Полный текст (1 167 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
عبد الرحمن ابن شاشة
عبد الرحمن بن محمد الذهبي المعروف بابن شاشه الدمشقي نزيل الحرمين الشيخ الفاضل الكامل ترجمه الشيخ سعيد السمان وقال في وصفه أديب تردي من الكمال البرد المفوف وجاب البلاد لاقتناء مخبآته وطوف فلم شعثه المنبث ووصل سببه المجتث وأراد أن يرشف من بحره فكرع وافترع من عون شوارده ما افترع وتنقل من وطن إلى وطن إلى أن تجاوز صنعا وعدن الا أنه ما استقر حتى أذعن إلى الأوبة بالانقياد واستقر فأم أم القرى وقال عند الصباح يحمد القوم السري فمكث مدة طويله وهو يكثر على تربة مولده نحيبه وعويله فأعمل الرواحل وطوى المراحل فأدرك المأمول وحط ثقل الحمول وقد رأيت له مجموعة تنبئ عن حيثيته عارض بها الأمين في نفحته وأراد أن ينهض فكبا وأتعب كاهلاً ومنكباً وأعانه ولا أقول أشابة بل عصابه وقدموه على أمر سد دونه باب الاصابة فحاول ما أراد أن يحاول وأين الثريا من يد المتناول فما كل رام مصيب ولا كل روض خصيب وشتان بين حلة مطرزة واخرى مرقعة مخرزة وبالجملة فله اطلاع ملأ منه الجوانح والأضلاع وله نظم أطلعت منه في مجموعته على القليل كالروض المطير البليل وهاك منه ما يساغ وما هو كالذهب المصاغ انتهى ما قاله ومن شعره ما كتبه للأديب عبد الحي الخال الدمشقي من مكة المشرفة بقوله من قصيدة مطلعها
الا مبلغ عني الأحبة من نجد ... بأني على ما يعهدون من العهد
أبيت لفقدي من أحب متيما ... يزيد بي الأعراض وداً على ود
أنهنه دمعاً من عيون أظنها ... مذاب عصى القلب يجري على خدي
أسائر نجم الليل سهداً كأنني ... واياه ذا فقد تقابل بالبعد
كأن الدجى بحر من الفكر دائماً ... أغوص به فالدر من موجه أبدي
كان الفلا أفق مواقيد نارها ... شموس أنارها من سماها على الوفد
كان مديد الأرض والركب فوقه ... سفين بلا جزر تسير ولا مد
كان المطايا فوق أظهرها لها ... قباب من الآمال شوقاً بها تفدي
كان الزمام الشوق منها لها غدا ... يقود فلا تدري الحداة بما تحدي
كان شدا الغلمان عند انقيادها ... لها صوت من تهوي يقول لها عندي
كان انثنا أيدي المطي ورفعها ... قدوداً لغواني الراقصات من الوجد
стр. 597
كان حصى البيداء أحشاء مغرم ... فلم تستطع وطئاً عليها من الوقد
كان هلال الأفق قابل حاجباً ... لطاعن سن قد أباد على العهد
كان ابن سبع والثمانون جبن من ... أناب اقتطاف الخد منه على الورد
كان الدجى والبدر لو أنه بدا ... محيا كحيل الطرف في حالك البرد
كان اغبرار الأفق ألفاظ كاشح ... تغير منه ناصع الجيد والخد
كان انسياب الزهر من حوله غدت ... فرائد در قد تناثر من عقد
كان ائتلاف الفرقدين محاكياً ... تلازم من أهواه عني إلى الصد
كان بنى نعش أما نبي التي ... تنازعها أيدي التبدد والرد
كان سنا المريخ وجنة صادق ... يخيل إني لاح في أعين الرمد
كان سهيلاً قلب وغد لقد أتى ... يبشرني بالسير ليلاً معي وحدي
كان السها مرآة في حندس الدجى ... تلوح ولا تبد ولكاذبة الوعد
كان الثريا شكل سعد لطالع ... لذلك غابت عندما هم بالقصد
كأني والشعراء في يوم فرقة ... لسابق علم ليس يدرك بالحد
كأني أرى الجوزاء شمل حواسدي ... وخادمها سعد السعود كما العبد
كأني وايم الله كالنسر واقع ... بطود امتناع من محمد أو عبدي
كطائر من أهوى باشراك خيلهم ... يرفرف بالمنتوف ريشاً وبالرعد
فواعجباً مني أباع بدرهم ... وعندي من الآداب ما ناف عن نقدي
ويجهل مني العذر من شأنه غدا ... يرتب أرباب الفضائل بالعد
أخو الفضل والتأليف والود والوفا ... وجامع شمل المجد سيدنا عبدي
سليل على ذي الأيادي ومن له ... رفيع فخار قد تسلسل عن جد
وذو ثروة منهم بدا خير فاضل ... يقوم مقام الجيش فضلاً عن الجند
له قلم إن جال في طرس حلبة ... من النظم قلت الجمع في صورة الفرد
له قلم إن جال في طرس حلبة ... من النظم قلت الجمع في صورة الفرد
وإن خال في سبك المعاني خياله ... هو الخال لا خال يخال بلا خد
حكى لفظه الدر النضيد صناعة ... ولطف طباع منه صافية الورد
تخيرته من بين قومي وإن أكن ... لقصدي منه لست أظفر بالقصد
ولكنما فرط المحبة ملجأ ... مكاتبتي والضد يعرف بالضد
وكتب أيضاً إلى الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي قصيدة يمدحه بها ومطلعها
стр. 598
أبدا لذاتك دائماً أتشوق ... فعلام برق لقاك لا يتألق
وإلى م لا تدني بعيداً ماله ... بسوى حبال الود منك تعلق
علقت بحبك منه روح قبل أن ... يبدو لها في ذا الوجود تخلق
وصبت لمعناك البديع فلم تزل ... بجميل ذكرك في العوالم تنطق
عجباً لها والطرف منها معرف ... عن حسنها وإلى جمالك ترمق
هل أفهمت سر المحبة أم لها ... علم بأن سواك من لا يعشق
أو أودعت معنى تمكن في الحشا ... فلها به بعد الخفاء تحقق
إذ ذاك تطرب إن شدت ورق الربا ... شوقاً لما تبدى جوى وتصفق
أم لاشتياق موهم منك اللقا ... أذلات حين الوعد منك يصدق
يا أيها الفتان لا ذقت الهوى ... ثوب افتتاني فيك لا يتمزق
أترع كؤوس الهجر صرفاً واسقني ... كأساً فكأساً انني لا أفرق
حمل فؤادي من متاعبك التي ... ما لا تطيق لحملهن الأينق
وأفتك بلحظك في جوانحي التي ... بسوى التهتك فيه لا تنخلق
واطعن بلدن قوامك الرطب الذي ... بسوى اجتناء دم الورى لا يورق
ما شئت ممن ليس يعرف ما الهوى ... الا بحبك لا كمن يتعشق
اني الصبور على مكايدة الهوى ... وعزيز دمعي فيه لا يترقرق
اني امرؤ ممن يقال بشأنه ... بين الوصال وصده لا يفرق
هذي وحقك حالتي إن شئت جد ... أولا فواصل انني بك موثق
مثل اعتمادي في معادي بالذي ... بولائه دون الورى أنا موثق
الكامل الحبر الالهي الذي ... بسواه نهج الحق لا يتحقق
صور الكمال به غدت مجلوة ... وعليه إن حققتها تتعبق
المستضئ بنوره في طمسه ... من لم يظن الفرق فيه يخلق
تجري جداول فيضه في طرسه ... إن راح للمعنى البديع ينمق
أورام أن يبدي الكمال بصورة ... الامكان يبدو الابتداع المطلق
لا يستحيل عليه شيء منحة ... فالأمر فيه ظاهر ومحقق
وإليه يرجع كل معنى إن بدا ... بتخالف في المشربين يوفق
سعياً عفاة الهدى نوراً قبل أن ... بكؤوس أفراح الندامة تشرقوا
واستقبسوا من نور حضرة قدسه ... قلباً به دين الجهالة يحرق
واستنطقوا من رمز عقد كلامه ... سراً لولا من قبل أن لا تنطقوا
стр. 599
واستغنموا أوقاته فهي التي ... لذرى المعارف سلم فيه ارتقوا
واستنبؤا عنه المعالي إن بدت ... بفرائد من نظمه تتمنطق
هذي هي الحور الحسان تبرجت ... يقتادها حب له وتشوق
منه به ظهرت له إن شئتموا ... قولوا بوحدة ذاته أو فرقوا
تالله ما روض الأماني أصبحت ... أغصانه بثمارها تتقرطق
والزهر قد نشر الربيع به ردا ... عرف المنى من نوره يتنشق
والطل يرشح من جنى وروده ... ورقيق كأس شقيقه يتشقق
والنرجس الغض المشير بطرفه ... ما آن بالأرواح أن تتصدقوا
هذا زمان اللهو قبل أوانه ... لا تغفلوا عنه ولا تتعوقوا
إن البنفسج ليس يترك ما بنا ... من حمقه فهو العدو الأزرق
والماء يغضب غيرة فيمر في ... أطراف شقة زهره ويشقق
والورق تعرب في تفنن لحنها ... بترنم طوراً وطوراً تصعق
مع فتية شربوا كؤوس صبابة ... مملوءة من قبل أن لا يخلقوا
من كل مفتون لعشقة شادن ... يسقيك راح العشق منه المنطق
دووجنة صقلت حيا فكأنها ... كأس بخمرة ريقه تتدفق
ذو صورة تكفيك منها نظرة ... عن أن ترى وجهاً سواه يعشق
تندي خدود الروض من حجل ومن ... حمق شقائقه جوى تتشقق
أنى تبدي في حنادس فرعه ... بدر له الأقمار طوعاً تطرق
وبحار كل في محاسن وصفه ... معنى له قلب البلاغة يخفق
عنه بأحسن من سماع حديث من ... برحابه سوق الفضائل ينفق
مولى الوجود ومن به وبذاته ... وبوصفه ظهر الكمال المطلق
وله
وجاهل يقدح في ... عرضي وليس يفهم
بأن ذمي مدحة ... لكونه لا يعلم
وهو قول العلامة النجم الغزي
يا أيها الحاسد لو تفهم ... إنك تطريني ولا تعلم
تذكر وصفي وترى أنه ... ذم ومنه مدحتي تفهم
ولأبن الوردي
سبحان من سخر لي حاسدي ... يحدث لي في غيبتي ذكرا
стр. 600
لا أكره الغيبة من حاسد ... يفيدني الشهرة والأجرا
ومثله لأبي حيان
عداتي لهم فضل علي ومنة ... فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاكتست المعاليا
وقريب منه قول المتنبي
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل
ومدح الحسد ورد في كلام الشعراء كثيراً منه قول بعضهم
فلا خلاك الله من حاسد ... فإن خير الناس من يحسد
وقول الآخر
ولكن على الآلاء كثر حواسدي ... ولا خير في نعمي قليل حسودها
وللمترجم قوله
إن احتجاب جماله متعذر ... إذ عم كل الكون نور سنائه
لكن تواري غيرة أن لا يرى ... من لم يذق للعشق من قتلائه
هو من قول الفاضل إبراهيم بن عبد الرحمن السؤالاتي
في أزرق الملبوس مر معذبي ... متمائلاً كالغصن في خيلائه
ورقي دخان التبغ غشى وجهه ... من فيه مثل الغيم يوم شتائه
وكأنه لما بدا من شرقه ... بدر تبدي في أديم سمائه
ستر الجمال عن العيون مخافة ... أن لا تكون الناس من قتلائه
وللمترجم
وجائر الحكم أمسى ... يقول والقلب حائر
قصدي أهاجر صفني ... فقلت يا حب هاجر
هو من قول القطب الرباني عبد الغني النابلسي
وأهيف القد وافى ... يقول والشوق وافر
قصدي أسافر صفني ... فقلت يا بدر سافر
ومن شعر المترجم في العذار قوله
حاش لله ليس ذاك عذارا ... انما الوهم قد أراك اعتذارا
بل معاني تلقى لنا كسطور ... قد أبانت عن الهوى أسرارا
أشباكاً صنع الآله براها ... كي تصيد العقول والأفكارا
أو خيالاً سرى برائق خد ... أوهمته خمر اللمى أسكارا
стр. 601
أو صحافاً من اللجين توشت ... آي حسن لذي الغرام عذارا
ومثله قول الأديب الماهر الأمير منجك الدمشقي
لقد كتبت يد الرحمن سطراً ... بصدغك ظنه الواشي عذارا
ومن شعر المترجم في النحول قوله
ولو أنني ألقيت في رأس شعرة ... من الجفن لم تشعر بي العين من سقم
لذلك لو مازجت بالجسم نقطة ... من الخط ما امتازت عن الخط في الحجم
ولو رام فرض الجسم مني توهما ... أخو فكرة أعياه ذلك بالوهم
وللشعراء في النحول مبالغات منها قول ابن العميد
لو أن ما أبقيت من جسمي قذا ... في العين لم يمنع من الأعضاء
وقول بعضهم
ولو أنني علقت في رجل نملة ... لسارت ولم تدري بأني تعلقت
ولو نمت في عين البعوض معارضاً ... لما علمت في أي زاوية بت
وقول الأديب سعيد السمان
بادرتني من النوى مدح ... أحرمتني لذائذ الأنس
وبراني ولا أقول ضني ... غير أني خفيت عن نفسي
فانظرن حالتي ترى عجباً ... خارجاً عن اطاقة الأنس
وللمترجم
وخصر خفي لا يكاد إذا مشى ... يلوح لموج قد علا رد فيه
كأن النجوم الزهر أود عن حبه ... وخافت بأن يبدو فدرن عليه
ومن ذلك قول الأديب محمد بن علي الحرفوشي
له خصر بألحاظ ... الورى ما زال منتطقاً
ومن ذلك قول المتنبي
وخصر تثبت الأحداق فيه ... كأن عليه من حدق نطاقا
وقول السرى
أحاطت عيون العاشقين بخصره ... فهن له دون النطاق نطاق
وأصله لعلي بن يحيى من أبيات يغني بها وهي
وجه كان البدر ليلة تمه ... منه استعار النور والاشراقا
وأرى عليه حديقة أضحى لها ... حدقي وأحداق الأنام نطاقا
ونقله الشهاب الخفاجي إلى العذار مضمناً مصراع بيتي المتنبي وأجاد
стр. 602
عذار خط في الوجنات خطا ... هوى كل الأنام به وفاقا
ترى الأبصار شاخصة إليه ... وماء الحسن في خديه راقا
تصورت العيون به فأمسى ... كأن عليه من حدق نطاقا
ولم أدر في أي سنة كانت وفاته غير أنه في سنة ألف ومائة وإحدى عشرة كان موجوداً رحمه الله تعالى.
عبد الرحمن الكفرسوسي
عبد الرحمن بن محمد بن حجازي الشافعي البقاعي ثم الكفر موسى ثم الدمشقي العلامة العالم الفاضل الفقيه المحقق المتقن أصله من البقاع وقدم والده قرية كفرسوسياً ثم صار اماماً بجامع منجك الكائن في ميدان الحصى بدمشق وسكن المترجم مدرسة الجد العارف الاستاذ الشيخ مراد المعروفة بالمرادية مدة أعوام مشتغلاً بالطلب ولازم القراءة فقرأ على العلامة الشيخ محمد الحبال وانتفع به وكذلك لازم العالم الورع الشيخ الياس الكردي نزيل دمشق ومن مشايخه العالم الشيخ عبد القادر الحنبلي التغلبي وغيرهم وتنبل وتفوق ودرس بالجامع الأموي وكان قاطناً في دار بمدرسة الصادرية الضيق الجامع المزبور من باب البريد وارتحل إلى اسلامبول واستقام هناك مدة وآخراً صارت له افتاء الشافعية بدمشق ولما توفي الفقيه العالم المحدث الشيخ أحمد المنيني الدمشقي وانحل بوفاته تدريس قبة النسر بالجامع الأموي أراد المترجم أخذ التدريس وعالج كثيراً فلم يفد ووجه بمساعدة والي دمشق الوزير الشهير عبد الله باشا المعروف بالشتجي إلى العلامة الفاضل الشيخ علي الداغستاني نزيل دمشق وكان صاحب الترجمة لا يخلو من حماقة ودعوى ويتخاصم مع العلماء في المسائل وبالجملة ففضله لا ينكر وكانت وفاته في جمادي الثانية سنة تسع وسبعين ومائة وألف عن نحو سبعين سنة ودفن في تربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى.
عبد الرحمن البيري
عبد الرحمن بن محمد المعروف بالبيري البيروني الحلبي الأديب البارع كان دمث الأخلاق طيب الأعراق له أدبية غضة وسجية خضلة وأخوه الأديب الذي أنجبته الشهبا وتفوق فضلاً وأدبا مصطفى البيري ستأتي ترجمته في محلها وهذا خرج من حلب سنة أربعين ومائة وألف لضيق أحواله فلحق بالقارظين ولم يلق غير خفي حنين ولم يقف له أحد على مكان وكان له شعر بقي في مسوداته
стр. 603
ولم يجمع فمما وصلني منه ما وجد بخطه وهو قوله
تبدي وبدر التم من خجل مغضي ... وماس كخوط البانة الرطب الغض
ودار بياقوت الحدود زمرد ... من النبت زاه لاح في المغرس الفضي
وخالسني من مقلتيه بنظرة ... فاحرم أجفاني بها لذة الغمض
وأنهك جسمي حبه ونفاره ... فغادرني لا أستطيع إلى النهض
وإن شام لحظ العين بأرق ثغره ... يجود بغيث الدمع من ذلك الومض
إذا ما رنا نحوي بجارح لحظه ... حسبت فؤادي نهب أجدل منقض
وكنا تقاضينا على دين قبلة ... فأرهنته قلبي الشجي ولم يقض
وما طلني في دينه وهو موسر ... وظلم ذوي الأيسار يمطل بالقرض
وقفت له عكس اسمه متذللاً ... وأفرشت في ممشاه خدي على الأرض
ولم أنس لما عاقرتني بكأسها ... بدالبين حتى كدت من سكرتي أقضي
مناشدتي اياه وقت وداعنا ... وصبب دمعي فوق خدي مرفض
أمثخن قلبي من ظبي لحظاته ... جراحاً أمضت بعضهن على بعض
حذارا على قلبي بحبك قد غدا ... جذاذاً وقد آلت مبانيه للنقض
وما أسفي أن ينعفي غير أنه ... كناسك وافعل ما تشا فهو المرضي
متى تجل عني ظلمة الصد والجفا ... بصبح وفاء من وصالك مبيض
أقول ما ألطف قوله وقفت له عكس اسمه فإن مراده بمعكوسه سائلاً لآن المحبوب الذي تغزل فيه اسمه الياس كما أخبرني بذلك بعض الأدباء الحلبيين ولم أتحقق وفاته رحمه الله تعالى.
عبد الرحمن الجقمقي
عبد الرحمن بن محمد المعروف بالجقمقي الدمشقي المجذوب الصالح المعتقد الولي المستغرق كأن له كرامات شهيرة منها التي تكرر وقوعها إن المريض الذي يدخل عليه يشفى والذي يمتنع من الدخول عليه يتحقق إنه إلى الموت أقرب ودخل مرة على قاضي البلدة وكان بعين واحدة فوضع يده على عينه الواحدة يشير إلى أن القاضي أعور فحمق منه وأمر بضربه على قدميه فضرب تسعة أسواط ثم تشفع له بعض أهل ذلك المجلس فعزل القاضي في اليوم التاسع ورجم وأهين حتى أشرف على الهلاك لولا تداركه اللطف ومن كراماته إن الشيخ إبراهيم السعدي الجباوي خرج عليه في بعض الأسفار بعض الأعراب
стр. 604
قاصدين له وبه ايقاع الضرر فارأى الا والشيخ عبد الرحمن على أحد تلال هناك يقول له يا إبراهيم لا تخف وغاب عنه فلم يمكن الله تعالى أولئك الأشرار من أذيته وله غير ذلك من الكرامات ﵁ وكانت وفاته في رمضان سنة احدى وعشرين ومائة وألف ودفن بتربة الشيخ أرسلان ﵁ ولما مرت جنازته على الشيخ عبد الله المنكلاني اشتعل له القنديل وكذلك عند السيدة خولة أخت ضرار بن الأزور قدس الله سرهما وكذلك قنديل الشيخ أرسلان ﵃ أجمعين.
عبد الرحمن الكزبري
عبد الرحمن بن محمد بن زين الدين الشافعي الدمشقي الشهير بالكزبري الشيخ الامام الفاضل الفقيه النحرير الهمام الصالح العابد الناسك ولد بدمشق في حدود المائة والألف ونشأ بها وأخذ عن جملة من أفاضلها فأخذ الفقه وعدة فنون عن خاله العلامة علي بن أحمد الكزبري وكان جل انتفاعه عليه وأخذ أيضاً عن القطب الشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي والمنلا الياس بن إبراهيم الكوراني والشهاب أحمد بن عبد الكريم الغزي العامري المفتي ولما قدم دمشق الشمس محمد ابن أحمد عقيلة المكي لازمه صاحب الترجمة وأخذ عنه جملة من طرائق التصوف وأجازه بجميع مروياته ونبل قدره واشتهر بالعلم والديانة ودرس بالجامع الشريف الأموي بعد وفاة خاله المقدم ذكره وانتفعت به الطلبة وكان مشتغلاً بخويصة نفسه يعلوه نور أهل العلم والحديث والصلاح لا يتردد إلى أحد من ذوي الجاهات وكانت وفاته بدمشق نهار الجمعة سابع عشر محرم افتتاح سنة خمس وثمانين ومائة وألف وصلى عليه ولده العلامة المحيوي محمد ودفن بالباب الصغير.
عبد الرحمن المدني
عبد الرحمن بن محمد الغلام الشافعي المدني الشيخ الفاضل الكامل الأوحد البارع أبو محمد وجيه الدين ولد بالمدينة المنورة في حدود سنة خمس وعشرين ومائة وألف ونشأ بها وحفظ القرآن العظيم وأخذ الفقه عن الجمال يوسف الكردي والمنلا عبد الرحمن الجامي والشمس محمد الدقاق وأخذ الحديث ومصطلحه عن العلامة محدث المدينة محمد بن الطيب المغربي وغيرهم ودرس بالمسجد الشريف النبوي وانتفعت به الطلبة وأقبلوا عليه وكان أحد الخطباء بالمسجد الشريف النبوي وأحد الأئمة به منور الوجه تعلوه السكينة والوقار تاركاً لما لا يعنيه مهتماً بما يوم القيمة ينجيه لا تمتد أطماعه إلى الزخارف الدنيوية ولم يزل على طريقته المثلى إلى أن توفي بالمدينة
стр. 605
سنة سبع وثمانين ومائة وألف ودفن بالبقيع رحمه الله تعالى.
عبد الرحمن المجلد
عبد الرحمن بن محيي الدين السليمي الحنفي المعروف بالمجلد الدمشقي الامام العالم العامل النحوي الخاشع الناسك المعمر ولد تقريباً بعد الثلاثين وألف واشتغل بطلب العلم فقرأ على جماعة من علماء دمشق منهم المحقق الشيخ محمد الكردي والشيخ عبد الباقي الحنبلي والنجم الفرضي والشيخ علاء الدين الحصكفي المفتي والشيخ محمد البلباني وحضر دروس النجم الغزي وأجاز له جماعة من المحدثين والفقهاء منهم الشيخ محمد بن سليمان والشيخ يحيى الشاوي والشيخ محمد العناني وجلس للتدريس بالجامع الأموي بمحراب الصحابة ولزمه الناس لأخذ العلم عنه واشتهر بالنفس المبارك على طلبته فقل من لم يقرأ عليه من طلبة العلم لما كان عليه من سعة الصدر وحسن الخلق والصبر على تفهيم المتعلمين فأخذ الناس عنه طبقة بعد طبقة وكان محافظاً على الطاعات وقراءة القرآن والأوراد والتهجد ومتعه الله بسمعه وبصره إلى أن مات وكان مصون اللسان عن الغيبة والشتم يحب الناس ويحبونه ومن نظمه قوله شعر
ويوم فيه قد صدقت وعود ... خلا عنه المعاند بل وعودي
فزهر الروض فيه ضاع نشراً ... كند إذ يفوح شذا وعود
وتغريد الحمام وصفق ماء ... غنينا فيه عن جنك وعود
ولم يختل فيه فقد خل ... كان الكل كانوا في وعود
وحادينا يغنينا ويشدو ... أو يقات الهنا دومي وعودي
وجودي للمشوق بكل أنس ... وداريه بلقياك وعودي
وقوله
بت أنا والحبيب في خلس ... فجاءنا البدر صحت من وجدي
فقلت يا سيدي أخوك بدا ... فقال لي لا تخف فذا عبدي
وقوله
حين حل المشيب في الفود مني ... أعرض الغانيات عني وصدوا
فكان المشيب نور ذكاء ... وكأن الجفون منهن رمد
وقوله
وصلت هدية مخلص ... عظمت خلائقه الجليله
فقبلتها ورأيت إن ... جزاءها الدنيا قليله
стр. 606
وقوله
إن العبادلة الأخيار أربعة ... منائح العلم في الاسلام للناس
ابن الزبير وابن العاص وابن أبي ... حفص الخليفة والحبر ابن عباس
وقوله
وأذن للهادي من الصحب سبعة ... جمعتهم في ضمن بيت بهم سما
بلال ابن زيد عمر وسعد وأوسهم ... زياد وعبد للعزيز قد انتمى
وكانت وفاة المترجم في ليلة الجمعة الرابع والعشرين من جمادي الثانية سنة أربعين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى.
الشيخ عبد الرحمن العيدروس
عبد الرحمن بن مصطفى بن شيخ بن مصطفى بن زين العابدين بن عبد الله الشافعي الحسيني اليمني الشهير كأسلافه بالعيدروس الاستاذ العارف الكامل العالم العامل أحد الأولياء الراسخين والأصفياء العارفين العلامة الحبر المحقق النحرير صاحب الكرامات والمكاشفات مربي المريدين ومرشد السالكين قطب العارفين أبو الفضل وجيه الدين ولد باليمن سنة خمس وثلاثين ومائة وألف وبها نشأ وقرأ وارتحل إلى مصر وتوطنها واستقبله أهلها ثم قدم دمشق لسنة اثنين وثمانين ومائة وألف ونزل بدار المولا حسين أفندي المرادي الكائنة بسويقة صاروجا فأكرمه وأحسن نزله هو وأخوه الوالد المرحوم وكانت أيامه بدمشق مواسم أفراح ولم يلبث بها الا قليلاً وعاد إلى مصر وثم في سنة احدى وتسعين ومائة وألف ارتحل للديار الرومية فدخل قسطنطينية وصار له هناك اعتبار واقبال ورتب له بعض العلائق بمصر وغيرها وعاد من طرف البحر فخرد من ساحل صيدا فاستقبله واليها الوزير أحمد باشا الجزار إذ ذاك وعاد لمصر وله تآليف لطيفة منها لمنظومة المسماة بالعرف العاطر في معرفة الخواطر وغيرها من الجواهر وشرحها وفتح الرحمن بشرح صلاة أبي الفتيان ورسالتين في الطريقة النقشبندية وديوان شعر سماه ترويح البال وتهييج البلبال وغير ذلك وكان من أفراد العالم علماً وعملاً وقالاً وجالاً ومن شعره قوله
طاب شربي لخمر تلك الكؤوس ... فأدرها لنا حياة النفوس
هاتها هاتها فقد راق وقتي ... بين دوح به السرور جليسي
هاتها فالزمان قد طاب حتى ... غطس القلب في الجمال النفيس
стр. 607
واسقني يا حياة روحي وسري ... وامزجنها بريقك المأنوس
بين زهر الرياض في خير أنس ... هازم جيشه جيوش العبوس
خمر أنس وخمر صفو وقرب ... لا خمور الهوى وخمر الخسيس
خمرة قد شطحت مذ ذقت منها ... وبها قد كفيت كل العكوس
خمرة أطلقت قيود رسومي ... صار منها الفؤاد ذا تقديس
خمرة الاتحاد أكرم بخمر ... نور كأساتها يزحزح بوسي
غبت عني بها فدعني أغني ... إن في ذا المقام حطيت عيسى
صاح إني من سكرتي غير صاح ... فعلام الملام للعيد روس
صاح إن شئت أن تهني بأعلى ... معنوي الجمال والمحسوس
لا زمن خمرتي ودونك حاني ... واغطسن في الهوى كمثل غطوسي
آخر القول لم ينل كأس خمري ... غير من كان لابساً ملبوسي
وعلى جدنا الرسول صلاة ... من آله مهيمن قدوس
وله غير ذلك من النظم الباهر وبالجملة فقد كان نادرة عصره وفريد دهره وكانت وفاته بمصر سنة اثنين وتسعين ومائة وألف ودفن بها قدس الله سره.
عبد الرحمن العادي
عبد الرحمن العادي الحلبي الشافعي الشيخ الأديب الفاضل المتفوق المعمر العلم استفاد من الجهابذة وأفاد والحق الأحفاد بالأجداد وله شعر لطيف منه قوله
أما أنا فكما عهدت ... فكيف أنت وكيف حالك
يمسي حديثك في فمي ... ويبيت في عيني خيالك
وكانت وفاته في سنة ثمان وعشرين ومائة وألف ودفن بحلب الشهباء رحمه الله تعالى.
عبد الرحمن المولوي
عبد الرحمن الرومي القونوي نزيل دمشق شيخ تكية المولوية بها الشيخ العارف الدين الصالح الفاضل المرشد التقي كان صاحب دراية وفضل مع اتقان الفارسية وحل كلام القوم من مجلس رجال هذا الطريق وله هيبة ووقار مبجلاً بين الناس ومحترماً ذا سكون ونجاح وكمال قدم دمشق واستوطنها وصار شيخ الطريقة المولوية في تكيتهم بدمشق الكائنة بالقرب من جامع تنكز واستقام إلى أن مات وهو محبوب مرغوب للخاص والعام مرفوع القدر والشأن وكان يعظ في التكية ويخل كلام كتاب المثنوي وغيره وكان الاستاذ الشيخ عبد الغني يوده ويجله لما جبل
стр. 608
عليه من المعارف والصلاح وبالجملة فقد كان خاتمة مشايخ هذا الطريق بدمشق وبعده لم تشابهه أولاده والذين صاروا مشايخ بعدهم وكانت وفاته بدمشق سنة سبع وخمسين ومائة وألف ودفن بالتكية المولوية المذكورة.
عبد الرحمن السويدي
عبد الرحمن بن عبد الله الشافعي البغدادي الشهير بالسويدي الشيخ الامام العالم العلامة الفقيه المفنن أبو الخير زين الدين ولد ببغداد سنة أربع وثلاثين ومائة وألف وأخذ عن والده وعن فصيح الدين الهندي وياسين الهيتي وبرع وفضل وله حاشية على شرح الحضرمية وحاشية على شرح القطر للعصامي وله شعر ونثر وكانت وفاته في عشري ربيع الثاني سنة مائتين وألف.
عبد الرحمن المغربي
عبد الرحمن الشنقيطي المغربي الأصل المالكي نزيل المدينة المنورة الشيخ الصالح العالم العامل الصوام القوام صاحب المجاهدات المفنن في العلوم جاور بالمدينة المنورة مدة طويلة ودرس بها وأخذ عنه جملة من أفاضلها كالشيخ تاج الدين بن الياس المفتي وغيره وكان له نفس مبارك على المتعلمين فكل من قرأ عليه حصل له الفتوح ووقف كتبه في زاوية الشيخ محمد السمان وتوفي بالمدينة سنة احدى وثمانين ومائة وألف.
عبد الرحمن العلمي
عبد الرحمن العلمي القدسي الشيخ الزاهد الصالح الفاضل كان من أولياء الله تعالى وله كرامات لبس الخرقة الصوفية من عمه الشيخ حسين العلمي وتلقن منه الذكر فلما إن قربت وفاة الشيخ حسين المذكور أرسل خلفه واختلى معه ساعة ثم خرج من عنده ورجع إلى داره وانزوى عن الناس واستمر على هذه الحالة ثمان عشرة سنة منقطعاً عن الناس وكانت أهل القدس يطلبون زيارته في داره حتى الامراء والقضاة يطلبون الاجتماع به وكان له حظ من الصيام وقيام الليل ودوام الذكر وتلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار إلى أن توفي وهو على ذلك الحال ولم أتحقق وفاته في أي سنة كانت رحمه الله تعالى.
تم بحمد الله تعالى الجزء الثاني من سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر في ٦ شعبان سنة ١٢٩١ لمحمد خليل الرادي الذي ترجمه الجبرتي ويليه
الجزء الثالث أوله السيد عبد الرحيم وبالله التوفيق.
стр. 609
/المجلد الثاني
الجزء الثالث
стр. 610
الجزء الثالث من سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر للعالم الفاضل النبيل المفنن المؤرخ الأديب الأوحد صدر الدنيا والدين أبي الفضل محمد خليل المرادي تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته بحرمة محمد وآله وصحبه وعترته آمين م.
стр. 611
بسم الله الرحمن الرحيم
السيد عبد الرحيم بن أبي اللطف
السيد عبد الرحيم بن أبي اللطف بن إسحق بن محمد بن أبي اللطف الحنفي القدسي مفتي الحنفية بالقدس ورئيس علمائها العلامة العالم الفاضل الشهير كان هاشمي الطبع حسن الأخلاق مرضي الهمة عالماً مفسراً فقيهاً نحوياً ملازم الافادة والتدريس اماماً مقتدي ومستوفي العلوم العقلية والنقلية ولد في سنة سبع وثلاثين وألف ونشأ بالجد والاجتهاد وأخذ العلوم على من ورد من الأفاضل إلى القدس ثم ارتحل إلى مصر وجاور بها مدة ثم رجع ظافراً بمزيد الفضيلة حائزاً للعلوم الجليلة واشتهر بالبلاد وانتفع به العباد ثم ذهب إلى الديار الرومية واستقام بها مدة مديدة واكب الأفاضل بها عليه وقرأ في جامع السليمانية كثيراً من العلوم مدققاً منطوقها والمفهوم ففي ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين وألف لازم من صدر الروم وقاضي العساكر المولى ابالي زاده مصطفى كعادتهم ودخل في سلك المدرسين فلما كان منفصلاً عن مدرسة بأربعين عثماني في سنة ثمان وستين أعطى افتاء بلدته مع مدرسة العثمانية ففي رجب سنة تسع وستين عزل من الفتوى والمدرسة من شيخ الاسلام المولى محمد الأسيري لأمر صدر منه فتبقى في بلدته صفر اليد مكدر الحال ففي رجب سنة اثنين وسبعين اعيد الافتاء مع المدرسة من شيخ الاسلام صنعي زاده المولى
стр. 612
السيد محمد وأعطاه اعتبار رتبة الداخل المتعارفة بين الموالي والمدرسين وبعده أعطى اعتبار رتبة موصلة السليمانية مع قضاء صفد على وجه المعيشة فبعد مدة بالقضاء الآلهي حبس في أحد القلاع وبعد أن خلص ذهب للديار الرومية لأجل عرض حاله إلى الدولة العثمانية العلية فصادفه الحمام بادرنة ولم ينل المرام وكان حج ولقي خلاصة الواصلين الشيخ أحمد القشاشي وهو يقري رسالة القشيري فأخذ عنه ثم رجع إلى بلاده بأمر من شيخه المذكور واشتهر في افتائه ثلاثين سنة وألف وحقق وأفاد فمن تصانيفه الفتاوي الرحيمية وله كتابة على منح الغفار نحواً من عشرة كراريس وكتابة على الرمز شرح الكنز للعيني وعلى البزازية والفتاوي الخيرية وبعض من كتب الفقه جمعها ولد الفاضل السيد محمد الآتي ذكره وسماها الفوائد الرحيمية على كتب كثيرة من كتب السادة الحنفية وله رسالة في الاشتقاق وشرحها وكتابات على حفيد المختصر وعلى عصام القاضي وله نظم رقيق جمعه ولده المذكور ديواناً ومشايخه الذين أخذ عنهم وقرأ عليهم منهم العلامة الشيخ حسن الشرنبلالي والشيخ أحمد الشوبري والشيخ علي الشبراملسي والشيخ يس الحمصي المصري والشيخ سلطان المزاحي والشهاب أحمد الخفاجي والشيخ إبراهيم الميموني والشيخ أبو السعود الشعراني والشيخ يوسف الخليلي والشيخ عبد الكريم الحموي والسيد محمد بن علي الدمشقي والشيخ محمد البلباني الدمشقي والشيخ الاستاذ زين العابدين الصديقي المصري وأخذ عنه جماعة من أهالي الروم منهم العلامة المولى أحمد بن سنان البياضي والمولى محمد رفيعي زاده والمولى أحمد جاويش زاده والمولى قره خليل علامة الروم وشيخ الاسلام المولى عبد الله ابه زاده ونقيب الأشراف المولى إبراهيم عشاقي زاده ومن فضلاء مصر الشيخ أحمد الدقدوسي مفتي الحنفية والشيخ شاهين الدمشقي الأصل القاهري السكن ومن أهال دمشق الشيخ إسمعيل اليازجي والشيخ صالح الجينيني ومن أهالي بلدته الشيخ أحمد العلمي ومن أهل الرملة الشيخ نجم الدين بن خير الدين الرملي وبالجملة فقد كان مفنناً في جميع العلوم حتى في الشعر فمن شعره قوله هذه النبوية
أبرق بدا من نحو طيبة لامع ... ففاضت على تلك العهود مدامع
أم الشرق للسكان حرك كامناً ... فاحرق قلباً بالمحبة والع
أم العيس حنت للحجيج وشوقت ... أم العين أبكاها الحمام السواجع
نعم راعني ذكر الحبيب صبابة ... فكلي لأشواق الحبيب مجامع
أبات بذكراه أراقب بدره ... يلوح بأوصاف الثنا وهو طالع
стр. 613
فأنظم أوصافاً تحلى بعقدها ... وأضحى علينا من سناها لوامع
ولما تباهي الوصف جيداً تزاحمت ... على وصفها للواصفين مطامع
تروم مداها السابقات وتنثني ... ودون المدا بعد الزمان موانع
أجدد عمري في حياة نظامها ... فعمر سعيد ينقضي لي راجع
فأنسى بها يا عين قرى سعادة ... إذا لمني أمر وفيها المنافع
ويا نفس إن غبت عني فوقتنا ... نقد طاب قومي والعيون الهواجع
وقولي بك السؤل مولاي انني ... اليك بجاه المصطفى العمر ضارع
آلهي بجاه الأبضحي محمد ... وعترته فرج وعفوك واسع
نبي له الخلق العظيم سجية ... وفي وجهه نور النبوة ساطع
تبارك من أبدى نبياً وآدم ... بطينته المجدول فيه الودائع
وأظهره منها نتيجة جدلها ... رسولاً لدعواه الأنام تسارع
أتيت رسول الله شمس هداية ... لها في قلوب المؤمنين مطالع
وأعربت عن علم العيوب بأمره ... فأنت خيار الخلق للسر جامع
جليل امام المرسلين وخاتم ... وهل أنت الا في زها العز يانع
منها
فيا خير خلق لله أنت ملاذنا ... إذا ضاق أمر أو رمتنا المواجع
فجاهك أضحى للعصاة وقاية ... لها في قبول المذنبين مواقع
إلى فضلك لنا نور سرنا ركائباً ... ومن ضره الحوباء ثم لواقع
رعى الله ذاك الفضل إن عيونه ... بذيل الهدى للشاربين قنائع
أيا رب قبل الموت والعود أحمد ... بسرك في أهل السعادة ذائع
أنلنا آلهي بالنبي محمد ... نبيك من فينا بأمرك صادع
وصلى وسلم دائمين كلاهما ... وتب وأعف عني انني لك طائع
فبابك مقصود وعبدك واقف ... وفضلك موجود وعفوك رائع
وللمترجم أيضاً
من منة المولى على أصوغ ... نظماً وفي خبر البرية يفرغ
هو السول والمأمول في نيل المنى ... والي الجنان به نفوز ونبلغ
عذب المديح تناؤه يحيي الحشا ... كالغيث يحيي الأرض بل هو أسبغ
إن ضاق ذرعك فالوسيلة جاهه ... والخير من تلك السعادة يبزغ
كشف التيقظ عن قلوب أصبحت ... من حبه بهنا النعيم تصيغ
стр. 614
هذا النبي الهاشمي محمد ... يوم اللقا سبل البخاة يبلغ
بمقامه المحمود خص مشفعاً ... جمع الخلائق بالشفاعة يسبغ
قامت له الأملاك تحت لوائه ... والرسل صفواً ليس عنه مروغ
كل يشير إليه ليس لغيره ... في فتح باب الفضل ما يتسوغ
ما نال هذا قبله أحد ولا ... من بعده أضحى لذاك مسوغ
فتباهت الأزمان والعليا به ... والعيش مذ جاء الكريم يرغرغ
كم جاء بشرى الأنبياء لقومهم ... بالحاتم المختار ان قد يبزغ
ومحا الظلام ظهوره وبفجره ... يعلو الهدى فوق الضلال ويدمغ
يا ليلة غراء أسفر صبحها ... والضوء من شمس الهداية ينبغ
فيها ابتهاج والسرور مكرراً ... للدين حقا إذ أتاه مبلغ
يا سيد الرسل الكرام ومن به ... غوث الورى أنت الكريم المسبغ
أنت الشفيع بباب جاهك صبحت ... منا القلوب بثقلها تتمرغ
واستوثقت بالحب من زمن الصبا ... وازداد ما عن بابه تتروغ
انتهى توفي بادرنة من بلاد الروم في صفر سنة أربع ومائة وألف ودفن على قارعة الطريق رحمه الله تعالى.
عبد الرحمن الشهير بشقده
عبد الرحيم بن مصطفى بن أحمد الشافعي الدمشقي الصالحي الشهير بشقده الشيخ العالم الفاضل البارع ولد بصالحية دمشق ونشأ بها وأخذ في طلب العلم فأخذ عن الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي وأبي الفلاح عبد الحي العكري وأجاز له الاستاذ النابلسي اجازة خاصة كتبها له بخطه ونبل وفضل وكان يعظ بالجامع الجديد بالصالحية ولوعظه تأثير في القلوب وكان يخطب بجامع قرية برزة ويؤم في جامع العفيف بالصالحية واختصر تاريخ شيخه العكري المسمى شذرات الذهب اختصاراً حسناً وله غير ذلك من الآثار والفوائد وبالجملة فقد كان من آثار السلف الصالحين وأهل الفضل والديانة وله شعر قليل وقفت على شيء منه وكانت وفاته نهار الجمعة ثامن صفر سنة ستين ومائة وألف عن تسعين سنة تقريباً ودفن بسفح قاسيون بقرب ضريح الشيخ عبد الهادي.
عبد الرحيم المنير
عبد الرحيم بن السيد أسعد بن إسحق المعروف كأسلافه بالمنبر الشافعي الدمشقي الشيخ الفاضل كان صالحاً كاتباً له مشاركة في العلوم وكتب كتباً بخطه كثيرة
стр. 615
وكان ساكناً مستقيماً ولد بدمشق في سنة ثلاث وعشرين ومائة وألف كما أخبرني هو من لفظه وحفظ القرآن على والده المقدم ذكره وهو في سن السبع وأقرأه بعده مقدمة التجويد للميداني والجزرية والأجرومية مع اعرابها للشيخ نجم الدين وحصة من الشاطبية ثم بعد وفاته بثلاث سنوات لازم شيوخ الجامع الأموي فقراً على الشيخ محمد الغزي والسيد خليل الدسوقي والشيخ محمد البقاعي والشيخ محمود الغزي نزيل دمشق ثم بعد سنتين لازم وقرأ على الشيخ أحمد المنيني والشيخ إسمعيل العجلوني والشيخ صالح الجينيني والشيخ محمد قولقسز والشيخ عبد الله البصروي والشيخ علي كزبر وحضر درس الحديث في الجامع الأموي في رمضان بعد صلاة الصبح صحبة والده على الشيخ محمد الكاملي وكذلك درس ولده الشيخ عبد السلام في المحل المزبور ودخل في اجازتهما العامة وكذلك درس الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي في التفسير وغيره ودخل في اجازته العامة وحضر درس الشيخ عبد القادر التغلبي والشيخ عبد الرحمن المجلد والشيخ أحمد الغزي والشيخ مصطفى المحيوي ابن سوار ودخل في اجازتهم العامة كما أخبرني وأخبرني أيضاً إن والده أخذه في صحبته إلى الجامع الأموي وأحضره درس الشيخ أبي المواهب الحنبلي في ختمه للجامع الصغير سنة وفاته وكان ﵀ مشتغلاً بنسخ الكتب لأجل المعيشة ولما ضاقت به الأحوال في سنة احدى وخمسين ذهب إلى اسلامبول لأجل المعيشة فمكث بها خمس سنوات ونصف ولم يحصل على طائل ونسخ هناك عدة كتب إلى الوزير ومحمد راغب باشا حين كان رئيس الكتاب في الدولة العلية ثم عاد لدمشق ثم ذهب ثانياً وثالثاً لأسلامبول فلم ينل قدر الكفاف فاشتغل بنسخ الكتب وكان خطه مقبولاً وكانت استقامته في دار داخل المدرسة القجماسية بالقرب من باب السرايا عند سوق الأروام وكان والدي يحبه ويكرمه وكتب له كتباً بخطه وبالجملة فقد كان من خيار الأنام وكانت وفاته في ربيع الثاني فجأة سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف ودفن في تربة الباب الصغير رحمه الله تعالى.
عبد الرحيم المخللاتي
عبد الرحيم بن علي المخللاتي الشافعي الدمشقي العالم العلامة الأديب الفاضل كان اماماً في الفرائض والحساب والفلك وله يد في العلوم ولد بدمشق في سنة احدى ومائة وألف وقرأ على جماعة واشتغل بالطلب منهم العلامة الشيخ محمد الحبال قرأ عليه وانتفع به والشيخ الياس الكردي نزيل دمشق والمحقق الشيخ عبد الرحيم الكابلي نزيلها أيضاً والشيخ عبد السلام الكاملي والشيخ عبد الجليل الحنبلي والشيخ
стр. 616
محمد العجلوني وترجمه الشيخ سعيد السمان في كتابه وقال في وصفه فاضل يملأ المسامع والمقل وتذعن له الأقران إذا روى ونقل لازم عن الأجلاء والفحول واكتسب من العلوم ما هو غير منحول فاستكفى بحاله واعرض عن مهاوي اللهو ومحاله وتصرف في الآلات العلمية أي تصريف وصار علماً لا يحتاج إلى تعريف وطاب له ذلك السياق وزاد إليه كثرة اشتياق حتى ابتهج به الفضل أحسن ابتهاج ونار ببراعته سراجه الوهاج فانبعث في المعارضات يشدد وفي المناقشات يوتر سهم المصادرة ويسدد معتمداً على فكرة ثاقبه وروية للاصابة مراقبة ولم يزل على تلك الصعوبة يسلك طريق الابا وشعوبه إلى أن نجمه أفل وعلي باب جدته انقفل وقد أطلعني ولده على موشحة إليه نسبها ومن جملة ماله من الشعر عدها وحسبها تنبئ عن قوة اقتداره وتفصح عن جولانه في النظم ومقداره ولم يطرق حجاب سمعي له سواها ولا غير واحد عنه رواها وهي قوله
شاطر الدهر أسهما ... حيث أيامه اقتراح
وامتطى الليل أدهما ... لأكتساب العلى المتاح
دور
سيد تخضع الشموس ... لعلا شأوه الرفيع
إذ غدا بهجة النفوس ... روض أفضاله المريع
بعدما عطر الطروس ... ذكره العاطر البديع
أسعد حيث يمما ... خيم السعد والفلاح
وسرى الريح منعما ... بشذا فخره وفاح
دور
كيف لا أحسن المديح ... لوحيد العلي المهاب
من غدا دونه الفصيح ... خشية العجز في حجاب
وابن من مدحه صريح ... جاء في محكم الكتاب
ثاني اثنين إذ هما ... في حمى الغار لا براح
من بدا الحق منهما ... بلسان الهدى الصراح
دور
إذ به كوكب الهنا ... لاح في مشرق القدوم
واستنارت به الدنا ... وانمحت أسطر الهموم
стр. 617
واغتدى طائر المنى ... في قلوب الورى يحوم
وصفا الدهر بعدما ... صدع القرب بانتزاح
وأرانا النبسما ... في وجوه الرضى الملاح
دور
هاك يا بهجة الصدور ... من له تسجد العقول
غادة السر والخدور ... في برود الهنا تجول
وهي من وسمة القصور ... ترتجي نفحة القبول
فأعرها ترحماً ... مسمع العفو والسماح
وأنلها تكرماً ... من ندى وردك المباح
دور
وابق في ذروة الكمال ... آمن السر والفؤاد
تجتني من ربا النوال ... نعماً مالها نفاد
وترى السعد في اقبال ... ولأيامك امتداد
ولنجليك وفق ما ... خصك الله من نجاح
ما انثنى الغصن كلما ... هصرت عطفه الرياح
وكان المترجم حج سنة أربعين ومائة وألف فتوفي بمكة ثامن ذي الحجة من السنة المذكورة ودفن تحت أقدام العلامة ابن حجر المكي الهيثمي ﵁.
عبد الرحيم البراذعي
عبد الرحيم بن علي بن أحمد المعروف بالبراذعي الحنبلي البعلي الأصل الدمشقي الصالحي قاضي الحنابلة بدمشق كان شيخاً فاضلاً له بفقه مذهبه فضيلة مع محاضرة وحافظة حسنة ولد بدمشق في سنة سبع عشرة ومائة وألف ونشأ بها وقرأ على والده وانتفع به وأخذ عن الاستاذ الشيخ عبد الغني وقرأ وحصل وتولى قضاء الحنابلة بالمحاكم مدة سنين يقضي بالأحكام وكان لا يخلو من جرأة وتكلم وعزل في زمن قاضي القضاة بدمشق المولى السيد إبراهيم امام شيخ الاسلام المولى مصطفى لأمر كان وبعد مدة عاد للقضاء ولم يزل على حالته إلى أن مات وكانت وفاته في يوم الاثنين رابع ربيع الثاني سنة أربع وتسعين ومائة وألف ودفن بالروضة بسفح قاسيون رحمه الله تعالى.
عبد الرحيم ابن حجيج
стр. 618
عبد الرحيم بن محمد المعروف بابن حجيج الشافعي الدمشقي الخلوتي أحد مشايخ الطرق المشاهر الشيخ المتعبد الناسك المعتقد الصالح المبارك أخذ الطريق عن والده وأقيم بعده شيخاً حين توفي وذلك في يوم الخميس ثالث عشر ربيع الثاني سنة أربع وعشرين ومائة وألف وكان والده المذكور أخذ الطريق عن الصالح الشيخ أحمد بن عمر الخلوتي البرزي الشافعي الدمشقي المتوفي في يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وألف وكان أخذ هو عن الاستاذ الشيخ السيد محمد بن عمر العباسي الدمشقي المتوفي في سنة ست وسبعين وألف وكان البرزي المذكور مقيماً في زاوية الخواجا عمر بن إبراهيم السفرجلاني التي بناها وأوقفها على أرباب الطريق وجعل لها مبرات ووقفاً وتعايين وأول من نزلها وسكن فيها الشيخ منلا مسكين الكردي وجماعته ثم الشيخ البرزي المذكور ثم الشيخ محمد حجيج المذكور واجتمع عليه جماعة شيخه ثم إن المترجم جلس بعد وفاة والده المذكور على سجادة المشيخة وتقيد بعمل الذكر وكانت له معرفة بالطب والحكمة ذو حلم وتودد مع الناس وكانت وفاته في يوم الأحد ثاني شعبان سنة اثنين وثلاثين ومائة وألف ودفن بتربة الباب الصغير وجلس بعده خليفة أخوه الشيخ محمد حجيج ولفظة حجيج لا أدري أهي لقب أو تصغير حاج والله أعلم.
عبد الرحيم الكابلي
عبد الرحيم بن محمد بن أحمد الحنفي الكابلي الهندي نزيل دمشق الامام العلامة المحقق المدقق البارع مولده بمدينة كابل من اقليم الهند ونشأ بها ورحل إلى سمرقند وغيرها وأخذ بتلك البلاد عن علمائها ثم حج ودخل إلى دمشق بعد الثمانين وألف فقطن بها وقرأ على جماعة من علمائها أيضاً منهم العلامة الشيخ إبراهيم الفتال لازمه مدة وانتفع به كثيراً وكذلك محمد بن أحمد بن عبد الهادي العمري وأبو المواهب محمد بن عبد الباقي الحنبلي وغيرهم وصحب الجد الشيخ محمد مراد البخاري نزيل دمشق وتلمذ له وانتفع بصحبته وسكن في دار لصيق جامع تنكز وتزوج بها ورزق أولاداً ثم درجوا ومات من غير عقب وجلس للتدريس بالجامع المذكور ولزمه الطلبة للاستفادة وكان عجباً في سرعة التقرير وحسن التأدية وفصاحة العبارة وكان مدرساً بالعذراوية وافتتح الدرس بها في سنة احدى وعشرين ومائة وألف وكان يحضر دروس العارف الشيخ عبد الغني النابلسي في الفتوحات المكية ثم ترك ذلك وحكى الكثير من تلامذته رؤيا غريبة وقعت له وكان أحد الطلبة شرع عليه في قراءة شرح ايساغوجي في المنطق لشيخ
стр. 619
الاسلام زكريا ولم يكن المترجم اطلع عليه قبل ذلك فلم تعجبه عباراته لكون شيخ الاسلام أوضح العبارة فيه ولم يسلك به مسلك المحققين فرأى في النوم كان القيمة قد قامت وسيق الناس إلى المحشر فلما وصل إلى أرض فيحاء رأى الناس واقفين صفوفاً والنبي ﷺ واقف والصفوف كلها متصلة به قال فسألت عن ذلك فقيل لي هؤلاء محدثون يتصلون بمشايخهم إلى النبي ﷺ فطلبت شيخاً أخذ عنه لأتصل بالنبي ﷺ فقيل لي هذا شيخ الاسلام زكريا خذ عنه وكأنه واقف بالقرب مني فتقدمت إليه وقبلت يده وطلبت منه أن يجيزني بمروياته ليتصل سندي بالنبي ﷺ فأجازني كذلك ووقفت إلى جانبه وأنا فرح بذلك ثم استيقظت وعلمت بهذه الرؤيا رفعة قدر شيخ الاسلام زكريا وعلو رتبته في الآخرة رحمه الله تعالى وكان صاحب الترجمة كثير العزلة والانجماع عن الناس وتوفي ليلة الجمعة العشرين من جمادي الأولى سنة خمس وثلاثين ومائة وألف ودفن بتربة تنكز لصيق الجامع المذكور على يمنة الداخل من باب الجامع رحمه الله تعالى.
عبد الرحيم الطواقي
عبد الرحيم بن محمد المعروف بالطواقي الحنفي الامام الفقيه النحوي الفرضي الدمشقي الميداني ولد سنة خمس وثمانين وألف ونشأ في حجر والده وكان والده من أهل العلم فأشغله بطلب العلم فقرأ على جماعة من الشيوخ منهم العلامة الشيخ عثمان القطان والمنلا عبد الرحيم الهندي والشيخ إسمعيل المفتي والشيخ أبي المواهب وقرأ الفرائض والحساب على الشيخ عبد القادر التغلبي وبرع في الفقه والنحو والمعاني والبيان والأصولين ونظم مسوغات الابتداء بالنكرة في ارجوزة وشرحها ونظم شرح ارجوزة القليبي في العروض وألف حاشية على شرح التنوير للشيخ علاء الدين الحصكفي وله غير ذلك من الفوائد والتحريرات وكان سليم الصدر عفيف النفس وسافر إلى الديار الرومية وتوفي في مدينة قسطنطينية في يوم الأربعاء سادس عشر رمضان سنة ثلاث وعشرين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
عبد الرحيم ابن شقيشقه
عبد الرحيم بن مصطفى بن حسن بن صالح عبد البر الشهير بابن شقيشقة بالتصغير الدمشقي الحنفي الامام الحنفي بالجامع الشريف الأموي العالم العامل التقي الورع الزاهد الفرد في دهره والوحيد في عصره ولد بدمشق سنة ثلاث وثمانين وألف ونشأ بها ومات والده وهو صغير وقرأ القرآن العظيم وحفظ للعشرة من طريق الطيبة على
стр. 620
الشيخ مصطفى العم ثم أخذ في طلب العلم فقرأ على الشيخ عبد الرحيم بن القاتول والمحب محمد بن محمود الحبال وأخذ الطريقة الخلوتية عن محمد بن عيسى الكناني ثم رحل إلى مصر وجاور بها ست سنين وأخذ عن علمائها قراءة واجازة ورجع إلى دمشق وحج وجاور وأخذ عمن لقيه من علماء الحجاز كالجمال عبد الله بن سالم البصري والسيد محمد بن عبد الرسول البرزنجي ورحل إلى حلب مرتين ثم رجع إلى دمشق واستقام بها يقرئ القرآن العظيم وكان له حظوة في الأمور الدنيوية وله ثبات على فعل الخير المخفي جدد عمارة جامع السقيقة ولم يعلم أحد إنه منه وكان له ولد نجيب حفظ القرآن وطلب العلم واحترف في صنعة العطارة فحاسبه والده على دراهم أعطاها له فنقص رأس المال فعنفه على ذلك فأخذ سما وأكله ومات فشق على والده ذلك ثم انقطع في آخر أمره لضعف قواه وله تعليقات سنية لم أقف على شيء منها الا على شرح سماه هدية الله للسنية شرح ورد الخلوتية وضعه على ورد الوسائل الذي كان يقرؤه في كل يوم وله من الشعر قوله
اصبر لكل مصيبة وتجلد ... واعلم بأن المرء غير مخلد
وإذا أصبت مصيبة ترزى بها ... فاذكر مصابك بالنبي محمد
وبالجملة فقد كان من كبار الصالحين والفرقة الناجين والعلماء الزاهدين انتفع به خلق كثير وكانت وفاته مطعوناً شهيداً سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف ودفن بالتربة الرسلانية ورأته بنته بعد موته بليلتين فقالت له ما فعل الله بك فقال لها عاملني بلطفه وغفر لي وطلب مني كتابي الذي سميته هدية الله وقال لي إن لم تأتني به فأنت في غضبي فاستيقظت من منامها مذعورة وأمرت بوضع الكتاب في قبره فنبش ليوضع فيه الكتاب فوجدت يده ممدودة كمن يريد أن يتناول شيئاً إشارة إلى أخذ الكتاب
السيد عبد الرزاق الجندي
السيد عبد الرزاق بن محمد بن أحمد بن يس بن إبراهيم الشهير بابن الجندي القصيري الأصل المعراوي الأديب الماهر الحاذق الذكي كان يحسن صناعة الشعر وله في الأدب معرفة وتعاني النظم حتى مهر به ولد في سنة خمسين ومائة وألف ونشأ بكنف والده وكان أخذ الأدب وقرأ على الشيخ عمر الأدلبي نزيل حمص وكان يحب مذاكرة العلم والأدب ويجالس الشعراء ويجري بينهم المطارحات الرشيقة والمساجلات ومن جملة من كان من ندماء مجلسه الأديب عثمان المعراوي الحمصي البصير الشاعر وكان من الأجناد الموسومين بالأدب وأسلافه كانوا مشايخ ولم يزالوا متصفين بالمشيخة إلى أن
стр. 621
انتقل والده من ذلك إلى طريق الحكومة بسبب انتسابهم لبني العظم حكام الشام وكان ولده المترجم عاقلاً له معرفة مع حسن التدبير والعقل ومعرفة أمور السياسة وأحكامها وله باع في الأدب وشعره عليه طلاوة وقد تولى حكومة قلعة تلبيسة الكائنة بين حمص وحماه من طرف الدولة العلية بعد وفاة والده وهذه القلعة أصل بنائها في زمن الوزير سليمان باشا العظم وعينت الدولة بها ينكجرية بعلائف وتعايين سلطانية لأجل حفظ الطرقات للحج وغيره وبالجملة فهو أثر حسن واستقام المترجم بها إلى أن مات ومع ضبطه لها تولى من طرف ولاة دمشق حكومة حماه وحمص ومما وصلني من شعره قوله مشطراً قصيدة سيدي عمر ابن الفارض ﵁
قلبي يحدثني بأنك متلفي ... والجسم يخبرني بأنك مضعفي
إن كان لا يرضيك غير منيتي ... روحي فداك عرفت أم لم تعرف
لم أقض حق هواك إن كنت الذي ... جعل اللحاظ لموطئ المتصرف
فجميع ما جرت علي من الأسى ... لم أقض فيه أسى ومثلي من يفي
مالي سوى روحي وباذل نفسه ... في عشقه ما أن يعد بمتحف
وعلى الحقيقة من يضيع روحه ... في حب من يهواه ليس بمسرف
فلئن رضيت بها فقد أسعفتني ... وبذاك أرقى للمقام الأشرف
فاعطف وساعدني وكن لي مسعفاً ... يا خيبة المسعى إذا لم تسعف
يا مانعي طيب المنام ومانحي ... هجراً أحد من الحسام المرهف
يا بغية الآمال قد ألبستني ... ثوب السقام به ووجدي المتلف
عطفاً على رمقي وما أبقيت لي ... رمقاً فكن يا ذا الملاحة منصفي
فارحم بقية ما تبقى منيتي ... من جسمي المضني وقلبي المدنف
فالوجد باق والوصال مماطلي ... والهجر نام والمعذب لا يفي
والجسم بال والدموع ذوارف ... والصبر فان واللقاء مسوفي
لم أخل من جسد عليك فلا تضع ... شغفي وفرط توجعي وتلهفي
وارحم أنيني في هواك ولا تطل ... سهري بتشنيع الخيال المرجف
وأسأل نجوم الليل هل زار الكرى ... عيناً توقد نارها لم تنطف
وأسأل من الواشين هل زار السها ... جفني وكيف يزور من لم يعرف
لا غرواً إن شحت بغمض جفونها ... عين تعودت الجفا من أهيف
جادت بلؤلؤها الرطيب لبعده ... عيني وسحت بالدموع الذرف
وبما جرى في موقف التوديع من ... شغل الهوادج كاد جسمي يختفي
стр. 622
ومن الفراق تفتت كبدي ومن ... ألم النوى شاهدت هول الموقف
إن لم يكن وصل لديك فعد به ... فلعل روحي بالتواعد تكتفي
فالوعد منك أعده كالوصل يا ... أملي وماطل إن وعدت ولا تفي
فالمطل منك لدي إن عز الوفا ... يبدي التسلي للفؤاد المتلف
أجد التماطل منك إن عز اللقا ... يحلو كوصل من حبيب مسعف
أهفو لأنفاس النسيم تعلة ... من كثر أشواقي وفرط تكلفي
لكنه تعليل قلب مدنف ... ولوجه من تقلت شذاه تشوقي
فلعل نار جوانحي بهبوبها ... نوعاً تخف بوقدها المتشظف
ولعل ناراً أضرمت بشراسة ... أن تنطفي وأود أن لا تنطفي
يا أهل ودي أنتموا أملي ومن ... ناجاكمو في ضنك عيش عادفي
حاشى بضام دخيلكم إذ كل من ... ناداكموا يا أهل ودي قد كفي
عودوا لما كنتم عليه من الوفا ... لفتى بحفظ الود غير مزخرف
وعلى جود وأيا آل ودي باللقا ... كرماً لأني ذلك الخل الوفي
وحياتكم وحياتكم قسماً وفي ... غير اليمين بكم حقيقاً لم أف
وبسركم اني يميناً في مدى ... عمري بغر حياتكم لم أحلف
لو أن روحي في يدي ووهبتها ... من غير منون وغير تأسف
لو أنني أعطيت ما ملكت يدي ... لمبشري بقدومكم لم أنصف
لا تحسبوني في الهوى متصنعاً ... أو أن حبي فيكم يتخفف
لكن حفظي للعهود جبلة ... كلفي بكم خلق بغير تكلف
أخفيت حبكم فأخفاني أسى ... جعل الدموع بعارض مستوكف
وأضرني كتمان ما أخفيته ... حتى لعمري كدت عني أختفي
وكتمته عني فلو أبديته ... لخفي فلم يبصر ولم يتكلف
وصحبته حقاً فلو أظهرته ... لوجدته أخفى من اللطف الخفي
ولقد أقول لمن تحرش بالهوى ... قد جزت في بحر خطير مرجف
خل الهوى لأهيله وأقصر فقد ... عرضت نفسك للبلا فأستهدف
أنت القتيل بأي من أحببته ... إن كان ينصف أو يكن لم ينصف
حب مسوف ثم حب قاتل ... فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي
قل للعذول أطلت لومي طامعاً ... إن انثنى عن ذي البنان المطرف
اكفف ملامك مدنفاً هجر الكرى ... إن الملام عن الهوى مستوقفي
стр. 623
دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوى ... إن لم تكن تصغي لقول الألف
من قبل عشقك لا تلم أهل الهوى ... فإذا عشقت فبعد ذلك عنف
برح الخفاء وبحب من لوقي الدجى ... أبدى ابتساماً زال لون المشرف
منذ تكامل حسنه فلو أنه ... سفر اللئام لقلت يا بدر أختفي
وإن اكتفى غيري بطيف خياله ... أو قد رضى بتماطل وتسوف
أو إن تسلى في مرور نسيمه ... فأنا الذي بوصاله لا أكتفي
وهواه وهو اليتي وكفي به ... حلفاً ولست أخي فيه بمخلف
وبسر صرفي مهجتي بوداده ... قسماً أكاد أجله كالمصحف
إلى آخرها ومن شعره تشطيره لبانت سعاد حيث قال فأجاد
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... وكيف لاو فؤاد الصب مشغول
وإنني من غرام قد ولعت به ... متيم أثرها لم يفد مكبول
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... الا مهاة لماها فيه تعسيل
ولن يماثل أعطافاً لها ظهرت ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول
تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... منه الشفاء لقلب فيه تعليل
سلافة قرقف قد سيغ مشربه ... كأنه منهل بالراح معلول
شجت بذي شيم من ماء محنية ... مذاقه للأرواح تجذيل
كأنما ريقها المعسول مذ رشفت ... صاف بأبطح أضحى وهو مشمول
تنقى الرياح القذي عنه وأفرطه ... ينهل من صيب والمزن رحيل
ومازجته سحابات قد انهملت ... من صوب سارية بيض يعاليل
أكرم بها خلة لو أنها صدقت ... عهدي وما كثرت منه الأقاويل
أواه لو أحسنت وصلاً وما نبذت ... موعودها أو لو أن النصح مقبول
لكنها خلة قد سيط من دمها ... هجر لعا شقها نبذ وتنكيل
ولم أنل من هواها غير أربعة ... فجع وولع وأخلاف وتبديل
فلا تدوم على حال تكون به ... تروغ في قولها والوعد ممطول
ثبت بخلف وأحوال ملونة ... كما تلون في أثوابه الغول
ولا تمسك بالعهد الذي زعمت ... وطبعها من طريق الدخل مخبول
فما لاقوا لها شبه ولا مثل ... الاكما تمسك الماء الغرابيل
فلا يغرنك ما منت وما وعدت ... أثفال أقوالها زور وتخييل
لا تغترر في أمانيها وموعدها ... إن الأماني والأحلام تضليل
стр. 624
كانت مواعيد عرقوب لها مثلاً ... ولن يصدق منها القال والقيل
كربطة نقضت مغزولها عبثاً ... وما مواعيدها الا الأباطيل
أرجو وآمن إن تدنو مودتها ... لكنني رمت شيئاً فيه تخليل
قالت تروم وصالاً قلت ذا خطل ... وما أخال لدينا منك تنويل
أمست سعاد بأرض لا يبلغها ... إلا أقب رباع فيه تسهيل
وليس يدرك ركباً فيه قد ظعنت ... إلا العتاق النجيبات المراسيل
ولا يبلغها إلا عذافرة ... سريعة الجري في البيداء شمليل
عوج الرقاب كريمات مؤصلة ... ليها على الأين إرفال وتبغيل
من كان نضاخة الذفرى إذا عرقت ... تميل عجباً ولا عي وتنكيل
كأنما سيرها كالريح إذ عرضت ... عرفتها طامس الأعلام مجهول
ترمي الغيوب بعيني مفرد لهق ... قد حل سحيل واستقفاه شرحيل
لا تختشي تعباً أيضاً ولا سغباً ... إذا توقدت الحزان والميل
ضخم مقلدها عبل مقيدها ... لا يشتكي قصر منها ولا طول
همر جل مشيها والله صورها ... في خلقها عن بنات الفحل تفضيل
غلباء وجناء علكوم مذكرة ... عرمومة القد لا عتم وتعييل
مدموجة متنها كلاء من سمن ... في دفعها سعة قدامها ميل
وجلدها من أطوم لا يدنسه ... سعف شنيع وقذان مناجيل
ولا يسسها يا صاح من ملس ... طلح بضاحية المتنين مهزول
إلى آخر القصيدة وله غير ذلك وفي سنة تسع وثمانين ومائة وألف اقتضى لحاكم حمص الأمير عبد الرحيم ابن العظم التوجه على جهة عرب الحيارى المعروفين بالموالي المقيمين في تلك الأطراف تبعاً لولاة حلب فتوجه معه المترجم لكونه حاكماً بقلعة تلبيسة وذهب معهما شرذمة من العسكر فلما بلغوا العرب وقاربوا اليهم وقع بينهم الحرب ولم يصدر من طرفهم نصر بالتقدير الألهي فما استقر الأمر مقدار نصف ساعة إلا وأخذتهم العرب وشلحوهم جميعاً وبقي المترجم وحاكم حمص معريين من غير سائرة ثم بعد ذلك جاءه رجل منهم وضربه برمح في رقبته فقتله ومسكوا حاكم حمص وأخذوه ثم بالقرب من الموضع قرية جاء أهلها وأخذوا المترجم محمولاً إلى حمص لعند أهله وكان ذلك في الحادي والعشرين من ربيع الثاني من السنة المذكورة ودفن بتربة مقابلة لمقام سيدي خالد بن الوليد ﵁ وضبطت أمواله للدولة العلية بأمر منها وجاء بالخصوص
стр. 625
المزبور قبجي باشي من طرف الدولة معين بهذه الخدمة وابيعت كتبه وحوائجه وضبطت أمواله وديونه سمحت بها الدولة لأولاده وبعد وفاته أخذ الحكومة أحد أركان الدولة مسعود بيك نجل الوزير الصدر السابق سعيد باشا ولم يتمكن من ضبطها ثم بعد ذلك وجهت لأولاد المترجم وبعده جاؤا لدمشق وفرغوها لأخي المترجم وهو الآن حاكم تلك القلعة ونسبتهم إلى القصير قرية من نواحي انطاكية وأخبرت إن جدهم الشيخ أحمد القصيري الولي المشهور والله أعلم اقول والقصير اسم لقرى منها قريتان بدمشق الواحدة بالقرب من قرية الريحان والثانية بالقرب من قرية سكا ومنها قرية بناحية حمص تسمى بذلك ومنها القرية التي بقرب انطاكية ومنها المترجم ومما وقع له من المساجلة الشعرية مع الشيخ محمد سعيد السويدي البغدادي حين كان بحمص والشيخ عثمان البصير الحمصي حيث قال السويدي متعرضاً للبصير المذكور
وإذا العمي ضم العناد إليه مع ... حسن الصفات كفاك للتحقير
فقال البصير
وإذا علمت بأن مثل ناقص ... كان المقال لغاية التزوير
فقال المترجم
وإذا عدمت الفهم فأسأل أهله ... تجد البراعة عند ذي التحرير
فقال السويدي
وإذا مواهب عابد الرزاق قد ... حلت على الأعمى غدا كبصر
فقال البصير
وإذا أراد الله اصلاح امرء ... جعلت بصيرته من الأكسير
فقال المترجم
وإذا تولى القلب منه عناية ... جذبت به العليا من التأخير
فقال السويدي
وإذا فقدت النور من عينك يا ... أعمى فثق بالله للتبصير
فقال البصير
وإذا علمت الصبر أعظم منحة ... كان العسير مبدلاً بيسير
فقال المترجم
وإذا رجوت بلاغة وبراعة ... فأملهما من عالم نحرير
стр. 626
فقال السويدي
وإذا بدا نظر الكريم على امرئ ... سارت بلاغته بكل مسير
فقال البصير
وإذا رأيت اثنين كلاً مادحاً ... لأخيه كان كلاهما كأمير
فقال المترجم
وإذا السعيد أضيف لأسم محمد ... بشره بالاسعاد والتيسير
فقال السويدي
وإذا أتته منيحة من عابد ... الرزاق زادته على التوقير
فقال البصير
وإذا أضيفت للسويد ولم تزل ... مقرونة بالعز والتخيير
فقال المترجم
وإذا المكارم والعوارف كانتا ... ارثاً فلا تنهيه للتكثير
فقال السويدي
وإذا الأبوة خل منها خصلة ... في البخل زانته بغير نكير
فقال البصير
وإذا الأصول من التدلس خلصت ... بدت الفروع لأحسن التطهير
فقال المترجم
وإذا الزمان رمى الأكابر بالردى ... يتخلصون بأحسن التدبير
فقال السويدي
وإذا محمد آل جندي اضا ... منه شهاب زاد في التنوير
فقال البصير
وإذا أراد الضد فيه مضرة ... فالله أكبر فوق كل كبير
فقال المترجم
وإذا التجئ لله فهو حفيظه ... من كل ما يخشاه من تكدير
فقال السويدي
وإذا اختتمت قصيدة بمديحه ... فنواله لك منه خير نصير
ووقع في مجلسه أيضاً مع الشيخ السويدي والبصير المذكورين مساجلات في مدحه وفي غير ذلك فمن ذلك ما قاله السويدي مساجلاً
رنا وانثنى واهتز كالغصن والقنا ... وصال على العشاق يسطو بقده
стр. 627
فقال المترجم
رشا من بني الأتراك صاد بصاده ... وصير عشاق الورى صيد صيده
فقال البصير
بديع جمال لو رأى البدر شكله ... دجى لأعتراه الكسف من نور خده
فقال السويدي
له مقلة تسبي لنا في سوادها ... من الأسر انسان رهين بقدة
فقال المترجم
توطأ هام النسر منعة حسنه ... فما البدر إذ عدوة الا بعبده
فقال البصير
جرى سلسبيلاً في لمى در مبسم ... فها أنا ظام أرتجي رشف شهده
فقال السويدي
وخال عبير صار قلبي له لظى ... وجسمي وأضلاعي مجامر نده
فقال المترجم
أعار لها من مقلتيه تكحلاً ... وأسبل في الظلما سوابل جعده
فقال البصير
سبي قاصرات الطرف بالحصر رقة ... وصير أرباب الحجي عقد بنده
فقال السويدي
هو الشمس لولا ليل شعر بهائه ... فلله در النور يجلي بضده
فقال المترجم
فما هو إلا في المحاسن مفرد ... وليس به عيب سوى نقض عهده
فقال البصير
فكم وعد المشتاق منا بزورة ... فيا حبذا لو صح انجاز وعده
فقال السويدي
فيا قلب صبراً إن تمادى صدوده ... ويا عين سحى إن بليت ببعده
فقال المترجم
بخيل بجود الوصل لا رفق عنده ... بمن هام فيه من تقمص عهده
فقال البصير
سمحت له بالروح فهي أعز ما ... ملكت ولكن ليس يغلو بنقده
فقال السويدي
стр. 628
ولا غرو إذ منه إليه ملاكها ... وكانت له من قبل يذكي بوده
فقال المترجم
ولا حيلة تلفي لدي بوصله ... ولا وصله أرجو به نيل رفده
فقال البصير
فواعجبي في فعل هندي جفنه ... يريق دما العشاق وهو بغمده
فقال السويدي
فلم أسل إلا أن أؤمل شافعاً ... يبلغني الولدان عنه برشده
فقال المترجم
هو المصطفى بحر الصفا وبه صفا ... فمشربه إلا صفي موارد جنده
فقال البصير
أجل ذوي الجاه العريض سيادة ... فكل مقام في العلا دون مجده
فقال السويدي
رسول الهدى مردى العدى كاشف الردى ... روى الصدا بخر الندى غيث رفده
فقال المترجم
إليه يشير العالمون بيوم لا ... سواه يرجي للمهول بخمده
فقال البصير
نبي به قد شرف الله طيبة ... على ما سواها إذ حباها بلحده
فقال السويدي
محا نسخ التوارة بالسيف والقنا ... وسل حسام الحق من بعد غمده
فقال المترجم
هو الفرد في كل الكمال ومجمع ... لكل جلال والجمال بورده
فقال البصير
مزيح الضلالات المضلة بالهدى ... مفرق جمع الشرك من بعد وفده
فقال السويدي
امام همام سيد سند لمن ... إليه التجئ من كل خطب وجهده
فقال المترجم
تقي نقي كامل ومكمل ... أقام بنا الاسلام من بعد هذه
فقال البصير
فكل جمال ظاهر ومحجب ... محمدنا أضحى يتيمة عقدة
стр. 629
فقال السويدي
بمولده بطحاء مكة شرفت ... وشرفت الدنيا مواليد ولده
فقال المترجم
فلا مد في هذا الوجود ولابقاً ... يؤمل إلا من كمالات سعده
فقال البصير
أجل النبيين الذي بعض فضله ... تنزه عن حصر المديح وحده
فقال السويدي
ولو صارت السبع البحار مداده ... وميدانها طرساً لا عيت بعده
فقال المترجم:
لإن سواه لم يمحز رفعة الرقا ... إلى الذروة العليا إلى عند عنده
فقال البصير
له جاءت الدنيا بأبهج زينة ... رآها بعين الاحتقار وزهده
فقال السويدي
سرى مذ سرى البيت الحرام إلى العلا ... وآب بليل قبل إيفاء مده
فقال المترجم
وأخبر عن غير طلوع ظهيرة ... فلم يتخلف عن مقالة وعده
فقال البصير
فيا خير أرباب الشفاعة كلهم ... وآمرهم تحت اللوا يوم حمده
فقال السويدي
رجوناك في تيسير كل معسر ... وفي كل آت من خطوب لرده
فقال المترجم
فمن يرتجي الاك يا خير منعم ... لدفع دواعي الكذب ثم لطرده
فقال البصير
فعجل بما نرجوه يا من نداؤه ... يحل عظيم الكرب من بعد عقده
فقال السويدي
عليك صلاة الله ثم سلامه ... مدى الدهر ورداً لا انتهاء لعده
فقال المترجم
وآل وأصحاب كرام وعترة ... يدومان ما سار الحجيج لقصده
فقال البصير وختم
стр. 630
وما عبد رزاق وعثمان بعده ... ونجل السويدي باح كل بوجده
عبد الرزاق الرومي
عبد الرزاق بن خليل بن جنيد الرومي الأصل الحنفي نزيل دمشق الشيخ الفاضل الفقيه الأوحد بقية السلف الصالح أبو الأسرار ركن الدين قدم دمشق وتوطنها وكان مجاوراً بها في حجرة بمدرسة الشمسي أحمد باشا المعروفة بسوق الوزير محمد باشا ابن العظم وله تآليف لطيفة وقفت منها على شرحه للتنوير في تسع مجلدات سماه منير الأفكار شرح تنوير الأبصار وأوقفه على المدرسة المتقدم ذكرها ولم أقف له على غيره وكان عالماً عاملاً فقيهاً مفنناً ملازماً لأداء الفرائض والنوافل مشتغلاً بخويصة نفسه تاركاً لما لا يعنيه وكانت وفاته في أوائل هذا القرن رحمه الله تعالى ولم أقف على سنة تعيين وفاته.
السيد عبد الرزاق البهنسي
السيد عبد الرزاق بن محمد بن عبد الرزاق بن عبد الحق المعروف بالبهنسي الحنفي الدمشقي الشيخ العالم الفاضل الفقيه كان محققاً له اطلاع في التفسير والفقه والأدب وغير ذلك مكملاً له تفحص على المسائل الدقيقة والغريبة ويبديها ولد بدمشق في ثالث شوال سنة خمس وعشرين ومائة وألف ونشأ واشتغل بطلب العلم على جماعة فقراً على الشيخ محمد قولقسز وانتفع به وعلى الشيخ إسمعيل العجلوني والشيخ صالح الجينيني والشيخ محمد التدمري والشيخ عبد الله البصروي والشيخ حسن الكردي نزيل دمشق وأخذ عن الاستاذ السيد مصطفى الصديقي وغيرهم وقرأ في الفقه والنحو والتفسير والمعاني والبيان والمنطق والصرف وغير ذلك وأتقن وحصل وفضله لم يشتهر لعدم تقيده في الاقراء والتدريس لكونه كان محباً للعزلة وترجمه الشيخ سعيد السمان في كتابه وذكر له من شعره وقال في وصفه جيفة ضغن وحسد وشنشنة لؤم ضمها جسد راض جواد فكره في حزن الخداع وسهله فتلا عليه حاله ولا يحيق المكر السئ إلا بأهلة متشدقاً في ما يؤديه متكبراً فيما يخفيه ويبديه مهتماً بشأن الظهور ومتأسفاً على يوم مشهور فلم تجب الأيام له وسيلة ولم تنقع من تلك الأؤام غليله فنصب الحيلة في نيابة بعض محاكم الأطراف وانتصب لأجراء الأحكام فجرى في سوح الجور والاسراف فتحققت اساءة الظنون فيه والظلم كمين في النفس القدرة تظهره والعجز يخفيه فما مكث إلا يسيراً وانقلب لصولة
стр. 631
العزل أسيراً فندم ندم الفرزدق حين طلق نوار وكان ما بناه من الاقتراف على شفا جرف هارفاً نهار ثم لاذ ببعض الأفاضل وتلمذ له وحسن له ما زخرفه من دهاه وسوله فشن عليه غارة دبرها بمكره الذي ما تعداه واستأصل وظائفه وما ملكت يداه فكانت قوام معاشه وسبب انقاذه من أنياب الفقر وانعاشه وأراد أن يتفهق فتصوف ولم يدر في أي حالة تصرف فجمع بين الأروى والنعام وظمئ من اللج الذي فيه عام وطال حتى كأنه من السدنة الذين يسترقون السمع وراض في ملعب خده على نهضة سوابق الدمع وصار مدمنة تقريع ومجلبة توبيخ مريع وله شعر لم يتناسب طرفاه يقول من سمعه فض الله فاه انتهى مقاله وقد أكثر في ذمه كعادته في غالب تراجمه ومن شعر المترجم قوله من قصيدة
ظفرنا بما نهوى وقد حفنا السعد ... فحي على حي المسرة يا سعد
وطابت نفوس الأنس منا وأعلنت ... صوادح أطيار الهناطر باتشدو
وخابت ظنون الحاسدين فأصبحوا ... حيارى يخزي لا يعيدوا ولا يبدوا
وحاق بأهل المكر سئ مكرهم ... وقد خمدت نار لها منهم وقد
زويدكم مهلاً بني المهد إنكم ... أسارى بحجر الحجر ما عندكم رشد
أسامة لما فارق الغاب جاءه ... ثعالة جهلاً وافداً وله وأد
ولم يدر أن الغاب ما غاب ربه ... بهجر ولكن كي يكون له وبد
ورب أناس تظهر الود ريبة ... وحشو الحشا منها لقد سجر الحقد
يخيل منها فاسد الفكر مأملا ... وظنوا بأن الهزل يعقبه الجد
ومن بلغ أعقاب الأمور فإنه ... جدير بما قالوا وليس له رد
وهيهات أن يحظوا إذا اشتد هائل ... بمثل حليم دأبه الجود والمجد
منها
فآب بحول الله والنصر قائداً ... يحف به واللطف في ركبه يحدو
وقد جاء نصر الله والفتح مورد ... ترى الناس فوجا بعد فوج لها ورد
ومن صادف البحر الخضم سعي له ... ولا يظمئنه جعفر لا ولا ثمد
ومنها
ولا زلت في برد السيادة رافلاً ... مدى الدهر لا منع يعوق ولا صد
ودم في أمان الله والعز منشداً ... ظفرنا بما نهوى وقد حفنا السعد
وقد أنشده أخوه السيد أحمد قوله
دع الخلاعة في حب الحسان وذم ... أسير علم وأمعن في مطالعته
стр. 632
ولازم الدرس والكراس مجتهداً ... وأسهر العين ليلاً في مشاهدته
وعد عن غي ذي بغي ودعه يتم ... مع الحبيب ويحظى في مطالعته
فكتب إليه بقوله
إن الخلاعة في حب الحسان هدى ... وما على العاشق الولهان من بأس
فعش حميد الورد الخد ملتثماً ... ومت بذاك شهيداً دون إلباس
ولازم الدرس والكراس مجتهداً ... واسهر العين ليلا في مشاهدته
وعد عن غي ذي بغي ودعه ينم ... مع الحبيب ويحظى في مطالعته
فكتب إليه يقوله:
إن الخلاعة في حب الحسان هدى ... وما على العاشق الولهان من باس
فعش حميد الورد الخد ملتئما ... ومت بذاك شهيدا دون الباس
ولازم الدرس والكراس مجتهدا ... في ردع كل غليظ قلبه قاس
يظن أن بوصل الحب منقصة ... لكن حرمانه يكفيه في الناس
فكتب الأديب السيد أحمد الفلاقنسي بقوله
إن الغواية في عشق المليح هدى ... وما على الصب بأس في مضاجعته
فقف قليلاً لدى المحبوب مجتنياً ... ورد الخدود وحاذر من مخالفته
واحرص على سره من أن تبوح به ... وأسهر العين تحظى في مشاهدته
وثابر الدرس والكراس مجتهداً ... في ردع كل غليظ أو مجادلته
وخل من ظن إن الحب منقصة ... أسير علم ودعه في مكابدته
وقال ملغزاً في أذربيجان الشيخ سعيد السمان
أيا واحد النقاد في النحو قد أتى ... إلى سؤال حير الفكر وصفه
فما اسم نرى فيه موانع خمسة ... فإن زالت إحداها تعين صرفه
فلما رآه المترجم كتب مجيباً بقوله
سؤالك أذرى بي فأعدمني الحجي ... ومن بعده جان على الحب مسرف
زيادة تركيب عليها قد احتوى ... وعجمته بين الموانع تعرف
وللمترجم
يقول لنا كانون ماذا ينالني ... بلومكم إياي طال التعاتب
على شدة إني جبلت وإنني ... أصم وما أدري بماذا أخاطب
وكأنه أراد الرد على الفاضل محمد التافلاني المغربي نزيل القدس حيث قال
أقول لكانون ترحل عن الورى ... فدا بك تشتيت لجمع الحبائب
فقال فلا تضجر وإن كنت بارداً ... فإن ثمار الأرض فضل سحائبي
وقوله أيضاً
أقول لكانونين أنهكتما القوى ... وما بكما للعالمين نشاط
فقالا إذا غبنا سيحمد أمرنا ... وأما شباط ما علبه رباط
وقد ضمن المصراع الأخير من البيتين الأولين الأديب مصطفى اللقمي الدمياطي
стр. 633
نزيل دمشق فقال
يقول لنا كانون إن كنت بارداً ... فللمهج الحر اللذيذ مشاربي
وكم لي من أيدي امتنان على الربا ... فإن ثمار الأرض فضل سحائبي
وقد ضمن المصراع المذكور أيضاً السيد محمد الشويكي الدمشقي فقال
أقول لكانون أطلت عناءنا ... ببرد وأمطار وطول غياهب
فقال اذكروا عقباي فهي حميدة ... فإن ثمار الأرض فضل سحائبي
وقد طلب تشطير بيتي التافلاتي وتخميسهما من الأديب سعيد السمان الدمشقي فقال أولاً مشطراً
أقول لكانون ترحل عن الورى ... لقد رعتهم بالبرد من كل جانب
وعرج ولا تبغي المقام بأرضنا ... فدأبك تشتيت لجمع الحبائب
فقال ولا تضجر وإن كنت بارداً ... بطبعي ولكني حميد العواقب
ولي صدق برهان على ما ادعيته ... فإن ثمار الأرض فضل سحائبي
ثم قال مخمساً لهما
إذا ما الشتاء الصعب أقبل وانبرى ... يرينا من التعبيس وجهاً منكرا
وبردا به الأجفان لم تذق الكرى ... أقول لكانون ترحل عن الورى
فدأبك تشتيت لجمع الحبائب
فطبعك منه الماء يصبح جامداً ... وكم زمهرير منك فت الجلامدا
أهل منك نرجو بعد ذاك فوائداً ... فقال فلا تضجر وإن كنت باردا
فإن ثمار الأرض فضل سحائبي
ثم قال مضمناً
أقول لكانون وقد جاء مرحباً ... بمجمع أحباب ونيل مآرب
فقال ولي من بعد ذاك فضيلة ... فإن ثمار الأرض فضل سحائبي
وللمترجم غير ذلك من النظم وكانت وفاته في ليلة الثلاثاء رجب سنة تسع وثمانين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى.
عبد الرسول الطريحي
عبد الرسول ابن الطريحي النجفي الأصل الحلي المولد والمسكن الأديب الفاضل الشاعر النحوي الكاتب كان بارعاً بالأدب والمعاني والبيان والعروض والنحو والأدب والشعر ويتعانى الكتابة مع خط حسن ونظم بديع ونثر حسن عجيب وكان معروفاً بالخلاعة والمجون والمداعبة وهو شيعي مشهور بذلك
стр. 634
ومن مجونه الفاضح قوله في هجاء نفسه
عبد الرسول ابن الطريحي فتى ... بكل ما يحرم فعلاً أحاط
قد شرب الخمر وداس الزنا ... وقبل المرد وغنى ولاط
وأعجب من ذلك إنه طلب تشطيرهما من الفاضل الأديب الشيخ محمد سعيد السويدي البغدادي وألح عليه بذلك حتى أخرج له دواة وقرطاساً من عنده فشطرهما له بقوله
عبد الرسول ابن الطريحي فتى ... سما على ابليس وقت النشاط
وقبل ما بان له عارض ... بكل ما يحرم فعلاً أحاط
قد شرب الخمر وداس الزنا ... وحسن الفسق وذم الرباط
وجاوز الكفر بلا شبهة ... وقبل المرد وغنى ولاط
وله شعر كثير وكانت وفاته مطعوناً في الطاعون الكبير الواقع في بغداد سنة ست وثمانين ومائة وألف وأخذ للنجف ودفن بها عفا الله عنه.
عبد السلام الكاملي
عبد السلام بن محمد بن علي بن محمد المعروف بالكاملي وأصحه الكامدي بالدال نسبة لكامد اللوز قرية في البقاع الشافعي الدمشقي الامام العالم العلامة الفقيه النحوي الأديب الأصولي كان ورعاً عاقلاً ساكناً ذا وقار ودين وللناس فيه محبة واعتقاد وله يد طولى في النحو والمعاني والبيان وأصول الفقه ولد بدمشق تقريباً بعد الثمانين وألف واشتغل بطلب العلم على والده شيخ الاسلام والمحدثين الآتي ذكره وعلى الشيخ إبراهيم الفتال والشيخ عبد القادر العمري بن عبد الهادي وعمدة العلماء الشيخ أبي المواهب مفتي الحنابلة والعلامة الشيخ عبد الرحيم الكابلي الهندي نزيل دمشق والعالم التقي الشيخ حمزة الدومي الدمشقي وحضر دروس العلامة المدقق الشيخ يحيى الشاوي المغربي وغيرهم وتصدر للافادة بمدرسة الباذرائية وبالجامع الأموي بعد صلاة الصبح وبعد العصر تجاه المقصورة وارتحل إلى مصر وإلى الحج وإلى الروم إلى دار الخلافة ونزل مكة في دار شيخ الاسلام إذ ذاك المولى فيض الله بن حسن جان وترجمه العلامة الأديب السيد محمد أمين المحبي في ذيل نفحته وذكر له من شعره وقال في وصفه ندب من طريق المجرة مصعده وفي بحبوحة فرق الفرقد مقعده محاسنه تبهر في الاتقاد وقد سلمت من التزييف والانتقاد كأن الله عهد إلى اللطف أن يكون فكأنه
стр. 635
فلهذا ترى مكانه في كل عضو من أعضاء المحبة مكانه وهو من مرايا الباصرة أحق بالنظر إليه من أغفائها ومن حوايا القلب أولى بأن تكشفه من سويدائها يعز علي ويكبر لدي ويحل مني محل عيني ويدي قد أوتي فصاحة ولسنا يدع ما يلفظ حسناً
رقت معانيه ورق كلامه ... فقلت هما لي روضة ومدام
خلقته مستويه وذاته للكمال محتوية وله أدب بمثابة الروض أخضلت منه الخمائل وشعره قد أشرب رقة الخصور ولطف الشمائل انتهى مقاله ومن شعره قوله في النارنج
انظر إلى النارنج في أغصانه ... الخضر اللواتي للنواظر ممتعة
كعقود ياقوت الحسان تبددت ... فتلقطته يد الزبرجد مسرعه
ومن ذلك قول الاستاذ عبد الغني النابلسي في النارنج أيضاً
ألا قم بي إلى روض وريق ... من الأنداء عذب فم وريق
ونارنج هناك كحمر ... تظن الدوح منه في حريق
بدا في حلة خضراء يزهو ... مزررة بأزرار العقيق
وتحسب دوحه طوراً بساط ... الحرير الأخضر البادي البريق
وصبغ الأرغوان عليه باد ... كأمثال الدوائر يا رفيقي
أو الخد المورد من حياء ... خلال عذاره النضر الأنيق
أو الأكر النضار تلقفتها ... صوالج زبرج بيدي رشيق
يكاد ذوو التوهم من بعيد ... يراه كروضة ذات الشقيق
ومن ذلك قول الفاضل محمد المحمودي
وكأنما النارنج في ... أغصانه بادي التبغدد
كرة العقيق تلقفتها ... صولجان من زمرد
ومن ذلك قول السيد عبد الكريم نقيب الأشراف
ما شهدنا في الروض يا شجر النا ... رنج حقاً سواك حاز المزية
ورق من زبرجد نضر قد ... زينته ثمارك العسجدية
وقول السيد أسعد العبادي من ذلك
حكى أحمر النارنج في شجراته ... وأزهاره لما تراءى لجلاسي
قناديل ياقوت بقضب زبرجد ... مرصعة فيها حجارة الماس
следующие страницы →