Полный текст (1 167 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
العالم المولى أبي السعود الكواكبي فلما صار مفتياً جعله أمين الفتوي شركة مع الشيخ إبراهيم البخشي وكان حفظ القرآن أولاً على الشيخ عامر المصري نزيل الحلاوية وقرأ التفسير علي الكواكبي أحمد المذكور والفقه على الشيخ مصطفى الحفسرجاوي والعربية والصرف على الشيخ سليمان النحوي وكان فقيهاً حافظاً ذا صوت حسن شجي خطاطاً وقل أن تجتمع هذه المحاسن في عالم وكان أبوه عامياً فقيراً صباغاً نشأ المترجم في الفقر الحالك المهلك وكان يحث مخاديم أصحابه على اكتساب الكمالات ويخبرهم عن نفسه إنه كان فقيراً جداً لا يملك شيئاً وإنه من احتياجه لا تصل يده إلى شراء ورق لتعلم الكتابة فكان يأخذ ألواح الغنم من عند القصاب ويفركها بالرماد لتزول الزهومة منها ويكتب عليها ويأخذ أوراق البن فيلصقها ويصقلها ويتعلم الكتابة بها فحسن خطه وصار ينسخ بالأجرة ويأخذ على الكراس الربعي قرشاً لجودة خط واتساق سطوره فانتعش حاله ثم ارتحل من محلته إلى محلة باحسينا وسكن في جوار بقية الكرام الشيخ أحمد العلبي فاعتنى به وأسكنه داراً من دوره وزوجه ثم انحلت خطابة الفرمانية فوجهها إليه مع الاقامة لكون تولية جامع الفرمانية مشروطة على بني العلبي واستقام حاله وقطن في حجرة داخل الجامع المذكور يقري وينسخ ولازم صحبة العلبي المذكور وصار لا يكاد أن يفارقه فإن المترجم كان خفيف الروح دمث الأخلاق مزاحاً صغير الجثة جداً بحيث إنه كان إذا وقف في المنبر لا يرى منه سوى العمامة فاستقام بجوار المذكور إلى أن مات فارتحل المترجم إلى محلته الأصلية ثم انحلت خطابة الخسروية فوجهها له العلامة أبو السعود الكواكبي المذكور آنفاً وكان له المعرفة التامة في الوعظ مع جهارة الصوت وكان يعظ في جامع قسطل الحرامي وكانت له بقعة تدريس في الجامع الأموي بحلب وكانت وفاته في أوائل سنة اثنتين وثلاثين ومائة وألف فجأة بالقرب من باب النصر بحلب سقط عن ظهر البغلة ميتاً ودفن بمقبرة جب النور بمحلة الشريعتلي رحمه الله تعالى شريعتلي محله سي أوله جق.
عبد اللطيف الأطاسي
عبد اللطيف بن علي المعروف كأسلافه بالأطاسي الحنفي الحمصي كان أحد الأفاضل الأدباء المتفوقين حصل في الأدب رتبة ونالها وكان له من العلم القدح المعلى ومع ذلك يجنح إلى فنون أخر وعلوم كالكيمياء والأوفاق وغير ذلك من الفنون الغريبة ويتعاطى ذلك وكانت له القصائد الفرائد والأشعار الحسنة فمما وصلني من شعره قوله من قصيدة امتدح بها شيخ الاسلام مفتي الدولة بشمقجي زاده المولى السيد عبد الله حين عوده من الحج ومطلعها عبد الله أفندي سلفه محمد أفندي وخلفه أبو الخير أحمد أفندي.
стр. 737
قد عادت الشمس تشريفاً إلى الحمل ... والسعد أقبل يسعى بالغ الأمل
وطلعة البدر زادت في علاه سنا ... والنجم في أفقه قد عاد في وجل
يودّ أن لو هوى يحظى ببغيته ... يقبل الأرض مع أيد على عجل
وظبية السرب مرعاها فؤاد فتى ... أيدي الغرام به أودت ولم يمل
حليف وجد دهته أعين نجل ... مع ضعفها عجباً من أعين نجل
تزري بذي اللبن حتى لا يكاد يرى ... سقماً وتقتل في غنج وفي كحل
وذا الغزال الذي يفترّ عن شنب ... وعن أقاح وعن درّ وعن عسل
حكمته فجنى جوراً عليّ قلى ... وأحكم الطعن في أحشاي مع عللي
من منقذي يا لقومي من جفا رشا ... حلو الشمائل يحكي الغصن بالميل
سوى الامام الذي شاعت فضائله ... في كل ناد وأحيا العلم بالعمل
صدر الشريعة كنز الفضل بحر هدى ... حاوي المفاخر مطفي ربقة الدخل
وجيز آياته عند البسيط لها ... كشف لأسرار ذي غمز وذي جذل
هو الهمام الذي إن راحتاه همت ... تغني بسح نداها بائس المحل
هو الجواد الذي يسمو بهمته ... على السها والسما والنجم مع زحل
أضحت ذكاء لما قد حاز من شرف ... ومن فخار ومن مجد ومن نحل
ترنو إليه اغتباطاً وهي طامعة ... في أن تلازم جدوى بابه النهل
أقام للدين شأناً بعدما درست ... آثاره وهوى في قالب خمل
فأشتاقه البيت ناداه أجاب بلى ... وسار شوقاً لخير الخلق والرسل
وآب في دعة والسعد يقدمه ... واليمن يخدمه والطول مع طول
وأصبحت جنبات الكون مشرقة ... تثنى وتحمد شكر أربها الأزلي
حيث السلامة حفت مع ملائكة ... لشيخ الاسلام عبد الله ابن علي
بحر النوال وبر الجود من برزت ... جدواه تمنح عاف قاصد النحل
ما أم أعتابه ذو حاجة وله ... إلا وبدله لطفاً من الخبل
وقد رجاك امام الفضل ذو أمل ... كسير قلب فأجبر بالرجا خللي
وله من قصيدة ممتدحاً بها بعض مشايخ الاسلام في الدولة ومطلعها
جاءت تميس تثنى عطفها تيهاً ... لما بأسرارها تمت معانيها
وأظهرت عجباً لما لها حسدت ... قضب الربا وتزاهت في تجليها
تخشى المحاق على الأقمار إن سفرت ... وتكسف الشمس إن وافت تحاكيها
ريم رمت بفؤادي من لواحظها ... سهم المنية مذ وافى يحييها
стр. 738
وأثملتني لما أنها اتخذت ... تعاطي الكأس ممزوجاً بما فيها
كم عاقرت مغرماً فيه وكم فتنت ... خوداً وكم أسرت أسداً بناديها
رعبوبة من بني الأتراك غانية ... فلا يغرنك فيها قول شأنيها
بديعة الحسن إن أبدت غرائبه ... تسبي الأنام ولم يظهر تجنيها
لها احتكام عجيب في صناعتها ... تبدي التسلي وفرط الشوق يسليها
ومذ توهمت روض الخد مفتكراً ... فأثر الوهم من قلبي بخديها
وكنت أجني لورد الخد ملتمحاً ... فسابقتني سيوف اللحظ تحميها
وقاسمتني دوام الود قلت لها ... مواعد الغيد لم يبلغ أقاصيها
قالت سرى البدر مستعط فجدت له ... بحلة من جمال يكتسي فيها
فقلت كلا فما للبدر من شبه ... فبكى وإن قسته لم أوف تشبيها
البدر في كل شهر من لوازمه ... شحوبة ومحياك بنا فيها
قالت أتنسى لحاظاً قد فتنت بها ... وآية السحر منها علم تاليها
فقلت أنسى بلى في مدح من فخرت ... به المعالي وقد نالت أمانيها
بحر الفضائل من فيه لقد شرفت ... مراتب العز واستعلت بمفتيها
شيخ المشايخ والاسلام من شهرت ... علومه كذكاء في ترقيها
حدث بما شئت عن بادي مكارمه ... عجائب البحر لم يسطع تخفيها
آيات أفضاله كالمعجزات له ... ودر أبحاثه يهدي لقاريها
ما جال فكر ولا ورى لمشكلة ... إلا أرانا صباحاً من دياجيها
ما حل ناديه من أعيته حاجته ... إلا وهمته بالحال تقضيها
شمس الأفاضل بدر المجد من برزت ... نجوم جدواه تستدني موافيها
وامتدح الوزير الصدر علي باشا ابن الحكيم بقصيدة هي قوله
صبح السرور لليل الهم قد هزما ... وحارس السمع شيطان العد أرجما
وآية النور آيات الظلام محت ... وكوكب الرشد أبراج الهدى لزما
ودوحة السعد قام العندليب بها ... يشدو خطيباً على الأغصان مبتسما
والغيم يسكب حزناً درا دمعه ... والروض يضحك فرحاً معجباً برما
والقضب تختال من مر النسيم بها ... والنور يبدي لها من حتفه شمما
والبدر أشرق في الآفاق فاعتذرت ... له النعائم والأكليل قد هضما
والشمس ردت إلى الجوزاء بازغة ... والليث أنشب بالعذراء مصطلما
والظبي وافى وأوفى لي مواعده ... فصحت يا ليت قومي يعلمون بما
стр. 739
وزار حتى كأن الهجر أحرقه ... لم تلف وضعاً ولا بدا ولا رقما
وسرني عاتباً لما أسر بما ... أفشاه من شجن دمعي وما كتما
وساءني راحلاً يوم الوداع وما ... أمر يوماً به دمع المحب هما
وقال لي داعياً أنسيت مجتمعاً ... والغيد والروض والواشي قد انهزما
والكأس والراح والساقي يدير بها ... أم كان ذاك خيالاً مرام حلما
أجبت كلا ولكن عنوة صرفت ... خواطري عن غرام كان لي رغما
لذروة قصرت من دون رتبتها ... أيدي المعالي وصارت للعلا علما
وسدة شرفت لا بالوزارة بل ... قد شرفتها وذات للعلوم سما
أرومة المجد ينبوع الفخار له ... في كل فن بدا سبق حوت حكما
شمس الأفاضل قد قامت مكارمه ... تدعو الوفود فمن وافى لها غنما
بدر المحافل مأوى كل مكرمة ... نادت أياديه للعاني اتخذ نعما
صدر الأماثل درياق الهموم جلا ... عين البصيرة محيي المجد والكرما
ليث العرين قوي البأس همته ... لو صادمت لبناء دك وانهدما
تخاله جحفلاً إن سل صارمه ... يوم النزال على الأبطال أو حجما
ما رامه فارس في يوم معترك ... الا ورد على الأعقاب قد ندما
وما ألم يناديه ذوو أمل ... إلا السرور على آماله هجما
فبذله عسجد من غير مسألة ... وإن سألت غماماً واجتهدت فما
ابن الحكيم على القدر أنت فتى ... ملكت كل الورى بالبذل لا وغما
وسرت بالعدل سير البدر مع نفر ... هم الكواكب فاستوثق بهم ذمما
فأبشر فإن قلوب الفرس قد ملئت ... رعباً وسيفك جيش العجم قد قصما
وجاءك النصر والفتح المبين فلا ... تضيق ذرعاً ولا تحسبهم خصما
هم العوارك في الهيجا إذا برزوا ... وفي السلامة أعيار ترى شمما
هم الأراذل إن حلت بساحتهم ... أسواط بطشك ذابوا وأختشوا نقما
وإن يكن منهم أسد مروعة ... فعزة الملك فيكم والنبي حمى
منها
وهاكها من بنات الفكر غانية ... فريدة تخذت كل الورى خدما
بديعة لو رأى حسان طلعتها ... لقال من عجب من ذا الذي نظما
فاقت على الدر في النظم البديع ولم ... ترضى سواك لها كفوأ ولا رحما
نادتك جهراً ولم تلغي بما نطقت ... يا ابن الكرام ألا تدنو فتبصر ما
وأسلم مدى الدهر في سعد السعود على ... رغم الحسود وما ثغر الشجي بسما
стр. 740
ولا برحت رجاء للوفود ولا ... زالت أياديك تبدي للورى نعما
وله من قصيدة مطلعها
سلالي الصبا هل آذنت منهم عطفا ... وهل سحر أمرت وهل بلغت وصفا
وهل ظبي ذاك الحي عند مروره ... تبدي فأيدي من صبابته لهفا
أم أجتاز من وادي العقيق مودعا ... أم ازداد بعداً أم تدانى أم استخفى
وهل خيلت منهم شجوناً تدلها ... على كبد حراً ظواهرها تخفى
وهل شاهدت طرفاً سقيماً بحاجر ... محاجرة تبدي الغرام مع الأغفا
وهل أكثرت شكوى الفراق توجعا ... أم ابتسمت بالله أم أرخت السجفا
وقولاً لها تبدي حديث صبابتي ... لديها ونرجو أن تلين لنا عطفا
قضى الله لي بلوى الهيام بحبها ... وما كان مقضياً فلا بد أن يلفى
تحملني ما لا أطيق من الجوى ... ولست بصب من لواعجه أستعفى
وقد طالما قد كنت أرجو وعودها ... فتبعدني طوراً وطوراً أرى خلفا
اليها لقد أهوى عليل وشاجب ... ومحترض كل يروم بأن يشفى
فكم أثملت قبلي بخمر لحاظها ... أولى نسك شتى ولم تسقهم صرفا
شكا البدر منها مذ أماطت نقابها ... مفاخرة واسترهب السدف والخشفا
فيا ليت لا ألقى الجمال اكتماله ... عليها ولا أهدى اليها لها ظرفا
ولله ما ألقى إذا ما رأيتها ... تميس وقد مالت وأنكرت العرفا
وألقت بأحشائي لهيب صدودها ... وشدت وشاحيها ورددت الردفا
منها
وناجيت قلبي فوق طور اشتياقه ... سلواً فلم يبرح يمد لها كفا
بليل بهيم قد أمدت سدوله ... ستور من الظلماء حالكة سدفا
أراعي بجنحيه نجوماً ثوابتاً ... فطالعه صفا وغاربه صفا
كأني وإياها إذا ما وجدتها ... فقيد فؤاد ذاهل ترك الحقفا
وله مذيلا
إذا أسود جنح الليل فلتأت ولتكن ... خطاك خفافاً إن حراسنا أسدا
وإياك من قوم عليك صدورهم ... من الغيظ باتوا مضمرين لك الحقدا
ولا تأتني جهراً فإن رماتهم ... بذات الحمى والشيخ قد أحكموا الرصدا
ومن كان متبولاً بذات لواحظ ... مراض دعته أن يهان وأن يودي
فلا تبد سلواناً وإن أظهر الجوى ... خوافيك داري من عرفت ومن أردا
فمن سره تذليل صعب مرامه ... تحمل أثقال الغرام وما أكدى
стр. 741
ومن رام أن يلوي سواد بنانه ... على الجيد لا يخشى سناناً ولا حدا
وله غير ذلك وبالجملة فقد كان أديباً فاضلاً ولم أتحقق وفاته في أي سنة غير أنه في سنة ست وأربعين ومائة وألف كان موجوداً رحمه الله تعالى حكيم أو على الممدوح ولي على مصر مرتين وتولى الصدارة أيضاً وكان بعد عثمان وقبل إسماعيل وتصدر ثانياً وكان في هذه الدفعة سلفه أحمد فخلفه سيد حسن وولي الصدارة ثالثاً بعد باهر مصطفى وعزل في سنة ١١٦٨ وجاء مكانه نائلي عبد الله انتهى.
السيد عبد اللطيف الكيلاني
السيد عبد اللطيف بن فتح الله المعروف بالكيلاني الحنفي الحلبي نزيل قسطنطينية وأحد المدرسين بها وهو من أسباط بني الكيلاني المقيمين في حماه كان والده بحلب يتعاطى صنعة السراجه وهو أيضاً في أول أمره فلذلك اشتهر في بلدته بابن السراج السراج من يصنع السرج والسراجة ككتابه هي الحرفة وكان عبد الباقي شاعر الروم يتعانى حرفة السروج في مبدء أمره ثم أدركته حرفة الأدب ويحدثون عنه بنكات كانت تصدر عنه من ألطف ما يكون ومن أحسنها موقعاً ما اشتهر عنه إنه كان نظم قطعة من الشعر في غلام فلما سمع الغلام القطعة أعجبه ما فيها من التخيل وأقسم إنه يقبل رجله إذا رأه فاتفق إنه صادفه في بعض أسواق قسطنطينية وباقي راكب وجماعته في خدمته فدخل الغلام وأراد أن يقبل رجله فمنعه من ذلك وقال ما حملك على هذا الك حاجة فقال لا وأخبره باليمين الذي حلفه فقال له أنا نظمت الشعر بفمي ولم أنظمه برجلي وقالها أبو بكر العمري في ديوانه وقد نظمها أبياتاً فقال قال لما وصفته ببديع الحسن ظبي خل عن وصف مثلي مكن العبد أن يقبل رجلاً لك كيما يجيز فضلاً بفضل قلت انصف فدتك روحي فإني بفمي قد نظمته لا برجلي وقريب من هذا قول الصاحب ابن عباد وشادن جماله تقصر عنه صفتي أهوى لتقبيل يدي فقلت لا بل شفتي انتهى قرأ على الشيخ طه الجبريني والشيخ علي الدباغ ثم إنه قدم إلى الروم في دعوى استحقاق والدته في وقف بني الكيلاني ثم أخذ تولية الوقف ببراءة عسكرية ثم رأى لها قيداً في محاسبة الحرمين فنقل البراءة العسكرية إلى الحرمين ثم ساعدته المقادير فعمل عليها في زمان السلطان الأعظم محمود خان خطاً شريفاً ثم في أثناء قدومه خدم شيخ الاسلام المولى مصطفى المعروف بالدري قبل أن يصير قاضياً بالعساكر بأناطولي في مقابلة الكتب وهو الذي ساعده في عمل الخط الشريف ولازم منه لما تولى افتاء الدولة شيخ الاسلام المولى عبد الله وصاف المعروف بالإيراني وكان مميزه الشيخ إبراهيم الحلبي دخل إلي لأمتحان برجاء الدري المذكور وبمعرفة الحلبي وسلك طريق
стр. 742
المدرسين والموالي وقطن قسطنطينية واستقام بها وتنقل بالمدارس على قاعدتهم ولما توفي كان في موصلة السليمانية المتعارفة بينهم وكان يتعاطى بيع الكتب وصنعة الصحافة في مدة اقامته وله فضيلة بالعلوم ومعرفة ولما ارتحل إلى الروم الفاضل سليمان المحاسني الدمشقي خطيب الأموي وإمامه دعاه إلى المبيت بداره ثمة المترجم فامتدحه بقوله
ألا يا دار حيتك الفوادي ... بكل كرامة في طول عمر
ودام وجودك يسمو بمولى ... كريم الطبع ذو شرف وفخر
هو المفضال من كيلان يغدو ... بكل مزية في طيب بشر
لطيف الطبع دام بكل مجد ... على أمد الدهور ليوم حشر
وكانت وفاته بقسطنطينية في شعبان سنة احدى وتسعين ومائة وألف ودفن بالتربة المعروفة بمحمود باشا رحمه الله تعالى.
عبد اللطيف العمري
عبد اللطيف بن محمد بن محمد بن أحمد العمري الشهير بابن عبد الهادي الشافعي الدمشقي القادري الخلوتي الشيخ الصالح الدين المعتقد الفالح التقي النقي كان من المشايخ المعتقدين مبجلاً محترماً عند الناس وموسوماً بالصلاح والديانة ولما توفي شيخ الخلوتية بدمشق الشيخ عبد الوهاب الغراوي الغميان ترك ولداً يسمى الشيخ محمد ويلقب بالملك عرضت المشيخة على صاحب الترجمة فلم يقبلها لوجود ولده ثم بعد مضي ستة أشهر توفي الشيخ محمد ولده فعرضت ثانياً على المترجم فأبى عنها فألزمه جمع غفير من العلماء والمشايخ الخلوتية السابقين وحج إلى بيت الله الحرام وكانت وفاته في سنة أربع وستين ومائة وألف عن نيف وسبعين سنة ودفن بتربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى.
عبد اللطيف الأدلبي
عبد اللطيف الحنفي الأدلبي الكاتب العارف بصنعة الرمل مولده تقريباً بعد العشرين من هذا القرن في أدلب الصغرى ونشأ بها ورحل إلى طرابلس الشام قدم حلب سنة خمس وخمسين ومائة وألف وقرأ على فضلائها منهم الشيخ طه الجبريني والسيد علي العطار وغيرهما وكان يكتسب بالرمل لضعف حاله وله فيه معرفة تامة وشوهد له فيه أمور عجيبة منها إنه كان له انتساب ومحبة مع ابن الخنكارلي أحد أعيان حلب وكان المذكور مع مخدومه الوزير عبد الله باشا بجزيرة قبرس
стр. 743
وصاحب الترجمة أراد أن يسبر قال م ح السبر من باب قتل وفي لغة من باب ضرب تقول سبرت القوم تاء ملتهم واحداً بعد واحد لتعرف عددهم والسبر بالتركي يوفلامق انتهى من القواعد كيفية حال المذكور فظهر له إن محلاً بمنزله في الجزيرة المذكورة متهدم وإنه يسقط وإن المحل مرتفع فحرر مكتوباً إلى المذكور وأخبره إن في منزلك محلاً عالياً صفته كذا لا تدخل إليه فلما وصل الكتاب امتنع ابن الخنكارلي المذكور من الدخول لذلك المكان لما يعلم من معرفة صاحب الترجمة فما مضى مدة يسيرة من الزمان إلا وسقط المحل ولم يصب ضرره لأحد من أهل المنزل وله من هذا القبيل أشياء كثيرة وكان قوي الحافظة يحفظ متن القدوري وأكثر شرح المنية وغير ذلك ولما أجدى حالة ترك معاناة الرمل واشتغل بحفظ شفاء القاضي عياض فلما أشرف على إكمال هذا الكتاب دعاه داعي المنية فأجاب ولم يتيسر له الاتمام غير أنه فاز بحسن الختام وله نظم فمنه قوله مشطراً موجهاً في صنعته
وشقائق قالت لنا بين الريا ... يا من له في الاتصال مرام
منا طريق الاجتماع فإن ترد ... دع وجنة المحبوب فهي ضرام
هل أنبتت قبل العوارض مثلنا ... نبتاً بحمرة شكله المام
أم هل يضاهينا النقي بحده ... قلت اسكتوا لا يسمع النمام
وشطرهما الشيخ علي الميقاني الحلبي فقال
وشقائق قالت لنا بين الربا ... وبنا إلى ورد الخدود غرام
والميل يحدث للنظائر غيرة ... دع وجنة المحبوب فهي ضرام
هل أنبتت قبل العوارض مثلنا ... نبتاً له عند الملوك مقام
ويماثل التعمان آس عذارها ... قلت اسكتوا لا يسمع النمام
وشطرهما الشيخ أحمد الحلوي الحلبي فقال
وشقائق قالت لنا بين الربا ... لما زها نوارها البسام
إن كنت من أهل المعارف والذكا ... دع وجنة المحبوب فهي ضرام
هل أنبتت قبل العوارض مثلنا ... نور أنحار بنوره الافهام
أم صبغها أضحى يحاكي صبغنا ... قلت اسكتوا ألا يسمع النمام
وكانت وفاته في سنة اثنين وستين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
عبد المحسن الأسكداري
عبد المحسن بن السيد محمد بن السيد أسعد أفندي الأسكداري المدني الحنفي الشيخ الفاضل العالم الكامل ولد بالمدينة سنة ثمان وعشرين ومائة وألف
стр. 744
ونشأ بها وطلب العلم فأخذ عن الشيخ محمد حياه السندي والعلامة محمد بن الطيب المغربي الفاسي ومحمد أفندي أبي الخير الشرواني وعلي أفندي الخطاط وغيرهم وأخذ أيضاً عن الشيخ زين الدين مصطفى بن محمد الأيوبي الرحمتي وتولى افتاء المدينة المنورة بعد عمه السيد عبد الله نحواً من ثلاثين سنة وكان فاضلاً وجيهاً ذا عقل وفطنة حسن المحاضرة لطيف النكتة والنادرة وكانت وفاته في تاسع عشري محرم الحرام افتتاح سنه ثلاث وثمانين ومائة وألف رحمه الله تعالى وإيانا.
عبد المعطي الفلاقنسي
عبد المعطي ابن السيد محمد ابن السيد محمود الفلاقنسي الأصل الدمشقي المولد تقدم ذكر والد ابن عمه أحمد وكان هذا أحد رؤساء دمشق المشهورين بحسن الرأي والتدبير وأعيان كتابها وأجل ذوي الأقلام الدفترية صدراً معتبراً موقراً ذا حشمة وأبهة ولد بدمشق في حدود الخمسين وألف وترقى في المناصب الدفترية وغيرها وصار محاسبجياً مرامي محاسبه جي بالخزينة الميرية بدمشق وتولى نظارات كثيرة في أوقاف الحرمين والمصريين وولي عثامنة كثيرة وكان له تعلقات وأوقاف وتجارات وأملاك واقطاعات وغير ذلك شيء كثير وكانت داره أحسن دار بدمشق وكان من أفراد الزمان المترفهين بالنعم والتخول بحيث إن الذي يوجد عنده من المأكولات والملبوسات ونحوها لم يوجد عند غيره وآلات السماع وألحان الغناء دائماً تضرب عنده وفي مجلسه وأتقن آلات الأحتشام واظهار النعم من كل حيثية وكان ذا عقل ورأي وتدبير مع أدب وكمال وتأني وتربص في الأمور وحسن اعتقاد على المشايخ والصلحاء والسادة ولا يسفه أحداً أصلاً ولا يجهر في غيظه على أحد ولا يتطاول بل تكلمه في حالة الغضب كحالة الرضى ولم يكن أحد في وقته مثله من أهل الثروة والاتقان في تدبير المنزل خصوصاً لما كان أمين كيلار الحج فأتى بما لم يسبق إليه وتولى تولية الجامع الأموي أصالة ووكالة وكان متوليه في الروم رجل مغربي معتقد صاحب الدولة الوزير الأعظم اسمه الشيخ مسعود تارة يوكل المترجم وتارة غيره وتولاه المترجم أصالة أيضاً واجتهد في تعميره وتنظيمه وفي سنة اثنتي عشرة ومائة وألف بنى الحمام بالقرب من الجامع الأموي المعروف بحمام الذهبية مصر منصوره سنده دخى حمام الذهب واردر وصرف عليه من ماله مبلغ تعميره وأضافه لأقلام الجامع المذكور بعد اقتطاع ما صرفه عليه وكان قبل ذلك سوقاً لدق ذهب الطواقي والطشاطي قال م ح لعلها شيء يشبه الطست كانت تلبسها النساء وقد حرفتها العوام وقالوا طشطيه والطست معرب تشت انتهى التي كانت تلبسها النساء في ذلك الزمان بدمشق ثم بطل هذا الزي في سنة سبع ومائة وألف وفي آخر أمر المترجم حصل له داء في رأسه كان يغيب عنه درجة ويعود
стр. 745
إليه وكان يتكرر ذلك عليه كثيراً حتى أنحله ونغض عليه عيشه الرغيد وبقي فيه مقدار خمسة عشر سنة وصرف على دفعه وعلاجه مالاً كثيراً وعالجه خلق كثير من حكماء الأشباح والأرواح فلم يفده شيئاً إلى أن مات حتى أخبرت أنه كان مرة جاساً في قصره والآلات تضرب والخدم وقوف لديه والناس وفود إليه وهو في نعمه متخول وعلى سرير جاهه وعزه مترنح وبسربال السعود مكتسي إذ عاد إليه الداء المذكور فعاد لأنينه وتأوهه وحنينه وشكواه وتوجعه فرأى وهو في هذه الحالة تحت القصر رجلاً زبالاً وبجانبه رفيق له وهما يتحادثان بما فعلا من الأكل وغيره ويحمدان حالهما وهما منشرحان يترنمان بذلك ويكرران الحديث ويختالان في صحتهما وعافيتهما مع انهما في هيئة رثة وفقر زائد فتعجب من صنع الآله جل شأنه ثم إنه استعذب ذلك منهما فأمر أحد خدامه باحضارهما إليه فلما حضرا لديه قال لهما أخبراني بما كنتما تتحادثان به الساعة فسكتا فكرر السؤال عليهما فقالا قلنا كذا وكذا فقال لبعض أتباعه ادفع لهما كذا وكذا من الدراهم فصرفهما بالاكرام ثم قال والله إني لأتمنى أن أكون مثلهما في حالتهما هذه ولا أكون في هذا التخول والثروة مع هذا الداء فلله الحكم الباهرة والأحكام القاهرة لا إله إلا هو وكانت وفاة المترجم في يوم الأحد الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة اثنين وعشرين ومائة وألف ودفن بتربة الشيخ أرسلان ﵁ ورحمه الله تعالى.
عبد المعطي الخليلي
عبد المعطي ابن محيي الدين الشافعي الخليلي الأصل والوطن القدسي المأوى والسكن رحل من بلدة الخليلي للجامع الأزهر فجد ودأب وسهر الدياجي ولازم كل همام علامة وباحث وناظر أقرانه وتضلع من مذهب الامام الشافعي ﵁ وأخذ من العلوم التفسيرية والحديثية والفقهية وشيوخه الذين أخذ عنهم منهم الشيخ يونس الدمرداشي الأزهري ومنهم الشيخ عبد الرؤف البشبيشي وهما من علماء الشافعية ومنهم العلامة الشيخ أحمد النفراوي الأزهري من المالكية ومنهم الشيخ أحمد الخليفي الشافعي والعلامة الشيخ أحمد ابن محمد الملقب بالفقيه الشافعي والشيخ إبراهيم الفرضي الدلجي ومنهم الشيخ محمد الكاملي الشافعي الدمشقي المدرس بجامع بني أمية وأخذ الاجازة من محدث البلاد الحجازية الشيخ محمد عقيلة المكي وأجازه بثبته المشهور ومنهم الشيخ محمد الخليلي القدسي وما انفك يستفيد ويستزيد حتى ظفر بالطارف والتليد واستجاز شيوخه فأجازوه بمروياتهم وكانت له متانة في الفروع الفقهية شديد المحاضرة على سرد مسائلها البهية تولى افتاء الشافعية بالقدس أكثر
стр. 746
من خمسة وعشرين سنة بلا طلب بل ألزمه فيها شيخه الخليلي المتقدم وأهل القدس لحسن اطلاعه على فروع المذهب وله فتاوي في مجلد حسنة مجموعة محبوكة مستحسنة فأقلامه تنثر جواهر الدرر ويراعه يجري بلطائف الغرر وله رسائل كلها منتخبة فوائدها ظرائف مستعذبه منها رسالة كبيرة في سيدنا موسى الكليم ﵇ وله نظم متوسط فمنه قصيدة أنشدها حين توجه مع جملة من الفضلاء صحبة الشيخ محمد الخليلي إلى زيارة سيدنا موسى ﵇ وأخذوا كتاب الامام مسلم وقرأوه هناك.
وهي قوله
هلموا بنا يا سادة الوقت والعصر ... إلى سفح غور القدس من شرقه نسري
نشاهد أسراراً وروحاً وراحة ... ونزداد خيراً من حمى عالي القدر
فليس لنا من دهرنا وزماننا ... ليالي وصل دون قطع ولا هجر
سوى مدة في روضة مستطابة ... عليها جلال رائق في ربا الزهر
فهي لكليم الله نوراً وهيبة ... وأمناً وأنواراً تلوح مع الفجر
فكم نالنا من فضله وكماله ... لطائف أسرار تجل عن الحصر
لقد كان من فوق السموات راحماً ... لأمة خير الخلق طه النبي الطهر
فكان رسول الله ليلة أن سرى ... إلى ربه ذي العرش والعز والنصر
يناجيه في أمر الفريضة يالها ... مناجاة محبوب بلطف مع البشر
فناداه بالخمسين قد صار أمرنا ... على الخلق فأمضى يا رسول ذوي القدر
فجاء إلى موسى بن عمران مسرعاً ... وأخبره بالفرض من عالم الأمر
فقال له ارجع يا حبيباً مجيباً ... وسل ربك التخفيف يا مخجل البدر
فإني بلوت الخلق يا خير مرسل ... بما فرض الله الكريم من الذكر
فما صبروا بل بدلوه وغيروا ... فباؤا بآثام من الله والوزر
وامتك الغر الكرام ضعيفة ... تقصر في الخمسين من شدة الأصر
إلى آخرها وهي طويلة وكان ديدنه التقشف في الملبس والتخشن في المأكل عما عليه الناس من حب التزين مهاباً صادعاً بالحق طارحاً للتكليف لم تتعلق نفسه بدر ولا صدف منزوياً عن حكام السياسة مغتنماً لأوقاته له حظ وافر من قيام الليل لا يتركه وكان مقيماً في المسجد الأقصى ليلاً ونهاراً وهو من الذين هم عن اللغو معرضون وكانت وفاته في سنة أربع وخمسين ومائة وألف وقد جاوز السبعين
стр. 747
ودفن بمقبرة باب الرحمة بقرب الصحابي سيدنا شداد بن أوس الأنصاري ﵁.
عبد المعطي بن معتوق
عبد المعطي بن معتوق الحلبي البيري نسبة إلى بيرة الفرات الحنفي الصالح الورع كان صاحب ثروة ثم قعد به حاله فاشتغل بالنسخ وتجويد الخط فكان له الخط الحسن أخذ ذلك بدمشق عن الرجل الصالح الشيخ محمد العمري الدمشقي المشهور وعاد لحلب وانتفع في الخط به الكثير وكان شكلاً حسناً وله المنادمة العجيبة والمطارحة الغريبة مع الصلاح والتقوى والتخلي للعبادة وكان له في يديه ورجليه أصابع زائدة قطع بعضها وهذه الزيادة في الأصابع استمرت في عقبه أيضاً وكان يكتب عن نفسه الشهير بالتي برمق ومعناها بالعربية ست أصابع وكانت له الحظوة عند الولاة فمن دونهم توفي رحمه الله تعالى ونفعنا به بداره الكائنة بمحلة الجلوم ثامن عشر ربيع الثاني يوم الأربعاء سنة أربع وسبعين ومائة وألف ودفن خارج باب قنسرين في التربة التي فيها مزار الولي المشهور غفير حلب الشيخ عبد الرزاق أبي نمير بعدما صلى عليه بالجامع الأموي وكانت له جنازة حافلة وأصابها المطر الغزير رحمه الله تعالى وإيانا آمين.
السيد عبد المعطي الدمشقي
السيد عبد المعطي الحنفي الدمشقي نزيل قسطنطينية وأحد المدرسين بها ولد بدمشق وظهر بها ودخل سلك العلماء والأفاضل ثم ارتحل إلى الروم ووصل إلى قسطنطينية ولازم من علمائها وللتدريس صار عازماً وتنقل كجاري عادتهم بدور المدارس فلما انفصل عن أربعين عثماني وكان ابتداء الأحداث في رجب سنة ست ومائة وألف أعطى مدرسة ذي الفقار ورؤي لأنقالها وفي سنة اثنتي عشر ومائة وألف في شوال صار مكان أحد المدرسين المولى السيد محمد وتحركت رتبته إلى مدرسة اينجه قره وفي سنة ست عشرة ومائة وألف في ربيع الآخر صار مكان كواكبي زاده المولى أحمد بمدرسة طوطئ لطف وفي سنة ثمان عشرة ومائة وألف في ربيع الأول التاسع منه يوم الأحد توفي إلى رحمة الله تعالى في قسطنطينية وعن محلوله وجهت المدرسة المرقومة إلى شعبان زاده المولى محمد عازم وكان المترجم له في العلوم والمعارف خصوصاً بفن التحريرات والصكوك وكان مشتغلاً بكتابة القسمة العسكرية بالمحكمة رحمه الله تعالى.
стр. 748
عبد الملك العصامي
عبد الملك بن حسين بن عبد الملك الشافعي المكي الشهير بالعصامي الشيخ الفاضل الأديب العالم الفهامة الشاعر الناظم الناثر ولد بمكة سنة تسع وأربعين ومائة وألف ونشأ بها واشتغل بفنون العلوم وبحث عن منطوقها والمفهوم وله شعر لطيف منه قوله مادحاً الشريف بركات أمير مكة بقصيدة مطلعها
سعدت بيمنك والسعود المقبل ... وانجاب عنها النحس بالحظ الجلي
وتتابعت أيدي السرور ترادف ال ... اقبال بالبشرى لكل مؤمل
وأطاع أمر الله ما تختاره ... وبذروة فلك السماء المعتلي
لأبي زهير مليكنا بركات را ... عيها مملكها الشريف الأفضل
وهي طويلة جداً وألف صاحب الترجمة تاريخاً في أبناء عصره وكان فاضلاً نبيهاً ذا مشاركة في العلوم ومعرفة بالأدب والشعر تامة وله انشاء لطيف وجد واجتهد وتسدر للتدريس في المسجد الحرام مدة عمره وكانت وفاته سنة احدى عشر ومائة وألف ودفن بمكة رحمه الله تعالى.
عبد المنان الخماش
عبد المنان بن محيي الدين الخماش الخماش الخداش وزناً ومعنا الحنفي النابلسي أحد الأفاضل الأتقياء ولد بعد السبعين وألف وقزاً القرآن على والده وتفقه على الشيخ أبي بكر ورحل للقدس هو والشيخ عبد الفتاح التميمي وقرأ على الشيخ السيد عبد الرحيم اللطفي القدسي عالم تلك الديار وفقيهها والشيخ محمد السروري القدسي وبلغ الغاية في الفقه والنحوي والعروض ومع ذلك لم يتفق له نظم بيت واحد وشهد له بالفضل جملة أفاضل حتى قال التميمي سبقني عبد المنان بمراحل وكانت وفاته في يوم الجمعة عاشر محرم بعد صلاة الصبح ونيته صوم ذلك اليوم وهو ممتع بحواسه سنة سبع عشرة ومائة وألف رحمه الله تعالى.
السيد عبد المنعم ابن الأشرف
السيد عبد المنعم بن خضر السيد المعروف بابن الأشرف الحنفي الحمصي هو من بيت بحمص مشهورين بصحة النسب والحسب ولد بحمص ونشأ بها وارتحل إلى مصر القاهرة وأخذ بها عن علمائها الفحول كالعلامة المشهور السيد علي الضرير وتلمذ
стр. 749
له وغيره ثم ارتحل إلى دار الخلافة اسلامبول في الروم وكان إذ ذاك وزير الدولة الوزير الشهير علي باشا المعروف بابن الحكيم فأهدى إليه المترجم شرحه الذي ألفه على بدء الأمالي وقابله باكرامه وجدواه وصارت له من شيخ الاسلام إذ ذاك رتبة مع تدريس الأشرفية في حلب وأعطى افتاء طرابلس الشام إلى أن مات وكان من العلماء المحققين الأفاضل له يد في غالب العلوم والفنون عالماً فاضلاً متقناً وكانت وفاته في طرابلس الشام تقريباً في حدود الستين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
عبد المولى السيري
عبد المولى المعروف بالسيري الشافعي الأشعري الطرابلسي مفتي الشافعية بطرابلس كانت له يد في العلوم لا سيما في الطبيعيات والنجوم حتى قيل إنه وصل بمعارفه عند توسط كيوان إلى استحالة بعض العناصر إلى بعض وإلى تقاويم عند أخذ العرض تنبى عن استخراج مجهولات وكان له قدم ثابت في ارصاد الثوابت كما إن له باعاً طويلاً فيما إليه يميل وكانت وفاته في سنة ست وثلاثين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
عبد النبي النابلسي
عبد النبي النابلسي الأديب الشاعر البليغ أحد الأذكياء كان له معرفة تامة في التاريخ والأدب وحفظ زائد في أنساب العرب وله ديوان في الشعر الفائق والنثر الرائق وكان ممن تقمص بجلباب الآداب وخاط من المعاني برود اضافية واجتنى زهرات المعارف من رياض الكمالات ومن شعره قوله يمدح صالح باشا النابلسي ابن طوقان حاكم بعلبك ويذكر واقعته فيها ومطلعها
لسعدك اقبال له العز يخدم ... لذا بعلبك لم تزل تتبسم
بدا منك حلم مثل حلم ابن مريم ... فمن كان ذا فقر علاه التنعم
عدلت فكل المترفين تظاهروا ... على من بغى بالجور والشر أبرموا
نووا فتنة خابو بقلة عقلهم ... وقد أظهروا العصيان والنار أضرموا
ومذ جاءهم عكس وظنو بجهلهم ... كظن الزرازير الذين توهموا
أرادوا فساداً للعباد بظنهم ... فأوقعهم في العكس كي يتصرموا
وقد مكروا مكراً فحاق بجمعهم ... ومزقهم ربي وما شاء يحكم
وكم من ليال بالسرور لهم مضت ... وأطغاهم الشيطان حتى تظلموا
وشاهدت فيهم من يقول بجهله ... أيا عصبتي إني على الموت أقدم
وما منهم إلا الغرور أغره ... إذا ما رأى عضباً يولي ويهزم
стр. 750
فمن جهلهم راموا الحساب فنوقشوا ... ومذ عاينوا حد الحساب تندموا
فوالله ما أدري جنون أصابهم ... أم أعمارهم قدر أم أبليس يصرم
إذا بعلبك قد تعدى سفيهها ... فصالح هذا العصر للظلم يهدم
همام له مجد تسامى بذكره ... وحكم بانصاف إذا رام يحكم
تطوق بالفخر الجميل تطوقاً ... وطوق بالأصفاد من كان يظلم
فمن أين في مصر كمثل جنابه ... عفو حليم راحم يترحم
حقيق ولاة الأمر من رام خلفها ... فهيهات من حد المهند يسلم
فيا أهل بعل ما رعيتم لنعمة ... وأظهرتم الطغيان لما عصيتمو
بغيتم فجوزيتم وأضحى شقيكم ... على الأرض ملقى والنوادب تلطم
فهذا جزا من كان في طيب نعمة ... ولم يرعها بالشكر لا بد يندم
فهل دبب الأطلال تقهر قسوراً ... وقط الفلا غاب الغضنفر يهجم
فهذا الذي قد صار منكم جهالة ... عصيتم ولي الأمر لم لا أطعتم
أما عندكم علم بشدة بأسه ... وعن قتله العربان لم لا سألتم
فوقعتهم قد شاع في الكون ذكرها ... وقصتهم في الناس تروى وتفهم
أيا وقعة قد صال فيها على العدا ... رأينا روس القوم للأرض ترجم
ولما رأى العربان فتك حسامه ... فولوا حيارى والهزيمة مغنم
ولما انتهى من حربهم وقتالهم ... وكان الذي قد كان منه ومنهم
بنى في فلسطين الرؤس صوامعاً ... فهل هذه الأخبار ضلت عليكم
ففي كل أرض قد تناقل ذكرها ... وكم شاعر أضحى بها يترنم
إذا العرب قد ذلت وماتت بحسرة ... فمن أنتم حتى على الشر تعزموا
وتعصوا ولي الأمر عمداً بجهلكم ... ولم تدروا إن البغي للمرء يقصم
فيا أهل بعل لا تلوموا لصالح ... وأنفسكم لوموا على ما فعلتم
وتوبوا إلى الله الكريم وخالفوا ... هوى النفس إن رمتم من القتل تسلموا
أيا واحداً في العصر كلم لمن بغى ... وعند سواه في الحقيقة مرهم
فإن جميل الحلم في البعض ضائع ... ومن كان ذا جهل له البطش أقدم
فدم سالماً صدراً كريماً مؤيداً ... وضدك في نحس وللنحس أنجم
ولم يصلني من شعره سوى هذه القصيدة وكان حج ففي العود حصلت له الغرقة المشهورة في زمن الوزير سليمان باشا العظم والي الشام وأمير الحاج للحجاج وذلك في سنة أربع وخمسين ومائة وألف فغرق المترجم مع من غرق بما معه من كتب
стр. 751
وأسباب ومات رحمه الله تعالى إن المؤرخ اتبع غلط العوام وعبر عن الأثواب بأسباب.
عبد الهادي الحمصي
عبد الهادي الحمصي كان من المباركين المتغفلين وأحد المجاذيب أصحاب الكرامات المعتقدين اجتمعت به حين ذهبت للديار الرومية بدار مفتي حمص الفاضل الشيخ عبد الحميد السباعي فرأيته من المغفلين الصلحاء وأخبرني عنه المزبور باشياً وكرامات وكان بحمص معتقد أو أخبرني من أثق به من أهالي دمشق بكرامة ظهرت من المترجم معه مشاهدة بالعيان وكان يسمى حاله الشيخ أحمد وبالجملة فقد كان من الأخيار وكانت وفاته في رجب سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف ودفن بتربة الشيخ سليمان أخبرني المفتي المذكور وغيره من أهالي حمص إنه حين وفاته ظهرت له كرامة عجيبة وهي إن الذين كانوا في جنازته وكانت حافلة أرادوا دفنه في مكان معين فلما وصلوا إلى المحل وأرادوا عطف جنازته وقيامها لم يكن قيام النعش وتزاحمت الأيدي على ذلك فلم يفد فلما أرادوا أخذه إلى مكان آخر وهو تربة الشيخ سليمان وكان قبر أخيه الشيخ حسن هناك سارت معهم الجنازة إلى أن وصل إلى عند قبر أخيه ووقف النعش هناك ودفن ثمة رحمه الله تعالى.
عبد الهادي المصري
عبد الهادي المصري نزيل حلب كان من العلماء العاملين والورعين الزهاد مهذباً فاضلاً تقياً صالحاً قدم لحلب واستوطنها وتأهل بها وصار مدرساً بالدروس الحديثية بالمدرسة الأحمدية وأقرأ بها الشفا للقاضي عياض وفي النحو وفي العقائد وفي العربية وفي غير ذلك وانتفع به واشتهر فضله وعلمه ولم تطل مدته بها ومات ولم أتحقق وفاته في أي سنة كانت رحمة الله تعالى.
عبد الوهاب السواري
عبد الوهاب بن مصطفى بن مصطفى السيد الشريف الدمشقي الشافعي المعروف بابن سوار الشيخ الفاضل الصالح البارع بقية السلف بركة الخلف شيخ المحيا الشريف النبوي بعد والده ولد بدمشق ونشأ بها وأخذ عن جملة من العلماء كالشمس محمد بن عبد الرحمن الغزي العامري والعماد إسمعيل بن محمد الجراحي العجلوني والشيخ محمد بن خليل العجلوني وبرع وفضل ولما توفي والده صار مكانه شخاً على سجادة المحيا الشريف بالمشهد الشرقي من الجامع الأموي وفي جامع البزوري وكانت وفاته غرة جمادي الثانية سنة ست وثمانين ومائة وألف.
стр. 752
عبد الوهاب العكري
عبد الوهاب بن عبد الحي بن أحمد بن محمد المعروف بابن العماد العكري الحنفي الصالحي الدمشقي الشيخ الفاضل المتفوق المحصل كان خطاطاً كاتباً فرضياً مورقاً مجداً بارعاً فهماً ولد بدمشق تقريباً بعد الستين وألف وبها نشأ وقرأ على علماء عصره ومهر وكان حنبلياً فتحنف هو وأخوه الشيخ محمد وكان والده من العلماء المشاهير له من التصانيف شرحه على متن المنتهى في فقه الحنابلة وله التاريخ الذي صنفه وسماه شذرات الذهب في أخبار من قد ذهب وله غير ذلك من رسائل وتحريرات وانتفع به كثير من أبناء عصره وكان أغزر الأفاضل احاطة بالآثار وأجودهم مساجلة وتوفي في ذي الحجة سنة تسع وثمانين وألف وذلك في مكة ودفن بالمعلاة لكونه كان حاجاً في تلك السنة وولده المترجم تفوق ولزم الكتابة أولاً في محكمة الصالحية ثم في محكمة الميدان ثم في المحكمة الكبرى وتولى المدرسة دار الحديث الأشرفية بصالحية دمشق وكذلك المدرسة الضيائية بها أيضاً وكانت عليه بعض وظائف ودرس وأفاد ولزمه الطلبة وأخبرت أن له شرحاً على الأحاديث الأربعين النووية وبالجملة فقد كان من الأفاضل المعلومين.
عبد الوهاب الغميان
عبد الوهاب بن خليل بن سليمان الدمشقي الشافعي الشهير بالغميان الشيخ الصالح المعمر البركة الدين الخير الصوفي ولد بدمشق في محرم سنة ثلاث وثمانين وألف وأخذ عن أفاضلها وأخذ الطريقة الخلوتية عن الشيخ الصالح محمد الغراوي الدمشقي ولما توفي شيخه المذكور جلس مكانه على سجادة المشيخة وأخذ عن صاحب الترجمة الطريقة المزبورة الشيخ عبد اللطيف بن محمد العمري الشهير بابن عبد الهادي وتخلف بعده على السجادة وكانت وفاته في محرم سنة اثنين وستين ومائة وألف رحمه الله تعالى ودفن في مرج الدحداح.
عبد الوهاب العفيفي
عبد الوهاب بن عبد السلام بن أحمد بن حجازي بن عبد القادر بن أبي العباس ابن مدين ابن أبي العباس بن عبد القادر بن مدين بن محمد بن عمر المرزوقي المصري الشافعي الشهير بالعفيفي الشيخ القطب الكامل الولي الصوفي المحقق العارف أخذ عن أحمد بن مصطفى الأسكندري الشهير بالصباغ وسالم بن أحمد النفراوي وأخذ الطريقة
стр. 753
الشاذلية عن سيدي محمد التهامي رآه العلامة عيسى البراوي في عرفات حين حج مع أنه لم يخرج من مصر وله غير ذلك من الكرامات التي لا تعدو كانت وفاته سنة اثنين وسبعين ومائة وألف ودفن بتربة المجاورين وقبره يقصد للزيارات لقضاء الحاجات رحمه الله تعالى.
عبد الوهاب الدمشقي
عبد الوهاب بن مصطفى بن إبراهيم بن محمد الحنفي الدمشقي نزيل قسطنطينية الشيخ الفاضل الماهر الأديب البارع كان له مهارة بالعلوم وألف رسائل كثيرة وكانت له مداعبة ومجون مع حدة اللسان وهو من تلاميذ وأتباع الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي فلذلك كان مشتهراً بتلميذ الشيخ عبد الغني وكانت استقامته في اسلامبول في مدرسة الوزير علي باشا المعروف بالجورلي وكانت أبناء دمشق وغيرها تجتمع عنده على مذاكرة ومداعبة ورأيت له من النظم أبياتاً أجاب بها الفاضل الأديب السيد محمد العطار الدمشقي عن لغز نظمه وأرسله إلى العلامة الشيخ إبراهيم الحلبي والأبيات قوله
أيا فاضلاً حاز البراعة بالقلب ... وصاغ فنوناً في البلاغة كالقلب
وفاق بنظم الشعر سحبان وائل ... وقس أياد في القريض على القرب
نظمت عقود الدر في سمط رقة ... وقلدتها جيد الخرائد من عرب
ولا عجب إذ أنت في الفضل سيد ... كجدك ذي التحقيق في الشرق والغرب
أتيت بلاد الروم ضيفاً وطارقاً ... من الشام من أرض مقدسة الترب
تروم لنيل العز من دولة علت ... برفع منار العلم والشرع كالشهب
أدام لها المولى نظام كمالها ... وأيد سلطاناً بها مصطفى ربي
سألت عن اسم قد لغزت حروفه ... ثلاثاً تروم الجبر للكسر في القلب
وعن مشكل لا يهتدي لمثاله ... أولوا اللب في فن الحساب وفي الطب
ورابعها تربح بتصحيف ما بقي ... وصفها لباقيه تراح من الكرب
وأوله حرف بأحمد عدة ... وطه رسول الله في الحمد قد نبي
وثانيه باسم الله ﷻ ... تقدس رحمانا تبارك من رب
وتصحيفه زاد الوحوش بحبه ... ومطبوخه للناس في سورة اللهب
وأيضاً فمال في الوصية قد أتى ... بقرآننا السامي على سائر الكتب
ومعنى حديث للنبي كما به ... سرور وبشرى إذ مضارعه ينبي
وأوله أخربه الشمس تنزوي ... وخنسها أيضاً تسير كما السحب
стр. 754
فهذا جواب عن سؤالك ناطقاً ... بملغزك المرموز من غير ما عجب
أجابك شامي كمحتدك السني ... ثوى في بلاد الروم من سائر الحقب
أقام بها سبعاً وعشرين حجة ... فصار كأهليها يعد من العرب
ويدعى بعبد للآله الذي له ... نهاية اكرام وذي الجود والوهب
لعبد الغني السامي لنسبة خدمة ... ونابلسي الأصل ينعت في القطب
فما اسم ثلاثي تراه بما مضى ... وقلب له لا يستقر من الحب
يهيم به كل امرء لنواله ... ويكدح في مرآه في طلب الكسب
وأوله ذل الهوان وذيله ... بجد وكد في لقاه وفي كرب
وتصحيفه عطر يفوح شميمه ... بمسك وطب يقتنيه ذوو الطب
وعين من الأعيان يرعاه طلسم ... وجسم له عار يعار بلا ثوب
وتقميصه لا زال في كسوة له ... وتلقاه في أعلى المنازل والترب
أجب عنه يا خلي لتحظى بنيله ... من الواهب الداني يزيد على السحب
ودونك أبياتاً تخجل ناظماً ... لتقصيرها عند الأديب ذوي اللب
فأسبل عليها ستر عفواً بيدي ... فمثلي ذي التقصير والعي والعتب
فأجابه العطار بديهة مغيراً للوزن لا القافية
لله درك يا ذا العلم والأدب ... ومن أقر له التحرير في الكتب
لأنت فهامة في كل مشكلة ... إذا حللت لها وفيت بالأدب
فإن كشفت قناعاً كان مستتراً ... من تحته لغزي ما ذاك بالعجب
وقد أجبت بما يشفي الفؤاد به ... من فكرة في دجى الأشكال كالشهب
وجئت تسأل عن لغز عقدت به ... عقداً من الدر في سلك من الذهب
لكن بأوله ذل الهوى وبه ... هاء الهوية تغري الصب بالوصب
يهدي إلى طرق الفردوس صاحبه ... وطال ما جر أقواماً إلى اللهب
لا زلت خير رفيقيه وقد هطلت ... منه عليك غيوث الفيض كالسحب
واللغز الذي نظمه العطار شرحه الحلبي المذكور في رسالة قليلة وهي عندي وهو لغز في جبر واللغز الثاني في ذهب وكانت وفاة المترجم في اسلامبول سنة تسع وثمانين ومائة وألف ودفن بتربة قاسم باشا رحمه الله تعالى.
السيد عبد الوهاب الحلبي
السيد عبد الوهاب بن محمد قرط ابن الشيخ مراد المعروف بالعداس الحلبي العالم
стр. 755
الفقيه الأصولي النحوي النبيه المجتهد في الافادة انتفع به خلق كثير وكان مكباً على افادة الناس ولد بحلب في سنة سبع وتسعين وألف واشتغل بها في طلب العلم فقرأ على الشيخ قاسم النجار في الفقه وقرأ النحو على العالم الشيخ سليمان النحوي والعروض والحساب وآداب البحث والمنطق على السيد علي الباني وقرأ المعاني على أبي السعود الكواكبي وكانت وفاته في ليلة الأحد العاشر من شوال سنة ست وستين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
عبد الوهاب الموصلي
عبد الوهاب الموصلي الشافعي الامام في حضرة النبي جرجيس ﵇ ولد في سنة تسع وعشرين ومائة وألف ونشأ بالموصل وقرأ بها وكان رحمه الله تعالى خطيباً مصفعاً وبليغاً ملسناً حسن الكلام حلو النظام ذا فصاحة ونطق وبلاغة وصدق وكان عارفاً بأمور الناس وأحوالهم فكان يلاقي كل انسان بما يقتضيه حاله ويناسبه مقامه مع طلاقة وبشاشة وخبرة تامة وكان عنده من كل فن نبذة ومن كل ظرافة فلذة وكان أولاً اماماً بالحضرة الجرجيسه وكيلاً من جهة ابن أخيه ثم عزل فصيره الوزير المكرم محمد أمين باشا امام جامعه وخطيبه وواعظه وولاه المدرسة أياماً بعد موت ملا أحمد الجميلي ثم عزله وولاها للسيد موسى العالم المشهور وله شعر لطيف منه قوله مادحاً للنبي ﷺ
بطيبة طابت نفسنا من سقامها ... وهل مثلها في سائر الكون يوجد
فما تربها الأشفاء قلوبنا ... وكيف ولا نشفي وفيها محمد
نبي بشير شافع لعصاتنا ... نصوح أمين شاهد ومجاهد
رسول له الخلق العظيم سجية ... به جاءت الآيات وهو المؤيد
رسول رقى السبع الطباق بنعله ... وخاطبه المولى العظيم المسجد
رسول أتانا بالهدى بعد غينا ... ويشفع فينا يوم حشر ويسجد
ومنها
فيا فوز قوم يحمدون جنابه ... ينادونه يا غوثنا أنت أحمد
عليك صلاة الله ما هبت الصبا ... وما صاح قمري الحمام المغرد
وقال مخمساً
ظبية الحي مهجتي في يديها ... وفؤادي لا زال يصبو اليها
ثم لما أن صار قلبي لديها ... حاولت زورني فنم عليها
стр. 756
قرطها في الدجى ومسك الغلاله
يالها زورة لقد طهرتني ... بل وبعد الجفا لقد أظهرتني
وبعهدي القديم قد خبرتني ... ثم لما أن سلمت ذكرتني
مدح من سلمت عليه الغزاله
وحج صاحب الترجمة في سنة خمس وستين ومائة وألف وكانت له لطائف عديدة وظرائف مديده وكان يدعى إنه أجيز له رواية الحديث وربما روي الحديث بسنده متصلاً ومعنعناً ومسلسلاً وكان حسن الوعظ جيد المباحثة وله أشعار أنيقه ومنظومات رشيقة وكانت وفاته سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
عثمان النحاس
عثمان بن أبي بكر الشهير بالنحاس الشافعي الدمشقي الشيخ العالم الفقيه النحوي الفرضي المفيد كان أحد العثامنة العثامنة جمع عثمان الأربع الذي كانوا في وقت واحد في بلدة واحدة وكل منهم عالم فاضل وهم الشيخ عثمان القطان والشيخ عثمان الشمعة والشيخ عثمان بن حموده والشيخ عثمان النحاس وقد جمع تاريخي هذا هؤلاء الأربع وستأتي تراجم الباقين إن شاء الله تعالى وكان المترجم عليه وظائف منها امامة جامع الأغا وخطابة النطاعين وبعض عثامنة عثامنه اقجه ومؤيدي باره وريال تسعون مؤبدي يعني طقسان باره وكل هذه في الاصطلاحات القديمه وأجزاء وكان لا يخلو من ثروة ودرس وأفاد وانتفع به جماعة وأخذ وقرأ على جماعة كثيرين فأخذ الفقه والحديث وأجيز بسائر الفنون عن أبي المواهب الحنبلي وقرأ الفقه والحديث وحضره وأخذ عنه محمد بن علي الكاملي وأخذ عن إبراهيم الكوراني وأجازه ومحمد بن محمد بن سليمان المغربي ومحمد بن داؤد العناني وخليل بن إبراهيم اللقاني القاهري وصافحه أحمد ابن محمد المرحومي المصري وعطية الأزهري ومحمد الشرنبلالي ومحمد بن حسن العجلاني النقيب وإسمعيل بن علي الحايك المفتي الحائك بالهمز وحايك بالياء بمعنى لأن المادة واوية ويائية وغيرهم من أهل دمشق وغيرها وأجازوه اجازات عامة وكانت وفاته في يوم الأربعا خامس عشر جمادي الثانية سنة احدى وثلاثين ومائة وألف ودفن بتربة باب الصغير رحمه الله تعالى.
عثمان بن صادق
عثمان بن أحمد باشا بن صادق الحنفي القسطنطيني وتقدم ذكر والده
стр. 757
أحد الأفاضل المشهورين من المدرسين والموالي في الدولة كان عارفاً أديباً فاضلاً ماهراً بالعلوم والفنون دخل الحرم السلطاني وصار من غلمانه على عادتهم وخدم به وقرأ وحصل وانتفع بالشيخ محمد بن حسن بن همات همت أو لملى الدمشقي معلم الغلمان في الحرم السلطاني والفاضل عثمان نيشنجي زاده نشانجي وجعله السلطان مصطفى خان معلماً لولده السلطان محمد وانتقل للأودة الخاص وتملك كتباً نفيسة ثم خرج بالتدريس في سنة ست وثمانين وتنقل بالمدارس والفنون حتى وصل للثمان وخرج منها بقضاء بلدة أزمير وارتحل اليها ولم تطل مدته هناك ومات وكانت وفاته في محرم سنة ست وتسعين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
عثمان بن حسين
الألاشهري الأشهرلي
عثمان بن حسين الألاشهري الحنفي نزيل قسطنطينية وأحد العلماء أرباب الشهرة والمدرسين بها كان علامة فاضلاً عالماً محققاً مشهوراً بالنبل والفضل أخذ وقرأ على أجلاء عصره وأجلهم الفاضل محمد الدارندوي دارنده لي انتفع به وله من التآليف رسالة في المنطق ورسالة في آداب البحث ورسالة في النحو واخرى في الصرف ورسالة في دخان التبغ المعروف بالتتن واشتهر بدار الخلافة وكبر صيته وأخذ عنه الأفاضل وأقرأ ولازم الافادة ولازم على عادتهم وسلك طريق المدرسين ثم تقاعد باختياره بمدرسة السلطان أحمد خان وكانت وفاته بقسطنطينية في رجب سنة تسعين ومائة وألف رحمه الله تعالى والألاشهري بألف مفتوحة ولام ألف وشين مفتوحة وهاء وراء وياء نسبة إلى قصبة تابع آيدين تسمى الأشهر إلا أنه قراء الضاد بالظاء وأنكر الصوفية قد قامت القيامة على من قرأ الضاد بالظاء وأخمدت نار النزاع وتجددت هذه الدعوى مراراً وأنكرت ونسيت وتنوسيت كما تنبئك كتب التواريخ ولها رسالة جديدة في مصر في هذا القرن فاطلع عليها تحريراً في سنة ١٢٩١ في رمضان.
السيد عثمان الفلاقنسي
السيد عثمان بن سعدي بن عثمان بن علي خان المعروف بالفلاقنسي لكون والدة والده أخت المولى فتح الله الدفتري الفلاقنسي الآتي ذكره في محله الدمشقي كان من رؤساء الكتاب أديباً بارعاً كاتباً نبيهاً فطناً تولى كتابات بدمشق منها كتابة العربي بديوان دمشق الشام وكذلك في وقف الحرمين وكذلك وقف المدرسة الشامية وصار محاسبه جي الحزينة الميرية السلطانية بدمشق ونشأ متفيأ ظلال نعم قريبه الدفتري المذكور محتسياً لكؤس من المنى من حان دولته
стр. 758
وكان له معرفة بالأدب واطلاع وحسن مطالعة مع المعرفة بأنواع الخطوط ولازم العارف الشيخ حسن البغدادي نزيل دمشق ولما حصل على دمشق ما حصل من مجى العساكر المصرية وواقعة ذلك شاعت وذاعت ولا يمكن احصاء ما جرى من الأمور وغيرها الصادرة في تلك الوقت أرسل خلف المترجم أمير العساكر الأمير الكبير محمد بيك المعروف بأبي الذهب وطلب منه دفاتر إيراد دمشق والعائد إلى حكامها العرفية فأحضرهم إليه وسلك عنده ونسب لأمور في ذلك وهو فيما أعلم برئ عنها فبعد ارتحال العساكر من الديار الشامية وعودهم للديار المصرية تحسب كان المؤرخ قصد معنى التوهم من أشياء ودخل عليه الرعب ولم تطل مدته ومات ورأيت له من الشعر هذه القصيدة امتدح بها قريبه الدفتري المذكور وهي قوله
هذا الحمى ما بال دمعك قد جرى ... وازداد وجدك واللهيب تسعرا
أذكرت أياماً مضين بسفحه ... هيجن شوقك أم ظباه النفرا
فسكبت دمعاً من محاجر مقلة ... مقروحة الأجفان حاربها الكرى
وهتكت ستراً للحبيب وكنت لا ... تبدي الصبابة خيفة أن تظهرا
وأمرت قلبك كتمه فأذاعه ... منك النحول كفى بذلك مخبرا
فالدمع فضاح لكل متيم ... تركته غزلان العقيق كما ترى
من كل فتان اللحاظ تخاله ... غصناً يحركه النسيم إذا سرى
يسبي المهاة بجيده وبطرفه ... فإذا رنا يصطاد آساد الشرى
يا هاجري هل أنت باق مثل ما ... عهدي وثيق أم تصرمت العرى
إن كان هجرك لي بوشي مزور ... أنى سلوت فإن ذلك مفترى
لا تخجن لكل واش لم يمل ... عذل المتيم والحديث المنكرا
لم يكفني هجر الحبيب وصده ... حتى نأى وحدي به حادي السرى
كل الخطوب أطيق إلا بينه ... قلبي على أثقاله لن يقدرا
يا عاذلي دع ذكر أيام مضت ... وأجهد بمدحك ذا الجناب الأخطرا
الفتح من شاد المفاخر والعلا ... بفضائل شهدت بها كل الورى
مولى إذا ضن الغمام بقطره ... جادت سحائب راحتيه أبحرا
قد حاز كل المكرمات فلم يدع ... للغابرين محامداً أن تذكرا
وحوى الندى بمآثر لو كلفوا ... سحبان يحصيها لرد مقصرا
فرويت بيتاً قاله قبلي من ال ... ماضين ندب فيه حقاً لأمرا
لا تطلبن حديث شهم غيره ... يروى فكل الصيد في جوف الفرا
стр. 759
قل للذي قدر أم يبلغ شاؤه ... هيهات كم بين الثريا والثرى
من يأته سلماً حباه أمانيا ... ومعانداً ولي فراراً مدبرا
مولاي قدرك قد علا عن درك مد ... اح فعذراً إن أتيت مقصرا
وعلمت إني عاجز عن درك ما ... قد حزته ويحق لي أن أعذرا
وقد اقتحمت وصفت فيك قوافياً ... جاءت فتوح لديك مسكاً إذ فرا
فأسلم ودم ما فاه تال منشداً ... هذا الحمى ما بال دمعك قد جرى
وكانت وفاته في سنة خمس وثمانين ومائة وألف ودفن بتربة الشيخ أرسلان ﵁ آمين.
عثمان ثروت
عثمان ابن صالح الملقب بثروت على طريقة شعراء الفرس والروم الحنفي القسطنطيني أحد الكتاب البارعين بالفنون والآداب نشأ بدار السلطنة المذكور وأخذ الخط عن الكاتب أحمد خواجه زاده المشهور وأتقن الأدب والانشاء حتى صار كاتباً لمعتمد الملوك بشير ضابط الحرم السلطاني في دولة السلطان محمود بن مصطفى خان وبعد قتله وتفرق أتباعه صار من أعيان كتاب الديوان السلطاني المعروفين بالخواجكان وله نظم بالتركية كثير وكان أولاً يلقب بحنيف وجمع ديواناً من شعره باللقب المذكور وقد طالعته ورأيته في دار الكتب التي جمعها ووقفها سلطان زماننا السلطان عبد الحميد بن أحمد خان ولما عدل عن اللقب المذكور وتلقب بثروت جمع ديواناً آخراً من شعر جديد نظمه ولما تم وافق تاريخه ديوان ثروت وذلك سنة سبع وسبعين ومائة وقد طالعته لما تملكته وهو الآن من كتبي وفيه كل معنى لطيف تشربه الأسماع بفم الاشهتاء وكانت وفاته في صفر سنة ثمانين ومائة وألف.
عثمان العقيلي
عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الرزاق بن إبراهيم وينتهي إلى الولي الكبير والقطب الشهير الشيخ عقيل المنبجي فلذلك كان معروفاً بالعقيلي العمري الشافعي الحلبي الشيخ الامام العالم الفاضل كان صالحاً عالماً عاملاً زاهداً وله سلوك حسن الأخلاق والسير ولد في سنة خمس وثلاثين ومائة وألف وحفظ القرآن وهو ابن اثنتي عشرة سنة ثم حفظه الشاطبية والدره واشتغل بالطيبة في القراآت العشرة وجمع القرآن من طريق السبعة والعشرة وكان شيخه العالم العابد الشيخ محمد الحموي الأصل البصري وكذلك العلامة الشيخ محمد العقاد وفي غيرها وأخذ من العلوم ما بين تفسير وحديث وأصول وفقه ومعان وبيان ونحو وصرف وغير ذلك عن شيخه الأستاذ العلامة الشيخ طه الجبريني
стр. 760
ومن مشايخه الفاضل الكبير الشيخ محمد بن الطيب محشي القاموس المغربي نزيل الحرمين ومنهم العالم المحدث الشيخ عبد الكريم الشراباتي الفقيه المتقن الشيخ عبد القادر الديري ومنهم الامام العالم المحدث الشيخ محمد الزمار حضر عليه في كثير من العلوم وكذلك النحرير الشيخ السيد علي العطار قرأ عليه في الفقه والنحو والفرائض وغير ذلك وارتحل إلى الحج في سنة ست وسبعين ومائة وألف واجتمع بغالب من كان حينئذ بالحرمين وأخذ عنهم فمنهم العارف الشيخ محمد بن عبد الكريم السمان المدني أخذ عنه الحديث وأجازه وأخذ عنه الطريقة القادرية ومنهم العلامة الشيخ محمد بن سليمان الشافعي المدني والشيخ محمد بن عبد الله المغربي والعلامة الشيخ أبو الحسن السندي شارح شرح النخبة في مصطلح الحديث للعلامة ابن حجر ومنهم الفاضل الشيخ يحيى الحباب المكي والشيخ عطاء الله الأزهري نزيل مكة وأخذ بدمشق عن العلامة المحقق الشيخ علي الدغستاني وله مشايخ نحو الخمسين وكان بحلب مقيماً على الاشتغال بالعلم يقرئ كتب الحديث والفقه والآلات في أموي حلب وغير ذلك ولزمه جماعة وكان ملازماً ومواظباً على الاعتكاف في كل سنة أربعين يوماً وهي المسماة عند أهل الطريق بالخلوة فإنه يعتكف مع جماعة من إخوانه هذه المدة ويشتغلون فيها بالصيام والقيام والذكر وبالجملة فهو أحد من ازدانت بهم الشهباء من الأفاضل في زماننا وكانت وفاته يوم الأحد ثاني عشر محرم سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
عثمان الدوركي
عثمان الوزير بن عبد الرحمن باشا ابن عثمان الدوركي الأصل الحلبي المولد والمنشأ انتقلت بوالده الأحوال إلى أن صار في الباب العالي رئيس الجاويشية جاوشباشي يه صكره دعاوي ناظري ديرلر ايدي سمدي اجراجمعتي رئيسيدر وهي رتبة قعساء يقال رجل أقعس أي منيع فقوله رتبة قعسا أي عاليه لا ينالها إلا من هو مجرب في معرفة قوانين الدولة ومنها أنعمت عليه الدولة بمنصب حلب برتبة روملي ورحل من اسلامبول إلى مقر حكومته حلب ففي الطريق ناداه داعي المنون فأجاب فامتحن صاحب الترجمة ثم ترقت أحواله إلى أن صار محصل الأموال الميرية بحلب وكانت له دربة في الأمور فجمع الأموال وبنى وشيد ورأس وساعده الوقت وبنى داره الكائنة بمحلة داخل باب النصر على شفير الخندق وهي أحد الدور العظام في الارتفاع والأحكام وبشرقيها كان سور باب الأربعين قديماً وهذا كان أبواب مدينة حلب ومحله عند مسجد الأربعين المعروف الآن بزاوية القرقلار قرقلر زاويه سي يسنكها
стр. 761
مشايخ الطريقة النور بخشية قدس الله أسرارهم وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان سبب تسمية باب الأربعين قديماً وعدد أبواب حلب وما كانت عليه قديماً وذكر مشايخ هذه الطريقة العلية وشرقي دار المترجم أيضاً العين المعروفة بالعونية يقصدها المرضى يوم السبت قبل طلوع الشمس يغتسلون بها ولها ذكر في الخواصات التي بحلب مولانا خواصات ديمش جمع الجمع يابه يور ثم إن المترجم شرع في عمارة جامعه المعمور لصيق داره أوائل سنة احدى وأربعين ومائة وألف فاشترى الدور التي كانت في محل الجامع من أهلها بالأثمان المضاعفة عثمان باشا هذا خالف سنة الظلمة وأغضب روحي بشتاك وجمال الدين انظر صحيفة ٧٠ من الجزء الثاني من كتاب المواعظ وكان يقترض الملل من التجار أهل الخير والصلاح المعروفين بحل المال ويصرفه في عمارة الجامع ويوفيهم من ثمن حنطة كانت عنده إلى أن فرغ بناء الجامع وتم على أكمل الوجوه ولما انتهى حفر أساس الجامع وحررت القبلة بتحرير العلامة الشيخ جابر الحوراني الأصل والعلامة الشيخ علي الميقاتي بأموي حلب نزل صاحب الترجمة بنفسه إلى الأساس واستدعى بطين فوضعه ووضع عليه حجراً ووضع بينهما صرة صغيرة لا يدري ما هي وصعد وشرعوا في البنا بالأحجار الهر قليلة الهائلة وأبطل العمل شتاء إلى أن كمل سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف ووضع فيه منبراً من الرخام الأصفر الفائق سرق منبر مصنع من جامع شهنشاه بمصر بعد سنة ١٢٨٠ وخبر أهل الخبرة بأن المنبر المذكور كان مثل منبر الجامع الذي يقال له اليوم جامع الشيخ أبي حريبه وقوموه بألف وخمسمائة ليرا وكل لير بأربعة آلاف مؤيدي بعيار دار الضرب بمصر ثم هدمت مئذنة الجامع خوفاً من سقوطها على رؤس المارين والجامع المذكور لصيق بدار سليمان أغا الوكيل بباب الخرق وفي صحنه حوضاً من الرخام الأصفر طوله أربعة عشر ذراعاً في مثلها وفي شماله مصطبة مرخمة بالرخام الأصفر بقدر الحوض وبنى فيه احدى وأربعين حجرة منها ثلاثون للمجاورين والباقي لأرباب الشعائر وعين له خطيباً شكري محمد أفندي البكغلوني وهو أول خطيب خطب به لأنه كان مرغوباً عند الأتراك التمطيط التمطيط أكبرده بر ألف زيادة أيدوب أكبار ديمك أيسه بوني جاهل مؤذناً ريبار استانبولده اربه جبلر جامعي خطيبي تمطيط مؤرخ أيتميور بوراده تمطيطدن مرامي مدايمتك كه حرو في جكمك اولملي طاش قصايده ملا كوراني مؤذني تمطيط ايتميور ايديسه ده بوسنه حجه كندي في الخطبة على عادة خطباء اسلامبول وعين له مدرساً تاتار أفندي العينتابي فاستقام أربعة أشهر ثم استعفى فنصب مكانه
стр. 762
العلامة محمود أفندي الأنطاكي وعين السيد محمد أفندي الكبيسي محدثاً وعين عبد الكريم أفندي الشرباتي واعظاً عقب صلاة الجمعة استطراد
ذكر الآذان بمصر وما كان فيه من الاختلاف
اعلم إن أول من أذن لرسول الله ﷺ بلال بن رباح مولى أبي بكر الصديق ﵄ بالمدينة الشريفة وفي الأسفار وكان ابن أم مكتوم واسمه عمرو بن قيس بن شريح من بني عامر بن لؤي وقيل اسمه عبد الله وأمه أم واسمها عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة من بني مخزوم ربما أذن بالمدينة وأذن أبو محذورة واسمه أوس وقيل سمرة بن معير بن لوذان بن ربيعة بن معير بن عريج بن سعيد بن جمح وكان استأذن رسول الله ﷺ في أن يؤذن مع بلال فأذن له وكان يؤذن في المسجد الحرام وأقام بمكة ومات بها ولم يأت المدينة قال ابن الكلبي كان أبو محذورة لا يؤذن للنبي ﷺ بمكة لا في الفجر ولم يهاجر وأقام بمكة وقال ابن جريج علم النبي ﷺ أبا محذورة الآذان بالجعرانة حين قسم غنائم حنين ثم جعله مؤذناً في المسجد الحرام وقال الشعبي أذن لرسول الله ﷺ بلال وأبو محذورة وابن أم مكتوم وقد جاء إن عثمان ابن عفان ﵁ كان يؤذن بين يدي رسول الله ﷺ عند المنبر وقال محمد بن سعد عن الشعبي كان لرسول الله ﷺ ثلاثة مؤذنين بلال وأبو محذورة وعمرو بن أم مكتوم فإذا غلب بلال أذن أبو محذورة وإذا غاب أبو محذورة أذن ابن أم مكتوم قلت لعل هذا كان بمكة وذكر ابن سعد إن بلالاً أذن بعد رسول الله ﷺ لأبي بكر ﵁ وإن عمر ﵁ أراده أن يؤذن له فأبى عليه فقال له إلى من ترى أن أجعل النداء فقال إلى سعد القرظ فإنه قد أذن لرسول الله ﷺ فدعاه عمر ﵁ فجعل النداء إليه وإلى عقبه من بعده وقد ذكر إن سعد القرظ كان يؤذن لرسول الله ﷺ بقبا قبا بضم الأول وذكر أبو داود في مراسيله والدارقطني في سننه قال بكير بن عبد الله الأشج كانت مساجد المدينة تسعة سوى مسجد رسول الله ﷺ كلهم يصلون بآذان بلال ﵁ وقد كان عند فتح مصر الآذان انما هو بالمسجد الجامع المعروف بجامع عمرو وبه صلاة الناس بأسرهم وكان من هدى الصحابة والتابعين ﵃ المحافظة على الجماعة وتشديد النكير على من تخلف عن صلاة الجماعة قال أبو عمرو الكندي في ذكر من عرف على المؤذنين بجامع عمرو بن العاص بفسطاط مصر وكان أول من عرف على المؤذنين أبو مسلم سالم بن عامر بن
стр. 763
عبد المرادي وهو من أصحاب رسول الله ﷺ وقد أذن لعمر بن الخطاب سار إلى مصر مع عمرو بن عاص يؤذن له حتى افتتحت مصر فأقام على الآذان وضم إليه عمرو بن العاص تسعة رجال يؤذنون وهم عاشرهم وكان الآذان في ولده حتى انقرضوا قال أبو الخير حدثني أبو مسلم وكان مؤذناً لعمرو بن العاص أن الآذان كان أوله لا إله إلا الله وآخره لا إله إلا الله وكان أبو مسلم يوصي بذلك حتى مات ويقول هكذا كان الآذان ثم عرف عليهم أخوه شرحبيل بن عامر وكانت له صحبة وفي عرافته زاده مسلمة بن مخلد في المسجد الجامع وجعل له المنار ولم يكن قبل ذلك وكان شرحبيل أول من رقى منارة مصر للآذان وإن مسلمة بن مخلد اعتكف في منارة الجامع فسمع أصوات نواقيس عالية بالفسطاط فدعا شرحبيل بن عامر فأخبره بما ساءه من ذلك فقال شرحبيل فإني أمدد بالآذان من نصف الليل إلى قرب الفجر فانههم أيها الأمير أن ينقسوا إذا أذنت فنهاهم مسلمة عن ضرب النواقيس وقت الآذان ومدد شرحبيل ومطط أكثر الليل إلى أن مات شرحبيل سنة خمس وستين.
وذكر عن عثمان ﵁ أنه أول من رزق المؤذنين رزق من الباب الأول فلما كثرت مساجد الخطبة أمر مسلمة بن مخلد الأنصاري في امارته على مصر ببناء المنار في جميع المساجد خلا مساجد تجيب وخولان فكانوا يؤذنون في الجامع أولاً فإذا فرغوا أذن كل مؤذن في الفسطاط في وقت واحد فكان لآذانهم دوي شديد وكان الآذان أولاً بمصر كأذان أهل المدينة وهو الله أكبر الله أكبر وباقيه كما هو اليوم فلم يزل الأمر بمصر على ذلك في جامع عمره بالفسطاط وفي جامع العسكر وفي جامع أحمد بن طولون وبقية المساجد إلى أن قدم القائد جوهر بجيوش المعز لدين الله وبنى القاهرة فلما كان في يوم الجمعة الثامن من جمادي الأولى سنة تسع وخمسين وثلثمائة صلى القائد جوهر الجمعة في جامع أحمد بن طولون وخطب به عبد السميع ابن عمر العباسي بقلنسوة وسبني وطيلسان دبسي وأذن المؤذنون حي على خير العمل وهو أول ما أذن به بمصر وصلى به عبد السميع الجمعة فقرأ سورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون وقنت في ركعة الثانية وانحط إلى السجود ونسي الركوع فصاح به علي بن الوليد قاضي عسكر جوهر بطلت الصلاة أعد ظهراً أربع ركعات ثم أذن بحي على خير العمل في سائر مساجد العسكر إلى حدود مسجد عبد الله وأنكر جوهر على عبد السميع إنه لم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في كل سورة ولا قرأها في الخطبة فأنكره جوهر ومنعه من ذلك ولأربع بقين من جمادي الأولى المذكور أذن في الجامع العتيق لحي على خير العمل وجهروا في الجامع بالبسملة في الصلاة فلم يزل الأمر على ذلك طول مدة الخلفاء الفاطميين إلا أن الحاكم بأمر الله في سنة أربعمائة
стр. 764
أمر بجمع مؤذني القصر وسائر الجوامع وحضر قاضي القضاة مالك بن سعيد الفارقي وقرأ أبو علي العباسي سجلاً فيه الأمر بترك حي على خير العمل في الآذان وأن يقال في صلاة الصبح الصلاة خير من النوم وأن يكون ذلك من مؤذني القصر عند قولهم السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله فامتثل ذلك ثم عاد المؤذنون إلى قول حي على خير العمل في ربيع الآخر سنة احدى وأربعمائة ومنع في سنة خمس وأربعمائة مؤذنو جامع القاهرة ومؤذنو القصر من قولهم بعد الآذان السلام على أمير المؤمنين وأمرهم أن يقولوا بعد الآذان الصلاة رحمك الله ولهذا الفعل أصل قال الواقدي كان بلال ﵁ يقف على باب رسول الله ﷺ فيقول السلام عليك يا رسول الله وربما قال السلام عليك بأبي أنت وأمي يا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة السلام عليك يا رسول الله قال البلادري وقال غيره كان يقول السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته حي على الصلاة حي على الفلاح الصلاة يا رسول الله فلما ولي أبو بكر ﵁ الخلافة كان سعد القرظ يقف على بابه فيقول السلام عليك يا خليفة رسول الله ورحمة الله وبركاته حي على الصلاة حي على الفلاح الصلاة يا خليفة رسول الله فلما استخلف عمر ﵁ كان سعد يقف على بابه فيقول السلام عليك يا خليفة خليفة رسول الله ورحمة الله وبركاته حي على الصلاة حي على الفلاح الصلاة يا خليفة خليفة رسول الله فلما قال عمر ﵁ للناس أنتم المؤمنون وأنا أميركم فدعى أمير المؤمنين استطالة لقول القائل يا خليفة خليفة رسول الله ولمن بعده خليفة خليفة خليفة رسول الله كان المؤذن يقول السلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته حي على الصلاة حي على الفلاح الصلاة يا أمير المؤمنين ثم إن عمر ﵁ أمر المؤذن فزاد فيها رحمك الله ويقال إن عثمان ﵁ زادها وما زال المؤذنون إذا أذنوا سلموا على الخلفاء وأمراء الأعمال ثم يقيمون الصلاة بعد السلام فيخرج الخليفة أو الأمير فيصلي بالناس هكذا كان العمل مدة أيام بني أمية ثم مدة خلافة بني العباس أيام كانت الخلفاء وأمراء الأعمال تصلي بالناس فلما استولى العجم وترك خلفاء بني العباس الصلاة بالناس ترك ذلك كما ترك غيره من سنن الإسلام.
ولم يكن أحد من الخلفاء الفاطميين يصلي بالناس الصلوات الخمس في كل يوم فسلم المؤذنون في أيامهم على الخليفة بعد الآذان للفجر فوق المنارات فلما انقضت أيامهم وغير السلطان صلاح الدين رسومهم لم يتجاسر المؤذنون على السلام عليه احتراماً للخليفة العباسي ببغداد فجعلوا عوض السلام على الخليفة السلام على رسول الله ﷺ واستمر ذلك قبل الآذان للفجر في كل ليلة بمصر والشام والحجاز وزيد فيه بأمر المحتسب صلاح الدين عبد الله البرلسي الصلاة والسلام عليك يا رسول الله وكان ذلك
стр. 765
بعد سنة ستين وسبعمائة فاستمر ذلك ولما تغلب أبو علي بن كتيفات بن الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي على رتبة الوزارة في أيام الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم محمد بن المستنصر بالله في سادس عشر ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة وسجن الحافظ وقيده واستولى على سائر ما في القصر من الأموال والذخائر وحملها إلى دار الوزارة وكان امامياً متشدداً في ذلك خالف ما عليه الدولة من مذهب الإسماعيلية وأظهر الدعاء للامام المنتظر وأزال من الآذان حي على خير العمل وقولهم محمد وعلى خير البشر وأسقط ذكر إسماعيل بن جعفر الذي تنتسب إليه الإسماعيلية فلما قتل في سادس عشر المحرم سنة ست وعشرين وخمسمائة عاد الأمر إلى الخليفة الحافظ وأعيد إلى الآذان ما كان أسقط منه وأول من قال في الآذان بالليل محمد وعلى خير البشر الحسين المعروف بأمير كان شكنبه ويقال أشكنبه وهو اسم أعجمي معناه الكرش شكنبه بكسر الشين وفتح الكاف والباء الكرش وأشكنبه بالتركي محرف منه وهو علي بن محمد بن علي بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب وكان أول تأذينه بذلك في أيام سيف الدولة بن حمدان بحلب في سنة سبع وأربعين وثلثمائة قاله الشريف محمد بن أسعد الجواني النسابة ولم يزل الآذان بحلب يزاد فيه حي على خير العمل ومحمد وعلى خير البشر إلى أيام نور الدين محمود فلما فتح المدرسة الكبيرة المعروفة بالحلاوية استدعى أبا الحسن علي بن الحسن بن محمد البلخي الحنفي إليها فجاء ومعه جماعة من الفقهاء وألقى بها الدروس فلما سمع الآذان أمر الفقهاء فصعدوا المنارة وقت الآذان وقال لهم مروهم يؤذنوا الآذان المشروع ومن امتنع كبوه على رأسه فصعدوا وفعلوا ما أمرهم به واستمر الأمر على ذلك وأما مصر فلم يزل الآذان بها على مذهب القوم إلى أن استبد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بسلطنة ديار مصر وأزال الدولة الفاطمية في سنة سبع وستين وخمسمائة وكان ينتحل مذهب الامام الشافعي ﵁ وعقيدة الشيخ أبي الحسن الأشعري ﵀ فأبطل من الآذان قول حي على خير العمل وصار يؤذن في سائر إقليم مصر والشام بأذان أهل مكة وفيه تربيع وترجيع الشهادتين فاستمر الأمر على ذلك إلى أن بنت الأتراك المدارس بديار مصر وانتشر مذهب أبي حنيفة ﵁ في مصر فصار يؤذن في بعض المدارس التي للحنفية بأذان أهل الكوفة وتقام الصلاة أيضاً على رأيهم وما عدا ذلك فعلى ما قلنا إلا أنه في ليلة الجمعة إذا فرغ المؤذنون من التأذين سلموا على رسول الله ﷺ وهو شيء أحدثه محتسب القاهرة صلاح الدين عبد الله بن عبد الله البرلسي بعد سنة ستين وسبعمائة فاستمر إلى أن
стр. 766
كان في شعبان سنة احدى وتسعين وسبعمائة ومتولي الأمر بديار مصر الأمير منطاش القائم بدولة الملك الصالح المنصور أمير حاج المعروف بحاجي بن شعبان بن حسين بن محمد بن قلاون فسمع بعض الفقراء الخلاطين سلام المؤذنين على رسول الله ﷺ في ليلة جمعة وقد استحسن ذلك طائفة من اخوانه فقال لهم أتحبون أن يكون هذا السلام في كل أذان قالوا نعم فبات تلك الليلة وأصبح متواجداً يزعم أنه رأى رسول الله ﷺ في منامه وإنه أمره أن يذهب إلى المحتسب ويبلغه عنه أن يأمر المؤذنين بالسلام على رسول الله ﷺ في كل أذان فمضى إلى محتسب القاهرة وهو يومئذ نجم الدين محمد الطنبدي وكان شيخاً جهولاً وبلهاناً مهولاً سئ السيرة في الحسبة والقضاء متهافتاً على الدرهم ولو قاده إلى البلاء لا يحتشم من أخذ البرطيل والرشوة ولا يراعي في مؤمن إلا ولا ذمة قد ضرى على الآثام وتجسد من أكل الحرام يرى إن العلم أرخاء
العذبة ولبس الجبة ويحسب إن رضى الله سبحانه في ضرب العباد بالدرة وولاية الحسبة لم تحمد الناس قط أياديه ولا شكرت أبداً مساعيه بل جهالاته شائعة وقبائح أفعاله ذائعة أشخص أشخص أزعج غير مرة إلى مجلس المظالم وأوقف مع من أوقف للمحاكمة بين يدي السلطان من أجل عيوب فوادح حقق فيها شكاته عليه القوادح. ذبة ولبس الجبة ويحسب إن رضى الله سبحانه في ضرب العباد بالدرة وولاية الحسبة لم تحمد الناس قط أياديه ولا شكرت أبداً مساعيه بل جهالاته شائعة وقبائح أفعاله ذائعة أشخص أشخص أزعج غير مرة إلى مجلس المظالم وأوقف مع من أوقف للمحاكمة بين يدي السلطان من أجل عيوب فوادح حقق فيها شكاته عليه القوادح.
وما زال في السيرة مذموماً ومن العامة والخاصة ملوماً وقال له رسول الله يأمرك أن تتقدم لسائر المؤذنين بأن يزيدوا في كل أذان قولهم الصلاة والسلام عليك يا رسول الله كما يفعل في ليالي الجمع فأعجب الجاهل هذا القول وجهل إن رسول الله ﷺ لا يأمر بعد وفاته إلا بما يوافق ما شرعه الله على لسانه في حياته وقد نهى الله في كتابه العزيز عن الزيادة فيما شرعه حيث يقول أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله وقال رسول الله ﷺ إياكم ومحدثات الأمور فأمر بذلك في شعبان من السنة المذكورة وتمت هذه البدعة واستمرت إلى يومنا هذا في جميع ديار مصر وبلاد الشام وصارت العامة وأهل الجهالة ترى إن ذلك من جملة الآذان الذي لا يحل تركه وأدى ذلك إلى أن زاد بعض أهل الالحاد في الآذان ببعض القرى السلام بعد الآذان على شخص من المعتقدين الذين ماتوا فلا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون وأما التسبيح في الليل على المآذن فإنه لم يكن من فعل سلف الأمة وأول ما عرف من ذلك إن موسى بن عمران صلوات الله عليه لما كان ببني إسرائيل في التيه بعد غرق فرعون وقومه اتخذ بوقين من فضة مع رجلين من بني إسرائيل ينفخان فيهما وقت الرحيل ووقت النزول وفي أيام الأعياد وعند
стр. 767
ثلث الليل الأخير من كل ليلة فتقوم عند ذلك طائفة من بني لاوي سبط موسى ﵇ ويقولون نشيداً منزلاً بالوحي فيه تخويف وتحذير وتعظيم لله تعالى وتنزيه له تعالى إلى وقت طلوع الفجر واستمر الحال على هذا كل ليلة مدة حياة موسى ﵇ وبعده أيام يوشع بن نون ومن قام في بني إسرائيل من القضاة إلى أن قام بأمرهم داود ﵇ وشرع في عمارة بيت المقدس فرتب في كل ليلة عدة من بني لاوي يقومون عند ثلث الليل الآخر فمنهم من يضرب بالآلات كالعود والسنطير والبربط والدف والمزمار ونحو ذلك ومنهم من يرفع عقيرته بالنشائد المنزلة بالوحي على نبي الله موسى ﵇ والنشائد المنزلة بالوحي على داود ﵇ ويقال إن عدد بني لاوي هذا كان ثمانية وثلاثين ألف رجل قد ذكر تفصيلهم في كتاب الزبور فإذا قام هؤلاء ببيت المقدس قام في كل محلة من محال بيت المقدس رجال يرفعون أصواتهم بذكر الله سبحانه من غير آلات فإن الآلات كانت مما يختص ببيت المقدس فقط وقد نهوا عن ضربها في غير البيت فيتسامع من قرية بيت المقدس فيقوم في كل قرية رجال يرفعون أصواتهم بذكر الله تعالى حتى يعم الصوت بالذكر جميع قرى بني إسرائيل ومدنهم وما زال الأمر على ذلك في كل ليلة إلى أن خرب بخت نصر بيت المقدس وجلا بني إسرائيل إلى بابل فبطل هذا العمل وغيره من بلاد بني إسرائيل مدة جلائهم في بابل سبعين سنة فلما عاد بنو إسرائيل من بابل وعمروا البيت العمارة الثانية أقاموا شرائعهم وعاد قيام بني لاوي بالبيت في الليل وقيام أهل محال القدس وأهل القرى والمدن على ما كان العمل عليه أيام عمارة البيت الأولى واستمر ذلك إلى أن خرب القدس بعد قتل نبي الله يحيى بن زكريا وقيام اليهود على روح الله ورسوله عيسى ابن مريم صلوات الله عليهم على يد طيطش فبطلت شرائع بني إسرائيل من حينئذ وبطل هذا القيام فيما بطل من بلاد بني إسرائيل وأما في الملة الاسلامية فكان ابتداء هذا لعمل بمصر وسببه إن مسلمة بن مخلد أمير مصر بنى مناراً لجامع عمرو بن العاص واعتكف فيه فسمع أصوات النواقيس عالية فشكا ذلك إلى شرحبيل بن عامر عريف المؤذنين فقال إني أمدد الآذان من نصف الليل إلى قرب الفجر فإنههم أيها الأمير أن ينقسوا إذا أذنت فنهاهم مسلمة عن ضرب النواقيس وقت الآذان ومدد شرحبيل ومطط أكثر الليل ثم إن الأمير أبا العباس أحمد بن طولون كان قد جعل في حجرة تقرب منه رجال تعرف بالمكبرين عدتهم اثنا عشر رجلاً يبيت في هذه الحجرة كل ليلة أربعة يجعلون الليل بينهم عقباً فكانوا يكبرون ويسبحون ويحمدون الله سبحانه في كل وقت ويقرأون
стр. 768
القرآن بألحان ويتوسلون ويقولون قصائد زهدية ويؤذنون في أوقات الآذان وجعل لهم أرزاقاً واسعة تجري عليهم فلما مات أحمد بن طولون وقام من بعده ابنه أبو الجيش خمارويه أقرهم بحالهم وأجراهم على رسمهم مع أبيه ومن حينئذ اتخذ الناس قيام المؤذنين في الليل على المآذن وصار يعرف ذلك بالتسبيح فلما
ولي السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب سلطنة مصر وولي القضاء صدر الدين عبد الملك بن درباس الهدباني الماراني الشافعي كان من رأيه ورأي السلطان اعتقاد مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري في الأصول فحمل الناس إلى اليوم على اعتقاد حتى يكفر من خالفه وتقدم الأمر إلى المؤذنين أن يعلنوا في وقت التسبيح على المآذن بالليل يذكر العقيدة التي تعرف بالمرشدة فواظب المؤذنون على ذكرها في كل ليلة بسائر جوامع مصر والقاهرة إلى وقتنا هذا ومما أحدث أيضاً التذكير في يوم الجمعة من أثناء النهار بأنواع من الذكر على المآذن ليتهيأ الناس لصلاة الجمعة وكان ذلك بعد السبعمائة من سني الهجرة. لي السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب سلطنة مصر وولي القضاء صدر الدين عبد الملك بن درباس الهدباني الماراني الشافعي كان من رأيه ورأي السلطان اعتقاد مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري في الأصول فحمل الناس إلى اليوم على اعتقاد حتى يكفر من خالفه وتقدم الأمر إلى المؤذنين أن يعلنوا في وقت التسبيح على المآذن بالليل يذكر العقيدة التي تعرف بالمرشدة فواظب المؤذنون على ذكرها في كل ليلة بسائر جوامع مصر والقاهرة إلى وقتنا هذا ومما أحدث أيضاً التذكير في يوم الجمعة من أثناء النهار بأنواع من الذكر على المآذن ليتهيأ الناس لصلاة الجمعة وكان ذلك بعد السبعمائة من سني الهجرة.
قال ابن كثير ﵀ في يوم الجمعة سادس ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وسبعمائة رسم بأن يذكر بالصلاة يوم الجمعة في سائر مآذن دمشق كما يذكر في مآذن الجامع الأموي ففعل ذلك من المقريزي انتهى وعين السيد عبد الغني الصباغ امام الجهرية والعلامة الشيخ جابر امام السرية وعين له أربعة مؤذنين وعين شعالين وفراشين وقارئ يقرأ النعت وكناسين ولكل باب من أبوابه الثلاثة بواباً وأسكن الثلاثين حجرة ثلاثين رجلاً من أهل البلدة أو من غيرها وشرط عليهم البيتوتة في الجامع وملازمة الصلوات الخمس وقراءة جزء من القرآن العظيم بعد صلاة الصبح وفي أثناء الجامع صار متسلماً بحلب وجاءته رتبة روملي ثم أنعمت عليه الدولة برتبة الوزارة ومنصب طرابلس ثم عزل عنها وولي سيواس ثم دمشق وحج منها أميراً للحاج ثم ولي حلب فدخلها سنة خمسين ومائة وألف وشرع في عمارة المطبخ المسمى بالعمارة على باب جامعه الشرقي ثم ولي آدنة وفي هذا لان تكب أطنه ثم بروسه وعين لمحافظة بغداد ثم ولي ايالة صيداً ثم ولي جدة ومشيخة الحرم المكي فأقام بمكة المشرفة إلى أن توفي في ذي القعدة سنة ستين ومائة وألف ودفن هناك رحمه الله تعالى.
عثمان الحلبي
عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الرزاق بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرزاق بن شهاب الدين أحمد بن يوسف بن عقيل بن تقي الدين أبي بكر عبد الرحمن بن برهان الدين بن إبراهيم ابن أبي عبد الله محمد بن أبي حفص أحمد
стр. 769
بن زين الدين سويدان بن شهاب الدين أحمد بن القطب الشيخ عقيل المنبجي منبج على وزن مجلس وفي النسبة منجاني وانبجاني قدس سره ابن الشيخ شهاب الدين أحمد البطائحي بن الشيخ زين الدين عمر بن الشيخ عبد الله البطائحي بن الشيخ زين الدين عمر بن الشيخ سالم بن الشيخ زين الدين عمر ابن سيدنا ومولانا الامام الزاهد عبد الله ﵁ ابن سيدنا ومولانا أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب ﵁ العالم العامل المسلك المرشد الشافعي الحلبي ولد في منتصف شهر ربيع الأول سنة خمس وثلاثين ومائة وألف وحفظ القرآن وهو ابن ثلاث عشرة سنة وأخذ الطريقة العقيلية عن آبائه مسلسلة إلى سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ وأخذ العلوم عن عدة من الشيوخ كالشيخ طه الجبريني والشيخ عبد الكريم الشراباتي والشيخ عبد القادر الديري وأجاز له الشيخ محمد ابن الطيب المغربي المدني وحج سنة ست وسبعين فأخذ بالمدينة عن الشيخ محمد بن عبد الكريم السمان والشيخ محمد بن عبد الله المغربي المدني والشيخ محمد بن سليمان المدني وأخذ بدمشق عن العلامة علي بن صادق لطاغستاني.
عثمان العرياني
عثمان بن عبد الله الشهير بالعرياني الحنفي الكليسي الأصل الحلبي المولد نزيل قسطنطينية العالم الفاضل البارع له من التآليف شرح الهمزية وشرح النونية في العقائد لخضر بيك وشرح الحزب الأعظم لعلي القاري علي القاري في الخلاصة وغير ذلك وقد أطلعت على هذه المؤلفات له وأنا في الروم قطن الديار الرومية مدة وأعقب بها ثم ارتحل للحرمين وجاور بالمدينة المنورة وتوفي بها وكانت وفاته في سنة ثمان وستين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
عثمان المجذوب
عثمان بن عبد الله المجذوب نزيل قسطنطينية كان في الأصل من أرقاء المولى محمد سعيد قاضي العساكر في الدولة العثمانية ورئيس الأطباء في المعهد المحمودي ثم حصل له جذب الهي وكان قرأ القرآن وشيئاً من العلوم وتعلم الخط فترك الجميع واستغرق وظهرت له أحوال خوارق وحصل على الولاية واعتقده العام والخاص حتى سلطان وقتنا السلطان عبد الحميد خان اعتقده وظهرت له كرامات حتى انني في رحلتي الأولى للدولة شاهدت منه كرامة ظاهرة وكان مستقيماً في اقميم حمام السلطان أبي يزيد خان وكانت وفاته في يوم الثلاثاء ثالث جمادي الثانية سنة سبع وتسعين ومائة وألف وجاء تاريخه
стр. 770
موت مجذوب ودفن لصيق باب الأوض اسكي اوطه لر العتيقة المعدة للينكجرية بالقرب من جامع الشاه زاده بأمر من السلطان المذكور وحجر قبره من التحجير ووضع عليه هيئة كسوته المولوية التي كان يلبسها رحمه الله تعالى.
عثمان باشا الوزير
عثمان باشا بن عبد الله الوزير الكبير الصدر الشهم الدستور المعظم صاحب الخيرات والمآثر الجميلة كان من موالي الوزير الكبير أسعد باشا بن العظم فجعله متسلماً عنه في حماه ثم بعد ذلك لما عزل الوزير المرقوم عن دمشق وولي سيواس واستشهد بها بأمر الدولة قبض على صاحب الترجمة وأخذ إلى الروم يؤدي حسابات للدولة بخصوص تركة المرحوم أسعد باشا فلما وصل إلى قسطنطينية أدركته العناية فتخلص من ذلك وأعطته الدولة كفالة دمشق بثلاثة أطواغ وجهت له بدمشق وآياتها فرجع ودخل الشام في ثالث جمادي الأولى سنة أربع وسعين ومائة وألف وكانت أيامه أيام فرح وسرور وأمان ودعة وفي سابع عشري جمادي المذكور من السنة المرقومة بولادة السلطان الأعظم سليم خان بن السلطان مصطفى خان أيد الله كلمتهم وأيد دولتهم هو السلطان سليم الثالث الشهيد رحمه الله تعالى قام المترجم بعمل زينة في دمشق فصارت زينة عظيمة في سبعة أيام وبذل صاحب الترجمة في ذلك أموالاً عظيمة وكان له يد طولى في تعمير طريق الحاج الشامي فعمر عدة قلاع وشيئاً كثيراً في الطريق وعمل ذلك بالأحجار والصخور وفي سنة ثلاث وثمانين ومائة وألف بنى قناة داخل صخن الجامع الشريف الأموي وأجرى لها الماء من نهر القنوات وصرف على ذلك أموالاً كثيرة وصار بها فرج للناس عند انقطاع نهر بانياس وكان متولي الجامع إذ ذاك والدي فأرخ ذلك بقوله
لقد جاء الوزير بخير بر ... لجامع شامنا من غير سو
فيجزيه الآله بكل خير ... على فعل المبرة بالنمو
وما مفتي دمشق أتى ببيت ... بتاريخين يعلن بالسمو
لعثمان الوزير سبيل وسع ... لمسجد سعده لأجل الوضو
ثم في سنة خمس وثمانين بعد قدومه من الحاج جاء لدمشق محمد بيك الملقب بأبي الذهب وحاصرها وأخذها كما قدمنا ذكر ذلك ثم في تلك السنة عزل صاحب الترجمة عن دمشق وتوفي سنة ست وثمانين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
عثمان البقراصي
عثمان بن عمر البقراصي الحنفي الحمصي كان فاضلاً فصيحاً تولى افتاء حماه واستقام
стр. 771
مدة بها وكان صالحاً وقد انتفع به جماعة وتوفي بحماة في نيف وسبعين ومائة وألف ودفن خارجها بباب المدرج رحمه الله تعالى.
عثمان بن بكتاش الموصلي
عثمان بن عمر المعروف ببكتاش زاده الموصلي الشاعر الأديب الناظم الناثر ترجمه بعض فضلاء الموصل وقال في حقه هذا الأديب والشاعر المصيب والفصيح بقوله وحلاوته والمبتكر للمعاني بطلاوته دبج القراطيس بمداد تأليفه وروج سعر الشعر بحسن سبكه لدرر الألفاظ وترصيفه جدير بأن يشار إليه بالبنان بين الشعراء والأقران فله قصائد عديدة فمن نظمه قوله يمتدح المرحوم السيد عبدي أفندي عندما ولي افتاء الموصل يهنيه بأبيات كل شطر منها تاريخ وقد شهدت بقوة طبعه ومهارته في فن الأدب وسلامة قريحته فأبدع وأغرب حيث قال
على قمر الاقبال في أفق اليسر ... وزان باكليل الهنا جبهة البشر
تلألأء بالفتح المبين هلاله ... فباهى به المشكاة كوكبها الدري
كسى بالفتاوي عابداً حلة الهدى ... وألبس عطفيه العلي حلة القدر
فأضحى لباب المدح لما زهى الولي ... على بعبيد الله منشرح الصدر
فتى أوجز الفتوى بمنهاج مجده ... وزاد عليها علة الكسر والجبر
تبقر في علم الولي وهو يافع ... وأدنى مقاليد الثنا وهو في الحجر
يلخص في أوفى المعاني بيانه ... بديع طوايا رفده الفائق النشر
سريع العطايا مدها متداركي ... ببحر ندى لم يجزر الوعد عن قصر
جواد عطاء لو تجاريه دجلة ... لجالت عيون من لجين على الجسر
ولو قهر الاكرام أيتام نيله ... لحط نداه سائل التبر في نهر
تكاد البحار السبع جداً ببذله ... يفجرها من بسط أنمله العشر
أبى الله أن تستنكح السحب جوده ... لتطرح ماء حملها لؤلؤ القطر
تناسيت أحبابي زماناً ومنزلي ... بدعواه ما جاءت قفا نبك في ذكرى
سلالة آباء ولاة أكابر ... جمانة أبناء أطايبة طهر
حليف النهى والحلم والعدل والسخا ... أخو المجد والآلاء والعفو والبر
له أخوة حازو وأبناهم هدا ... بأجدادهم أهل النوال بني الفخر
مدارس علم الله خزان جوده ... معاجزه الأبرار في السر والجهر
فمن مثلهم أصلاً وحيدر جدهم ... حليم محل الحلم صنو الفتى الطهر
стр. 772
فيا شرفاً يزهو ببطحاء مكة ... ويا نسباً دار له شرف البدر
أبوهم بهاء المجد هم بهجة الثنى ... بنوهم أكاليل الهدى جدهم فخري
أمولاي يا مولاي دعوة شاكر ... لا نعمكم شاكي إليكم جفى الفقر
يأرخها داعيك يا جوهر البها ... مدى كل شطر عم حسناً على الدر
فلا زلت في مجد الولاية زاهياً ... باقبال سعد مسبل مدة العمر
وله أيضاً كل شطر تاريخ في وفاة المرحوم السيد يحيى أفندي مفتي الموصل في تلك السنة
حيتك يا مرقداً وأرى هلال هدى ... سحابة الفوز بالحسنى مع الرسل
وآنستك بهام هامل ونعت ... نفس الفتاوي أنيس العلم والعمل
لقد حويت حسيباً طالما سجدت ... في البيت جبهته الفيحاء للأزل
عز فللناس أسخى سيد سند ... زين بأبهى برود المجد مشتمل
طوبى له فاز بالاخرى بنيل علا ... من رحمة الله لم يوصف ولم ينل
وحل أعلى محل شامخ وبدا ... يطوف في جنة الفردوس في حلل
فليبك جزماً على الفتوى اليراع دما ... لفقده وليرثيه فم الوكل
همى بحسن قبول حين أرخه ... بكل شطر يراع الوافدين جلي
يا من يروم مثيلاً بالمقام له ... مهلاً فما لسداد العقل من مثل
بمن تشبه يحيى في الصلاح وقد سعى إلى الخلد في يحيى الامام علي وله غير ذلك وكانت وفاته في أواخر هذا القرن أعني الثاني عشر رحمه الله تعالى وأموات المسلمين أجمعين.
عثمان الحافظ
عثمان بن علي المعروف بالحافظ الحنفي القسطنطيني الكاتب المشهور أحد أفراد الدهر كان والده مؤذناً بأحد جوامع قسطنطينية وولد المترجم في حدود سنة اثنين وخمسين وألف ونشأ بالبلدة المزبورة وأخذ الخط وأنواعه عن درويش على الكاتب الرومي المتوفي سنة أربع وثمانين وألف وباذنه عن صويولجي إن صوايولجي هو المأمور على تقسيم المياه واصلاح طرقها واعطائها إلى الدور والمحلات وفي الشام يقال له شاوي وأوصاف هذه الطائفة يذكرونها في أوراق الحوادث التي تطبع في زمن قلة المياه وعدالتهم بها على حسب قوة أصحاب الحق وضعفهم فلا تظن مكرهم أخفى من الماء تحت الرفة وكانت مياه مصر بيد السقاة والأسهلها ولاة مصر بالاسكندرية والقاهرة لأطفاء حر أكباد الضعفاء
стр. 773
من السقاة انتهى زاده مصطفى وإسمعيل نفس زاده الكاتبين المشهورين وبرع ومهر بالخطوط وأنواعها وأعطاه الله الشهرة التامة والتفوق على أهل عصره واشتهر اشتهار الشمس وتنافس الناس في خطه وبيع بالثمن الغالي ورغبت فيه الناس وفاقت شهرته على خط ياقوت وإلى الآن يتداول بين أيدي الناس بالقبول والرغبة وانتسب في أوائل أمره المترجم للوزير مصطفى باشا الكبرى كوبريلي الصدر الشهيد وفي سنة ست ومائة وألف وصار معلماً للسلطان مصطفى خان ابن السلطان محمد خان وأعطى قضاء ديار بكر وبعد عزله أعطى قضاء آخر على وجه التأييد كما هو دأب الدولة العثمانية وأحبه السلطان المذكور وأخذ عنه الخط النسخي والثلث وغيرهما أناس كثيرون وفاق واشتهر أمره مقدار أربعين سنة وقبل وفاته بثلاث سنوات عطل بداء الفالج وكان مع هذه الشهرة صاحب ملاطفة وانطراح وتودد وتغلب عليه الصلاح والديانة قيل كتب بخطه المرغوب الحسن خمساً وعشرين مصحفاً شريفاً تغالى الناس بهم وحصلت له الشهرة التامة وكانت وفاته بقسطنطينية سنة عشرة ومائة وألف رحمه الله تعالى صاحب ترجمة حافظ عثمان أوله بور
عثمان العمري الموصلي
عثمان بن علي العمري الموصلي صاحب الفضائل والفواضل أبو النور عصام الدين الأديب الشاعر البارع المفنن الناظم الناثر له في الأدب النوادر الغضة والمحاسن التي هي أنقى وأظرف من الفضة ولد في حدود سنة أربع وثلاثين ومائة وألف وقرأ على الشيخ درويش الكردي والعلامة جرجيس الأربلي وسافر إلى صوران على وزن سحبان قرية باليمن فقرأ على عامة علمائها كالشيخ الصالح فضل الله الحيدري والشيخ فتح الله والشيخ صالح وغيرهم ورجع فاستخدمه الوزير حسين باشا ورحل معه إلى القرص ووان وولاه بعض البلاد الصغيرة كأرويش وما زال مكرماً عنده حتى عاد قبل السبعين فاستخدمه الوزير الكبير محمد أمين باشا ومكث عنده سنين ثم رحل إلى القسطنطينية فولي حساب بغداد ودفتر قلاعها وأراضيها ومياهها فمكث على ذلك قدر أربع سنين إلى أن ولي الوزارة علي باشا فحبسه وأذاه ثم أطلق وعاد إلى الموصل راجعاً فقبض عليه ثانياً في قلعة كركوك ثم أطلق وعاد إلى الموصل ومكث فيها قريباً من سنة ثم رحل في رمضان في سنة ست وسبعين ومائة وألف إلى القسطنطينية وركب في البحر وفي الطريق صادفه بعض خدام النواب الأعظم وعندها أمر له بالعود إلى بغداد لمحاسبة أهلها وقد مات وزيرها علي باشا ووجهت إلى عمر باشا ولما وصل ماردين منع من العود
стр. 774
وبقي فيها برهة ثم أطلق سبيله فعاد إلى الموصل فلم يدخلها حتى وصل أربل فلم يتمكن من مجاوزتها ومكث مدة ثم أمر به إلى قرية في قرب بغداد تعرف بالدجين ومكث هناك يسيراً ثم أمر به إلى الحلة وقد قاسى الأهوال العظيمة وكان بعد موت سليمان باشا قد جعل نائباً في الحكومة والامارة قائماً مقامه حتى ورد الأمر الشريف بعزله وولي ذلك الوزير المكرم أمين باشا ومعادات الوزرا له سببها ولايته أمر بغداد وبذله الأموال حتى صار في الكرم والسخاء حاتم زمانه ومأمون أوانه وقد مدحه من الشعراء الجم الغفير بالقصائد البديعة وبعد انقضاء أيام الحصار وكشف تلك الغمة سافر صحبة الوزير محمد أمين باشا إلى القسطنطينية وفي عوده منها دخل حلب الشهباء وبالجملة فقضاياه ومناقبه تحتمل أسفاراً عديدة وله مؤلف حافل في تراجم أبناء العصر سماه الروض النضر حذافيه حذو الريحانة والنفحة وله شعر كثير فمن ذلك قوله من قصيدة يتشوق بها إلى بلدته الموصل
ما فاح نشر صبا تلك المعالم لي ... إلا وأذريت دمع العين في وجل
ولا شدا الورق في أيك على فنن ... إلا وصرت لشوقي جاري المقل
ولا تذكرت أوطاني ومنزلتي ... إلا وأيقنت إن العز بالنقل
أين العراق وتلك الداراين سنا ... تلك الجنان ففيها قد حلا غزلي
أين الأهيل أصيحابي بنواربي ... يا حسرتا لفراق الأهل والخول
ومنها
لله إذ كنت فيها في صفا وهنا ... وطيب عيش مضى أحلى من العسل
ومنها
الغيث فيها لذيذ قد حلا وغلا ... ونلت فيها مني خال من الزلل
والدهر قد ضمنت أيامه جدلا ... وأكمنت لي ليالي السود للجدل
فما شعرت بقدر الدهر من سفه ... وما انتبهت له حتى تنبه لي
فصار يلفظني أيدي سبا حنقا ... على معاملتي إياه في الأزل
٣ - يوماً بحزوي ويوماً بالعقيق وبال ... حزون يوماً ويوماً ذروة الجبل
والعز يوماً ويوماً رفعة وعلا ... والذل يوماً ويوماً رتبة السفل
فأنحل عقد اصطباري لوعة وغدا ... صحيح حال محل الفكر والعلل
كيف الوصول وهذا الدهر يقعدني ... عن النهوض إلى لذاتنا الأول
بذلت جهدي فلم تنفع مجاهدتي ... واحتلت فيه فلم تنفع به حيلي
стр. 775
ومنها
وأشدد لها حزم صبر غير مضطرب ... وأسلك لنيل مناها أصعب السبل
وانهض لنيل العلا واركب لها خطرا ... ولا تكن قانعاً في مصة الوشل
فهامة المجد عندي ليس يركبها ... من كان يقنع من دنياه بالبلل
وله غير ذلك من القصائد الفائقة والرسائل الأنيقة الرائقة.
عثمان الصلاحي
عثمان بن علي الصلاحي العلمي الحنفي القدسي خطيب المسجد الأقصى وامام الصخرة المشرفة نشأ في حجر أبيه وقرأ عليه كتباً عديدة وكان والده من الأفاضل ويغلب عليه معرفة العلوم العربية ولزم درس الشيخ علي اللطفي وكان يلازم المطالعة في داره ويباشر الخطابة بنفسه وله صوت جيد تميل إلى سماعه أهل بلدته حتى إن يوم خطبته يمتلي الأقصى ناساً لسماع خطبته وسافر إلى مصر مراراً وكانت عليه وظيفة جباية أوقاف المصريين التي بمصر فيذهب غالباً بنفسه ويأتي بها وبعض السنين يرسل من ينوب عنه فيها ثم نازعه السيد علي بن جار الله في وظيفة الامامة فسافر بسبب ذلك إلى الروم وجاء بأمر سلطاني ورفع يده عن الوظيفة وعدل عن التردد إلى مصر واستقام على حالته إلى أن مات وكانت وفاته كما أخبرت في سنة ثمان وستين ومائة وألف ودفن في مأمن الله بتربة الصلاحية رحمه الله تعالى.
عثمان الشمعة
عثمان بن محمد بن رجب بن محمد بن علاء الدين المعروف بالشمعة الشافعي البعلي الأصل الدمشقي الشيخ الامام العلامة الحبر المفنن النحرير ولد قبل الثمانين وألف بقليل واشتغل بطلب العلم على جماعة من العلماء الأجلاء منهم الشيخ إسمعيل المفتي والشيخ نجم الدين الفرضي والسيد حسن المنير والشيخ عبد القادر بن عبد الهادي العمري والأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي والشيخ أبو المواهب الحنبلي وغيرهم وبرع في العلوم وكان له ذهن ثاقب وذكاء مفرط ففلق في إحراز الفنون والمعارف وتفيأ من الكمالات في ظلها الوارف واشتهرت براعته وظهرت سيادته وجلس لإفادة العلوم بالجامع الأموي وعكف عليه نجباء الطلبة في كل فن من العلوم النافعة فكان يقرئ في أكثر من عشرة علوم وفي أصول الدين والفقه وأصوله والفرائض والحساب والنحو والصرف والمعاني والبيان
следующие страницы →