Полный текст (1 167 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
وللمترجم
في الدجى مذ لاح طالعمسفراً تلك البراقعأوهم الناس محيا
هـ بأن الفجر ساطعسحت العين على ترحاله جم المدامع
ماله في الحسن ثانلجميع الحسن جامعألف القلب هواه
فهو في الأحشاء راتععذلوني قلت كفوالست أصغي لست سامع
يا ظريف الشكل إنيهائم والدمع هامعلك روحي لك قلبي
يا ترى هل أنت قانع
وقوله أيضاً
طبي أنس وجهه قمر ... عز منه النيل والظفر
ذو قوام زانه هيب ... زانه الخطي والسمر
عذلوا حتى إذا نظروا ... ورد خديه إذا عذروا
ونهوا عنه فحين بدا ... بتلاقي في الهوى امروا
قبلة الألحاظ طلعته ... حيث دارت دارت الصور
هو من قول البابي
كأنما أوقف الله العيون على ... رؤيا محاسنه لأصابها ضرر
فلو بدا من ورا المرآة لأنحرفت ... عن أهلها حيث دارت دارت الصور
والأصل في هذا قول بعض البلغاء
كأنما أنت مغناطيس أنفسنا ... فحيثما درت دارت نحوك الصور
منها رشأ يفتر عن برد ... ناصع في ضمنه درر
توارد فيه مع الأديب مصافي البتروني الحلبي في قصيدته اللامية
شادن يفتر عن برد ... ناصع في ضمنه عسل
منها وحواشي نمل عارضه ... لخفا فينها لنا نظر
أحسن منه قول ابن عرفة
انظر إلى السحر يجري في لواحظه ... وانظر إلى دعج في لحظه الساجي
وانظر إلى شعرات فوق عارضه ... كأنهن نمال دب في عاج
ومنها
ما رأى موسى فواعجباًكيف يدعي أنه الخضرمنصفي في الحب من رشأ
стр. 492
مقلتاه ملؤها حورأخذت فيه بنو ثعلفهي لا تبقى ولا تذر
بنو ثعل قبيلة من العرب رماة يضرب بهم المثل لجودة رميهم قال امرؤ القيس
رب رام من بني ثعل ... مخرج كفيه من ستره
فهو لا يخطي برميته ... ماله ما عد من نفره
عودا
ضل في ديجور طرتهعجمها والبدو والحضرسائلي عن حالتي سفعها
ليس لي عن حالتي خبرريع صبري في محبتهمنه لا عين ولا أثر
سامح الله الظبا بدمي ... فهو في شرع الهوى هدر
وللمترجم قوله
أهواه قد لبست غدائره الدجى ... وصباح غرته المنير تبلجا
وعلى حواشي الورد من وجناته ... قد خط ريحان العذار بنفسجا
المى الشفاه يزينها خال لقد ... طبعت على ياقوتها فيروزجا
واحيرتي في شادن حلواً للمى ... رشأ رخيم الدل أحوى أدعجا
ما بين معترك القلوب ولحظه ... لا كان مطلب لحاجته التجى
لا صبر لي وقعت في اشراكه ... جهلاً وأنظر لا أرى لي مخرجا
أرجو رضاه ولو بسلب حشاشتي ... فيقول لي حاولت ما لا يرتجى
ويهز عطف التيه مختالاً كما ... شاء الهوى فأعود منقطع الرجا
ومن مقطعاته قوله
أيها الشادن المحجب عن عين ... محب بليله يرعاكا
أنت في أسود الفؤاد ولكن ... أسود العين يرتجى أن يراكا
وله غير ذلك ولم تصلني وفاته في أي سنة كانت رحمه الله تعالى.
صالح الغزاوي
صالح بن علي بن يوسف بن عبد الشافي بن علي بن عبد القادر الشريف لأمه الشافعي الغزي نزيل دمشق الشيخ الفاضل الفطن الأديب كان متفوقاً أديباً حسن الأستحضار حافظاً للنوادر وله في الأدب معرفة وفي اللغة والتاريخ من خلاصة الأفاضل والأدباء البارعين الأذكياء ولد بغزة هاشم في شوال سنة ثمان وثلاثين ومائة وألف كما أخبرني والده الشيخ علي وارتحل إلى مصر وأخذ بها عن علمائها الفحول وتلمذ لتلك الجهابذة حتى حصل الفضل الذي لا نكر فيه وتولى افتاء الشافعية
стр. 493
بغزة وقدم دمشق واستوطنها ودرس بالجامع الأموي وفي مدرسة الوزير سليمان باشا العظم الذي أنشأها بالقرب من داره داخل زقاق باب البريد ولزمه جماعة من الطلبة واستمر على الأقراء والافادة وكان منهمكاً بحب الدنيا وكان يكثر الترداد على آغة أوجاق اليرلية بدمشق يوسف أغا الشهير بابن جبري وله عنده مزيد الرفعة وتردد إلى الوالد أيضاً وكان الوالد يحسن إليه ويبره ويشهد بأدبه ونبله وله فيه الشعر والمديح فمن نظمه ما امتدح به والدي بقوله
عيون المها ردي سهامك عن نحري ... فمالي على رشق اللواحظ من صبر
وابق على الصب المتيم قلبه ... فقد راعه ما في الجفون من السحر
إلى الله أشكو ان في القلب لوعة ... تقلب أحشاء المحب على الجمر
وأجفان عين قد تجافت عن الكري ... فما تلتقي الا على دمعة تجري
سلوا لليل يخبركم دجاه بأنني ... أبيت سميراً لنجم فيه إلى الفجر
أبت مقلتي الا مجانبة الكري ... فواخجلي هل لي إلى الطيف من عذر
أهيم اشتياقاً نحو دار ألفتها ... فآهاً وآهاً ثم آهاً على مصر
ترقرق ماء النيل فيها كأنه ... لجين مذاب فوق أرض من التبر
ولولا بقايا طعمه في مذاقتي ... لما ظهرت تلك الحلاوة في شعري
وقائله لما رأت ما أصابني ... وصبري على داء أمر من الصبر
أتذكر مصراً بعدما صرت داخلاً ... رحاب هلال المجد في وجنة الدهر
على علا معنى العلا باشتراكه ... له في اشتقاق صار في السر والجهر
إليه أنتهي ما في النهى من مدائح ... جواهره في الجيد تزهو وفي النحر
له في مقام الجمع فرق وانما ... حقيقته التوحيد في عالم الذر
إلى الغير لم ينظر وإن حان لفتة ... فتلك مبادي الأمر من مبدأ السر
يربى مريديه بأدنى التفاتة ... ولولا المرادي ما نظرت سنا البدر
فإن مدحوه باكتساب معارف ... أقول علوم الوهب في صدره تجري
وإن خاض بحر البحث منه جداولاً ... تفجر من عين الحقيقة بالدر
فما الفخر في التفسير ما المجد في اللغة ... وما ابن دريد منه في النثر والشعر
وما السعد في علم المعاني وغيره ... إليه سوى مثل القلامة في الظفر
تنال به الفتيا بأوراقها على ... فضائله كالطل في مبسم الزهر
فطرزها منه اليراع بدائعاً ... لو أبصرها النعمان قال بها فخري
تجارت معاليه إلى غير غاية ... فغايتها قول الخلائق لا ندري
فيا واحد الدنيا وبيت قصيدها ... وشامة وجه الشام من غير ما نكر
стр. 494
إلى بابك الأحمى أتت لي نجائب ... ونورك في الليل الدجوجي بها يسري
وقد لفظتني بلدتي لفظ زاهد ... ولاقيت فيها فوق قاصمة الظهر
تعالى بها قدر الأسافل وارتقى ... وخاب بها قصدي وحط بها قدري
وجئت دمشق الشام أطلب راحة ... ولولاك ما مرت دمشق على فكري
تقبل وقابلني براحة نظرة ... مرادية تفدي الأسير من الأسر
والا فارشدني إلى سيد له ... أياد تحاكي بعض نائلك البحري
فحاشى وقد قام الدليل محققاً ... بأنك في ليل المنى ليلة القدر
وأحسن ما قيل في هذا المعنى قول بعضهم
يا من إذا بخل السحاب بقطره ... فاضت أنامله وابل بره
الناس عام والكرام بأسرهم ... شهر الصيام وأنت ليلة قدره
منها
ينادي على الدهر لما أتيتكم ... دخلت حمى من فيه تؤمن من غدر
فإني إلى أهل الزمان بأسرهم ... سوى أهله بالقهر أسعى وبالمكر
وخذ نفثة المصدور غير مؤاخذ ... خطوب زماني أوضحت عندكم عذري
وإن عشت في نعماك قاطن جلق ... ساهديك من شعري أرق من السحر
وليس رقيق الشعر أسنى فضائلي ... ولكنه شيء يردد في صدري
فدم جامعاً شمل المعارف طالعاً ... مطالع سعد نافذ النهى والأمر
مدى الدهر ما الغزي صالح منشد ... عيون المها ردي سهامك عن نحري
وهي عروض قصيدة ابن الجهم التي مطلعها
عيون المها بين الرصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
أعدن لي الشوق القديم ولم أكن ... سلوت ولكن زدت جمراً على جمر
وللمترجم غير ذلك وكانت وفاته بدمشق سنة سبع وثمانين ومائة وألف ودفن بالباب الصغير رحمه الله تعالى.
صالح الحلبي
صالح بن مصطفى الشريف الحلبي اعجوبة الزمان ونادرة الأوان دعواه أكبر من معناه كان يلقب بالعشري ولد في أوائل هذا القرن وحفظ القرآن العظيم والشاطبية والرائية وكان يجمع للعشرة فلقب نفسه بالعشري لذلك وكان يحفظ أشياء كثيرة وله معرفة بالموسيقى وينظم الأشعار ويجاز عليها وينظم
стр. 495
في اللغات الثلاث وربما نظم باللغة الكردية والعبرانية والرومية من غير فهم معانيها بل مجرد كلمات متغايرات المعنى والمبنى وكان في مشيه قزل وكان يكتسب من شعره فمن شعره ما كتبه مهنياً المولى السيد محمد أفندي المعروف بطه زاده نقيب حلب بمولود ولد له بقوله
فطوبى لمن قد جاء بداً وسيداً ... وحفت له الأنجاب في الحال أيدا
يدوم بحفظ الله في طول عمره ... على حسن أيام الزمان مؤيدا
وابن الأفندي العظيم محمد ... شهير بطه الشيخ قل زاد أحمدا
وهي عدة أبيات وكلها على هذا النمط وكان المترجم يتهم بكثرة المال وكذا والده وكان يدعى أنه يعرف الكيمياء ويدعى معرفة كل شيء وهو لا يحسن شيأً ولما كان ثامن شهر ربيع الأول سنة ثمان وسبعين ومائة وألف وجد في بيته داخل باب الأحمر الذي هو باب بالوج ميتاً في قاعة خربة فغسل هناك ودفن وقد ناهز السبعين ولم يوجد في بيته ما يساوي عشرة قروش وقد وجد من توجه من طرف المحكمة لجل تحرير أسبابه زجاجة على رف القاعة مختومة ففضوا ختمها فإذا بها ورقة بخط صاحب الترجمة وخطبة من انشائه يقول فيها وبعد فهذا ما من الله به علينا وجمعناه وقصدنا صرفه في طريق الحج ولكننا رصدناه بعد دفنه وهو إن تحت الثلاثة الأحجار السود في الإيوان الشمالي كذا كذا ألف دينار بندقي وفي الصف الشرقي كذا كذا ألف دينار فندقلي وتحت المحل الفلاني كذا كذا سبيكة ذهب كل ذلك دفين في الأرض لأجل النفقة في طريق الحج وكي لا يرثه أحد من ورثتي فتعجب الحاضرون من ذلك ولم يكن في بيته أعمدة ولا أحجار سود في الأرض ولا الجدران.
صلاح الدين ابن الحنبلي
السيد صلاح الدين بن مصطفى الجعفري الحنبلي النابلسي المعروف بابن الحنبلي كان من أكابر بلده وأعيانها المشار اليهم والمنوه بهم مع فضيلة في فقه مذهبه وغيره وكانت وفاته في أواسط صفر سنة احدى مائة وألف.
صنع الله الديري
صنع الله المعروف بالديري الحنفي والخالدي القدسي أحد الأفاضل الأنجاب والنبهاء المتوقدة الألباب طلب العلم وارتوى من مناهله وجد واجتهد وتولى رياسة الكتابة في محكمة القدس كما سبق لآبائه ذلك مع الخط الحسن والنفس النفيسة وأصلهم من الدير قرية من قرى نابلس وكان للمترجم تقييد في المسائل فقيهاً كريماً سخياً حليماً ووقف في القدس وقفاً وعين منه مبرات للفقراء وخبزاً وطعاماً وقرآات وعمر سبيل ماء وكانت وفاته في سنة تسع وثلاثين ومائة وألف ودفن بتربة باب الرحمة وترك
стр. 496
أولاداً منهم الشيخ خليل تولي بعد أبيه وقام مقامه وكان فاضلاً سليماً فقيهاً توفي سنة احدى وستين ومائة وألف رحمهما الله تعالى وأموات المسلمين آمين.
حرف الطاء المهملة
طاهر النابلسي طاهر بن إسماعيل بن الأستاذ القطب العارف الشيخ عبد الغني النابلسي الشيخ الفاضل الصالح النبيل الأوحد ولد سنة احدى عشر ومائة وألف ونشأ في حجر جده الأستاذ ورباه أحسن تربية وقرأ القرأن وطلب العلم فقرأ في الفقه على جده وغيره وصار له فضل في الجملة ثم إنه بعد وفاة الأستاذ بشهر وعشرة أيام حصل له اصطلام وجذبة الهية واستغراق في المشاهدات الملكوتية فدخل إلى الخلوة وأعرض عن الدنيا وبقي مختلياً ثلاث سنوات وسبعة أشهر وكان يقلل الغذاء شيأً فشيأً إلى أن مكث آخر أمره ثلاثة وستين يوماً لم يتناول فيها شيئاً من الطعام أصلاً وتوفي أخرها في ختام شهر ربيع الثاني سنة سبع وأربعين ومائة وألف ودفن في حجرة والده الكائنة على يمين الداخل إلى دار الاستاذ في القبر القبلي ثم إن شقيقه الشيخ مصطفى الآتي ذكره بني على قبره وقبر والده المار ذكره قبة لطيفة موجودة إلى الآن ورثاه الأديب عبد الرحمن بن محمد البهلول بقصيدة طويلة مطلعها
شاهد القلب مصرع البين حقاً ... فله ساغ أن يذوب وحقا
وهي قصيدة طويلة مذكورة في ترجمته في كتاب صاحبنا الكمال محمد الغزي الذي وضعه في ترجمة جده الاستاذ عبد الغني النابلسي ﵁.
طاهر المرادي
طاهر بن عبد الله بن مصطفى بن الأستاذ العارف الشيخ مراد أفندي المرادي كان من الكمل والنجباء الصالحين حسن الأخلاق والمعاشرة حلو المصاحبة والمسامره ولد بدمشق سنة تسع وثلاثين ومائة وألف ومات والده وهو صغير فنشأ في كنف جده فرباه أحسن تربية وقرأ القرأن وأخذ في طلب العلم فقرأ على شيخنا أبو الفتح محمد العجلوني والضياء عبد الغني بن فضل الله الصالحي والشهاب أحمد بن عبيد الله العطار وغيرهم وأخذ الطريقة النقشبندية عن جديه والد والده ووالد والدته فإن والدته بنت الاستاذ محمد أفندي جدي وكان مستقيماً لا يخرج من دار الحرم الا قليلاً مشتغلاً بحاله عن غيره وارتحل مع جده لأمه للروم وكان لجده فيه محبة كلية وأعطى رتبة موصلة السليمانية المتعارفة بين الموالي ولما حج المولى علي أفندي والدي وابن عم المترجم في سنة ثمانين ومائة وألف أخذه معه فأصابه مرض في الطريق ولما عاد الحاج من مكة المشرفة إلى المدينة المنورة توفي صاحب
стр. 497
الترجمة وكانت وفاته من السموم الصادر ذلك اليوم فإنه مات به جملة كثيرة من الحجاج يوم دخولهم المدينة ومن جملتهم صاحب الترجمة بحيث كان الرجل يموت في أقل من درجة ودفن في بقيع الغرقد رحمه الله تعالى ورحم من مات من المسلمين.
طه الجبريني
طه بن مهنا الشافعي الجبريني المحتد الحلبي المولد العالم الفاضل المتقن العلامة المحقق واحد الدهر في الفضائل المفسر المحدث صاحب الاحاطة بالعلوم العقلية والنقلية كان المعيا وحيداً له الذكاء المفرط كاملاً بحاثاً محققاً مدققاً ورعاً زاهداً ناسكاً ولد في سنة أربع وثمانين وألف وطلب بنفسه وأخذ عن علماء ذلك العصر وحبب إليه الطلب إذ بلغ فسعى وجد واجتهد ورحل إلى الحجاز في سنة احدى وثلاثين بعد المائة وسمع صحيح البخاري على شارحه المتقن الضابط أبي محمد عبد الله بن سالم البصري وأجاز له به وبباقي ما يجوز له وقرأ العربية على الشيخ عيد المصري ومن مشايخه الشيخ تاج الدين القلعي مفتي مكة والشيخ عبد القادر المفتي بها أيضاً وأخذ عنهما وعن الشيخ يونس المصري والشيخ أبي الحسن السندي ثم المدني وغيرهم وعاد إلى وطنه واشتغل بالافادة والحق الأحفاد بالأجداد ثم عاد إلى الحجاز في سنة احدى وستين بعد المائة أيضاً وجاور بمكة المكرمة نحواً من سنتين وعاد إلى وطنه وكتب على صحيح البخاري قطعة صالحة وصل بها إلى المغازي وله تراجم أهل بدر الكرام ﵃ وغير ذلك من التحريرات وانتفع به خلق لا يحصون كثرة وله مداعبة لأحبابه وكان يعاني حرفة الا لاجة ينسج له وتباع ولم يكن له وجه معيشة ولا وظيفة غير ذلك وله شعر فمن شعره الذي خدم به سيد المرسلين عاقد اللحلية الشريفة قوله
يا أهيل النقا لقد همت وجداً ... في هواكم وقد جفا الجفن سهدا
ما تناسيت المربوع بسلع ... سل من الركب من تناسيت عهدا
كيف أنسى وفيكم من تسامى ... في سماء السماء فخراً ومجدا
خاتم الرسل سيد الكون طه ... من غدا في شمائل الحسن فردا
ذو جبين سما الهلال ووجه ... أخجل البدر بالبها اذ تبدى
في أساريره سنا الشمس تجري ... من سناه أهتدي الذي ضل رشدا
أهدب الجفن فوق خدا سيل ... أكحل العين بالنفوس مفدى
أفرق السن إن تبسم تلقي ... مثل حب الغمام والدر نضدا
أزهر اللون أنفه كان أقنى ... بالقنا للعدا أباد وأردى
شثن الكف للكراديس ضخم ... راحتاه جوداً من البحر أندى
ربعة كان إن مشى يتكفأ ... رجل الشعر ليس سبطاً وجعدا
стр. 498
كان فخماً مفخماً يتلألأ ... خافض الطرف أكثر الخلق حمدا
بين كتفيه مثل بيض حمام ... خاتم الأنبياء للخلق مبدا
ومغيث لمن أتى مستجيراً ... من ذنوب فاضت على البحر مدا
وصريخ لمستريح خطوب ... قد توالت عليه صكاً وطردا
ورؤف بنا وأيضاً رحيم ... كم حباني فضلاً وللخير أسدى
يا رسول الورى سميك طه ... قد سعى في الهوى مكباً مجدا
كلما كان يستعد لرشد ... أخرته القيود عما استعدا
وهو قد حل في حماك وحاشى ... أن ينال المنيخ بالباب ردا
وصلاة الآله في كل آن ... مع سلام إلى ضريحك يهدى
وإلى الآل والصحاب جميعاً ... ما سنا كوكب بأفق تبدى
وله غير ذلك وكانت وفاته ضحوة نهار الخميس الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثمان وسبعين ومائة وألف ودفن خارج باب المقام قبيل المغرب وقبره شمالي قبة العواميد وأسف عليه الناس بعد أن انقطع في بيته من أواخر صفر ومرض نحواً من عشرة أيام واختلط في مدة اقامته في بيته كثيراً وأعقب ولداً ذكراً وبنتاً وقد رأيت بعض من ترجمه ذكر أنه في فجر يوم وفاته وعنده جماعة منهم أولاد شقيقته وبعض أقاربه من النساء الخيرات إذ دخل عليه طائر أخضر وحام حوله مراراً والحاضرون ينظرون ذلك ويعبجون ثم جلس على صدره هنيئة وطار وقد أرخ وفاة هذا الاستاذ السيد عبد الله اليوسفي الحلبي بقوله
بشرى لطه حيث حاز فضائلاً عقلاً ونقلاًلقد ارتضاه وقد حبا
هـ الله مغفرة وفضلاًلما غدا الفردوس فيدار البقاء له محلا
أرخته بعلى الجنا ... ن محدث الشهباء حلا
حرف العين المهملة
عاصم الفلاقنسي
السيد عاصم بن السيد عبد المعطي بن السيد محمد الحنفي الفلاقنسي الأصل الدمشقي المولد أحد أعيان الكتاب وزبدة ذوي المعارف والآداب كان كاتباً أديباً بارعاً عارفاً متقناً لأدوات الظرف كاملاً عاقلاً ذا حشمة ووقار مع أدب وحشمة وهو أحد الكتاب في الخزينة الميرية بدمشق وصار مقاطعجياً ومحاسبجياً وكان في دولة ابن عمه السيد فتح الله الدفتري معتزلاً عن أحواله وما خالطه بأموره بل كان مستقيماً ومكباً على مطالعة كتب الأدب والتواريخ مشتغلاً بمحاسبات الدفاتر والأموال الميرية مع ثروة وخدم ورفعة
стр. 499
ولما قتل ابن عمه المزبور أهين وأخذ منه مبلغ من الدراهم وصارت له اهانة كلية ووقف وقفاً بدمشق على ذريته وكان يستقيم في أوقات إيناسه في جنينة والده المعروفة الآن بالمترجم بالقرب من جامع السادات بمحلة القصب وكان كريم الذات وترجمه الشيخ سعيد السمان في كتابه وقال في وصفه شريف زكي الأصل مستوثق من الكمال بالقول الفصل كرم نفساً وذاتاً وكمل ذاتاً وصفاتاً فاستشرف منه العلي بدراً وشرح به فؤاداً وصدراً وأنزله في برج السيادة وألقى إليه ذمامه وقياده فما لبثت عليه عمائمه ولا ردت ريحان شبيبته عمائمه الا وهو خط وحط والأماني تناظره بعين الرضي وتلحظ طافحاً بسؤدد ومجد ومستفزاً إليه من غور إلى نجد تحمله عواقب آرائه وتحسده الشمس من بين نظرائه عقل كما رسى الهضب وفكر كما صقل العضب وقناة يراعة لا تغمز وذكاء من ريقة الشمل كما يرمز وشيم تتمناها قطع الرياض وفكاهة كما اضطرد الجدول على الرضراض انتهى مقاله وكان ينظم الشعر الا أنه نزر قليل فمنه قوله مشطراً
له وجنات في بياض وحمرة ... كعقد من الياقوت زين به النحر
فيا حسن لاذ بالدمقس توشعت ... فأوساطها بيض وأطرافها حمر
رقاق يجول الماء فيها كأنها ... شقائق نعمان يكللها القطر
وثغر به راق الرضاب كأنه ... زجاج أريقت في جوانبها الخمر
وله
وهضيمة الكشحين خود فوقت ... سهم المنايا نحو قلبي المغرم
فإذا بها لهب الغرام وقد غدت ... من أدمعي تجري كلون العندم
وله
قالوا اشتكى في ركبتيه علة ... أعيته حتى أعجزته قياما
قلت الحرى بتلك منه لسانه ... قطعاً لئلا يستطيع كلاما
وله مشطراً بيتي ابن عمه السيد فتح الله الدفتري بقوله
بقيت مادامت الأفلاك دائرة ... وما تزينت الزرقاء بالزهر
ولا برحت من الأفراح في حلل ... تدير فينا شموس الراح في السحر
ودم تقلد أسماعاً لنا درراً ... عن مثلها يعجز النحرير ذو الفكر
وسورة الحمد نتلوها بالسننا ... كما تلا الطرف منا سورة القمر
وله أيضاً
стр. 500
قلت للحب حين فاه بذكرى ... في مقام العذال والرقباء
لا نعرض لدى العذول بذكرى ... فلديه التعريض نصف الهجاء
وهو من قول ابن المعتز
يا هلالاً يلوح في فلك الناورد ... رفقاً بأعين نظاره
قف لنا في الطريق إن لم تزرنا ... وقفة في الطريق نصف زياره
وقد تبعه في ذلك الرئيس منصور القيرواني فقال
يا غزالاً أصاب مقتل صب ... بفتور من أعين صياده
سل عن المستهام إن لم تعده ... فسؤال الحبيب نصف العياده
وقد تبعه على ذلك زمرة من الأفاضل البلغاء والأدباء النبغاء فمنهم البارع الأديب الشيخ صادق الخراط الدمشقي فقال
يا مليكاً يتيه في حلل الحسن ... معناك قد أطال انتظاره
زر بطيف الخيال إن لم تزره ... زورة في الخيال نصف الزياره
وقال أيضاً
يا ظلوماً قد استباح جفائي ... ثم آلى إن لا يفي بلقائي
عدوان لم تفي بوعدك صبا ... إن وعد الحبيب نصف الوفاء
وله أيضاً
ذبت شوقاً إلى لقاك فعدني ... بوصال وسلني بالمحال
وإذا لم تصل فجد بسلام ... فسلام الحبيب نصف الوصال
ولصدر الأفاضل أحمد المنيني
الزم الصدق في أمورك واسلك ... منهج النصح والوفا للرفاق
لا تداهن يوماً من الدهر خلا ... انها يا زكي نصف النفاق
وقال
اجعل القنع عادة لك واحذر ... خلقاً من ذوي العقول المطيشه
واقتصر في الأمور تظفر بنجح ... إن في الاقتصار نصف المعيشه
وله أيضاً
أسهر الليل في مذاكرة العلم ... لذي فطنة وفهم مصيب
وأهجر النوم فيه إلا قليلاً ... إنما النوم نصف موت اللبيب
وقال أيضاً
قل لمن يطلب الزيادة من ... دنياه خوفاً من آفة الافتقار
стр. 501
إنما رمته كنصف افتقار ... والرضى باليسير نصف اليسار
وله أيضاً
يا لبيباً يرتاد مجلس علم ... ثم يلقي السؤال من غير فهم
حسن القول في سؤالك وأسأل ... إن حسن السؤال نصف العلم
وللأديب السيد أحمد الغلاقنسي
قال لي اللائم الجهول لماذا ... قد هجرت الدروس والاستفادة
وخللت الإيناس واغتضت با ... لأيحاش عنه وصار ذلك عادة
واعتزلت الأنام قلت لأمر ... فاعتزال الأنام نصف العبادة
وله أيضاً
قيل لم لا تجل مع القوم فيما ... قد أجادوا ابداعه وانتظامه
ولزمت السكوت في كل حال ... قلت إن السكوت نصف السلامة
وللنبيل النبيه محمد بن عثمان الشمعة
تقيد بالفرايض والتزمه ... وكن في روضه مع ألف رائض
فأهل العلم يذهب عن قريب ... ونصف العلم صح هو الفرائض
وللماهر الأديب مصطفى اللقيمي الدمياطي
كان قلبي في حصن أمن بوصل ... فدعاه جيش النوى فاراعه
فرماني ولم يكن بجبان ... فلديه الفرار نصف الشجاعة
وله
زارني من أحب من بعد بعد ... وحباني بوصله والتلاقي
وسقاني من ثغره رشفات ... أطفأت جمر لاعج الأشواق
ورقيبي أتى فبدل أنسي ... فحضور الرقيب نصف الفراق
وله أيضاً
وبخيل لداره قد دعاني ... وقراه اعتذاره بالكلام
فعلى الجوع قد رجوت ثواباً ... من الهي فالجوع نصف الصيام
وله أيضاً
وبروحي غزال حسن سباني ... مذ غدا شاهراً سيوف الجفون
صرت مغمى لما نضاها فطرفي ... رش وجهي منه بماء الشؤون
لم أكلف لفرض لوم عذول ... حيث إن الاغماء نصف الجنون
وقال أيضاً
стр. 502
لا تبلغ إذا سمعت سبايا ... واسع بالصلح واستعن بالكتم
لا تقل إن في النميمة صدقاً ... إن نقل السباب نصف الشتم
ولحاوي الكمال سليمان بن أحمد المحاسني
إذا ما حبيبي قد ألم بفكره ... لطيف وصال إذ مررت بباله
فعندي هو الود الأكيد أعده ... من الحب منا أو كنصف وصاله
وللفاضل الكامل إسماعيل المنيني ابن أحمد المنيني المترجم سابقاً
ومليح ممنع ليس يدري ... فرط ما بي من الهوى والتصابي
كلما رمته انثنى بازورار ... وسكوت وليس يدري ما بي
قلت لم لا تجود يوماً برد ... قال إن السكوت نصف الجواب
وله أيضاً
اجهد لنفسك تظفربنيل كل رجاءوفز بنيل كمال
به كمال العلاءفلست تلفي جهولاًفالجهل نصف العماء
ولأخيه الزكي اللبيب عبد الرحمن المنيني المترجم أيضاً فيما يأتي
يا بروحي أفدي حبيباً جفاني ... غب بين مبرح وفراق
بكتاب أحيي عليل فؤادي ... فكتاب الحبيب نصف التلاق
وللوذعي السيد محمد بن السيد مصطفى الراعي
اجعل السعي في نهارك حتى ... تأذن الشمس ضوءها للذهاب
واجعل النوم زاد عينيك ليلاً ... سهر الليل قيل نصف العذاب
وله
لذة العيش في زمان الشباب ... فاسهر الليل باغتنام التصابي
واهجر النوم في اقتناص سرور ... انما الليل نصف عمر الشباب
وله
احفظ العين إن نظرت مليحاً ... فهو فخ به لصيدك حبه
يترأى لها الجمال وقالوا ... نظرة العين نصف داء المحبة
وله أيضاً
يا من بفرط التجني ... أهاج للصب وجده
أهل المحبة قالوا ... نصف الوصال المودة
وللأديب السيد محمد بن عبد الباقي الشويكي
مذ بدا عارض بخد حبيبي ... وبه نلت وصلة للوصال
قيل قد زال حبه فاسل عنه ... قلت كفوا فالشعر نصف الجمال
стр. 503
وله
بأبي شادن أبي لثم ثغر ... وحباني من كأسه بسلاف
قلت أفديك هاتها بعد شرب ... شرب فضل الحبب نصف ارتشاف
وله أيضاً
بأبي فرد جمالوجهه للحسن قبلهجاء من بعد بعاد
وأباح الصب وصلهوعن القلب شفي باللمس من كفيه غله
قيل هلا نلت لثماًمنه يشفي السقم كلهقلت لثم الكف عندي
من حبيبي نصف قبله
ولصاحبنا الكمال محمد الغزي العامري قوله
بعض هذا الدلال يكفيك يا من ... من سلطان حسنه بقفوله
فمحياك كان بدر تمام ... ونبات العذار نصف أفوله
وقوله
وقصير القوام أحور أحوى ... حسنه قد حكى لحور الجنان
قده قد أعاب جهلاً عذولي ... قلت يكفي المشوق نصف سنان
وللحسيب السيد عبد الرزاق البهنسي
قيل لم لم تجانس القوم فيما ... حاولوه بفكرة وقاده
وهجرت الفريض دوماً وما حا ... ل الجريض من دونه والافادة
قلت كفوا الملام عني فإني ... قد رأيت السكوت نصف العبادة
وله أيضاً
وقالوا إلى م بذكر الحبيب ... تفوه وقد عدت مثل الهلال
فقلت دعوني على ما ترون ... فذكر الأحبة نصف الوصال
وللبيه السد عبد الفتاح مغيزل
قالوا نراك متيماًفي حبة تبدي الفنونفأجبتهم لا تعجبواإن الهوى نصف الجنون
وللكامل أبي بكر نصرت الرومي
لا تكن في الدهر منهما بمن ... ساء منه الفعل في حق الأنام
قد كفينا منه لو حققته ... إن كظم الغيظ نصف الانتقام
وللفاضل الأوحد أحمد بن عبد اللطيف العمري
ناج مولاك في الدجى واغنم الفر ... صة وانهج نهج الكرام الأوائل
ثم لازم على التسابيح فيه ... فصلاة التسبيح نصف النوافل
стр. 504
وللكامل السيد سعيد الجعفري
هذه دارهم وإن فؤادي ... للقاهم مولع بالتصابي
مربي الركب قلت قف بي قليلاً ... على أحظى بلثمة الأعتاب
هي حسبي إن لم أفز بلقاهم ... إنها نصف رؤية الأحباب
وللفائق شاكر بن مصطفى العمري
قلت لما بدا الحبيب كظبي ... في نفار وقد أراني صده
هل سلام إن لم يكن لي وصال ... فابتداء السلام نصف المودة
وللأديب عبد الحي بن إبراهيم البهنسي
لو بعين الانصاف أمعنت في ... الأنصاف من نظم درها المنثور
لتحققت حكمة الشعر منها ... حاكماً إنه لنصف الشعور
وللأديب سعيد السمان
وم أزمعت سيراً وعاث الذي وشى ... ولم أستطيع التوديع والنطق بالفم
أشرت لها بالجفن والجفن مفعم ... دموعاً غدت تحكي عصارة عندم
وقلت لقلبي بالمحال مسلياً ... الا أن غمز الجفن نصف التكلم
وله أيضاً
قال حمامنا الذي يذهب الغم ... ويشفي من موبقات الهموم
ادخلوني وابشروا بسلام ... فدخول الحمام نصف النعيم
وله أيضاً
حين وافى الحبيب من بعد هجر ... وأباح المشوق منه قياده
ودرى خلسة الوصال رقيبي ... فأتاني بقالة مستجاده
ضم والثم ولا تخف من رقيب ... فاطلاع الرقيب نصف القياده
وله أيضاً
لا أريد الوصال بالمن ممن ... انحل الجسم بالجفا والدلال
إنما دائماً له أتمنى ... فتمنى اللقاء نصف الوصال
وله أيضاً
إذا ما امرؤ وافاك في حل مشكل ... من العلم لا تعجل وزاوله بالفكر
وليس معيباً قول لم أدر في الورى ... فقد قيل نصف العلم قولك لا أدري
وله أيضاً
قد شكا أعمى تباريح الجوى ... لمعنى مبتلي بالعور
стр. 505
قال لا تشكو وسلم للقضا ... إن عندي صح نصف الخبر
وله أيضاً
لا تلمني إن طلقت في الدياجي ... مقلتاي الكري على التحقيق
قد عراني كما سمعت شخير ... هو عند الخبير نصف النهيق
وله أيضاً
يا خليلاً أبدى صداقة حب ... وحباه من اللسان حلاوه
لا تصاحب عدو خلك يوماً ... إن ذا في الأنام نصف العداوه
وللفاضل السيد شاكر العقاد العاملي الدمشقي
مربي أحور اللواحظ المى ... ريقه السكري غدا كالزلال
تاركاً للسلام منه دلالاً ... إن ترك السلام نصف الدلال
وللسميدع النجيب الأخ السيد أحمد سعيد المرادي
لي حبيب حسنه كالقمر ... ريقه أحلى لنا من سكر
قبلوا من خده واغتنموا ... قبلة في الخد نصف العمر
وللكامل الفاضل السيد عبد الباقي الشويكي
حسن اللبس ما استطعت وحاذر ... أن تدع ما يكون للناس أسوه
لا تدع زر عمة حيث قالوا ... إن زر القاووق نصف الكسوه
وللبارع الشيخ محمد سعيد بن مصطفى المعروف بالنابلسي قوله
أفدي الذي في حبه ... ما زلت في قيد الهيام
لو من لي بسلامه ... نصف المودة في السلام
وقوله
في أغيد حاز البها ... قلبي تولع إذ سفر
هو في المحاسن مفرد ... وجبينه نصف القمر
وللألمعي السيد عبد القادر الحلبي البانقوسي
شاقني في وجهه معنى بديع ... رق فهماً عن حجي طالبه
ليس بالحمرة للخد ولا ... حسن عينيه ولا حاجبه
فتراه يجذب القلب به ... نصف حسن الحب في جاذبه
ولأخيه المفنن السيد محمد صادق الحلبي قوله
يا صاحبي أما وحق صفائها ... في كأسها المتشعشع البراق
لا أبتغيها لذة إن لم تكن ... في كف أهيف فاتر الأحداق
стр. 506
تشهيك من أقداحه أحداقه ... نصف الهنا يا صاح حسن الساقي
وقوله
كم ترم نيل المعالي جاهلاً ... سبلها ليس المعالي بالكسل
فرض النفس ولا تركن لها ... نصف قطع السيف من زند البطل
وللبارع الشيخ أحمد المعروف بابن شمس الخلوتي
إن رمت أن ترقى العلاوتحوز أخلاقاً سنيهوترى عداءك أصدقا
ءك بعد ابداء الأسيههاديهم متعطفاًنصف المحبة في الهديه
وله
يا صاح إن رمت الظرا ... فة بالتجمل واللطافة
مل للنظافة إنما ... نصف التجمل في النظافة
وله أيضاً
إن النساء عدمتهن ... ذوي الخيانة والأسى
منهن كن متحذراً ... نصف البلاء من النسا
وللمتفوق اللغوي الشيخ مكي الجوخي
لا تجادل بغير حق خليلاً ... والتزم نصرة لحق مبين
واتبع منهج الصواب وأنصف ... صاح إن الانصاف نصف الدين
وللسيد محمد البيروتي الدمشقي
إياك والمزح الكثير ... فإنه نصف النكد
وإلى حسودك لا تمل ... نصف العداوة من حسد
ولبعضهم
إن رمت تدعى كاتباً يا ذا العلا ... وتكتب الخط الفريد المنتظم
فجود الأقلام وأحسن قطها ... فنصف حسن الخط في قط القلم
وله
ملك بالحسن قد جار ولم ... يخش في الجور وثيبات الزمن
أنصف المظلوم وأرعى حقه ... إن نصف الناس أعداء لمن
ولآخر
أفدى مليحاً جفاني ... وزاد بالهجر صده
عطفاً بحال محب ... فالعطف نصف الموده
стр. 507
ولآخر
كن حامداً لله مهما استطعت ... ففي أي حال يرى منعما
واسئل من الله حفظ العيون ... فإن عور العين نصف العما
ولآخر
فرج عن النفس وكن ... مؤملاً للنعم
لقد أتانا مسنداً ... الهم نصف الهرم
ننتهي وقد أطلنا في ذلك وأكثرنا عبور هذه المسالك الا أنه لم يخل من لطافة وكانت وفاة المترجم في سنة سبعين ومائة وألف ودفن بالجبانة الارسلانية رحمه الله تعالى.
عامر القدسي
عامر الشافعي النابلسي ثم القدسي الشيخ العالم الفاضل الورع المحدث المرشد الصالح الفالح الفقيه كان ملازماً للعبادة والافادة صاحب قلب عامر وذكر عاطر من علماء القدس المقيمين على آداب العبودية عمر أوقاته بين تعليم وارشاد وذكر وفكر محيي الليالي بالمشاهدة والمجاهدة ملازماً للمسجد الأقصى قانعاً بالقوت معرضاً عن السفساف وقد استفيض عنه إن بعض تلامذته دخل عليه في حجرته فلم ير الا فروته فرجع فوقف على باب الحجرة فإذا هو يسمع صوت الشيخ وهمهمته فالتفت فإذا الشيخ في مكانه فعرف قدره عند ذلك وحاله وكان دابه الخمول وترك الفضول لم يدنس نفسه بطمع صابراً ينتشر العلوم النافعة معرضاً عن لذة الدنيا وكانت له حواشي على بعض المؤلفات المعتبرة وأصله من نعير بنون وعين مهملة وراء مصغرة قرية من قرى نابلس وكان من المعمرين في السن ولم يزل على حالته الحسنة المرضية في أطواره وأحواله على مدى الأوقات إلى أن توفي وكانت وفاته في سنة أربعين ومائة وألف ومائة وألف ودفن في تربة باب الرحمة رحمه الله تعالى.
عامر المصري
عامر الشافعي المصري الضرير نزيل حلب الشيخ المقري الفاضل الماهر المتقن الاستاذ ولد في حدود الثلاثين وألف وأخذ بمصر وجوه القراآت عن شيوخ الحافظ البقري المشهور وعنه وقدم حلب قبل المائة وألف من السنين ونزل بالمدرسة الحلاوية وأخذ عنه قراء وقته كالشيخ يوسف الشراباتي والشيخ إبراهيم السبعي المحبي وخلائق وانتفع به الناس وكان دمث الأخلاق أخبر تلميذه الفاضل
стр. 508
المتقن الشيخ عمر امام جامع الرضائية إنه قرأ عليه القرآن قبل وفاته بشهور قلائل قال كان لي اخوان يقرآن عليه فأخذني أحدهما يوماً معه وكنت في سن الثمان سنين فرأيت شيخاً كبير السن فلما قبلت يده قال لأخي هذا صغيركم سنه فقال له ثمان سنين فضجر وقال لأخي خذه إلى المكتب فقال له أخي إنه ختم القرآن ونريد أن تشرفه تبركاً بالقراآت فقرأت حصة من سورة البقرة فأعجبته قرآءتي وقال لأخي دعه عندي يخدمني إن شاء الله تعالى ينتفع بالقرآن فأقمت عنده غالب الأوقات إلى أن مرض وكنت وصلت إلى سورة إبراهيم ﵇ فأتيت يوماً وطرقت باب الحجرة عليه فقال من هذا فقلت عمر فقال رح عني أنا غداً أموت فذهبت فلما كان ثاني يوم أتيت فرأيته توفي وأخرجه ضابط بيت المال من الحجرة وختمها وظهر عنده دراهم وحوايج انتهى وكانت وفاته في سنة ست عشرة ومائة وألف ودفن بمقبرة العبارة خارج باب الفرج رحمه الله تعالى.
عباس الوسيم
عباس بن عبد الرحمن بن عبد الله الملقب بوسيم على طريقة شعراء الفرس والروم وكتابهم الأحدب الحنفي القسطنطيني الأديب الحاذق الطبيب الماهر العارف قرأ كتباً عديدة في علم الطب وأخذه عن الاستاذ علي البروسوي الطبيب السلطاني وبلديه عمر شفاي البروسوي ومهر في الطب وطالع غالب كتبه وأخذه أخذ حاذق خبير وأتقنه وأخذ علم الحكمة عن العالم أسعد الياينوي وقرأ عليه بالفارسية وأخذها عنه وقرأ كتاب المثنوي وغالب الكتب المفيدة بالفارسية على أساتذة أجلاء وأخذ الخط التعليق عن الاستاذ محمد رفيع كاتب زاده قاضي العساكر ورئيس الأطباء في الدولة وبرع بالأدب والطب والحكمة وغيرها من الفنون وشرح زيج الغ بيك في علم النجوم وألف كتاباً في الطب سماه الدستور الوسيم وله غير ذلك من الآثار وفتح حانوتاً بالقرب من جامع السلطان سليم خان واشتهر في دار الخلافة وكان ينظم الشعر المرغوب في التركية وله ديوان معروف توفي في شوال سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف.
عبد الباقي التاجر
عبد الباقي بن أحمد التاجر الموصلي الشافعي عالم وقته وفريد دهره كان له الذكاء المفرط والفطنة التامة والمعرفة الكاملة مبرزاً في المعقول والمنقول ولد سنة ثلاث وتسعين وألف بالموصل ونشأ بها واشتغل أولاً بالتجارة ثم ترك ذلك وقرأ على الشيخ إسماعيل بن جحش الموصلي وغيره من الفحول وله تآليف عديدة وتعليقات
стр. 509
مفيدة منها منظومة في النحو وكان على جانب عظيم من الصلاح ترجمه في الروض فقال أحد التجار المتخذ تعاطي الكمال من أعظم الفخار فكم له في سوق الأدب من بضاعة وكم له في صياغة المعارف من بديع صناعة فهو رواء الصادي ومورد الغادي والبادي وهو الثابت الأصول والمرهف الفصول حج من طريق العراق سنة احدى ومائة وألف وكانت وفاته سنة سبع وثلاثين ومائة وألف ودفن بالموصل رحمه الله تعالى.
السيد عبد الباقي مغيزل
السيد عبد الباقي بن عبد الرحمن بن محمد المعروف بابن مغيزل الشافعي الدمشقي الشريف لأمه لكون والدته ابنة السيد السند موسى الصمادي الامام العالم الفاضل البارع النحوي المفنن ولد في حدود الستين بعد الألف واشتغل بطلب العلم بعد أن تأهل لذلك فأخذ الفقه عن الشيخ محمد العيسى والشيخ علي الكاملي والحديث عن الشيخ أبي المواهب والنحو عن الشيخ نجم الدين الفرضي والمعاني والبيان عن الشيخ إبراهيم الفتال وأصول الدين عن الشيخ يحيى الشاوي المغربي وبرع وساد ودرس في الجامع الأموي في فنون من العلم وعكف عليه الطلبة للاستفادة وكان فصيحاً ذكياً ومن محاسنه إنه كانت له منقبة عجيبة ماتت بموته وهي إنه كان إذا حضر في محضر فيه أحد من أهل العلم ذكر في التفسير مبحثاً من تفسير البيضاوي أو تفسير الزمخشري أو مبحثاً في الفقه أو في المعاني والبيان أو في معنى بيت شعر فينتشر البحث ويستفيد غالب الحاضرين ممن يكون من طلبة العلم أو يكون له فهم وذلك مع الأدب والانصاف والتواضع منه ويسلم المجلس من لغو الكلام والغيبة ويحمده على ذلك أهل الديانة من الحاضرين وينقبض منه من كان بخلاف ذلك فتنبعث همم غالب الحاضرين من أهل العلم على مراجعة تلك المسئلة التي ألقاها والمسائل التي جرها البحث في كتب العلم فمن فوائده إن من العطف نوعاً يسمى العطف التلقيني وهو إن تعطف جملة على جملة ويختلف قائلهما ويكون المتكلم بالجملة الثانية مذعناً لمضمون الجملة الأولى كقوله تعالى قال إني جاعلك للناس اماماً قال ومن ذريتي وذكره الشيخ خالد في باب العطف من شرح التوضيح ومن فوائده إن الأكبار من أسماء الحيض وقد ذكر بعض المفسرين في أكبرنه من قوله تعالى في سورة يوسف فلما رأيته أكبرنه إنه بمعنى حضن على الحذف والإيصال أي أكبرن منه وفوائد المترجم كثيرة ولولا الاطالة لذكرت منها شيأً كثيراً وكان ديناً مواظباً على حضور الجماعات بالجامع الأموي وعيادة المرضى وشهود الجنائز وترجمة الأديب السيد الأمين المحبي في نفحته وذكر له من شعره وقال
стр. 510
في وصفه من الزمرة الأولى من أخلائي ومن به أشرق في أبان رونقه وجه اجتلائي فاستهليت أنا وإياه العيش بدرياً وهززت غصن اللذات غصناً طرياً في زمان عيون سعوده روان والآمال فيه دوان ما بين بكر وعوان لم يتعد فيه أرضي عن أرضه ولم نأل فيه من القيام بنفل الود وفرضه ولم يتنسم أحدنا أخاء الأهب الآخر معه رخاء وهو ممن خلصت ذاته خلوص الذهب على اللهب وتميزت بما أحرزته من نسب شريف وحسب ونشب تليد ومكتسب شمر في الطلب عن ساق وأبدى بدائع حسن واتساق وله براعة تعرب عن لسان ذليق وذهن متوقد يزينه وجه طليق وفضل يستغني عن المدح وشعر يعلم الحمامة الصدح قد استخرجت له ما هو كالروض المعطار تضحك ثغور نواره عن بكاء الأمطار انتهى ما قاله ومن لطائف الأمين تنكيته عليه بقوله وشعر يعلم الحمامة الصدح وقد أشار إلى نكتة وهي أن والد المترجم كان يلبس الثياب البيض فكان يلقب بالحمامة فأشار الأمين بذكر الحمامة إلى هذا اللقب وهذا التنكيت حسن بخلاف الأديب الشيخ سعيد السمان فإنه قل إن يأتي في تراجمه بمثل ذلك بل غالب تراجمه قدح ظاهر كما هو مسطر في تراجمه التي ذكرتها في هذا الكتاب فراجعه إن شئت ومن شعر المترجم قوله
أواه من ذلك الخشف الذي سنحا ... من أكسب المستهام المبتلي برحا
لم أنس إذ مر مختالاً بقرطقه ... من دونه ذلك القد الذي رجحا
يزور لحظاً بطرف زانه حور ... فكم طريح على فرش الضنى طرحا
وكم دواعي الهوى من كل جارحة ... تستخبر القلب عنا آية جنحا
قال الأمين وبعث إلي بهذه الأبيات وكان وافاني ولم يجدني في بيتي
يا ماجداً حاز السيادة يافعاً ... وغدا بأثواب البراعة يرتدي
من مذكري عهد الشبيبة والصبا ... والعيش مع وصل الحسان الخرد
كم مرة قد جئت نحو حماكم ... كي أن أفوز برؤية الوجه الندي
فلسوء حظي لم تجدكم مقلتي ... فرجعت من ذاك الحمى صفر اليد
فكتبت إليه
مولاي من دون الأنام وسيدي ... بلغتني بالسعي أسنى سؤدد
وافيتني والبيت مني مقفر ... من سوء حظي والزمان الأنكد
هي عادة الأيام أرجو صاحباً ... فيصده قدر علي بمرصد
وإذا أبيت فتى وعفت دنوه ... الفيته نفسي يروح ويغتدي
стр. 511
وللمترجم
كلما رمت خلاصاً من هوى ... ظبي أنس حبة القلب ملك
قال لي حسن حواه كم له ... من شج مثلك ملقى في الفلك
وقوله
قلت إذ جاء صاحبي ... يشتكي حرقة النوى
كيف شكواك إننا ... كلنا في الهوى سوا
وهذا المصراع قد أكثر الناس من تضمينه وأشهر تضامينه قول بعضهم
قل لمن جاء يشتكي ... باهتمام من الهوى
لأتفه بالذي جرى ... كلنا في الهوى سوا
قال الأمين وأنشدته يوماً قولي معمياً باسم موفق
من ولاة الجمال سلطان حسن ... حكمته القلوب فازداد عجبه
حد للقلب مذ سما حد سر ... نازل في حشاه ما راق حبه
قال فحله وحلاه فقلت أخاطبه
مولاي يا حلال كل مشكل ... بفمه ورأيه السديد
أفديك مذ حليت ما عميته ... حليت قلبي وفمي وجيدي
فقال هذا يشبه قول العفيف
قد قلت لما أدار شداً ... بخصره يا مهفهف القد
حليت قلبي وعقد صبري ... وعاطل الخصر منك بالشد
وطالما جال في خلدي من أي نوع هذا من أنواع البديع فقلت له قد ذكر البدر الدماميني في حاشيته على شرح لامية العجم إنه نوع من الاستخدام وأنشد منه قول ابن نباتة
رشفتها في مكان خلوتها ... وجيد الحسن ثم قد جمعا
حلت مذاقاً ومشرباً وفماً ... والجيد والشعر والصفات معا
وفيه استعمال كلمة واحدة على ستة معان وقدم إن مثل هذا لم ينصوا عليه في الاستخدام انتهى وكتب إليه الأمين المذكور يستدعيه إلى منتزه بالشرف الأعلى بدمشق في يوم شرف الشمس سيدي النفس خضراً والربيع أخضر وأنا شريف وأنت شريف فما علينا أن نهجر المألف والمربع ويجمع بين هذه الفصول الأربع في زمن تعتدل فيه الطباع وتقف عليه الخواطر والأسماع فانهض لنكون ألفين ولك الأعلى من الشرفين في يوم حل به شرف
стр. 512
الشمس واتدلت الحواس الخمس فهناك أنشدك باللسان مع موافقة الجوارح والجنان
لم لا أتيه في العلا ... على جميع السلف
والسيد الشريف قد ... شرفني في الشرف
وكانت وفاة المترجم في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين ومائة وألف رحمه الله تعالى ورثاه الأديب الشيخ سعيد السمان بقصيدة مطلعها
مصاب لقد عم الأنام عظيم ... وخطب على مر الزمان يدوم
ورزء تكل اللسن عن شرح وصفه ... وفي القلب منه مقعد ومقيم
الا لا رعى الله الفراق ويومه ... لقد عاد صبري منه وهو هزيم
وتباً لدهر لا تزال صروفه ... لتكدير أوقات السرور تروم
أرتنا بوقع الحادثات عجائباً ... يشيب لهن الطفل وهو فطيم
فحاذر ولا تغتر يوماً بصفوه ... فما هو الا للأنام هموم
فكيف وقد حلت أكف صروفه ... من المجد وسط العقد وهو نظيم
همام حوى الأفضال والحلم والتقى ... لسؤدده بدر الفخار خديم
هو الجهبذ النقاد والصدر كهفنا ... وحيد السجايا والخلال كريم
فيا حر قلبي كيف يلتذ بعده ... وأطلب عيشاً ناعماً وأسوم
ويا لهف نفسي كيف أصبح في الثرى ... وقد كان شمساً والكرام نجوم
عبد الباقي الحنفي
عبد الباقي بن علي الحنفي الوارنوي نزيل قسطنطينية الفاضل الأديب الفقيه البارع أحد المشاهير من الأفاضل قدم قسطنطينية وصار خادماً في تربة السلطان أبي الفتح محمد خان وأحد كتبة الأسئلة في باب شيخ الاسلام ودخل طريق المدرسين ولازم على عادتهم في سنة احدى وخمسين ومائة وألف وتنقل بمراتب التدريس حتى وصل إلى الثمان ومنها خرج بقضاء أزمير وقربه وأحبه مفتي الدولة المولي ولي الدين وجعله شيخاً ومعلماً لولده المولى محمد أمين وكان مع فضله ينظم الشعر العربي ورأيت له تخميساً على قصيدة بانت سعاد وله غيره من الآثار وكانت وفاته في ثاني عشر صفر سنة سبع وثمانين ومائة وألف والوارنوي نسبة إلى وارنة بلدة في روم ايلي معروفة.
عبد الجليل المواهبي
عبد الجليل بن أبي المواهب بن عبد الباقي الحنبلي الدمشقي الشيخ العالم المحقق المدقق الفهامة الامام الفاضل ولد بدمشق في سادس شعبان سنة تسع وسبعين
стр. 513
بعد الألف ونشأ بها في كنف والده المتقدم ذكره واشتغل بطلب العلم على والده وعلى غيره ولازم الشيخ إبراهيم الفتال ومفتي دمشق الشيخ إسماعيل الحايك والشيخ عبد القادر ابن عبد الهادي أخذ عنهم الأصلين والنحو والصرف والمعاني والبيان والعلامة الشيخ عبد الرحيم الكابلي نزيل دمشق وأخذ الفقه والحديث ومصطلحه عن والده وقرأ على الشيخ عثمان القطان وأجازه المحقق الرباني الشيخ إبراهيم الكوراني نزيل المدينة المنورة والعلامة السيد محمد البرزنجي الكوراني نزيلها أيضاً وبرع في المعقولات لا سيما النحو والصرف والمعاني والبيان وجلس للتدريس بالجامع الأموي وعكف عليه الطلبة للاستفادة وكان عجباً في تقرير العبارة يؤديها بفصاحة وبيان وله من التآليف نظم الشافية في الصرف وشرحها شرحاً حافاً وله تشطير بديع على ألفية ابن مالك في النحو وله أرجوزة في العروض وغير ذلك من الرسائل وكان وقوراً ساكناً كثير البر بوالده وشوهد مراراً إذا كان في درسه ومر عليه والده يقوم من الدرس ويأخذ مداس والده منه ويمشي خلفه بأدب وسكينة ويلازم حضور دروس والده بالجامع الأموي بين العشائين وكان والده يحبه كثيراً ويحترمه ويدعو له لما كان عليه من البر والديانة والصيانة وملازمة الطاعات وكف اللسان عن اللغو والانقطاع عن الناس وكان ينظم الشعر الباهر فمنه قوله مشطراً الأبيات المنسوبة لجعفر الصادق ﵁
عتبت على الدنيا وقلت إلى متى ... تسيئين صنعاً مع ذوي الشرف الجلي
أفاقدة الانصاف حتى عليهم ... تجورين بالهم الذي ليس ينجلي
فكل شريف من سلالة هاشم ... بسيء حظ في مذاهبه ابتلي
ومع كونه في غاية العز والعلا ... يكون عليه الرزق غير مسهل
فقالت نعم يا ابن البتول لأنني ... خسيسة قدر عن علاكم بمعزل
وأما اساآتي فذلك انني ... حقدت عليكم حين طلقني علي
وقوله مشطراً هذه الأبيات المنسوبة لأبن عباس ﵄
أحبوا الخيل واصطبروا عليها ... فإن بها المسرة والكمالا
وراعوا حقها في كل وقت ... فإن العز فيها والجمالا
إذا ما الخيل ضيعها أناس ... انلناها الترفه والدلالا
فخير في نواصيها أقتضي أن ... حفظناها فأشبهت العيالا
نقاسمها المعيشة كل يوم ... ولا نخشى لنعمتنا زوالا
стр. 514
ونلبسها المحاسن من حلي ... ونكسوها البراقع والجلالا
وقوله مذيلاً على البيت الأول
إذا ملك لم يكن ذاهبه ... فدعه فدولته ذاهبه
فجد للفقير بما يبتغي ... وأفضل مالك كن واهبه
ولا تلف دهرك مستوهباً ... فخير اليدين يد واهبه
وفي الله عن كل شيء غني ... فكن راغباً فيه أو راهبه
ونل طيب العيش وأنعم به ... ولا تك أشعث كالراهبه
وعمرك راس جميع الذي ... ملكت فبالخير كن ناهيه
وحاذر معاصي الآله التي ... تكون لأجر الفتى ناهبه
ومن مال ربك أنفق فما ... تملكت عارية لاهبه
ودم في علاه لترقى العلا ... وتنجو من ناره اللاهبه
وقوله
يا واجداً من بديع الحسن أجمله ... مالي جيدك عني كنت آمله
أليس يحرم لي الواجدين كما ... نص الآله على هذا وأنزله
وقوله
أيها المكتسي رداء جمال ... فوقه برنس المحاسن زانه
من ينعم بنظرة منك يوماً ... أذهبت عنه دائماً أحزانه
وسلا أهله وكل حبيب ... كان يهوى كما سلا أوطانه
وقوله
سلم لله الأمر ولا ... تيأس أبداً من رحمته
جهلت نفس عرفته وما ... رضيت بنفوذ أرادته
عجلاً يأتيك الروح إذا ... سلمت له ولحكمته
لله الأمر فلا تضرع ... للخلق وخف من نقمته
أوما المولى ملك أحد ... ذل الأملاك لعزته
للحال وإن ضاقت فرج ... يأتي المهموم بنصرته
لبين بذلك قدرة من ... تجري الأشياء بقدرته
هون ما ضاق عليك ولا ... تيأس أبداً من رحمته
بينا الانسان يرى قلقاً ... مما يخشى من فاقته
عاد التوسيع عليه بما ... يجري المكروه بسرعته
стр. 515
دع ما يدعوك إلى الدنيا ... من حب المال وفتنته
فعسى المولى يؤتيك غنى ... ويزيل الفقر بنعمته
سله ما شئت فإن جميع ... الخير له في قبضته
وبه يرجوه أخو الضرا ... والكرب لدفع مضرته
يا نفس ثقي بالله عسى ... تحظى برضاه وجنته
سعدت نفس أبداً رضيت ... بقضا المولى ومشيئته
رفقاً يا رب بمن يرجو ... منك التفريج لكربته
أرحمه وجد بالعفو فأنت ... هو الغفار لزلته
بمحمد المختار وبالآ ... ل الأطهار وشيعته
وقوله في فوارة ماء
انظر إلى فوار ماء حكى ... رأس عجوز أبيض اللمين
منتشر الشعر يرى دائماً ... مضطرباً يميل للجانبين
كأنها ثملى من الخمر أو ... رعضاوة أو تلطم الوجنتين
وقوله أيضاً
انظر إلى فوارة قد حكت ... جارية قوامها كالغصين
أرخت على أعطافها حلية ... بديعة مثل خيوط اللجين
وفي الفوارة للاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي
رب فوارة زهت تتثنى ... بقوام دبت به الخيلاء
كقضيب الألماس لأبل كغصن ... من لجين فاعجب له وهو ماء
وله فيها
ورب فوارة راقت نواظرنا ... ومن يشاهدها قد حركت طربه
يعلو وينزل فيها الماء منحدراً ... كأنه طاسة البلور منقلبه
وفي ذلك قول الوجيه المناوي
فوارة تشبه في شكلها ... سبيكة من فضة خالصه
تلهيك في الحسن فقد أصبحت ... جارية ملهية راقصه
وقال ابن تميم مع التضمين
لوكنتها أبصرتها فوارة ... للشمس في أمواجها لألاء
لرأيت أعجب ما يكون ببركة ... سال النضار بها وقام الماء
وفي الفوارة تشابيه كثيرة اقتصرنا منها على ما ذكر وكانت وفاة المترجم في جمادي
стр. 516
الثانية سنة تسع عشرة ومائة وألف ودفن بتربتهم شرقي مزار الشيخ بكار بمرج الدحداح وتأسف عليه الغالب من الناس لا سيما والده فصبر واحتسب ورثاه الشيخ سعدي العمري بقوله مؤرخاً وفاته
ألا تباً ليومك من ذميم ... أيا فرد الفضائل والفهوم
أبحت لنا به أسفاً وحزناً ... يزيلان الحياة عن الجسوم
وغادرت الزمان بلا امام ... يرينا كيف فائدة العلوم
فلو تفدي النفوس فدتك منا ... قلوب من حمامك في حميم
ولكن لأمرد لما قضاه ... علينا الله في الأزل القديم
وحين قضى امام العصر طراً ... أتى التاريخ بيتاً من نظيمي
جزاه الله عن دنياه مجداً ... وأسكنه بجنات النعيم
عبد الجليل السباعي
عبد الجليل بن يحيى المعروف بالسباعي الشافعي الحمصي الشيخ العالم الفاضل الجهبذ الكامل ارتحل إلى مصر وانقطع في جامعها الأزهر مدة مديدة وسنين عديدة وبذل الاجتهاد وأخذ عن اجلاء العلماء كالعلامة خاتمة المحققين الشيخ عبد الرؤف البشبيشي الشافعي والامام الكبير الشيخ أحمد الخليفي الشافعي وغيرهما ثم عاد إلى حمص وذلك في سنة عشرة ومائة وألف فأحيى العلوم فيها واستفاد منه جمع كثير وكان محققاً مدققاً له ورع وخشية مهاباً وقوراً وله بذل وكرم للفقراء والأيات كما أخبرني بذلك قريبه مفتي حمص الآن وكانت وفاته تقريباً في سنة خمس وأربعين ومائة وألف ودفن خارج حمص بالقرب من سيدي خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه.
عبد الجليل السنيني
عبد الجليل المعروف بالسنيني الحنفي الطرابلسي الشيخ الفاضل الفقيه كان من العلماء المدرسين الأفاضل له مهارة في استخراج المسائل وتصويرها بأوجز عبارة وكتب حصة على الدرر والغرر حسنة لكنه أعجبه زيادة فهمه فتعلق بحبال العقل والخيال وترك ميزان النقل في تتبع الأقوال وقال هم رجال ونحن رجال وزاده به حاله حتى زعم انه ممن حقق في دعواه كالكمال وتعرض بالاعتراض على الامام محمد بن ادريس فتبدلت تلك الفنون بأنواع الخبل وصنوف الجنون كما قيل والجنون فنون ولم يزل جليس بيته إلى أن مات وكانت وفاته في سنة اثنين ومائة وألف والسنيني بضم السين نسبة إلى سنين قرية من نواحي طرابلس الشام رحمه الله تعالى
стр. 517
عبد الجواد الكيالي
عبد الجواد بن السيد أحمد بن عبد الكريم بن أحمد المتصل نسبه إلى الولي الشهير الشيخ الكيالي ﵁ الشافعي الرفاعي النقشبندي السرميني المولد الحلبي المنشأ والوفاة العارف الكامل والمحقق الواصل الاستاذ الفاضل الصوفي المعتقد ولد في محرم سنة تسع ومائة وألف بسرمين وبها نشأ في تربية والده إلى سنة عشرين فتوفي والده وخلف خال المترجم الشيخ إسماعيل وهو من أهل العلم والصلاح وأوصاه بأن يحسن تربية المترجم فأتى به خاله إلى محل إقامته في ادلب فقرأ بها القرآن في أيام قلائل ثم صار يتفقه على مذهب الامام الشافعي علي العارف المشهور الشيخ عمر الفتوحي ثم صار يتردد إلى حلب لأجل طلب العلم فقرأ على الشيخ عبد القادر المخملجي المقيم بالمدرسة الثعبانية وعلى الشيخ إبراهيم المقيم بالأشرفية الفقه والعربية وغيرهما وكتب له الاجازة ففي سنة اثنين وثلاثين توفيت زوجته ومن حصل له منها من الأولاد وهو في حلب فقطن بها للأشغال والاشتغال وقرأ على شيخ الشافعية بزمنه الشيخ جابر الفقه والحديث وعلى الشيخ سليمان النحوي المعاني والمنطق والبيان وغير ذلك وحضر العلامة أبا السعود الكواكبي في تفسير البيضاوي مع جملة فضلاء ذلك العصر إلى أن برع في العلوم المذكورة وغيرها من العلوم الشرعية والعقلية وفرغ له شيخه الشيخ عبد القادر المذكور عن وظيفة الحديث في الجامع الأموي بحلب وجامع بشير باشا فقام بهما والشيخ يتناول معلوم الوظيفتين إلى أن توفي الشيخ واستمر على الاقراء مدة مديدة ثم إنه ترك جميع ذلك وانقطع عن الناس في البيت وأقبل على شأنه وكانت له معرفة تامة ويد طولى في الفنون الغريبة والاشتغال بها وتآليفه جليلة فيها لكنه لم يتظاهر بمعرفة شيء وأحرق جميعها ولم يبق شيأً لأله ولا لغيره وأعرض عن ذلك كله وكان كلما حدث بشيء من ذلك يبكي ويستغفر وأقبل على الاشتغال بعلم السادة الصوفية ومطالعة كتبهم ولم يكن قبل ذلك مشتغلاً بالعلوم المذكورة بل كان مكباً على العلوم الرسمية ثم إن خاله المذكور قبيل وفاته أرسل له بالخلافة والاجازة ومن جملة ما كتب له هذا وقد حبب إلى أن أجيز مولانا بما أجيز لنا به تطفلاً مني على سبيل الهجوم وإن كان غنياً عن ذلك بما حواه من دقائق العلوم فكمالاته العلية لا تحتاج إلى نقصنا لكن هكذا جرت عادة هذه الطائفة فهي من بركات السلف عائدة على الخلف كالبحر يمطره السحاب وماله من عليه لأنه من مائه انتهى فاستمر المترجم على الانقطاع في بيته وكان قد تعاطى الأسباب المعاشية نحو ثلاث
стр. 518
مرات فتعسرت عليه المعيشة فترك ذلك وجلس على الفتوح فكان يأتيه رزقه من حيث لا يحتسب فتارة يكون في سعة وتارة يكون في ضيق وكان يقبل ما يأتيه من النذر ولا يقبل ما يأتيه من الهدايا ولو كانت سنية وكانت الناس تقصده في حوائجهم فتقضي بتوجهاته ودعائه كما اشتهر ذلك عنه ورزق القبول التام عند الخاص والعام مع المهابة والتوقي والاحترام وكان حاله الستر والخفا والتمكن وله أصحاب مخصوصون يجتمعون به في أول النهار والليل وكان الغالب عليه التكلم في وحدة الأفعال ظاهراً وقليلاً ما كان يتكلم في وحدة الصفات والذات ظاهراً وكان معلناً بمحبة السادة الصوفية وكان يثني كثيراً على الاستاذ العارف الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي وكذلك على كتب العارف الشعراني ﵃ وأخذ عنه اناس كثير من حلب وغيرها واعتقدوه وتلمذوا له ولم يدع من تآليفه غير رسالتين الأولى في المشط المصنوع من الباغه سماها الاساغه للتسريح بالمشط المعروف بالباغه والثانية في الحديثين اللذين أخرجهما في مسند الفردوس ما روي عنه ﷺ من قوله من قال أنا مؤمن فهو كافر وقوله ﵊ من قال أنا مؤمن حقاً فهو كافر أو منافق وكانت وفاته بحلب في صبيحة يوم الأربعاء العشرين من جمادي الآخرة سنة اثنين وتسعين ومائة وألف ودفن في بيته باشارة منه قبل وفاته بنحو سنة والآن يزار مرقده رحمه الله تعالى.
عبد الحي البهنسي
عبد الحي بن إبراهيم بن عبد الحي المعروف بالبهنسي الحنفي الدمشقي الشاب الأديب الفاضل العروضي الماهر المتفوق كان ﵀ من الأفاضل الكمل فقيهاً نحوياً وله خط حسن وتقوى وعفاف ولد بدمشق في سنة خمس وثلاثين ومائة وألف ونشأ بها وتوفي والده المقدم ذكره وهو مراهق فقرأ القرآن على المقري الشيخ إبراهيم الحافظ الدمشقي وقرأ واشتغل في العلوم فقرأ العربية على الشيخ محمد التدمري الطرابلسي والشيخ عبد الرحمن الصناديقي والشيخ محمد الخمسي المغربي نزيل دمشق وقرأ المغنى في النحو على الشيخ علي الداغستاني نزيل دمشق وقرأ على الشيخ إسماعيل العجلوني الدمشقي وأخذ الفقه عن الشيخ صالح الجينيني وقرأ العروض والصرف على الشيخ محمود الكردي والفرائض والحساب على الشيخ مصطفى اللقيمي الدمياطي نزيل دمشق وقطن في مدرسة السيد فتح الله الفلاقنسي الدفتري التي أنشأها في محلة القيمرية منعزلاً عن الناس ومجانباً لهم ونظم الشعر
стр. 519
الحسن فمما وصلني منه ما كتبه للأديب محمد مكي الجوخي الدمشقي وهو قوله
يا من رقى فسما السما ... ومن البدور تعلما
وازداد عن شرف البدور تلطفاً وتكرماندب إذا واجهته
أعمى لزال به العمىفتراه كالبحر المحيط إذا حلا يبري الظما
يبدي الجواهر من سليمالفكر كي تنتظماوغير القافية دون البحر فقال مكملا
لا زالت الأعدا فدالمن استنار به السناهو سيد من لطفه
الباهي الزهي تكونامن عذب أوصاف لهتزري ببهجته الجنى
لما انثنى ما أبهج الاعطاف منه والينايا قلب ان يممته
عانى لزال به العناوقصدت فيحا جودهمتأدباً نلت المنى
شهم كمى اسمهالقلب أسكنه أنافي حلبة لو بارزت
هـ قنا تكسرت القنايحوي بجد كل قصدرامه متمكنا
لا زال ملحوظاً ومحفوظا فتى متحصناًما غرد القمري على
ايك يبشر بالهنا
فأجابه المذكور بقوله
أفريدة هاتيك أمأسلاك در نظماًأم شمس صبح أشرقت
أم بدر أفق قد سماأم عنبر الشحر الزكيأم نشر مسك قد نما
أم روض زهر يانعفمن النسيم تبسمالا بل نظام الشهم من
بالفضل صار مقدماًندب إذا يممتهتلقاه بحراً مفعما
فهو الذي من فضلهغرر المعاني استخدمامذ أقبلت في الطرس خل
نا من حلاها أنجمايا حسن أبيات زهتبالحسن ما أحلى وما
من عذب ألفاظ بهاتبري من القلب الظماأنى يضاهي حسنها
عقد لآل نظماًفهاك مني مدحةفأقبل لها متكرما
واعذر أخاك فإنهلولا ودادك أحجمالا زلت ترقى رتبة
من دونها بدر السماما هيمنت ريح الصباأو غبث مزن قد همى
وكتب إليه الأديب مكي المذكور هذه الأرجوزة ممتدحاً بقوله
حمداً لربي الواهب الفتاح ... الرازق المولي الندي المناح
الباسط الأرزاق ذي الآلاء ... فهو المجيب السامع النداء
ثم صلاة الله مع سلام ... على النبي المبدأ الختام
والآل والصحب الكرام النجبا ... مدى الدهور ثم ما هبت صبا
стр. 520
وبعد يا أخي منك قد أتت ... أرجوزة عن فضلكم قد أعربت
مشحونة من غرر المعاني ... فائقة قلائد العقيان
كاللؤلؤ المنثور نظمها حلا ... لأبدع أن تكون للجيد حلى
نظم الامام الأربحي الأكيس ... الفاضل المقدام نجل البهنسي
أعني به المفضال عبد الحي ... فياله من فاضل زكي
من أشرقت أنواره للأدبا ... فصار في أفق المعالي كوكبا
فهو البليغ البارع الملسان ... وهو الذي في عصره حسان
فهو الكريم ابن الكريم الأمجد ... الطاهر الأخلاق شهم أوحد
لقد غدا في كل فن كاملا ... وقد حوى الآداب والفضائلا
فالله ربي قد حباه فضلا ... إذ كان حقاً للمعالي أهلا
يا سيداً من بالكمالات ارتدى ... يا ماجداً بالروح حقاً يفتدى
إني وحق ودك القديم ... محبتي من باطن سليم
ما شابها زور ولا بهتان ... قلوبنا دليلها البرهان
اياك أن تغتر بالظواهر ... وكن حليماً من أولي البصائر
وأحرص على الأخوان والخلان ... يا ناقداً لا زلت في أمان
فقد فهمت الرمز بالكناية ... يا من غدا بين الورى كالآية
لا زلت في أوج الكمال ترتقي ... حتى يقال أنت بدر الأفق
فأجابه المترجم بهذه الأرجوزة
الحمد لله العليم الباقي ... مقدر الأعمار والأرزاق
القادر المختار في مراده ... يفعل ما يشاء في عباده
وبعد أنني أقول مجتدي ... من طاب في عنصره والمحتد
مذ غبت ليلة عن التشري ... يا سيداً عن خلك الضعيف
اشتدها جسمي وزاد وجدي ... وكدت أن أذوب وسط جلدي
فلم أجد لي مخرجاً ومخلصاً ... الا امتداحي صادقاً ومخلصا
جرثومة الجود أرومة الندى ... روحي لوضاح جبينه فدا
من قد غدت تعمنا هبانه ... لا برحت تكسي الهناء ذاته
من نظمه الشهي الرقيق الباهر ... أسلاك مرجان أو الجواهر
ينضد الألفاظ والمعاني ... كأنها قلائد الحسان
تفوق قسا ببديع النظم ... ولا يشوبه بقبح الخزم
стр. 521
ولا يمل من حديث فيه ... إذ كل لطف استقر فيه
يا من هو المصباح والنبراس ... في الليلة الليلاء والإيناس
يا صاحب اللب القوي الراجح ... أعف عن الخل وكن مسامحي
عدمت رشدي وكذا حواسي ... والله من مرارة الافلاس
إذ لم يغادر درهماً نفيساً ... مذ شام سيفه وصال عيسى
فملت لما اشتد بي عذابي ... إلى كتابتي للأكتساب
لا زلت في كلاءة الرحمن ... ولم تزل تسمو على الأقران
ما بزغت نجومك السواطع ... وشنفت نكاتك المسامع
ودمت في ذكائك الصحيح ... بالرمز تستغني عن التصريح
وكتب إليه أيضاً الأديب المذكور مكي نثراً وهو قوله سلام يتعطر برياه الوجود وترقى مخدرات قبوله في مطارف السعود وتحايا طاب شميمها ففاقت على العبير نشراً وعبقت فوائح رباها فزكت طيباً ونشراً وثناء تحلت الجوزاء بفرائده وتوشحت خود الحسان بقلائده إلى من سل مني سويداي ولبي وتملك بلطافته مهجتي وقلبي من نبغ بالفضل ففاق على أقرانه وداب في فن الأدب فصار فريد زمانه المنوه باسمه الكريم في صدر طرس هذا الرقيم كيف وهو بحر بكل فضل محيط وحائز المجد الكامل بالجود البسيط طويل الباع مديد المناقب وجهه كالبدر في الضيا متقارب بشهد له فضله الكامل فهو وافر الحكمة حسن الشمائل وجوهر فكره المنسرح خفيف السباحة في بحر الآداب المقتضب من كل فن ما زكا جناه وطاب ليس له في العلم مضارع ولا في المديح مشارك ولم يزل ضده في رجز من سريع بأسه المتدارك
رمل القلب يمدح ... فيك يا بحر المعاني
بنظام رائقات ... صاغها صب معاني
وكانت وفاة المترجم في ثامن وعشرين شعبان سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى.
عبد الحي الغزي
عبد الحي بن علي بن سعودي بن محمد نجم الدين المعروف بالغزي الشافعي الدمشقي ولد في السابع والعشرين من جمادي الثانية سنة ثمانين وألف وتوفي والده وسنه إذ ذاك دون الخمس سنين وأسند وصايته عليه إلى ابن عمه عبد الحرمن الغزي ورباه وأحسن تربيته وكفله أجمل كفالة وقرأ القرآن على الشيخ علي المقري
стр. 522
الصالح الملقب بالخناق وأخذ العلم عن كثير من الشيوخ منهم الشيخ إسماعيل الحائك المفتي والشيخ عثمان القطان والشيخ عثمان بن حموده والشيخ عبد الرحمن المجلد والاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي وأخذ الحديث عن الشيخ أبي المواهب الحنبلي والشيخ محمد الكاملي وروى الصحيحين مع بقية الكتب الستة غالباً عن عمه العلامة الشيخ عبد الكريم الغزي وعن الكاملي والنابلسي بسندهم المعلوم وحضر دروس النابلسي المذكور في الفتوحات وقرأ عليه باب الوصايا منه وأخذ عنه طريق الصوفية وأخذ طريق النقشبندية عن الجد ولي الله تعالى المحقق العارف الشيخ مراد اليزبكي الدمشقي وحج غير مرة واجتمع بكثير من أهل العلم والصلاح في الحرمين وأخذ عنهم منهم العالم الشيخ أبو طاهر الكوراني والقطب الرباني السيد جعفر العلوي نزيل مكة وكان لطيف الطبع حسن المعاشرة منطر حاوجيها ومحبباً عند الناس ودرس بالتربة الكاملية باطن دمشق شمالي الجامع الأموي بحضرة جمع من الأفاضل وأعاد لعمه الشيخ عبد الكريم درس الشامية لكبرى وكانت وفاته في عصر يوم الخميس عند رفع المؤذنين أصواتهم على المنابر بالآذان قائلاً الله الله ثاني أيام التشريق سنة سبع وثلاثين ومائة وألف ودفن بتربة الشيخ أرسلان عند أسلافه رحمه الله تعالى.
عبد الحي الخال
عبد الحي بن علي بن محمد بن محمود الشهير بالخال وبابن الطويل الطالوي الحنفي الدمشقي الأديب الشاعر البارع كان اعجوبة وقته له مهارة في نظم الشعر والمواليا والموشح والهزل وغالب هذه الفنون وغير ذلك وديوانه متداول بأيدي الناس ولم يزل على حالته إلى أن مات وجمع كتاباً في الأدب سماه مرور الصبا والشمول وسرور الصبا والمشمول ورتبه على عشرة أبواب جمع به كل نادرة مستحسنة وحكاية لطيفة ومطارحة رشيقة وأشعار رائقة رقيقة وقرظ عليه الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي بقوله
أنقطة العلم نقطة الخال ... في الخد مما يشينه الخالي
كثرها الجهل وهي واحدة ... ما مثلها في زماننا الخالي
كتابها الروض صاح بلبله ... فهاج بالشوق كل بلبال
تفوح غب الحيا أزاهره ... ما ثوب صبري علي بل بالي
يجمع فضلاً ورونقاً وعلا ... كعذب ماء بطيب سلسال
لا تسأل المستفيد عنه به ... فإنه المستهام سل سالي
وقائع العاشقين رائقة ... بحسن معنى ولطف أقوال
стр. 523
رقة أشعار معشر سلفوا ... ضعيفها كالجفون أقوى لي
وترجمات حكت بلاغتها ... للسحر حيكت بحسن منوال
يقول من شام برق طلعتها ... أما لهذا الجمال من والي
قلنا نعم إنه مصنفها ... سما باكرامه واجلال
وفهمه أوضح الفهوم كما ... كما له في الذكاء أجلى لي
عليه مني السلام ما لمعت ... بقيعة الأرض لمعة الآل
وما بأوفى الصلاة عبد غني ... أتى لطه والصحب والآل
وترجم المترجم السيد محمد الأمين المحبي في ذيل نفحته وقال في وصفه فارس مجال ورب روية وارتجال تصرف إليه أعنة التأميل ويميل به حب القلوب كيف يميل لم تزل نفحاته تتعطر ورشحات أقلامه تتقطر فيروح النفوس بكلماته تروح الروض مجاري الأنفاس بنسماته وهو يقتنص الشوارد حيث يطاردها ويستخرج الدرر الفرائد حين يواردها بطبع متدفق المذانب وفكر يفل بحدسه المقانب نبه في عصره بشرب اليراعه وتنبل حتى أحرز وصف الفروسية والبراعه فذراعه حبل لكل مصيد ومهما أحسن بفائدة فله أذن سميع والتفات رصيد ففض عن فم الأماني ختماً ونال توجه القلوب إليه بالرغبة حتماً فما يشق غباره في حومة معاديه سوى قذى أسارير في أعين أعاديه وله آثار يدل عليها مع بيانه بنانه كما قيل يدل على الجواد عنانه أتيتك منها بما رق لفظه ومعناه فلهذا تقترحه النفوس وتتمناه انتهى مقاله ومن شعره قوله من قصيدة مطلعها
أمن قطرات الطل جسمك أم أصفى ... فقد كادت الألحاظ ترشفه رشفا
هتكت الورى فأردد لثامك عل ما ... تبدي من الثغر الشنيب لنا يخفى
وكف سهام اللحظ عن قلبي الذي ... أذيب هوى مذ شام أجفانك الوطفا
وعطفا على حالي وحقك انني ... عرفت الهوى لما ثنيت لي العطفا
جعلنا فدا تلك اللحاظ فكم بها ... رأينا فني لاقى الصبابة والحنفا
ويا ذا الذي واخى الرقاد جفونه ... تهن فطرفي فيك قد حارب الأغفا
إلى كم أقاسي كلما شمت بارقاً ... من الغور نيراناً من الوجد لا تطفى
شكوت فهل من رحمة لمتم ... يعض من الشكوى أنامله لهفا
زجرت المطايا حين مالت عن الحمى ... سحيراً ولم نشتم من طيبه عرفا
وقلت إلى من في مسيرك تقصدي ... فقالت لرب المجد والمورد الأصفى
سليل الكرام الصيد حقاً ومن له ... محامد لا تحصى وإن سطرت صحفا
стр. 524
مليك إذا ما الدهر أضعف برهة ... ووافى حماه الرحب لأرتاح واستشفى
وقوله
أثرها قد أضربها المقام ... قلوص حشو أضلعها غرام
وسيرها بزجر فالتهادي ... قصور فيه لم يدرك مرام
وجب فيها السباسب واقتبها ... وجز فيها كما جاز اليمام
وجد السير في طلب المعالي ... فأما ما طلبت أو الحمام
وارغم أنف من عذلوا ولاموا ... ولو أقذى محاجرك الرغام
مفارقة الحسام الجفن نفع ... ولولاها لما ضر الحسام
فلولا السعي ما فخرت أناس ... ولولا الفخر لم يروى امام
فإن ضاقت بك الدنيا وكلت ... قلوصك ثم أنحلها الركام
فعرج نحو جلق ثم نادى ... عليكم سادة الدنيا السلام
خصوصاً من إذا وفدت عليه ... وفود القاصدين فلا يضاموا
وقل نجل الفلاقنسي أعني ... ترى شهماً تكففه احتشام
شريف سيد أبدا لديه ... صفوف المجد اجلالاً قيام
يصلي نحوه الكرماء حتى ... ينالوا الجود فهو لهم امام
فكل منهم نجم مضئ ... وطلعة وجهه بدر تمام
وكلهم كشهر الصوم جودا ... وليلة قدره هذا الهمام
إذا ما رحت أنعت راحتيه ... فبحر تلك والأخرى غمام
وكل منهما للناس ركن ... وكم في الركن للناس استلام
وله من اخرى
كالغصن مالت في غلائلومضت ولم تشف الغلائلمالت كخوط أراكة
لعبت بها أيدي الشمائلنزلت بأكناف الحميلتظ لها تلك الخمائل
فتعطر النادي ونادى أهله أهلاً منازلورنت إلي بطرفها
فرأيت شخص الموت جائلوتكلمت فتكلمتأحشاي وازدادت بلابل
فعلمت إن حديثهاسحر يقصر عنه بابليا خلة النفس التي
ما بينها والقلب حائلهل من مقام اشتكىلك بعض ما قال العواذل
وابتكي بعض الذيفعلوا وما تلك الفعائلبلغوا مناهم عندما
سارت بهودجك الرواحلورأيت صبري والغرام مسافراً عني ونازل
стр. 525
أين استقلت يا ترىتلك المحاسن والشمائلمنها في المديح
بحر العلوم ومالهحد كما للبحر ساحلباهي بطلعته الشمو
س الطالعات ولا تماثلوسل السها عن قدرهفمحله تلك المنازل
ومنهاعبد الغني وان تأخرفهو قطب بالدلائل
فالرسل سيدها ختام المرسلين وهم أوائلحسبي بمدحك سيدي
فخراً على كل الأماثلوعلى علاك رضا المهيمنكلما غنت بلابل
وله من اخرى
أمقلدين الجيد في أجيادعطلتموا جفني بسلب رقاديإني غدوت وفيكم لي غادة
قادت فؤادي للردى بقيادتثنى الصبا أعطافها وأظنهميل الصبا بقواده المياد
لم أنس آخر ليلة قالت وقد ... وافى الفراق لنا وزم الحادي
والركب هم على الرحيل وأدمعي ... جزعا لهزات الرحيل غوادي
وتفطرت أحشاي من ألم النوى ... ونظمت در الدمع في الأجياد
ها قد سعدت بوصل مثلي برهة ... إن السعادة في وصال سعاد
ولقد سألت من الخلي ونحن في ... حزن الوداع وفرحة الحساد
نجل العيون هددن حيلك والقوى ... فأجبته والنار وسط فؤادي
نعم العيون وليس لي من ملجأ ... الا ابن صديق النبي الهادي
صدر الموالي ركن فضلهم الذي ... فيه سموا عزاً على الأطواد
رب السجايا النيرات ومن إذا ... تليت لنا أغنت عن الانشاد
منها
من رام يفخر عندكم قولوا له ... أنت ابن من نحن بنو الأمجاد
من جاء ثاني اثنين فيه فهل له ... نديماً ثله من الأنداد
نحن بنوه الضاربون قبابنا ... فوق السهى يرفيع كل عماد
عمد عليها للفخار سرادق ... آباؤنا نصبوه للأولاد
وإن التجى فرع إلى أبوابنا ... نزل الصياصي في ذرى الآساد
وله أيضاً
زار هذا الحبيب في ابانه ... وأتى والدلال أكبر شأنه
وسقاني من الرضاب شمولاً ... تركتني من صده في أمانه
قده العادل الرشيق علينا ... جار في حكمه وفي سلطانه
خده كالشقيق والخال فيه ... مثل قلب المحب في نيرانه
стр. 526
ساقني للغرام فيه جمال ... شاقني العجب فيه مع خيلانه
يالها من شمائل كشمول ... سرقت عقل ذي الحجى من مكانه
وقد عارض بها أبيات البحتري
لج هذا الحبيب في هجرانه ... ومضى والسرور أكبر شأنه
والذي صير الملاحة في خد ... يه وقفا والسحر في أجفانه
وأطعنا الوشاة فيه وقد أسر ... ف في ظلمه وفي عدوانه
يا خليلي باكراً الراح صبحاً ... وأسقياني من صرف ما تمزجانه
ودعا اللوم التصابي فإني ... لا أرى في السلو ما تريانه
وللمترجم
بالله أقسم والفلقإن المنية في الحدقلا بالسوابغ يتقي
سهم اللحاظ لا الدرقبل انما رسل المنايا في الجفون لمن رمق
سود العيون ونجلهاأرمين في قلبي الحرقحطمت جيوش الصبر حتى
ما بقي فيها رمق
وهي على منوال قصيدة ابن مطروح التي أولها قوله
بابي وبي طيف طرق ... عذب اللمى والمعتق
وقصيدة أحمد بن حميد الدين التي مطلعها قوله
اياك من سود الحدق ... فهي التي تكسو القلق
لا يخدعنك حسنها ... فالأمن يتبعه الفرق
وللمترجم
إني لأصبر في الملمات ... الثقال ولا أبالي
وأنازل البطل الكمي ... وأصده عند النزال
وأقارع الليث الغضنفر ... في ميادين المجال
لكن إذا مالوا الظبا ... بقدودهم تلك العوالي
ورأيت ما بين الحوا ... جب والخدود من الفعال
حلت عقود عزائمي ... وعجزت عن رد السؤال
وقوله أيضاً على هذا الأسلوب
إني الأفحم الغياض على الأسود بلا تحاشيوأجول ما بين القنا
والليل مسود الحواشيوإذا رأيت لواحظ الغزلان عن سحر نواشي
أرتاع من طير الفرا ... ش وانبرى ملقى الفراش
وهما على اسلوب قول البرقعي
стр. 527
إني أخاف من العيون النجل والحدق المراضوأزور ليث الغاب بال
هندي في وسط الغياضوإذا رأيت مور دالوجنات جمش بالعضاض
أيقنت إن سنيتي ... بين التورد والبياض
وللمترجم على وزن قصيد الأمين المحبي التي مطلعها
يا حبذا خضر الخما ... ئل في الرياض السندسيه
وهي قوله
نفسي أراها مشتهيهتقبيل وجنتك الطريهفاسمح بها في تلك أو
من هذه الشفة الشهيهأنا بين خدك ثم ثغركرحت نهب المشرفيه
وتقاسمت جسمي ظباتلك الظباء الجاسميةمن كل عضب قاطع
ضمن الجفون الكسرويهمالي على صيد المهاقلب ولا لي فيه نيه
ويلاه من حدق الجآذر انها رسل المنيهوأودها ترمي فلا
يغدو سوى قلبي رميهكلف بها ومحبتيلا بالتكلف بل سجيه
كم طالعت خيل المنون من الجفون لها سريهيا للعجائب انني
أسطو على الاسد القويهوتصيدني الطرر التيهي لأمر أشرك الرزيه
قوله
ترى من لصب لا تجف غروبه ... على رشف مسول ترف غروبه
حليف غرام قد تناءت دياره ... أليف سقام قد جفاه طبيبه
وقد لعبت فيه يد البين والنوى ... وسدت عليه طرقه ودروبه
إذا ما غدت عنه من البين رعدة ... أتت رعدة تضني واخرى تريبه
خذي يا صبا عني رسالة مغرم ... يحبي بها صنو الرشا وقريبه
وقولي سلام عن غريب تركته ... وقد أزعج الأحياء منه تحيبه
فهل لبديد الشمل جمع وهل ترى ... قتيل النوى والبعديد نوحبيبه
فآه وآه كم ينادي بحرقة ... فؤادي فلم يلقى له من يجيبه
ومن تحائف غرره وزواهر فقره هذه المراسلة مذ غرست أغصان الفات الحمد في رياض الطروس وأفاض عليها تيار البلاغة من قاموس الشكر ما لم يحوه القاموس وأمطرتها سحائب الفصاحة ببدائع درر ليست في البحر العباب وأحاطت بها أبنية الأثنية من كل جانب وسرت اليها صبا القبول من كل باب وفاحت روائح نور تلك الطروس وتمايلت أغصان الفاقها كالعرائس فنادى لسان القلم لا عطر بعد عروس فكانت
стр. 528
ثمراتها أدعية لا يقوم بوصفها لسان ولا بحصرها طرس ولا بنان ودون سنا أنوارها اشراق النيرين ومقامها سامي على الفرقدين محفوفة بأنواع التحيات والتكريم ناشرة لما انطوى من الفضل الحادث والقديم وأصله إلى بحر العلم الذي لا يدرك غوره وطود الفضل السامي الذي لا يقتضب طيره ينبوع عين كل فضل وبيان ونبعة المجد اليانعة الأغصان وانسان كل عين وعين كل انسان نور العين المشرقة من الأفلاك العلوية وضياء الشمس البازغة من سماء الأرحام الهاشمية.
وكتب له الأديب أسعد العبادي مهنياً له بالعافية من مرض نزل به سيدي الخال ووردة الكمال الذي أورق به غصن آمالي وانتظم به بديد أحوالي قد سرت لصحتك الخواطر وقرت النواظر وابتسم الزمان بعد القطوب وارتاحت القلوب فقد يصدأ الحسام ويحجب البدر بالغمام فالحمد لله الذي عمنا بالمنن واذهب عنا الحزن لذهاب ما كنت تشتكيه وتحقق ما كنت من الصحة لك أرتجيه والسلام على الدوام
والا برحت المدا في ثوب عافية ... مطرزاً بطراز الأمن والنعم
ما اشتقت صبح محياك البهي وما ... صحت لصحتك الدنيا من السقم
فأجابه بقوله سيدي أسعد لا زلت بالتفضل مقدماً على كل فاضل ومسعد فقد وردت على الدرر المنثوره واللآلي المنظومة فقلت لما غدت لدى منشوره ما طاب جني الفرع الا من طيب الأرومه أهذه عيون الحدائق أم أحداق العيون أم منشق ثغر رائق من غير رقيب ولا عيون فاغتنمت الفرصة إذ لا عين وقبلت وجنات تلك المعاني التي هي أنور من العين وتنشقت من عرائس قوافيها روائحك التي هي ناشئة عن طيب الغروس وقلت لا أثر بعد عين ولا عطر بعد عروس فهذا هو الفتوح الذي يقصر عنه الفتح والفتح وهذا هو الزند الورى من غير قدح ولا قدح فلا فض هذا الثغر الرائق الشنيب ومستودع اللسان الرطيب فأين منه لسان الدين الخطيب والسلام
ودمت في الدهر محفوظاً من الألم ... في ثوب عز وشاه الأمن بالنعم
ما دمت ذكرى وجاري ثم ما نشدت ... أمن تذكر جيران بذي سلم
وكتب له الأمين المحبي قوله سدى الحال حسن الله بحسن نظره الحال لا تمتع باجتلائه بعد حين واشتم
стр. 529
من حواليه ورود أو رياحين قد تكلفت الفكرة هذه الأبيات التي خصصتها بالأثبات وفي ظني انها حسنة تروق وتشوق وتغني عاشقاً مولعاً عن النظر في وجه معشوق وأتحقق منها فيض ورد على الخاطر أو خيال تصور من تذكر شخصك الحاضر وهي
ما الخال الا حبة القلب ... تدعو بواعثنا إلى الحب
أو قطعة من مسك نافجة ... فاحت روائحها على الصحب
أو نقطة الألف التي حسبت ... عشراً من الحسنات في الحب
أو إنه انسان ناظرنا ... فيه دقيقة حكمة الرب
وإذا نظرت فكل ذي نظر ... بالخال يجلو ظلمة الكرب
وللمترجم
إذا المرء لم يغضب إذا خاف خله ... مواثيقه اللاتي بها اتصل الحبل
وعاد إليه بعد ما رام بعده ... وقال مقالاً فيه ليس له أصل
فذاك وأيم الله لا شك إنه ... دنى بلا أصل وليس له عقل
ومن مقطعاته قوله
إن المنايا لتأتي وهي صاغرة ... للحظك الفاتن الفتاك بالبطل
كي تستفيد فنون الموت قائلة ... بين لنا كيف علم القتل بالمقل
وقوله
قد قلت لما صرت من شعره ... والردف في حال كحالي المريض
من منصفي إني رماني الهوى ... والعشق في أمر طويل عريض
وقوله
أقول له اعتراني منك سقم ... وأوجاع وداآت عظام
فيعرض قائلاً لا تشك مني ... سقاماً حيث لم تبل العظام
وقوله
وكنت أقول إني حين يبدو ... بخدك عارض يسلو فؤادي
فلما إن بدا زادت شجوني ... كأني في هواه على المبادي
وقوله
خلبت الدهرا شطره وإني ... لمكروهاته أبداً أقاسي
وعاركت الزمان وعاركتني ... نوائبه إلى أن شاب رأسي
فلم أر لي على همي معيناً ... وافلاسي سوى كسى وكأسي
стр. 530
وله في قرية التواني من قرى دمشق وفيه التورية
نزلنا في التواني مع سراة ... رقوا طرق المعالي في أمان
توانى أهلها عنا وأغضوا ... فلا عاشت لحي أهل التواني
وله معمياً في اسد
أفدى الذي قال صفني قلت يا أملي ... خذ ما أقول فإن الوصف طوع يدي
كالغصن قداً وواو الصدغ راقية ... وريقك الخمر والدل الرخيم ندي
ومثله في حيدر
رويدك يا رشيق القد يا من ... بمعسول القوام لنا يهدد
فقدك حظ غصن البان حتى ... بأعلاه الجمال غدا يعدد
ومثله في علي
بدلت له مالي فقال وقد نضى ... من اللحظ سيفاً مال فيه إلى الفتك
هب الروح فاتركها فإن جميع ما ... ملكت من النقد الحويل على ملكي
وقال مدا عبار جلا يدعي بفشفش كان أكولا
وما فشفش الا أكول وإنه ... يفوق ابن حرب في الشراهة والمعدي
يطوف بأكناف البيوت لعله ... يرى رجلاً غرا يقول له عدي
وقال فيه
رأيت الفتى الوزان يسعى لغدوة ... وقد سدت الدينا من البرد والثلج
إذا قيل في أرض الحجاز وليمة ... يقول لنا حتماً نويت على الحج
ومن هجوه قوله
ورب منافق باطنه قير ... وظاهره مضئ كالسراج
كمأذنة فظاهرها قويم ... وباطنها ظلام في اعوجاج
وفي المعنى للاستاذ عبد الغني النابلسي قدس سره
إن المنافق ليس موثوقاً به ... فيما يحاول في جميع مواطن
مثل المنارة مستقيم ظاهراً ... وله اعوجاج كامن في الباطن
وكتب إلى بعض أصحابه في زمن الورد
هلموا إلى داعي السرور ونبهوا ... إلى البسطا فكاراً أضربها القبض
ووفوا حقوق الورد قبل ذهابة ... فهذا لثوب الروح إن صديت رحض
وهذا حلي النفس والأنفس الذي ... على الفلك الدوار تزهو به الأرض
وله مضمناً المصراع الأخير
следующие страницы →