقيق وشيخ الحديث العمدة الرحلة العلامة الفهامة كان عالماً محدثاً فقيهاً حسن الأستحضار عديم النظير في فقه أبي حنيفة النعمان حتى إن الدر المختار شرح تنوير الأبصار لكثرة اقرائه وقراءته صارت مسائله نصب عينيه وكذلك غالب كتب المذهب كالأشباه والنظائر والدرر وغيرها وكان حسن الخلق سلم المسلمون من يده ولسانه وكانت الطلبة تسير إليه صبيحة كل يوم سوى الاثنين والخميس ويومي التعطيل وكان حريصاً على الافادة ولم يكن في وقته أعلى سنداً منه وانتهى إليه فن الفقه في زمانه وكان جليسه لا يمل ولو جلس مدى الدهر لما حواه من حسن الاستحضار مع إيراد النكت اللطيفة والحكايات الظريفة حسن العشرة للخلق ومعاملتهم بالرفق حتى إنهم يهرعون إليه إذا رأوه ويقبلون يديه ولد بدمشق في سنة أربع وتسعين وألف ونشأ بها وأخذ عن جماعة كثيرين وقرأ عليهم فمن مشايخه والده الشيخ إبراهيم الجينيني الحنفي والشيخ أبي المواهب الحنبلي والشيخ نجم الدين ابن خير الدين الرملي والأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي والشيخ عبد الله بن سالم البصري المكي والشيخ محمد بن علي الكاملي والسيد إبراهيم بن حمزة نقيب الأشراف بدمشق والشيخ عبد الرحيم الطواقي الدمشقي واستجاز والده له من جماعة وأخذ عنهم كالمحدث الكبير الشيخ محمد بن سليمان المغربي صاحب التآليف المشهورة والشيخ حسن بن علي العجيمي الحنفي المكي والشيخ زين العابدين بن محمد الصديقي المصري والشيخ محمد بن عبد الرسول البرزنجي الحسيني الكردي نزيل المدينة المنورة والشيخ رمضان بن موسى العطيفي الدمشقي والشيخ محمد بن علي المكتبي الدمشقي والشيخ القاضي حسين بن محمود العدوي الصالحي الدمشقي والشيخ علي بن محمد الكاملي والشيخ أبي الحسن بن إبراهيم
стр. 487
الكوراني المدني والشيخ عبد الرحيم بن أبي اللطف القدسي مفتي القدس والشيخ حمزة بن يوسف الدومي الدمشقي والشيخ شمس الدين بن محمد الحصني السيد الشريف الدمشقي وغيرهم وتفوق وبرع وشرع في القاء الدروس بالجامع الأموي وغيره وتزاحمت عليه الطلاب وكثر نفعه وانتفع به خلق كثير وقرأ عليه الوالد في الفقه وغيره مدة وأجازه بمروياته وشملته بركاته ولما توفي الشيخ إسماعيل العجلوني مدرس الحديث تحت قبة النسر في الجامع الأموي وجه التدريس المذكور عليه واستقام به إلى أن مات وآخراً أسكنه سيدي الوالد مدرسته المسماة بالقجماسية بالقرب من سوق الأروام وارتحل إلى الحج ولم يزل على حالته الحسنة إلى أن مات وكانت وفاته في يوم الأحد بعد العصر سادس عشر ذي القعدة سنة سبعين ومائة وألف ودفن في تربة الباب الصغير بالقرب من مرقد سيدي بلال الحبشي وقبره الآن مشهور يزار ويتبرك به ورثاه تلميذه شيخنا المحقق الشيخ خليل بن عبد السلام الكاملي بقوله
مالي أرى الدمع من عينيك منسجماً ... يا نفس ويحك رب العرش قد حكما
صبراً لما أبدت الأقدار محكمة ... والأمر ماض على ابداء ما علما
لهفي على ماجد فاقت فضائله ... حتى رقى رتبة فوق السهى وسما
بحر من العلم يلقى جوهراً رطباً ... حبر حوى الفضل يسمو في العلى قدما
أمام علم كما راضت موارده ... فاقت شمائله حتى سما كرما
قطب لدائرة الأفضال ذو شيم ... عزت وجواً فما كالدر منتظما
قد كان كهفاً لمن رام العلوم فمن ... يقصد حمى فضله يلقاه مبتسما
وكان ذخر الطلاب الحديث حوى ... أعلى الأسانيد طرقاً لا ترى سقما
يا واحد العلم من فقه ومن سنن ... جاءت من المصطفى تجلو لنا الظلما
يا راقياً في كمال عز مطلبه ... بشراك نيل المنى بدأ ومختتما
عليك سح سحاب العفو منهملاً ... ما لاح فجر وما فضل الرحيم مما
ترى مقامك في أعلى القصور وفي ... جنان حسن زها حسناً وقد عظما
حفت به الحور والولدان قائله ... يهنيك ذا سيدي يا من رقا قدما
رضوان وافى بأملاك تؤرخه ... في جنة القرب سامي منزلاً وحما
صالح الداديخي
صالح بن إبراهيم المعروف بالداديخي الحلبي الفاضل الأديب الناظم السميدع
стр. 488
الأريب كان ممن اتصف بالأدب واشتهر به وقد ترجمه الأمين المحبي الدمشقي في ذيل نفحته وقال في وصفه أبدع من أجرى يراعاً في مهرق وأبرع من وضع أكليلاً على مفرق طلعت بدائعه على نسق فارت نجوماً زواهر تجلو ظلمة الغسق ما شئت من برنا فقة سوقه ومجد شارقة بسوقه وطبع ما شيب بجمود وذكاء ماشين بخمود شف في الآداب على جيله وزها جواد سبقه في غرته وتحجيله فساغ المنى أطواراً وفتق الدجى أنواراً فبشره يحدث عن منائحه كخرير الماء يحدث على مسائحه فكان روح إلى التروح بمفاوضته شائقه ولولا حلاوة الشهد ما رغبت إليه ذائقه وهو مطمح أملي الذي به استأنس بحدي ورسمي وجرى مني أبعاض قلبي وأعشار جسمي فأصفى هواي كله إليه وصير ودي مادام ودمت وقفا عليه ومما أهدى إلى نهزة من أعجاله وخلسه ارتجاله قوله ينوه بي
أنسيم الخزام من دار حبي ... يا سقاك الحيا وحياك ربي
طالما حرك الغرام أدكاري ... قرب مسراك من معاهد صحبي
فأعدا بها النسيم حديثاً ... وإلى سرب ذلك الظبي سربي
وأمل عن لوعتي وفرط اشتياقي ... ما الاقي وأشرح له بعض كربي
لهف قلبي وليت شعري أيجدي ... قول ما سور لحظه لهف قلبي
رشأ بالشآم شمت عبير ... الورد من نحوه فعطر لبي
كان عشقي له بجارحة السمع ... جزاها العتبي بلا دخل عتب
فأنا اليوم موسوي الهوى من ... قبل رؤياه هائم العقل مسبي
غير أني به على سنن الرق ... مقيم في حال بعدي وقربي
إن يكن في هواه اطلاق دمعي ... جائزاً قد رآه فالله حسبي
فسقى جلقاً ولا غرو أن تختا ... ل في بردتين تيه وعجب
كيف لا تدعي على المدن فخراً ... بأمين فرد الزمان المحبي
الامام الهمام حامي حمى الآ ... داب بالفضل والندى والتأبي
حاك وشيا من القريض عجيباً ... قصرت عنه همة المتنبي
قلم في يديه كم حل صعباً ... وأزدري في مضائه كل غضب
أيها الفاضل الذي لا سواه ... للمعالي روح بها الكون محبي
هاك عذراء ليلة عن بني ... الفكر وافت من الخجالة تحبي
تطلب الأعتذار منك وها قد ... نزلت من ندى علاك برحب
стр. 489
وابق واسلم ما غردت ساجعات ... الورق في أيكها وقلبي ملبي
قوله في هذه القصيدة فأنا اليوم موسوي الهوى إلى آخره هو من قول مظفر الدين الأعمى
قالوا عشقت وأنت أعمى ... ظبياً كحيل الطرف المى
وحلاه ما عاينتها ... لكنها طرقتك وهما
ومتى رأيت جماله ... حتى كساك هواه سقما
وبأي جارحة وصلت ... لوصفه نثراً ونظما
والعين داعية الهوى ... وبه تنم إذا تنما
فأجبت اني موسوي ... العشق ادراكاً وفهما
أهوى بجارحة السما ... ع ولا أرى ذاك المسمى
ومثله قوله أبي تمام في جارية تغني بالفارسية
ولم أفهم معانيها ولكن ... شجت كبدي فلم بخمد شجاها
فكنت كأنني أعمى معنى ... أحب الغانيات ولا أراها
وهذا هو من قول الشاعر بشار بن برد
يا قوم اذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
قالوا بمن لا ترى تهوى فقلت لهم ... الأذن كالعين توفي القلب ما كانا
ومن تحائف فكره قوله من قصيدة مطلعها
ما على ذلك الغزال الربيب ... قود في دم المحب السليب
فلهذا ترى سكارى هواه ... تحسب الصبح طالعاً في المغيب
كنت أخشاه حال سلم فلم لا ... وهو مغري بالهجر والتعذيب
قمت في حال سخطه ورضاه ... في مقام الترغيب والترهيب
فرعى الله ظبي أنس غدا مر ... عاه في الحالتين حب القلوب
حاز ارث الجمال عن يوسف الحسن ... وحزت الأحزان عن يعقوب
وكساه الآله بردا غدا يز ... دان عجباً من فوق عطف قشيب
كللته العيون لما تبدى ... مقبلاً إذ غفت عيون الرقيب
فيريني إذا بدا بدر تم ... يتثنى من فوق غصن رطيب
عقرب الصدغ راح بحمى جنى خد ... يه عن أن يناله ذو كروب
فخف الله أيها الريم واستر ... ذا المحيا البهي بكف خضب
ومثله قول الاستاذ عبد الغني النابلسي من قصيدة
خف الله واستر حسن وجهم أو به ... تصدق علينا نحن أهل افتقاره
стр. 490
ومنه قول الشيخ محمد بن الدار الدمشقي أحد شعراء النفحة مضمناً مع بعض تغيير للأصل
وصن رونق الحسن البديع جماله ... فإن لحت حاضت في الجفون المدامع
وأصله قول أبي الطيب المتنبي
خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت في الخدور العواتق
والعواتق هي الشواب من النساء لكون المرأة إذا اشتدت شهوتها وأفرطت سال حيضها وللمترجم معارضاً قصيدة السيد محمد القدسي التي مطلعها
يا نسمة لثمت حبيبي ... وتمسكت منه بطيب
بقوله
بالله يا ريح الجنوبوقيت نكباء لخطوبإن جرت في وادي النقا
بين المعاهد والكثيبفاقرأ سلام المستهام لذلك الظبي الربيب
رشأ كان الله أسكن حبه كل القلوبنظري إليه تلهفاً
نظر العليل إلى الطبيبعجباً لفاتر طرفهيرنوا زوراراً كالغضوب
ولخده الجوري لميك في الهوى حيناً نصيبيولحاله المسكي زيد
العرف من طيب رطيبكشف الطبيب لفصدهعن معصم الرشأ الربيب
فجرى دم العرق الذي ... يعنيه من لحظ الطبيب
هو من قول أبي الحسن الجرجاني
يا ليت عيني تحملت الملك ... وليت نفسي تقسمت سقمك
وليت كف الطبيب إذ فصدت ... عرقك أجرى من ناظري دمك
أعرته صبغ وجنتك كما ... تعبره ان لثمت من لثمك
طرفك أمضى من حد مبضعه ... فالحظ به العرق واسترح المك
ومثله لأبي الفضل المكيا لي قوله
ومهفهف أبدى الجمال بخده روضاً مريعاًفصد الحبيب ذراعه
فجرى له دمعي ذريعاًوأمسني وقع الحديدبعرقه الما وجيعا
فأريقه من عبرتي ... ما سال من دمه نجيعا
وألطف ما قيل في ذلك قول الأمير المنجكي رحمه الله تعالى
ومذ كشف الفصاد عن زنده رأى ... محاسن الهته فضل عن الرشد
فقطب من أهوى وأبصر مغضباً ... وأوقع ظل الجفن منه على الزند
وأطلع نور الأرجوان وحبذا ... من الياسمين الأرجوان على الورد
стр. 491
وللمترجم
في الدجى مذ لاح طالعمسفراً تلك البراقعأوهم الناس محيا
هـ بأن الفجر ساطعسحت العين على ترحاله جم المدامع
ماله في الحسن ثانلجميع الحسن جامعألف القلب هواه
فهو في الأحشاء راتععذلوني قلت كفوالست أصغي لست سامع
يا ظريف الشكل إنيهائم والدمع هامعلك روحي لك قلبي
يا ترى هل أنت قانع
وقوله أيضاً
طبي أنس وجهه قمر ... عز منه النيل والظفر
ذو قوام زانه هيب ... زانه الخطي والسمر
عذلوا حتى إذا نظروا ... ورد خديه إذا عذروا
ونهوا عنه فحين بدا ... بتلاقي في الهوى امروا
قبلة الألحاظ طلعته ... حيث دارت دارت الصور
هو من قول البابي
كأنما أوقف الله العيون على ... رؤيا محاسنه لأصابها ضرر
فلو بدا من ورا المرآة لأنحرفت ... عن أهلها حيث دارت دارت الصور
والأصل في هذا قول بعض البلغاء
كأنما أنت مغناطيس أنفسنا ... فحيثما درت دارت نحوك الصور
منها رشأ يفتر عن برد ... ناصع في ضمنه درر
توارد فيه مع الأديب مصافي البتروني الحلبي في قصيدته اللامية
شادن يفتر عن برد ... ناصع في ضمنه عسل
منها وحواشي نمل عارضه ... لخفا فينها لنا نظر
أحسن منه قول ابن عرفة
انظر إلى السحر يجري في لواحظه ... وانظر إلى دعج في لحظه الساجي
وانظر إلى شعرات فوق عارضه ... كأنهن نمال دب في عاج
ومنها
ما رأى موسى فواعجباًكيف يدعي أنه الخضرمنصفي في الحب من رشأ
стр. 492
مقلتاه ملؤها حورأخذت فيه بنو ثعلفهي لا تبقى ولا تذر
بنو ثعل قبيلة من العرب رماة يضرب بهم المثل لجودة رميهم قال امرؤ القيس
رب رام من بني ثعل ... مخرج كفيه من ستره
فهو لا يخطي برميته ... ماله ما عد من نفره
عودا
ضل في ديجور طرتهعجمها والبدو والحضرسائلي عن حالتي سفعها
ليس لي عن حالتي خبرريع صبري في محبتهمنه لا عين ولا أثر
سامح الله الظبا بدمي ... فهو في شرع الهوى هدر
وللمترجم قوله
أهواه قد لبست غدائره الدجى ... وصباح غرته المنير تبلجا
وعلى حواشي الورد من وجناته ... قد خط ريحان العذار بنفسجا
المى الشفاه يزينها خال لقد ... طبعت على ياقوتها فيروزجا
واحيرتي في شادن حلواً للمى ... رشأ رخيم الدل أحوى أدعجا
ما بين معترك القلوب ولحظه ... لا كان مطلب لحاجته التجى
لا صبر لي وقعت في اشراكه ... جهلاً وأنظر لا أرى لي مخرجا
أرجو رضاه ولو بسلب حشاشتي ... فيقول لي حاولت ما لا يرتجى
ويهز عطف التيه مختالاً كما ... شاء الهوى فأعود منقطع الرجا
ومن مقطعاته قوله
أيها الشادن المحجب عن عين ... محب بليله يرعاكا
أنت في أسود الفؤاد ولكن ... أسود العين يرتجى أن يراكا
وله غير ذلك ولم تصلني وفاته في أي سنة كانت رحمه الله تعالى.
صالح الغزاوي
صالح بن علي بن يوسف بن عبد الشافي بن علي بن عبد القادر الشريف لأمه الشافعي الغزي نزيل دمشق الشيخ الفاضل الفطن الأديب كان متفوقاً أديباً حسن الأستحضار حافظاً للنوادر وله في الأدب معرفة وفي اللغة والتاريخ من خلاصة الأفاضل والأدباء البارعين الأذكياء ولد بغزة هاشم في شوال سنة ثمان وثلاثين ومائة وألف كما أخبرني والده الشيخ علي وارتحل إلى مصر وأخذ بها عن علمائها الفحول وتلمذ لتلك الجهابذة حتى حصل الفضل الذي لا نكر فيه وتولى افتاء الشافعية
стр. 493
بغزة وقدم دمشق واستوطنها ودرس بالجامع الأموي وفي مدرسة الوزير سليمان باشا العظم الذي أنشأها بالقرب من داره داخل زقاق باب البريد ولزمه جماعة من الطلبة واستمر على الأقراء والافادة وكان منهمكاً بحب الدنيا وكان يكثر الترداد على آغة أوجاق اليرلية بدمشق يوسف أغا الشهير بابن جبري وله عنده مزيد الرفعة وتردد إلى الوالد أيضاً وكان الوالد يحسن إليه ويبره ويشهد بأدبه ونبله وله فيه الشعر والمديح فمن نظمه ما امتدح به والدي بقوله
عيون المها ردي سهامك عن نحري ... فمالي على رشق اللواحظ من صبر
وابق على الصب المتيم قلبه ... فقد راعه ما في الجفون من السحر
إلى الله أشكو ان في القلب لوعة ... تقلب أحشاء المحب على الجمر
وأجفان عين قد تجافت عن الكري ... فما تلتقي الا على دمعة تجري
سلوا لليل يخبركم دجاه بأنني ... أبيت سميراً لنجم فيه إلى الفجر
أبت مقلتي الا مجانبة الكري ... فواخجلي هل لي إلى الطيف من عذر
أهيم اشتياقاً نحو دار ألفتها ... فآهاً وآهاً ثم آهاً على مصر
ترقرق ماء النيل فيها كأنه ... لجين مذاب فوق أرض من التبر
ولولا بقايا طعمه في مذاقتي ... لما ظهرت تلك الحلاوة في شعري
وقائله لما رأت ما أصابني ... وصبري على داء أمر من الصبر
أتذكر مصراً بعدما صرت داخلاً ... رحاب هلال المجد في وجنة الدهر
على علا معنى العلا باشتراكه ... له في اشتقاق صار في السر والجهر
إليه أنتهي ما في النهى من مدائح ... جواهره في الجيد تزهو وفي النحر
له في مقام الجمع فرق وانما ... حقيقته التوحيد في عالم الذر
إلى الغير لم ينظر وإن حان لفتة ... فتلك مبادي الأمر من مبدأ السر
يربى مريديه بأدنى التفاتة ... ولولا المرادي ما نظرت سنا البدر
فإن مدحوه باكتساب معارف ... أقول علوم الوهب في صدره تجري
وإن خاض بحر البحث منه جداولاً ... تفجر من عين الحقيقة بالدر
فما الفخر في التفسير ما المجد في اللغة ... وما ابن دريد منه في النثر والشعر
وما السعد في علم المعاني وغيره ... إليه سوى مثل القلامة في الظفر
تنال به الفتيا بأوراقها على ... فضائله كالطل في مبسم الزهر
فطرزها منه اليراع بدائعاً ... لو أبصرها النعمان قال بها فخري
تجارت معاليه إلى غير غاية ... فغايتها قول الخلائق لا ندري
فيا واحد الدنيا وبيت قصيدها ... وشامة وجه الشام من غير ما نكر
стр. 494
إلى بابك الأحمى أتت لي نجائب ... ونورك في الليل الدجوجي بها يسري
وقد لفظتني بلدتي لفظ زاهد ... ولاقيت فيها فوق قاصمة الظهر
تعالى بها قدر الأسافل وارتقى ... وخاب بها قصدي وحط بها قدري
وجئت دمشق الشام أطلب راحة ... ولولاك ما مرت دمشق على فكري
تقبل وقابلني براحة نظرة ... مرادية تفدي الأسير من الأسر
والا فارشدني إلى سيد له ... أياد تحاكي بعض نائلك البحري
فحاشى وقد قام الدليل محققاً ... بأنك في ليل المنى ليلة القدر
وأحسن ما قيل في هذا المعنى قول بعضهم
يا من إذا بخل السحاب بقطره ... فاضت أنامله وابل بره
الناس عام والكرام بأسرهم ... شهر الصيام وأنت ليلة قدره
منها
ينادي على الدهر لما أتيتكم ... دخلت حمى من فيه تؤمن من غدر
فإني إلى أهل الزمان بأسرهم ... سوى أهله بالقهر أسعى وبالمكر
وخذ نفثة المصدور غير مؤاخذ ... خطوب زماني أوضحت عندكم عذري
وإن عشت في نعماك قاطن جلق ... ساهديك من شعري أرق من السحر
وليس رقيق الشعر أسنى فضائلي ... ولكنه شيء يردد في صدري
فدم جامعاً شمل المعارف طالعاً ... مطالع سعد نافذ النهى والأمر
مدى الدهر ما الغزي صالح منشد ... عيون المها ردي سهامك عن نحري
وهي عروض قصيدة ابن الجهم التي مطلعها
عيون المها بين الرصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
أعدن لي الشوق القديم ولم أكن ... سلوت ولكن زدت جمراً على جمر
وللمترجم غير ذلك وكانت وفاته بدمشق سنة سبع وثمانين ومائة وألف ودفن بالباب الصغير رحمه الله تعالى.
صالح الحلبي
صالح بن مصطفى الشريف الحلبي اعجوبة الزمان ونادرة الأوان دعواه أكبر من معناه كان يلقب بالعشري ولد في أوائل هذا القرن وحفظ القرآن العظيم والشاطبية والرائية وكان يجمع للعشرة فلقب نفسه بالعشري لذلك وكان يحفظ أشياء كثيرة وله معرفة بالموسيقى وينظم الأشعار ويجاز عليها وينظم
стр. 495
في اللغات الثلاث وربما نظم باللغة الكردية والعبرانية والرومية من غير فهم معانيها بل مجرد كلمات متغايرات المعنى والمبنى وكان في مشيه قزل وكان يكتسب من شعره فمن شعره ما كتبه مهنياً المولى السيد محمد أفندي المعروف بطه زاده نقيب حلب بمولود ولد له بقوله
فطوبى لمن قد جاء بداً وسيداً ... وحفت له الأنجاب في الحال أيدا
يدوم بحفظ الله في طول عمره ... على حسن أيام الزمان مؤيدا
وابن الأفندي العظيم محمد ... شهير بطه الشيخ قل زاد أحمدا
وهي عدة أبيات وكلها على هذا النمط وكان المترجم يتهم بكثرة المال وكذا والده وكان يدعى أنه يعرف الكيمياء ويدعى معرفة كل شيء وهو لا يحسن شيأً ولما كان ثامن شهر ربيع الأول سنة ثمان وسبعين ومائة وألف وجد في بيته داخل باب الأحمر الذي هو باب بالوج ميتاً في قاعة خربة فغسل هناك ودفن وقد ناهز السبعين ولم يوجد في بيته ما يساوي عشرة قروش وقد وجد من توجه من طرف المحكمة لجل تحرير أسبابه زجاجة على رف القاعة مختومة ففضوا ختمها فإذا بها ورقة بخط صاحب الترجمة وخطبة من انشائه يقول فيها وبعد فهذا ما من الله به علينا وجمعناه وقصدنا صرفه في طريق الحج ولكننا رصدناه بعد دفنه وهو إن تحت الثلاثة الأحجار السود في الإيوان الشمالي كذا كذا ألف دينار بندقي وفي الصف الشرقي كذا كذا ألف دينار فندقلي وتحت المحل الفلاني كذا كذا سبيكة ذهب كل ذلك دفين في الأرض لأجل النفقة في طريق الحج وكي لا يرثه أحد من ورثتي فتعجب الحاضرون من ذلك ولم يكن في بيته أعمدة ولا أحجار سود في الأرض ولا الجدران.
صلاح الدين ابن الحنبلي
السيد صلاح الدين بن مصطفى الجعفري الحنبلي النابلسي المعروف بابن الحنبلي كان من أكابر بلده وأعيانها المشار اليهم والمنوه بهم مع فضيلة في فقه مذهبه وغيره وكانت وفاته في أواسط صفر سنة احدى مائة وألف.
صنع الله الديري
صنع الله المعروف بالديري الحنفي والخالدي القدسي أحد الأفاضل الأنجاب والنبهاء المتوقدة الألباب طلب العلم وارتوى من مناهله وجد واجتهد وتولى رياسة الكتابة في محكمة القدس كما سبق لآبائه ذلك مع الخط الحسن والنفس النفيسة وأصلهم من الدير قرية من قرى نابلس وكان للمترجم تقييد في المسائل فقيهاً كريماً سخياً حليماً ووقف في القدس وقفاً وعين منه مبرات للفقراء وخبزاً وطعاماً وقرآات وعمر سبيل ماء وكانت وفاته في سنة تسع وثلاثين ومائة وألف ودفن بتربة باب الرحمة وترك
следующие страницы →