Полный текст (1 167 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
من العلم والدنيا فبدولته تضرب الأمثال حتى إنه في يوم واحد أضاف سبعة من الأمراء بجنودها وتولى افتاء بغداد مقدار سنتين وتولى القضاء والافتاء بالموصل أيضاً وله سفرات عديدة إلى قسطنطينية وله شعر لطيف منه قوله يمدح بها فيض الله أفندي شيخ الاسلام
خد تورد بارتشاف الأكؤس ... قرنت لواحظه لطرف أنعس
أم ذا أحمر أربان في وجناته ... وأظن أورثه لهيب تنفسي
أم ذا شقيق الحسن أحمر ساطع ... أوراقه أس العذار المفرس
ومنها في وصف الروض
فبدت بها الأشجار شبه عرائس ... تحكي ببهجتها الجوار الكنس
رقصت بلابلها على أغصانها ... طرباً لبهجة وردها المترأس
فالياسمين معانقاً أدواحها ... قد قلدته حمائلاً من سندس
أما الشقيق فشققت أطواقه ... والخال في فيه كمسك أنفس
والأقحوان الثغر منه باسم ... وكذلك الغض العيون النرجس
يختال في قضب الزبرجد مائلاً ... والرأس منه مائل بتنكس
إلى أن قال
فأشرب معتقة الدنان شمولة ... تذر الهموم صحيفة المتلمس
وأسطو على خطب الزمان ببأسها ... إن المدام أنيسة المستأنس
هذا هو العيش الهني ففز به ... والجا بخطبك للمحل الأقدس
فهو المحل المستنير بمن غدت ... أراؤه عوناً على الزمن المسي
وكان مولده سنة ستين وألف وتوفي سنة سبع وأربعين ومائة وألف ودفن بالموصل رحمه الله تعالى.
علي بن كرامة الطرابلسي
علي بن مصطفى ابن أبي اللطف المعروف بابن كرامة الحنفي الطرابلسي الفاضل الشهير والعلم الكبير كان ذا جاه ودأبه السكون حتى في المداعبة وكان له شعر لطيف مع فقر حسنة بديعة وتولى افتاء طرابلس الشام برهة من الأيام ولم يزل في أفياء منصبه قائلاً وفي حلل الراحة رافلاً حتى رج عليه الدهر أصناف صروفه وخطوبه فنفى ثم بعد ذلك أعانه الاعانة الربانية بتوجه الاسعاف من وجوه العلماء والأشراف وأهل النجدة والانصاف ثم توجه عليه افتاء حلب ولم يزل فيها قرير العين بعزه وجاهه إلى
стр. 842
أن مات وكان ألف رسالة فأظهر عليها نقاد المشايخ كالعلامة الشيخ محمد شمس الدين التدمري والشيخ الخليلي وغيرهما وبالجملة ففضله مشهور وقد أرادت اخوته أن يتميزوا بوصفه فكبا جواد همتهم في حومة التمثيل والتنظير ولم يقدروا على اشتمام عرفه ولا اجتناء ثمره النضير وكتب إليه حامد العمادي المفتي بدمشق حين أعاره الجزء الأول من خزانة الأكمل فاستحسنه العمادي المذكور وأرسل له قوله
إن المحبة في الفؤاد وإن ترم ... تنظر لقلبي فهو عندك شاهد
وإليك ما يغني الأنام بحبه ... أهديتها مني وإني حامد
أرسلت معها من خزانة فضلكم ... جزأ لكم عندي وأنت الماجد
فلأنت أكمل من تفرد بالوفا ... دم منهلاً يأوى إليك القاصد
مع من تحب ومن تود ومن يكن ... ياءوي إلى علياك يا ذا الواحد
وكانت وفاة صاحب الترجمة في سنة اثنين وستين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
علي الدباغ
علي بن مصطفى الملقب بأبي الفتوح الدباغ المعروف بالميقاتي الشافعي الحلبي صاحب العلوم الغزيرة والتصانيف الشهيرة العالم الامام المحقق المحدث الأديب الماهر النحرير الشيخ البارع المدقق القدوة كان أحد من أنجبتهم الشهباء في زماننا واشتهروا بالفضل والأدب وكان له في كل فن القدح المعلي على الهمه كاشفاً في المعلومات كل مدلهمه ولد في سنة أربع ومائة وألف وقرأ القرآن واشتغل بطلب العلم على جماعة كالعالم الشيخ أحمد الشراباتي والفاضل الشيخ سليمان النحوي وارتحل إلى دمشق وأخذ بها عن الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي والشيخ محمد الغزي مفتي الشافعية والشيخ عبد الكريم الخليفتي المدني والشيخ عبد الله بن سالم البصري المكي والشيخ أبي الطاهر الكوراني المدني والشيخ محمد عقيلة المكي والشيخ أبي الحسن السندي نزيل المدينة والشيخ محمد المعروف بالمشرقي المغربي تلميذ الفاسي شارح دلائل الخيرات والشيخ يونس المصري والشيخ محمد بن عبد الله المغربي والشيخ منصور المنوفي والشيخ عبد الرؤف البشبيشي والشيخ أبي المواهب الحنبلي الدمشقي والشيخ محمد بن علي الكاملي الدمشقي وله مشايخ كثيرون من أهل الحرمين ومصر والقدس وغير ذلك وكان له المعرفة التامة بالأنساب والرجال والتاريخ وكان موقتاً بجامع بني أمية بحلب وله من التآليف شرح علي البخاري وصل فيه إلى الغزوات وحاشية على شرح الدلائل للفاسي وكان شعره رائقاً نضيراً وله مقاطيع وموشحات وغير ذلك فمما وصلني من ذلك قوله
стр. 843
لرؤية وجه المصطفى النور كله ... على حسب استعداد رائيه نورها
هي الشمس تعطي الشيء ظلاً بمثله ... وإن قلت الجدوى فمنا قصورها
وله تضمين الحديث الشريف المسلسل بالأولية
أول ما أسمعنا أهل الأثر ... مسلسل الرحمة عن خير البشر
للراحمين يرحم الرحمن ار ... حموا لمن في الأرض تحظوا بالبشر
إن الجزا يرحمكم من في السما ... ء وحسبنا رحمته من الظفر
وله في النعل الشريف
لنعل طه من التشريف مرتبة ... تهدي إلى حاملي تمثاله نعما
فاجعل على الرأس تمثالاً لا لصورته ... وقبل النعل إن لم تلثم القدما
وانظر إلى السر منه للمثال سري ... وكل مثل حذوه صار ملتثما
وله
من شرف الحب وتخصيصه ... أن يلحق الأدنى بعالي الرتب
لذا جعلت الحب للمصطفى ... وشاهدي المرء مع من أحب
وله
في رؤية المختار من خلفه ... كما يرى قدامه في الشهود
اختلفت آراء من قبلنا ... والحق بالعين بهذي الحدود
ولا عجيب أن يرى بعضه ... من هو عند الكل عين الوجود
وله مضمناً
وفى لي حبيبي بالوعود وعندما ... طمعت بوصل لا يقاومه شكر
تبدي رقيبي واعترتني هزة ... كما انتفض العصفور بلله القطر
والأصل فيه قول بعضهم
وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلله القطر
وقد ضمنه أحد الأدباء في المجون فقال
رعى الله نعماك التي من أقلها ... قطائف من قطر النبات به قطر
أمد لها كفي فاهتز فرحة ... كما انتفض العصفور بلله الفطر
ومن نثر المترجم ونظمه ما كتبه مقرظاً به على رسالة الأديب البارع الشيخ سعيد ابن السمان التي ألفها في المحاكمة بين الأمرد والمعذر وهو قوله يا من حمى بسيوف اللحاظ حمى الخدود النقية وجعل لبعضها من العذار حمائل ودبج باخضرار تلك الصفحات واحمرار هاتيك الوجنات حلة الحسن اليوسفية فنزلت من أحسن تقويم في أشرف المنازل وزين العيون بالدعج والثغور بالفلج
стр. 844
والنحور بالبلج وهيم في مجالي أشعتها الجمالية نفوساً كوامل وركب حب الجمال في الطباع وأوقف على رؤيته العيون وعلى وصفه الألسن وعلى سماعه الأسماع ونشر الحسن في الأفراد ولم يقصره على الأجناس والأنواع فكان أكبر دليل على كمال القدرة والاتساع وربط سلسلة الموجودات بالمحبة عاليها والنازل فسبحان من تفرد بالابداع والكمال وهو الجميل يحب الجمال نصبه على وحدانيته فالسعيد من نظر لما أبدع بعين الأعتبار وتأمل كيف يولج النهار في الليل ويولج الليل في النهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار وانتقل من نظرة الصنعة إلى الصانع المختار ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك قفنا عذاب النار وأزل عن بصائرنا حجاب الغفلة حتى لا نرى شيئاً إلا رأيناك قبله واجعلنا ممن يستدل على المؤثر بالآثار نحمدك على نعمة الايجاد والتكوين والتركيب في أحسن صورة وتلوين حمداً يوصلنا إلى توحيد الأفعال ويذهلنا عن رؤية الأغيار ونصلي ونسلم على أكمل مخلوق من حضرة الجمال والجلال المحلي بجميع أقسام الحسن وسائر أصناف الكمال فكل حسن في العوالم منه تنزل وبه تعرف وعلى تفنن واصفيه بحسنه يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف سيدنا ومولانا محمد المحب المحبوب والطالب المطلوب وباب الوصول إلى رضى علام الغيوب وعلى آله وصحبه وسلم ثمار غصون المحبة ونتيجة قياس الود والقربة صلاة وسلاماً دائمين دوام وصل الوصال يقضيان بالحب الدائم وكمال الاتصال آمين أما بعد فإني ألقى إلى كتاب كريم وخطاب بالبراعة وسيم بالبلاغة في المحل العظيم يصحبه رسالة حاوية لأقسام الفصاحة والجزالة تكاد من عذوبة الألفاظ تشربها أفئدة الحفاظ أنشأهما الأديب الفاضل الآتي مع تأخر عصره بما لم تأت به الأوائل ذاك السعيد صفة ولقباً والفريد ترسلاً وأدباً سباق غايات الكمال طلاع ثنايا المعرفة والأفضال صاحب الملكة التي يقتدر بها على اختراع ما يريد مما لم تصل إليه أفكار الصابي والصاحب وابن العميد أبقاه الله تعالى لعارفة يسديها وفائدة يبديها ومعارف ينشرها بعد أن كاد الزمان يطويها فتأملت في حسن رسالته المعجب ووقفت منها على المرقص والمطرب
وقفت كأني من وراء زجاجة ... إلى الدار من فرط الصبابة انظر
ذكرني الظعن وكنت ناسياً وصبوة مضت وعيشاً ماضياً أيام أمشي لحانات الهوى مرحاً ولي على حكم أيامي ولا يأت أيام شرخ شبابي روضة أنف أنف على وزن عنق يقال روضة أنف ومؤنف أيضاً كمحسن إذا كان لم ترع قاموس ما ريع منه بروع الشيب ريعان حيث المنازل روضات مدبجة وحيث جاراتها
стр. 845
حور وولدان حيث الهوى قد كان في طوع يدي ومنيتي مساعدي ومسعدي وحيث ما يذكره أضن أذكر لها حوارها نحن ضمنها المفاخرة بين خالي العذار والحالي وأتى من مدح الشيء وذمه بالعاطل والحالي نسج على منوال عمرو والزبرقان في مجلس سيد ولد عدنان ﷺ واقتدى بالجاحظ والثعالبي وهما اماما البيان إلا أنه وافق عبد المحسن الصوري في نشر محاسن محبوبه ولم يجنح لغيره ومشى تحت اللواء النباتي إلى أن وصل إلى مقام الحيرة غير أن ابن نباتة حين تحير عمل بكلا الأمرين وحسم مادة الشك ولم يتحير والظن بالمولى إنه بحلاوة هذا المشرب وتحت هذه المروحة قائل وإليه ذاهب وكأني به قلد ابن مكانس وللناس فيما يعشقون مذاهب وربما ألجأته لهذا صناعة الأدب والعشرة كما أجاب من سئل عن دواء الخمار وصنف النواجي الحلبة ولم يذق كل منهما الخمرة ذكرتني رسالته العهد القديم والألف والنديم والصد والنعيم فشأنها وشأني إن أفاضت غروب شأني ولولا الحيا يغشاني لقلت
فيا ولع العواذل خل عني ... ويا كف الغرام خذي عناني
وأيم الله لقد أحيت من موات المهوى الدارس والعافي وأقول على سبيل المداعبة ومشرب الأدباء الصافي
ما يقصد المولى بتحسينه ... ابليس في إغوائه كافي
غير أنها وردت في عصر المشيب وقد شارفت شمس الحياة أن تغيب ولاح صباح الحق وأقصر باطله وعرى أفراس الصبا ورواحله وسد باب التلميح والتعريض وحال الجريض دون القريض الجريض الغصة بالريق وغيره والقريض الشعر أمثال الميداني ومع هذا كله فقد أيقظت كامن الغرام بعد الهجعة وكان كما تقول الشيعة أن تحكم بالرجعة وتعيد المهدي إلى الغي وتلحق الشيخ بولدان الحي
كاد يسعى للتصابي أو سعى ... نبهت من غيه ما أقلعا
واستشارت من أقاصي لبه ... صبوة كان رثاها ونعى
فتلقيتها كما يتلقى الكريم الكرام ولم أقل كما قال جرير وقد أترعت له من عصره إلى الآن كؤس المدام
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام
بل قلت بما جاء عن سيد الأنام ﷺ إن الجواب الكتاب حقاً كرد السلا نعم أقول هلا وردت هذه المعاني والحكم قبل ظهور ندير الشيب والهرم
стр. 846
وطلوع كمين التوبة والعهد على عدم الأوبة وتلافي الحديث القديم بقراءة الحديث والانهماك على ذلك والنهمة والبعد عن مواطن التهم والوصمة وطلب الحماية فيما بقي من العمر والعصمة ونظرت في حالي والجواب فتذكرت أبيات قلتها من قصيدة لبعض الأحباب
وافت وفكري في العناء موزع ... والذهن في بيد الهموم مضيع
وإذا دعوت معاني الشعر التي ... كانت تجيب بدا لهن تمنع
وأنفت من فن القريض وراعني ... من شيب فؤدي والعذار مروع
وصحوت من خمر الصبا وجنحت للتقوى ... أسدد ثوبها وأرقع
فعزمت إني لا أجيب نظامك ... الحسن المعاني بالذي يتبشع
لكن رأيت الامتثال محتماً ... بين الكرام إلى المكارم إن دعوا
فأجبت بالصفر النضار ميقناً ... عجزي وعفوك عن قصوري أوسع
وبعد تمهيد هذا الاعتذار المقبول عند ذوي الاقتدار أسرع في الجواب مسمياً له خلع العذار في وصف الخالي والحالي بالعذار فأقول وإن كان عند أهله نوعاً من الفضول
هو الحب فأسلم بالحشا ما الهوى سهل فما أختاره مضنى به وله عقل أتباع النظرة النظرة يعقب لوعة وحسرة وأصل الهوى الهوان والموت ألوان دمع ساجم ووجدها جم وهيام لا يبرح ثم وراءه ما لا يشرح اختلفت الحدود والرسوم والحق إنه عرض يبقى ويدوم وتفنى دونه الجواهر والجسوم والحب ذوق يطير به شوق ثم وجد لا يبقى معه طوق قالوا ينبغي لمن له قلب رقيق أن لا يدخل إلى سوق الرقيق لئلا يفتتن بالخدود والقدود ووجنات الورود وينقاد بسلاسل العذار إلى جنات الخلود على رغم الحسود ويلتقط من فخ الأصداغ حبة الخال بين نعمان وزرود يا صاحبي وأنا البر الرؤف وقد بذلت نصحي بذاك الحي لا تعج وأما التخير فليس في وسع العاشق ولا رأى في الحب للصب الوامق والصادق مسلوب الاختيار وفي كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار لا يرى سوى محبوبه ولا يناضل عن غير مطلوبه فمتى يصحو من الخمار ويميز بين الخالي والحالي بالعذار فهو السميع والبصير والصب مشغول به عما سواه ولما طاح رأس الحلاج كتب دمه على الأرض الله الله فبح باسم من نهوى ودعني من الكنى أنا من أهوى ومن أهوى أنا نعم الأدباء لأفكارهم يشحذون والشعراء
стр. 847
يقولون ما لا يفعلون وحسبك يقوم لا يستحسن الكذب إلا منهم ولا تستعذب الأوصاف وتروى إلا عنهم فمنهم من يقول بنقي الخد ويجاوز في تفضيله الحد ويقول هو الفلك الأطلس والحمى المصون المقدس الجامع من الأوصاف الحسان بين صفاء أوجه الحور وطلعة الولدان خلا عن المانع والعارض وسلم من المقتضي والمعارض حاز الوسامة والقسامة وجعل ترك العلامة له علامة فهو القمر الطالع في أشر وأشرف المطالع والبدر النازل من القلب والطرف في أعلا المنازل رأى من يقول به أسد بين ذراعي وجبهة الأسد ليس بينه وبين الغيد فرق عند أهل النظر وإذا تغالوا في وصف الجارية قالوا كأنها غلام أو في زي ذكر والمشبه به في وجه التشبيه أعلى وأوقع في النفس وأحلى زاد ضياء وإشراق على شمس الآفاق فحسدت جماله الباهر حتى ظهر فيها نار الحسد وهذا حرها ظاهر وكيف لا يزيد وهي لا يمكن فيها المنظر وتزداد حيراً وهذا يزيدك وجهه حسناً إذا ما زدته نظراً ومن يساويه بالبدر ويعتريه المحاق والكسوف ويغيب وهذا أبداً طالع وبزيادة البهاء معروف تحلي وجهه عن النقوش فحلا ومن باب سمع الكيان سمع الكيان على زنة جمع القيان اسم كتاب فعليك الأوقيانوس ليس وراء حسنه خلا ولا ملا
تبارك من أخلى من الشعر خده ... وأسكن كل الحسن في ذلك الخالي
شابه في إغفال اللحية أهل الجنة وهم ما هم جرد مرد في حالة الرضوان والمنة رضي الخالق عليه فلم ينبت له ما يشين خديه فمرآة وجهه صافية كالسماء الصاحية لم تشيب بالأنفاس ولم تسود نونته بزرافين الأنقاس ولا قارنها دخان نبراس إذا تبدى والسماء من الأنواء صقيلة ارتسم فيها صورة القمر من مقابلة صورته الجميلة إن فاخر البدر رماه بالكلف والنمش وقال لمن يهواه طالما أهوى إلى ساجداً الست ترى في وجهه الترب والغبش تعالت مرآة وجهه إن تصدى وخلت عوارضه من الموانع وجلت أن يكون لها من الند ندا فهي الجميلة الزاهية لا تسمع فيها لاغيه تكل عن استيفاء نعوتها الألسن وتستغني الأفكار بصفاء طلعته عن تحسين ما لا يحسن طالما افتخر على النكريش وذي العارض وطلب في ساحة المباراة مناضلاً ومعارض يقول أنا الأملس الغض وذو الخد الناعم البض وجهي أثير وجمالي وثير ومن يساوي بالشوك والشكر الحرير فلو سمعتم صوت مآتم الشعر من النكريش حين مرور الموسى بخده لتحققتم موت الحسن من وجهه وانتقال الحسن لضده ولو نظرتم العارض إذا ريش وما صفا من ماء حسنه وقد تكدر وتغبش وأسبل عارضاه جناحين صار بهما طائر
стр. 848
حسنه غراب البين وجني حين عفا بهما دمنة وجهه الحسن وعاد منهياً عنه بقول الصادق اللسن إياكم وخضراء الدمن لحكمتم بأن نبات العذار منقصاً من دولة سعده وعرفتم معنى قول ابن سناء الملك يا شعر في نظري ولا في خده كيف واستحال نور خده دجي وزمرده سبجاً وكسف هلاله وحال حاله ومسح جماله وتشوكت وجنتاه وتبدل الظلام بضياه ونسخت آية حسنه فلا تتلى ولبس خده ثوب حداد يبلى الجد بدان ولا يبلى واختفى بدره تحت سراره السرار آخر ليلة في الشهر قاموس ودخل في المثل السائر وتمسك بأستاره كل من مات سود وأباب داره
يا قتيلاً باللحية السوداء ... آفة المرد في خروج اللجاء
شاهدي في ادعاء موتك بيت ... قاله شاعر من الشعراء
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء
يمر بعاشقيه فلا يرفع أحد منهم نظره لرؤياه بعد أن كان إذا مر ترفع الكوى بالمحاجر وتقول ربي وربك الله الكوى جمع الكوه مثل مديه ومدى فالكوة ثقبة في الحائط والمحاجر الحدائق جمع الحجر على زنة مجلس ومحجر العين أيضاً ما يبدو من النقاب لسان العرب
لو عرفنا مجيئكم لفرشنا ... مهج القلب أو سواد العيون
وجعلنا من الجفون طريقا ... ليكون الممر فوق الجفون
فبدلت والدهر ذو تبدل ... هيفا دبوراً بالصبا والشمأل
قلت لأصحابي وقد مر بي ... منتقباً بعد الضيا بالظلم
بالله يا أهل ودادي قفوا ... كي تبصر وأكيف زوال النعم
أسود فاضل قرطاسه وكمد ضوء نبراسه وكدرت شمس خده كدرت من باب تعب يقال كدر الماء زال صفاؤه وهو من باب الأول والثاني والخامس أيضاً حيث هو نقيض الصف ورأى الدنيا من بعده وصار عبد العبد عبده وعلى كل حال فالعذار مكتبة المحبة من قلب العاشق سيما إذا كان المعشوق سئ الأخلاق مع الخلائق وما ظنك بعلة كل يوم تزداد إن عالجها صاحبها أو تركها وقع في الطويل العريض وجمع بين الأضداد وإن قص طائرها ودولة الحسن كأضغاث أحلام كان كالشمس على جناح طائر متى قص وقع وانفصل الكلام وإن جذب وقصر نسب إلى التقصير ولا بد أن يتعذر ويستظرف قول بعض الزجاله فيما يروى عنو يعني عنه هو ينتف وأنا أطالع ومني ومنو منه قلت المعذر من لا نبات بعارضيه مديحه سهل
стр. 849
تيسر ومع الشراهة إن مدحت ومدحته لعارض فاعجب لوصف حازتورية وايهاما مستر وإذا نظرت واعتبرت رأيتهم كل ميسر هذا وعلى قدر جلالة الممدوح تكون المدايح وتستخرج وتستنتج القرايح ولولا الملالة من الاطالة لأستنزفت استخرجت بحار الأدب ودعوت المعاني من كثب كثب بفتحتين القرب وبضم الأول جع كثيب وملأت الدلو لعقد الكرب الكرب بفتحتين الحبل الذي يشد على العراقي مفرده كربه كقصب وقصبه ولكني أبقيت مقالاً لذي الخط الريحاني بالقلم السبحاني والكمال الذي أكثرت فيه الشعراء التشابيه والمعاني ذي الطراز الأخضر المحفوف بالمسك والعنبر فهو المحلي والحالي والقسيم كما ذكرنا للنكريش والخالي فمنهم من يخلع فيه العذار ويكشف الأستار ويقبل بين دوحة الآس والجلنار ويقيم بين الروضيتين ويغتنم جني الجنتين بينا يعض ناظره على تفاح الخدود ويضم خاطره القدود والنهود وينتشق من آس العذار شميم نعمان وزرود إذ خاطبه أهواؤه بالنبأ العظيم شعر
تمتع من شميم عرار نجد ... فأبعد العشية من شميم
فتزهد عما سواه وتنسك وعكف عليه وبمسكه تمسك يالها حلية يستحسنها القيان القيان بكسر الأول جمع القينة والقينة بفتح الأول الأمة مغنية كانت أم غير مغنية قينة قينتان قينات مثل بيضة بيضتان بيضات الصحاح والمصباح وتصبغ أصداغها بالغوالي تشبهاً بها ألوان وهي بين النكريش والخالي برزخ لا يبغيان فلو رأيته وقد غلف غلف من التغليف يقال غلف القارورة إذا جعلها في غلاف القاموس بالمسك أصداغه فأبدى محاسنه ونبه عيون عاشقيه وعنهم محاسنه المحاسن الأولى جمع الحسن على غير قياس والثاني مركب من كلمتين محا من المحو وسنه من الوسن وهو النعاس لقلت هل يحسن الروض إلا بأزاهيره والخز لا بز بيره ووئيره ويقال الأمرد الصبيح إذا نقش الخط فص وجهه وأورق فضة خده فقد تم طراز حسنه وتساقط المسك فوق أحمر ورده وقال بعض من تهتك بالعذار وبحبه اشتهر خط الوجه الحسن كالسواد في القمر
عذاره زاده جمالاً ... ثم به الحسن والبهاء
لا تعجبوا رينا قدير ... يزيد في الخلق ما يشاء
وعلى قراءة يزيد في الحلق فهو زيادة بها التقديم يستحق وقد جاء وصف العذار بالحسن في حديث من ساد المخلوقات ورأس قال الفقر أحسن بالمؤمن من العذار الحسن على خد الفرس كتب من نسخ هذا التاريخ العذار الحسن في المتن وأثبت على هامشه إن في أصله العسن والظاهر قدم الحسن على العسن والحال قال في القاموس
стр. 850
يقال به عسن بفتح العين فسكون أي طول مع حسن الشعر والبياض فتأمل وراجع لأن العسن على ظني أحسن من الحسن الذي كتبه الناسخ انتهى فإذا زان العذار خد الحيوار فبالأولى أن يزين خد الإنسان فهو زيادة وزينة بالنص والقياس وبها يرد على من يقول طلوع العذار بلوغ سن اليأس بل هو تجديد محبة وستر الصحبة وزي النقبة زي النقبة على زنة عز الرتبة بمعنى لباس الوجه ورعاية المحبوب محبة ورياضة الأخلاق ونزهة العشاق ومسك ذر على شقائق وريحان يوذن بري حان وجميعة ألوان وذواتا أفنان وورد حف بآس من شمه لم ير لداء غرامه آس وهو دائرة ملاحة من الجامع السوهي ما علمنا مقصوده مفروضه أو هالة حسن بشرت بعارض وصل فيها معروضه وخيال جفونه على صفاء خده الخالي أو السعد وفي حواشيه الخيالي أو معنى تصوره تعذر يخفي تارة وتارة يظهر أو هو اللام التي رضى تشبيهه بها أرباب السيوف والأقلام وعدوا التورية بها من بديع الكلام ومن يقول المعذر مهجور وقد صار من أهل الشعور أحبب به نماماً نمنم شعرات الحسن وهاك ما تكل عن وصفه ألسن اللسن وخارجاً مع ضعفه أدعى ملكية أنصار الجمال نازع نعمان الخد في أسود الخال قائلاً هذا عبدي وسرق لونه من عندي ابق مني وأنا عليه دائر وبالمشاكلة نتحاكم فيه إلى أسود الناظر فقضى عن النعمان بالملكية واحتج بأن مذهبه حجة الخارج بالملك قويه فأعجب لضعيف غلب قوياً وأشغرى صار حنفياً وتأمل كم للقوم تشبيه وكم تورية وتوجيه والذكي هذا القدر يكفيه ولما بلغ خالي العذار ما قيل فيه من المدائح والأشعار داخله الزهو والكبر وعطس بأنف النمر واستطار غضباً واستطال وأنشد بيت ضمرة بن هلال
قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن حيال
كيف يفاخرني خالي وأنا حلية الكمال وانظر إليه حرام والنظر إلى حلال وأنا اللمة السوداء في الحلة الحمراء من جمع بينهما فقد غمره الحسن غمراً وحديث أنس ﵁ في الشمائل وإنه لم ير أحسن من مخدومه المتحلي بهما من أكبر الدلائل وأحسن ما يرى القمر إذا حف جانباه بالسواد ولا يقر ورق منظر القرط أس إلا إذا زين بالمداد عشنا إلى أن رأينا في الهوى عجباً كل الشهور وفي الأمثال عش رجباً وفي المثل عش رجباً تر عجباً من مجمع الأمثال يا للشيوخ وللشبان العجب كأني بالزمان وقد انقلب وعوضه عن حمالة الورد بحمالة الحطب وبالسواد الفضاح عن غرر الوجوه الصباح وتناولته أيدي الأطراح ذليلاً من بعد النفور والجماح تحككت عقرب صدغه من عذاره بالأفعى التحكك التعرض والتحرش بالشر يقال فلان يتحكك بك أي يتعرض لشرك واستنت الفصال حتى القرعى ويروى استنت الفصلان حتى القريعي
стр. 851
مثل يضرب لمن يتكلم مع من لا ينبغي أن يتكلم بين يديه لجلالة قدره والقرعى كأسرى جمع قريع من يساوي الكامل بالناقص وأنا جامع الكمال وهو جميعه النقائص شعر وإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني كامل صحبته تهمة وصحبتي ستر ونعمة وجهي الروض المعشب ووجهه القفر المجدب وكم بين كاس وخالي وعار وحالي ووافد وفاقد وطاعة وجناح ورائش ومقصوص الجناح وملثمين حياء ووقاح ومنقوش ومغفل ومعجم ومهمل ونار تأجج وورد تسيح وسهم رائش ونصل طائش وذي حنكة يقال أحتنك الرجل أي استحكم والحنكة بضم الحاء اسم منه وتجريب وذي غفلة أخذ من الأغترار بأوفر نصيب يحمله الطيش والتيه على ازدراء عاشقيه وداده آل هو السراب يميل إلى ذي المال مسارقته النظر تنبه أعين الرقباء واللوام والخلوة به كالأجنبية حرام متى وردت العين ماء حسنه العجيب شرقت قبل زيها بألف رقيب وماء حسني مدين المآرب ليس عليه حائم سوى شارب تتلاعب به نزغات الشباب فلا يفي لأحباب ولا يلوي لأصحاب والشباب مطية الجهل والعذار حلية الكمال والعقل ما دام فيك ريق فهو صاحب لك ورفيق لكل امرء من دهره ما تعودا والحازم لا يثق بوداد أمرد مذق الحديث مخلف الوعد خلقه خلق الوغد رضاه غرامه ومواصلته ندامه طالما أنشد عاشقيه بوده مستهتراً وكيف ترجو الود ممن يرى فهو فرح بحال يحول منشرح بدولة تزول سقاه الجمال خمر الدلال فعربد على العشاق وظن لكثرة الباكين إن الدمع خلقة في المآق فلم يعطف على ظمآن والرحماء يرحمهم الرحمن فإذا التحى من هذا السكر صحا فيطلب من هذا الشرك الخلاص فتناديه المنكسرة قلوبهم ولات حين مناص فيرى أفعاله ولحيته أفعى له وربما عشق فأغروا به معشوقاً وأذاقوه ما كان مذيقاً وربما ضر عاشق معشوقاً ومن البر ما يكون عقوقاً وأنا الثابت الأساس ولباس السواد خير لباس تخيره الملوك من آل عباس ولي الأعتبار في تقلب الأطوار والجمع بين محاسن الليل والنهار وإذا حاكى عذارى الأفق فلا غرو إن تطلع منه الشموس والأقمار وقال وقال واتسع له في ميدان المفاخرة المجال ونسي إن البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الأبل فقال الخالي كثرة الدلائل يستعملها غالباً أهل الباطل لو أنصفت لم تقل حرفاً ومن أمثالهم سكت الفا ونطق خلفا الخلف بالفتح فسكون القول
стр. 852
الردئ وكنت قنعت بتلميح سيف الدولة للسرى الرفا وقنع عارض عدابك الصيب بتأنيب أبي الطيب التأنيب التعييب واللوم إذا رام أن يهز وبلحية أحمق أراه غباري ثم قال له الحق والأمر بالجميل غنى عن البرهان والدليل لم طلبت على محاسننا دليلاً متى احتاج النهار إلى دليل فعند ذلك نظرنا إلى تكافي الأدلة وتساوي حجج البدور والأهلة فإذا لكل وجهة هو موليها وفئة يعجبها ما أدلى به صاحبها ويرضيها ومناط الأمر وملاكه موكول إلى المناسبة والمشاكلة بين المحب والمحبوب وكمال الشبه وفي التحقيق ما مال قلب المحب إلا لصفاته وما عشق إلا ما كمن في ذاته فإذا ليس لأهل الموصل رأى ينبع ولبعضهم ومعذر حلو اللما قبلته نظراً إلى ذاك الجمال الأول وطلبت منه وصله فأجابني ولي زمان تعطفي وتدللي نضبت مياه الحسن من خدي وقد ذهب الروى من غصن قدي الأعدل قلت الحديقة ليس يحسن وصفها إلا إذا حفت بنبت مبقل دعك أتبع قول ابن منقذ طائعاً وأعلم بأني صرت قاضي موصل وبيتا ابن منقذ كتب العذار على صحيفة خده سطراً بحير ناظر
المتأمل بالغت في استخراجه فوجدته لا رأى إلا رأى أهل الموصل ولا لغيرهم مذهب في هذه الأهواء والبدع نعم إن قلنا بتأثير المجاورة في الطباع والأحلام فيكون هذا المشرب جاءهم من مجاورة أبي تمام فقد ذكره في شعره وتروى عنه في أخبار من نثره فقد كان ﵀ تقنع بالحبيب المعمم وعاش بهذا المشرب غير مذمم وتعصب له عصابة في ورود هذه الحانة ذكرهم بلدينا السيد محمد العرضي في سفينته وذيل الريحانة ولما قرر بقراط هذه المسألة رماه بعض من يبغضه بمعضله وقال إن فلاناً الزاني بحبك مبتلي قال نعم أنا أحب الزنا ويمنعني عنه الحيا من الملا ولا أشرف من الأستدلال بخبر المرء على دين خليله فلينظر أحدكم لمن يخالل ثم إن المحبة لا تستلزم الرؤية والاجتماع فهناك من يعشق بجارحة السماع وهذا هو الحب المعنوي والمقام الموسوي واللحظ العيسوي وفي جذب المغناطيس للحديد تقريب لهذا البعيد شعرالمتأمل بالغت في استخراجه فوجدته لا رأى إلا رأى أهل الموصل ولا لغيرهم مذهب في هذه الأهواء والبدع نعم إن قلنا بتأثير المجاورة في الطباع والأحلام فيكون هذا المشرب جاءهم من مجاورة أبي تمام فقد ذكره في شعره وتروى عنه في أخبار من نثره فقد كان ﵀ تقنع بالحبيب المعمم وعاش بهذا المشرب غير مذمم وتعصب له عصابة في ورود هذه الحانة ذكرهم بلدينا السيد محمد العرضي في سفينته وذيل الريحانة ولما قرر بقراط هذه المسألة رماه بعض من يبغضه بمعضله وقال إن فلاناً الزاني بحبك مبتلي قال نعم أنا أحب الزنا ويمنعني عنه الحيا من الملا ولا أشرف من الأستدلال بخبر المرء على دين خليله فلينظر أحدكم لمن يخالل ثم إن المحبة لا تستلزم الرؤية والاجتماع فهناك من يعشق بجارحة السماع وهذا هو الحب المعنوي والمقام الموسوي واللحظ العيسوي وفي جذب المغناطيس للحديد تقريب لهذا البعيد شعر
كأنما أوقف الله العيون على ... مرأى محاسنه لا شأنها ضرر
فلو تجلى ورا المرآة لأنحرفت ... إلى محياه عن أربابها الصور
هذا والحديث شجون وكل حزب بما لديهم فرحون وإذا ارتسم ما قررناه في العقول فلا علينا أن نرجع لتكملة الأقسام فنقول وأما النكريش فهو الواسطة بين الصنفين وقد يكون وجيهاً وإن كان ذا وجهين إن تزين فهو أمرد
стр. 853
منح عاشقه أم رد فهو حليق حليف بالود وخليق وإن أرسل وأسبل فهو من الطراز الأول وكان ابن المعتز وهو امام الاستعارة والتشبيه يعشق المليح لحسنه وغيره جبر الخاطرة وتلافيه يعرف إن محبه آخر العشاق فيعامله بأطيب الأخلاق سلس القياد يعلم المراد لا يستعمل الدلال ولا يبخل بالوصال رأى إن دولة الأمرد سريعة الزوال وشاهد النقصان فمتع عاشقيه بمحاسنه واستحسن نصيحة الشيخ عبد الباقي ابن السمان وهي وإن أخذها من أبي الطيب لا تخلو من خشونة ورعونة لا تقبلها أهل المذهب الغرامي أي رعونة فهو الفرس المروض وختام المشاعر المفضوض
من معشر خشن في نصر عاشقهم ... كسر القناد أبهم إن غيرهم لانا
تعودوا الغارة الشعواء يشهدها ... عصابة منهم شيباً وولدانا
كرام الأصل يرضون بقليل البذل ولا يصحبون العذل يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل فيهم سداد من عوزري الصدى الظمآن وكل حذاء يحتذى الحافي الوقع يقال وقع الرجل من الباب الرابع إذا اشتكى لحم قدمه من غلط الأرض والحجارة ومنه قول الشاعر كل حذاء إلى آخره الصحاح وكل طعام يأكل الغرثان ونعود لأصل المسئلة فنقول وليس من الكمال حب الرجال ولله در من قال ليس الحب إلا لذوات الجمال وقال بعض السادة الرؤساء استراح من اقتصر على النساء شعر
أحب النساء وحب النساء ... فرض على كل نفس كريمه
وإن شعيباً لأجل ابنتيه ... أخدمه الله موسى كليمه
ومن البين عند أهل النظر إن رجلين تحت لحاف خطر فربما يتشلم العامل وينوب مفعول به عن فاعل
من قال بالمرد فإني امرء ... إلى النسا ميلي ذوات الجمال
ما في سويدا القلب إلا النسا ... يا حسرتي ما في السويدا رجال
وأحسن ما يقع به الأقتداء والأنساء ... حبب إلى من دنياكم الطيب والنساء
وارحمتا للعاشقين تحملوا ... خطر السرى وعلى الشدائد عولوا
بل وارحمتا لعشاق الصور المشتغلين عن المؤثر بالأثر لو عاودوا النظر لوقعوا على جلية الخبر رأى بعض من صحبنا صورة استحسنها فعاود النظر ليتزود نظرة اخرى منها فكشف عن بصره فرآها ميتة يتناثر الدود عنها فتاب واستغفر من ذلك الشهود ورجع لما هو المطلوب والمقصود
لو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي أسباه لم يسبه
стр. 854
ويحه ويح وويل كلمة رحمة وعذاب أو هما بمعنى الصحاح كلف بما لا يدوم وافتتن بالموجود المعدوم وغفل عن الحي الباقي القيوم من نظر في مصارع اخوانه علم أنه أخيذ ومن فكر في كرب الخمار تنغصت عنده لذة النبيذ من أحس بلفظ الحريق فوق جداره لم يصغ بسمعه لنغمة العود وانة أوتاره رأى الأمر يفضي إلى آخر فصير آخره أولاً ولله در ساداتنا النقشبندية فإنهم بنوا أمرهم على هذه القضية فالحازم الذي يجعل الحب حيث يرقيه ويرفعه ويعليه ويخلصه ويزكيه ويطهر بصيرته عن نظر الأغيار ويوقفه تحت مجاري أقدار الواحد القهار ويسمعه النداء الدائم ابن آدم أنا بدك اللازم وينزهه عن مدارك القوى الحسية والمشاعر الجسيمة ويعبر به عن بحار المعارج الروحية واللذات المعارف السبوحية على نفسه فليبك من ضاع عمره وليس له منها نصيب ولا سهم الله اقسم لي ولأخي من ذلك أوفى قسم وأوفر نصيب وفرغ قلوبنا من حب غيرك فإنه لا يجتمع مع حبك حب الغير يا سميع يا مجيب
يا واحداً متعدد الأسماء ... أدعوك في ختمي وفي مبدائي
وإليك أرفع راحتي متوسلاً ... بشفيعنا السامي على الشفعاء
أن تحفظ المولى الذي أفكاره ... صاغت بديع النظم والانشاء
ذاك السعيد محمد السامي إلى ... أوج العلى لحيازة العلياء
المعتلي ببيان كل عويصة ... والمعتنى بغرائب الأنباء
هو أفقه الشعراء غير مدافع ... في الشام بل هو أشعر الفقهاء
فاق الرفاق بفطنة وبلاغة ... وبراعة وفصاحة وذكاء
لو كنت من فئة تقول بأغيد ... ما ملت في التشبيه للغيداء
لله درك يا أديب زماننا ... كيف اهتديت لغامض الأشياء
فالقول دونك مذهب إن نباتة ... أو رب زد في حيرتي وعنائي
كم ذا تستر خيرة في حيرة ... هذا المقام نهاية الصلحاء
فأسكن إذا سكن الفؤاد وعش به ... متنعماً بالرتبة القعساء
واليكها رعبوبة جاءت على ... قدر مجللة بفرط حياء
قدمت عذري والكريم مسامح ... وهديتي التسليم غب دعائي
وله غير ذلك وكانت وفاته ليلة الجمعة رابع ربيع الأول سنة أربع وسبعين ومائة وألف رحمه الله تعالى
علي النبكي
стр. 855
علي بن موسى النبكي الشيخ الفاضل الصوفي المعتقد المبارك الصالح التقي كان بقرية النبك معتقداً مشهوراً وله حفدة ومريدون قدم دمشق في بدايته واشتغل بالقراءة بها واستقام مدة وكانت اقامته بالمدرسة الباذرائية ثم اتخذ النبك وطناً ومسكناً واشتهر هناك وقصدته أهالي تلك النواحي وغالبهم تلمذ له وكان يشطح في كلام القوم ويطالع كتبهم ومقالتهم ويتكلم على ذلك وتصدر منه كلمات خارقة للعادات وقدم ثانياً إلى دمشق وزارته الناس واعتقده بعض من الخاص والعام وبالجملة فقد كان في التصوف ممن اشتهر وأعتقد ولا يخلو من فضل ومعرفة بالعلوم وكانت وفاته في شوال سنة اثنين وتسعين ومائة وألف ودفن بالنبك وقبره معروف هناك رحمه الله تعالى.
السيد علي الكريمي
السيد علي ابن السيد موسى ابن كريم الدين الشهير بالكريمي الحنفي القدسي نشأ في حجر والده وبعد وفاته ارتحل إلى مصر واصطحب معه أهل بيته ولزم الطلب بالجامع الأزهر وجد واجتهد وانعطف عليه أحمد جاوش الجزايري أحد تجار مصر فأسكنه بقرب بيته وامتحنه أول مرة بأن ألقى في باب حجرته التي كان ينام فيها صاحب الترجمة كيساً فيه مقدار من الدنانير فلما أصبح ورأى الكيس رده في وقته إلى صاحبه فسلمه بعد ذلك البيت بما فيه وركن إلى ساحته ثم انقطع عن الجامع وابتدأ يقرأ دروساً بمقام سيدنا الحسين ﵁ ومكث على حالة واحدة مدة من السنين وهو مع ذلك يميل إلى اقتناء الخيل الأصائل وربما خرج إلى ظاهر مصر وتعرض للصيد وكان كثير السخاء يحب أن يكرم من يدخل بيته وكانت له عادة غريبة يتبخر بالعود الهندي عند دخوله الحمام ويغسل بدنه بماء الورد ويتطيب بأنواع الطيب وكانت أعيان مصر وصناجقها الذين هم امراؤها يعتقدونه ويهدون إليه الهدايا السنية وكلمته فيهم نافذة ثم لما حضر عنده أخوه السيد محمد بدر الدين قرأ عليه مدة وألبسه زي العلماء وأجلسه في موضعه في مقام سيدنا الحسين يقري ويحضره تلامذة أخيه وسافر إلى بلاد الروم ونزل باسلامبول بمدرسة بقرب جامع السلطان بايزيد ثم رجع إلى مصر ولم تطل مدته وكانت وفاته تقريباً بعد الثمانين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
السيد علي الكيلاني
السيد علي ابن يحيى بن أحمد بن علي بن أحمد بن قاسم الكيلاني القادري الحموي شيخ السجادة القادرية بحماة ومن تفيأ ظلال العلوم وقال في حماه الشيخ المرشد الفالح الصالح السيد الشريف الحسيب النسيب المسلك المربي الصوفي العالم العلامة
стр. 856
المحقق الفاضل الأديب اللوذعي الامام الجليل الأستاذ الكبير كان فطناً حميد الأفعال معظم القدر عند الناس كأسلافه حليف مجد وسيادة ولد بحماه في ليلة الجمعة بعد طلوع الفجر في أواسط رجب سنة أربعين وألف واتفق أن والده ليلة ولادته رأى في المنام جده الأستاذ الشيخ عبد القادر الكيلاني ﵁ وفي يده مصباح يضئ فقال له يا يحيى خذ علي وأعطاه المصباح فأستيقظ قريب الصباح فرأى زوجته جالسة وخادمتها يقظانة فقال لها يا أم مكي قد رأيت جدي في منامي فصدقي بما أقوله ولا تشكي رأيته وبيده مصباح يضئ وقال لي يا يحيى خذ علي إلى آخره فإن أتيت بمولود نسميه علي وأنت والجارية حوامل فعسى أن تسبقيها فأجابته الجارية بالأعتراض سيدي قد سبقت ستي إليه ومن أول الليل قد طرقها المخاض وهذا أوان الولادة ثم مكثت زوجته غير بعيد ووضعته في الوقت المذكور آنفاً فنشأ صالحاً متعبداً وقرأ القرآن العظيم وجوده واشتغل بقراءة العلوم وأخذها وتلقى الأدب فقرأ الفقه والعربية والمنطق واللغة والتصوف وأجازه جماعة من المشايخ الأجلاء في الحديث وغيره وكان مكباً على تحصيل العلوم والحقائق يجتهد في اقتناص شوارد الدقائق محباً لأرباب الكمال محبوباً لدى الخاص والعام وبالجملة فقد كان أوحد زمانه ذكاء وسناء وعقلاً وفضلاً وظرفاً ولطفاً وأدباً مع حسن ورع وعفة ونجابة وديانة واعتدال خلق وخلق ومما قيل فيه
لقد طالت خطاه إلى المعالي ... وسار لنيلها سير الجواد
فما للفخر غير علاه باب ... ولا للمجد غير سناه هادي
محل ما ارتقى أحد إليه ... ولا حظيته همة ذي ارتياد
ثم توجه للحج وهو مراهق دون البلوغ في صحبة والدته وابن عمه الشيخ عبد الرزاق في سنة اثنين وخمسين وألف واختتن في المدينة المنورة واتفق أنه رأى النبي ﷺ في المنام وهو في الحرم الشريف النبوي قبل أن يحج وحوله جماعة فقال له ﷺ يا علي نحج في تلك السنة تولى نقابة الأشراف بحماة وحمص وعمل له شيخه الشيخ يحيى الحوراني تاريخاً وقصيدة فالتاريخ قوله
لما تصدر في النقابة أرخوا ... سعد النقابة في علي الكيلاني
وذلك في سنة سبعين وألف واستقام نقيباً في ذلك إلى أن توفي ابن عمه الشيخ إبراهيم ابن الشيخ شرف الدين وجلس على السجادة القادرية في البلاد الشامية وذلك سنة اثنين وثمانين وألف فأقام بها على أحسن قيام وأتم نظام وسلوك تام كأسلافه
стр. 857
الماضين وآبائه السراة الصالحين من اقامة الأذكار وقراءة الأوراد في العشي والأبكار والباس الحرقة وسلوك الطريق والدعا إلى الله على بصيرة وتحقيق وتربية المريدين وارشاد الطالبين واكرام الضيوف والواردين واطعام الطعام واكرام القصاد والزائرين وفي سنة تسعين وألف قدم دمشق حاجاً هو وعياله وأولاده وأتباعه وخدامه واستقبله أهالي دمشق وأعيانها بمزيد التوقير والاحترام وسعوا إليه وترددوا إلى منزله ولم يبق أحد من العلماء والأجناد والمشائخ الأواتي إليه وامتدحوه بالقصائد الغر وامتدحهم وعمل رحلة رأيتها وطالعتها ذكر فيها من اجتمع به منهم ووالي دمشق إذ ذاك الوزير عثمان باشا حصل له منه مزيد التبجيل والاكرام وكذلك قاضيها المولى الفاضل مصطفى الأنطاكي وحج في تلك السنة وكان أمير الحج خليل باشا ابن كيوان ورجع إلى وطنه حماة وسافر لطرابلس الشام وإلى حلب غير مرة وفي كل بلدة يحصل له مزيد الاكرام وكان أديباً ناظماً وله ديوان يجتمع على تغزلات ومدائح ومقاطيع وألغاز وقصائد مطولة ومعميات ودو بيت وبالجملة فقد كان شيخ الشيوخ وقد رأيت ديوانه وذكرت منه ما رق وطاب فمن ذلك قوله كتبه لأخيه الشيخ إبراهيم حين كان ببغداد وتولى النقابة بها ومطلعها
يا عربياً حلواً حمى الزوراء ... انتموا داء علتي ودوائي
قد فرقتم ما بين جسمي وقلبي ... حين فارقتكم وعز لقائي
من أقاصي الحشا سلبتم فؤادي ... ورقادي من مقلة قرحاء
فأنعموا لي برد عيني لعلي ... أن أرى طيفكم محل غفائي
إن نأيتم عن العيون دنيتم ... من ضلوعي وداخل الأحشاء
كان عهدي بالصبر حين رحلتم ... أحسن الله باصطباري عزائي
لا ويوم النوى وحال المعنى ... حاضر غائب عن الأحياء
هان بل أهون الهوان المنايا ... عنده بعد فرقة الخلطاء
حين ساروا وخلفوه صريعاً ... ويجيب السؤال بالايماء
ذكر كم قوته ووصف حلا كم ... شربه دائماً مكان الماء
ليس يدري بما به من بعاد ... من سمى الخليل رب الوفاء
الامام الهمام علماً وفضلاً ... ومزاياه جاوزت احصائي
اسمه عم مغرب الشمس فانجا ... ب مسماه مشرق الزوراء
وقال ممتدحاً الشريف سعد بن زيد شريف مكة ويهنيه برمضان والعيد حين كان حاكماً بحماة بقصيدة معارضاً بها فتح الله النحاس الحلبي التي أولها
عطف الغصن الرطيب ... وتلافانا الحبيب
ومطلع قصيدته
أنجز الوعد الحبيب ... وانجلت عنا الكروب
وتلافانا بوصل ... نقطة الهجر يذيب
وتلقانا بوجه ... فيه ماء ولهيب
حمد الضدين فيه ... إن هذا لعجيب
إن بدا تشرق منه ... الشمس أو ند تغيب
ورد خديه نصيبي ... هل لنا منه نصيب
دونه أسهم لحظ ... حبه القلب يصيب
ذو قوام سمهري ... ليس يحكيه قضيب
فإذا ما ماس تيهاً ... خجل الغصن الرطيب
وبلوح الصدر رما ... ن وفي فيه الضريب
جاوز الحد بظلم ال ... خصر ردف بل كثيب
حبذا ليلة ضمتنا ... وقد غاب الرقيب
أنا والمحبوب والشمع ... وكاسات وكوب
ريقه راحي وكاسي ... ثغره الألمى الشنيب
لي بدر اللفظ مع أنفا ... سه نقل وطيب
وبجيد جؤذري ... منه يرتاح الكئيب
فإذا أمكنت الفر ... صة أجني وأتوب
بل عفاف وبمدحي ... سعد تنجاب الخطوب
الشريف الهاشمي ال ... حسني الندب الأريب
سيد تمدحه اللس ... ن وتهواه القلوب
شمس أفضال وفضل ... مالها قط غروب
غوث من نادي وغيث ... منه نادينا خصيب
طبعه للمال بذا ... ل وللأعدا عطوب
كفه فاض عن القطر ... وعن بحر ينوب
ولقد نال عطايا ... هـ بعيد وقريب
ملك تزهو به الدنيا ... شمال وجنوب
وله من الدو بيت
стр. 858
الخد نقي الورد ما فيه نبات ... والثغر شهي الورد ما فيه نبات
هل يسمح بالوصل لصب دنف ... بالرغم عن الحسود يوماً ونبات
وله
وقائلة تشعث حال بختك ... فقلت نعم تشعث مثل تختي
فاصلاحي لحال التخت سهل ... وإن الشأن في اصلاح بختي
وله من الدو بيت
القلب من الزفير من وجدي حار ... والدمع من العيون أجريت بحار
والمغرم في عشق جمالك قد حار ... ما حيلة من في شرك القانص حار
أقول والدو بيث أول من اخترعه الفرس ونظموه بلغتهم ومعناه بيتان ويقال له الرباعي لأربعة مصاريعه وقد اشتهر باعجام داله وهو تصحيف وهو ثلاثة أقسام يكون بأربع قواف كالمواليات وأعرج بثلاث قواف ومردوفاً بأربع أيضاً وكله على وزن واحد وقد نظم فيه الشعراء قديماً وحديثاً ومما يستجاد منه قول بعضهم
عيني نظرت لنحو شاطي بردا ... ظبياً نظم الحسن بفيه بردا
يا من بصدوده رماني بردى ... لو تسمح لي لهيب قلبي بردا
ومن شعره قوله في غلام قط الشمعة فانطفأت
دنا شادن من شمعة ليقطها ... وأنوار خديه بدت صبغة الباري
أراد يقط الرأس منها فأخمدت ... ومن عادة الأنوار تخمد للنار
وكتب إلى جدي الأستاذ العارف الشيخ مراد قدس سره بقوله
لما تركت له المراد ... غدوت محبوباً مراد
وفرغت منك وما تريد ... فصرت مخطوباً تراد
ورتعت فياح الرضى ... في الكون رائد ما أراد
صرفت فيه خليفة ... عنه به فرداً أحاد
يا وارثاً هدى أحمد ... في الفرق أوفى الاتحاد
يا عين هذا الوقت شيخ ... الكل يا شيخي مراد
هذا على القادري ... يرجو الهدى من خير هاد
وأن يكون بخاطر ال ... مولى مقيم بلا ارتداد
حاشاك رد الطالبين ... المقفرين من الرشاد
فاسلم لأرباب القلو ... ب هنا وفي يوم المعاد
وقال متغزلاً بحماة ومعارضاً بها قصيدة ابن حجة الحموي بقصيدة وهي
стр. 859
سقاك حماة الشام مغدودق القطر ... عهاداً تلا الوسمى أحلى من القطر
وما حطها قولي حماة لأنها ... عروستها في شاهد الحسن والعطر
أقول قوله وما حطها قولي حماة الخ هذا المعنى مسبوق في قول من قال ممتدحاً دمشق
قاسوا حماة بجلق فأجبتهم ... هذا قياس باطل وحياتكم
فعروسنا ما مثلها في شامنا ... شتان بين عروسنا وحماتكم
ومراده بالعروس منارة الجامع الأموي بدمشق لشهرتها بهذا الاسم وفي ذلك قول ابن جبير وهو
معبد الشام يجمع الناس طرا ... وإليه شوقاً تميل النفوس
كيف لا يجمع الورى وهو بيت ... فيه تجلي على الدوام العروس
وللشاب الظريف
فديت مؤذناً تصبو إليه ... بجامع جلق منا النفوس
يطير النسر من شوق إليه ... وتهوى أن تعانقه العروس
عود
هي الشامة الشماء في خد شامنا ... هي الغرة الغراء في جبهة القطر
هي الحلة الفيحاء مخضرة الربا ... هي الروضة الغناء زاهية الزهر
أتيه بها فخراً على سائر الدنا ... بأشياء لم توجد بشام ولا مصر
فغيضاتها جنات عدن تزخرفت ... ألم تنظر الأنهار من حولها تجري
فما رأت الراؤون كالبركة التي ... تكنفها الجسران باليمن واليسر
كذا الجامع الغربي في غربها بدا ... يقابل في إشراقه ساطع الفجر
بناظره من جانب الشرق بقعة ... وزاوية في الأوج عالية القدر
تفوق على ذات العماد برونق ... بإيوان كسرى والخورنق كم تزري
مراتع غزلان وخدر خرائد ... ومطلع أنوار الغزالة والبدر
كذا الشرفة العلياء والخضرة التي ... لسالوسها تلقاك باليسر والبشر
ألا فأضرب الأسداس بالخمسة التي ... بها تضرب الأمثال مع بيدر العشر
ترى عجباً دان النهى لعجابه ... وعاد لطيش أشبه الناس بالعمر
جزيرة باب النهر والجسر لو رأى ... على لغي ذكر الرصافة والجسر
كأن عيون الزهر في جنباتها ... يواقيت دراودرار من الزهر
كان التفاف النهر لص مخاتل ... يحاول اخذالهم من محرز الفكر
نواعيرها تشدو بكل غريبة ... فتغنى عن العيدان والناي والزمر
стр. 860
تجاوبها الأطيار من كل جانب ... بتغريد تفريد بتلحينها الجهر
فترقص بانات الرياض وسروها ... بحسن قدود في غلائلها الخضر
يرنحها في ميلها واعتدالها ... وتردادها فوج النسيم إذا يسري
ينقطها كف الغمام بلؤلؤ ... يروقك حسناً في النظام وفي النثر
فلو كان جيش الهم والغم غائراً ... تبدل أفراحاً وصار إلى الصدر
رعى الله أياماً مضت في رباعها ... فما كان أهنأها ولو عن ما لقصر
أجربها ذيل الشبيبة ضافياً ... بخلع عذارى قبل نابتة العذر
وشرخ الصبا في عنفوان شبابه ... وريق وعيش المرء في صبوة العمر
مع الأهيف الفتان كالبدر طلعة ... وكالورد منه الخد والريق كالخمر
وكالأسمر الخطي قد أمهفهفا ... وكالحقف دعصاً موهناً دقة الخصر
يدير عن الأقداح أحداق جؤذر ... بما وبما يلقيه من لفظه سكري
ويثنى بكاسات الثغور فتحتسي ... لراح اللما والقرقف العذب الخصر
بغفلة واش والرقيب وحاسدي ... تواصلنا اللذات في هجعة الدهر
إلى أن بدا وخط المشيب بلمتي ... ونبهني سراً وأنذر بالجهر
فلهفي على وقت تقضي بقربهم ... وطيب زمان مرمع دمية القصر
واهاً وواهاً لو تفيد لقائل ... لكررها لكن جمراً على جمر
أيا جبرتي يا أهل ودي وبغيتي ... فلا تجنحوا بعد التعاهد للغدر
ولا تنكروا ما بيننا من مودة ... فحبي لكم ما دمت حياً وفي القبر
مقيم على القادري على الوفا ... فكونوا كما شئتم سوى الصد والهجر
ولما أخذت النصارى بنو الأصفر بلغراد واستردها مصطفى باشا الوزير الجليل الشهير بابن الكبريلي الصدر الأعظم كتب إليه المترجم بهذه القصيدة مهنياً له ومطلعها
تنفس الدهر والعيش الكدور صفا ... والوقت طاب فاسدي للنفوس صفا
وأصبح الكون منه الثغر مبتسماً ... يجلي نضير عروس زانها صلفا
أضحى الزمان جديداً مثل عادته ... في أعصر الراشدين السادة الخلفا
قسط وعدل وانصاف وأمن على ... دم ودين ومال لات حين جفا
من بعد هول وارجاف وبؤس لسي ... والخطب عم عوام الناس والشرفا
وصال صائل أهل الشرك مشتملاً ... بلامة البغي والعدوان ملتحفا
غرورهم غرهم والغدر أو غلهم ... فجاوز الحد جيش الخزي مذ رجفا
عتوا عتواً شديداً في الديار وقد ... عاثوا فساداً ومالوا ميلة العرفا
نفوسهم حدثتهم بالمحال لما ... ظنوا بقاء ظلام الفكر منعكفا
وإن ما اختلسوا بالغدر من نشب ... يبقى لهم خولاً هيهات بل أسفا
وما دروا إن شمس الدين أشرق من ... مطالع العز يمحو نوره السدفا
إذ جاؤا من فوقنا جهراً وأسفلنا ... ومن امام ومن ايماننا وقفا
وزاغت أبصار أهل الدين وارتبكوا ... وزلزلوا جزعاً والشهم ما وقفا
قلوبهم بلغت أدنى محاجرهم ... والظن شاء وزال الصبر وانصرفا
وأكثر القول من أهل النفاق ومن ... والاهم وإذا عوا العجز والضعفاء
فثبت الله منا عصبة صدقت ... بمصطفى الصدر محيي عدل من سلفا
مجدد الوقت حامي الدين من شعث ... مؤثل المجد شاد العز والشرفا
بالعلم والحلم والرأي السديد وبال ... تقوى وبالعزم في حزم وحسن وفا
أرخى العساكر تترى كالسحاب لها ... رعد وبرق لأبصار العد أخطفا
أبطال صبر وفي يوم الكفاح إذا ... ما قابل الشخص نفس الموت ما انحرفا
لبوسهم نسج داود لبأسهم ... مفاضة سابغات من دلاص ضفا
في البحر نون وهم في البر قسورة ... وفي الجبال نسور لا تخاف حفا
على سوابح تجري كالنسيخ ترى ... عين الحمية أقصى شاؤها أزفا
أو كالسهام إذا الراعي يفوقها ... بشدة العزم لما تقصد الهدفا
صوافن ضمر في الكر عادتها ... تدك صم الرواسي دكها الحذفا
ألقى من الرعب في قلب العدا فغدا ... أنكى من العسكر الجرار مرتجفا
رد النصارى على الأعقاب ناكصة ... ومن توقف منهم هامه نقفا
وحكم البيض في أجسادهم فصلت ... حكم القضا فأبانوا الرأس والكتفا
حتى إذا أثخن الطاغين جملتهم ... شد الوثاق على الباقين وانعطفا
يقفو لآثار من فروا فيدركهم ... قتلى وأسرى إلى أن عمرهم كشفا
وله من بحر السلسلة
يا بدر سماء له الأزرة أفلاك ... خلجان دموعي غدت مشارع أفلاك
يا واحد حسن ويا فريد تثن ... توحيد هوى الصب لا يشان باشراك
يا أحور لحظ سطا بأسمر قد ... يا أحمر خد أما ترق لمضناك
غرار صباح الجبين غر محباً ... بالهجر وبالبعد والصدود من أغراك
من وجهك شكري ومن لحاظك سكري ... يا شغلة فكري جعلت قوتي ذكراك
يا بدر ففي القلب قد حللت مقيماً ... قل لي فلماذا حدت عن الطرف بمسراك
стр. 861
هل كان ملالاً لمن تركت خيالاً ... أم حسنك تيهاً بقتل صبك أفناك
عطفاً بمحب يفوق عامر قيس ... لولاك لما هام في المحبة لولاك
ضنيت بري وفقت حاتم طي ... رفقاً بعلي غدا يؤمل رحماك
إن أومض برق من الغوير ونجد ... يرتاح فؤادي بشبه برق ثناياك
أو غر دورق على منا برأيك ... يزداد غرامي إلى لقاك ولقياك
وقال
ضحك الروض من بكاء الغمام ... وعن النور فض ختم الكمام
والرياض اكتست مطارف وشي ... نسجتها أكف سحب كرام
نثرت في الربا يواقيت زهر ... فاقت الزهر في اتساق النظام
من أقاح وأقحوان وبان ... بان عن جمعها بحسن القوام
شق قلب الشقيق حرقة غيظ ... مذ رأى في الأقاح ثغر ابتسام
خضب الورد خده خجلاً من ... حدق النرجس الصحاح السقام
واستعار البهار لون محب ... وجلا من غيمة النمام
زاد حنق البنفسج أزرق إذ كا ... ن حسود النشر عرف الخزام
من أيادي المنثور يثني أيادي ... زنبق الروض ناشر الأعلام
رقص الدوح صفق الماء لما ... شبب الريح أطيب الأنغام
رقى لورق منبر الأيك يتلو ... وتخط الأغصان بالأقلام
فوق طرس النهر الصقيل سطوراً ... أعربت أعجمت بنقط الغمام
دولة العمر في أوان التصابي ... مثل فصل الربيع في الأعوام
فيك يا دار لذ خلع عذاري ... ليس للعيش لذة باكتتام
نزه الطرف في بديع ربيع ... واعط للنفس حقها بالتمام
واختلس في الزمان صفو شباب ... قبل بدء المشيب والانهرام
وانتهز فرصة ليوم سرور ... فالليالي حوامل بالجسام
وألق سمعاً إلى سماع مناغ ... عندليب وبلبل وحمام
والشحارير والقماري وسن ... حركت في الحشا سكون غرامي
روح الروح في الصبوح براح ... واغتبق في الغبوق بنت مدام
واجتلى الشمس في حلى حباب ... من يد البدر في دياجي الظلام
بغية العاشقين روداً ومرداً ... ذات حلي تحلو بزي غلام
من هوى الخرد الحسان هواني ... وغريمي فيهن كان غرامي
стр. 862
وشجاني فواتر الأجفان ... ورحيق بريقهن مرامي
وأغاني الغيد الغواني غواني ... ومعاني صوت المثاني زمامي
من صدا العود إن قضيت فبالنف ... خ بناي الرخيم كان قيامي
وإذا ما تعاظمت هفواتي ... حسن ظني المآل دار السلام
واعتمادي على شفيع البرايا ... سيد العالمين ذخر الأنام
وقال في ليلة دعاه فيها الشريف الأجل الصنديد سعد عروض قصيدة المتنبي
أهلاً بدار دعاك سيدها ... وساهمك بالنعيم أسعدها
بليلة لو تسام في عوض ... وكانت الروح كنت أنقدها
بات حبيبي بها ينادمني ... غاب واش وبان حسدها
في روضة خلتها الجنان بدت ... ولدانها واحتجبن خردها
وراء ستر يروق منظره ... أمنع حجب الدنيا وأرصدها
غنى من الغيد كل غانية ... تكاد شمس النهار تعبدها
إذا شدت قلت إن نغمتها ... من ما رد أو دان تزودها
يلعبن بالدف والكمنج وبالطنبو ... ر والكل منها تخمدها
تألفت آلة السماع من الأص ... وات منهن لن تفردها
كأن ألبابنا لها لعب ... تعدمها تارة وتوجدها
ما صيخ سمع إلى السماع كما ... لنغمة غادة تغردها
لو كان إسحق حاضراً لزرى ... غناه قطعاً وهان معبدها
دارت بدور السقاة مطلعها ... أطالس والقلوب مرصدها
مناطق الخصر إن شكت قلقاً ... رديف أرد أفهم يرفدها
وأعين كالمها إذا نظرت ... كلم قلب الشجي مهندها
هاروت من سحرها غدا وجلا ... ينفث في عقدة يعقدها
تقوست فوقها حواجبها ... أهدابها نبلها واعودها
ووجنات تظنها لهباً ... ماء الصبا في الخدود يوقدها
من أشنب العس وريقته ... أحلى سلاف صفا وأبردها
مبتسم الثغر عن سنا درر ... من الثنايا زها تنضدها
وجؤذراً وطف حلا كحلا ... وجؤذر الانسان أجودها
تدير من قهوة يمانية ... عرف شذاها زكا وموردها
على أساريع من نعومتها ... ولينة اللمس كدت أعقدها
стр. 863
وتنثني في كؤس أشربة ... فروعها نوعت ومحتدها
يفديهم الروح لا أمن فما ... طارف ما في يدي وتالدها
يا ليلة لن يشيبها كدر ... إلا بروق الصباح ترعدها
قد أذكرت حضرة مقدسة ... صحت أحاديثها ومسندها
تفدي ليالي الزمان ليلتنا ... وتفد سيد الدنيا وسيدها
فخر ملوك الدنا وأشرفها ... وعين أعيانها وأمجدها
به ليالي الدهور مشرقة ... تروق أيامها وأعيدها
دام بعز سعود طالعه ... إلى قران النحوس يسعدها
ومن شعره قوله
تأن ولا تعجل بما أنت باغياً ... وكن لازماً للعدل لا تك باغيا
وجازي لمن أسدى جميلاً بمثله ... وسيئة فأجر الذي كان موسيا
ولن جانباً للخل وأرع وداده ... ووف بمكيال الذي كان وافيا
ورغ عند رواغ وزغ عند زائغ ... مع المستقيم العذل كن متساويا
تحلى بحسن الخلق للخلق كلهم ... وكن سهلاً صعباً نفوراً مواتيا
ودار جميع الناس ما دمت بينهم ... وكن تابعاً حقاً بنياً مداريا
تحمل لجور الجار وارع جواره ... وصل لذوي الأرحام واجف المجافيا
وكن باله الناس ظنك محسناً ... وبالناس سؤ الظن دوماً مراعيا
ولا تغترر بالهش والبش من فتى ... وحفظ ولين مثل مس الأفاعيا
لتعلم إن الناس لا خير فيهم ... ولا بد منهم فألتبسهم مزاويا
متى ما صددت المرء عند هوائه ... جهاراً وسراً عد ذاك معاديا
وإن تبد يوماً بالنصيحة لأمرئ ... بتهمته إياك كان مجازيا
وإن تتحلى بالسخا وسماحة ... يقولوا سفيه أخرق ليس واعيا
وإن أمسكت كفاك حال ضرورة ... يقولوا شحيح ممسك لا مواسيا
وإن ظهرت من فيك ينبوع حكمة ... يقولون مهذاراً بذياً مباهيا
وعن كل ما لا يعن إن تك تاركاً ... يقولون عن عي من العجز صاغيا
وإن كنت مقداماً لكل ملمة ... يقولوا عجول طائش العقل واهيا
وإن تتغاضى عن جهالة ناقص ... يعدوك خواراً جباناً ولاهيا
وإن تتقاضى عنهم نحو عزلة ... يعدوك من كبروتيه مجافيا
وإن تتدانى منهم لتالف ... يعدوك خداعاً دهاءً مرائيا
стр. 864
ترى الظلم فيهم كامناً في نفوسهم ... كذا غدرهم في طبعهم متواريا
ففي قوة الانسان يظهر ظلمه ... وفي عجزه يبقى كما كان خافيا
وهيهات تسلم من غوائل فعلهم ... وأقوالهم مهما تكن متحاشيا
فمن رام يرضى الخلق في كل فعله ... وفي قوله للمستحيل معانيا
فمن ذا الذي أرضى الأنام جميعهم ... رسولاً نبياً أم ولياً وواليا
وأعظم من ذا خالق الخلق هل ترى ... جميع الورى في قسمة منه راضيا
إذا كان رب الخلق لم يرض خلعة ... فكيف بمخلوق رضاهم مراجيا
فلازم رضى رب العباد إذاً ولا ... تبال بمخلوق إذا كنت زاكيا
وسدد وقارب ما استطعت فإنما ... يكلف عبد فعل ما كان قاويا
ولله فأضر بالدعا متوسلاً ... بخير الورى المبعوث للخلق هاديا
ينجيك من شر العباد وكيدهم ... ومن مكرهم ما دمت حياً وباقيا
وأستغفر الرحمن لي عائذاً به ... أكن من شرار الجن والأنس ناجيا
وله غير ذلك من الشعر المعجب وكانت وفاته بحماة في يوم الخميس ثامن ذي القعدة سنة ثلاث عشرة ومائة وألف رحمه الله تعالى ودفن في الزاوية الفوقانية بتربة مشايخ السجادة القادرية أسلافه في حماه ﵏ أجمعين.
السيد علي الأسكندري
السيد علي الأسكندري نزيل طرابلس الشام الشيخ الامام الفاضل كان ناظماً ناثراً له معرفة كاملة في وجوه القراآت مع فصاحة في اللسان وضبط في التأدية والقراءة وحفظ متين ولم يعهد له لحن في قراءته وخطأ في كتابته ونظم ونثر كثيراً ومع فضله الزائد كان في منزلة الخمول قاعد وفي آخر عمره قيده الكبر بقيد الفكر فلزم بالسكوت داره إلى أن توفي وكانت وفاته في طرابلس سنة تسع وستين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
علي البدري
علي البدري شيخ القراآت والقراء بالديار المصرية الشيخ الامام المقري العالم العامل التحرير كانت له اليد الطولى في سائر العلوم محيطاً بمنطوقها والمفهوم أخذ فن القراآت عن العلامة أحمد الأسقاطي الحنفي هو عن أبي النور علي الزيات الدمياطي وهو عن شيخ الشيوخ سلطان المزاحي وكان صاحب الترجمة في غاية من الاتقان في القراآت لم تر الأعين ولم تسمع الآذان بمحقق مثله في القراآت وغيرها بحيث يقري في رواق المغاربة والأروام بعد الظهر من طريق السبع والعشر والأربعة
стр. 865
عشر من طريق الشاطبية والدرة والطيبة والقباقبية من غير مراجعة ولا تأمل مع الاعتماد التام على ما حرره في النشر وبقية العلوم يقريها صبيحة كل يوم وأخذ بقية العلوم علي الجمال عبد الله بن محمد الشبراوي والفاضل السيواسي وانتفع به الجم الغفير مع التواضع الذي لم يسمع بمثله وكانت وفاته سنة تسعين ومائة وألف بتقديم التاء رحمه الله تعالى.
علي الطيان
علي المعروف بالطيان النحلاوي الشافعي الدمشقي الشيخ الصالح الصوفي الخير المثابر على طاعات الله تعالى ولد في سنة سبعين وألف وأخذ طريقة الصوفية على جماعة منهم الولي المربي السيد موسى الصمادي ولبس منه الخرقة ومنهم الولي العارف الشيخ محمد بن عبد الهادي العمري ومنهم العلامة البركة السيد حسن المنير وأخذ العلم عن جماعة من الشيوخ في فنون عديدة كالفقه وأصوله والفرائض والمصطلح وكان لا ينفك عن طلب العلم وحضور الدروس مع الديانة والصيانة وطهارة اللسان وناب مدة عن الشيخ محمد الغزي مفتي الشافعية بدمشق بامامة الصلاة الأولى بمحراب الشافعية بالجامع الأموي وتوفي ليلة الأربعاء خامس عشر شوال سنة خمسين ومائة وألف ودفن بتربة باب الصغير رحمه الله تعالى.
علي الغلامي الموصلي
علي الغلامي الموصلي مفتي السادة الشافعية بالموصل صاحب الفتاوي الظريفة وعارف أسرار فنون الأدب اللطيفة ومخرز قصب البلاغة والأدب والفصاحة والخطب له خبرة وافرة وبصيرة حاذقة بأمور الفتاوي وأحكام الدعاوي دخل حلب سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف وتولى الفتوى سنة أربع وأربعين وله شعر لطيف منه قوله مضمناً أبيات السموأل
تقول فتاة الحي وهي تلومني ... أما لك عن دار الهوان رحيل
فإن عناء المستنيم إلى الأذى ... بحيث يذل الأكرمين طويل
فثب وثبة فيها المنايا أو المنى ... فكل محب للحياة ذليل
فإن لم تطقها فاعتصم بابن حره ... لهمته فوق السماك مقيل
يعين على الجلي ويستمطر الندى ... على ساعة فيها النوال قليل
فقلت ومن ذا فأرشديني فإنني ... إلى مثله بادي الركاب عجول
فقالت أمين غصن جرثومة السخا ... ألوف العطا للمكرمات فعول
стр. 866
تدرع ثوب المجد والحكم يافعاً ... فحطت شباب دونه وكهول
له الهمة القعساء والرتبة التي ... تعز على من رامها وتطول
وهي طويلة وله غير ذلك من الأشعار ولم أتحقق وفاته في أي سنة كانت رحمه الله تعالى آمين.
علي الأطفيحي
علي الأطفيحي الشافعي المصري الشهير بقايتباي وإنما عرف به أسكناه بمدفن الملك الأشرف قايتباي الشيخ الامام العالم النحرير الدراكة الفقيه الأصولي النحوي أبو الحسن نور الدين أخذ عن جملة من الشيوخ وتفقه على الشيخ عبد ربه الديوي والشهاب أحمد ابن الفقيه وسمع الحديث على الشمس محمد الشرنبابلي وغيرهم وتصدر بالأزهر ودرس وكثر النفع به ومن كبار الآخذين عنه أبو الصلاح أحمد بن موسى العروسي وغيره وكان فرداً من أفراد العالم فضلاً وذكاء ونبلاً وكانت وفاته بمصر في حدود الثمانين ومائة وألف رحمه الله تعالى ورحم من مات من المسلمين.
علي التونسي
علي التونسي نزيل مصر المالكي شيخ رواق المغاربة بالجامع الأزهر الشيخ الامام العالم العلامة الأوحد البارع النحرير المفنن أبو الحسن علاء الدين قدم من بلدته تونس إلى مصر ودخل الجامع الأزهر واشتغل بالعلم وأخذ عن النجم محمد بن سالم الحفني وأخيه الجمال يوسف الحفني والشهاب أحمد بن عبد الفتاح الملوي والشريف السيد محمد البليدي وحقق وأفاد فأجاد ثم إنه رحل إلى الحرمين وجاور وأخذ عن علمائها إنه رجع إلى القارة ودرس بها واجتمعت عليه الأفاضل وله من التآليف شرح على رسالة راغب باشا الوزير في العروض وله تحريرات كثيرة غير ذلك وبالجملة فهو من أكابر العلماء المنوه بهم وكانت وفاته سنة تسعين ومائة وألف رحمه الله تعالى ومن مات من المسلمين أمين.
علي الأسمر
علي الأسمر الأسكندري المالكي الشيخ العالم العامل الأوحد الفقيه البارع أبو الفضل نجيب الدين كان كل سنة يأتي من اسكندرية بعد عيد الفطر إلى الجامع الأزهر يدرس به ثم يرجع إلى بلده في أول الثلاثة أشهر توفي سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
عز الدين الحمصي
عز الدين ابن خليفة الحنفي الحمصي نزيل دمشق الشيخ العلامة المفنن
стр. 867
المدقق النحوي أصله من حمص وقدم إلى دمشق طالباً للعلوم وخدم في صباه في المدرسة السميساطية وبعد ذلك شرع في طلب العلم واجتهد ودأب وحصل فمن مشايخه العلامة الشيخ إبراهيم بن منصور الفتال والفقيه الكبير الشيخ علاء الدين الحصكفي والعالم التقي الشيخ حمزة الدومي والأستاذ الشيخ محمد بن بلبان الصالحي والعلامة الشيخ عثمان القطان والمحقق الشيخ نجم الدين الفرضي والشيخ عبد الباقي الحنبلي وولده الشيخ أبو المواهب الحنبلي وكلاهما عالمان عاملان والمحدث الشيخ يحيى المغربي الشاوي وأعاد دروس السنمية للعالم المولى السيد الشريف محمد العجلاني نقيب الأشراف بدمشق وكذلك أعاد دروس العالم الشيخ إسمعيل المحاسني الامام والخطيب بالأموي في المدرسة الجوهرية وأقرأ في الجامع الأموي في النحو وغيره وترددت إليه الطلبة وأم بمحراب المقصورة مدة عن بني محاسن وذهب إلى قسطنطينية في الروم ووجهت عليه المدرسة اليونسية بعد وفاة شيخه الدومي وكانت عليه وظائف وغيرها وكان مجاوراً في المدرسة السميساطية ولم يتزوج قط إلى أن مات وبالجملة فقد كان من الفضلاء المنوه بهم وكانت وفاته في دمشق في ربيع الأول سنة تسع وعشرين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى.
علاء الدين العذراوي
علاء الدين ابن السيد عبد اللطيف بن علاء الدين أحمد بن إبراهيم الحسيني القادري الشافعي العذراوي ثم الدمشقي الشيخ العلامة الفهامة الفاضل الكامل الحسيب النسيب أخذ وقرأ على جماعة في مصر وكان رفيقاً في الطلب للعالم الشيخ محمد الديري نزيل دمشق الآتي ذكره في محله وكان المترجم من الملازمين للافادة للطلاب وانتفع به الجم الغفير ودرس بالجامع الأموي وفي المدرسة الباذرائية ورحل إلى الروم إلى قسطنطينية فصارت له نقابة الأشراف بحماه وكان يخطب في دمشق في جامع السادات بالقرب من باب الجابية وبالجملة فقد كان من الأفاضل العالمين وكانت وفاته في سنة اثنين وستين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى.
عليم الله الهندي
عليم الله بن عبد الرشيد العباسي النسب الحنفي النقشبندي اللاهوري الهندي نزيل دمشق أحد العارفين الأخيار وزبدة الأساتذة أولي العوارف والمعارف الكبار كان شيخاً عالماً محققاً مدققاً فاضلاً عارفاً صوفياً ليه اليد الطولى في العلوم والتحقيق من منطوقها ومفهومها مع المعارف الألهية بشوشاً متواضعاً حسن الأخلاق
стр. 868
معتقداً عند الخاص والعام تقياً صالحاً ناجحاً فالحاً سالكاً مسلك السادة على قدم الصدق والعبادة قرأ وأخذ على مشايخ أجلاء في بلاده في الهند كالعلامة الشهير العارف الشيخ شاه نصر الحق القادري قرأ عليه النحو والصرف وبعض المنطق ومنهم شيخ التحقيق المدقق المصنف الشيخ أبو الفتح محمد فاضل القادري فإنه لازم دروسه مدة تزيد على سبع سنين واستفاد من علومه وحصلت له بركاته ونفحاته وأنفاسه ومنهم إنسان عين الأبرار الشيخ محمد أفضل شاه يوربي المنطقي قرأ عليه العلوم العقلية كالمنطق والفلسفة كشرح الشمسية للقطب الرازي وحاشية السيد الشريف الجرجاني وحاشية المنلا عبد الحكيم السلكوتي وشرح التهذيب للمولى جلال الدين الدواني مع حاشية الحكيم الفيلسوف ميرزا زاهد الهروي ومنهم الكبير الشهير الشيخ عبد الكريم الأويسي قرأ عليه كتاب المثنوي المعنوي وله مشايخ غيرهم من بلاد الهند ولما حج وزار النبي ﷺ سمع الحديث وأصوله على العالم المحدث الشيخ محمد حياه السندي نزيل المدينة وقدم دمشق ثم ارتحل منها إلى قسطنطينية في الروم ومنها عاد إلى دمشق واستقام متوطناً بها في تكية بمحلة القماحين بالقرب من باب السريجة وكانت أهالي دمشق وغيرها تعتقده ويحترمونه ويجتمعون عنده وكانت مجالسه كلها حسنة ممتزجة بالآداب والفضائل وإليه تورد أرباب المعارف والآمال والكمل من الناس مع ما يبديه من اللطائف ويورده من الفضائيل العلمية وغيرها وكان يسمع الآلات فكانت تضرب في حضرته مع الانشاد وقد سئل المترجم عن حكم سماع الآلات فأجاب بقوله إنها لا تحدث شيئاً جديداً في القلب وإنما تحرك ما كان كامناً فيه أقول وهو جواب صوفي غير إني أعجب لجواب العلامة المولى عبد الرحمن العمادي المفتي بدمشق حين رفع إليه سؤال عن حكم الآلات فأجاب بقوله أقول قد حرمه من لا يعترض عليه لصدق مقاله وأباحه من لا ينكر عليه لقوة حاله فمن وجد في قلبه شيئاً من نور المعرفة فليتقدم وإلا فالوقوف عندما حده الشرع الشريف أسلم والله تعالى أعلى وأعلم وأحكم انتهى أقول وهذا الجواب عين الصواب فقد وفق به بين أهل الظاهر والباطن ورسالة الأستاذ العارف الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي مشتملة على المباح من ذلك والمكروه والحرام من السماع وسماها إيضاح الدلالات في سماع الآلات وهي متداولة بين الأيدي وكان المترجم يقرئ ويدرس في المكان المزبور وولي بدمشق تولية المدرسة القيمرية وأحدث له والدي من زوائد إيراد وقف الجامع الأموي عشرين عثماني وبعد وفاته وجهت للعالم الفاضل السيد منصور الحلبي وكان المترجم يختلي في كل سنة أربعين يوماً في جمع
стр. 869
حافل في مقام الأربعين في جبل قاسيون بالصالحية وكانت له حفدة ومريدون كثيرون وأخذ عنه أناس لا يحصون عدداً وبالجملة فقد كان أحد الأخيار العارفين المحققين وكانت وفاته في دمشق في سنة ست وسبعين ومائة وألف ودفن في التكية المزبورة رحمه الله تعالى.
عطاء الله الموصلي
عطاء الله الموصلي الشيخ الفاضل الصوفي الأوحد البارع الصالح الكامل كان بحراً لا ساحل له وفضاء مجدلاً أول له سلك طريقة القوم أتم سلوك وتعاطى فيها الهداية والتقوى والصلاح وكان يحث الناس على العبادة وله مأثر لطيفة ومكارم منيفة وناب على يده جماعة من الناس وأخذ الطريق على عدة من المشايخ الكمل حتى صار أمة وحده حكى عنه إنه قال كنت في ساحل عمان أو الهند فرأيت شيخاً أبيض اللحية نوراني الشكل مقبلاً إلينا فظننت إنه أحد الأقطاب فقمت إجلالاً له وقبلت يده فقال بعض الحاضرين يا شيخ هذا رجل مجوسي فاستغفرت الله من تعظيمه وتبجيله قال ثم قال آلا أحدثك بأعجب من ذلك قلت ماذا قال إنه خنثى ذو آلتين تزوجه رجل فولد له ثم تزوج امرأة فولد له منها أيضاً فله صنفان من الأولاد من بطنه وظهره وحكى أنه وصل في سياحته إلى جزيرة واق التي ذكرها في الخريدة وإنه أكل من تلك الثمرة فرأى طعمها كطعم السفرجل وترجمه بعض أفاضل الموصل فقال وعاشره شيخنا السيد موسى العالم الأجل وشهد بحفه في التقدم وكمال معرفته في لسان القوم وطريقتهم وإنه ساح مدة طويلة ودار الأقطار واجتاب المفاوز والقفار وذلك في مبدأ أمره ثم إنه بعد ذلك صار من أئمة الأرشاد السالكين سبل الهداية والرشاد واشتهر أمره وعلا قدره ولم يزل على أحسن حالي حتى توفي وكانت وفاته في الموصل بعد الأربعين والمائة والألف وقد جاوز حد الكهولة وقبره في الموصل ظاهر يزار.
عطاء الله العاني
عطاء الله العاني ثم الحلبي أمين الفتوي بحلب الأديب اللوذعي ترجمه الأمين المحيي في ذيل نفحته وقال في وصفه خلاصة أهل العصر المجتمع فيه فضائلهم بجميع أدوات الحصر فهو من جوهر الفضل منتقي وقدر في درج العلا حتى لم يجد مرتقى فالكون به متألق والأمل بأدبه متعلق وله قدم في الأدب عاليه والمسامع بآثاره البهية حاليه تسهل له من البراعة ما تصعب فملكه
стр. 870
وتوضح له من مشكلاتها ما تشعب حتى سلكه وقد صحبته في الروم وطريقها في الرجعة فحمدت الله حيث سهل لي أمر هذه النجعة فاجتنيت من مفاكهته روضاً أنفاً وعلقت في جيد أدبي وأذنه قلائد وشنفا وأنا وإن كنت لم أتعرض في الأصل لذكره فإني لم أكتب عنه شيئاً من تحائف شعره وقد ورد على الآن له روائع بدائع فكأنها من جملة ما كان لي في ذمة الدهر من ودائع فدونك منها جملة الاحسان وكأنما دعي الحسن فلباه الاستحسان انتهى مقاله فيه وقوله لم أتعرض في الأصل إلى آخره مراده إنه لم يذكره في النفحة من جملة الأدباء الحلبيين الذين ترجمهم في باب مخصوص في نفحته ومن شعره قوله
فؤاد به نار الغضا تتوقد ... وطرف يراعي الفرقدين مسهد
ودر دموع في الخدود منظم ... له اللؤلؤ المنظوم عقد مبدد
ووجد بسحار اللواحظ أغيد ... يقيم عذولي بالغرام ويقعد
من الروم رام من كنانة جفنه ... سهاماً فبالله سهم مسدد
يميس به غصن من القد أصله ... يكاد بأنفاس الصبا يتأود
عليه قلوب العاشقين تبلبلاً ... فتصدح أحياناً وحيناً تغرد
وله معارضاً قصيدة جعفر ابن الجرموزي التي مطلعها
ما غرد بلبل وغنى ... إلا أضلتني وعني
بقوله
عاوده وجده وحناوشفه داؤه فأناوأبرز الدمع بين صب
من قبل إن كان مستكناًفعاد ظن الهوى يقيناًفيه وكان اليقين ظنا
ويلاه من عاذل غبيقد لج في عذله وجنايسومني سلوة وإني
بسلو عن العشق من تعنىوبي مليح لو لاح ليلاًلبدره التم لأستكنا
غصن يعير الغصون لينابدر يعير البدور حسناإذا تجلى رأيت شمسا
وإن تثنى رأيت غصناًفي كل عضو ترى عيوناًعواشقاً روضه الأغنا
وقد ألم بقول قابوس
خطرات ذكرك تستثير مودتي ... وأحسن منها في القلوب دبيبا
لا عضو لي إلا وفهي صبابة ... فكأن أعضائي خلقن قلوبا
عودا
رشيق قد ثقيل ردفيموج حقف إذا تثنىولي غرام به قديم
стр. 871
تم الجزء الثالث ويليه
الجزء الرابع أوله
فتح الله العمري الموصلي
стр. 872
الجزء الرابع
стр. 873
ست وتسعين وعمل لذلك تاريخاً الشيخ نجيب بن محمد العطار الدمشقي فقال
قد شاد ليث العرم دار سعادة ... فأضاء فيها عدله المتأبد
وأقام لألاء السرور مبشرا ... ببقائه فيها بنصر يحمد
والسعد أرخ حكم دار سعادة ... أبداً يوطده الوزير محمد ١١٩٦
وبنى الجهة القبلية في السراي المرقومة جميعها على أكمل بناء وأحكمه وهذا البناء كان قبل ذلك في شعبان سنة تسعين ومائة وألف بمباشرة جعفر أغا أمين الجاويشية وبنى محكمة الباب وجددها بعد أن تهدم غالبها وصرف على ذلك نحو ثلاثة عشر ألف قرش وكان القاضي العام بدمشق إذ ذاك المولى السيد محمد طاهر محمود أفندي زاده فنقله المترجم منها إلى دار بني الترجمان قرب القلعة الدمشقية وهناك صار مجلس القضاء إلى أن تم بناء المحكة فأرجعه إليها وكان رحمه الله تعالى له مبرات كلية وصدقات جلية وخفية خصوصاً لمن أدركهم الفقر من ذوي البيوت وأهل العلم بدمشق فكان يتفقد أحوالهم ويبرهم ويكرم نزلهم وله عطايا جزيلة كل سنة للعلماء وأهل الصلاح والدين وإغاثة كلية للضعفاء والمساكين طاهر الذيل واللسان واليد من كل ما يشين ومدح من أدباء دمشق بالقصائد العديدة التي لو دونت لبلغت مجلدات وكان يجيزهم على ذلك الجوائز السنية وكانت أوقاته مصروفة في أنواع القربات من تلاوة قرآن واشتغال بالصلاة على النبي ﷺ أو رفع ظلامة عن مظلوم أو تنفيس كربة عن مكروب وبالجملة فهو أحسن من أدكناه من ولاة دمشق وأكملهم رأياً وتدبيراً ولم يزل على أحسن حال وأكمل سيرة حتى توفي بدمشق وهو والي عليها وكانت وفاته قبيل طلوع شمس يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادي الأولى سنة سبع وتسعين ومائة وألف وتمرض أياماً قلائل واجتمعت الأعيان والرؤساء بداره التي ابتناها لصيق المدرسة القجماسية جوار سوقه المقدم ذكره فغسل بها وخرجوا بجنازته على السوق الجديد حتى وصلوا به إلى الجامع الأموي فوضعت تجاه ضريح سيدنا يحيى وتقدم للصلاة عليه المولى أسعد أفندي الصديقي المفتي ثم حمل بمجمع عظيم لم يتخلف عنه أحد من أهل دمشق من الرجال والنساء وخرجوا بالجنازة على سوق جقمق ودفن بتربة الباب الصغير شمالي ضريح سيدنا بلال الصحابي الجليل وعمل على قبره تجعير لطيف وكثر الأسف عليه وجرت لذلك العبره رحمه الله تعالى وجعل في الفراديس العلية مقره
محمد بن محمد الطيب المالكي
الحنفي التافلاتي المغربي مفتي القدس الشريف علامة العصر الفائق على أقرانه من كبير وصغير وله الفضل الباهر وكان في الأدب الفرد الكامل له الشعر الحسن مع البداهة
стр. 874
المشهور صاحب السياحات الكثيرة خرج من وطنه ودخل البلاد القاصية ودار غالب الدنيا واجتمع بأكابر العباد والعلماء والاستاذة والأولياء وله الرحلة المشهورة التي ألفها وذكر فيها غرائب الوقائع التي جرت له وما رآه وذكر الأولياء ومواقعه معهم وغير ذلك مما هو العجب العجاب ودخل دمشق وحلب والروم وغيرهم من البلاد ودار في أقاصي الأرض وجاب طولها والعرض رأيت رحلته وطالعتها جميعاً فرأيته ذكر فيها الأمصار والبلاد التي دخلها والأولياء والعارفين الذين اجتمع بهم ووقفت له على آثار تدل على علو قدمه في المعارف الالهية وبالجملة فهو من كبار الأولياء العارفين والأئمة المرشدين يغلب عليه حال التفويض والتوكل وكانت وفاته بحلب الشهباء يوم السبت رابع رمضان المعظم سنة ثلاث وعشرين ومائة وألف ودفن بها وقبره معروف يزار ويتبرك به رحمه الله تعالى ونفعنا ببركاته
مصطفى التميمي
ابن عبد الفتاح النابلسي الحنفي الشهير بالتميمي العلام المحقق المدقق الفقيه ولد سنة إحدى عشرة ومائة وألف كما وجد بخط والده وقرأ عليه القرآن مجوداً وبالغ في حفظه ومعرفة أحكامه وحفظ أغلب المتون وتفقه عليه وعلى خاله المرحوم السيد محمد وقرأ على السيد علي العقدي البصير المصري من أول الكنز إلى كتاب الحجر قراءة بحث وتحقيق ولازم الشيخ عبد الله الشرابي فانتفع به أتم الانتفاع وأخذ الحديث عن الشيخ أحمد بن محمد عقيلة وروى البخاري عنه مسلسلاً بالحنفيين ما عدا شيخه العجيمي قراءة عليه وسماعاً منه من أوله إلى آخر كتاب الحج كما هو ومحرر بإجازته له وقد تقلد الفتوى أربعين عاماً وحرر شرح الشيخ حافظ الدين من مسودته وكتب عليه وله كتاب في الفقه سماه ارشاد المفتي إلى جواب المستفتي وله منظومة في العقائد ورسائل في مهمات الفرائض ونظم متن نور الايضاح وغير ذلك وكانت وفاته سنة ثلاث وثمانين ومائة وألف رحمه الله تعالى
مصطفى النابلسي الحنبلي
ابن عبد الحق الحنبلي النابلسي نزيل دمشق الشيخ الفاضل البارع الفقيه الفرضي الحيسوب قدم من بلده نابلس في سنة إحدى عشرة ومائة وألف وسكن في مدرسة جدي الاستاذ الشيخ مراد قدس سره ولازم الشيخ أبا المواهب الدمشقي الحنبلي وتلميذه الشيخ عبد القادر التغلبي وقرأ عليهما ما كتبا عديدة في فقه مذهبه كدليل الطالب والمنتهى والاقناع وفي الفرائض والحساب وقرأ عليهما عدة كتب منها شرح الرحبية وشرح اللمع وغير ذلك ولازم دروس الشيخ أبي المواهب المذكور في الجامع الأموي بين العشاءين
стр. 875
تفنى الليالي وليس يفنى ولست وحدي به معنىكل البرايا به معنى
وله أيضاً
بمواقع السحر التي ... من ناظريك ضمينها
وفواتك الحسن التي ... في وجنتيك كمينها
وعوامل القد التي ... قلبي لديك طعينها
ألا رثيت لمغرم ... دامي الجفون سخينها
وهذا الأسلوب جرى عليه كثير من الشعراء منهم ابن مغيزل حيث قال
بمجاري فلك الحسنالذي في وجناتكوبنوتيك على خديك
من غير دواتكوبما تصنع في الناس بساجي لحظاتك
وبما أغفله الواصف من حسن صفاتكلا تدعني والهوى
يجرح قلبي بحياتك
ومن ذلك قول الأديب محمد ابن زين العابدين الجوهري الدمشقي
بالذي أودع لحظيك ... حبيب القلب حتفا
وسقاني منهما كا ... سا سريع السكر صرفا
وحبا خدك وردا ... وحبا شكلك ظرفا
جد على صب كئيب ... ذي أوار ليس يطفى
وللألمعي الشهير محمد الحرفوشي من هذا النمط قوله
بالذي أنشاك فرداًوكسا خديك ورداًوالذي أعطاك حسنا
قلت أهل الحسن حداًوالذي أولى فؤاديمنك أعراضاً وصدا
صل معنى فيك يقضي ... الليل تسهيداً ووجداً
هو من هذا القبيل أبيات عبد المحسن الصوري المشهورة
بالذي ألهم تعذ ... يبي ثناياك العذابا
والذي ألبس خد ... يك من الورد نقابا
والذي أسكن في فيك ... من الشهيد رضابا
والذي صير حظي ... منك هجراً واجتنابا
يا غز الأصاد باللحظ ... فؤادي فأصابا
ما الذي قالته عينا ... ك لقلبي فأجابا
ومن ذلك قول الماهر الأديب إبراهيم بن محمد السفرجلاني الدمشقي
بالذي في العيقق رصع دراً ... وجلا تحت غيهب الشعر بدرا
стр. 876
والذي أودع المباسم شهداً ... ثم أجراه في المراشف خمرا
والذي صير الشقائق طرساً ... خط فيه من البنفسج سطرا
والذي في لهيب خدك ألقى ... ند خال يربو على الند نشرا
والذي خص أدعجيك بشيء ... لو رآه هاروت سماه سحرا
والذي هز من قوامك خوطاً ... يتهادى من الشبيبة سكرا
والذي صاغ من قشور اللآلي ... لك جسماً من ناعم الخز أطرى
والذي قد كساك حلة حسن ... لست منها مدى زمانك تعرى
والذي سلط الجفون وأمضى ... حكمها في القلوب نهياً وأمرا
ما الذي قالت العيون لقلبي ... قال قالت يا قلب كن بي مغرى
وللمترجم
لو أن أنفاسي من حرها ... مما بقلبي من هوى العس
قد خالطت لطف نسيم الصبا ... ما شمته برداً على الأنفس
وهذا ما وصلني من خبره ولم أتحقق وفاته في أي سنة كانت غير أنه من أهل هذه المائة رحمه الله تعالى.
عطية الله الأجهوري
عطية الله بن عطية البرهاني القاهري الشافعي الشهير بالأجهوري الشيخ الهمام العالم العلامة الحبر البحر الفاضل النحرير الفهامة أخذ عن الشهاب أحمد ابن عبد الفتاح الملوي وعن الشمس محمد العشماوي والسيد علي العزيز وعن غيرهم وتصدر في جامع الأزهر لأقراء الدروس ووردت عليه الطالبون وألف مؤلفات نافعة منها شرح مختصر السنوسي في المنطق وحاشية على شرح منظومة في أصول الحديث وكان علم الفضل المشهور نتيجة الأيام والدهور من لم تسمع الآذان ولم تر العيون بمثل تحقيقاته التي تستوضح الشمس للخاص والدون مبرزاً للتحقيق على طرف الثمام على وزن غراب وفي المثل هو على طرف الثمام لما يوصل اليد من غير مشقه يأتي كل يوم إلى الجامع الأزهر صبيحة النهار ويحضر دروس الشمس محمد الحفناوي ثم بعد الدروس يذهب إلى الرواق الآخذ إلى رواق الريافه الجامع الأزهر هذا الجامع أول مسجد أسس بالقاهرة والذي أنشأه القائد جوهر الكاتب الصقلي مولى الامام أبي تميم معد الخليفة أمير المؤمنين المعز لدين الله لما اختط القاهرة وشرع
стр. 877
في بناء هذا الجامع في يوم السبت لست بقين من جمادي الأولى سنة تسع وخمسين وثلثمائة وكمل بناؤه لتسع خلون من شهر رمضان سنة احدى وستين وثلثمائة وجمع فيه وكتب بدائر القبة التي في الرواق الأول وهي على يمنة المحراب والمنبر ما نصه بعد البسملة مما أمر ببنائه عبد الله ووليه أبو تميم معد الامام المعز لدين الله أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه الأكرمين على يد عبده جوهر الكاتب الصقلي وذلك في سنة سنين وثلثمائة وأول جمعة جمعت فيه في شهر رمضان لسبع خلون منه سنة احدى وستين وثلثمائة ثم إن العزيز بأنه أبا منصور نزار بن المعز لدين الله جدد فيه أشياء وفي سنة ثمان وسبعين وثلثمائة سأل الوزير أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس الخليفة العزيز بالله في صلة رزق جماعة من الفقهاء فأطلق لهم ما يكفي كل واحد منهم من رزق الناض وأمر لهم بشراء دار وبنائها فبنيه بجانب الجامع الأزهر فإذا كان يوم الجمعة حضروا إلى الجامع وتحلقوا فيه بعد الصلاة إلى أن تصلي العصر وكان لهم أيضاً من مال الوزير صلة في كل سنة وكانت عدتهم خمسة وثلاثين رجلاً وخلع عليهم العزيز يوم عيد الفطر وحملهم على بغلات ويقال إن بهذا الجامع طلسماً فلا يسكنه عصفور ولا يفرخ به وكذا سائر الطيور من الحمام واليمام وغيره وهو صورة ثلاثة طيور منقوشة كل صورة على رأس عمود فمنها صورتان في مقدم الجامع بالرواق الخامس منهما صورة في الجهة الغربية في العمود وصورة في أحد العمودين اللذين على يسار من استقبل سدة المؤذنين والصورة الاخرى في الصحن في الأعمدة القبلية مما يلي الشرقية ثم إن الحاكم بأمر الله جدده ووقف على الجامع الأزهر وجامع المقس والجامع الحاكمي ودار العلم بالقاهرة رباعاً بمصر وضمن ذلك كتاباً نسخته هذا كتاب أشهد قاضي القضاة مالك بن سعيد بن مالك الفارقي على جميع ما نسب إليه مما ذكر ووصف فيه من حضر من الشهود في مجلس حكمه وقضائه بفسطاط مصر في شهر رمضان سنة أربعمائة أشهدهم وهو يومئذ قاضي عبد الله ووليه المنصور أبي علي الامام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين بن الامام العزيز بالله صلوات الله عليهما على القاهرة المعزية ومصر والاسكندرية والحرمين حرسهما الله وأجناد الشام والرقة والرحبة ونواحي المغرب وسائر أعمالهن وما فتحه الله ويفتحه لأمير المؤمنين من بلاد الشرق والغرب بمحضر رجل متكلم إنه صحت عنده معرفة المواضع الكاملة والحصص الشائعة التي يذكر جميع ذلك ويحدد في هذا الكتاب وإنها كانت من أملاك الحاكم إلى أن حبسها على الجامع الأزهر بالقاهرة المحروسة والجامع براشدة والجامع بالمقس اللذين أمر بإنشائهما وتأسيس بنائهما
وعلى دار الحكمة
стр. 878
بالقاهرة المحروسة التي وقفها والكتب التي فيها قبل تاريخ هذا الكتاب منها ما يخص الجامع الأزهر والجامع براشدة ودار الحكمة بالقاهرة المحروسة مشاعاً جميع ذلك غير مقسوم ومنها ما يخص الجامع بالمقس على شرائط يجري ذكرها فمن ذلك ما تصدق به على الجامع الأزهر بالقاهرة المحروسة والجامع براشدة ودار الحكمة بالقاهرة المحروسة جميع الدار المعروفة بدار الضرب وجميع القيسارية المعروفة بقيسارية الصوف وجميع الدار المعروفة بدار الخرق الجديدة الذي كله بفسطاط مصر ومن ذلك ما تصدق به على جامع المقس جميع أربعة الحوانيت والمنازل التي علوها والمخزنين الذي ذلك كله بفسطاط مصر بالراية في جانب الغرب من الدار المعروفة كانت بدار الخرق وهاتان الداران المعروفتان بدار الخرق في الموضع المعروف بحمام الفار ومن ذلك جميع الحصص الشائعة من أربعة الحوانيت المتلاصقة التي بفسطاط مصر بالراية أيضاً بالموضع المعروف بحمام الفار وتعرف هذه الحوانيت بحصص القيسي بحدود ذلك كله وأرضه وبنائه وسفله وعلوه وغرفه ومرتفقاته وحوانيته وساحاته وطرقه وممراته ومجاري مياهه وكل حق هو له داخل فيه وخارج عنه وجعل ذلك كله صدقة موقوفة محرمة محبسة بتة بتلة لا يجوز بيعها ولا هبتها ولا تمليكها باقية على شروطها جارية على سبلها المعروفة في هذا الكتاب لا يوهنها تقادم السنين ولا تغير بحدوث حدث ولا يستثنى فيها ولا يتأول ولا يستفتي بتجدد تحبيسها مدى الأوقات وتستمر شروطها على اختلاف الحالات حتى يرث الله الأرض والسموات على أن يؤجر ذلك في كل عصر من ينتهي إليه ولايتها ويرجع إليه أمرها بعد مراقبة الله واجتلاب ما يوفر منفعتها من أشهارها عند ذوي الرغبة في اجارة أمثالها فيبتدأ من ذلك بعمارة ذلك على حسب المصلحة وبقاء العين ومرمته من غير إحجاف بما حبس ذلك عليه وما فضل كان مقسوماً على ستين سهماً فمن ذلك للجامع الأزهر بالقاهرة المحرومة المذكور في هذا الاشهاد الخمس والثمن ونصف السدس ونصف التسع بصرف ذلك فيما فيه عمارة له ومصلحة وهو من العين المعزي الوازن ألف دينار واحدة وسبعة وستون ديناراً ونصف دينار وثمن دينار من ذلك للخطيب بهذا الجامع أربعة وثمانون ديناراً ومن ذلك لثمن ألف ذراع حصر عبدانية تكون عدة له بحيث لا ينقطع من حصره عند الحاجة إلى ذلك ومن ذلك لثمن ثلاثة عشر ألف ذراع حصر مظفورة لكسوة هذا الجامع في كل سنة عند الحاجة إليها مائة دينار واحدة وثمانية دنانير ومن ذلك لثمن ثلاثة قناطير زجاج وفراخها اثنا عشر دينار ومن ذلك لثمن عود هندي للبخور في شهر رمضان وأيام الجمع مع ثمن الكافور والمسك وأجرة
стр. 879
الصانع خمسة عشر ديناراً ومن ذلك لنصف قنطار شمع بالفلفلي سبعة دنانير ومن ذلك لكنس هذا الجامع ونقل التراب وخياطة الحصر وثمن الخيط واجرة الخياطة خمسة دنانير ومن ذلك لثمن مشاقة لسرج القناديل عن خمسة وعشرين رطلاً بالرطل الفلفلي دينار واحد ومن ذلك لثمن فحم للبخور عن قنطار واحد بالفلفلي نصف دينار ومن ذلك لثمن أردبين ملحاً للقناديل ربع دينار ومن ذلك ما قدر لمؤنة النحاس والسلاسل والتنانير والقباب التي فوق سطح الجامع أربعة وعشرون ديناراً ومن ذلك الثمن سلب ليف وأربعة أحبل وست دلاء أدم نصف دينار ومن ذلك لثمن قنطارين خرقاً لمسح القناديل نصف دينار ومن ذلك لثمن عشر قفاف للخدمة وعشرة أرطال قنب لتعليق القناديل ولثمن مائتي مكنسة لكنس هذا الجامع دينار واحد وربع دينار ومن ذلك لثمن أزيار فخار تنصب على المصنع ويصب فيها الماء مع أجرة حملها ثلاثة دنانير ومن ذلك لثمن زيت وقود هذا الجامع راتب السنة ألف رطل ومأتا رطل مع أجرة الحمل سبعة وثلاثون ديناراً ونصف ومن ذلك لأرزاق المصلين يعني الأئمة وهم ثلاثة وأربعة قومة وخمسة عشر مؤذناً خمسمائة دينار وستة وخمسون ديناراً ونصف منها للمصلين لكل رجل منهم ديناران وثلثا دينار وثمن دينار في كل شهر من شهور السنة والمؤذنون والقومة لكل رجل منهم ديناران في كل شهر ومن ذلك للمشرف على هذا الجامع في كل سنة أربعة وعشرون ديناراً ومن ذلك لكنس المصنع بهذا الجامع ونقل ما يخرج منه من الطين والوسخ دينار واحد ومن ذلك لمرمة ما يحتاج إليه في هذا الجامع في سطحه وأترابه وحياطته وغير ذلك مما قدر لكل سنة ستون ديناراً ومن ذلك لثمن مائة
وثمانين حمل تبن ونصف حمل جارية لعلف رأسي بقر للمصنع الذي لهذا الجامع ثمانية دنانير ونصف وثلث دينار ومن ذلك للتبن لمخزن يوضع فيه بالقاهرة أربعة دنانير ومن ذلك لثمن فدانين قرط لتربيع رأسي البقر المذكورين في السنة سبعة دنانير ومن ذلك لأجرة متولي العلف وأجرة السقاه والحبال والقواديس وما يجري مجرى ذلك خمسة عشر ديناراً ونصف ومن ذلك لأجرة قيم الميضأة إن عملت بهذا الجامع اثنا عشر ديناراًنين حمل تبن ونصف حمل جارية لعلف رأسي بقر للمصنع الذي لهذا الجامع ثمانية دنانير ونصف وثلث دينار ومن ذلك للتبن لمخزن يوضع فيه بالقاهرة أربعة دنانير ومن ذلك لثمن فدانين قرط لتربيع رأسي البقر المذكورين في السنة سبعة دنانير ومن ذلك لأجرة متولي العلف وأجرة السقاه والحبال والقواديس وما يجري مجرى ذلك خمسة عشر ديناراً ونصف ومن ذلك لأجرة قيم الميضأة إن عملت بهذا الجامع اثنا عشر ديناراً
وإلى هنا انقضى حديث الجامع الأزهر وأخذ في ذكر جامع راشدة ودار العلم وجامع المقس ثم ذكر إن تنانير الفضة ثلاثة تنانير الفضة وتسعة وثلاثون قنديلاً فضة فللجامع الأزهر تنوران وسبعة وعشرون قنديلاً ومنها لجامع راشدة تنور واثنا عشر قنديلاً وشروط أن تعلق في شهر رمضان وتعاد إلى مكان جرت عادتها أن تحفظ به وشرط شروطاً كثيرة في الأوقاف منها إنه إذا فضل شيء واجتمع يشتري به ملك فإن عاز شيئاً واستهدم ولم يف الريع بعمارته بيع وعمر به وأشياء كثيرة وحبس فيه أيضاً عدة آدر
стр. 880
وقياسر لا فائدة في ذكرها فإنها مما خربت بمصر قال ابن عبد الظاهر عن هذا الكتاب ورأيت منه نسخة وانتقلت إلى قاضي القضاة تقي الدين ابن رزين وكان بصدر هذا الجامع في محرابه منطقة فضة كما كان في محراب جامع عمرو بن العاص بمصر قلع ذلك صلاح الدين يوسف بن ايوب في حادي عشر ربيع الأول سنة تسع وستين وخمسمائة لأنه كان فيها انتهاء خلفاء الفاطميين فجاء وزنها خمسة آلاف درهم نقرة وقلع أيضاً المناطق من بقية الجوامع ثم إن المستنصر جدد هذا الجامع أيضاً وجدده الحافظ لدين الله وأنشأ فيه مقصورة لطيفة تجاور الباب الغربي الذي في مقدم الجامع بداخل الرواقات عرفت بمقصورة فاطمة من أجل إن فاطمة الزوراء رضي الله تعالى عنها رؤيت بها في المنام ثم إنه جدد في أيام الملك الظاهر بيبرس البندقداري قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر في كتاب سيرة الملك الظاهر لما كان يوم الجمعة الثامن عشر من ربيع الأول سنة خمس وستين وستمائة أقيمت الجمعة بالجامع الأزهر بالقاهرة وسبب ذلك إن الأمير عز الدين أيدمر الحلي كان جار هذا الجامع من مدة ستين فرعى وفقه الله حرمة الجار ورآى أن يكون كما هو جاره في دار الدنيا إنه غداً يكون ثوابه جاره في تلك الدار ورسم بالنظر في أمره وانتزع له أشياء خصوبة كان شيء منها في أيدي جماعة وحاط أموره حتى جمع له شيئاً صالحاً وجرى الحديث في ذلك فتبرع الأمير عز الدين له بجملة مستكثرة من المال الجزيل وأطلق له من السلطان جملة من المال وشرع في عمارته قصر الواهي من أركانه وجدرانه وبيضه وأصلح سقوفه وبلطه وفرشه وكساه حتى عاد حرماً في وسط المدينة واستجد به مقصورة حسنة وآثر فيه آثاراً صالحة يثيبه الله عليها وعمل الأمير بيليك الخزينة دار فيه مقصورة كبيرة رتب فيها جماعة من الفقهاء لقراءة الفقه على مذهب الامام الشافعي ﵀ ورتب في هذه المقصورة محدثاً يسمع الحديث النبوي والرقائق ووقف على ذلك الأوقاف الدارة ورتب به سبعة لقراءة القرآن ورتب به مدرساً أثابه الله على ذلك ولما تكمل تجديده تحدث في إقامة جمعة فيه فنودي في المدينة بذلك واستخدم له الفقيه زين الدين خطيباً وأقيمت الجمعة فيه في اليوم المذكور وحضر الأتابك فارس الدين والصاحب بهاء الدين علي بن حنا وولده الصاحب فخر الدين محمد وجماعة من الأمراء والكبراء وأصناف العالم على اختلافهم وكان يوم جمعة مشهوداً ولما فرغ من الجمعة جلس الأمير عز الدين الحلي والأتابك والصاحب وقرئ القرأن ودعي للسلطان وقام الأمير عز الدين ودخل إلى داره ودخل معه الأمراء فقدم لهم كل ما تشتهي الأنفس
следующие страницы →