Полный текст (1 167 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
ساقني للغرام فيه جمال ... شاقني العجب فيه مع خيلانه
يالها من شمائل كشمول ... سرقت عقل ذي الحجى من مكانه
وقد عارض بها أبيات البحتري
لج هذا الحبيب في هجرانه ... ومضى والسرور أكبر شأنه
والذي صير الملاحة في خد ... يه وقفا والسحر في أجفانه
وأطعنا الوشاة فيه وقد أسر ... ف في ظلمه وفي عدوانه
يا خليلي باكراً الراح صبحاً ... وأسقياني من صرف ما تمزجانه
ودعا اللوم التصابي فإني ... لا أرى في السلو ما تريانه
وللمترجم
بالله أقسم والفلقإن المنية في الحدقلا بالسوابغ يتقي
سهم اللحاظ لا الدرقبل انما رسل المنايا في الجفون لمن رمق
سود العيون ونجلهاأرمين في قلبي الحرقحطمت جيوش الصبر حتى
ما بقي فيها رمق
وهي على منوال قصيدة ابن مطروح التي أولها قوله
بابي وبي طيف طرق ... عذب اللمى والمعتق
وقصيدة أحمد بن حميد الدين التي مطلعها قوله
اياك من سود الحدق ... فهي التي تكسو القلق
لا يخدعنك حسنها ... فالأمن يتبعه الفرق
وللمترجم
إني لأصبر في الملمات ... الثقال ولا أبالي
وأنازل البطل الكمي ... وأصده عند النزال
وأقارع الليث الغضنفر ... في ميادين المجال
لكن إذا مالوا الظبا ... بقدودهم تلك العوالي
ورأيت ما بين الحوا ... جب والخدود من الفعال
حلت عقود عزائمي ... وعجزت عن رد السؤال
وقوله أيضاً على هذا الأسلوب
إني الأفحم الغياض على الأسود بلا تحاشيوأجول ما بين القنا
والليل مسود الحواشيوإذا رأيت لواحظ الغزلان عن سحر نواشي
أرتاع من طير الفرا ... ش وانبرى ملقى الفراش
وهما على اسلوب قول البرقعي
стр. 527
إني أخاف من العيون النجل والحدق المراضوأزور ليث الغاب بال
هندي في وسط الغياضوإذا رأيت مور دالوجنات جمش بالعضاض
أيقنت إن سنيتي ... بين التورد والبياض
وللمترجم على وزن قصيد الأمين المحبي التي مطلعها
يا حبذا خضر الخما ... ئل في الرياض السندسيه
وهي قوله
نفسي أراها مشتهيهتقبيل وجنتك الطريهفاسمح بها في تلك أو
من هذه الشفة الشهيهأنا بين خدك ثم ثغركرحت نهب المشرفيه
وتقاسمت جسمي ظباتلك الظباء الجاسميةمن كل عضب قاطع
ضمن الجفون الكسرويهمالي على صيد المهاقلب ولا لي فيه نيه
ويلاه من حدق الجآذر انها رسل المنيهوأودها ترمي فلا
يغدو سوى قلبي رميهكلف بها ومحبتيلا بالتكلف بل سجيه
كم طالعت خيل المنون من الجفون لها سريهيا للعجائب انني
أسطو على الاسد القويهوتصيدني الطرر التيهي لأمر أشرك الرزيه
قوله
ترى من لصب لا تجف غروبه ... على رشف مسول ترف غروبه
حليف غرام قد تناءت دياره ... أليف سقام قد جفاه طبيبه
وقد لعبت فيه يد البين والنوى ... وسدت عليه طرقه ودروبه
إذا ما غدت عنه من البين رعدة ... أتت رعدة تضني واخرى تريبه
خذي يا صبا عني رسالة مغرم ... يحبي بها صنو الرشا وقريبه
وقولي سلام عن غريب تركته ... وقد أزعج الأحياء منه تحيبه
فهل لبديد الشمل جمع وهل ترى ... قتيل النوى والبعديد نوحبيبه
فآه وآه كم ينادي بحرقة ... فؤادي فلم يلقى له من يجيبه
ومن تحائف غرره وزواهر فقره هذه المراسلة مذ غرست أغصان الفات الحمد في رياض الطروس وأفاض عليها تيار البلاغة من قاموس الشكر ما لم يحوه القاموس وأمطرتها سحائب الفصاحة ببدائع درر ليست في البحر العباب وأحاطت بها أبنية الأثنية من كل جانب وسرت اليها صبا القبول من كل باب وفاحت روائح نور تلك الطروس وتمايلت أغصان الفاقها كالعرائس فنادى لسان القلم لا عطر بعد عروس فكانت
стр. 528
ثمراتها أدعية لا يقوم بوصفها لسان ولا بحصرها طرس ولا بنان ودون سنا أنوارها اشراق النيرين ومقامها سامي على الفرقدين محفوفة بأنواع التحيات والتكريم ناشرة لما انطوى من الفضل الحادث والقديم وأصله إلى بحر العلم الذي لا يدرك غوره وطود الفضل السامي الذي لا يقتضب طيره ينبوع عين كل فضل وبيان ونبعة المجد اليانعة الأغصان وانسان كل عين وعين كل انسان نور العين المشرقة من الأفلاك العلوية وضياء الشمس البازغة من سماء الأرحام الهاشمية.
وكتب له الأديب أسعد العبادي مهنياً له بالعافية من مرض نزل به سيدي الخال ووردة الكمال الذي أورق به غصن آمالي وانتظم به بديد أحوالي قد سرت لصحتك الخواطر وقرت النواظر وابتسم الزمان بعد القطوب وارتاحت القلوب فقد يصدأ الحسام ويحجب البدر بالغمام فالحمد لله الذي عمنا بالمنن واذهب عنا الحزن لذهاب ما كنت تشتكيه وتحقق ما كنت من الصحة لك أرتجيه والسلام على الدوام
والا برحت المدا في ثوب عافية ... مطرزاً بطراز الأمن والنعم
ما اشتقت صبح محياك البهي وما ... صحت لصحتك الدنيا من السقم
فأجابه بقوله سيدي أسعد لا زلت بالتفضل مقدماً على كل فاضل ومسعد فقد وردت على الدرر المنثوره واللآلي المنظومة فقلت لما غدت لدى منشوره ما طاب جني الفرع الا من طيب الأرومه أهذه عيون الحدائق أم أحداق العيون أم منشق ثغر رائق من غير رقيب ولا عيون فاغتنمت الفرصة إذ لا عين وقبلت وجنات تلك المعاني التي هي أنور من العين وتنشقت من عرائس قوافيها روائحك التي هي ناشئة عن طيب الغروس وقلت لا أثر بعد عين ولا عطر بعد عروس فهذا هو الفتوح الذي يقصر عنه الفتح والفتح وهذا هو الزند الورى من غير قدح ولا قدح فلا فض هذا الثغر الرائق الشنيب ومستودع اللسان الرطيب فأين منه لسان الدين الخطيب والسلام
ودمت في الدهر محفوظاً من الألم ... في ثوب عز وشاه الأمن بالنعم
ما دمت ذكرى وجاري ثم ما نشدت ... أمن تذكر جيران بذي سلم
وكتب له الأمين المحبي قوله سدى الحال حسن الله بحسن نظره الحال لا تمتع باجتلائه بعد حين واشتم
стр. 529
من حواليه ورود أو رياحين قد تكلفت الفكرة هذه الأبيات التي خصصتها بالأثبات وفي ظني انها حسنة تروق وتشوق وتغني عاشقاً مولعاً عن النظر في وجه معشوق وأتحقق منها فيض ورد على الخاطر أو خيال تصور من تذكر شخصك الحاضر وهي
ما الخال الا حبة القلب ... تدعو بواعثنا إلى الحب
أو قطعة من مسك نافجة ... فاحت روائحها على الصحب
أو نقطة الألف التي حسبت ... عشراً من الحسنات في الحب
أو إنه انسان ناظرنا ... فيه دقيقة حكمة الرب
وإذا نظرت فكل ذي نظر ... بالخال يجلو ظلمة الكرب
وللمترجم
إذا المرء لم يغضب إذا خاف خله ... مواثيقه اللاتي بها اتصل الحبل
وعاد إليه بعد ما رام بعده ... وقال مقالاً فيه ليس له أصل
فذاك وأيم الله لا شك إنه ... دنى بلا أصل وليس له عقل
ومن مقطعاته قوله
إن المنايا لتأتي وهي صاغرة ... للحظك الفاتن الفتاك بالبطل
كي تستفيد فنون الموت قائلة ... بين لنا كيف علم القتل بالمقل
وقوله
قد قلت لما صرت من شعره ... والردف في حال كحالي المريض
من منصفي إني رماني الهوى ... والعشق في أمر طويل عريض
وقوله
أقول له اعتراني منك سقم ... وأوجاع وداآت عظام
فيعرض قائلاً لا تشك مني ... سقاماً حيث لم تبل العظام
وقوله
وكنت أقول إني حين يبدو ... بخدك عارض يسلو فؤادي
فلما إن بدا زادت شجوني ... كأني في هواه على المبادي
وقوله
خلبت الدهرا شطره وإني ... لمكروهاته أبداً أقاسي
وعاركت الزمان وعاركتني ... نوائبه إلى أن شاب رأسي
فلم أر لي على همي معيناً ... وافلاسي سوى كسى وكأسي
стр. 530
وله في قرية التواني من قرى دمشق وفيه التورية
نزلنا في التواني مع سراة ... رقوا طرق المعالي في أمان
توانى أهلها عنا وأغضوا ... فلا عاشت لحي أهل التواني
وله معمياً في اسد
أفدى الذي قال صفني قلت يا أملي ... خذ ما أقول فإن الوصف طوع يدي
كالغصن قداً وواو الصدغ راقية ... وريقك الخمر والدل الرخيم ندي
ومثله في حيدر
رويدك يا رشيق القد يا من ... بمعسول القوام لنا يهدد
فقدك حظ غصن البان حتى ... بأعلاه الجمال غدا يعدد
ومثله في علي
بدلت له مالي فقال وقد نضى ... من اللحظ سيفاً مال فيه إلى الفتك
هب الروح فاتركها فإن جميع ما ... ملكت من النقد الحويل على ملكي
وقال مدا عبار جلا يدعي بفشفش كان أكولا
وما فشفش الا أكول وإنه ... يفوق ابن حرب في الشراهة والمعدي
يطوف بأكناف البيوت لعله ... يرى رجلاً غرا يقول له عدي
وقال فيه
رأيت الفتى الوزان يسعى لغدوة ... وقد سدت الدينا من البرد والثلج
إذا قيل في أرض الحجاز وليمة ... يقول لنا حتماً نويت على الحج
ومن هجوه قوله
ورب منافق باطنه قير ... وظاهره مضئ كالسراج
كمأذنة فظاهرها قويم ... وباطنها ظلام في اعوجاج
وفي المعنى للاستاذ عبد الغني النابلسي قدس سره
إن المنافق ليس موثوقاً به ... فيما يحاول في جميع مواطن
مثل المنارة مستقيم ظاهراً ... وله اعوجاج كامن في الباطن
وكتب إلى بعض أصحابه في زمن الورد
هلموا إلى داعي السرور ونبهوا ... إلى البسطا فكاراً أضربها القبض
ووفوا حقوق الورد قبل ذهابة ... فهذا لثوب الروح إن صديت رحض
وهذا حلي النفس والأنفس الذي ... على الفلك الدوار تزهو به الأرض
وله مضمناً المصراع الأخير
стр. 531
قف في منازل سلمى أيها الباكي ... واحبس مطيك عند المرتع الزاكي
وصير النجب سفناً والدموع لها ... بحراً ونادي ببسم الله مجراك
وخل آرامها ترعى البشام بها ... وقل تهني فعين الله ترعاك
واحكي الحمام نواحاً والرسوم بلا ... فهم يقولون إن الفضل للحاكي
وإن سرت عند شكواك الصبا سحراً ... فنادها يا صبا من أين مسراك
فإن يكن فيك أو في طي ذيلك لي ... رسائل منهم لا خاب مسعاك
وسل رسوم ديار الظاعنين وقل ... أيا منازل سلمى أين سلماك
ومن هجوه
بليت بصاحب وله شقيق ... شهاب الدين ذو شكل كريه
كلا الرجلين ضراط ولكن ... شهاب الدين أضرط من أخيه
وكان رجل دلال يقال له ابن البغل تعمم بعمامة كبيرة ولامه الناس على لبسها فلم ينته فعمل له هذه الأبيات وأرسلها إليه فلما وقف عليها نزع تلك العمامة وعاد إلى عمامته الأصلية وفي الأبيات ايداع المصراع الأخير وهو من جملة أبيات للوزير المهلبي
إلى كم نحن في عيش كريه ... من الدهر الذي لا نرتجيه
ولولا إن هذا الدهر أضحى ... يعاملنا بما لا نشتهيه
لما كان الغراب يقول شعراً ... ويجري شعره من قعر فيه
ولا ابن الغراب الفيل يمسي ... من الكتاب يمشي مشي تيه
ولا ابن البغل نعرفه بعرف ... سلوه هل أتاه من أبيه
إذا نادى على شيء انادي ... الأموت يباع فأشتريه
وللمترجم في الهجر والمجون شيء كثير وبالجملة فقد كان نابغة عصره وكانت وفاته في ثالث يوم من ربيع الثاني سنة سبع عشرة ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى.
عبد الحليم أمير زاده
عبد الحليم بن عبد الله بن حسن المعروف بأمير زاده الحنفي القسطنطيني السيد الشريف الكاتب البارع المفنن أحد النجباء الأذكياء الماهرين بالخطوط والكتابة والفنون ولد بقسطنطينية وقرأ القرآن وأخذ الخط وتعلمه وبرع بالأقلام السبعة وأتقنها واشتهر في دار السلطنة وأخذ ذلك عن والده الآتي ذكره بعده عن الكاتب محمد ابن يوسف الملقب براسم وقرأ بعض العلوم وأتقن الفارسية والعربية ومهر بالانشاء
стр. 532
والشعر وسلك طريق التدريس ولازم على عادتهم وصار شيخاً في الخطوط والكتابة ومعلماً لغلمان الدائرة السلطانية وعين بالأمر السلطاني مكان والده ثم أصابه بعد مدة داء الفالج فعطله عن الحركات كلها وكان لا ينطق الا بلفظ الجلالة لا غير ولما توفي كان مدرساً بمدرسة موصلة السليمانية وكانت وفاته في رجب سنة اثنين وسبعين ومائة وألف ودفن عند والده بالقرب من مرقد أبي أيوب خالد الأنصاري ﵁ وأمير زاده معناها بالعربية ابن الشريف كما هو معلوم لمن يعرف اللغتين العربية والتركية.
عبد الحليم الشويكي
عبد الحليم ابن عبد الله الشافعي النابلسي الشيخ العالم اللوذعي العلامة الفاضل الأديب الأريب كان أحد الأفاضل المشاهير رقيق الطبع ينظم الأشعار الرائقة غزير الفضل والذكاء فصيح العبارة نشأ في بلدته الشويكة وارتحل إلى مصر وتوجه للجامع الأزهر وطلب العلم وقرأ وأخذ عن تلك الأساتذة كالشيخ الحنفي محمد وأخيه الشيخ يوسف وانتفع بهما أتم الأنتفاع وقرأ على غيرهما من الشيوخ وأتقن وحصل وفاق وحاز قصب السباق وجر ذيل الفضل والعرفان على اخوانه والأقران وأجازه شيوخه كعادتهم ورجع إلى وطنه ثم ارتحل للديار القدسية وأخذ بها الطريق عن الاستاذ العارف الشيخ مصطفى الصديقي الدمشقي ولازمه مدة وحصلت له بركته واستوطن نابلس وبها استقر ثم قصد عكة وحاكمها إذ ذاك الشيخ ظاهر العمر شيخ مشايخ بلاد صفد فأقامه عنده بعكة واستقام ثمة وهو يراجع في المسائل المتعلقة بمذهب الشافعي وغيرها وحصل له هناك الشهرة وبالجملة فقد كان فريد عصره علماً وأدباً ولم ير في عصرنا من تلك النواحي أديب فاضل مثله وكان له أدب وشعر نضير عديم النظير وقدم دمشق الشام وامتدح رؤساءها وحصل له احترام واقبال من أهلها ومن تآليفه رسالة في علم الكلام رد بها على معاصره الشيخ أبي الحسن العاملي الرافضي في تأليف له أودعه بعض الدسائس الرافضية وله أيضاً شرح على السنوسية قرظ له عليه علماء مصر لما وصلهم وأشعاره كثيرة.
فمن ذلك قوله
ربعا به لي ما حييت شجون ... سقاك من الوسمى الأجش هتون
وحيك من عهد تقادم عهده ... على إن قلبي في حماك رهين
وقفت به حيث الهوى دافع الكرى ... وحادي المطايا لا يكاد يبين
أبث به وجداً وأشكو يد النوى ... وغرب دموعي المرسلات عيون
стр. 533
واذكر أياماً نقضت وما انقضت ... لبانات صب في الهوى وديون
زماناً به غصن الشبيه يانع ... به العيش غض والشباب يزين
يدير حميا الراح في كأس ثغره ... أغر بأحياء النفوس ضمين
يميل به سكر الدلال وينثني ... ولا عجب إن الغصون تلين
نبيت نشاوي الراح من غير مأثم ... وقد غض من طرف الزمان جفون
يقول أصيحابي الذين عهدتهم ... ولي منهم عهد الوفا ويمين
تولهت ماذا الوجد والدمع والأسى ... على طلل إن الجنون فنون
وليس بها الا أثافي وأشعث ... يناجيك مشجوج الجبين مهين
نعم وصدى يصدي الفؤاد مجاوباً ... يقول حنين إذ تقول حنين
فقلت وفي الأحشاء من لوعة الجوى ... ضرام وداء العاشقين كمين
لحا الله من ينهى المحبين في الهوى ... أما علموا إن الكمين مكين
وإن الذي يهوى صمام وعذلهم ... طنين وهل يجدي الأصم طنين
وإن لي السلوان عنها ولي بها ... مواقف مع آرامها وشؤون
يعز علينا والحوادث جمة ... أحبتنا إن العزيز يهون
وإنا لنختار التأسي على الأسى ... على إن ما يقضي فسوف يكون
وما زال هذا الدهر يبدي عجابه ... ويصمي وإن بت اليمين يمين
لئن لم يتب هذا الزمان وينتهي ... ويرجع قسراً لو تقر عيون
ليزري ويستعدي عليه بباذح ... برفع ظلامات العتاب يدين
صعود إلى العلياء لا متقاعساً ... بحزم وعزم والوقار قرين
سرى لتشبيه المعالي بفيلق ... يئط زئيراً والرماح عرين
فتى ليس فيه ما يشين كما له ... سوى البذل إن كان السخاء يشين
نعم وسراه بالمقانب في دجى ... من النقع كيما للطغاة يهين
فلا زال مناح الأماني ومعقلاً ... لصون المعالي والكريم يصون
وله أيضاً
ما لصبابتي فيك انتهاء ... كما السلوان ليس له ابتداء
أما إن الوفاء لذي شجون ... وفى بالعهود له وفاء
حليف جوى فلا ينسى فيسلو ... فكيف به وقد عزا العراء
إذا ما الليل جن عليه شبت ... لو أعجه وزاد به العناء
يبيت مسهد الأجفان يدعو ... وهل يجدي لذي وله دعاء
стр. 534
وقد أفلت أمانيه الموامي ... وحل قوى رواحله السراء
وهل صاد الغزالة لورآها ... قليل الحظ أدركه الوفاء
وأقعده عن الآمال حظ ... وأخلده ومسكنها السماء
فما لم يتخذ سبباً اليها ... ويسري والظلام له رداء
ويرمي البيد والأرجاء تغلي ... مراجلها وللوجنا رغاء
عزيز ليس تثنيه الليالي ... وبحر لا تعكره الدلاء
ولوعاً بالمكارم إذ رآها ... مخلدة له وله البقاء
محط الوافدين وغوث عان ... وفي أعتابه نيط الرجاء
وينشد قول ذي مجد تليد ... يؤوب وفي زلازله الشقاء
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
وعلمك بالأمور وأنت فرع ... لك الخسب المهذب والثناء
خليل لا يغيره صباح ... عن الخلق الجميل ولا مساء
فأرضك كل مكرمة بنتها ... بنو تيم وأنت لها سماء
وهل تخفي السماء على بصير ... وهل بالشمس طالعة خفاء
فذاك ولم إذا نحن امترينا ... يكن في الناس يدركك المراء
وقال أيضاً
لا غرو ان آن من نفس تداعيها ... إذا استكانت وداعي الشوق داعيها
بكل حوراء مصقول ترائبها ... قرعاء عزت فلا ترعى مراعيها
تروى ذوائبها أخبار قرطقها ... إلى المخلخل ما تحوي غداليها
لمياء في حريتها للسليم شفا ... براءة من لوجه الله يبريها
ترنو بعيني مهاة بالرمي ذعرت ... فخيلت كل من في الدو يوميها
تخشىالمرامي بعينيها وكم فطرت ... موائراً نفذت فيها مراميها
قالوا سعت تخلس الألباب قلت لهم ... ذي ربة الخال محمود مساعيها
قالوا دهتك بسهم من لواحظها ... فقلت يا حبذا منها دواهيها
إن الذي زانها بالحسن صورها ... بحيث يحلو لدى الرائي مساويها
وهي التي صورت قلبي لها غرضا ... وابتز نومي من عيني وداعيها
شغفت حقاً بدى تيه ومن سلبت ... منك الرقاد على هون دواعيها
فقلت خلوا سبيلي إنني رجل ... مغري بذات وشاح بل وداعيها
لله ما صنعت فينا لواحظها ... أرقتنا وهي سكرى حبذا فيها
стр. 535
وجد بالمنطق العذب الذي بهرت ... به العقول فحارت في معانيها
ما افتر مبسمها الا وخلت به ... دراً تخلله اللآلاء من فيها
لم أنس زورتها إذا قبلت ولوت ... جيداً تليداً وأنت في تلويها
فقلت تفديك نفس لا تحن إلى ... لقياك أو يسترد الروح منشيها
مما تشكيك يا بنت الكرام وما ... يعنيك قالت أمور بت أخفيها
فقلت هات فقالت ويح من سالت ... والنفس منها تراءت في مراقيها
فقلت بالله لا تخفي على دنف ... فأمطرت لؤلؤاً سحا أماقيها
وصعدت زفرات ثم مال بها ... إلى التأبي حياء كان يثنيها
واحمر من وجنتيها الورد من خجل ... فكادت النفس تقضي من تأبيها
واستعبرت ثم أومت بالبنان إلى ... نحو الحجاج بأسرار تواريها
تشير إنك فوق العين منزلة ... وإن حاجبها في ذاك واشيها
فهمت لما فهمت السريا رشأ ... فاق الورى في أمور لست أحصيها
وله أيضاً من قصيدة
ماست فما قدر الغصون الميد ... هيفاء ذات تحبب وتودد
حوراء بهراء المحاسن غادة ... تفري الحصين بذابل ومهند
وبدت فلاح البدر تحت غمامة ... أو نور علم في جهالة ملحد
وحكت لنا بدر المقنع إذ بدت ... فيها الضلالة والرشاد لمهتدي
وافت ولكن بعد طول تنصل ... من وصل غانية وظبي أغيد
فأعادت الوجد القديم فبان لي ... ما ليس أخفيه فبان تجلدي
أكرم بزائرة تجرر دائها ... كبراً ولم يك زورها عن موعد
تختال في برد الشباب وتنثني ... بمعاطف عقدت ولما تعقد
حيت فأحيت بالسلام وأسفرت ... عن ذي أناة بالمحاسن مرتدي
وتبسمت من ذي غروب واشح ... عذب مقبله منيع المورد
واستوضحت عن حالتي وتنكرت ... لما رأت عما تروم تبلدي
مالي أراك وقد عرتك ملالة ... أأنفت من ذكر الحسان الخرد
وقنعت في ظل الحمول بخلب ... ورضيت بالعيش المحض الأنكد
فأجبتها كلا ولكني امرء ... قد طال قبل إلى الحسان ترددي
حتى علا نور الثغام نظرن لي ... نظر السقيم إلى وجوه العود
فطويت كشحي دونها وعلمت ما ... لم تعلمي وشهدت ما لم تشهدي
стр. 536
وغنيت عن حب الغواني والغنا ... بمحامد الندب الهمام الأوحد
رب الفضائل والفواضل والعلا ... والبأس والحسب الرفيع المحتد
وأخي المعالي وابنها وسدينها ... ومنيعها وابن السرى المفرد
والأروع الحامي الذمار وذي الندى ... ضخم الدسيعة والحبار والسؤدد
وقال من قصيدة
ويك دع نصحي فلي عنك اشتغال ... أيها اللاحي فإن الحال حال
كان لي وجد فلما إن بدت ... مرجفات القلب ذا الزلزال زال
ولكم لي خيل الطيف ومن ... يك ذا شوق لدى الخلخال خال
كم شج قد بات لا يدري الكري ... وعليه وعدها المطال طال
يحتسي ثغر المآقي مترعاً ... يترائى ريقها السلسال سال
لم ينل من بات يهذي بالمها ... غير كد حيث عنه مال مال
رب من لم ينثني عن غيه ... في حماه طائر الآجال جال
طالما نضين عيني في السوي ... راكباً خطباً من الأهوال هال
عاسفاً سبل المهاوي في الهوى ... مرتد ثوباً من السربال بال
زاعماً درك الأماني والمنى ... فإذا الأحلام والآمال مال
من له الأفضال والآل الوفي ... ياشقاً من عنه بالآمال مال
من له الأيدي النوادي والندي ... من إذا قيس على المطوال طال
من نمته دوحة من هاشم ... في رياض المجد بالاقبال قال
وله غير ذلك وبالجملة فقد كان من أفراد عصره وكانت وفاته في عكة في سنة خمس وثمانين ومائة وألف ودفن بها رحمه الله تعالى.
عبد الخالق الزيادي
عبد الخالق بن أحمد بن رمضان المعروف بالزيادي بكسر الزاي المشددة الشافعي الميداني الدمشقي الشيخ العالم الماهر الفاضل المحصل ولد بدمشق تقريباً في سنة تسع وأربعين ومائة وألف بمحلة الميدان وارتحل لمصر في سنة ست وستين ومائة لأجل طلب العلم والاشتغال به فقرأ على جماعة كالشيخ أحد الملوي والشيخ محمد الحفناوي وأخيه الشيخ يوسف والشيخ عبد الله الشيراوي والشيخ عيسى البراوي والشيخ أحمد الجوهري والشيخ علي الصعيدي والشيخ عمر الطحلاوي والشيخ محمد الفارسي والشيخ عطية الأجهوري وجل انتفاعه عليه والشيخ سليمان الزيات والشيخ خليل المالكي والشيخ حسن المدابغي والشيخ
стр. 537
حسن المصليحي واشتغل عليهم وحصل منهم معقولاً ومنقولاً وأجازوه بالفقه والنحو والأصول والحديث وغير ذلك من العلوم وحصل فضلاً لا بأس به وقدم دمشق في سنة اثنين وسبعين ومائة وألف واشتغل بالأقرأ والتدريس فأقرأ في الجامع الأموي صيفاً وشتاء ولزمه الطلبة وهو الآن مستقيم على ذلك غير إنه يتعرض للوكالات والخصومات والدعاوي فبسبب ذلك يقع في المضرات ويصير هدفاً لسهام أقوال الناس وهو مستقيم على ذلك بالباع والذراع وهو ممن كان والدي يودهم ويكرمهم وله الينا تودد وتردد وبالجملة فهو من الأفاضل المتفوقين وكانت وفاته قبيل العصر من يوم الثلاثاء لعشري ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائة وألف ودفن من يومه بتربة الباب الصغير رحمه الله تعالى.
عبد الرحمن الموصلي
عبد الرحمن بن إبراهيم بن عبد الرحمن المعروف بالموصلي الشافعي الميداني الدمشقي الصوفي الاستاذ الكامل المربي شيخ الطريقة الأفضل أحد مشاهير المشايخ المعتقدين وهو وأسلافه مشايخ مشاهير لهم حفدة ومريدون وأملاك وعقارات وقد اشتهروا ببني الموصلي وينتهي نسبهم إلى الشيخ العارف بالله تعالى الشيخ أبي بكر الشيباني ﵁ وكان صاحب الترجمة شيخاً أديباً فاضلاً بارعاً ناظماً ولد في سنة احدى وثلاثين وألف وطلب العلم ومهر وساد وأقبل على مطالعة الدواوين الشعرية وله نظم حسن كثير وديوانه متداول وكان معتقداً عند خاصة الناس وعامتهم مبجلاً معظماً كريم الأخلاق كثير السخاء مصون اللسان وقد اشتهر بالأدب وبهر وفاق على أهل عصره ووالده كان فقيهاً فرضياً حسن الخلق مبذول النعم وله ثروة وافرة وتوفي في المدينة المنورة في محرم سنة أربع وخمسين وألف ودفن ببقيع الغرقد وولده المترجم ترجمه الأديب السيد الأمين المحبي في نفحته وقال في وصفه هو في الميدان سابق طلق عنانه وكأنما حشر الصواب بين بيانه وبناته من ملأ رتعوا بأنضر خميله وبذلوا ما شاء السماح من عارفة جميله مكانه في السراة ذروة الثمام وليديه في الجود آثار الغمام لا ينبئ الا عن ظل الكرامة الأندى ولا يبيت الا حيث المحلق والندي وقد متعني الدهر برهة بحضرته فتقلبت معه في بهجة العيش ونضرته وسمعت لفظاً غذاء الروح وشاهدت خلقاً فيض الملائكة والروح إلى تثبت يستخف الجبال الرواسي وانعطاف يلين القلوب القواسي وأنا من ذلك العهد لا افتر عن تذكره بخاطري وأتمثل شخصه في ضميري حتى كأنه حاضري وله أشعار كلها نكت للمستملي وملح للذيق المستحلي وفيها نخب للفتاك وسبح للنساك يقول ما يشاء فتستحسنه
стр. 538
وتريد الطير تحكيه فلا تحسنه وقد أثبت منه ما يسترقص الجمادات طرباً ويترك في كل قلب مطرباً انتهى مقاله ومن شعره قوله
عجزا لرقاة عن الحجي ورقائه ... وكذا الأساة عن الأسى ودوائه
ثكلتهم الأعشاب ويح كبادهم ... لم يعلموا ما حل في سودائه
حلوا المراكب العزائم واتركوا ... كل يروح من ملا ببلائه
ابني الصبابة والهوى من بعدنا ... إني لكم هيهات من زرقائه
ليس الهوى بسفاهة من كالح ... مدعو الغرام ومنتدى عدوائه
إن الصبابة واللطافة والحيا ... علم عليه يدل من أسمائه
فهي الأمانة انبأث عن فضل من ... فتق العبير وخصه بردائه
وقوله من أبيات
لئن كنت أسعى كل حين اليكم ... وتوكسني الآمال عن حيكم غصبا
فلي أسوة بالنجم للشرق سيره ... مدا الدهر والأفلاك تهوي به الغريا
هذا من قول الأرجاني
أنحوكم ويرد وجهي القهقري ... عنكم فسيرى مثل سير الكواكب
فالقصد نحو المقصد الأسنى لكم ... والسير رأى العين نحو المغرب
وللمترجم
سلبوا الغصون معاطفاً وقدوداً ... وتقاسموا ورد الرياض خدودا
طعنوا القلوب بما تلاشى دونه ... طعن الرماح وسددوا تسديدا
فتنوا الورى بلواحظ وتجاوزوا ... بالفتك من نهب العقول حدودا
تركوا الحلي شهامة واستبدلوا ... حلل المحاسن والبهاء برودا
فغدوا بها مستعبدين أولي النهى ... مما يشيقك طارفاً وتليدا
نظموا الثنايا في المباسم لؤلؤا ... تحت الزمرد والعقيق عقودا
تخذوا البنفسج في الشقيق عوارضا ... والياسمين معاطفاً وزنودا
بدلوا الخضور من الخناصر رقة ... واستبدلوا حقق اللجين نهودا
فهم الملوك الصائلون على الورى ... وهم الظباء القائدون أسودا
نظروا إلى الجوزاء دون محلهم ... فغدوا على هام السماك قعودا
من كل من جعل الدجى فرعا له ... والبدر وجهاً والصباح الجيدا
ريان من ماء النعيم إذا بدا ... خرت له زهر النجوم سجودا
стр. 539
كالماء جسما غير إن فؤاده ... أضحى على أهل الهوى جلمودا
تزداد من فرط الحياء خدوده ... عند استماع تأوهي توريدا
لو أبصروا النصاح فائق حسنه ... عذلوا العذول وجابوا التفنيدا
أو لو رآه راهب من بيعة ... ألقى الصليب ولازم التوحيدا
كم ذا تذكرني العقيق خدوده ... والطرف حاجر والعذار زرودا
وإذا بدا متلفتاً من عجبه ... بالجيدا ذكرني طلاه الغيدا
ما الظبي أحسن لفتة من جيده ... عند النفار وإن أقام شهودا
يحمي اللمى والخد عقرب صدغه ... عن وارد أو من يروم ورودا
قد رق منه الخصر حتى خلته ... عند اهتزاز قوامه مفقودا
ما خلقه الا النسيم السري ... بين الرياض وإن أطال صدودا
قال الأمين المحبي قلت ولولا إن قصدي استجلاب الثناء لهذا الفاضل الأديب لضنيت بهذه الأبيات خوفاً من أن لا يراعي حقها عند أهل التأديب ولوددت لو علقت في جبهة الاسد الكاسر أو ضمت للنيرات في الفلك العاشر وقد عارض بها الأبيات المشهورة المنسوبة إلى محمد الشهير بعبد الله وهي قوله
غصبوا الصباح فقسموه خدودا ... وتناهبوا قضب الأراك قدودا
وتظافروا بظفائر أبدت لنا ... ضوء النهار بليلها معقودا
صاغو الثغور من الأقاح وبينها ... ماء الحياة قد اغتدى مورودا
وراوا حصى الياقوت دون نحورهم ... فتقلد وأشهب النجوم عقودا
واستودعوا حدق المها أجفانهم ... فسوا بهن ضراغماً واسودا
لم يكفهم خد الأسنة والقنا ... حتى استعاروا أعيناً ونهودا
روى مسنداً إلى أبي عمرو بن شامل المالقي قال لقيت يوماً الشيخ الخطير أبا محمد ابن المالقي وكان رجلاً صالحاً مجاب الدعوة فقال لي أنشدني فأنشدته الأبيات المنسوبات إلى محمد الشهير بعبد الله وهي هذه المذكورة قال فلما أممتها صاح الشيخ وأغمى عليه وتصبب عرقاً ثم أفاق بعد ساعة وقال يا بني اعذرني فشيئان يقهراني ولا أملك عندهما نفسي النظر إلى الوجه الحسن والشعر المطبوع وبيت النهود مما يكثر السؤال عنه وقد رأيت في شعر ابن عمار الأندلسي ما هو مثله وهو قوله
كف هذا النهد عني ... فبقلبي منه جرح
وهو في صدرك نهد ... وهو في صدري رمح
وأنا لم أدرك وجهه ثم رأيت في شعر ابن خلوف ما يبينه بعض البيان وهو قوله
стр. 540
وقدود كأنهن رماح ... قد علتها أسنة من نهود
وللمترجم
هم يحسبون دموع العين مذ عطفوا ... هي الدموع التي يوم النوى ترد
وانما هي نصل حل في كبدي ... من نبل جفن ولم يشعر به أحد
فانحل ماء وقد أمسى يقطره ... من اللهيب دموعا ذلك الكبد
ومن غزلياته الرقيقة التي هي السحر في الحقيقة قوله
أما وبياض الدر من ذلك الثغر ... وما فيه من خمر وناهيك من خمر
أمانا وما بالطرف من كل صارم ... يجول بأجفان ملئن من السحر
يصول به في الناس ألطف شادن ... بقلب على العشاق أقسى من الصخر
أسأل عذاراً فوق خد كأنه ... سلاسل مسك في صحاف من التبر
والا فنمل دب فوق شقائق ... مبلل أطراف الأنامل بالحبر
بعيد مناط القرظ أشهى لمعسر ... إذا ماس تيهاً بالدلال من اليسر
وأحلى من الماء الزلال على الظما ... وأوقع معنى في النفوس من النصر
يكاد من القمصان أولاً وشاحه ... إذا فكت الأزرار من لطفه يجري
فكم ثم دون لجيد منه مآرب ... من الخصر تدعو العاشقين إلى النحر
ومذ خبروني إن كوكب خده ... يقارنه المريخ أيقنت بالشر
ركبت هواه بكرة العمر راكباً ... مطايا شبابي وارتياحي مع الهجر
فأشفقت منه في الظهيرة راجلاً ... يريني نجوم الأفق في ظلمة الفجر
متى قلت هذا الصدغ أبدى عقارباً ... وإن رمت أجني الورد أحماه بالجمر
وإن ملت نحو الثغر قالت عيونه ... يزيدك هذا الخمر سكراً على سكر
قريب مرام النفس لطفاً وإنه ... لأعلى منالاً في الأنام من البدر
ترقى به شعري فعز مناله ... وأمسى كعقد الدر يزهو على الصدر
لئن جادت الأيام يوماً بوصله ... يميناً فإني قد صفحت عن الدهر
قوله والا فنمل إلى آخره من قول الوزير المغربي
أوحى لوجنته العذار فما ... أبقى على ورعي ولا نسكي
وكأن نملاً قد دببن بها ... غمست أكارعهن في مسك
ثم رأيت ما هو عين المأخذ في قول المعز البغدادي
كأن عذاريه اللذين تراسلا ... هلالان من مسك وبينهما بدر
منمنمة فوق الخدود كأنما ... مشى فوقها نمل بأرجه حبر
стр. 541
وقد ضمن المترجم هذا المصراع بعينه في أبياته المشهورة حيث قال
أنبت عذار أم شقائق روضة ... مشى فوقها نمل بأرجه حبر
أم العنبر المفتوت من فوق وجنة ... أسالته نار الخد فانبهم الأمر
فحيا عذاراً أذهل الصب مذ بدا ... وإن ضل فيه العقل واختلط الفكر
يتيه به لدن القوام مهفهف ... لخ في اختلاس العقل من حسنه غدر
هلال إذا ما قلت أمسى جبينه ... صدقت ولكن دون طلعته البدر
تعلم منه الظبي لفتة جيده ... ومن طرفه الوسنان يستنبط السحر
متى صافحت سمعي مدامة لفظه ... ترى كل عضو في داخله السكر
يمازج ألفاظ البلاغة صوته ... فيبدو لنا دراً في ضمنه خمر
وتشكو ارتجاج القرط صفية جيده ... كما بات يشكو من غدائره الخصر
يخبر عن كأس المنون بصده ... ويقتلني منه إذا هجر الهجر
به غزلي أضحى وفيه مدائحي ... ومني لمعنى حسنه النظم والنثر
وقوله سابقاً يكاد من القمصان لولا وشاحه إلى آخره من قول بعضهم
أخشى التماس يديه من ترف به ... وأظنه لولا الغلائل سالا
ولخالد الكاتب
قد صاد قلبي وصار يملكه ... فكيف أسلو وكيف أتركه
رطيب بسم كالماء تحسبه ... يسلك في القلب منه مسلكه
يكاد يجري من القميص من ... النعمة لولا الوشاح يمسكه
وقوله فأشفقت منه إلى آخره من قول بعضهم العرب تصف اليوم الشديد بظهور النجم فيه قال أبو صخر الهذلي
إني أرى والطرف في سيري ... وضح النهار وعالي النجم
وقد تصرف فيه المتأخرون وتظرفوا كابن لؤلؤ في قوله
أمولاي أشكو اليك الخمار ... وما فعلت بي كؤوس العقار
وجور السقاة التي لم تزل ... تريني الكواكب وسط النهار
ولمجبر الدين بن تميم
بابي أهيف تبدي وحيا ... بابتسام عدمت منه اصطباري
فأراني بوجهه ومحيا ... هـ نجوماً طلعن وسط النهار
ولقد أبدع وأغرب الشهاب الخفاجي في قوله من قصيدة نبوية
стр. 542
أتى يوم بدر وهو بدر تحفه ... نجوم سماء أطلعتها كتائبه
فمذ يرزوا في النقع شاهدت العدا ... بهم يوم بؤس لا تغيب كواكبه
ولصاحب الترجمة قصيدته المشهورة التي مطلعها
دعيني فلا والله ما يكشف البلوى ... سوى من لهذا الخلق من نطفة سوى
فلا تقرعي باباً سوى باب فضله ... ولا تظهري يوماً إلى غيره شكوى
ولا تجنحي للغير في كشف حادث ... فغير جناب الله لا يدفع الاسوا
ولا تهرعي الا إليه إذا جفا ... سحاب قافي غير ألطافه رجوى
ولا تسأمي من مر عيش وسالمي ... إلي من بعيد بعيد من فضله حلوا
آله تعالى لا نقوم بحمده ... ولا أحد منا على شكره يقوى
يقلبنا في الخلق سابق حكمه ... علينا بما تأبى النفوس وما تهوى
تبارك منشئ الخلق من صلب آدم ... ضروباً فذ وفقر مهان وذو جدوى
فهذا ندا الأيسار أبرد عيشه ... وهذا بنار الفقر أحشاؤه تكوى
وهذا تراه في المساجد راكعاً ... وهذا يعاني اللهو في حانة القهوا
وهذا الدرس العلم أصبح طالباً ... وهذا يروم اللهو في الروض والزهوا
شؤون قضاها الله قدما على الورى ... وآدم لم يخلق هناك ولا حوى
دعني من التدبير فالأمر كله ... تدبر من قبل الوجود ولا غروا
إذا كان أمر الله في الخلق سابقاً ... فتدبيرنا فيه هو الخبط في عشوا
وهي طويلة وله من اخرى مطلعها
خضبوا الخدود ورصعوها الانجما ... واستخدموا لركابهم بدر السما
شربوا الشموس فأظهرت بوجوههم ... شفقاً ألم على الصباح مخيما
وتروا القسي حواجباً وتعمدوا ... كسر الجفون وفوقوها أسهما
عقلوا الحجى بذوائب من عنبر ... جذبوا القلوب وأوردوها بعدما
بذلو العوالي بالقدود وأثخنوا ... فيها جراحاً ظافرين العلقما
نصروا البعاد على الوصاف كأنهم ... نظروا الممات على الحياة مقدما
اتبعت طرفي ذا نواس منهم ... طمع التداني عامداً فتبسما
ملك تبدى راكباً في موكب ... رحل التصبر عن فؤادي عندما
نبت العذار بخده فكأنه ... مسك به أمسى النضار موسما
لم يكفه صل الذوائب مرسلاً ... حتى أدار على الشقيق الأرقما
стр. 543
وتطفلت تحكيه لما إن بدا ... شمس النهار فصدها وجه الدمى
صدع الشروق لثامها فتقهقرت ... نحو الغروب مخافة إن ترجما
منها
قد راح يلوي الجيد عني معرضاً ... والجفن يهطل من نواه العندما
أوقفت ذلي والخضوع بموقف ... ترك الأسود لحره تشكو الظما
وطفقت أجذب ذيل نسكي خاشعاً ... نحو العفاف صيانة فتبرما
أواه مما حل بي من شادن ... أحنى الضلوع ورض مني الأعظما
مولاي رفقاً بالفؤاد فإنه ... لو كان رضوي في يديك تهدما
لا تلوعني بالصدود معاطفاً ... لطفاً أجل من الحياة وأعظما
وقوله
ومالي أرى الأيام تنكر صحبتي ... وترمقني شزراً بطرف مريع
كأني واياها صحاف تضمنت ... مديح أبي بكر يقلبها شيعي
وله أيضاً
تأملت في خديه تحت عذاره ... صحائف بيضاً ما سناها بغائب
وإني من هذا أولئك ناظر ... بياض العطايا في سواد المطالب
وللمترجم معا رضا أبيات الشاب الظريف بقوله
يا أحكم الناس أسيافاً وأسبقهم ... في مهجة الصب فتكادونه الأجل
وأنور الوجه في الديجور من قمر ... تحت الأكاليل مسبول ومنسدل
ما السحر ألعب في الألباب من حدق ... دار الشمول بها من طرفك الكحل
كلا ولا البرق للأبصار أخطف من ... شقائق الحدان وافى بك الخجل
من نظم ثغرك وهو الدر مبتسم ... خمر يزيدك فيه الشهد والعسل
في فترة الحسن من لحظيك قد فتكت ... بواتر الطرف أم من قدك الأسل
ومذ تمادت بنا الآجال واختلفت ... عقائد القوم من للحب قد جهلوا
جاءت تجدد أحكاماً لدولته ... في ملة العشق من أصداغك الرسل
لم يدر ما الصحو مذ بانت ركائبكم ... صريع جفن لأرباب الهوى ثمل
استودع الله قلباً سار مرتحلاً ... بالخرد الغيد ماذا السهل والجبل
وأبيات الظريف هي هذه
يا اقتل الناس ألحاظاً وأعذبهم ... ريقاً متى كان فيك الصاب والعسل
في صحن خدك وهي الشمس مشرقة ... ورد يزيدك فيه الراح والخجل
стр. 544
ايمان حبك في قلبي يجدده ... من خدك الكتب أو من لحظك الرسل
إن كنت تنكر إني عبد دولتكم ... مرني بما شئت آتيه وأمتثل
لو أطلعت على قلبي وجدت به ... من فعل عينيك جرحاً ليس يندمل
وللمترجم
ورد العذار مياه حسن خدوده ... ورأى نعيماً خالداً فأقاما
وتلا عليه خاله من جيده ... إني اتخذتك للجمال اماما
وله في القبله نامه وأجاد
عوضت عن قبلة إذ راح يشبهها ... خفوق قلب شجاني أنت قبلته
لا يستقر مدا الساعات منزعجاً ... ولا لغيرك لم يعهد تلفته
ومذ حكاها ولم تحكيه ملتفتاً ... اليك وجهتها كيما تشابهه
وكان المترجم جالس في بعض الحوانيت في دمشق فمر أحد الأعيان فقام المترجم تعظيماً له كيما يسلم عليه فلم يلتفت نحوه ومر فاغتاظ من ذلك وأنشد مرتجلاً
وليس لعير الشيخ إذ مر معجباً ... وقوفي توقيراً لرفعة شأنه
ولكنني أخشى يمزق شوكه ... ثيابي ولم أشعر لسلب عنانه
وله قوله
أسامر عشقاً من خلائقه القتل ... وحيداً ولا وعد هناك ولا مطل
وأصبح ظمآناً وقد عقر الظمأ ... فؤادي ولا وبل يبل ولا طل
وكم أخصبت سحب الأماني مطامعي ... مجازاً ويوميها من الوابل المحل
ورب عذول فيه أشقى مسامعي ... بعذل فيالله ما صنع العذل
أقول له والطرف يقذف مهجتي ... دموعاً لها من كل ناحية هطل
وبي من غرام لو تجسم بعضه ... ومر بأهل الأرض لأفتتن الكل
ترقى إلى قلبي بكل دقيقه ... جميع هوى العشاق وانقطع الحبل
وكانت وفاته في سنة ثمان عشرة ومائة وألف ودفن بتربة مسجد التاريخ في ميدان الحصار عن أولادهم وهم الشيخ أحمد الذي جلس بعده مكانه خليفة والشيخ حسن والشيخ إبراهيم رحمهم الله تعالى.
عبد الرحمن بن عبد الرزاق
عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد الشهير بابن عبد الرزاق الحنفي الدمشقي الشيخ العالم الفاضل الفقيه الأديب خطيب جامع السنانية ولد في سنة خمس وسبعين وألف ودأب في طلب العلم على مشايخ عديدة منهم الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي
стр. 545
والشيخ أبو المواهب الحنبلي والشيخ محمد الكاملي والشيخ عبد الله العجلوني نزيل دمشق وغيرهم حتى برع في جميع العلوم ودقق فيها وحررها لا سيما علم الفرائض والفقه والأدب ونظم في الفرائض منظومة نحو أربعمائة بيت سماها قلائد المنظوم في منتقي فرائض العلوم وشرحها شرحاً كشف عن وجوه معانيها لم ينسج على منواله سماه نثر لآلي المفهوم شرح قلائد المنظوم وله شرح على الدر المختار شرح تنوير الأبصار للعلامة الشيخ علاء الدين الحصكفي سماه مفاتح الأسرار ولوائح الأفكار وصل إلى آخر كتاب الصلاة ومن كتاب النكاح نبذة رائقة وتحريرات فائقه وله ديوان شعر وديوان خطب وغير ذلك من التعليقات وترجمه الأمين المحبي في ذيل نفحته وذكر له شيئاً من الشعر وقال في وصفه هو في النباهة متخلق وبالآداب الغضة متعلق لبس حبائر الحمد مفوفه واقتضى عدة الفضل لا ممطولة ولا مسوفه يغازل الألطاف غزل ابن اذينه ويكلف بها كلف جميل ببثينة بشباب له مجني رطب ومهتصر وعوده الطري لماء الحياة معتصر فعين الرجا شاخصة إليه وسمع الأنامل يطن بالثناء عليه بطبع ينير فيجلو الظلام المعتكر ويفيض فيخجل الوسمي المبتكر وله شعر حقيق بالاعتبار راجت بضاعته فنفق عند أهل الأختبار أرق من نسمات الأسحار وانضر من الروض المعطار فمما أهداه إلي وأرسلها بكراً تجلى لدي قوله
يا فريداً حوت بدائعه الغر ... كما لا يرف لطفاً وحلما
لم تدع للأنام أبكار أفكا ... رك معنى نصوغه فيك نظما
لا برحت الزمان تطلع في أف ... ق المعالي فرائداً بك تسمى
فأعذر الفكر في القصور فإني ... يدرك الفكر بعض معناك فهما
سيدي وسندي الذي قلد أجياد البلاغة بغرر فكره وقسم السحر من بدائع نظمه ونثره وأدار على النهى سلافة ألفاظه وحكم كلماته وعطر الأرجاء بطيب نفحته وصيغ عباراته وأودعها عرائس أبكار ألذ من المنى عند النفوس يقول مقبل أردانها لا عطر بعد عروس وكيف لا وقد صير بديع الزمان من رواة أقلامه وصاحب قلائد العقيان من جملة خدامه وأوقف العيون والأسماع بفنون طرزها بتوشيح اليراع ورصعها بجوهر ايجازه فلولا الكتاب لتليت من سوره وعدت من أعجازه فهو لعمري آية لم يسمح بمثلها الدهر وحديقة كلل أغصانها الزهر فالله تعالى يحفظها على الدوام ويحرسها من غير الأوهام هذا والمتوقع من سحاب
стр. 546
نداه وبحر أفضاله الذي لا يدرك مداه إن يمن بكتاب القاموس المحيط والقابوس الوسيط فلا زالت أيامكم الزاهرة وأوقاتكم الزاكية العاطرة مواسم أعياد وأفراح تنشرح الصدور بها والأرواح والسلام على الدوام ومن شعره قوله من قصيدة مطلعها
بدر تم سما على أملود ... أم شموس علت قدود الخدود
أم مليح مقلد بالثريا ... حسن مرآه فتنة المعمود
ريم أنس دب الفتور بعينيه ... فأغنى عن ابنة العنقود
وثنى عطفه الدلال فخلنا ... غصنا زانه رطيب النهود
ألف الصد والنفار فحسبي ... بالأماني أجنى ثمار الصدود
يا خليلي في الصبابة من لي ... وفؤادي يسيل فوق خدودي
حدثاني عن الحمى فعهودي ... في هوى غيده الحسان عهودي
هو من قول ابن الفارض من قصيدة
فغرامي القديم فيكم غرامي ... وودادي كما علمتم ودادي
عودا
زمن كنت أجتني ثمر القر ... ب لدى ظل عيشها الممدود
حيث فيها غصن الشبيبة غض ... ورباها مراتع للغيد
وبها كل مترف الجسم المى ... زان خديه رونق التوريد
شق عن زيقه الهلال وأمسى ... فرعه فوق بنده المعقود
يفقد القلب كل من رام أن ... يبصر هميان خصره المفقود
آه مما لقيته ثم آه ... من دواعيه كاذبات الوعود
فلكم رحت من جفاه معنى ... فاقد الصبر زائد التسهيد
ملك القلب حسنه مثل من قد ... ملك الدهر بالندى والجود
منها
يودع الطرس من بدائعه الغر ... كرقم العذار فوق الخدود
لو رآه النظام عاين إن ... الجوهر الفرد ليس بالمفقود
وله من اخرى أولها
راق السرور ورق عوده ... والسعد فيه أخضر عوده
والدهر وفى بالذي ... ترجو وقد صدقت وعوده
والوقت طاب وجاد بال ... بدر الذي كالظبي جيده
стр. 547
ترف يكاد يسيل من ... لطف الصبا لولا بروده
يبدي الصدود وكلما ... أبداه يحلو لي وروده
سلطان حسن إن بدا ... شخصت لطلعته جنوده
وإذا المتيم شامه ... بخياله احمرت خدوده
فكري لطائر وصله ... نصبت حبائلها تصيده
فاصطاد قلبي صدغه ... الآسى وقيده زروده
قسما بطلعة وجهه ... وبخده الزاكي وقوده
وبطرفه الساجي الذي ... جارت على المضني حدوده
وبسقم خصرنا حل ... أرواحنا راحت تعوده
ما خان قلبي وده ... كلا ولا نسيت عهوده
وقوله أيضاً
أسروا الخواطر بالنواظروتقلدوا البيض البواتروتناهبوا الألباب ما
بين الحواجب والمحاجرفهم الأولى قادوا الأسود إلى الردى وهم الجآذر
هزوا القدود وأسبلوامن فوقها تلك الغدائرلي منهم الرشأ الذي
بالطرف أمسى ريم حاجرريان من ماء الدلال يميس في حلل نواضر
هاروت أحور طرفهالفتان للألباب ساحرخوط يريك إذا انثنى
في تيهه فعل السماهروإذا استبان جبينهضاءت لطلعته الدياجر
ما لاح بارق ثغرهالا وشمت الجفن ماطرأو خلت ورد خدوده
الا وفاح الخال عاطرملك رعيته القلوب وكل باهي الحسن باهر
حتى م يجفو بالصدود أما لهذا الصد آخروإلى م أرمي بالبعا
د وكم ترى فيه الخواطر
وقوله من اخرى
أشمس الضحى لاحت أم الأنجم الزهر ... أم الصبح أم وجه المليح أم البدر
أم أفتر ثغر السعد في مربع المنى ... فأشرقت الأكوان وابتهج الدهر
أم الروض أهداه الربيع قلائداً ... جواهر أزهار تكللها القطر
وهيهات بل هذا فريد بشامنا ... أتاها فأحياها وعم بها البشر
وقلدها عقدي فخار وسؤدد ... فذا سمطه علم وذا سلكه بر
فأصبحت الأفواه تشدو بمدحه ... فذا نثره زهر وذا نظمه در
واطلع في أفق المعاني دقائقاً ... يحار لديها الفهم بل يقف الفكر
همام له في كل علم فراسة ... ومولى على أبوابه يسجد الفخر
حوى قصبات السبق في حلبة العلا ... ونال فخاراً دون عليائه النسر
стр. 548
منها
وإن صاغ من عذب الحديث بدائعاً ... لمسن الغواني الجيد فانتثر الدر
هذا من قول المنازي
تروع حصاه حالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم
ومثله قول المنجكي في وصف خط
لو شام ذو الخال نقط أحرفه ... لراح باليد لامس الخال
ويضارعه قول محمد ابن الدر امن قصيدة له
وحق هوى مصافحة المنايا ... أخف علي منه باليدين
إذا فكرت فيه لمست رأسي ... كأني موقن بهجوم حيني
واصل هذا قول أبي نؤاس في الأمين ابن الرشيد
إني لصب ولا أقول بمن ... أخاف من لا يخاف من أحد
إذا تفكرت في هواي له ... ألمس رأسي هل طار عن جسدي
قال المصنف رحمه الله تعالى في نفحته وهذا النوع سماه المبرد في الكامل والتبريزي في شرح ديوان أبي تمام الايماء وهو اما ايماء في تشبيهه كقوله جاؤا بمذق هل رأيت الذئب قط أو إلى غيره قال الشهاب في كتاب الطراز وكنت قبل هذا اسميه طيف الخيال وهو إن ترسم في لوح فكرك معنى صورته يد الحيال فتصبه في قالب التحقيق وترمز إليه بجعل روادفه وآثاره محسوسة ادعاء كما إن ما يلقى إلى المتخيلة في المنام يرى كذلك ولا يلزم من ابتنائه على الكناية والتشبيه إن يعد منهما لأمر يدريه من له خبرة بالبديع ثم رأيت الخفاجي في آخر الريحانة بسط القول فيه وقال هذا لم أر من ذكره وهو مما استخرجته نطق الأفعال انتهى ملخصاً وللمترجم
طلعت فأشرقت المنازل ... حسناء ترفل في غلائل
وسرى بوجنتها الحيا ... فأنهل ماء الحسن سائل
ورنت فخلت بجفنها ... بيض الظبي بل سحر بابل
ورمت بأسهم طرفها ... عمداً فلم تخط المقاتل
نصبت لحبات القلو ... ب سوالفاً هن الحبائل
وسبت بوسواس الحلي ... ذوي العقول وبالخلاخل
ومشت تهادي بالدلا ... ل وفرقها يبدي الدلائل
تخذت لصارم جفنها ... من هديها تلك الحمائل
стр. 549
منها
فسألتها ماذا الذي ... بدر الدياجر منه آفل
هل ذاك نور جمالك ... الباهي أم الزهر الكوامل
بالله الا ما أجبت ... فإنني وافيت سائل
قالت وحقك إن هذا ... الأمر لم يحتج دلائل
هذا ضياء أماجد ... ملكوا الفضائل والفواضل
من أشرقت بهم البلا ... د وشرفت بهم المنازل
وله من اخرى
يا رياضاً حكى شذاها العود ... كللتها من الزهور عقود
ورنت نحوها عيون مياه ... نبهتها الشمول وهي رقود
حبذا والمليح طاف بكأس ... من رحيق عصيره العنقود
ونسيم الصبا أمال غصوناً ... حسدت عطفها الرطيب قدود
وزها الجلنار في الروض لما ... صفق النهر وانثنى الأملود
وقوله من اخرى
بسم الزهر وسط روض أريض ... عن ثنايا كما اللآلئ بيض
وزها الياسمين فيه وأضحى ... كمليح يرنو بطرف غضيض
ولطيف النسيم هب فأهدى ... من شذاه الشفا لقلب المريض
وترى النهر فيه مد كجسر ... من لجين صاف طويل عريض
وله أيضاً
نبهت مقلة الرياض نسائم ... وأثارت عبير تلك الكمائم
وتثنت معاطف الدوح لما ... قلدتها عقد الزهور الغمائم
وشدت فوقها سواجع ورق ... فأهاجت بلحنها كل هائم
ونجوم الغصون تزهو إذا ما ... حركت عقدها أيادي النعائم
فوقها العندليب قام خطيباً ... يتهادى ما بين خضر العمائم
وثغور الأقاح قد بسمت مذ ... أيقظ الطل جفنه وهو نائم
وبها الجلنار قام يرينا ... أكؤساً زانها عقود التمائم
وخرير المياه غنى فخلنا ... حوله طائر المسرة حائم
ونجوم الغصون تزهو إذا ما ... حركت عقدها أيادي النعائم
فسقى جلق الشآم سحاب ... كلما سام نيرب السفح سائم
стр. 550
ورعى عهدنا بتلك الروابي ... ما تغنت على الغصون حمائم
وقد عارض بها قصيدة استاذه وشيخه العارف الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي وهي
ذيل قاسون بللته النسائم ... بندى الورد والبخور الكمائم
لملاقاتنا ببستان أنس ... فوق أعواده تغنت حمائم
وجرت حولنا جداول ماء ... فكأن الربا لهن غمائم
وثغور الزهور تضحك زهواً ... وقدود الغصون خضر العمائم
عطس الفجر فانتهز يا نديمي ... فرصة العيش في الزمان الملائم
وتأمل زهر الرياض إذا ما ... عقدت منه في الغصون تمائم
وانشق الطيب من مداهن ورد ... نبهته يد الصبا وهو نائم
ومن الجلنار لاحت كؤوس ... من عقيق بها المتيم هائم
أو هو النار حل فوق بساط ... أخضر لا يزال في الجو عائم
جمعتنا مع الصحاب رياض ... ثم بالنير بين ذات النعائم
فابتهجنا بيومنا وشهدنا ... موسم الأنس وهو في الروض قائم
وجلسنا من تحت ظل ظليل ... نتقي في الهجير حر السمائم
حي يا صاحبي على طيب عيش ... طير حظي على تلافيه حائم
واستمع بلبل الربا فهو شاد ... وامتثل قولنا ودع كل لائم
إن هذا عيش ابن آدم اما ... ما سواه فذاك عيش البهائم
وقد عارضها الأديب الحسيب السيد يوسف الحسيني الدمشقي مفتي حلب متخلصاً بها لمديح الاستاذ عبد الغني النابلسي المذكور ومطلعها
يا رياضاً زهت بلطف النسائم ... وبها الورد شق جيب العمائم
وتغنت فيها البلابل لما ... ساجلتها في الدوح ورق الحمائم
منها
فاعط للروض نظرة ثم نبه ... منك طرف السرور إذ هو نائم
وأجل كأساً من الحديث علينا ... يزدري نظمه بعقد التمائم
وممتع بما يفيدك شيخ ال ... وقت عبد الغني حاوي المكارم
ومنها
كعبة للعلوم ليس له غير ... صفات الكمال منه دعائم
كم جنينا ألفاظه بمعان ... اخجلت بالمقام عذب المباسم
وشفينا بها الفؤاد فكانت ... لجراح القلوب خير مراهم
стр. 551
وللمترجم مضمناً
فتكت فينا فمن بالفتك أفتاكاً ... يا مخجل البدر قلبي صار يهواكا
وتهت بالدل يا ذا الريم من هيف ... وفاق بدر السما نورا محياكا
وفقت غصن النقا بالعطف منك وقد ... أضحت ملاح الورى جمعا رعاياكا
وذاب جسم المعنى في هواك سدى ... مذ فوقت أسهماً للقلب عيناكا
لولاك ما عرفت نفسي الهوى أبدا ... ولم تنل شربة في الحب لولاكا
رميتني بالضنا والا سر يا أملى ... وسرت عني ولم تنظر لأسراكا
وقد أتى العيد يدعو الناس تهنية ... وإنه بيننا أيام نلقاكا
عودتني باللقا والوصل تكرمة ... وبعد ذا سيدي أبعدت مرماكا
فصرت أندب أياماً لنا سلفت ... كان اكتحال عيوني حسن مرآكا
إنا عرفناك أياماً وداومنا ... شجو فيا ليت إنا ما عرفناكا
وقوله
أخلصت فيه ولم أصبو لشراك ... ومسكة الصدغ صادتني باشراك
ريم تحجب عني في محاسنه ... وصار يبصرني من طاق شباك
شاكي السلاح إذا ما مال من ترف ... يسبي العقول بروحي خصره الشاكي
ألحاظه فوقت سهم المنون لنا ... وطرفه الناعس الفتان فتاكي
يا أحور الطرف ما قلب الشجي هدف ... فأغمد جفونك واترك قول أفاك
وامنن على الصب في لقياك إن له ... قلباً خفوقاً وطرفاً بالدما باكي
قد حكت فيك ثياب المدح فاصغ إلى ... قولي البديع وخلي نسج حياك
وجد بقربك يا سؤلي ويا أملي ... وهات حدث بثغر منك ضحاك
ومن مقطعاته
بخلت جفوني حين بان معذبي ... فقلت فلم لا تسمحين بدره
فقالت قذى الآمال بالوصل مربي ... فامسك دمعي أن يسح بقطره
وقوله
وأغيد سالت أدمعي لصدوده ... فمر بجفني للوصال قذا الرجا
فأمسكه كي لا يذوب من البكا ... ويغرق طيف قر لي منه في الدجى
وله من الرباعيات قوله
قلبي اسروا وعقد صبري حلوا ... من قد هجروا وفي فؤادي حلوا
يا من سحروا عقولنا مذ ولوا ... هلا نصروا وجدا علينا ولوا
стр. 552
ومثله قوله
يا بدر إلى م تطيل عمر الهجر ... والجفن إلى م يسح سح القطر
بالله عليك عد بوصل كرما ... وأطفي ظمائي يرشف ذاك الثغر
ومن معمياته قوله في عبد السلام
مليح يريك الشهد مبسم ثغره ... إذا افتر عن برق الثنايا ووامضه
على خده خال من المسك ختمه ... بأخضر ذاك الصدغ حل وعارضه
وقوله في عثمان
رشأ تلاعب بالعقول ولم يزل ... بطلا الدلال وبالملاحة يسكر
لا غروان وافى الصيام وخده ... كالجلنار يفوح منه العنبر
وله في حجازي
من بني الترك مترف الجسم المى ... خده قد أبان آسا ووردا
فتن العقل حين جاء بوجه ... ذو حياء وأودع القلب بعدا
وفي عيسى وعلي
فم يا نديمي حث الكأس مصطبحا ... واشرب فديتك بين الروض والزهر
لعل بعد احتساء الراح يا أملي ... يزول عني ما ألقى من الكدر
وفي جلنار وتمام
أفدي الذي صاد الفؤاد بحبة ... سوداء لاحت فوق أخضر شاربه
بدر أثار صبابتي من بعدما ... أرمي نبالاً من قسي حواجبه
وللمترجم غير ذلك من الشعر وكانت وفاته في سنة ثمان وثلاثين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
عبد الرحمن المقري
عبد الرحمن بن إبراهيم الشريف المقري الفاضل العالم الكامل الشافعي مولده برأس الخليج بليدة بالقرب من دمياط وحفظ القرآن العظيم للعشرة من طريق الحرز والشر والدرة على الشيخ أحمد الشهير بأبي قتب تلميذ البقري المقري المشهور وعلى الشيخ علي الرميلي وقرأ الفقه والعربية على البدر حسن المدابغي وحصر الحديث سماعاً على الشيخ عبد ربه الديوي قدم حلب في سنة خمسين ومائة وألف وتوطنها بالمدرسة الحلوية ثم انتقل إلى مدرسة الصاحب ابن السفاح ثم إلى المسجد بسويقة حاتم وانتفع به الناس بالقراآت كثيراً وبالعلم ولم يزل مقيماً بها حتى توفي في سنة أربع وسبعين ومائة وألف
стр. 553
ودفن خارج باب الفرج بالقرب من قبر الولي المشهور أبي نمير
عبد الرحمن المنيني
عبد الرحمن بن أحمد بن علي الحنفي المنيني الأصل الدمشقي المولد الفاضل الأديب الكامل النبيه الذكي الفطن كان حسن الأخلاق عشوراً حلو المنادمة رقيق الطبع ولد بدمشق في سنة اثنين وأربعين ومائة وألف ونشأ بها في كنف والده وقرأ على والده وانتفع به وأجازه من مصر بالمكاتبة الشيخ محمد بن سالم الحفني المصري وأخوه الشيخ يوسف والشيخ علي الصعيدي المالكي والشيخ خليل المغربي المالكي المصري والشيخ السيد أبو السعود الحنفي وفاق ونبل وبرع بالأدب ونظم الشعر وخالط الأفاضل وكانت له المحاورة الشهية والقريحة الألمعية وكان محبباً جميل الهيئة كأنما جبلت طينته باللطف وما زجت أخلاقه مدام الملاحة والظرف ومما نقل عن حسن براعته إنه كان مرة في بعض المجالس وكان المجلس اضطرب بالسرور ومذاكرة الآداب فأفضى المجلس للأنتقال إلى مذاكرة الأنفاس المعلومة عند الناس فأنشد بعض الحاضرين مخاطباً له قول القائل
نحن قوم نهوي الوجوه الحسانا ... وبها الله زادنا احسانا
فأجابه مستحضراً قول بعضهم
نزه فؤادك عنه ... النجم أقرب منه
فعظم الاضطراب ودارت كؤوس الآداب واشتهر ذلك المجلس النفيس حيث وقع له استحضار هذا البيت في جواب البيت السابق وترجمه الشيخ سعيد السمان في كتابه وقال في وصفه والنجم إذا هوى إنه مغناطيس الوجد والهوى صقلت مرآة وجهه الوسيم كما صقل صفحة النهر مرور النسيم يتمتع منه الناظر بروض حسن زاهر ويتشنف السامع بلؤلؤ رطب باهر مع رقة تستجلب الخواطر وتروح القلوب بنفحاتها العواطر وناهيك من قمر اكتمل من أول طلوعه وعدا الظرف حشوا هاله وضلوعه ومع ما فيه من الطلاوة يعطيك من طرف اللسان حلاوة بمنطق لم يحل من شائبة تعريض وكناية تؤدي إلى طويل وعريض يتكلف لها ويتصنع وتعذر من وقوعها ويتمنع وشبابه في ابانه وعذاره يحدث عن زرود وبانه وقد سلك في الشعر مسلكاً سهلاً وشرب من منهله علا ونهلا فأتى منه بما عليه يثني وعلى مقاصده غر الخناصر تثني وهاك من مصوغاته نبذا إذا أنشدت نادت المسامع حبذا حبذا انتهى ما قاله ومن شعره قوله
стр. 554
حين غابت ركائب الصحب عنا ... وسقانا الزمان كأس الفراق
وغدونا حيرى نكابد وجداً ... والتياعاً لشدة الاشتياق
جمعتنا الأقدار في هذه الدا ... ر نحيي معاهد الارفاق
بين باك شجواً وشاك غراماً ... وغريق بدمعه المهراق
بنفوس كادت من الشوق تقصني ... بجواها لولا ادكار التلافي
وقوله
سقياً لظل السنديانة كم مضى ... في سوحه عيش شهي المورد
حيث الربيع كسا الرياض مطارفاً ... خضراً وتوج كل غصن أملد
وسرى الصبا يجني رضاب مباسم ... الزهر الأنيق بذلك الروض الندي
والطير بين مغرد ومردد ... والماء بين مزرد ومجعد
والخيل تسبح في العجاج كأنها ... سفن جرين بمتن بحر مزبد
ترد الهياج نواضراً ويردها ... نقع التطارد في رداء أربد
حتى إذا ما أدلجت في نقعها ... هديت بصبح من طلاقة أحمد
وحين طلب من شعره الشيخ سعيد السمان أرسل له حصة منه وكتب له معها بقوله مضمناً البيت الأخير
ومصقع رام من شعري ليودعه ... ديوان من مجدهم يسمو إلى الحبك
فقلت إني وشعري كلما ارتفعت ... أشعار أهل الذكا ينحط للدرك
فقيل يكفيه فخراً أن يكون له ... راو كنا درة الأيام والفلك
أوفده منه على ندب يهذبه ... فضلاً ويثبت منه كل منسبك
فبينما الذهب الأبريز مطرحاً ... في أرضه إذ غدا تاجاً على الملك
وأرسل إلى الأديب سعيد السمان ملغزاً بقوله
يا لبيباً أفديك بين لنا ما ... اسم شيء نصيفه اسم مصر
وإذا ما صحفت كلاً من الشط ... رين يغنيك عن رضاب وخمر
جبل نصف شطره وهو لفظ ... بعد تصحيفه أتى فعل أمر
فأحبني أفديك من كل شين ... بجواب نظم والا فنثر
فأجابه والغزله بقوله
يا وحيد الأنام ذاتاً ووصفاً ... وفريداً في كل نثر وشعر
ومجيداً في كل معنى دقيق ... من بديع الكلام صائب فكر
قد أتاني من نفثك العذب نظم ... هو مغن عن رشف ثغر وخمر
стр. 555
ملغزاً يا فدتك في اسم إذا ما ... طاف في الصحب فاح عاطر نشره
وإذا ما أتاك يضحك زهواً ... نثر الدمع في الأكف كقطر
أعجمي لا يحسن النطق لكن ... قهقهته تبدي نفائس در
وعجيب يقوى بدون لسان ... بين أهل النهى على كل نثر
ما رأينا منه سوى نفحات ... بعبير الرياض والزهر تزري
دأبه في الأنام وهو صديق ... صدع شمل الأحباب من دون غدر
وعلى كل راحة لا تراه ... غير في راحة إذا رام يسري
لم يزل لاثماً يداغب اخرى ... بفم الاشتياق لثمة بشر
ذا جواب فيه المرام وضوحاً ... بالذي رمته كطلعة فجر
وأنا سائل أيا ابن ودادي ... فابن لي عما يجول بسري
ما اسم شيء في الأرض طوراً نراه ... ولدي الجو تارة دون نكر
شأوه في الأنام ليس بحارى ... طائع ربه بنهى وأمر
وله رنة الحزين إذا ما ... فارق الألف بعد وصل مسر
فلذا قد غدا بغير جناح ... قلبه طائر لدى الأفق قادر
يا لعمري وليس فيه قوآه ... وهو يقوي بنا على كل ضر
وإذا راحة الفتى صافحته ... راح أمناً من كل سوء وذعر
مخطئ صائب أمين خوون ... دابه ذاك عند عبد وحر
لا عد مناه من صديق عدو ... صادق كاذب بما شاء يجري
ذو انحناء على عصاه ولكن ... فعله نافذ على كل صدر
فترى الغيد شأنه في البرايا ... في محل الاطلاق من غير غدر
دائماً تعقد الخناصر في الخلق ... عليه من كل ندب أغر
لا برحت المدا صديقك تهدى ... من معاني البيان نظماً كثغر
ما أديب قد حاك من نسج فكر ... حللا من بديع لفظ كسحر
وللمترجم قوله
لأختلاس المحب من فرص الده ... ر لقاء الحبيب غب الفراق
آثر العاشق البقاء على الفو ... ت بدهر يجري شؤون المآقي
وقوله أيضاً
وأغيد زارني والليل داع ... فمزق نوره جيب الظلام
توارى البدر لما لاح شمساً ... حياء تحت أستار الغمام
стр. 556
وله من قصيدة مطلعها
لطير الهنا في الروض صدح المغرد ... على فنن الاقبال في روضه الندي
تغني فأنساني الغريض ومعبدا ... بمطرب ألحان وطيب تردد
وهب على زهر الربى نافح الصبا ... سحيراً فأغفى كل جفن مسهد
يمر على الأغصان وهي قويمة ... وينساب عنها وهي ذات تأود
ويكسو متون الماء درعاً مزردا ... لجيناً يحليه الأصيل بعسجد
ومعنى المصراع الأول من آخر الأبيات مأخوذ من قول الآخر
نسج الريح على الماء زرد ... ياله درعاً منيعاً لو جمد
أقول وأصله ما نقله صاحب بدائع البدائه قال روى عبد الجبار بن حمديس الصقلي قال صنع عبد الجليل بن وهبون المرسي الشاعر نزهة بوادي أشبيلية فاقمنا فيه يومنا فلما دنت الشمس من الغروب هب نسيم ضعيف غضن وجه الماء فقلت للجماعة أجيزوا حاكت الريح من الماء زرد فأجازه كل منهم بما تيسر له فقال لي أبو تمام غالب ابن رباح الحجاج كيف قلت يا أبا محمد فأعدت القسيم له فقال أي درع لقتال لو جمد انتهى ثم قال صاحب البدائع ما سبق وقد نقله ابن حمديس إلى غير هذا الوصف فقال
نثر الجو على الترب برد ... أي در لنحور لو جمد
فتناقض المعنى بذكر البرد لو جمد إذ ليس البرد الا ما جمده البرد اللهم الا أن يريد بقوله لو جمد لو دام جموده فيصح ومثل هذا قول المعتمد بن عباد يصف فوارة
ولربما سلت لنا من مائها ... سيفاً وكان عن النواظر مغمدا
طبعت لجيناً ثم زانت صفحة ... منه ولو جمدت لكان مهندا
وقد أخذ المقري هذا المعنى فقال يصف روضاً
ولو دام هذا النبت كان زبرجداً ... ولو جمدت أنهاره كان بلورا
وهذا المعنى مأخوذ من قول التونسي الأبادي من قصيدته الطائية المشهورة
الؤلؤ قطر هذا الجو أم نقط ... ما كان أحسنه لو كان يلتقط
والمعنى كثير للقدماء قال ابن الرومي في قطعة من العنب الرازقي
لو أنه يبقى على الدهور ... قرط آذان الحسان الحور انتهى
عودا إلى القصيدة
وأصبح ثغر الدهر بالأنس باسماً ... عن المطلب الأسنى وأعظم مقصد
ولامه الغراء عادت مواسماً ... بها تنجلي خود السرور بمشهد
стр. 557
بمقدم نجل مهدت لقدومه ... معاهد مجد للسوي لم تمهد
أغر عليه اللنجابة كوكب ... يشف سناه عن معال وسؤدد
تضرع من دوح النبوة غصنه ... وماس بروض للوزارة أسعد
ومنها
فيا ابن الأولى قد شيدو البأس والندى ... لهم رتب حفت بعز سؤيد
ومن إن دهى خطب وأطلم حادث ... جلوه برأي مستنير مسدد
كرام إذا ما أدلجوا فوجوههم ... مصابيح تغني عن ذكاء وفرقد
ليهنك في أفلاك مجدك فرقد ... يلوح باقبال وسعد مؤكد
فقربه عيناً ودم وابق سالماً ... بعيش كنوار الخميلة أرغد
نسوق لك الأيام كل مسرة ... ومجد أثيل غب أنس مجدد
ولا زال نجماً في المعالي محمد ... محوطاً بعز من جنابك أحمدي
مدى الدهر ما غنى بمدحك صادح ... وما شغفت منك المعالي بأمجد
وما جاء في تاريخه حدد الهنا ... فشهر ربيع مولد لمحمد
ولما عاد من حجه أحد صدور الدولة العثمانية المولى أبو بكر الرومي نزل في العادلية عند والد المترجم فعمل له المترجم هذه التهنية مؤرخاً عامها وذلك في سنة اثنين وستين ومائة وألف وهي قوله
هناء فطير السعد غرد بالبشر ... ونم على أرد إنه أرج النشر
وصير أيام اللقاء مواسماً ... بها تنجلي خود المسرة واليسر
وأصبح روض الغصن يندي نضارة ... وكلله طل البشائر بالدر
وجرد كف البرق عضباً مهنداً ... على السحب فانهلت بدمع كما القطر
وأشرق أفق الشام وافتر بالمنى ... بها مبسم الاقبال عن شلب الشكر
وطلت دواعي اليمن فيها هواتفاً ... وغنى حلم الأنس في القضب النضر
لمقدم طود الفضل والعلم من له ... مآثر قد خطت على جبهة الدهر
جليل رقى العلياء بالفضل والندى ... وحاز مقاماً دونه هامة النسر
جواد إذا ما أخلف السحب وعدها ... رأيت له كفا بسح الندى يجري
همام لوان الليل لاذ بجاهه ... لما مزقت أثوابه راحة الفجر
هو الشهم ذو الأفضال والعلم والتقى ... أخو الرتبة القعساء والهمة لبكر
هو الماجد النحرير والأوحد الذي ... خلائقه كالزهر أو نفحة الزهر
أغر السجايا واسع الصدر رحبه ... فريد المعاني واضح المجد والفخر
стр. 558
إليه انتهت آمال كل مؤمل ... فعادت بأوقار الندى والثنا تسري
وباب معاليه انتحته بنو الرجا ... فأمنها مما يروع من الذعر
فما هو الا النجم في كل مشكل ... وما هو الا البدر في الهدى والقدر
له فكرة ما زال ينمو ذكاؤها ... ورأى سديد كالمهندة البتر
أما ومحياك الوسيم الذي لنا ... بخبخ الدجى فيه غناء عن البدر
وفيض أياد كالبحار وهمة ... علوت بها قدراً على الأنجم الزهر
لأنت بهذا الدهر فرد كما به ... قد انفردت في فضلها ليلة القدر
فيا أيها المولى الهمام ومن له ... محامداً دناها يجل عن الحصر
تهنأ بحج بل نهنئ نفوسنا ... بمقدم خير رافع راية النصر
بلغت به ما كنت قبل مؤملاً ... ونلت به الحظ الجزيل من الأجر
وزرت مقاماً حله أشرف الورى ... أبو القاسم الهادي الشفيع لدى الحشر
وجئت دمشق الشام حتى تشرفت ... بموطئك السامي وعزت مدى العمر
وأصبح أهلوها تمد أكفها ... بخير دعاء للجناب بلا نكر
فجوزيت عن مسعاك كل كرامة ... تسير بها الركبان في البر والبحر
فقد جاء تاريخ ببيت منضد ... ينادي بألفاظ ملئن من السحر
بأيمن عام عم بالعز والمنى ... وبالسعد والاقبال حج أبي بكر
وقد عرض المترجم هذه القصيدة على الفاضل الأديب السيد مصطفى العلواني الحموي نزيل دمشق فكتب له هذه الأبيات وأرسلها إليه وهي قوله
أشعرك يا مولى القريض أرق من ... صفاتك أم منه صفاتك ألطف
أزل اشكالي بصبح فطانة ... غدوت بها بين الأفاضل تعرف
ولا غروان تغدو وأنت أبو النهى ... وأنت ابن من منه الفضائل تغرف
وإنك غصن مثمر ضمن روضة ... معطرة منها الكمالات تقطف
بقيت لمنثور الفضائل ناظماً ... وفيها بأنوار الذكا تتصرف
وللمترجم في عين الصاحب أحد منتزهات دمشق
لما وقفنا للوداع عشية ... ما بين مسلوب الفؤاد وسالب
وجرت من الشوق المبرح أدمعي ... رق الحبيب لماء عين الصاحب
ولوالده أيضاً في ذلك
لم أنس موقفنا بعين الصاحب ... مع صاحب حبي له كالواجب
стр. 559
أنشدته والشوق يعبث بالنهى ... روحي الفدا شوقاً لعين الصاحب
وللماهر اللغوي الشيخ مكي الجوخي في ذلك أيضاً
يا صاحبي جد المسير ومل بنا ... نحو الرياض فذاك جل مآربي
مع صاحب يروي الفؤاد من الظما ... لتقر عيني عند عين الصاحب
ومن ذلك قول الفاضل الأديب عبد السلام المغربي نزيل دمشق
حث المدامة واسقني يا صاحبي ... كأساً يروق بماء عين الصاحب
واخبب على خيل المسرة مسرة مسرعاً ... فلنحوها طير المسرة صاح بي
وكانت وفاة المترجم في سنة اثنين وسبعين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى.
عبد الرحمن الصناديقي
عبد الرحمن بن أحمد الصناديقي الشافعي الدمشقي الشيخ العالم الألمعي اللوذعي الفاضل المدقق كان علامة فهامة ذكياً أصولياً فقيهاً نحوياً له مشاركة في فنون كثيرة أخذ وقرأ على علماء دمشق ووالده وأخوه يصنعان الصناديق فجد بنفسه وجاور بمصر مرتين وأخذ عن علمائها كالامام السيد علي الضرير وغيره وكان يقرئ في الجامع الأموي عند باب الصنجق وكتب بخطه كتباً كثيرة وكلها مملؤة بالحواشي وتقريرات مشايخه على طريقة المصريين في كتابة جمع ما يقرأون وله من التآليف شرح على البردة وشرح على الشمائل وله رسالة في اعراب فضلاً وتارة ونحوهما من بقية العشرة كلمات التي ألف فيها ابن هشام رسالة فاختصرها المترجم وكان يحب العزلة ولا يخلو من سوداء في طبعه وولي الخطابة في مدرسة الوزير إسماعيل باشا العظم في سوق الخياطين بالقرب من محكمة الباب وكذلك صار أمين الكتب الموضوعة هناك الموقوفة وسافر إلى القسطنطينية في الروم ومن ثمة رحل إلى طرابلس الغرب وحاكمها إذ ذاك الشهير علي باشا وفي آخر عمره حصل له داء ضيق النفس وبالجملة ففضله أشهر من أن يذكر وكانت وفاته في سنة أربع وستين ومائة وألف ودفن بتربة الباب الصغير رحمه الله تعالى.
عبد الرحمن القاري
عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن علي بن عمر المعروف كأسلافه بالقاري الحنفي الدمشقي أحد الصدور من أعيان دمشق ورؤسائها كان شهماً معتبراً ماجداً سخياً جواداً ممدوحاً ذو همة علية واقدام في الأمور مع جاه عظيم وثروة باذخة وعز وسعد مقبول الشفاعة محترماً عند الصغار والكبار وكان يجل العلماء ويكرمهم وكان
стр. 560
جسوراً متكلماً فصيح المقال آية باهرة في الأمور الخارجية وبضاعته كانت من العلم مزجاة جداً ولد بدمشق في سنة اثنين وسبعين وألف وبها نشأ في كنف والده وكان والده منفصلاً عن قضاء آمد من مشاهير الأمجاد الرؤساء وتوفي في سنة ثمانين وألف وولده المترجم ظهر شأنه وعلا قدره وتبسم ثغر اقباله وأزاحت ديجور الأدبار أنوار سعده واحلاله حتى خطبته العياء واشتهر بين أبناء الدنيا وحين قدم والياً إلى دمشق وأميراً على الحاج الوزير رجب باشا انتمى المترجم إليه وأقبل المذكور بكليته عليه وصار له عند المقام الأعلى والقدر الرفيع الأعلى فازداد تطاوله وأقدمه وتضاعفت أفعاله وأحكامه ورفض بقية الأعيان والرؤساء وكان بينه وبين المولى محمد بن إبراهيم العمادي المفتي ما كان كما هو دأب الأقران في كل أوان وتعرض بسبب انتمائه للوزير المذكور للفتيا بدمشق وعزل العمادي ثم إن الوزير المذكور عزل العمادي ووجهها عن الافتاء للمترجم وكتب عروضاً في حق العمادي للدولة العلية أخباراً ببعض افتراآت علي العمادي وصيرورة الافتاء للقاري المترجم وإن ينفي العمادي فحين وصلت العروض للدولة نفذتها للوزير أرباب الحل والعقد ورجال الدولة وصدر أمر سلطاني بنفي العمادي وتوجيه الافتاء على القاري المترجم ولما جاء الرسول المعين من طرف الدولة في نفي العمادي وتوجيه الافتاء على القاري عقد الوزير ديواناً بمجمع من الأعيان والعلماء والرؤساء وقرأ الأمر السلطاني عليهم بالاشاعة فلما انتهت قراءة الأمر السلطاني أمر الوزير بنفي العمادي واجلائه عن دمشق فقال له العمادي في المجلس أما تعفو عني فسيجئ بعد أيام أمر آخر سلطاني بعودي وكان للعمادي خبر بأنه صدر أمر سلطاني بعوده لدياره بعد الأمر السابق فلم يسمع الوزير كلامه وقال لا بد من نفيك واجلائك وكان الوزير شديد البأس وله نظر على القاري فلما خرجوا من باب السراي بالعمادي قامت أهل دمشق على خدام الوزير المذكور وضربوهم فوصل الخبر إليه فعند ذلك أمر بابقائه بشرط أن يلزم داره ثم بعد أيام قلائل ورد أمر سلطاني بالعفو عن العمادي واستقام المترجم في الفتوى ستة أشهر وبعدها عزل وعادت إلى العمادي ولم تطل مدته ومات بعد ذلك وكان المترجم تولى نيابة محكمة الباب مراراً وتولى تولية وتدريس المدرسة الظاهرية حتى إنه درس بها حين أمر والي دمشق بأن المدرسين في كل مكان يلازموا الدروس والاقراء وكان قبله أمر بذلك والي دمشق نصوح باشا وبعده حسين باشا الخازوقجي كذلك فصار كل من عليه مدرسة يباشر الافراء أو يجعل وكيلاً واستقام ذلك قليلاً ثم عاد كل لأصله وكان المترجم حين يقرئ يسرد العبارة فإذا صدر منه خلل في بعض المسائل
стр. 561
أو غلط لا يقدر أحد على رده بل كلهم من أفاضل أجلاء صامتون ناصتون لكونه كان يبرهم باكرامه ويحسن اليهم فلا يريدون تخجيله بل يصححون له درسه قبل أن يقرأه وبعده يمليه هو سرداً وكان له عقارات وأملاك ومتعلقات كثيرة ورحل للحج والي الروم وامتدح بالقصائد الفرائد فممن امتدحه الشيخ محمد الكنجي امتدحه بقصيدة مطلعها
خذ ما استطعت علاً ومجداً ... وألبس من النعماء بردا
واستمطر الآلاء من ... مولى وزد شكراً وحمدا
وكن المقدم بالفضا ... ئل لا برحت تنال سعدا
أنت الهمام المقتدي ... وبك النهى تزداد رشدا
حامي حمى الشرع الشريف ... ومن حوى الرأي الاسدا
لا غرو أن ترقى العلا ... أنت الكريم أبا وجدا
من رام جاهك في البرية ... فليمت كمداً وحقدا
لا باجتهاد تبلغ ال ... آمال إن السعد وعدا
أنت الذي نلت السيا ... دة وادعاً وسواك جدا
لم تلف يا ذا الفضل الا ... باذلاً في الخير جهدا
ولديك من جبر الخوا ... طر ما يعيد الحر عبدا
وإذا الزمان إذا قنا ... من ريبه ظلماً وكدا
لم نلق غيرك في البرية ... منهلاً عذباً ووردا
ومن استجار ببابك ... السامي فأنت له تصدى
تلقاه بالصدر الرحيب ... فلن يخيب ولن يردا
وبنى الكرام إلى ذرا ... ك تسوقهم وفداً فوفدا
وإذا وعدت بنائل ... حاشاك ما أخلفت وعدا
وإذا حييت بمنصب ... جعل العفاف عليك يردا
لم تولك الدنيا الدنية ... عن رضى مولاك صدا
تأتي اليك ذليلة ... فترى لديك غنى وزهدا
والناس تستسقي السحا ... ب وجود كفك منه أندى
يتلون ذكراك الجميل ... كأنهم يتلون وردا
وكتب للمترجم أحمد الكنجي والد المذكور لأمر اقتضى ذلك
أخا الفضل لا زالت مدى الدهر سرمداً ... هداياك تعطي للأنام وتنقل
стр. 562
ولا زال يا مولاي قدرك سامياً ... على كل قدر في البرية يجمل
تفضل بما أوعدت وأرسله عاجلاً ... فمهما أتى منكم على الرأس يحمل ومن مداحه
ومن مداحه عبد الحي ابن الطويل المعروف بالخال فمن مدائحه فيه قوله من قصيدة يهنيه فيها بالعافية من مرض أصابه وذلك في رمضان سنة اثنتي عشرة ومائة وألف مطلعها
روى جفني عن الجفن الروي ... وعن قلبي عن الزند الوري
عن الكبد التي ملئت غراماً ... ووجداً لا يعبر بالروي
بأن الله قد خلق المنايا ... من الطرق الكحيل البابلي
لقد نهبت ظبي الألحاظ جسمي ... من الظبي الغرير الجاسمي
هو القمر الذي قد راح يزهو ... بطلعته على البدر السني
فيا أملي من الدنيا وقصدي ... ويا رشدي ويا رشدي وغيي
امط طرف اللثام فدتك روحي ... عن الثغر الشهي السكري
منها في المدح
وحيد الفضل يحلو ما توارى ... وغيب عن مدى فهم الذكي
ويروى المجد عن سلف كريم ... كما يروى الحديث عن النبي
له الهمم التي لو صد طوداً ... بها لأندك بالعزم القوي
همام جهبذ شهم إذا ما ... ثرا أي ذل ذو القدر العلي
وإن جئناه في أمر مهم ... تلقاه ببشر أريحي
وامتدحه الشيخ صادق الخراط فمن مدائحه فيه ما قاله مهنياً له برتبة مدرسة الداخل المتعارفة بين المولى الرومية
يا ابن الأكارم والأفاضل ... يا واحداً ملك الفضائل
يا مفرد الأوصاف وال ... ألطاف يا حسن الشمائل
يا من رقى رتب المعا ... لي الغر عن ارث الأوائل
آباؤه الأمجاد من ... ملكوا الفخار ولا مجادل
ورقوا على هام العلا ... واستوطنوا تلك المنازل
يهنيك قد وافت لك ... العلياء ترفل في غلائل
تسعى ولم تمدد لها ... كفاً ولم تنصب حبائل
لا زلت ربع الفضل فيك ... أخا العلا والمجد آهل
متسربلاً حلل الكما ... ل وفي ثياب العز رافل
ما فاح نشر ثناك في ... الدنيا وما هبت شمائل
стр. 563
وبالجملة فقد كان المترجم القاري من صدور أعيان دمشق ورؤسائها وبلغ مرتبة من العليا سامية وقدراً من الجاه وافراً عالياً وكان خرج له في صدره دملة وعظمت حتى أخذت سائر صدره وعولجت كثيراً فلم تفد وانحلته ولم تطل مدته ومات وكانت وفاته في يوم السبت التاسع والعشرين من شعبان سنة اثنين وثلاثين ومائة وألف ودفن بتربة الباب الصغير وبعده تصدر في دارهم ولده المولى عمر القاري وبلغ شهرة وافية ورقا إلى مراقي سامية ونفذت كلمته وعلت حرمته وراس بدمشق واشتهر كذلك وبعده لم يخلفه أحد مثله منهم وكانت وفاته في يوم الجمعة سابع رمضان سنة ثمان وأربعين ومائة وألف ودفن بباب الصغير أيضاً رحمهم الله تعالى وسيأتي ذكر ابن عم المترجم محمد القاري في محله.
عبد الرحمن التاجي
عبد الرحمن بن تاج الدين بن محمد بن أبي بكر بن موسى بن عبده الولي الكبير المدفون في جبل الأقرع من أعمال انطاكية المترجم في در الحبب في أعيان من دخل حلب للعلامة شمس الدين محمد الحنبلي الحلبي وهذا المترجم هو الشيخ الخطيب المعروف بالتاجي الحنفي البعلي العلامة البارع الفاضل المحقق كان عالماً فاضلاً هماماً بليغاً أديباً في غاية من الجرأة ذا وقار واعتبار وعقل تام وله في الأمور وأبناء الزمان اختبار ولد في بعلبك في سنة ست وأربعين بعد الألف وقرأ الكثير على الشيخ عبد الباقي وعلى السيد محمد البرزنجي وغيرهما وأخذ عن الشيخ إبراهيم الكوراني المدني والشيخ محمد بن سليمان المغربي والشيخ حسن العجيمي المكي واقرأ الدروس الخاصة والعامة وطلب لخطابة دمشق لما انحلت عن العلامة الشيخ علاء الدين الحصكفي مفتي الحنفية وخطب بها مدة وكان حسن الصوت له المعرفة التامة في ألحان الموسيقى وكان ذا ثروة ودنيا ولذلك أنشد فيه الأديب الشيخ رجب الحريري حين وعده بارسال شيء من العسل ولم يوف الوعد قوله
يا شبه قارون في مال وفي سعة ... وياسمي الذي للمرتضى قتلا
إني عجبت لمثلي كيف صاغ له ... من أرقم ذات سم يطلب العسلا
ولما دفعهما إليه أجابه بأحسن جواب حيث قال له أنت كالحدأة سلاحها لسانها ورجب المذكور كان أعجوبة دهره في الشعر له باع في أقسام الشعر خصوصاً الهجاء وله فيه نوادر عجيبة وكان مكثاراً بديهاً وترجمه الأمين في تاريخه ونفحته وذكر أنه كان حمصي الأصل دمشقي المولد وتوفي بحلب في سنة احدى وتسعين
стр. 564
وألف وكان صاحب الترجمة له رتبة الصحن المتعارفة بين الموالي وله توجهات إلى حلب وصحب الجد الكبير الاستاذ الشيخ السيد مراد وأخذ عنه الطريقة النقشبندية وله محبة أكيدة مع الشيخ العارف الكبير الشيخ عبد الغني النابلسي ويجري بينهما مطارحات أنيقة يجئ ذكر بعضها وكان له شعر في غاية البلاغة ومقاطيع ذكرهم في ديوانه المشهور وفي آخر عمره توجه لدار الخلافة في الروم لأجل ما وقع لولده الآتي ذكره إن شاء الله تعالى واجتمع بشيخ الاسلام المولى فيض الله وأمره بالتوجه معه إلى أدرنة لقضاء مآربه فتوجه معه وأنشده له قصيدة آخرها فارحم مشيبي يا همام فانني جاوزت للسبعين حداً مذعناً فأنا له منه ما تيسر ثم لما رجع منها بعد أن تزوج بامرأة أخيه العالم البارع المتوفي بقسنطينية واستقام فيها مقدار سنتين دخل بعلبك مريداً التوجه إلى داره بدمشق فأدركه الحمام وترجمه الأمين المحبي في نفحته وذكر له من شعره وقال في وصفه أديب سامي القدر متوقد كالقمر ليلة البدر حسن المحاضرة بالانشاء وارف الظلال والأفياء يجري على طرف لسانه ما ينطق الدهر باستحسانه وهو أخ لك في الغرض جوهر أخلاقه لا يشوبه عرض وفيه لوذعية تحبيه وبشاشة تزلفه وتقربه وبيني وبينه صحبة ألحمتها الآداب وسدتها ومودة ربطتها موافقة القلبين وشدتها وهو اليوم طلق الشعر ثلاثاً ونقض غزله أنكاثاً وتخلص لعلم ينفعه في الحال ولمآل ويجدد له في الله كل ما تعوده من أماني وآمال وقد أثبت له من أوائل شعره كل بديع الوصف زاد على الجوهر في الشفافية والرصف انتهى ما قاله ومن شعره ما كتبه للاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي بقوله
تذكرت أيام الصبابة والصبا ... وعيشاً مضى ما كان أهنى وأطيبا
زماناً به كانت يد الدهر برهة ... تقمصني ثوب السعادة مذهبا
سقى الله ذاك الشعب غيث مدامعي ... إذا الغيث يوماً عن مغانيه قطبا
مغان بها كان أئتلاف مسرتي ... واقبال عيشي بالأماني أخصبا
منازل فيها للبدور مطالع ... على أن فيها للسحائب مسحبا
أقمت بها بين البشاشة والقري ... وإن شئت قل بين المحبة والحبا
وكم سيق من نعمي إلي ونعمة ... وكم قيل لي أهلاً وسهلاً ومرحبا
أبيت أجر الذيل تيهاً ورفعة ... ولا أرتضي غير السماكين مضربا
ويجمعنا بين العشائين جامع ... نسائر فيه الصحب شرقاً ومغربا
ونقصد للروض الوريف الذي له ... علا منزل زاد اعتلاء لنطربا
стр. 565
يطار حناها كالجمان قصائداً ... جواد بها في حلبة السبق ماكبا
وتنبعث الأفكار في كل شذرة ... تخال بجيد الدهر عقداً مذهبا
ويوماً ترانا حول مرجة جلق ... نؤم رياض الزاهدين أولى النبا
مجالس أنسى لست عنها براغب ... وكيف أرى عن جنة الخلد مرغبا
حوت كل فتك اللحاظ ممنع ... بصفحة خديه المحاسن كتبا
فما روضة غناء ذات جداول ... سعين بها كالصل يطلب مهربا
علاها لتغر يد البلابل في الحمى ... شؤون تذود الهم إن شاء أو أبى
وقد نسجت أيدي الربيع مطارفاً ... مدبجة والأفق أضحى مقطبا
وقام خطيب الطير فوق منابر ... يقول انهضوا فالراح قد راق مشربا
بأحسن مرآى من شمائله وقد ... تثنى فأزري بالرماح وأعجبا
وشيخهم لم أنسه أدروى لنا ... أحادي الا أنها كلها هبا
وليلة سعد ما سعدت بمثلها ... مدى الدهر في تلك المعاهد والربا
أعانق للآمال قداً مهفهفاً ... والثم ثغر اللأماني أشنبا
فذاك زمان كل عيش به رضى ... وكل نسيم هب من صبوتي صبا
وكنت أرى أن الزمان مساعدي ... فشمت به برق الأماني خلبا
فبينا تراني باسم الثغر ضاحكاً ... إذا بي أعض الراحتين تلهبا
متى تجمع الأيام شملي بجلق ... وألقي بها عبد الغني المهذبا
فتى فضله لو قابل الشمس راعها ... فتصفر أما خجلة أو تهيبا
سليل الأولى سادوا علي ونباهة ... وعلماً وحلماً وافتخاراً ومنصبا
إذا جال في بحث أتاك بمعجز ... وحل عويص المشكلات وأطنبا
بفضل أبيه العالمون شواهد ... ولكن رأينا الأبن قد فضل الأبا
هذا مأخوذ من قول بعضهم
وكم أب قد علا بابن ذرى شرف ... كما علت برسول الله عدنان
عودا
أخا الود مالي عن ودادك مذهب ... على أن قلبي لم يجد عنك مذهبا
وقد علم الرحمن من أنا عبده ... بأن ودادي عن ودادك ما صبا
وشخصك لا ينفك يسري به لنا ... خيال إذا آب الظلام تأوبا
أقلني أقلني إنني بقصيدتي ... شكوت لترئى لا شدوت لتطربا
ودم وابق في عز وأمن ممنعاً ... لدي غبطة ما أظهر الأفق كوكبا
следующие страницы →