Полный текст (1 167 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
والذي أودع المباسم شهداً ... ثم أجراه في المراشف خمرا
والذي صير الشقائق طرساً ... خط فيه من البنفسج سطرا
والذي في لهيب خدك ألقى ... ند خال يربو على الند نشرا
والذي خص أدعجيك بشيء ... لو رآه هاروت سماه سحرا
والذي هز من قوامك خوطاً ... يتهادى من الشبيبة سكرا
والذي صاغ من قشور اللآلي ... لك جسماً من ناعم الخز أطرى
والذي قد كساك حلة حسن ... لست منها مدى زمانك تعرى
والذي سلط الجفون وأمضى ... حكمها في القلوب نهياً وأمرا
ما الذي قالت العيون لقلبي ... قال قالت يا قلب كن بي مغرى
وللمترجم
لو أن أنفاسي من حرها ... مما بقلبي من هوى العس
قد خالطت لطف نسيم الصبا ... ما شمته برداً على الأنفس
وهذا ما وصلني من خبره ولم أتحقق وفاته في أي سنة كانت غير أنه من أهل هذه المائة رحمه الله تعالى.
عطية الله الأجهوري
عطية الله بن عطية البرهاني القاهري الشافعي الشهير بالأجهوري الشيخ الهمام العالم العلامة الحبر البحر الفاضل النحرير الفهامة أخذ عن الشهاب أحمد ابن عبد الفتاح الملوي وعن الشمس محمد العشماوي والسيد علي العزيز وعن غيرهم وتصدر في جامع الأزهر لأقراء الدروس ووردت عليه الطالبون وألف مؤلفات نافعة منها شرح مختصر السنوسي في المنطق وحاشية على شرح منظومة في أصول الحديث وكان علم الفضل المشهور نتيجة الأيام والدهور من لم تسمع الآذان ولم تر العيون بمثل تحقيقاته التي تستوضح الشمس للخاص والدون مبرزاً للتحقيق على طرف الثمام على وزن غراب وفي المثل هو على طرف الثمام لما يوصل اليد من غير مشقه يأتي كل يوم إلى الجامع الأزهر صبيحة النهار ويحضر دروس الشمس محمد الحفناوي ثم بعد الدروس يذهب إلى الرواق الآخذ إلى رواق الريافه الجامع الأزهر هذا الجامع أول مسجد أسس بالقاهرة والذي أنشأه القائد جوهر الكاتب الصقلي مولى الامام أبي تميم معد الخليفة أمير المؤمنين المعز لدين الله لما اختط القاهرة وشرع
стр. 877
في بناء هذا الجامع في يوم السبت لست بقين من جمادي الأولى سنة تسع وخمسين وثلثمائة وكمل بناؤه لتسع خلون من شهر رمضان سنة احدى وستين وثلثمائة وجمع فيه وكتب بدائر القبة التي في الرواق الأول وهي على يمنة المحراب والمنبر ما نصه بعد البسملة مما أمر ببنائه عبد الله ووليه أبو تميم معد الامام المعز لدين الله أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه الأكرمين على يد عبده جوهر الكاتب الصقلي وذلك في سنة سنين وثلثمائة وأول جمعة جمعت فيه في شهر رمضان لسبع خلون منه سنة احدى وستين وثلثمائة ثم إن العزيز بأنه أبا منصور نزار بن المعز لدين الله جدد فيه أشياء وفي سنة ثمان وسبعين وثلثمائة سأل الوزير أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس الخليفة العزيز بالله في صلة رزق جماعة من الفقهاء فأطلق لهم ما يكفي كل واحد منهم من رزق الناض وأمر لهم بشراء دار وبنائها فبنيه بجانب الجامع الأزهر فإذا كان يوم الجمعة حضروا إلى الجامع وتحلقوا فيه بعد الصلاة إلى أن تصلي العصر وكان لهم أيضاً من مال الوزير صلة في كل سنة وكانت عدتهم خمسة وثلاثين رجلاً وخلع عليهم العزيز يوم عيد الفطر وحملهم على بغلات ويقال إن بهذا الجامع طلسماً فلا يسكنه عصفور ولا يفرخ به وكذا سائر الطيور من الحمام واليمام وغيره وهو صورة ثلاثة طيور منقوشة كل صورة على رأس عمود فمنها صورتان في مقدم الجامع بالرواق الخامس منهما صورة في الجهة الغربية في العمود وصورة في أحد العمودين اللذين على يسار من استقبل سدة المؤذنين والصورة الاخرى في الصحن في الأعمدة القبلية مما يلي الشرقية ثم إن الحاكم بأمر الله جدده ووقف على الجامع الأزهر وجامع المقس والجامع الحاكمي ودار العلم بالقاهرة رباعاً بمصر وضمن ذلك كتاباً نسخته هذا كتاب أشهد قاضي القضاة مالك بن سعيد بن مالك الفارقي على جميع ما نسب إليه مما ذكر ووصف فيه من حضر من الشهود في مجلس حكمه وقضائه بفسطاط مصر في شهر رمضان سنة أربعمائة أشهدهم وهو يومئذ قاضي عبد الله ووليه المنصور أبي علي الامام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين بن الامام العزيز بالله صلوات الله عليهما على القاهرة المعزية ومصر والاسكندرية والحرمين حرسهما الله وأجناد الشام والرقة والرحبة ونواحي المغرب وسائر أعمالهن وما فتحه الله ويفتحه لأمير المؤمنين من بلاد الشرق والغرب بمحضر رجل متكلم إنه صحت عنده معرفة المواضع الكاملة والحصص الشائعة التي يذكر جميع ذلك ويحدد في هذا الكتاب وإنها كانت من أملاك الحاكم إلى أن حبسها على الجامع الأزهر بالقاهرة المحروسة والجامع براشدة والجامع بالمقس اللذين أمر بإنشائهما وتأسيس بنائهما
وعلى دار الحكمة
стр. 878
بالقاهرة المحروسة التي وقفها والكتب التي فيها قبل تاريخ هذا الكتاب منها ما يخص الجامع الأزهر والجامع براشدة ودار الحكمة بالقاهرة المحروسة مشاعاً جميع ذلك غير مقسوم ومنها ما يخص الجامع بالمقس على شرائط يجري ذكرها فمن ذلك ما تصدق به على الجامع الأزهر بالقاهرة المحروسة والجامع براشدة ودار الحكمة بالقاهرة المحروسة جميع الدار المعروفة بدار الضرب وجميع القيسارية المعروفة بقيسارية الصوف وجميع الدار المعروفة بدار الخرق الجديدة الذي كله بفسطاط مصر ومن ذلك ما تصدق به على جامع المقس جميع أربعة الحوانيت والمنازل التي علوها والمخزنين الذي ذلك كله بفسطاط مصر بالراية في جانب الغرب من الدار المعروفة كانت بدار الخرق وهاتان الداران المعروفتان بدار الخرق في الموضع المعروف بحمام الفار ومن ذلك جميع الحصص الشائعة من أربعة الحوانيت المتلاصقة التي بفسطاط مصر بالراية أيضاً بالموضع المعروف بحمام الفار وتعرف هذه الحوانيت بحصص القيسي بحدود ذلك كله وأرضه وبنائه وسفله وعلوه وغرفه ومرتفقاته وحوانيته وساحاته وطرقه وممراته ومجاري مياهه وكل حق هو له داخل فيه وخارج عنه وجعل ذلك كله صدقة موقوفة محرمة محبسة بتة بتلة لا يجوز بيعها ولا هبتها ولا تمليكها باقية على شروطها جارية على سبلها المعروفة في هذا الكتاب لا يوهنها تقادم السنين ولا تغير بحدوث حدث ولا يستثنى فيها ولا يتأول ولا يستفتي بتجدد تحبيسها مدى الأوقات وتستمر شروطها على اختلاف الحالات حتى يرث الله الأرض والسموات على أن يؤجر ذلك في كل عصر من ينتهي إليه ولايتها ويرجع إليه أمرها بعد مراقبة الله واجتلاب ما يوفر منفعتها من أشهارها عند ذوي الرغبة في اجارة أمثالها فيبتدأ من ذلك بعمارة ذلك على حسب المصلحة وبقاء العين ومرمته من غير إحجاف بما حبس ذلك عليه وما فضل كان مقسوماً على ستين سهماً فمن ذلك للجامع الأزهر بالقاهرة المحرومة المذكور في هذا الاشهاد الخمس والثمن ونصف السدس ونصف التسع بصرف ذلك فيما فيه عمارة له ومصلحة وهو من العين المعزي الوازن ألف دينار واحدة وسبعة وستون ديناراً ونصف دينار وثمن دينار من ذلك للخطيب بهذا الجامع أربعة وثمانون ديناراً ومن ذلك لثمن ألف ذراع حصر عبدانية تكون عدة له بحيث لا ينقطع من حصره عند الحاجة إلى ذلك ومن ذلك لثمن ثلاثة عشر ألف ذراع حصر مظفورة لكسوة هذا الجامع في كل سنة عند الحاجة إليها مائة دينار واحدة وثمانية دنانير ومن ذلك لثمن ثلاثة قناطير زجاج وفراخها اثنا عشر دينار ومن ذلك لثمن عود هندي للبخور في شهر رمضان وأيام الجمع مع ثمن الكافور والمسك وأجرة
стр. 879
الصانع خمسة عشر ديناراً ومن ذلك لنصف قنطار شمع بالفلفلي سبعة دنانير ومن ذلك لكنس هذا الجامع ونقل التراب وخياطة الحصر وثمن الخيط واجرة الخياطة خمسة دنانير ومن ذلك لثمن مشاقة لسرج القناديل عن خمسة وعشرين رطلاً بالرطل الفلفلي دينار واحد ومن ذلك لثمن فحم للبخور عن قنطار واحد بالفلفلي نصف دينار ومن ذلك لثمن أردبين ملحاً للقناديل ربع دينار ومن ذلك ما قدر لمؤنة النحاس والسلاسل والتنانير والقباب التي فوق سطح الجامع أربعة وعشرون ديناراً ومن ذلك الثمن سلب ليف وأربعة أحبل وست دلاء أدم نصف دينار ومن ذلك لثمن قنطارين خرقاً لمسح القناديل نصف دينار ومن ذلك لثمن عشر قفاف للخدمة وعشرة أرطال قنب لتعليق القناديل ولثمن مائتي مكنسة لكنس هذا الجامع دينار واحد وربع دينار ومن ذلك لثمن أزيار فخار تنصب على المصنع ويصب فيها الماء مع أجرة حملها ثلاثة دنانير ومن ذلك لثمن زيت وقود هذا الجامع راتب السنة ألف رطل ومأتا رطل مع أجرة الحمل سبعة وثلاثون ديناراً ونصف ومن ذلك لأرزاق المصلين يعني الأئمة وهم ثلاثة وأربعة قومة وخمسة عشر مؤذناً خمسمائة دينار وستة وخمسون ديناراً ونصف منها للمصلين لكل رجل منهم ديناران وثلثا دينار وثمن دينار في كل شهر من شهور السنة والمؤذنون والقومة لكل رجل منهم ديناران في كل شهر ومن ذلك للمشرف على هذا الجامع في كل سنة أربعة وعشرون ديناراً ومن ذلك لكنس المصنع بهذا الجامع ونقل ما يخرج منه من الطين والوسخ دينار واحد ومن ذلك لمرمة ما يحتاج إليه في هذا الجامع في سطحه وأترابه وحياطته وغير ذلك مما قدر لكل سنة ستون ديناراً ومن ذلك لثمن مائة
وثمانين حمل تبن ونصف حمل جارية لعلف رأسي بقر للمصنع الذي لهذا الجامع ثمانية دنانير ونصف وثلث دينار ومن ذلك للتبن لمخزن يوضع فيه بالقاهرة أربعة دنانير ومن ذلك لثمن فدانين قرط لتربيع رأسي البقر المذكورين في السنة سبعة دنانير ومن ذلك لأجرة متولي العلف وأجرة السقاه والحبال والقواديس وما يجري مجرى ذلك خمسة عشر ديناراً ونصف ومن ذلك لأجرة قيم الميضأة إن عملت بهذا الجامع اثنا عشر ديناراًنين حمل تبن ونصف حمل جارية لعلف رأسي بقر للمصنع الذي لهذا الجامع ثمانية دنانير ونصف وثلث دينار ومن ذلك للتبن لمخزن يوضع فيه بالقاهرة أربعة دنانير ومن ذلك لثمن فدانين قرط لتربيع رأسي البقر المذكورين في السنة سبعة دنانير ومن ذلك لأجرة متولي العلف وأجرة السقاه والحبال والقواديس وما يجري مجرى ذلك خمسة عشر ديناراً ونصف ومن ذلك لأجرة قيم الميضأة إن عملت بهذا الجامع اثنا عشر ديناراً
وإلى هنا انقضى حديث الجامع الأزهر وأخذ في ذكر جامع راشدة ودار العلم وجامع المقس ثم ذكر إن تنانير الفضة ثلاثة تنانير الفضة وتسعة وثلاثون قنديلاً فضة فللجامع الأزهر تنوران وسبعة وعشرون قنديلاً ومنها لجامع راشدة تنور واثنا عشر قنديلاً وشروط أن تعلق في شهر رمضان وتعاد إلى مكان جرت عادتها أن تحفظ به وشرط شروطاً كثيرة في الأوقاف منها إنه إذا فضل شيء واجتمع يشتري به ملك فإن عاز شيئاً واستهدم ولم يف الريع بعمارته بيع وعمر به وأشياء كثيرة وحبس فيه أيضاً عدة آدر
стр. 880
وقياسر لا فائدة في ذكرها فإنها مما خربت بمصر قال ابن عبد الظاهر عن هذا الكتاب ورأيت منه نسخة وانتقلت إلى قاضي القضاة تقي الدين ابن رزين وكان بصدر هذا الجامع في محرابه منطقة فضة كما كان في محراب جامع عمرو بن العاص بمصر قلع ذلك صلاح الدين يوسف بن ايوب في حادي عشر ربيع الأول سنة تسع وستين وخمسمائة لأنه كان فيها انتهاء خلفاء الفاطميين فجاء وزنها خمسة آلاف درهم نقرة وقلع أيضاً المناطق من بقية الجوامع ثم إن المستنصر جدد هذا الجامع أيضاً وجدده الحافظ لدين الله وأنشأ فيه مقصورة لطيفة تجاور الباب الغربي الذي في مقدم الجامع بداخل الرواقات عرفت بمقصورة فاطمة من أجل إن فاطمة الزوراء رضي الله تعالى عنها رؤيت بها في المنام ثم إنه جدد في أيام الملك الظاهر بيبرس البندقداري قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر في كتاب سيرة الملك الظاهر لما كان يوم الجمعة الثامن عشر من ربيع الأول سنة خمس وستين وستمائة أقيمت الجمعة بالجامع الأزهر بالقاهرة وسبب ذلك إن الأمير عز الدين أيدمر الحلي كان جار هذا الجامع من مدة ستين فرعى وفقه الله حرمة الجار ورآى أن يكون كما هو جاره في دار الدنيا إنه غداً يكون ثوابه جاره في تلك الدار ورسم بالنظر في أمره وانتزع له أشياء خصوبة كان شيء منها في أيدي جماعة وحاط أموره حتى جمع له شيئاً صالحاً وجرى الحديث في ذلك فتبرع الأمير عز الدين له بجملة مستكثرة من المال الجزيل وأطلق له من السلطان جملة من المال وشرع في عمارته قصر الواهي من أركانه وجدرانه وبيضه وأصلح سقوفه وبلطه وفرشه وكساه حتى عاد حرماً في وسط المدينة واستجد به مقصورة حسنة وآثر فيه آثاراً صالحة يثيبه الله عليها وعمل الأمير بيليك الخزينة دار فيه مقصورة كبيرة رتب فيها جماعة من الفقهاء لقراءة الفقه على مذهب الامام الشافعي ﵀ ورتب في هذه المقصورة محدثاً يسمع الحديث النبوي والرقائق ووقف على ذلك الأوقاف الدارة ورتب به سبعة لقراءة القرآن ورتب به مدرساً أثابه الله على ذلك ولما تكمل تجديده تحدث في إقامة جمعة فيه فنودي في المدينة بذلك واستخدم له الفقيه زين الدين خطيباً وأقيمت الجمعة فيه في اليوم المذكور وحضر الأتابك فارس الدين والصاحب بهاء الدين علي بن حنا وولده الصاحب فخر الدين محمد وجماعة من الأمراء والكبراء وأصناف العالم على اختلافهم وكان يوم جمعة مشهوداً ولما فرغ من الجمعة جلس الأمير عز الدين الحلي والأتابك والصاحب وقرئ القرأن ودعي للسلطان وقام الأمير عز الدين ودخل إلى داره ودخل معه الأمراء فقدم لهم كل ما تشتهي الأنفس
стр. 881
وتلذ الأعين وانفصلوا وكان قد جرى الحديث في أمر جواز الجمعة في الجامع وما ورد فيه من أقاويل العلماء وكتب فيها فتياً أخذ فيها خطوط العلماء بجواز الجمعة في هذا الجامع وإقامتها فكتب جماعة خطوطهم فيها وأقيمت صلاة الجمعة به واستمرت ووجد الناس به رفقاً وراحة لقربه من الحارات البعيدة من الجامع الحاكمي قال وكان سقف هذا الجامع قد بني قصيراً فزيد فيه بعد ذلك وعلى ذراعاً واستمرت الخطبة فيه حتى بنى الجامع الحاكمي فانتقلت الخطبة إليه فإن الخليفة كان يخطب فيه خطبة وفي الجامع الأزهر خطبة وفي جامع ابن طولون خطبة وفي جامع مصر خطبة وانقطعت الخطبة من الجامع الأزهر لما استبد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بالسلطنة فإنه قلد وظيفة القضاء لقاضي القضاة صدر الدين عبد الملك بن درباس فعمل بمقتضى مذهبه وهو امتناع إقامة الخطبتين للجمعة في بلد واحد كما هو مذهب الامام الشافعي فأبطل الخطبة من الجامع الأزهر وأقر الخطبة بالجامع الحاكمي من أجل إنه أوسع فلم يزل الجامع الأزهر معطلاً من إقامة الجمعة فيه مائة عام من حين استولى السلطان صلاح الدين يوسف بن
أيوب إلى أن أعيدت الخطبة في أيام الملك الظاهر بيبرس كما تقدم ذكره ثم لما كانت الزلزلة بديار مصر في ذي الحجة سنة اثنتين وسبعمائة سقط الجامع الأزهر والجامع الحاكمي وجامع مصر وغيره فتقاسم امراء الدولة عمارة الجوامع فتولى الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير عمارة لجامع الحاكمي وتولى الأمير سلار عمارة الجامع الأزهروب إلى أن أعيدت الخطبة في أيام الملك الظاهر بيبرس كما تقدم ذكره ثم لما كانت الزلزلة بديار مصر في ذي الحجة سنة اثنتين وسبعمائة سقط الجامع الأزهر والجامع الحاكمي وجامع مصر وغيره فتقاسم امراء الدولة عمارة الجوامع فتولى الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير عمارة لجامع الحاكمي وتولى الأمير سلار عمارة الجامع الأزهر
وتولى الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار عمارة جامع الصالح فجددوا مبانيها وأعادوا ما تهدم منها ثم جددت عمارة الجامع الأزهر على يد القاضي نجم الدين محمد بن حسين بن علي الأسعردي محتسب القاهرة في سنة خمس وعشرين وسبعمائة ثم جددت عمارته في سنة احدى وستين وسبعمائة عندما سكن الأمير الطواشي سعد الدين بشير الجامدار الناصري في دار الأمير فخر الدين أبان الزاهدي الصالحي النجمي بخط الأبارين بجوار الجامع الأزهر بعدما هدمها وعمرها داره التي تعرف هناك إلى اليوم بدار بشير الجامدار فأحب لقربه من الجامع أن يؤثر فيه أثراً صالحاً فأستأذن السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون في عمارة الجامع وكان أثيراً عنده خصيصاً به فأذن له في ذلك وكان قد استجد بالجامع عدة مقاصير ووضعت فيه صناديق وخزائن حتى ضيقته فأخرج الخزائن والصناديق ونزع تلك المقاصير وتتبع جدرانه وسقوفه بالاصلاح حتى عادت كأنها جديدة وبيض الجامع كله وبلطه ومنع الناس من المرور فيه ورتب فيه مصحفاً وجعل له قارئاً وأنشأ على باب الجامع القبلي
стр. 882
خالوثا لتسبيل الماء العذب في كل يوم وكل فوقه مكتب سبيل لأقراء أيتام المسلمين كتاب الله العزيز ورتب للفقراء المجاورين طعاماً يطبخ كل يوم وأنزل إليه قدوراً من نحاس جعلها فيه ورتب فيه درساً للفقهاء من الحنفية يجلس مدرسهم لألقاء الثنية في المحراب الكبير ووقف على ذلك أوقافاً جليلة باقية إلى يومنا هذا ومؤذنوا الجامع يدعون في كل جمعة وبعد كل صلاة للسلطان حسن إلى هذا الوقت الذي نحن فيه وفي سنة أربع وثمانين وسبعمائة ولي الأمير العلواشي بهادر المقدم على المماليك السلطانية نظر الجامع الأزهر فتنجز مرسوم السلطان الملك الظاهر برقوق بأن من مات من مجاوري الجامع الأزهر عن غير وارث شرعي وترك موجوداً فإنه يأخذه المجاورون بالجامع ونقش ذلك على حجر عند الباب الكبير البحري وفي سنة ثمانمائة هدمت منارة الجامع وكانت قصيرة وعمرت أطول منها فبلغت التنقه عليها من مال السلطان خمسة عشر ألف درهم نقرة وسلت في ربيع الآخر من السنة المذكورة فعلقت القناديل فيها ليلة الجمعة من هذا الشهر وأوقدت حتى اشتعل الضوء من أعلاها إلى أسفلها واجتمع القراء والوعاظ بالجامع وتلوا ختمة شريفة ودعوا للسلطان فلم تزل هذه المئذنة إلى شوال سنة سبع عشرة وثمانمائة فهدمت لميل ظهر فيها وعمل بدلها منارة من حجر على باب الجامع البحري بعدما هدم الباب وأعيد بناءه بالجرور كبت المنارة فوق عقده وأخذ الحجر لها من مدرسة الملك الأشرف خليل التي كانت تجاه قلعة الجبل وهدمها الملك الناصر فرج بن برقوق وقام بعمارة ذلك الأمير تاج الدين التاج الشوبكي والي القاهرة ومحتسبها إلى أن تمت في جمادي الآخرة سنة ثمان عشرة وثمانمائة فلم تقم غير قليل ومالت حتى كادت تسقط فهدمت في صفر سنة سبع وعشرين وأعيدت وفي شوال منها ابتدئ بعمل الصهريج الذي بوسط الجامع فوجد هناك آثار فسقية ماء ووجد أيضاً رمم أموات وتم بناؤه في ربيع الأول وعمل بأعلاء مكان مرتفع له قبة يسبل فيه الماء وغرس بصحن الجامع أربع شجرات فلم تفلح وماتت ولم يكن لهذا الجامع ميضأة عندما بني ثم عملت ميضأته حيث المدرسة الأقبغاوية إلى أن بنى الأمير أقبغا عبد الواحد مدرسة المعروفة بالمدرسة الأقبغاوية هناك وأما هذه الميضأة التي بالجامع الآن فإن الأمير بدر الدين جنكل بن البابا بناها ثم زيد فيها بعد سنة عشر وثمانمائة ميضأة المدرسة الأقبغاوية وفي سنة ثمان عشرة وثمانمائة ولي نظر هذا الجامع الأمير سودوب القاضي حاجب الحجاب فجرت في أيام نظره حوادث لم يتفق مثلها وذلك إنه لم يزل في هذا الجامع منذ بنى عدة من الفقراء يلازمون الاقامة فيه وبلغت عدتهم في هذه الأيام سبعمائة وخمسين رجلاً ما بين عجم وزيالعة
стр. 883
ومن أهل ريف معسر ومغاربة ولكل طائفة رواق يعرف بهم فلا يزال الجامع عامراً بتلاوة القرآن ودراسته وتلقينه والاشتغال بأنواع العلوم الفقه والحديث والتفسير والنحو ومجالس الوعظ وحلق الذكر فيجد الانسان إذا دخل هذا الجامع من الأنس بالله والارتياح وترويح النفس ما لا يجده في غيره وصار أرباب الأموال يقصدون هذا الجامع بأنواع البر من الذهب والفضة والفلوس إعانة للمجاورين فيه على عبادة الله تعالى وكل قليل تحمل إليهم أنواع الأطعمة والخبز
والحلاوات لا سيما في المواسم فأمر في جمادي الأولى من هذه السنة باخراج المجاورين من الجامع ومنعهم من الاقامة فيه واخراج ما كان لهم فيه من صناديق وخزائن وكراسي المصاحف زعماً منه إن هذا العمل مما يناب عليه وما كان إلا من أعظم الذنوب وأكثرها ضرراً فإنه حل بالفقراء بلاء كبير من تشتت شملهم وتعذر الأماكن عليهم فساروا في القرى وتبذلوا بعد الصيانة وفقد من الجامع أكثر ما كان فيه من تلاوة القرآن ودراسة العلم وذكر الله ثم لم يرضه ذلك حتى زاد في التعدي وأشاع أن أناساً يبيتون بالجامع ويفعلون فيه منكرات وكانت العادة قد جرت بمبيت كثير من الناس في الجامع ما بين تاجر وفقيه وجندي وغيرهم منهم من يقصد بمبيته البركة ومنهم من لا يجد مكاناً يأويه ومنهم من يستروح بمبيته هناك خصوصاً في ليالي الصيف وليالي شهر رمضان فإنه يمتلئ صحنه وأكثر أوقاتهلحلاوات لا سيما في المواسم فأمر في جمادي الأولى من هذه السنة باخراج المجاورين من الجامع ومنعهم من الاقامة فيه واخراج ما كان لهم فيه من صناديق وخزائن وكراسي المصاحف زعماً منه إن هذا العمل مما يناب عليه وما كان إلا من أعظم الذنوب وأكثرها ضرراً فإنه حل بالفقراء بلاء كبير من تشتت شملهم وتعذر الأماكن عليهم فساروا في القرى وتبذلوا بعد الصيانة وفقد من الجامع أكثر ما كان فيه من تلاوة القرآن ودراسة العلم وذكر الله ثم لم يرضه ذلك حتى زاد في التعدي وأشاع أن أناساً يبيتون بالجامع ويفعلون فيه منكرات وكانت العادة قد جرت بمبيت كثير من الناس في الجامع ما بين تاجر وفقيه وجندي وغيرهم منهم من يقصد بمبيته البركة ومنهم من لا يجد مكاناً يأويه ومنهم من يستروح بمبيته هناك خصوصاً في ليالي الصيف وليالي شهر رمضان فإنه يمتلئ صحنه وأكثر أوقاته فلما كانت ليلة الأحد الحادي عشر من جمادي الآخرة طرق الأمير سودوب الجامع بعد العشاء الآخرة والوقت صيف وقبض على جماعة وضربهم في الجامع وكان قد جاء معه من الأعوان والغلمان وغوغاء العامة ومن يريد النهب جماعة فل بمن كان في الجامع أنواع البلاء ووقع فيهم النهب فأخذت فرشهم وعمائمهم وفتشت أوساطهم وسلبوا ما كان مربوطاً عليها من ذهب وفضة وعمل ثوباً أسود للمنبر وعلمين مزوقين بلغت النفقة على ذلك خمسة عشر ألف درهم على ما بلغني فعاجل الله الأمير سودوب وقبض عليه السلطان في شهر رمضان وسجنه بدمشق من تاريخ المقريزي عود فيأتي أذكياء جماعة يسمعون الدرس الذي يريد اقرأه مع الشروح والحواشي وهو يقرره لهم قال تلميذه هبة الله التاجي في ترجمته له في ثبته لما قدمت مصر سمعت بأنه فريد وقته وإنه يقرئ المختصر على التلخيص فسرت إليه فرأيته يقرره في مدرسة الأشرفية وقد فاتني شيء يسير من أوله فحضرته عليه منه إلى آخره وكان الذين يحضرونه ينوفون على خمسمائة فسمعت منه ما لا أذن سمعت ولا خطر على قلب محش ولا شارح أخذ جماعة منهم الشيخ سليمان الجمل ومعيده الشيخ عبد الرحمن والشيخ أبو الفتح
стр. 884
محمد العجلوني الدمشقي وكانت وفاته سنة أربع وتسعين ومائة وألف ودفن بتربة المجاورين رحمه الله تعالى.
عيد النمرسي
عيد بن علي القاهري الشافعي الشهير بالنمرسي الشيخ العالم العلامة الحبر البحر النحرير المحقق الفهامة الفقيه الأثري الأوحد المفنن أخذ عن جماعة من الأئمة منهم الجمال عبد الله بن سالم البصري والشهاب أحمد بن محمد النخلي وشمس الدين محمد الشرنبابلي ومحمد بن عبد الباقي الزرقاني ومحمد بن قاسم البقري الشافعيون وعبد الحي الشرنبلالي الحنفي وبرع وفضل وأفتى ودرس وأقبلت عليه الطلبة وأخذ عنه جملة من الأفاضل منهم عبد الرحمن بن حسن الفتني المكي والجمال عبد الله ابن محمد الشيراوي والنجم محمد بن سالم الحفني وعلي بن أحمد الصعيدي وأحمد بن حسن الجوهري وإبراهيم بن عيسى البلقطري وأحمد بن محمد الراشدي وغيرهم وجاور في آخر أمره بالمدينة المنورة ودرس بالحرم الشريف النبوي ولم يزل مقيماً بها إلى أن توفي سنة أربعين ومائة وألف ودفن بالبقيع مقابل قبة سيدنا إبراهيم ابن النبي ﷺ .
عيسى بن شمس الدين
عيسى بن شمس الدين الدمشقي امام جامع كريم الدين الكائن في محلة القبيبات كان شيخاً أديباً فاضلاً له سخاء مفرط توفي في اليوم العاشر من شهر رمضان سنة ثلاث ومائة وألف رحمه الله تعالى.
عيسى البراوي
عيسى بن أحمد بن عيسى بن محمد الزبيري الشافعي القاهري الشهير بالبراوي العالم العلامة المحقق المدقق أخذ الفقه والحديث عن جماعة منهم الشيخ محمد الدفري والشيخ يونس الدمرداشي وأبو الصفا علي الشنواني وابن عمه عبد الوهاب الشنواني وعيد النمرسي وأحمد الديربي ومصطفى العزيزي ومحمد السجيني ومحمد الصغير وغيرهم وبرع وفضل وتصدر للتدريس وكان له اليد الطولى في جميع العلوم لا سيما الفقه وكان به الشهرة التامة وانتفع به الجم الغفير من سائر الأقطار حتى من أراد أن يقرأ الفقه لا يقرأه إلا عليه وكان ملازماً للاشتغال مع الصلاح التام بالعلم والعمل وكانت وفاته سنة اثنين وثمانين ومائة وألف ودفن بتربة المجاورين رحمه الله تعالى.
عيسى بن صبغة الله
стр. 885
عيسى بن صبغة الله بن إبراهيم بن حيدر بن أحمد بن حيدر الكردي الصفوي الشافعي نزيل بغداد الشيخ الامام العالم المحقق المدقق الفقيه البارع الأوحد أبو الروح شرف الدين ولد في سنة سبع وأربعين ومائة وألف وأخذ عن والده المحقق المشهور وعن غيره وظهر فضله وصار أشهر علماء بغداد ذو فطنة وقادة وذكاء تام وكان له اشتغال كلي في العلوم كلها قد بالغ في استخراج مشكلات العلوم معقولاً ومنقولاً وله تآليف حسنة منها حاشية على جزء عبارات التحفة للشهاب الهيثمي وحاشية على حاشية عبد الحكيم على شرح الكافية للجامي وله رسائل عدة في متفرقات من العلوم وحج قبل وفاته بقليل ودخل في طريقه إلى دمشق وأخذ عنه بعض أفاضلها وكان رحمه الله تعالى ذا سعة زائدة في تحرير المسائل توفي ببغداد سنة تسعين ومائة وألف ودفن بها رحمه الله تعالى.
عيسى القدومي
عيسى القدومي الفاضل الكامل والصالح العامل اشتغل بتحصيل العلوم بدمشق الشام واستفاد وأفاد وبلغ المنى والمراد وأخذ الطريق الخلوتي عن الأستاذ البكري وانقطع للعبادة والأوراد وتلاوة القرآن فعلت رتبته بين الأقران وعادت بركته على الاخوان حتى نقله الله إلى أعلى فراديس الجنان.
حرف الغين المعجمة
غياث الدين البلخي
غياث الدين البلخي الشافعي الشريف العالم العامل العارف الورع الزاهد ابن الشيخ الكامل جمال الدين ابن الشيخ العارف غياث الدين التوراني وتوران علم على مملكة الأزبك مولده كما أفاد رحمه الله تعالى سنة سبع وثلاثين ومائة وألف ببلخ وهو وأباؤه ببلخ مشهورون مشايخ نقشبنديون وللناس فيهم مزيداً اعتقاد ولم يزل بينهم بركة ذلك الناد إلى أن توجه عليهم طهماس فأباد نظام هاتيك البلاد وشتت شمل من بها من العباد فارتحل صاحب الترجمة بعد وفاة أبويه إلى بخارى واشتغل على علمائها إلى أن فات الأقران ثم خرج منها ودخل السند والهند واليمن والحجاز ومصر والشام ووصل إلى حلب سنة خمس وسبعين ومائة وألف فأقام بها مدة في حجرة بجامعها الأموي ثم عزم على التوجه إلى بغداد فخرج منها إلى عينتاب فمرض هناك وعاد إلى حلب واشتد مرضه إلى أن توفي يوم الأربعاء قبيل الظهر ثالث
стр. 886
عشر رمضان سنة خمس وسبعين ومائة وألف ودفن خارج باب أنطاكية بتربة الولي المشهور الشيخ تغلب شرقي تربته رحمه الله تعالى ومن مات من أموات المسلمين أجمعين.
حرف الفاء
فتح الله الداديخي
فتح الله بن عبد الواحد الحنفي الداديخي الأصل الدمشقي أحد الأفاضل والأدباء كان يتولى النيابات في محاكم دمشق والقضاء وقرأ في بداية أمره شيئاً من الفقه والنحو وطلب وكان أديباً بارعاً وتولى في دمشق تولية وتدريس المدرسة الباسطية في صالحية دمشق بالقرب من الجسر الأبيض وكذلك تولية وتدريس المدرسة الريحانية داخل دمشق وفي أيامه سكرت محكمة البيانية الكائنة في محلة باب شرقي بالقرب من محلة النصارى وهي مدرسة وتوليتها الآن على أحد بني محاسن ووقع في زمانه فيها بعض منكرات وأمور مخلات فسكرت وهي إلى الآن كذلك ونسبت الأمور الصادرة فيها للمترجم لكونه كان يتولاها وكان ذا شعر وأدب وشيبة بيضاء نيرة ومجد مؤثل المؤثل كمعظم ولطف خلال وشرف نفس كريمة مع هيبة وطلعة باهرة وإيراد نوادر وتكلم ومما وقع له إنه طلب من الشيخ أحمد المنيني تاريخاً لتجديد الباسطية المدرسة المذكورة فعمل له التاريخ وعرض على مفتي دمشق إذ ذاك المولى محمد العمادي حين دعاه المترجم هو والقاضي والأعيان للمدرسة المرقومة لأجل إثبات العمارة على الوقف فاستحسنه العمادي وقال يستحق صاحب هذا التاريخ وليمة عظيمة نكون أيضاً فيها فوعد ولم يف فاتفق إن المنيني المذكور خرج يوماً للصالحية ومعه الشيخ أحمد البقاعي نزيل قسطنطينية فأقاما ذلك اليوم في الباسطية من غير علم المترجم فقال المنيني لا ننزل من هنا إلا حتى ننكت على صاحب المدرسة حيث لم يف بوعده ثم إنه عمل بيتين وهما قوله
لله يوم الباسطية إنه ... بالأنس معدود من الأعمار
قلنا به في ظل عيش ناعم ... داني الظلال مقلص الأثمار
ثم عمل البقاعي بيتين من هذا القبيل ثم إن المنيني عدل عن البيتين المذكورين لقصورهما عن النورية بالمراد وعمل بيتين وغيرهما قوله
مدرسة الفتح غدت جنة ... بديعة تزهو بإشراقها
قالوا غدا يقري لو فادها ... قلت نعم لكن بأوراقها
стр. 887
وقد أنشد ذلك للعمادي فلم تعجبه أبيات البقاعي ولا البيتين الأولين وكان مغبر الخاطر من الداديخي وكان في ذلك المجلس الشيخ أحمد الكردي الدمشقي فقال له العمادي أجز بيتي المنيني فأنشأ وقال
نعم المدارس باسطية فتحنا ... لو أنها بنداه كانت تعمر
لفظ بلا معنى كذلك ذاته ... طول بلا طول وذا لا ينكر
فتغيظ الداديخي لما سمع ذلك وتسابا طويلاً ثم إن الكردي عمل بيتين آخرين في الداديخي وهما قوله
مالي بمدح الفتح لا أكتفي ... فقدره قد فاق بين الورى
يا سائلي عنه وعن بيته ... كلاهما قد أمسيا في الخراب
ومراده الاكتفاء بذلك لأن الداديخي كان بيته في محلة الخراب وأنشدهما الكردي في المجلس أيضاً فوقع بينهما مشاجرة وخصام أدى إلى قبيح الكلام ثم اجتمعا في الجامع الأموي في رمضان وكانت الواقعة قبيل رمضان بأيام فتشاتما طويلاً بالهجر من القول وخرج كل منهما عن حده من الاستطالة على صاحبه والصول ثم إن الكردي عمل في الفتح الداديخي هجاء آخر بليغاً طويلاً وعرضه في مسوداته على المنيني فمزقه شذر مذر وقال له أنت قلت فيه مقطوعين يبقيان إلى آخر الدهر وما تكلم هو فيك لا يبقى في الفكر انتهى وقد حدثني كثير من أصحابي بأجوبة صدرت من الداديخي المترجم إلى أناس صدرت مع حسن التعبير منها إن أخا الشيخ أحمد المنيني المذكور آنفاً وهو الشيخ عبد الرحمن المنيني أراد أن ينكت على الداديخي بأن أصله قروي فلاح فقال له كم ساعة بين داديخ وحلب فأجابه بالحال مقدار ما بين قرية منين ودمشق فأفحمه وأراد أن أصلك كذلك مثلي قروي إن كان مرادك ذلك ويعجبني من هذا القبيل ما أجاب به المنيني المذكور إلى أحد تجار دمشق المشاهير ويعرف بابن الزرابيلي حين سأله بقوله مولانا متى خلعتم الزرابيل من أرجلكم قاصداً التنكيت عليه بأنه قروي فأجابه المنين بالارتجال من حين تركتم صنعتها والاشتغال بها فأفحمه بالجواب وكان المترجم الداديخي ينظم الشعر الباهر فمن ذلك ما كتبه للشيخ محمد الكنجي بقوله
يا سيداً زار وما زرته ... فمني النقص ومنه التمام
إن كان في ذلك فقد قضى ... بأني المأموم وهو الامام
فطالما زار الغمام الثرى ... ولم يزر قط الثرى للغمام
فأجابه الكنجي بقوله
زرتك يا كهف الندى والسخا ... وكعبة الفضل وركن المرام
стр. 888
فلم أجد أنسك حسب المنى ... ولم أخب إذ قد يزار المقام
وحيث كان الفضل يسعى له ... والمنهل العذب كثير الزمام
وهذا تضمين حسن وممن ضمنه بعضهم بقوله وأجاد
لما بدا والشهد من ريقه ... ودونه يستشهد المستهام
ازدحم النمل على خده ... والمنهل العذب كثير الزحام
وكتب المترجم للكنجي ملغزاً بقوله
يا سيداً فاق أولي عصره ... ومن رقى بالمجد أعلى مقام
وفاضل الوقت وكنز التقى ... وجبهة الدهر ومسك الختام
من حاز قصب السبق بين الورى ... حتى المعالي قادها بالزمام
يروى حديث الفضل عن والد ... وعن جدود في البرايا كرام
محمد يرويه عن أحمد ... أعني به الكنجي ذاك الهمام
ابن لنا ما أنتم إذا قل في ... خواصنا يكثر عند العوام
بيت له بابان قد أغلقا ... وفيه مصرعان تبدو عظام
رباعي التركيب من أحرف ... بدت لرائيها كبدر التمام
لولاه ما كان يرى ناثر ... كلا ولا يوجد فينا نظام
ولا صرفنا للعلا همة ... ولا بدا الفقه وعلم الكلام
ومالك القلب له ينبغي ... فانظر تراه بعد قلب يرام
تحريفه يؤلم أهل النهى ... وإن تصحف لم تجد غير لام
شبهت منه عارضاً أخضراً ... وفيه للعلم أوي والقوام
يصلح للجمع وتعريفه ... جمع بدا عند حصول الخصام
أصبح كالصبح جلياً يرى ... وحسن مرآه بدا للأنام
فاكشف لفتح الله عن حله ... وأرق ودم طول المدى يا امام
ما حرك الأغصان ريح الصبا ... وما نعى الديك فقيد الظلام
وأعذر أخاً فكر شتيت ولا ... تجعل جوابي لن ترى والسلام
فأجابه الكنجي
أيا شفيق الفضل يا من سما ... بفضله النامي على كل هام
ويا أديباً حسن ألفاظه ... قد علمتنا طرق الانسجام
وذو أياد لم تزل في الورى ... للجود والمعروف في الاغتنام
يد لفعل الخير مبسوطة ... باليمن والاخرى إلى الالتئام
стр. 889
أنت ملاذ الفضل بين الملا ... أنت حليف المجد ذو الاحتشام
وأنت فتح الله في خلقه ... من أصبح الدهر لديه غلام
الغزت في احدى وتسعين لا ... تقبل شكا يا رفيع المقام
وهو الذي تقديم نصف له ... وربعه لأمك أهل الملام
وإن حذفت ربعه عامداً ... في كل وقت كلم قد يرام
حسبك يا مفضال هذا فقد ... أصبحت في الناس أمير الكلام
فأشرح لنا عن أحرف أربع ... قد ركبت فيتا بحسن النظام
اسم وإن تطرح لنا نصفه ... مشدداً فعل ذوي الاهتمام
أو تقلب النصف بتسهيله ... فهو حياة تقبل الانقسام
أو تأخذ المقلوب مع نصف ما ... ألقيت فهو المبتغى للأنام
أو تسحب الغاية منه إلى ... ثانيه مع حذف وقلب امام
ونصفه حرف وفي قلبه ... نفي فلا تحفل به يا همام
ونصفه يجمع كل الورى ... وكل شيء فيه حسب المرام
إن قدم النصف إلى صدره ... وصير الثاني منه ختام
فأنت لا شك هو بين الورى ... يا فاضلاً أعيا فهوم الكرام
فأظهر لنا السر الذي قد خفي ... فأنت رب العز ماضي الحسام
وكن بأوفى الخير في نعمة ... وأبق ودم وأسلم إلى كل عام
فأجابه المترجم والغزلة
ما روضة غناء ذات ابتسام ... أو عقد در فاخر الانتظام
أو غادة حسنا قد أقبلت ... سجلة بين يديها غلام
مهضومة الأحشاء مياسة ... في كفها راح صفا ضمن جام
عزيزة في المصر بهنانة ... ترنو بلحظ ساحر للأنام
جاذبتها ذكر الهوى والصبا ... وطيب أوقات مضت كالمنام
قالت أما يكفيك ما قد جرى ... قدما فإن الوصل عندي حرام
وأحمرت الوجنات منها وقد ... فاقت بمرآها لبدر التمام
عندي بأحلى من عقود أتت ... من فاضل الوقت أمير الكلام
العالم المفضال نجل الولى ... أديب هذا العصر نجل الكرام
تضمنت لغزاً صحيحاً بدا ... في ضمن أبيات نراها عظام
وكررت ما قد لغزنا له ... مع ضم أعمال نراها فخام
стр. 890
والفضل للتقديم يا ذا الحجي ... وهل يعادل الشيخ فينا غلام
فيا فريد الوقت يا من له ... مزيد فضل بين خاص وعام
ما اسم رباعي غدا نصفه ... في القلب فعل ثم حرف يرام
وقلب باقيه يرى منكراً ... نعوذ بالله من الانقسام
وإن تصحف كله جملة ... واحدها يجمع سام وحام
تحريفه فصل مبين الخفا ... وآلة النحو وعلم الكلام
وإن تصحف ذاك نصف الذي ... تبغيه في الطلاب يا ذا الامام
وإن تزل وسطاً بتصحيفه ... فذاك سر لست فيه الامام
وقلبه مع بعض جزء له ... فعل واسم من صفات الأنام
ترخيمه مبنى الذي شاد في ... طرق المعالي منزلاً يا همام
وقلبه ساء بظني له ... وفعل مولى ترتجيه دوام
وإن جعلت النصف مع أول ... من غير تسهيل فجمع تمام
وإن تسهله فشيء بدا ... بعد خفاء النور عند الظلام
واسم لمركوب جرى بدا ... في عرف قوم في البرايا عظام
فأظهر لنا أسرار ما قد حوى ... من عمل الفن الذي فيه قام
فأنت بحر العلم كنز الهدى ... وخير من يرجى لنيل المرام
لا زلت كهف الفضل بين الملا ... ما رد على القادم فينا السلام
وله
بحب بدري البهي طلعته ... قد رق شعري ورق لي الغزل
وصرت من أجله حليف جوي ... عديم صبر في عشقتي مثل
وأنشد القلب عند رؤيته ... بيتاً من الشعر صار ينتقل
أود آهاً وليس تنفعني ... وكتمها فوق علتي علل
وكان المترجم في سنة تسع وثلاثين ومائة وألف فوقع من على فرسه وهو راكب عليها فحمل إلى داره مفلوجاً واستقام إلى أن مات وكانت وفاته في يوم السبت ثاني عشر ربيع الثاني من السنة المذكورة ودفن بتربة الشيخ أرسلان ﵁.
السيد فتحي الدفتري
السيد فتحي ابن السيد محمد ابن السيد محمد بن محمود الحنفي الفلاقنسي الأصل الدمشقي المولد الدفتري الصدر الكبير من ازدان به الدهر وتباهى به
стр. 891
العصر الهمام الجبهذ صاحب الدولة والشهامة الندب المقدام المبجل المعظم الوقور المحتشم كان بدمشق صدر أعيانها وواسطة عقد رؤسائها يشار إليه بالبنان في كل حين وآن وقد اشتهر بمحاسن الشيم والشهامة والجرأة والاقدام وهابته الصناديد من الرجال وترقى إلى شوامخ المعالي وتسنم ذرى باذخة رفيعة مع معارف بنان ولسان ونباهة وطلاقة وذكاء وبشاشة ولطافة مجد أثيل وعز وجاه عز عن التمثيل ورزق الاقبال التام والحظوة مع الثروة وصار دفترياً بدمشق مدة سنوات وتولى تولية وقفي السليمانية وتصدر بدمشق وكان المرجع بها في الأمور وهو المدبر لأمور الملأ والجمهور وصار المآب في المهمات والموئل لأولي الحاجات وكانت دولته من ألطف الدول وله الخدام الكثيرة والأتباع واتساع الدائرة وكان يصطحب من العلماء والأفاضل شرذمة أجلاء وكذلك من الأدباء البارعين زمرة اكتسوا بجلابيب الآداب والفضائل وعنده من الكتاب فئة حشواها بهم اتقان الخطوط مع مزية المعارف وكذلك جملة من أرباب المعارف والموسيقى والألحان ومن المجاز والمضحكين جملة وبالجملة فقد كانت داره منتزه الأرواح ومنتدى الأفراح والذي بلغه من السمو والرفعة والشأن والجاه وغير ذلك لم يتناوله الأوائل وأتعب وأعجز الأواخر وامتدحته الشعراء من البلاد واشتهر صيته في الآفاق وبين العباد وقد ترجمه من امتدحه من الشعراء من دمشق وغيرها أخص أخصائه وأحد ندمائه الأديب الشيخ سعيد السمان الدمشقي في كتاب سماه الروض النافح فيما ورد على الفتح من المدائح وترجمه في أوله غير أنه كان ظلمه عام وأتباعه متشاهرين بالفساد والفسوق وشرب الخمر وهتك الحرمات وهو أيضاً متجاهر بالمظالم لا يبالي من دعوة مظلوم ولا يتجنب الأذى والتعدي ونسب إلى شرب الخمر أيضاً وغير ذلك لكن كانت له جسارة واقدام ونفع في بعض الأوقات للأنام ومن آثاره في دمشق المدرسة التي في محلة القيمرية والحمام في محلة ميدان الحصا وتجد يد منارتي السليمانية وغير ذلك وكان ذا انشاء بديع حسن لطيف مستحسن فمن ذلك قوله
دنا مثل بدر تم يبسم عن در ... غزال ومنه الفرق كالكوكب الدري
بقد كخوط البان رنحه الصبا ... فأزرى اعتدالاً بالمثقفة السمر
أغن كأن الله أبدع حسنه ... ليستلب الأرواح بالنظر الشزر
شقى الله دهراً مر لي بوصاله ... ولم يلو جيد الود عني إلى الهجر
فكم بات يسقيني المدام عشية ... ويمزجها من ريقه العاطر النشر
إلى أن به شط المزار وقد محا ... سطور الأماني بيننا حادث الدهر
وسرت قلوب الحاسدين وطالما ... لعبن بها أيد الدنو على الجمر
стр. 892
وكتب للمولى خليل الصديقي مهنياً له برمضان بقوله
إني أهنيك يا كهف الفضائل في ... قدوم شهر صيام كان محترماً
لا زلت في نعمة فيه ترى أبداً ... مثل الثريا يجمع الشمل منتظما
وكتب له
إني أهنيك خدن الجود والكرم ... وبدر أفق سماء المجد والنعم
بخير مقدم صوم لا برحت به ... في صحة لا نراك الدهر في سقم
فأجابه المولى المذكور بقوله
إني أعيذك بالرحمن من حسد ... يا من تسربل بالأفضال والكرم
حيث القلائد في شعر أتيت به ... فالبحر لا غرو يلقى الدر في الظلم
شبهت سوداء قلبي بالظلام إذا ... والبحر ذاتك تهدي جوهر الكلم
لا زلت ترفل يا مولاي في دعة ... مشمولة ببقاء السعد والنعم
ثم كتب له مهنياً بشفاء من علة تشكاها بقوله
قالوا توهم سيدي من خله ... ألماً لداع لا يفي بتألم
فأجبتهم لا والذي رفع السما ... ك على البرية لست بالمتألم
فأجابه المترجم بقوله
أسليل من في الغار كان الصاحب ... المختار للمختار خير مقدم
أنا لست ممن شيب صفو وداده ... بقذى تصور جفوة وتألم
ومرآة اخلاصي لكم ما شأنها ... كدر الظنون ولا غبار توهم
وشريف قلبك شاهد عدل على ... ما ادعى فأحكم بصدق وأسلم
وكتب المذكور الصديقي المترجم أيضاً
أيا زهرة الآداب يا نجل سادة ... بهم حسنت أوصاف ذي الرأي والمجد
لقد نلت ألطافاً وحزت معارفاً ... وفهت بأبيات كما الدر في العقد
فلا زلت تهدي السمع منا جواهراً ... بلطف نظام فقت فيه أبا الورد
ودمت مدى الأزمان ما ناح بلبل ... وما زالت الأزهار مصبوغة البرد
فأجابه بقوله
أمولاي يا ركن العالي ومن سما ... محلاً سما فوق السماكين بالجد
ومن عنه يروى المجد كل فضيلة ... إذا تليت لم تحصها ألسن الحمد
ومن طوق الأعناق منا مكارماً ... كما قلد الأسماع من ذر ما يبدي
إليك لقد أهديت يا أوحد الدنا ... قلائد أبيات تفوق على العد
стр. 893
وما أنت إلا البحر تهدي لآليا ... منظمة كالزهر في فلك السعد
فدم وابق يا فرد الزمان منعما ... مدى الدهر ما غنى الهزار على الورد
ولصاحب الترجمة
ويا بأبي حلو المراشف أغيدا ... من الترك لم يترك لعاشقه صبرا
نأى فاصطلى قلبي لهيب فراقه ... وروض الأماني من لقاه غدا قفرا
وله في الشيب
لا تغضبن لشيب منك حل على ... مسك العذار فإن الشيب آثار
أما ترى الغصن مذ لاحت أزاهره ... زادت نضارة ذاك الغصن أنوار
هو من قول دعبل
لا يرعك المشيب إن زاروهنا ... فهو للمرء حلية ووقار
إنما تحسن الرياض إذا ما ... ضحكت في خلالها الأنوار
وفي الشيب للمعري
لعمري إن الدهر خط بمفرقي ... رسائل تدعو كل حي إلى البلى
أرى نسخة للعمر سودها الصبا ... وما بيضت بالشيب إلا لتنقلا
وللعمادي فيه
ليل الشباب تولى ... وصبح شيبي تألق
ما الشيب الأغبار ... من ركض عمري تعلق
ولدعبل فيه أيضاً
أهلاً وسهلاً بالمشيب فإنه ... سمة العفيف وهيئة المتحرج
وكأن شيبي نظم در زاهر ... في تاج ملك ذي أغر متوج
وللمترجم في طول النهار في الصيام
ولرب يوم صمته فكأنه ... يوم المعاد وليس منه مهرب
وقفت به شمس النهار ولم تغب ... فكأنما قد سد عنها المغرب
وللبارع السيد مصطفى الصمادي في ذلك
ولرب يوم طال لما صمته ... فكأن يوم الحشر ضم لنا معه
وكأن يوشع رد للدنيا وقد ... ردت له شمس النهار الساطعة
أو أنها رجعت لسيدنا سليم ... ان الذي كرت إليه راجعه
حتى إذا صلى توقى قائماً ... حسبته حياً فاستمرت طالعه
قوله وكان يوشع إلى آخره من قول أبي تمام
стр. 894
فردت علينا الشمس والليل راغم ... بشمس لهم من جانب الخدر تطلع
نضى ضوءها صبغ الدجنة وانطوى ... لبهجتها ثوب السماء المجزع
فوالله ما أدري أأحلام نائم ... ألمت بنا أم كان في الركب يوشع
وللسيد مصطفى المذكور في المعنى المذكور أيضاً
أرى الشمس في الصوت تأبى المسير ... إلى الليل تخشى الهجوم علية
حكت فيه حسناء زفت إلى ... خصى وبالكره سيقت إليه
وللأديب عبد الحي الخال
أرى الأيام في الافطار تمضي ... كلمع البرق أو سقط الدراري
وفي شهر الصيام تطول حتى ... كان الليل ضم إلى النهار
وله أيضاً
كان اليوم في الافطار طرف ... يدور على الرحى صلب الأيادي
ويمشي في الصيام على الهوينا ... كأن أمامه شوك القتاد
ولأبن الرومي
شهر الصيام مبارك ... ما لم يكن في شهر آب
الليل فيه لمحة ... ونهاره يوم الحساب
خفت العذاب فصمته ... فوقعت في عين العذاب
وله أيضاً
شهر الصيام وإن عظمت حرمته ... شهر طويل ثقيل الظل والحركه
يمشي الهوينا فأما حين يطلبنا ... فلا السليك يدانيه ولا السلكه
كأنه طالب ثأراً على فرس ... أجد في أثر مطلوب على رمكه
أذمة غير وقت منه أحمده ... من العشاء إلى أن تصدح الديكه
يا صدق من قال أيام مباركة ... بأن يكنى عن اسم الطول بالبركه
لو كان مولى وكنا كالعبيد له ... لكان مولى بخيلاً سئ الملكه
وقد رد عليه الأستاذ عبد الغني النابلسي بقوله
شهر شريف به الخيرات مشتبكة ... حتى على الناس فيه تنزل البركه
من قال شهر ثقيل عنه فهو يرى ... ذنوبه أثقلته فهو في اللبكه
أو قال يمشي الهوينا قلت لا برحت ... ايامه مكثرات في الورى نسكه
بذمه جاهل في أسر شهوته ... إلى الطعام وحب الأكل قد ملكه
مصفد مثل شيطان تراه به ... عن الغذاء ولولا الخوف ما تركه
стр. 895
في جوعه النفع لو كان الخبيث درى ... لكنه حيوان يكثر الحركة
يشكو من الطول في أيامه سفهاً ... وطول أيامه باللطف منسبكة
يخشى الردى منه بل إن كان ما نطقت ... أبياته فيه صدقاً فهو في الهلكة
وللمترجم
بقيت ما دامت الأفلاك دائرة ... تدير فينا شموس الراح في السحر
ودم تقلد أسماعاً لنا درراً ... كما تلا الطرف منا سورة القمر
وله أيضاً
وأغيد قد أمال السكر قامته ... والليل محتبك بالأنجم الزهر
دنا إلي وكأس الراح في يده ... ممزوجة بلماه الطيب العطر
وقال خذ وارتشف ماء الحياة ولا ... تبقى للائمك اللاحي سوى الكدر
قد شطر هذه الأبيات جماعة من فضلاء دمشق فمنهم المولى خليل أفندي الصديقي حيث قال
وأغيد قد أمال السكر قامته ... والغنج في طرقه يصمي مع الحور
لم أنسه زائراً كالبدر حين بدا ... والليل محتبك بالأنجم الزهر
دنا إلي وكأس الراح في يده ... تحكي تورد خديه من الخفر
حيى بها كدموع العين صافية ... ممزوجة بلماه الطيب العطر
وقال خذ وارتشف ماء الحياة ولا ... تخش الملام فما في ذاك من حذر
واشرب رحيق مدام ثم كن حذراً ... تبقى للائمك اللاحي سوى الكدر
ومنهم المولى حامد العمادي فقال مشطراً
وأغيد قد أمال السكر قامته ... ذي منطق قد غدا يفتر عن درر
لم أنسه إذ أتى من غير موعده ... والليل محتبك بالأنجم الزهر
دنا إلي وكأس الراح في يده ... مملؤة بحباب زاكي الأثر
من بنت كرم زهت في دنها وأتت ... ممزوجة بلماه الطيب العطر
وقال خذ وارتشف ماء الحياة ولا ... تخشى ملامة ذاك الخائف الحذر
خذها عقيقاً ولا واش هناك ولا ... تبقى للائمك اللاحي سوى الكدر
ومنهم المولى السيد عبد الرحمن الكيلاني
وأغيد قد أمال السكر قامته ... وضرجت وجنتيه نهلة السكر
فضاء شمساً على الآفاق مشرقة ... والليل محتبك بالأنجم الزهر
دنا إلي وكأس الراح في يده ... ياقوتة رصعت من ناصع الدرر
стр. 896
وأشرقت تزدهي زهواً وقد وردت ... ممزوجة بلماه الطيب العطر
وقال خذ وارتشف ماء الحياة ولا ... ترجو سواها لنيل القصد والوطر
واستأصل التبر من كأس المجين ولا ... تبقى للائمك اللاحي سوى الكدر
ولأخيه السيد يعقوب الكيلاني مشطراً أيضاً
وأغيد قد أمال السكر قامته ... كغصن بان ثنته نسمة السحر
فلاح من وجهه فجر الفلاح لنا ... والليل محتبك بالأنجم الزهر
دنا إلي وكأس الراح في يده ... نار ونور غدا في صفحة القمر
أريجها نافح في ألحان إذ سطعت ... ممزوجة بلماه الطيب العطر
وقال خذ وارتشف ماء الحياة ولا ... تقصد سواها لدفع الهم والضرر
وانعش وجودك من صافي المدام ولا ... تبقى للائمك اللاحي سوى الكدر
ولصاحب الترجمة
ألا فانعم بهاتيك الليالي ... مضت كالبرق أو طيف الخيال
وأيام جنيت بها ثماراً ... من الأفراح في روض الكمال
رعا الله من عصر نقضي ... به صفو المسرة كالزلال
وإني الآن لو سرحت طرفي ... لما قد مر يعثر بالمحال
وإن يوماً نصبت حبال فكري ... لقنص الزهر من فلك المعالي
تقطعت الجبال وكان صيدي ... تناول أدمع تحكي اللآلي
قوله وإني الآن إلى آخره هو من قول ابن الأثير
لم أنس ليلة ودعوا ... صبا وساروا بالحمول
والدمع من فرط الأسى ... يجري فيعثر بالذبول
ومن ذلك قول المولى الصديقي المار ذكره آنفاً
لما رحلت عن الحبيب ... وبنت عن تلك الربوع
أيقنت إن القلب قد ... ثارت به نار الولوع
وحشاي قطع بالنوى ... والشوق خيم بالضلوع
والجفن كلم بالسها ... د ولم يذق طعم الهجوع
حتى لقد أمسيت أعثر ... من شجوني بالدموع
وللشيخ سعدي العمري
قمر أطعت به الغواية والهوى ... وطويت عن غي الملام مسامعي
ما راح يعثر في برود دلاله ... إلا وعاد تعثري بمدامعي
стр. 897
وللسيد مصطفى الصمادي
ومودع لا كان يوم وداعه ... ولي وأودع نار قلب تسعر
والطرف مثل الطرف يجري خلقه ... لكنه بدموعه يتعثر
وللشيخ صادق الخراط
أفديه بدراً بالمحاسن ساطعاً ... أبداً بدل جماله يتبختر
ما رام طرفي نظرة من حسنه ... إلا وراحت بالمدامع تعثر
وله وقد نقله لتعثر الفكر
أفديه من ظبي أطال نفاره ... جوراً فعقلي في هواه محير
ما زلت أطلب قربه فيزيدني ... بعذابه قلب الشجي يتسعر
وتتابعت فكري بطرق وصاله ... حتى غدا بعض ببعض يعثر
ولأخيه الشيخ محمد أمين الخراط
عاطيته والليل مد رواقه ... والبدر من خلل الغصون يلوح
صهباء صافية أرق من الصبا ... منها شذا طيب العبير يفوح
حتى إذا شق الظلام رداءه ... والصبح كاد بما أسر يبوح
ولي يميس معريداً أجفانه ... عن فرقه ماء الحياة يزيح
وذهبت أعثر في دموعي والها ... متحيراً لم أدر اين ألوح
ولما كان المترجم يراجع في الأمور حتى من الوزراء والصدور طالت دولته وعظمت عليه من الله نعمته واشتهر صيته وعلا قدره ونشر ذكره لكنه كان يتصدى للاستطالة في أفعاله وأقواله فلذلك كانت أقرانه وغيرهم يريدون وقوعه في المهالك لكونه كان يعارضهم ولما توفي الوزير سليمان باشا العظم والي دمشق الشام وأمير الحاج وجاء من قبل الدولة الأمر بضبط أمواله ومتروكاته نسب المترجم إلى أمور في ذلك الوقت ففي خلال تلك السنة تولى دمشق حاكماً وأميراً للحاج ابن أخيه الوزير أسعد باشا العظم وكان أولاً حاكماً في حماه فأكمد للمترجم فعله المنسوب إليه حين وفاة عمه المذكور ولم يره إلا ما يسره وكان المترجم في ذلك الوقت منتمياً لي أوجاق اليرليه المحلية وكان الأوجاق في ذلك الحين قوا قائمه وجيوشه بالفساد متلاطمة واليرلية مجتمعون عصبة وجموع يذل لهم أكبر قوم بالمذلة والخضوع قد أبادوا أهل العرض وانتهكوا الحرمات وأباحوا المحرمات وأتاحوا المفسدات ولم يزالوا في ازدياد مما بهم حتى عم فسادهم البلاد والعباد وكانت رؤساهم زمرة ضالة وفئة متمردة وكلهم ينطقون بلسان واحد كأنهم روح في جسم واحد وصاحب الترجمة يوليهم مكرماته
стр. 898
ويمنحهم احسانه وانعاماته وهم لبابه وفود قد اتخذوه عضداً وجعلوه ركناً وسنداً وأرباب العقول في دمشق في هم وكدر وخوف وحذر كل منهم متحير في أمره ومتخوف من هذا الحال وعواقب شره ووالي دمشق وأمير الحاج أسعد باشا المذكور ناظر لهذه الفعال متحير من تلك الأحوال لأن الشقي منهم كان إذ ذاك يجئ إلى حبس السرايا سراي ويخرج من أراد من المحبوسين من غير إذن أحد علناً وقهراً وإذا مر الوزير المذكور بهم وهم جالسون لا يلتفتون إليه ولا يقومون له من مجالسهم عند مروره بهم بل يتكلمون في حقه بما لا يليق بمسمع منه فيحتمل مكارههم ولا يسعه إلا السكوت واستمر أمرهم على ذلك إلى أن كتب في شأنهم للدولة العلية فورد الأمر بقتلهم وإبادتهم فأخفاه الوزير مدة ثم بعد ذلك أظهره وشرع في قتلهم وإبادتهم وأعطاه الله النصر وفرجت عن أهالي دمشق الشدائد وأزاح الله هذه الظلمات بمصابيح النصر والفتوحات ثم بعد أشهر قليلة كتب الوزير المذكور إلى الدولة العلية بخصوص صاحب الترجمة وما هو عليه وأرسل الأوراق التي في حقه مع علي بك كول أحمد باشا وكان ذلك بتدبير خليل أفندي الصديقي وأعيان دمشق ثم صادف إن صاحب الدولة كان حسن باشا الوزير وكان يبغض المترجم لكونه لما جاء قريب المذكور أحمد أغا أغت أوجاق الينكجرية طرده وصار آخراً وزيراً فأدخل للسلطان أحواله وعرفه طبق مكاتبة أسعد باشا وكان أسعد باشا ضمن للدولة تركته بألف كيس ثم جاء الخبر بقتله وكان قبل ذلك صار من أهل دمشق عرض في خصوصه فلم يفد ولما وصل كان هو باسلامبول فأعطى العرض له ولما جاء لدمشق صار يخرجه وينتقم ممن اسمه مكتوب فيه وكان السبب في ذلك وجود آغت دار السعادة السلطانية قوجه بشير أغا وكان المترجم منتمياً إليه وكان للأغا المذكور نظر على المترجم وحماية فصادف حين كتب الوزير المومي إليه ثانياً إن بشير أغا توفي وحان المقدور وآن وقته فجاء الأمر بقتله ولما وصل الأمر جئ بالمترجم إلى سراي دمشق وخنق في دهليز الخزنة التي عند حرم السرايا وقطع رأسه وأرسل للدولة وطيف بجثته في دمشق ثلاثة أيام في شوارعها وأزقتها مكشوف البدن عرياناً وضبط تركته الوزير المذكور للدولة العلية فبلغت شيئاً كثيراً وقتل بعض أتباعه وخدامه وضبطت كذلك أموالهم وتفرق الباقون أيدي سبأ كأن لم يكونوا وانقضت دولته كأنها طيف خيال أو لمعان آل وكان قتله يوم الأحد بعد العصر بساعة خامس عشر جمادي الثانية سنة تسع وخمسين ومائة وألف وساعة قتله صارت زلزلة جزئية وآخراً بعد الطواف بجثته دفنت بتربة الشيخ أرسلان رحمه الله تعالى وعفا عنه.
تم الجزء الثالث ويليه
الجزء الرابع أوله
فتح الله العمري الموصلي
стр. 899
الجزء الرابع من سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر للعالم الفاضل النبيل المتفنن المؤرخ الأديب الأوحد صدر الدنيا والدين أبي الفضل محمد خليل المرادي تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته بحرمة محمد وآله وصحبه وعترته آمين.
стр. 900
الجزء الرابع
بسم الله الرحمن الرحيم
فتح الله العمري الموصلي
ابن موسى الموصلي العمري الشافعي ترجمه صاحب الروض فقال فارس شجر البلاغة والحجا ومقتنص شوارد الفصاحة والنهى العالم الذي هصر أفنان العلوم ببنانه والحبر الذي أنطق ألسنة الأقلام من معجزات بيانه أخلصه الدهر خلوص الذهب السبيك وولاه على ولايات البراعة فلم يكن له بها شريك لم يكن له خطوة إلا وله بها من المجد حظوة انتهى كان رحمه الله تعالى مولعاً بالفقه حتى مهربه وبرز وكذا في غيره من الفنون وتولى نيابة القضاء بالموصل مدة مديدة وأخذه بعض القضاة نائباً معه إلى البصرة فناب عنه في ذلك ثلاث سنين ثم رجع فوجد مراداً العمري قد توفي فأخذ عنه تولية جامع العمرية بالموصل فزاحمه فيها علي أفندي ابن مراد المرقوم ثم اصطلحا على الاشتراك فيها بعد نزاع طويل ولم يكن له شعر فيما علمت وعامة قراآته كانت على محمود النائب علامة وقته ودخل حلب الشهباء في سنة ست وستين وألف في مرض كان به ومكث بها إلى أن عوفي وعاد سالماً ثم توفي بعد ذلك في حدود سنة سبع ومائة وألف بتقديم السين وقد جاوز الثمانين وقبره في الموصل ولم يبق من عقيبه الآن أحد رحمه الله تعالى وأموات المسلمين.
стр. 901
فتح الله الحلبي
المعروف بفتحي الحلبي نزيل قسطنطينية الشاعر الكاتب الفائق ولد بحلب وذهب إلى الروم إلى قسطنطينية دار الملك والخلافة ووصل إليها ودخل في زمرة كتاب ديوان السلطان وبعد مدة انتسب إلى الصدر الأعظم الوزير علي باشا المعروف بالعربجي وصار مكتوبجيه والوزير المذكور كان وزيراً شديد البأس حاد المزاج وقتل بأمر سلطاني في جزيرة قبرس في سادس عشر شعبان سنة أربع عشرة ومائة وألف والمترجم كان له شعر حسن بالتركي رأيت منه شيئاً قليلاً وكانت وفاته في أواخر سنة ست ومائة وألف رحمه الله تعالى.
فخري أفندي الموصلي
ترجمه بعض أفاضل الموصل فقال أخذ أزمة الأدب وعلا على متونها وعلق قناديل فوائد الحواشي على شروح الكمالات ومتونها طلع طلوع الهلال وأنار وأشرق بكماله الليل والنهار رقي على أوج الفضائل وحل بناديها وحل عقود مقاصد البلاغة ومباديها فهو صاحب الشرف القديم والكمال الجسيم الذي أنارت به نجوم المعاني وشموسها وسلمته أرواحها ودانت له نفوسها فغلب جهابذة الكلام ببلاغته وفاقها وسما ناظمين درر أفاويق المعاني ونساقها وربما كان يتعاطى الشعر والانشاء بالتركية والفارسية وله شعر جامع في الكتب والمجامع انتهى وكان صاحب الترجمة بارعاً في اللوم العقلية والنقلية وكانت وفاته سنة اثنتين وثلاثين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
السيد فضل الله البهنسي
ابن أحمد بن عثمان بن محمد المعروف بالبهنسي الحنفي الشريف لأمه الدمشقي كان له اطلاع في الأدب ومعرفة بالأمور الشرعية مجاناً حسن الأخلاق طارح التكلف حمولاً له نكت ونوادر ولد في دمشق كما أخبرني في غرة شوال سنة سبع وعشرين ومائة وألف ونشأ بها وقرأ الفقه على الشيخ صالح الجنيني ثم على الشيخ موسى المحاسني وقرأ على الشيخ أحمد التدمري الطرابلسي نزيل دمشق وكذلك قرأ على الشيخ محمد بن حمدان الدمشقي وصار يتولى نيابات الحكم في دمشق ويعامل أهالي قرى الغوطة ويتصدى للوكالات في المخاصمات ووقع في أمور بسبب ذلك وكان صاحب ثروة ومال لكنه يغلب على نفسه الشيخ والبخل وبالجملة فقد عارك الدهر وصبر على الكدر والصفا ولم يزل يتقلب بالأحوال متكدراً بين قيل وقال إلى أن مات وكنت أميل إلى نوادره وهزلياته المضحكة وكان بينه وبين قريبه ونسيبه الشيخ عبد الرزاق البهنسي مواحشة باطنية وكل منهما
стр. 902
يقول إن الآخر ليس من بني البهنسي ولم يزالا بين يخاصم وقيل وقال إلى أن ماتا ومما اتفق إن السيد عبد الرزاق المذكور صنع أبياتاً ذكر فيها اسم صاحب الترجمة وكان المترجم قد اشتهر اسمه بين الناس بالسيد فضلي فذكره السيد عبد الرزاق في أبياته بهذا الاسم لكن لم يصرح بهذا الاسم وانما ذكره بطريق الألغاز والرمز ثم شيع الأبيات إلى مجلس كان يحضره الأديب الفاضل السيد عبد الحليم اللوجي الدمشقي فلما وقف على الأبيات لم يظهر له في بادي الرأي مراد السيد عبد الرزاق في ألغازه اسم المترجم لبعد قرائن الكلام عن الدلالة على المراد فبلغ الناظم ذلك فقال ما معناه إن رمزه يدق عن فهم اللوجي وأمثاله فلما بلغ اللوجي ذلك كتب للناظم أبياتاً جرت فيها تورية لطيفة في اسم السيد فضلي المترجم مع التنويه بقدره والتبكيت على الناظم السيد عبد الرزاق فقال أعني اللوجي من جملة أبيات يخاطب بها السيد عبد الرزاق
زعمت إني لحل الرموز لست بأهل ... وإن مرماك شيء
يدق عن فهم مثليما كان ذاك ولكنحجدت مقدار فضلي
فلما وقف السيد عبد الرزاق على الأبيات استلطف هذه التورية التي وقعت في اسم فضلي واعتذر إلى اللوجي عما كان منه وبالجملة فإن المترجم كان سليم الباطن والسيد عبد الرزاق كان بخلافه وقد أطلعني المترجم على ديوان له يحتوي على نظمه وغالبه هجو وهزل ولا بأس أن نورد له هنا شيئاً من ذلك فمنه قوله وكان يكتب في امضائه أحمد فضل الله فاعترض عليه بعض الناس فقال
ومعترض جهلاً بغير تأمّل ... مسئ علينا قد حوى غاية الجهل
يقول لماذا قد سميت بأحمد ... واسمك فضل الله قل لي عن الأصل
فقلت له قد خصني بعض فضله ... فقابلته بالحمد شكراً على الفضل
وله من أبيات مطلعها
إن حبي طول المدى لا يزول ... وسهادي ذاك السهاد الطويل
وغرامي يزداد في كل يوم ... لست عنه طول الزمان أحول
قد سقاني الزمان كأس صدود ... زاد جسمي الضناء وهو نحول
يا أهيل الغرام إن هيامي ... يومه بالفراق يوم جليل
كلما عنّ ذكرهم في ضميري ... سال طرفي بالدمع وهو همول
كم لنا وقفة بقرب حماها ... حيث عنها في الدهر عز الوصول
إن عقلي مذ سار عيس المطايا ... ضاع مني وتاه عنه الدليل
وتصابي بعد الكمال وأضحى ... في انتقاص وقد براه النجول
стр. 903
يا زمان السرور هل من رجوع ... علّ منا في الدهر يشفي الغليل
أو خيال يزور مقلة صب ... قد جفاها المنام وهو ملول
وكتب على باب قاعة في داره
ألا إنما قد شاد من فضل ربه ... وأنعاسه هذا المكان وقد أنشأ
بعون إله الخلق قام بناؤه ... وذلك فضل الله يؤتيه من يشأ
ومن هجوه في رئيس كتاب القسمة العسكرية بدمشق السيد يحيى الجالقي
حسب امرئ عمره تسعون ماضية ... أتت عليه بأسقام وأمراض
لو يشتري الموت في دنياه من أحد ... لكان بالغبن يشريه بأقراض
كمثل يحيى الذي أضحى له مائة ... من السنين ومنها لم يكن راضي
تراه يمشي حبوا وهو ذو ولع ... في أخذه قسمة الأيتام للقاضي
كأنه ظل شمس عند ناظره ... أو شبه طيف خيال في الكري ماضي
أو صورة طبعت في حائط رسمت ... لا نطق فيها ولا تهنا بأغماض
وما يرى فيه من نطق يحركه ... فهو التباس بشيطان دعى جاضي
وله غير ذلك من الأشعار والنظام والنثار وبالجملة فقد كان من نوادر عصره وكانت وفاته في يوم الثلاثاء السادس والشعرين من رمضان سنة احدى وتسعين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح ورؤيت له وصية بخطه فنفذت بعد موته رحمه الله تعالى.
فضل الله الصفوري
ابن إبراهيم بن حيدر الشافعي نزيل الموصل الشيخ الفاضل العالم المفتي المحقق ترجمه محمد أمين الموصلي فقال لم شعث المكارم والمعارف وصدع الأموال بالمصارف وفك عرا الأغلاق ببنان الايضاح ورنا بطرف الفكر إلى ظلمة الأشكال فتركها أوضح من الصباح إن سوجل كان السابق في مضمار العلوم النقلية والعقلية أو خوصم قيد الخصم بسلاسل الدلائل اليقينية فإن جاهل تفرعن كان موسى وإن عالم توفي كان عيسى إلخ وهي طويلة ومما اقترح عليّ معارضة قصيدة في سقط الزند رويها اللام المكسورة وهي معروفة فقلت معترفاً بالقصور إذ المعري لا يلحق له غبار ولا يعرف له عيار
خليليّ ما للحادثات ومالي ... لقد طال منها يا زمان جدالي
وربع عقلت القود دون نؤيه ... هي الدار فأتركها بغير عقال
تحن إلى الأعطاف منها كأنها ... من الشوق ثكلى دمعها متوالي
стр. 904
إذا ألمحت برقاً من الغرب هزها ... إلى الدار ذكرى منزل وطلال
وقفت بها أستخبر الربع لويعي ... مخاطبة حتى يردّ سؤالي
يود المطايا لو يعود بعيشنا ... زمان مزجنا راحه بوصال
أعد ذكر أيام الصبا فحديثها ... إذا مرّ في سمعي شمول ثمالي
ومنها
فيا بارقاً من غرب دجلة عنّ لي ... فبدّد من جفني عقود لآلي
هل الربع من أرض الحبيبة عامر ... أم اعترضته النائبات كحالي
وهل شجرات الجوسق الفرد مثل ما ... عهدت بنوار الزهور حوالي
وهل مرتع الهيفاء ريان أم سقت ... ثراه الليالي بعدنا بوبال
وهل بقيت أطلال لمياء بعدنا ... عوامر أم بانت وهن خوالي
وكان قد حصل بينه وبين ابنه نفرة أوجبت فراقه فمكث في موران مدة ثم رحل إلى نحو سنا ثم إلى الموصل ثم إلى حلب ثم إلى قسطنطينية فأكرمه أرباب الدولة ووجهوا له قرية من قرى كركوك وعاد إلى بغداد وكانت قراءته على أولاد عمه وعلى والده وله تعليقات عديدة في الحكمة وغيرها ولم أتحقق وفاته في أي سنة كانت غير أنه كان في أواخر هذا القرن.
فضل الله أفندي الشهيد
ابن محمد بن حبيب بن أحمد بن جنيد الصدر الرئيس العالم المتفنن البارع العلامة النحرير شيخ الاسلام بقسطنطينية وصدر البلاد الرومية ولد بأرزن الروم في شوال سنة ثمان وأربعين ومائة وتربى في حجر والده وقرأ عليه وعلى السيد عبد المؤمن من أصهارهم عدة تآليف في سائر الفنون وقرأ على ابن خاله إسمعيل بن مرتضى جملة من علوم العربية وعلى الشيخ محمد بن نظام الواني وأخذ الحديث عن العالم محمد ظاهر بن عبد الله المغربي ثم ارتحل إلى أدرنه والسلطان بها يأمر من الشيخ الواني سنة أربع وسبعين وألف وتزوج بعائشة ابنته وصار الشيخ الواني يذكره للسلطاني ويثني عليه ويأمره بمباحثة العلماء ثم بعد ثلاث سنين أرسل له منقاري زاده الملازمة فلم يقبلها بأمر من المذكور ثم في سنة ثمان وسبعين حج واجتمع بعلماء الحرمين ودمشق وعين له بدمشق مائة وعشرون عثمانياً من الجزية وفي سنة ثمانين صار معلماً ومؤذناً للسلطان مصطفى وأعطى الملازمة والتدريس وبعده للسلطان أحمد وقتل شهيداً في فتنة أدرنة سنة خمس عشرة ومائة وألف رحمه الله تعالى.
стр. 905
فيض الله الحجازي
ابن عبد الحق المعروف كأسلافه بالحجازي الشافعي الدمشقي قاني الشافعية الشيخ الفقيه الصالح استقام قاضياً مدة سنين مراجعاً بالأحكام الشرعية وكانت وفاته في رجب سنة ست وثلاثين ومائة وألف رحمه الله تعالى وأموات المسلمين.
فيض الله الأخسخوي
ابن محمد الأخسخوي الرومي الدفتري بدمشق وأحد رؤساء الكتاب في الدولة المعبر عنهم بالخواجكان خدم في أوائل أمره الوزير أحمد باشا المتوفي بمصر وكان أتقن الكتابة والانشاء في التركية وصار خازنه ثم لما عين الوزير المذكور إلى نظام جزيرة قبرس وإزالة العصاة من رعاياها وأهاليها وظفر بهم وقتل من قتل أرسل من طرفه المترجم برؤس القتلى على عادة الدولة فحصل للدولة السرور وأعطى رتبة الخواجكان وهي معتبرة بين رؤساء الكتاب ثم لم يزل مستخدماً عند الوزير المذكور حتى توفي فارتحل إلى القسطنطينية وقطن بها مدة ثم لما صدر من طرف أمير مصر الأمير علي والأمير محمد أبي الذهب ما صدر في دمشق ونواحيها وأظهر العصيان الشيخ ظاهر بن عمر الزيداني الصفدي حاكم عكا وأرسلت الأوامر السلطانية وعين من طرف الدولة الوزير عثمان باشا الوكيل رئيساً على العساكر والوزراء والأمراء المأمورين في السفر بذلك أرسل المترجم دفترياً في المعسكر السلطاني بدمشق ولما انقضت تلك الفتنة وخمدت نارها بوفاة الأمير علي والشيخ ظاهر وأبي الذهب عاد لطرف الدولة وفي سنة تسع وثمانين ومائة وألف قدم لدمشق دفترياً بها وعزل عن المنصب المذكور محمد بن حسين بن فروخ الدفتري ثم لم تطل مدة سلفه ومات واستولى على داره ومتعلقاته وتركته بما اقتضاه رأيه لوفاته عن غير ولد وذهبت تركة المتوفي المذكور وتخاطفتها أيدي ذوي الشوكة إذ ذاك ثم كبر جأش المترجم وتعرض للمخالطة في الأمور وأحدث القلمية بالأمر السلطاني التي تؤخذ من أرباب المالكانات والاقطاعات العثمانية وكانت مرفوعة بالأمر السلطاني من سنة ثلاثين ومائة وألف وسوعد في اجرائها ثم إنه تصدى لمعارضة الرؤساء والأعيان بدمشق حتى توصل لحاكمها وكافلها أمير الحج الشامي الوزير محمد باشا ابن العظم ثم عزل عن منصبه وصار مصطفى بن علي الحموي دفترياً من طرف الدولة ولم تطل مدته ومات دفترياً وكان المترجم ارتحل لقسطنطينية بعد عزله وتولى المنصب المذكور قبل وفاة الحموي فصادف موته عزله وجاء المترجم بالأمر السلطاني لحاكم البلدة محمد باشا المذكور من طرف الدولة بتقرير منصبه ثم بعد دخوله بأيام ارتحل على العادة الوزير المذكور لطرف القدس حاكماً مكانه في غيبته فظهرت منه أشياء غير محمودة يرجع غالبها للأنفة والشدة حتى إنه وقع بينه إذ ذاك وبين المولى محمد طاهر بن محمود
стр. 906
القاضي بدمشق وبين آغة القول على الحلبي حتى إن بعض الأنفار من القول هجموا على مقر حكومته وهي السراي وخرجت أتباعه لدفعهم وردهم وانقضت الفتنة ذلك اليوم ثم بعد رجوع الحج لدمشق عرض الوزير كافل دمشق المذكور لطرف الدولة بسوء حال المترجم فعزل عن منصبه وأجلى بالأمر السلطاني لبلدة قونية وصار دفترياً مكانه يوسف الحلبي كاتب ديوان كافل دمشق المذكور ثم أطلق وارتحل لقسطنطينية وقدم دمشق مأموراً من طرف الدولة بالأوامر السلطانية على أمير الجردة ووالي طرابلس الشام عبد الله باشا ابن الكافل المذكور رغبة في عفو والده عنه وكتبت له الدولة كتباً بالتوصية به ثم بعد أداء مأموريته وذلك في جمادي الأولى سنة سبع وتسعين ومائة وألف توفي الكافل محمد باشا وبعد موته بأيام قلائل جاء له المنصب المذكور من طرف الدولة وصار دفترياً بدمشق وكان قبل موته هو كتب للدولة عن صيرورته له فجاء له المنصب على كتابته فتعرض للناس وتقوى وظهر منه طمع في الأمور وتغلب ولما وصل خبر ذلك للدولة واتهم بأخذ البعض من مال الباشا المتوفي وتركته وإنه هو الباعث على اخفاء المخلفات المظنونة لتراخيه عن الختم على دور الوزير المذكور وأماكنه تحسن عندهم رفعه لقلعة دمشق فجاء الأمر السلطاني برفعه فرفع للقلعة وبقي المنصب عليه ثم أطلق بعد أيام وانزوى بعد ذلك وانكف عن المخالطة واقتصر على أمور نفسه حتى مات وكانت وفاته بدمشق يوم السبت رابع عشر محرم الحرام سنة تسع وتسعين ومائة وألف ودفن بتربة الباب الصغير بالقرب من بلال الحبشي ﵁ والأخسخوي نسبة إلى أخسخه بألف مفتوحة وخاء معجمة وسين مهملة وخاء معجمة أيضاً وهاء ناحية تشتمل على بلاد وقرى مشهورة بالروم والله أعلم.
حرف القاف
قاسم الجليلي الموصلي
ابن خليل الجليلي الموصلي كان ماهراً عارفاً بصنعة النثر والنظم خبيراً بتعاطي أمور الملك صدراً في مجالس الشرف ولد في حدود سنة ثمان ومائة وألف بالموصل ونشأ بها وحج في عام اثنين وأربعين ومائة وألف وترجمه الفاضل الوحيد عثمان العمري الدفتري فقال جبل الأدب الشامخ وطود الفضل الباذخ ذو المجد الراسي والبذل المواسي والقريض المزهر والصباح المسفر والكمال الداجي والنوال المداجي والكمالات الموفورة والبراعات المنثورة الذي باهت به الأقلام وتاهت به الليالي والأيام انتهى وترجمه محمد أمين ابن خير الله الخطيب فقال ذو الهمم الشامخة والفضائل الباذخة
стр. 907
والقدم الراسخة والأيادي الناضخة والعلوم التي هي لهامة الجهل فاضخة ولقسمة المستفيدين راضخة أصمى كبد البلاغة بأسنة أقلامه وناط على جيد الزمان عقود نظامه إلى آخر ما قاله فيه وله شعر لطيف ومن نفثات بابلياته قوله في مدح الوزير حسين باشا الجليلي من قصيدة مطلعها
هي الشمس حقاً والكؤس المشارق ... وفي كل أفق من سناها دقائق
إلى أن قال
هلموا إليها مهتدين لنورها ... إلى حانها الفياح فالوقت رائق
بأيام مولانا الوزير ومن له ... من العز دست والسعود نمارق
رؤف بذي الأرحام بر موّصل ... ولكنه للمنكرات مفارق
كريم لدفع الضير فينا مؤمّل ... جواد وللخيرات بالجود سائق
نجيب لكشف المعضلات مجرّب ... فتى ذو ثبات إذ تشيب المفارق
فلا زال في عز ومجد ورفعة ... وطول حياة والزمان موافق
وكانت وفاته بالموصل سنة أربع وستين ومائة وألف ودفن بها رحمه الله تعالى.
قاسم الدوكالي
ابن سعيد بن عثمان المالكي الدوكالي الحوزي المغربي نزيل دمشق الشيخ العالم الفاضل الناسك الخاشع العارف الصوفي قيل إنه كان من الأبدال قدم دمشق الشام وتوطن بها في المدرسة السميساطية واشتغل بقراءة الفتوحات المكية للشيخ الأستاذ محيي الدين العربي قدس سره وغيرها من تأليفه على جماعة من أجلاء علماء دمشق وأخذ عن جماعة في المغرب من أجلهم قاضي القضاة بها سيدي عبد الملك بن محمد السجلماسي المغربي وغيره وكانت له معرفة في كلام القوم وحل مشكلات دقائق الصوفية ولم يزل كذلك إلى أن مات وكانت وفاته بدمشق في يوم الأحد عاشر ربيع الأول سنة عشرين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى.
قاسم الخاني
ابن صلاح الدين الخاني الحلبي الشيخ الفاضل الصوفي العارف بالله ترجم نفسه فقال ولدت سنة ثمان وعشرين وألف ثم إني سافرت إلى بغداد في شهر جمادي الأولى سنة خمسين وألف فكانت غيبة طويلة مقدار سنتين ثم رجعت إلى حلب وأقمت بها شهرين ثم توجهت إلى البصرة فأقمت بها مدة عشرة أشهر ثم إني توجهت إلى حلب وأقمت بها عشرة أيام وتوجهت مع الحاج إلى مكة المشرفة ورجعت من الحجاز إلى اسلامبول وأقمت بها سنة وسبعة أشهر
стр. 908
ثم عدت إلى حلب وكانت سياحتي هذه قريباً من عشر سنين وأما في هذه المدة فكنت في أخذ وعطاء وبيع وشراء ثم إني بعد دخولي إلى حلب أحببت العزلة عن الناس وتركت البيع والشراء وسلكت طريق الذل والافتقار وغيرت الحلاس والجلاس والأنفاس وجاهدت نفسي وعاديتها بالجوع والسهر نحواً من سبع سنين فمنها نحواً من سنتين اقتصرت على أن أتناول في كل ستين ساعة كفاً من طحين أجعله حريرة وأحليه بلعقة من السعل وأفرغه في حلقي والكف من الطحين المذكور وزنة تقريباً خمسة عشر درهماً وباقي أيام السبع سنين كان أكلي أقل من القليل وكل ذلك بإشارة مشايخي رضوان الله عليهم أجمعين فصدق علي قول سيدي عمر بن الفارض قدس سره
ونفسي كانت قبل لوّامة متى ... أطعها عصت أو تعص كانت مطيعتي
فأوردتها ما الموت أيسر بعضه ... وأتعبتها كيما تكون مريحتي
فعادت ومهما حملته تحملت ... هـ مني وإن خففت عنها تأذت
فلما انقضت سنو المجاهدة القريبة من سبع سنين واستهلينا شهر شوال سنة ست وستين وألف ألقى الله تعالى في قلبي حب طلب العلم الظاهر فقرأت على المشايخ سنتين إلا شهراً وفتح الله تعالى علي من العلم ما فتح فتركت القراءة وشرعت في الاقراء فأقرأت بعض الطلبة وكان أكثر الطلبة يضحكون ويستهزؤن علي ويقولون نحن لنا عشر سنين نخدم العلم ولم نتجرأ فيأتي بعضهم إلى مجلس درسي مستهزئاً فوالله ما يقوم من ذلك المجلس إلا وقد تبدل انكاره بالاعتقاد وفي ثاني ذلك اليوم يأتي ويقرأ علي ويقول هذا الأمر من خوارق العادة وبقيت على ذلك سنة انتهى وكانت قراءته على جملة من العلماء الأفاضل وجلها على الشيخ أبي الوفاء العرضي صاحب طريق الهدى وكان سلوكه على الشيخ أحمد الحمصي المذكور فأقام المترجم خليفة بعده في المدرسة الأشرفية إلى أن توجه عليه تدريس مدرسة الحلوية وصار يدرس بها ويقيم الأذكار والأوراد وتوجه عليه الافتاء بحلب وكان يفتي على مذهب الامامين أبي حنيفة والشافعي وله من التآليف السير والسلوك إلى ملك الملوك واختصر السراجية وشرحه وله رسالة في المنطق وشرح على الجزائرية في التوحيد وله غير ذلك من التآليف والفوائد وكانت وفاته سنة تسع ومائة وألف ودفن بين قبور الصالحين خارج باب المقام بحلب رحمه الله تعالى.
قاسم البكرجي
ابن محمد المعروف بالبكرجي الحنفي الحلبي أحد العلماء الأفاضل الأديب الألمعي اللوذعي البارع الأريب حاوي فنون العلوم والماهر بالأدب منثور أو منظوم ولد بحلب وقرأ
стр. 909
على معاصريه من أجلاء حلب وتفوق واشتهر وكان عالماً بالحديث والفقه والفرائض وله قدم راسخ في العربية والفصاحة والبلاغة والبديع والشعر ونظمه حسن رائق وكان في وقته أحد المتفردين بالنظام والنثار ولم يصلني من آثاره شيء حتى أذكره هنا ومن تآليفه شرح على الخزرجية لم يسبق بمثله وشرح على الهمزية للبوصيري وبديعية استدرك فيها أشياء على من قبله ونظم الزحافات والعلل الشعرية وشرحها وغير ذلك ولم يزل كذلك إلى أن مات وكانت وفاته في سنة تسع وستين ومائة وألف ومن شعره قوله يمدح النبي ﷺ بقصيدة مطلعها
أأحبابنا بالخيف لا ذقتم صدّاً ... ولا كان صب عن محبتكم صدّا
ومنها
أهيل الحمى تالله ما اشتقت للحمى ... أيجمل بي أن أنشد الحجر الصلدا
ولكنّ سكان الحمى ونزيله ... هم ملكوا قلبي فصرت لهم عبدا
أحن إليهم كلما حن عاشق ... إلى ألفه وازداد أهل الوفا ودّا
ومنها
هو المصطفى من خير أولاد آدم ... وأشرفهم قدراً وأرفعهم مجدا
وأطيبهم نفساً وأعلاهم يدا ... وأثبتهم قلباً وأكثرهم زهدا
وأعرقهم أصلاً وفرعاً ونسبة ... وأكرمهم طبعاً وأصدقهم وعدا
نبي أتى الذكر الحكيم بمدحه ... فأني يفي بالمدح من قد أتى بعدا
ومنها
ومذ شرفت من وطء أقدامه الثرى ... فكانت لنا طهراً وكانت لنا مهدا
ومنها
وإن رامت المدّاح تعداد فضله ... وأوصافه لم يستطيعوا لها عدّا
ومنها
قصدتك يا سؤلي ومن جاء قاصداً ... لباب كريم لا يخاف به ردّا
عليك صلاة الله ثم سلامه ... إذا ما شد أشاد وتال تلاً وردا
كذّا الآل والأصحاب ما انهلّ وابل ... وما اخضرّت الأشجار أو فتحت وردا
وله يمدح السيد حسين أفندي الوهبي حين قدم حلب
دام السرور والهنا المؤبد ... وزال عن وجه الأماني الكمد
وكوكب السعد بدا في أفق الأق ... بال حتى غار منه الفرقد
وأصبح الكون لدينا مشرقاً ... ووجهه الطلق بذاك يشهد
стр. 910
وارتاحت النفوس لما أن غدت ... موقنة بالأمن مما تجد
ومنها
قطب العلا غوث الولا كهف الملا ... في الأجتهاد رأيه مسدد
قد زين الشهبا بحسن عدله ... وسيره وهو الحكيم المرشد
وقد غدا مداوياً بطبه ... علتها فصح منها الجسد
ومنها
عذراً إليك سيدي لمن أتى ... يمدح من نعوته لا تنفد
وكيف أحصى من علاك شيماً ... أو أبلغ المدح وكيف أحمد
فأسلم ودم في صحة وعزة ... أنت ومن تحبه يا أوحد
وقال مشطراً أبيات ناصح الدين الأرجاني
هاك عهدي فلا أخونك عهداً ... يا مليحاً لديه أمسيت عبدا
لا وحق الهوى سلوتك يوماً ... وكفى بالهوى ذماماً وعقدا
إن قلبي يضيق أن يسع الصب ... ر لأني فنيت عظماً وجلدا
وفؤادي لا يعتريه هوى الغي ... ر لأني ملأته بك وجدا
يا مهاة الصريم عيناً وجيداً ... وأخا الورد في الطراوة خدا
وشقيق الخنساء في الناس قلباً ... وقضيب الأراك ليناً وقدّا
كيفما كنت ليس لي عنك بدّ ... فابحني ودّا وإن شئت صدا
وملكت الفؤاد مني كلا ... فأتلفن ما أردت هزلاً وجدا
يا ليالي الوصال كم لك عندي ... خلوات مع الغزال المفدّى
كم جنينا ثماركي وهي عندي ... من يد كان شكرها لا يؤدى
فسقتك الدموع من وابل الغي ... ث مديد البحار جزراً ومدا
وبكتكي دماً عيوني من دم ... عي بديلاً فهن أغزر وردا
هل لماضيك عودة فلقد آ ... ن جمال الحبيب أن يتبدى
وله أيضاً
بنا ما بكم والحب احدى النوائب ... فلا تطمعن في وصل بيض كواعب
أخلاي نهي عنه دأب أولى النهى ... وأين النهى من فعل سود الحواجب
فدونك ما فعل الجفون بعاشق ... بأهون من فعل الرماح الكواعب
وما الأعين النجل الفواتك بالفتى ... بأفتك منها فعل أبيض عاضب
وما لفتة الظبي الشرود بجيده ... كلفتة ظبي شارد في الكتائب
стр. 911
ومن يبتلي بالغانيات فحسبه ... من البين أن يرمي بعين وحاجب
وقبلك صابرت الهوى فوجدته ... كشهد به سم يطيب لراغب
وعيش بلا صفو وحزن مؤبد ... وعين بلا نوم وعبرة ساكب
ووعد بلا وصل وعهد بلا وفا ... وقول بلا فعل ومطلة كاذب
ولوعة هجر في فؤاد مكابد ... ونار فلا تضنى وحسرة خائب
حنانيك لا تجزع وكن متجلداً ... فعبء الهوى سهل على ذي التجارب
فلولا الهوى ما كرّ في الحرب فارس ... ولا حثت الركبان بيض النجائب
وما اشتاق للأوطان قط مفارق ... ولم يرع خل عهد خل وصاحب
رعى الله قلباً بالصبابة عامراً ... وألحى خلياً في الهوى غير راغب
وأسعد بالاً بالغرام معذباً ... وأنجح صباً سار نحو المطالب
وفي الجدّ مجد جدّ فيه مكابداً ... أبثك إن الجد أسنى المكاسب
عليك طلاب العز في كل حالة ... ولا ترض سفساف الأمور وجانب
ألم تر أن الباز لو لم يكن به ... قناص لما أعلوه فوق الرواجب
وله أيضاً
حاولت رشفا من لمى ثغره ... قال طلا شاربه يأثم
قلت أما وجهك لي جنة ... والخمر في الجنة لا يحرم
وله قوله
مليح طريّ الخدّ جاد بقبلة ... وقال اغتنم لثمى بغير تعلل
فقبلته خد الوى الجيد قائلاً ... تنقل فلذات الهوى في التنقل
وله غير ذلك من الأشعار والنظام والنثار وتقدم ذكر وفاته رحمه الله تعالى.
قاسم النجار
المعروف بالنجار الحنفي الحلبي الشيخ الامام العلامة كان خير الأخيار ورحلة أهل المدن والأمصار ولد في حلب بمحلة البياضية في سنة سبع وسبعين وألف وكان يكتسب بعمل يده يصنع الأقفال الخشب ويقرئ الفقه والعقائد والنحو والحديث وأخذ وقرأ على أئمة أمجاد وشيوخ أطواد وكان يقرئ بالجامع الذي قرب داره بمحلة خراب خان وأقام بهذا الجامع اماماً وخطيباً ومتولياً مدة ست وستين سنة وكانت الطلبة ترد عليه من غالب البلاد خصوصاً من بلاد الروم لأخذ الفقه وكان يحيي ليالي المواسم من السنة كليلة نصف شعبان والمولد الشريف وسائر ليالي رمضان بالذكر والتوحيد وصلاة
стр. 912
التسبيح ثم قبل موته بقليل أحضر لنفسه كفناً وأوصى وأوقف داره على الجامع المذكور وكان طويلاً متماسكاً ذا وجه منير وشيبة علاها نور العبادة للقبول بتأثير خفيف الصوت ذا وقار وعفاف حج مرتين وكان يؤمل الثالثة فلم ينلها وكانت وفاته في سنة ثلاث وستين ومائة وألف وليوم وفاته مشهد عظيم ودفن في جامع خراب خان المذكور تجاه المحراب الصيفي من طرف الشمال وهو يزار.
حرف الكاف
كنعان أغت اليرلية
ابن عبد الله رئيس جند الينكجريه اليرلية بدمشق وأحد الأعيان المشهورين كان رئيساً للطائفة المرقومة محتشماً عندهم موقراً نافذ الكلمة وارتحل للحج فتوفي بعد أداء النسك في تاسع عشر محرم سنة تسع ومائة وألف ولما وصل خبر وفاته لدمشق ضبطت أمواله لجهة بيت المال بمباشرة عبد الله الرومي الدفتري بدمشق رحمه الله تعالى.
كمال الدين البكري
محمد بن مصطفى بن كمال الدين بن علي البكري الصديقي الحنفي الغزي الشيخ العالم العلامة الصوفي الأديب الشاعر المتفنن الأوحد أبو الفتوح ولد في ثالث رمضان ليلة الجمعة سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف ببيت المقدس ونشأ في حجر أبيه وقرأ القرآن العظيم وختمه هو ابن تسع سنين وأخذ في طلب العلم فقرأ على السيد محمد بن إبراهيم الكوراني وخالد الخليلي ومحمد بن غوث الفاسي والشهاب أحمد العروسي والنجم محمد بن سالم الحفني وأخيه الجمال يوسف والشهاب أحمد الملوي والسيد محمد البليدي والسيد أبي السعود الحنفي والشيخ حسن الجبرتي والسيد قاسم بن هبة الله الهندي والجمال عبد الله بن محمد الشبراوي وأخذ الطريقة الخلوتية عن والده الأستاذ المشهور وبرع وفضل وألف مؤلفات نافعة منها شرح رسالة الكلمات الخواطر على الضمير والخاطر سماها النفحات العواطر على الكلمات الخواطر وشرح منظومة والده سماها الجوهر الفريد والكلمات البكرية في حل معاني الآجرومية والعقود البكرية في حل القصيدة الهمزية وجمع كتاباً في أسماء الكتب على طريقة غريبة سماها كشف الظنون في أسماء الشروح والمتون وشرح الصلاة المشيشية وسماه كشف اللثام والروض الرائض في علم الفرائض ونظمها وسماها الدرة البكرية في نظم الفرائد البكرية وشرحه وسماه كشف الغوامض وعنوان الفضائل في تلخيص الشمائل وتشنيف السمع في تفضيل البصر على السمع ورسائل أخرى
стр. 913
وديوان شعر سماه نبراس الأفكار من مختار الأشعار ونظم بديعية سماها منح الآله في مدح رسول الله وشرحها شرحاً حافلاً سماه المنح الآلهية في مدح خير البرية وله غير ذلك ومن شعره ما أرسل به إلي وهو قوله
كريم نشأ في العلم والفضل والتقى ... وجود يغار البحر إن هو أغدقا
خليل خليل لا انفصام لوده ... جليل تسامى في الكمالات وارتقى
هو السيد المفضال والجهبذ الذي ... كسا الفضل فخراً في الأنام وصفقا
تسامى به أفتا دمشق مراتباً ... وأزهت به مما لقد حاز رونقا
وقام به سوق الكمالات رائجاً ... بما حاز من فضل به الله أنطقا
فلا زال كهفاً للأنام جميعهم ... وبدراً علا في قبة المجد أشرقا
وكانت وفاته في شوال سنة ست وتسعين وألف في غزة هاشم ودفن بها رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
حرف اللام
لطف الله الواعظ
ابن مصطفى القريمي الحنفي نزيل دمشق الشيخ الفاضل الفقيه الواعظ المتفنن ولد في سنة ثمان وسبعين وألف وأخذ العلوم عن الفاضل الشهير أحمد الكفوي ثم قدم دمشق وتوطنها وبرع وفضل ووجهت له وظيفة الوعظ بسبعين عثمانياً من طرف الدولة العلية في الجامع الأموي فصار يعظ على الكرسي بالقرب من ضريح سيدنا نبي الله يحيى صلى الله على نبينا وعليه وسلم وكان مشهوراً بين الوعاظ بدمشق وألف منسكاً كبيراً ورسالة في الرد على الشيعة وكانت وفاته بدمشق سنة احدى وستين ومائة وألف ودفن بسفح قاسيون رحمه الله تعالى.
لطفي الصيداوي
ابن علي بن محمد بن مصطفى الصيداوي الحنفي الشيخ الفاضل الصوفي النبيل الأوحد البارع كان كردي الأصل ولما ولي صيدا الوزير عثمان باشا المكنى بأبي طوق صار صاحب الترجمة كتخدا عنده اتخذه الباشا علي كره منه وقد أجاز لصاحب الترجمة الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي في اجازة مطولة وقفت عليها ولما عزل الوزير المذكور من صيدا وولي البصرة أخذ معه صاحب الترجمة وذلك في حدود الخمسين ومائة وألف وبعد ثمانية أشهر من حكومته حاربته الأعجام وصارت بينه وبينهم وقعة عظيمة قتل فيها المترجم رحمه الله تعالى.
стр. 914
حرف الميم
محمد حاذق
ابن أبي بكر الملقب بحاذق على طريقة شعراء الفرس والروم وكتابهم الحنفي الأرضرومي العالم الفاضل المحقق الشهير الأديب الماهر قرأ وحصل فضلاً لا ينكر ونظم الشعر الحسن بالفارسية والتركية وولي افتاء بلدته أرضروم واشتهر أمره وشاع ذكره توفي في رمضان سنة ست وسبعين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
محمد الشقلاوي
ابن أبي بكر الشافعي الشقلاوي الكردي نزيل دمشق الشيخ الفاضل الفقيه الصالح الخاشع العابد التقي النقي الورع كانت له فضيلة تامة سيما في المعقولات قرأ وتفوق ولازم بدمشق الشيخ علي الطاغستاني نزيلها ودرس في مدرسة الوزير سليمان باشا العظم وناب في الامامة بمحراب الشافعي في الجامع الأموي إلى أن مات وكان مثابراً على العبادات صابراً على الفاقة وله تصلب في دينه حتى أخبرت إنه ذهب إلى الحج ذهاباً وإياباً على قدميه وكانت وفاته بدمشق في يوم الأثنين غرة ربيع الأول سنة تسع وثمانين ومائة وألف ودفن بالصالحية رحمه الله تعالى.
محمد الجاويش
ابن أبي بكر الجاويش الحنفي الدمشقي الشيخ العالم الفقيه الصالح كان من الفقهاء المتفوقين مع الفضل والمشاركة في كل فن والديانة والتقوى ولد بدمشق وكان والده من سباهية دمشق المشروطة تيماراتهم بخدمة ديوان سراية الحكم بدمشق وباشر والده الخدمة المزبورة ثم تركها وتبع الكسب الحلال ونشأ ولده المترجم من صغره متعلقاً بالقرآن وطلب العلم فقرأ النحو على الشيخ عبد الرحمن الصناديقي والشيخ محمد الخمسي والشيخ محمد الداوودي والشيخ محمد التدمري وأخذ عنه الفقه وعن الشيخ محمد قولقسن والشيخ صالح الجينيني وأخذ الحديث عن العماد إسمعيل العجلوني والشهاب أحمد المنيني وأحمد الشاملي وعلي الطاغستاني وغيرهم وتفوق واشتهر بالفقه وتصدر للتدريس في الجامع الأموي مدة تزيد على خمس وعشرين سنة ورحل للروم صحبة الشيخ محمد بن الطيب الفاسي وكانت وفاته يوم الجمعة سادس عشر رمضان سنة احدى وتسعين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
محمد البري
ابن إبراهيم بن أحمد المدني الشهير بالبري الحنفي الشيخ الفاضل العالم المتفنن ولد بالمدينة
стр. 915
المنورة سنة ثمانين وألف ونشأ بها وطلب العلوم فأخذ عن والده وعن ملا إبراهيم بن حسن الكوراني وعن السيد محمد بن عبد الرسول البرزنجي وعن غيرهم وجمع فتاوي والده بعد وفاته وكان شيخاً مهاباً عيه الوقار والسكينة تولى مشيخة الخطباء مدة ثم رفع نفسه منها وكان صالحاً مباركاً كل الناس عنه راضون وبالجملة فبنو البري طائفة مباركة وهذا من وجوههم وكانت وفاته بالمدينة سنة سبع وخمسين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
محمد وسيم
ابن أحمد بن مصطفى التختي الشافعي الكردي الشيخ الصالح الورع الفاضل الفقيه العالم أخذ عن يحيى بن فخري أفندي الموصلي وعن الشيخ محمد الخاموري مفتي بغداد الشهير بقرا مفتي وعن السيد أحمد المصري وغيرهم وبرع وفضل وتوفي بولاية بابان من بلاد الأكراد مطعوناً شهيداً في شوال سنة احدى وسبعين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
محمد العمادي
ابن إبراهيم بن عبد الرحمن المعروف بالعمادي الحنفي الدمشقي تقدم ذكر أخيه علي وولده حامد وكان هذا المترجم صدر الشام علامة العلماء حبراً فقيهاً فاضلاً صدراً كبيراً مهاباً عالماً محتشماً أديباً بارعاً نحريراً كاملاً ولد بدمشق في سنة خمس وسبعين وألف ونشأ في حجر أخيه المولى علي العمادي المفتي ومات والده وسنه أربع سنين فنشأ في رفاهية وصيانة وقرأ القرآن ثم اشتغل بطلب العلم فأخذ الحديث عن الشيخ أبي المواهب الحنبلي والفقه والنحو والمعاني والبيان عن الشيخ إبراهيم الفتال والشيخ عثمان القطان والشيخ نجم الدين الفرضي والشيخ عبد الله العجلوني نزيل دمشق وأجاز له الشيخ يحيى الشاوي المغربي والشيخ إسمعيل الحائك المفتي وعلاء الدين الحصكفي المفتي والشيخ محمد بن سليمان المغربي وبرع في الفنون وساد وتقدم وبهرت فضيلته واشتهر وعلا قدره وولي تدريس السليمانية بالميدان الأخضر بعد وفاة أخيه ثم تولى افتاء الحنفية بدمشق في أول سنة احدى وعشرين ومائة فباشرها بهمة علية ونفس ملكية ورياسة واكرام وقيام بأمور أهل العلم واهتمام ودرس بالسليمانية في كتاب الهداية وانعقدت عليه صدارة دمشق الشام وكان بهي المنظر جميل الهيئة يملأ العين جمالاً والصدر كمالاً بارعاً في النظم والانشاء له الشعر الرائق النضير فإذا نظم خلته العقود وإذا أنشأ زين الطروس بجواهره ووشي وكان معظماً مقبول الشفاعة عند الحكام والوزراء والقضاة وغيرهم وكان سمح اليد سخياً جداً وفيه يقول أحد سادحيه
يد العمادي سماء ممطر ويد ال ... عباد أرض تراها تطلب المطرا
следующие страницы →