← Тараджим

Тараджим · id 9607

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

محمد خليل المرادي

Полный текст (1 167 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

المرء محتاج إلى خمسة ... يرقى بها في الناس أوج الكمال فجدّ في تحصيلها إنه ... ما حازها إلا فحول الرجال الصبر والصمت وترك الآسى ... أكرم بها في حسنها من خصال فهي ثلاث شبه در غدت ... وعفة النفس وصدق المقال وله غير ذلك وكانت وفاته في سابع جمادي الثانية سنة ثلاثين ومائة وألف ودفن بتربة الباب الصغير قرب أويس ﵁ ورحمه الله تعالى. محمد رحمة الله الأيوبي ابن رحمة الله بن عبد المحسن بن يوسف جمال الدين بن أحمد بن محمد المتصل النسب بأبي أيوب خالد الأنصاري الشهير بالأيوبي الحنفي الدمشقي الشيخ الامام الفقيه النحرير الأديب المفنن العالم العامل الناظم الناثر ولي الدين ولد بدمشق سنة احدى وثمانين وألف ونشأ بها وأخذ عن جملة من أفاضلها منهم والده وقريبه الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي والشيخ إسمعيل الحائك المفتي والشيخ إسمعيل بن عبد الباقي اليازجي وعنهما أخذ الفقه والشيخ أبو المواهب محمد الحنبلي والشيخ محمد بن علي الكاملي وغيرهم وبرع وفضل واشتهر بالفضل والذكاء ونظم ونثر ودرس وأفاد وارتحل للديار الرومية قسطنطينية مراراً وصارت له رتبة الداخل المتعارفة بين الموالي ودرس بمدرسة البيانية بمحلة طالع القبة وله شعر لطيف منه قوله مخمساً امام الرسل مدحك لي يروق ... وجاه علا جنابك لا يضيق لأنت المقصد الأسنى حقيق ... نعم لولاك ما ذكر العقيق ولأجابت له الفلوات نوق لكم أوضحت من سر مصون ... وصنت من المهالك أي صون لئن أسعفت من دهري بعون ... نعم أسعى إليك على جفوني تدانى الحيّ أم بعد الطريق بلغت مكارماً كانت مزايا ... بها كل الأنام غدت لجايا إليك من النوى أبدي شكايا ... إذا كانت نحن لك المطايا فماذا يفعل الصب المشوق وقوله مخمساً يا مجتبي بدء وأشرف خاتم ... يا من بعثت متمماً لمكارم يا من أتانا بالهدى من راحم ... يا مصطفى من قبل نشأة آدم والكون لم تفتح له أغلاق

стр. 947

أعذر قصور اللفظ عنك تكرماً ... يا أشرف الثقلين بل يا أعظما من رام أن يحصى ثناءك أفحما ... أيروم مخلوق ثناءك بعدما أثنى على أخلاقك الخلاق وقوله في فوارة فوّارة تشبه في جريها ... أملودة من فضلة خالصة تستوقف الأبصار في حسنها ... كأنها جارية راقصة وله في عريش على الأغصان قوله كأنما الكرمة إذ أرسلت ... من فوق غصن مائل غض ذوائب الحسناء قد أسبلت ... على قوام ناعم فضي وقوله قالوا هجرت الشام وهي شريفة ... فيها المنى والأمن والبركات فأجبت حقاً ما تقولوا جنة ... حفت بمكروه بها الحسرات وقوله قالوا دمشق حوت كل المنى وزهت ... على البلاد بها من كل مرغوب فقلت لكن بها قلّ الوفاء فلا ... يرى بها ذو وفاء غير مغلوب وقوله في الزنبق انظر إلى زنبق الرياض بدا ... وعرفه أنعش الورى طربا بساعد من زبرجد نضر ... وكفه فضة حوى ذهبا وقوله فيه وزنبق الربيع قدزان الربا وعطراويده البيضاء قد حوت نضاراً أصفراًممتدّة في روضهاتنفث مسكاً أذفرا كأنها تومي لأن ... يأخذ منها من يرى وله غير ذلك من الأشعار والنظام والنثار وبالجملة فقد كان من أفراد العالم علماً وعملاً وذكاء وكانت وفاته شهيداً بقسطنطينية سابع شعبان سنة خمسين ومائة وألف رحمه الله تعالى. محمد الحفني ابن سالم بن أحمد الشافعي المصري الشهير بالحفني الشيخ العالم المحقق المدقق العارف بالله تعالى قطب وقته أبو المكارم نجم الدين ولد بحفنة قرية من قرى مصر قريب بلبيس سنة

стр. 948

احدى ومائة وألف ودخل الأزهر واشتغل بالعلم على من به من الفضلاء كمحمد بن عبد الله السجلماسي وعيد بن علي النمرسي ومصطفى بن أحمد العزيزي والشمس محمد بن إبراهيم الزيادي الملقب بعبد العزيز وعلي بن مصطفى السيواسي الحنفي الضرير والجمال عبد الله الشبراوي والشهابين أحمد الملوي وأحمد الجوهري والسيد محمد بن محمد البليدي والشمس محمد بن محمد البديري الدمياطي وأخذ الطريقة الخلوتية عن القطب مصطفى بن كمال الدين البكري وتربى على يديه وألف التآليف النافعة منها حاشية على شرح الهمزية لأبن حجر وحاشية على شرح رسالة الوضع وحاشية على حاشية الحفيد على المختصر وحاشية على شرح الرحبية للشنشوري وغالب حواشي أخيه الجمال يوسف مأخوذة منه وكان يدرس أولاً بالسنانية وبالوراقين ثم في الطبرسية داخل باب الجامع ثم لما توفي الجمال عبد الله الشبراوي نقل التدريس إلى محله داخل الجامع وكان يحصر درسه أكثر من خمسمائة طالب حسن التقرير ذا فصاحة وبيان شهماً مهاباً محققاً مدققاً يهرع إليه الناس جميعاً واشتهرت طريقة الخلوتية عنه في مشرق الأرض ومغربها في حياته وكانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة احدى وثمانين ومائة وألف رحمه الله تعالى. محمد المواهبي ابن صالح بن رجب المعروف بالمواهبي الحنفي الحلبي القادري الخلوتي الشيخ الامام العالم الفاضل الصوفي المفضال المسلك الكامل كان متبحراً في فنون العلوم من منطوق ومفهوم مشتغلاً بنشرها وتعليمها وخدمة الحديث والقيام بمصالح الطريق وحل رموزها ولد بحلب في ليلة الأربعاء بعد صلاة المغرب الثامن والعشرين من ربيع الأول سنة ست ومائة وألف وكان والده الشيخ العارف معتكفاً مع شيخه العالم الرباني الشيخ قاسم الخاني في الخلوة الأربعينية بالمدرسة الحلاوية فأخبر شيخه بمجئ ولده المترجم فسماه الشيخ محمد هداية الله فحصلت الهداية له فنشأ المترجم مكباً على طلب العلم وتفقه على والده وأخذ عنه الطريق وسلك على يديه وأخذ العلم قراءة ومشافهة واجازة على كثيرين منهم الشيخ سليمان النحوي أخذ عنه وعن الشيخ عبد الرحمن العارف النحوي وقرأ المعاني والبيان ومنظومة الأصول على المولى أبي السعود الكواكبي وقرأ المنطق والعروض والحساب والفرائض على الشيخ السيد علي الباني وقرأ كثيراً من العلوم على الشيخ حسن السرميني وأخذ الحديث عن كثير من العلماء كالشيخ محمد عقيلة المكي والشيخ الياس الكردي والشيخ محمد حياة السندي نزيل المدينة المنورة ثم لما جاء ابن الطبيب إلى حلب وكان اجتمع به في المدينة لما كان حاجاً المترجم سمع منه الحديث المسلسل بالأولية ثم قرأ عليه البخاري في حلب بطرفيه وأجازه وجلس على سجادة المشيخة بعد وفاة والده في سنة اثنتين

стр. 949

وخمسين ومائة وألف وأخذ عنه الطريق خلق كثيرون وكان عالماً فاضلاً مواظباً على الافادة والاقراء وكانت وفاته يوم الأربعاء منتصف شوال سنة سبع وثمانين ومائة وألف رحمه الله تعالى. محمد الروزنامجي ابن طاهر بن أحمد المعروف بالروزنامجي الدمشقي الأديب كان شاعراً كاتباً بارعاً نبيهاً فائقاً لطيفاً منهمكاً في النشاط ولد بدمشق وبها نشأ وأخذ الخط عن الكاتب جعفر المعروف بشكري الدمشقي وتتلمذ له وتعلق بنظم الشعر وأعطاه الله الفهم والذكاء والحذق ويحكى إنه كان عشق غلاماً يسمى مراداً من أهالي الشام وصرف عليه مبلغاً كثيراً من الدراهم وكان مهما جاءه يصرفه عليه وله فيه الشعر الرائق منه قوله لا كان يوم مراد ... ساق العذاب إلينا وكم به من عناء ... وشدة قد رأينا أهان منا نفوسنا ... كانت تعز علينا ومنه قوله بأبي أغيد أذاب فؤادي ... ليلة زارني بلا ميعاد بات يسقى ويشرب الراح حتى ... ميل السكر رأسه للوساد عندها فزت بالمرام ونلت ال ... وصل منه على أتم مراد وقوله أيضاً وكان أحد بني الغزي الدمشقيين شغفه ما شغفه بمراد فكتب هذين البيتين وأجاد في التورية ولما أتى اللوّام يبغوا نصيحتي ... وقالوا كفى ذلاً فبادر إلى العز وخذ بدلاً عن ذا المراد بغيره ... فقلت لهم إنا تركناه للغزي وله أيضاً خذ صحيح العشق عن دنف ... لأحاديث الهوى درسا طاهر في الحب شيمته ... في الهوى لا يعرف الدنسا لعبت أيدي الظباء به ... فغدت أركانه درسا كل ظبي يزدهي عجباً ... وقضيب ينثني ميسا صاد قلبي منهم رشأ ... حبه في مهجتي غرسا لا أرى من بعده قمراً ... لفؤادي والحشا أنسا ياله بدراً بطلعته ... أشرق الديجور والغلسا كم عذول فيه عنفني ... مضرماً من عذله قبسا

стр. 950

عن مراد لا أرى عوضاً ... وفؤادي منه ما يئسا رشأ قد زانه حور ... لحظه أسد الشرى افترسا وجهه قد جلّ عن كلف ... فتراه قط ما عبسا ثغره يفترّ عن برد ... من لماه يجتنى لعسا وله غير ذلك وكانت وفاته في سنة خمس وستين ومائة وألف ودفن بمرج الدحداح رحمه الله تعالى. السيد محمد القدسي ابن السيد عبد الرحيم المقدسي الجهبذ الهمام أفقه الحنفية الامام ابن لامام أخذ العلم عن والده علامة الأنام وغيره من أساتذة الأعلام وكان أبوه شامخ الهمم راسخ القدم غزير العلوم عزيز الفهوم صاحب تحرير وتقرير رحل لمصر فبرع فيها حتى شهد له أهل العصر فرجع وتصدر بأمر الدولة لأفتاء الحنفية بالبلدة المباركة القدسية وكان أعجوبة الدهر وأحدوثة العصر في المتانة في العلوم النقلية وإليه المنتهى في المدارك العقلية فتأواه محكمة محررة ومزاياه معلومة مقررة توجه للروم وانتقل بها إلى رحمة الحي القيوم وبعد مدة جاء الأمر من الدولة الخاقانية بالأذن بالافتاء لصاحب الترجمة العرفانية فقام فيها قيام أولي العزم والثبات وأنبته الله أحسن الثبات مؤدياً للأمانة رافلاً في حلل النباهة والفطانة ناصراً للمنهج النعماني رادعاً بصولته لحكام العرف بالسيف البرهاني يشد النكير عليهم ولا يبالي ناشراً لجواهر العلوم الغوالي وله الفتاوي الحسنة المسماة بالمحمدية عباراتها عذبة مرضية وهو من بيت شامخ العماد راسخ الأوتاد لهم مدة سنين يرثون العلوم ويورثونها للآباء والبنين شهرتهم ببيت أبي اللطف أصحاب المجد والعطف ولأسلافه تآليف تزري بقلائد النحور بل تفوق سوالف أبكار الحور وما زال في منهجه المبرور وسعيه المشكور إلى أن شرب كأس هاذم اللذات وأيتم البنين والبنات فرمى القلم والقرطاس وفاضت نفسه حين شرب من ذلك الكأس وسكن اللحود مع الجدود وصار حديث أمس رهين الرمس ببلدته القدسية بتربة باب الرحمة الأنسية. محمد التاجي ابن عبد الرحمن بن تاج الدين المعروف بالتاجي وتقدم ذكر والده الحنفي البعلي صاحب الفتاوي المعروفة بالتاجية خاتمة العلماء الأعلام وعمدة المحققين العظام كان عالماً محققاً فقيهاً نحريراً فاضلاً فريد وقته في العلوم معقولها ومنقولها ولد في سنة اثنتين وسبعين

стр. 951

وألف وأخذ في ابتداء شبابه على والده وعلى الشيخ إبراهيم الفتال لازمه كثيراً وقرأ عليه وحضره في التفسير وكان يرجحه على أقرانه شديد الاعتناء والحرص على افادته وقرأ واستجاز من الشيخ إسمعيل الحائك المفتي وقرأ على الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي وأجازه وقرأ على الشيخ عبد القادر العمري ابن عبد الهادي وعلى الشيخ يس الفرضي البقاعي في الفرائض وعلى الشيخ عبد القادر التغلبي كذلك في الفرائض وعلى الشيخ أبي السعود القباقبي والشيخ محمد علاء الدين الحصكفي قرأ عليه الفقه والتفسير وحضره في البخاري لما قدم بعلبك وأعاد له والد المترجم ومن مشايخه الشيخ عبد الكريم والشيخ عبد الرحيم الكابلي والشيخ الياس الكردي وقرأ على الجد الكبير الأستاذ السيد مراد البخاري ولما قدم بعلبك الجد المذكور أوصاه بوصايا سنية ولما ركب قال يا أهل بعلبك والله ليس في الديار العربية أفضل من مفتيكم فشدوا عليه الأيدي وقرأ أيضاً على الشيخ محمد الكاملي والشيخ عبد الكريم الغزي والشيخ محمد الباسطي مفتي الحنابلة ببعلبك والشيخ عبد الله البهائي مفتي الشافعية بها وأخذ عن الشيخ محمد بن عبد الرسول البرزنجي الكردي نزيل المدينة صاحب الاشاعة وغيرها وكذلك الأستاذ الأعظم الشيخ إبراهيم الكوراني نزيلها أيضاً وقرأ على الشيخ أبي المواهب الحنبلي الدمشقي شرح الشاطبية وجمع عليه من طريق السبعة وشرح كشف الغوامض وحضر دروسه في الفقه والتفسير والحديث والأصول وأجازه ولما حج أخذ عن الشيخ أحمد النخلي المكي وأجازه تجاه الكعبة وعن الشيخ سعد الله اللاهوري الهندي والشيخ محمد الرصاصي شارح السنوسية والشيخ عبد الله البوسنوي نزيلها أيضاً وأجازه الامام الكبير الأستاذ الشيخ زين العابدين الصديقي المصري وأخذ عن الشيخ صالح المطري امام جامع قباء وغيرهم من الجهابذة ثم جلس للتدريس في جامع بني أمية وحضره جمع من الأفاضل وطلب كتابة الفتوى عند المولى شهاب الدين العمادي المفتي فتولاها ثم تركها وتوجه إلى بعلبك وصار مفتياً بها ملازماً للدروس ترد عليه الفتاوي والأسئلة من كل جانب وألف الفتاوي التاجية وأعطاه والده في حياته ثلثي ماله ولأخيه الثلث وكان من نيته التوجه إلى طرابلس الشام مهاجراً من بلده وأصبح قاصداً التوجه إلى صلاة وجلس هو وأولاده يقرأ عليهم شيئاً من البخاري فما شعر إلا والباب قد فتح قليلاً فخرجت بندقية أصابت رصاصتها فؤاده فقال يا لطيف وكان آخر كلامه ذلك ومن اتهم بقتله مزقتهم يد القدرة ولم يعلم قاتله وكان ذلك في سنة أربع عشرة ومائة وألف رحمه الله تعالى. محمد الغزي ابن عبد الرحمن بن زين العابدين الغزي الشافعي الدمشقي مفتي الشافعية بدمشق وأوحد

стр. 952

من ازدهت بفضائله وتعطرت أكنافها بعرف علومه وفواضله وقد تقدم والده وجملة من أقاربه وكان عالماً فاضلاً محدثاً نحريراً متمكناً متضلعاً غواص بحر التدقيق ومستخرج فنونه أديباً بارعاً المعيا صالحاً فالحاً له الفضل التام مع الذكاء الذي يشق غلالة الدجنة والحافظة التي لم يطرق خباءها سهو واللطف الذي لو مشى به على طرف ما انطرف والمحاضرة الآخذة بمجامع الرقة من كل طرف وكان عجباً في علم التاريخ والأنساب وإيراد المسائل والفوائد العلمية والأدبية ولد بدمشق في ليلة الجمعة بعد أذان عشائها ليلة الثامن عشر من شعبان سنة ست وتسعين وألف ونشأ في كنف والده وماتت والدته وسنه دون السبع ومن الله عليه في صغره بسرعة الفهم وملازمة الصلوات فقرأ القرآن تعليماً على الشيخ محمد بن إبراهيم الحافظ وبعد أن ختم عليه القرآن تعليماً أقرأه الجزرية ومقدمة الميداني ومقدمة الطيبي في علم التجويد ثم تعلم الخط واشتغل بطلب العلم على والده وعلى غيره من الأساتذة كالشيخ عبد الرحمن المجلد والشيخ خليل الدسوقي حضره قراءة في شرح المنهاج وشرح التحرير لشيخ الاسلام وغير ذلك وقرأ قليلاً من الفقه على قريبه الشيخ السيد نور الدين الدسوقي وكذلك الشيخ عثمان بن حموده ثم شرع في القراءة على الشيخ أبي المواهب الحنبلي ولزم دروسه وقرأ عليه شرح الجزرية لشيخ الاسلام زكريا ولأبن الناظم ثم القواعد البقرية ثم الشاطبية ثم شرح النخبة لأبن حجر ثم شرح الألفية في المصطلح للقاضي زكريا وسمع عليه في كثير من كتب الحديث منها غالب صحيح البخاري وأطراف مسلم والسنن الأربعة وموطأ مالك والمشارق للصغاني والمصابيح للبغوي وشرح الألفية لناظمها الحافظ العراقي وأجازه وأذن له بالتدريس والافتاء ومن مشايخه عثمان بن محمد الشمعة قرأ عليه في النحو والأصول والفقه والمعاني والبيان وغير ذلك كتباً عديدة سماعاً وقراءة وكذلك الشيخ عبد الجليل بن أبي المواهب المذكور ومنهم الشيخ الياس الكردي قرأ عليه شرح التلخيص المختصر وشرح العقائد للسعد وسمع عليه كتباً كثيرة من كتب العلم منها شرح جمع الجوامع وشرح ايساغوجي في المنطق للحسام وقرأ على الشيخ عبد الرحيم الكابلي الهندي نزيل دمشق شرح العقائد للسعد ولم يتمه وحضر دروس الشيخ محمد بن محمد البديري الدمياطي المعروف بابن الميت لما قدم إلى دمشق ودرس في صحن الجامع الأموي في الأربعين النووية وبعد ارتحاله لبلده دمياط استجاز منه المترجم فأجازه اجازة مطولة وحضر دروس الشيخ محمد بن محمد الخليلي لما قدم إلى دمشق وسمع منه الحديث المسلسل بالأولية وسمع كذلك الحديث المذكور من الشيخ أبي طاهر ابن الأستاذ العالم الشيخ إبراهيم الكوراني نزيل المدينة المنورة لما حج في سنة أربع وأربعين وحضر دروس الشيخ محمد مفتي المالكية بدمشق في الجامع الأموي وقرأ عليه جانباً من شرح

стр. 953

القطر للفاكهي ولزم دروس الشيخ عبد القادر بن عمر التغلبي الحنبلي مفتي الحنابلة بدمشق وقرأ عليه شرح الرحبية للشنشوري وشرح كشف الغوامض وسمع عليه شرح الترتيب بتمامه وكتب عليه الحساب وأجازه وحضر دروس المولى محمد بن إبراهيم العمادي مفتي الحنفية بدمشق في المدرسة السليمانية وحضر دروس عمه الشيخ عبد الكريم الغزي مفتي الشافعية بدمشق في المدرسة الشامية البرانية في شرح المنهج لشيخ الاسلام زكريا وأجاز له لفظاً مراراً عديدة وصحب الشيخ السيد تقي الدين الحصني وسمع من فوائده وانتفع بتربيته وحضر دروس السيد الشريف المولى إبراهيم بن محمد بن حمزة الحسيني نقيب الأشراف بدمشق في داره في صحيح البخاري وأجاز له وأجاز له الشيخ أحمد بن محمد النخلي المكي من مكة وفي سنة احدى وعشرين صاهر الأستاذ الرباني الشيخ عبد الغني النابلسي وسكن عنده في داره بالصالحية وشرع في القراءة عليه فقرأ عليه مغنى اللبيب بطرفيه مع مطالعة حاشيته للشمني وقرأ عليه جانباً كبيراً من شرحه على الفصوص وشرح رسالة الشيخ أرسلان له وشرحه على التحفة المرسلة ثم قرأ عليه الفتوحات المكية للشيخ العارف سيدي محيي الدين بن العربي قدس سره العزيز بطرفيها ثم قرأها عليه مرة ثانية بطرفيها وقرأ عليه الجامع الصغير للسيوطي مع مطالعة شرحه الكبير للمناوي وقرأ عليه روض الرياحين لليافعي وقرأ عليه السيرة النبوية للشيخ الحلبي وسمع عليه شرحه على الديوان الفارضي بقراءة الشيخ الفاضل الشيخ محمد بن إبراهيم الدكدكجي وسمع من لفظه صحيح البخاري بتمامه في الأشهر الثلاثة واجتمع بجدي العارف الشيخ مراد البخاري وزاره مرات وتبرك به وسمع من فوائده ومهر في العلوم وتفوق بها وجلس لاشتغال الطلبة بالعلوم والتدريس في المدرسة العمرية بصالحية دمشق من ابتداء سنة اثنين وعشرين ومائة وكان في أيام الشتاء يتحول إلى داره في دمشق ويجلس في الجامع الأموي ولما تولى تدريس المدرسة الشامية البرانية مع الافتاء على مذهب الامام الشافعي ﵁ في أواخر شهر رجب سنة خمس وخمسين ومائة وألف شرع في إلقاء الدروس بها في المنهاج ولما تولى تدريس الحديث في الجامع الأموي تجاه ضريح سيدنا يحيى ﵇ شرع في قراءة صحيح البخاري من أوله وألف تاريخاً سماه ديوان الاسلام يجمع العلماء والمشاهير والملوك وغيرهم وكان رحمه الله تعالى ماهراً وعمدة في التاريخ والأدب وحفظ الأنساب والأصول وتراجم الأسلاف وبالجملة فقد كان فرد الزمان وله شعر باهر وفضل ظاهر فمن شعره قولهن لليافعي وقرأ عليه السيرة النبوية للشيخ الحلبي وسمع عليه شرحه على الديوان الفارضي بقراءة الشيخ الفاضل الشيخ محمد بن إبراهيم الدكدكجي وسمع من لفظه صحيح البخاري بتمامه في الأشهر الثلاثة واجتمع بجدي العارف الشيخ مراد البخاري وزاره مرات وتبرك به وسمع من فوائده ومهر في العلوم وتفوق بها وجلس لاشتغال الطلبة بالعلوم والتدريس في المدرسة العمرية بصالحية دمشق من ابتداء سنة اثنين وعشرين ومائة وكان في أيام الشتاء يتحول إلى داره في دمشق ويجلس في الجامع الأموي ولما تولى تدريس المدرسة الشامية البرانية مع الافتاء على مذهب الامام الشافعي ﵁ في أواخر شهر رجب سنة خمس وخمسين ومائة وألف شرع في إلقاء الدروس بها في المنهاج ولما تولى تدريس الحديث في الجامع الأموي تجاه ضريح سيدنا يحيى ﵇ شرع في قراءة صحيح البخاري من أوله وألف تاريخاً سماه ديوان الاسلام يجمع العلماء والمشاهير والملوك وغيرهم وكان رحمه الله تعالى ماهراً وعمدة في التاريخ والأدب وحفظ الأنساب والأصول وتراجم الأسلاف وبالجملة فقد كان فرد الزمان وله شعر باهر وفضل ظاهر فمن شعره قوله سقياً لآدم الصبا المعهود ... ما بين رامة والنقا فزرود ومراتع الآرام من سفح اللوى ... ترعى ظلال زلاله المورود

стр. 954

ولبان وادي المنحني وأراكه ... وتنعمي في ظله الممدود أيام عيشي في النضارة مشبه ... خضر العوارض في بياض خدود أيام لا أنفك طالب رشفه ... من مبسم أو قبلة من جيد أيام أجنى الوصل من غصن المنى ... وأرى جني الآمال غير بعيد ما ينقضي ليل يضئ سناءه ... إلا ويعقبه كيوم العيد والوقت صاف والعيون قريرة ... والسمع خلو من ملام حسود والحب واف والعذول مساعد ... مغض عن التقريع والتفنيد كم جاءني فيها المفدّى زائراً ... عفواً كغصن البانة الأملود متورّد الخدين من خفر الحيا ... متبسماً عن لؤلؤ منضود ومنها آهاً على ذاك الزمان وطيبه ... وهنيّ عيش مرّفيه رغيد ولبست من صافي الصبابة حلة ... زانت مطارف طارفي وتليدي لا ناظري يهفو لطلعة أهيف ... والسمع لا يصغي لنغمة عود والطرف ملآن الجفون من الكري ... خال من التعذيب والتسهيد وشرعت في تبييض غرّ صحائفي ... من بعد ذاك الشين بالتسويد وقوله رحمه الله تعالى البدر من لمحانه ... والمسك من نفحاته والندّ من أخلاقه ... والورد من وجناته والشمس من أزراره ... والسحر من لحظاته والدرّ من ألفاظه ... والشهد من رشفاته وإذا مشى سرقت ظبا ... ء البان من لفتاته يا مالكي رفقاً بمن ... أضنيت قبل مماته ذو خنجر ألحاظه ... أغنته عن طعناته أوّاه واتلفي إذا ... شاهدت حسن صفاته وحياته ما حلت عن ... حبيه لا وحياته النار من زفراته ... والقطر من عبراته فاعطف على صب كئي ... ب ذاب من حسراته وتعلمت ورق الحما ... م السجع من أناته يكفيه ما يلقاه من ... عذاله ووشاته

стр. 955

من لي به لدن القوا ... م يميل من نشواته قمر إذا حققت في ... هـ من جميع جهاته كم مرّ بي فرأيت شخ ... ص الحسن في مرآته وإذا ترنم منشداً ... يصبيك في نغماته وإذا أشار محدّثاً ... شاهدت قطر نباته وله مضمناً إذا نصحت قليل العقل نلت بذا ... عداوة منه لا تخفي مساويها فالحمق داء قبيح لا دواء له ... قد قال فيه من الأشعار راويها لكل داء دواء يستطبّ به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها وله رحمه الله تعالى ضيعت نقد شبابي لم أنل أربا ... من لذة العيش والآمال تنعكس ثم انحنى غصن قدّي بعد ضيعته ... حتى كأني له في الترب ألتمس هو من قول بعضهم وكنت لدى الصبا غصناً وقدّي ... حكى ألف ابن مقلة في الكتاب فصرت الآن منحنياً كأني ... أفتش في التراب على شبابي وقد ألم بقول أبي علي الكاتب تقوّس بعد طول العمر ظهري ... وداستني الليالي أيّ دوس فأمشي والعصا تمشي أمامي ... كأن قوامها وتر لقوسي ولصاحب الترجمة مستهام عن حبه لا يحول ... فيك أخفاه سقمه والنحول وغرام سعيره يتلظى ... بين أحناء صدره وغليل رق لي حاسدي وصار شفيعي ... عندك الكاشح النصح العذول وصحابي قد أنكر وأفرط ما بي ... من سقام عليه وجدي دليل وأتوا بالطبيب فارتاع لما ... لم يجدني وقال أين العليل ما هداه إليّ إلا أنيني ... في بحار من الدموع تسيل قلت دعني فالحب لم يبق مني ... غير معنى في فكر صحبي يجول قوله ما هداه الخ من قول المتنبي كفى بجسمي نحولاً إنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني وفي النحول مبالغات كثيرة من ذلك قول المتنبي المذكور

стр. 956

ولو قلم ألقيت في شق رأسه ... من السقم ما غيرت من كف كاتب وقول أبي بكر الخالدي مهدّد خانه التفريق في أمله ... أضناه سيده ظلماً بمرتحله فرق حتى لو أن الدهر قاد له ... حيناً لما أبصرته مقلتا أجله وقول ابن العميد لو أن ما أبقيت من جسمي قذى ... في العين لم يمنع من الأغفاء وقول الواسطي قد كان لي فيما مضى خاتم ... واليوم لو شئت تمنطقت به وذبت حتى صرت لو زج بي ... في مقلة النائم لم ينتبه وقول أبي بكر العمري كدت أخفي من ضنى جسدي ... عن عيون الجن والبشر وقول بعضهم من أبيات ولو أنني علقت في رجل نملة ... لسارت ولم تدري بأني تعلقت ولو نمت في عين البعوض معارضاً ... لما علمت في أيّ زاوية بت وللمترجم غير ذلك من الشعر الحسن وآخراً استولت عليه الأمراض والعلل وكانت وفاته قبيل الغروب يوم الخميس سابع عشر محرم افتتاح سنة سبع وستين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح خارج باب الفراديس رحمه الله تعالى. محمد بن أبي اللطف ابن عبد الرحيم بن أبي اللطف بن إسحق الحنفي القدسي الجهبذ الهمام العالم الفاضل كان من مشاهير العلماء كوالده المقدم ذكره وله النظم البديع وكان أفقه الحنفية بوقته وتولى افتاء القدس وقام به حق القيام رادعاً للحكام ولا يبالي وله الفتاوي الحسنة المحمدية وكان له حدة في طبعه وبالجملة فقد كان من الأفراد ولم أتحقق وفاته في أي سنة ولكن أخبرت إنه دفن بتربة باب الرحمة بالقدس رحمه الله تعالى. محمد الأسكداري ابن عبد الله بن السيد أسعد أفندي الأسكداري المدني الحنفي الشيخ الفاضل العالم الكامل ولد بالمدينة المنورة سنة أربع وأربعين ومائة وألف ونشأ بها وقرأ على مير ملا شيخ الأزبكي والشيخ إبراهيم بن فيض الله السندي والسيد محمد مولاي المغربي وعلى غيرهم وتولى الافتاء في المدينة المنورة وناب في القضاء أيضاً وكان فاضلاً لطيفاً حسن السيرة سالم

стр. 957

السريرة محمود الحركات والسكنات لم تعهد له زلة في فتواه ولا كبوة ذو وجاهة كاملة ورياسة شاملة ولم يزل على أكمل طريقة إلى أن درج في مدارج الرضوان وكانت وفاته بالمدينة في سابع عشر ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائة وألف رحمه الله تعالى. محمد الريس ابن عبد الله بن سليمان بن أحمد الشهير بالريس الحنفي الغزي الطبيب الحاذق الشهير العارف الماهر أحد المتفردين في تلك الديار في علم الطب والحكمة والفلك والهيئة وغير ذلك ولد بغزة هاشم وبها ننشأ وأخذ عن والده الطب والحكمة وتخرج عليه بذلك وبرع في الفنون وعالج الناس واشتهر بالطب والحذاقة في ذلك وأخذ بعضاً من العلوم الغريبة والفنون من الأستاذ الشيخ عبد الوهاب الطنطاوي وارتحل إلى مصر ودمشق وفاق وعلا صيته وله تآليف في الطب وعرب غاية البيان التي باللغة التركية وعلى كل حال فقد كان من ظرفاء وقته وكانت وفاته في سنة ثلاثين ومائة وألف ودفن بالقدس رحمه الله تعالى. محمد الخليفتي ابن عبد الله الخليفتي العباسي المدني الحنفي الخطيب الفاضل والأديب الكامل ذو الفهم الثاقب والرأي الصائب تبحر في العلوم وكرع من حياض منطوقها والمفهوم فأخذ عن البرهان إبراهيم الكوراني وعن السيد محمد بن عبد الرسول البرزنجي وغيرهما وله شعر لطيف ومن شعره ما ذكره الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي في رحلته الحجازية وهي قصيدة رثى بها شيخه ملا إبراهيم المذكور يقول فيها توفي الهمام الذي لم يكن ... له في المعارف والفضل ثاني ومن قد سما قدره في الورى ... فخاراً على كل قاص وداني ومن حلّ ذروة هام العلا ... وليس الحديث كمثل العيان ومن كان في حلبة الفضل لا ... يجاري إذا كان يوم الرهان وهي طويلة وكانت وفاته بالمدينة المنورة سنة ثلاثين ومائة وألف ودفن بالبقيع رحمه الله تعالى. محمد الأمير الحلبي ابن عبد الله بن عمر الحسيني المعروف بالأمير الحلبي الشيخ العارف الكامل البارع نزل حلب وسكن في جامعها الكبير وكانت له مكاشفات ظاهرة توفي في حلب ودفن بمقام الأربعين رحمه الله تعالى ولم أتحقق وفاته في أي سنة كانت.

стр. 958

محمد المغربي ابن عبد الله المغربي الفاسي للمالكي نزيل المدينة المنورة الشيخ الفاضل العالم العامل الأوحد المفنن العابد الزاهد الورع النسيك قدم المدينة المنورة سنة خمس وعشرين ومائة وألف وتوطنها وأخذ عن أئمة أجلاء منهم الشيخ محمد بن عبد الرحمن ابن شيخ الشيوخ عبد القادر الفاسي المشهور وعن العلامة عبد الله بن سالم البصري المكي لما قدم المدينة وقرأ في الروضة المطهرة مسند الامام أحمد وكان هو المعيد له وأئمة في ستة وخمسين مجلساً وأخذ أيضاً عن العلامة محمد أبي الطاهر بن البرهان إبراهيم الكوراني وعن الشيخ إبراهيم بن محمد الغيلالي وعن غيرهم ونبل وفضل ودرس بالحرم الشريف النبوي وانتفعت به الطلبة وكان ذا قدم راسخ في العبادة والدين آية باهرة في التواضع حتى إنه كان يحمل حزمة السعف من بستانه إلى داره على رأسه وكانت وفاته بالمدينة المنورة سنة إحدى وأربعين ومائة وألف ودفن بالبقيع رحمه الله تعالى وإيانا. محمد زين العابدين ابن عبد الله بن عبد الكريم المدني الحنفي الشهير بالخليفتي العباسي الشيخ الفاضل الأوحد البارع المفنن النبيل ولد بالمدينة المنورة سنة ثلاثين ومائة وألف ونشأ بها وطلب العلم فقرأ على أبيه في عدة فنون وأخذ عن الشيخ محمد حياه السندي والسيد إبراهيم أسعد وغيرهم وصار له الفضل التام ودرس بالمسجد الشريف النبوي وصار أحد الخطباء والأئمة به وتولي نيابة القضاء مرتين ثم صار شيخ الخطباء والأئمة بالحرم الشريف النبوي وتولى افتاء السادة الحنفية بالمدينة المنورة وانتهت إليه الرياسة وكان حسن السيرة ذا جاه ووجاهة بين الناس وله يد طولى بصنائع المعروف معهم ونظم ونثر وكانت وفاته بالمدينة المنورة ليله عرفة سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف ودفن بالبقيع رحمه الله تعالى ومن مات من أموات المسلمين أجمعين آمين. محمد السمان ابن عبد الكريم المدني الشافعي الشهير بالسمان الشيخ الصالح الصوفي الأوحد البارع الكامل العالم المرشد المسلك المربي أبو عبد الله قطب الدين ولد بالمدينة المنورة سنة ثلاثين ومائة وألف ونشأ بها وقرأ وأخذ عن الشيخ محمد بن سليمان الكردي نزيل المدينة المنورة وفقيه الأقطار الحجازية وأخذ الطريقة الخلوتية عن السيد مصطفى بن كمال الدين البكري وقام على وظائف الوراد والأذكار والارشاد والتسليك في داره التي كان يسكنها وهي دار سيدنا أبي بكر الصديق ﵁ وتعرف بالمدرسة السنجارية وهي مشتملة على

стр. 959

حجر كثيرة كان في وقته ينزل فيها الغرباء والواردون على المدينة من الآفاق ولصاحب الترجمة نظم ونثر فمن نظمه قصيدة في التوسل من بحر الرجز تقرأ خلف الرواتب وكان عابداً ناسكاً صالحاً اشتهر بذلك في الآفاق وأخذ عنه الجم الغفير من أهل المدينة وغيرها وكانت وفاته في ذي الحجة سنة تسع وثمانين ومائة وألف ودفن بالبقيع رحمه الله تعالى. محمد المالكي ابن عبد الكريم بن قاسم المالكي المغربي الفاسي نزيل دمشق ولد في بلدته فاس في سنة أربع ومائة وألف ونشأ في حجر والده وقرأ القرآن وحفظه ببلده وقرأ حصة من علم الحرف والأوفاق وقدم دمشق فصحب الشيخ عبد الرحمن السمان واتصل بالعارف الشيخ عبد الغني النابلسي وقرأ عليه عدة كتب ثم ارتحل إلى حلب واستوطنها وراج أمره بها وعلا صيته ثم رأى في عالم الخيال أن يرحل إلى دمشق فإن السلوك هناك فخرج من حلب وعاد لدمشق واستوطنها إلى أن مات وكان يتردد إلى والدي ويكرمه ويعتقده وكان يدعى معرفة الكيمياء وله معرفة بالطب وغيره وكان مولعاً بقص شاربه وحلق لحيته وحاجبيه طويل القامة كبير العمامة يفصد نفسه في الأسبوع مرتين أو ثلاثاً وكانت وفاته بدمشق سنة خمس وثمانين ومائة وألف رحمه الله تعالى. محمد المواهبي ابن عبد الجليل بن أبي المواهب بن عبد الباقي الحنبلي الدمشقي تقدم ذكر والده وجده وكان هذا عالماً فاضلاً بارعاً مفتي الحنابلة بدمشق بعد جده ولد في سنة احدى ومائة وألف ونشأ في كنف والده وجده وأخذ الفقه والحديث والفرائض عنهما وقرأ في علوم العربية كالنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع على والده وقرأ في الفرائض على تلميذ جده الشيخ عبد القادر التغلبي وأجاز له الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي والشيخ الياس الكردي نزيل دمشق وغيرهما وبرع وفضل وصارت فيه البركة التامة وجلس للتدريس بالجامع الأموي وقرأ عليه جماعة من الحنابلة وغيرهم وانتفعوا به وكان ديناً متواضعاً مواظباً على حضور الجماعات والسعي إلى أماكن القربات وكانت وفاته في أوائل ذي الحجة سنة ثمان وأربعين ومائة وألف ودفن بتربة سلفه بمرج الدحداح رحمه الله تعالى. محمد العطار ابن عبيد بن عبد الله بن عسكر القاري الأصل الدمشقي الشهير بالعطار الشافعي الفاضل الشاب الصالح كان بارعاً أديباً نبيهاً حسن الطبع والأخلاق مشتغلاً بالتقوى والعبادة راضياً بالقليل قنوعاً ولد بدمشق سنة ثلاثين ومائة وألف ونشأ بها وطلب العلم فأخذ عن

стр. 960

الجمال عبد الله بن زين الدين البصروي والشهاب أحمد بن علي المنيني والشيخ علي بن أحمد الكزبري والشيخ محمد بن أحمد قولقسز والشمس محمد بن عبد الرحمن الغزي العامري وعن غيرهم وحصل له فضيلة تامة وكان تاركاً لما لا يعنيه إلى أن مات وله شعر رقيق اطلعت عليه بعده فمن ذلك قوله قسماً بمبسم ثغرك الوضاح ... وبما حوى من لؤلؤ وأقاح وبطيب راح من لماك يزينها ... حبب فواظمئي لتلك الراح وبطرّة لك كالظلام وغرّة ... بين الدياجي أسفرت كصباح وبنرجس من ناظريك وأسهم ... تبري فؤاد الهائم الملتاح وبحاجب كالقوس يحمي وجنتي ... ك من اجتناء الورد والتفاح وبخالك الزنجيّ حارس ورد خ ... ديك الجني وورده الفوّاح وبجيدك الفضي وقامتك التي ... فتكت ضواري الأسد فتك رماح ما حلت عنك ولا سلوت محاسناً ... لك تجذب الأرواح من أشباح كم ذا تطيل عذاب صب قد غدا ... بهواك مقتولاً بغير سلاح أمرنح الأعطاف يكفي ما جرى ... رفقاً فما سفك الدما بمباح حكمت أسياف الجفا بجوارحي ... وأمرتها أن تعتني بجراحي وتركتني ملقى على فرش الضنى ... دنفاً أكابد لوعة الأتراح من منقذي من نار هجرك يا رشا ... خضعت لسطوته أسود كفاح ماذا يضرّك لو رحمت متيماً ... رق العذول لحاله واللاحي فأعطف عليّ بطيب وصلك كي به ... تتبدل الأحزان بالأفراح وقوله غزال غزاني بالمحاسن والبها ... يريني قسيّ الفتك من قوس حاجبه تلفت نحوي بعد أن راش أسهما ... فياليتها غاصت بمقلة حاجبه وقوله حديقة أنس زهت منظراً ... ونشر شذاها غدا عابقا أقمنا بها نجتلي حسنها ... ونرشف من كأسها الرائقا فبادر إلى وردها واجتنى ... وإياك إياك والعائقا وكانت وفاته في غرة ربيع الأول سنة سبع وخمسين ومائة وألف ودفن بمرج الدحداح والقاري نسبة إلى قارة قرية من ضواحي دمشق قدم جده منها رحمه الله تعالى وإيانا. محمد الخراشي

стр. 961

ابن عبد الله الخراشي المالكي الامام الفقيه ذو العلوم الوهبية والأخلاق المرضية المتفق على فضله وولايته وحسن سيرته أخذ عن البرهان اللقاني ولازم بعده النور عليا الأجهوري وتصدر للاقراء بالجامع الأزهر وحضر درسه غالب المالكية واشتهر بالنفع وقبلت كلمته وعمت شفاعته واعتقده عامة الناس وخاصتهم وألف مؤلفات عديدة منها شرحان على مختصر خليل تلقاهما أهل عصره من العلماء بالقبول وكتب منها نسخ عديدة وبالجملة فقد كان علامة معتقداً وكانت ولادته في سنة عشرة بعد الألف وتوفي في ذي الحجة سنة احدى ومائة وألف رحمه الله تعالى. محمد الذهبي ابن عبد اللطيف المعروف بالذهبي الدمشقي الشافعي الشيخ الفاضل النبيل البارع له شعر مطبوع ومشاركة جيدة ولم أسمع بخبره كما ينبغي حتى أصفه بما فيه غير أني رأيت في مجموعة الأثري البرهان إبراهيم الجينيني نزيل دمشق مولده ووفاته فذكرته لئلا يخلو كتابي منه ورأيت له مقطوعاً من الشعر وهو قوله مضمناً يا من إذا جاريته في مسلك ... ألفيته قد سدّ طرق منافذي أهون بمضناك الذي حيرته ... هذا مقام المستجير العائذ ومن ذلك قول العلامة الأديب السيد محمد بن حمزة النقيب نقل العذول بأنني أفشيت ما ... أخفى الحفاظ من الغرام الواقذ هبني افتريت كما افترى فاغفره لي ... هذا مقام المستجير العائذ ومنه قول الشيخ عبد الغني النابلسي قدس سره لاحظت خالاً تحت صفحة خدّه ... متوارياً خوف اللهيب النافذ فسألته ماذا المقام فقال لي ... هذا مقام المستجير العائذ ومنه قول زين الدين الدمشقي الشهير بالبصروي وأغنّ فتاك اللواحظ أدعج ... يرى بنبل في القلوب نوافذ نادته أفلاذي وقد فتكت بها ... هذا مقام المستجير العائذ ومن ذلك قول الكمال محمد بن محمد الغزي العامري بالله صل مضناك يا من شفني ... منه جوى أفنى جميع لذائذي فبعزة الحسن استعذت وإنه ... هذا مقام المستجير العائذ وكانت وفاة المترجم نهار الأحد ختام شوال سنة ست ومائة وألف ودفن بالذهبية من مرج الدحداح رحمه الله تعالى.

стр. 962

محمد الصالحي ابن عبد المحسن الحنفي الصالحي الدمشقي أحد البارعين في الأدب والكتابة اشتغل بطلب العلم فقرأ على المجد محمد بن عيسى الكناني وأجاز له الشهاب أحمد بن عبد الكريم الغزي العامري المفتي ونبل وفضل وكان يعرف التركية والفارسية معرفة جيدة وصار أحد الشهود والكتبة بمحكمة العونية وكان ينظم الشعر فمنه قوله عليك بعلم المنطق البهج الذي ... يجلّ به الانسان إن قام أو دعا يقلد نحر الدهر عقداً منظماً ... ويلبس للأفكار تاجاً مرصعا وقوله النحو علم به تشحيذ فكرتنا ... فألزمه وأملي لنا من أصله طرفا فكل من يرتوي من ورده أبداً ... بين الأفاضل معدود من الشرفا وكانت وفاته مطعوناً يوم الأربعاء حادي عشر ربيع الأول سنة خمس عشرة ومائة وألف ودفن بسفح قاسيون بالروضة. محمد السندي سعيد بن عبد الحفيظ حماد المدني الشهير بالسندي الشيخ الفاضل الأديب الشاعر الناظم الناثر حاز من مراتب الأدب أعلاها وبلغ من ذروة الفصاحة علاها ولد بالمدينة المنورة سنة ثمان عشرة ومائة وألف ونشأ بها وأخذ عن أفاضلها ونظم ونثر فمن شعره قوله هذا التخميس النفيس ناديت لما الحب عني أعرضا ... وحشا الحشا سقماً أذاب وأمرضا وسطا عليّ بما من الجفن انتضى ... أحمامة الوادي بشرقيّ الغضا إن كنت مسعدة الكئيب فرجعي أنا أنت لكن من هواه يزينه ... لا كالذي مثل الغرام يشينه ودليل ما قد قلت فيك يبينه ... أنا تقاسمنا الغضا فغصونه في راحتيك وجمره في أضلعي وكان كثير الملاطفة حسن الأخلاق وكانت وفاته بالمدينة المنورة في رمضان سنة ثمان وسبعين ومائة وألف رحمه الله تعالى. محمد الخمسي ابن عبد الله المغربي الخمسي الشهرة المالكي نزيل دمشق الشيخ العالم الفاضل البارع المفنن قدم دمشق وتوطنها في الحجرة عن يسار الداخل للجامع الأموي من باب جيرون

стр. 963

ودرس بالجامع المرقوم وانتفعت به الطلبة وله شعر لطيف وقفت له على أشياء منها قوله يا أحسن الناس أغضاء عن الناس ... وأحسن الناس إحساناً إلى الناسي نسيت عهدي والنسيان مغتفر ... فأوّل الناس نسيا أولّ الناس وقوله خبز شعير وماء بئر ... يكون قوتي مع السلامة أفضل عندي من عيش ود ... يكون عقباه للندامة وقوله ومما نهاني عن هواهم وصدّني ... وقد كنت مغري في الهوى وهو ديدني نفورهم عني وعن كل عاشق ... عفيف وهم في طوع كل يدي دني وله غير ذلك وكانت وفاته بدمشق سنة ثمان وخمسين ومائة وألف رحمه الله تعالى. محمد البرزنجي ابن عبد الرسول بن عبد السيد بن عبد الرسول بن قلندر بن عبد السيد المتصل النسب بسيدنا الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ الشافعي البرزنجي الأصل والمولد المحقق المدقق النحرير الأوحد الهمام ولد بشهرزور ليلة الجمعة ثاني عشر ربيع الأول سنة أربعين وألف ونشأ بها وقرأ القرآن وجوده على والده وبه تخرج في بقية العلوم وقرأ في بلاده على جماعة منهم الملا محمد شريف الكوراني ولازم خاتمة المحققين إبراهيم بن حسن الكوراني وانتفع بصحبته وسلك طريق القوم على يد الصفي أحمد القشاشي ودخل همذان وبغداد ودمشق وقسطنطينية ومصر وأخذ عمن بها من العلماء فأخذ بماردين عن أحمد السلاحي وبحلب عن أبي الوفاء العرضي ومحمد الكواكبي وبدمشق عن عبد الباقي الحنبلي وعبد القادر الصفوري وببغداد عن الشيخ مدلج وبمصر عن محمد البابلي وعلى الشيراملسي وسلطان المزاحي ومحمد العناني وأحمد العجمي وبالحرمين عن الوافدين إليهما كالشيخ إسحق بن جعمان الزبيدي وعلي الربيعي وعلي العقيبي التغري وعيسى الجعفري وعبد الملك السجلماسي وغيرهم ثم توطن المدينة الشريفة وتصدر للتدريس وصار من سراة رؤسائها وألف تصانيف عجيبة منها أنهار السلسبيل في شرح تفسير البيضاوي والاشاعة في إشراط الساعة والنواقض للروافض وشرحاً على ألفية المصطلح والعافية شرح الشافية لم يكمل وخالص التلخيص مختصر تلخيص المفتاح ومرقاة الصعود في تفسير أوائل العقود والضاوي على صبح فاتحة البيضاوي ورسالة في الجهر بالبسملة في الصلاة وكانت له قوة اقتدار على الأجوبة عن المسائل المشكلة في أسرع وقت

стр. 964

وأعذب لفظ وأسهله وأوجزه وأكمله وبالجملة فقد كان من أفراد العالم علماً وعملاً وكانت وفاته في غرة محرم سنة ثلاث ومائة وألف ودفن بالمدينة رحمه الله تعالى. محمد السندي ابن عبد الهادي السندي الأصل والمولد الحنفي نزيل المدينة المنورة الشيخ الامام العالم العامل العلامة المحقق المدقق النحرير الفهامة أبو الحسن نور الدين ولد ببته قرية من بلاد السند ونشأ بها ثم ارتحل إلى تستر وأخذ بها عن جملة من الشيوخ كالسيد محمد البرزنجي والملا إبراهيم الكوراني وغيرهما ودرس بالحرم الشريف النبوي واشتهر بالفضل والذكاء والصلاح وألف مؤلفات نافعة منها الحواشي الستة على الكتب الستة إلا أن حاشيته على الترمذي ما تمت وحاشية نفيسة على مسند الامام أحمد وحاشية على فتح القدير وصل بها إلى باب النكاح وحاشية على البيضاوي وحاشية على الزهراوين للملا علي القاري وحاشية على حاشية شرح جمع الجوامع الأصولي لأبن قاسم المسماة بالآيات البينات وشرح على الأذكار للنووي وغير ذلك من المؤلفات التي سارت بها الركبان وكان شيخاً جليلاً ماهراً محققاً بالحديث والتفسير والفقه والأصول والمعاني والمنطق والعربية وغيرها أخذ عنه جملة من الشيوخ منهم الشيخ محمد حياة السندي المتقدم ذكره وغيره وكان عالماً عاملاً ورعاً زاهداً وكانت وفاته بالمدينة المنورة ثاني عشري شوال سنة ثمان وثلاثين ومائة وألف وكان له مشهد عظيم حضره الجم الغفير من الناس حتى النساء وغلقت الدكاكين وحمل الولاة نعشه إلى المسجد الشريف النبوي وصلى عليه به ودفن بالبقيع وكثر البكاء والأسف عليه رحمه الله تعالى. محمد الشرواني ابن علي بن إبراهيم الزهري الشرواني المدني الحنفي الفقيه الفاضل العالم الكامل ولد بالمدينة سنة اثنتي عشرة ومائة وألف ونشأ بها وطلب العلم فتفقه على عمه العلامة القاضي يوسف الشرواني وأخذ الحديث عن الجمال عبد الله بن سالم البصري والشيخ محمد أبي الطاهر بن إبراهيم الكوراني والشيخ أبي الطيب السندي والشيخ محمد بن الطيب المغربي الفاسي وأخذ الطريقة الناصرية عن سيدي الشيخ يوسف بن محمد بن محمد بن ناصر وهو أخذها عن صاحبها عمه القطب الجامع بين الشريعة والحقيقة سيدي أحمد بن محمد بن ناصر قدس الله سره وكان فقيهاً متقناً كان المسائل الفقهية نصب عينيه وكان في غاية الصلاح يتلو الكتاب العزيز آناء الليل وأطراف النهار عرض عليه المرحوم الشريف

стр. 965

مسعود شريف مكة لما كان مجاوراً بها سنة احدى وخمسين ومائة وألف أن يعرض له لطرف الدولة في منصب افتاء المدينة المنورة فلم يقبل ذلك وكان معرضاً عن دنياه مقبلاً بكليته على الله لا يمد منه للرياسة باع ولا تمتد منه إليها الأطماع ولم يزل على طريقته المثلى إلى أن توفي بالمدينة المنورة في عشري شوال سنة تسع وسعين ومائة وألف بتقديم تاء تسع وسين سبعين ودفن في قبر والدته خلف قبة سيدنا إبراهيم ابن سيدنا رسول الله ﷺ . محمد الكاملي ابن علي بن محمد المعروف بالكاملي الشافعي الدمشقي تقدم ذكر ولده عبد السلام وكان هذا اماماً عالماً حبراً فقيهاً واعظاً بركة الشام علامة رحلة محققاً وسيماً منوراً عليه أبهة العلم ورونقه وكان خلقه سوياً وخلقه رضياً وشكله بهياً بشوشاً متودداً متواضعاً ودروسه من محاسن الدروس يجري فيها بعبارة فصيحة مشتملة على الفوائد العلمية البديعة بحيث تعجب الخاصة والعامة واشتهر فضله وتقواه وعظم قدره وأخذ عنه الجم الغفير والكثير من الأطراف والبلاد ولد بدمشق في جمادي الثانية سنة أربع وأربعين وألف واشتغل بالعلوم الشرعية وآلاتها على والده الفقيه العالم الصالح الشيخ علي المتوفي في سنة تسع وتسعين وألف وعلى الشيخ محمد البطنيني والشيخ أحمد الداراني والشيخ محمد سعدي الغزي والشيخ منصور المحلي والشيخ علي القبردي الصالحي وبرع في الفنون ورأس وتقدم وكان عجباً في استحضار الفقه والحديث والتفسير وأجاز له بالمكاتبة من علماء مصر الشيخ نور الدين علي الشبراملسي والشيخ سلطان المزاحي والشيخ إبراهيم الشبراخي والشيخ محمد البابلي والشيخ عبد الباقي الزرقاني وأجاز له الشيخ خير الدين الرملي وأجاز له لما حج الشيخ عبد العزيز الزمزمي المكي والشيخ أحمد القشاشي والأستاذ الشيخ إبراهيم بن حسن الكوراني نزيل المدينة المنورة وحضر بدمشق دروس المحدث النجم العزي ولازمه وكذلك لازم الشيخ عبد القادر الصفوري وغيرهم وكان يدرس عند باب الصنجق تجاه المقصورة في كل يوم بعد صلاة العصر في شرح المنهج لشيخ الاسلام زكريا ويحضره جم غفير من فضلاء الشافعية وكان في شهري رجب وشعبان يدرس في جامع سيباي بمحلة باب الجابية في صحيح البخاري وللناس اقبال عظيم على درسه ووعظه لحسن منطقه ولم يزل على هذه الحالة إلى أن مات وكانت وفاته في ليلة الأربعاء خامس ذي القعدة سنة احدى وثلاثين ومائة وألف ودفن في جمع حافل عظيم بتربتهم في الباب الصغير رحمه الله تعالى.

стр. 966

محمد بن شيخان ابن عمر بن سالم بن أحمد بن شيخان بن علي بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن عبد الله عبود بن علي ابن محمد مولى الدويلة بن علي بن علوي ابن الفقيه المقدم عرف جد جده بشيخان باعلوي الحسني ذكره شيخنا السيد العلامة محمد بن أبي بكر الشلي في المشرع الروي في أشراف بني علوي فقال فريد هذا الزمان ومن ألقت إليه الأقران مقاليد السلم والأمان الجامع بين الرواية والدراية والرافع لخميس المكارم أعظم راية حوى الفضائل والفواضل والنهى وحاز الدين والحسن والتقى وأتقن في كل الفنون وافتخر به الآباء والبنون ولد بأم القرى ثاني عشر محرم سنة احدى وخمسين وألف ونشأ بها والفلاح يشرق من محياه وطيب أنفاسه يفوح من رياه وحفظ بعض الارشاد ومتن النهج والألفية وغير ذلك من المتون وأخذ عن الشهاب أحمد بن عبد الله بن عبد الرؤف المكي عدة علوم ولازم العلامة علي بن الجمال والوجيه السيد محمد الشلي وأجاز له المسند محمد بن سليمان المغربي بمروياته وأخذ عنه عدة علوم وبرع وفضل ودرس بالمسجد الحرام وصار أحد أعيان فضلاء مكة وأعاظم كبرائها وله مع ذلك في الأدب طول باع وفي العربية سعة اطلاع وكرم نفس وحسن طباع مع ما منحه الله من أدب أزهى من الأزهار وخلق حسن ألطف من نسيم الأسحار ومنطق ألذ من تغريد الطيور على صفحات الأنوار وتمسك بالسبب الأقوى من التقوى واجتهاد في الأعمال الصالحة لا تطيق أترابه حمله ولا تقوى وإليه المفزع في كل حادثة عجماء وداهية دهياء إلى كرم لا يقاس بحاتم وصدع بالحق لا يخاف بطشة ظالم وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم انتهى كلام الشلي في المشرع الروي في أشراف بني علوي وأخذ عن صاحب الترجمة الوجيه عبد الرحمن الذهبي الدمشقي نزيل مكة وترجمه في رحلته فقال كان رحمه الله تعالى أجل خدن لي أتمتع في رياض فضائله بمقيل ظله الوريف وأتضوع من عبير عرفه اللطيف وصحبته مدة تزيد على أربعين سنة حضراً وسفراً لا أفارقه ولا يفارقني في غالب الأوقات ولم أر منه إلا خيراً وإحساناً وإفضالاً وإمتناناً حتى توفي في الثلث الأخير من ليلة الجمعة ثامن شهر ربيع الثاني سنة اثنتين وعشرين ومائة وألف وصلى عليه ضحى يومها بالمسجد الحرام اماماً بالناس الشيخ أحمد النخلي في مشهد حافل وكنت ولله الحمد من المباشرين لغسله وتكفينه ودفنه نفعني الله به وجمعني به في مستقر رحمته مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً والحمد لله رب العالمين ﵀ رحمة واسعة ورحم من مات من أموات المسلمين أجمعين آمين. محمد العمري الدمشقي

стр. 967

ابن علي بن مسلم بن محمد العمري المعروف بابن عبد الهادي الشافعي الدمشقي الشيخ العابد الزاهد الواصل المربي الصالح الصوفي القادري الخلاصة المعتقد كان من المشايخ المعتقدين سالكاً مناهج السادة الصوفية ولد قبل المائة بقليل تقريباً وحفظ القرآن وهو دون البلوغ واجتهد في تلاوته وداوم على العبادة والاذكار مدة أوقاته لا يشغله عن ذلك شيء وكان سخياً يقري الضيف مع شدة فقره واعتقده في زمانه عامة الناس ومن خصائصه كما أخبرت أنه ما وضع يده على مريض إلا وعوفي بإذن الله تعالى وكان تهابه الأكابر والأصاغر ولا يخشى في الله لومة لائم ومن مناقبه إن امرأة من النصارى لما رأت جنازته حين موته أقرت بالشهادة وأخبرت أيضاً أنه حين دفنه قال رجل للحفار إلق عند تنزيله في القبر فقال الشيخ توكلت على الله وله مناقب كثيرة وكان مسكنه في محلة باب توما مقتصراً على حاله وكانت وفاته ليلة الأحد الرابع والعشرين من صفر سنة ثلاث وستين ومائة وألف ودفن بتربتهم في مرج الدحداح مع الشيخ أرسلان ﵄. محمد مفتي حلب ابن علي المشهور بجلبي المفتي الحنفي الأنطاكي نزيل حلب العالم الفاضل العفيف الصالح المتعبد النظيف الزاهد ولد بأنطاكية ونشأ بها وكان والده مفتياً بها فمات وتولى الافتاء بعده بها ثم عزل من الافتاء وهاجر إلى حلب وصاهر بني الكواكبي وتزوج وحج مراراً وجاور بيت الله الحرام وأخذ عن علماء الحرمين وله خيرات في بلده منها عمارة الجامع الذي لم يسبق إليه بمثيل في الشكل والزينة وكله من كسبه الحلال وكانت وفاته بحلب في سنة اثنتين وسبعين ومائة وألف رحمه الله تعالى. محمد العمري الموصلي ابن علي العمري الموصلي الحنفي ترجمه قريبه محمد أمين العمري فقال أحد الأعيان والأكابر والسادات الأماجد همته فوق النجوم كان في الفضل والرياسة والتقدم والسياسة بمكان عال نشأ في أيام اقبال الدنيا عليهم فربى بالدلال والنعمة وهابته الأبصار لما له من حشمة وكان له مهارة ورياسة في تدبير الأمور ورأى حاذق في الأشياء تولى قضاء الموصل في أيام أبيه وله من الخدم والأتباع والحشم والجند العظيم وإحسانه إلى العلماء والأفاضل مشهور لا ينكر ومعروف لا يحتاج أن يذكر ومدحه الشعراء بالقصائد لبديعة فممن مدحه الشيخ قاسم الرامي الأديب بقوله في ورد خديك وآس العذار ... قد طاب لي حب خلع العذار وكان لي قلب وقد ضاع إذ ... ضاع شذا خالك في الجلنار

стр. 968

يا مخجل البان بقدّ لقد ... بان اصطباري فيك والوجد ثار وقد جرى دمعي مما جرى ... عليّ في حبك والعقل حار يا مفرداً جامع شمل البها ... الشعر ليل والمحيا نهار والجفن مكحول روى أنني ... قتلت فيه فالحذار الحذار واللحظ والحاجب ثم اللمى ... نبل وقوس وشراب عقار ومنها والخال فوق الخد قد عمه ... حسن إذا شاهده البدر قد غار ومنها فأي بال غير بال به ... واللحظ فتاك حكى ذا الفقار أفديه ذا جيد وذا الفتة ... قد صير الغزلان تأوى القفار قلت حبيبي كف كف النوى ... عني فمالي في هواك اصطبار ومنها ولم أجد لي من ملاذ سوى ... محمد بهجة أوج الفخار الماجد المنجد سامي الذرى ... حامي الورى ممن لجا واستجار مولاي كنز العلم كشافه ... حاوي الفتوحات سميّ المنار لا عيب فيه غير بذل الندى ... فيا أخا الفقر إليه البدار في الجود ما معن وما حاتم ... والبأس ما عنتر ما ذو الخمار تكاملت أوصاف أخلاقه ... فذكره فاح وفاق العرار لا زال ممدود الأيادي وفي ال ... يمين يمن واليسار اليسار وبالجملة فقد كان المترجم من أفراد الدهر علماً وفضلاً وعفة وقرأ على الشيخ إسمعيل الموصلي الشهير بابن أبي جحش وعلى غيره من العلماء وكانت وفاته بالموصل سنة خمس وأربعين ومائة وألف في حياة أبيه وله من العمر ثلاث وثلاثون سنة فقرحت عليه الجفون وجرت لفقده العيون ودفن في جامعهم المعروف بالموصل رحمه الله تعالى. محمد بن كوجك علي الحلبي صدر أعيان حلب ورؤسائها كان أحد القبوجي باشيه بالباب السلطاني بارعاً ناظماً ناثراً جبلته ذلك بالألسن الثلاثة العربي والفارسي والتركي ولد في رمضان سنة ثلاث عشرة ومائة وألف وأخذ عن عثمان أفندي الشا بياض وغيره وكان له صلاح واشتغال بالعبادة ومن شعره العربي قوله شادن يسلب العقول بطرف ... وبخدّ كروضة الأزهار

стр. 969

كم كسا السمع من أغان وعود ... نغمات الاقرار في الانكار وكان له معرفة تامة بالموسيقى وله ألحان بها وكانت وفاته سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف. محمد الجمالي ابن علي بن مصطفى المعروف بالجمالي الحنفي الحلبي العالم الأديب ناظم عقود اللآلي ولد في حلب سنة ثمان ومائة وألف ونشأ بها وأخذ العلم عن علمائها كالشيخ سليمان النحوي والشيخ حسب الله وأخذ الفقه أيضاً عن الشيخ السيد محمد الطرابلسي نزيل حلب ومن مشايخه السيد يوسف الحسيني الدمشقي مفتي حلب وخدمه في كتابة الفتوى حين تقلدها وأقتن وأجاد ومنه استفاد وكان له قدم راسخ في النظم والانشاء وحصل له الملكة التامة في الفقه وكان دمث الأخلاق يلاطف الناس له الانشاء البليغ والنظم البديع الفائق الزاهي ومن شعره قوله في عقد حليته ﵊ حبذا طيب طيبة الفيحاء ... مهبط الوحي مستقر الرضاء بلدة أينعت خمائل نور ... ثم أضحت مخضلة الأرجاء شرفت بالنبيّ طه التهامي ... أكرم الخلق أشرف الأنبياء كمل الله خلقه وحباه ... حلية توّجت بكل بهاء كان فخماً مفخماً يتلآلآ ... وجه بالضيا كبدر السماء ضخم الرأس والكراديس ذا مس ... ربة وهي آية النجباء أزهر اللون أدعج العين أقنى ... الأنف رحب الجبين ذي اللألاء أشنب الثغر أفرق السن وضا ... ح المحيا ذا لحية كثاء أهدب الجفن بارع الحسن عذب الن ... طق يمّ التقى كثير الحياء ظاهر البشر كان يفترّ عن أم ... ثال حب الغمام باهي السناء عنقه جيد دمية في صفاء ... ونقاء كالفضة البيضاء ربعة بين منكبيه بعيد ... واسع الصدر كامل الأعضاء بادنا أشعر الذراع طويل ال ... باع شثن الكفين بحر السخاء قوله الفصل لا فضول ولا تق ... صير طلق اللسان عذب الأداء محرزاً من جوامع الكلم الغرّ ... فنون البلاغة الغراء وإذا ما مشى تكفا كأن عن ... صبب انحطاطه أو علاء جملة التفاته والهوينا ... مشيه إن مشى ذريع الخطاء خافض الطرف دائم الفكر جمّ الش ... كر والذّكر صادق الأنباء أجود الناس أصدق الناس أسمى الن ... اس قدراً من خص بالعلياء

стр. 970

بين كتفيه مثل بيض حمام ... خاتم وهو خاتم الأنبياء يا ملاذي يا منجدي يا منائي ... يا معاذي يا مقصدي يا رجائي يا نصيري يا عمدتي يا مجيري ... يا خفيري يا عدّتي يا شفائي أدرك أدرك أغث أغث يا شفيعي ... عند ربي وأعطف وجد بالرضاء ومن نظمه قوله ممتدحاً بها صاحب الرسالة ﷺ بعلياك يا شمس النبيين والرسل ... غدت سائر الأملاك والرسل تستعلي ملكت زمام المجد ختماً ومبدأ ... وحزت مقام الحمد في موقف الفضل وتوّجت تاج العلم والزهد والتقى ... وصدق الوفا والنصح والبر والعدل وبالغت في الابلاغ حتى لقد غدا ... بصدقك صدع الدين ملتئم الشمل وكم لك حقاً معجزات خوارق ... أضاءت لنا كالشمس في أفقها المجلي ولدت كريماً من كرام منقلاً ... بأطهر أصلاب مصاناً عن الدخل وضعت مجيداً رافع الرأس حامداً ... لربك مختوناً وسربلت بالفضل فأنعم بميلاد النبي الذي به ... لنا شرف سامي الذرى وارف الظل نبيّ كريم منذر ومبشر ... رؤف رحيم معجز القول والفعل نبيّ به كل النبيين بشرت ... وأخبرت الأحبار عن خاتم الرسل نبيّ رأى في العرش آدم اسمه ... فناجى به فازدان بالفصح والفضل نبيّ عليه قد أظلت غمامة ... وقد صين منه الظل عن موطئ الرجل نبيّ رقى السبع الطباق وقد دنا ... إلى أن غدا كالقاب للقوس في الوصل نبي بكفيه لقد سبح الحصى ... كذلك تسبيح الطعام لدى الأكل وله هذه القصيدة النبوية مذ شمت اطلالاً لسلمى ... درست فدمعي فاض سجما دمن سقتها بعد سا ... كنها صروف البين سما واغتالها الخطب المبي ... د فلم يدع إذ ذاك رسما وتصوّحت أغصان دو ... حتها التي للخلد تنمى يا حبذا تلك الطلو ... ل فكم بها حظى استتما ولكم جنيت بها المنى ... غضا وكم فرّجت هما ولكم مجرّة دوحها ... قد أطلعت للأنس نجما زمن تقضي في ربا ... ها خلته وأبيك حلما مع كل فتان حلا ... ثغراً رحيق الظلم ألمى

стр. 971

من ذاق يوماً ظلمه ... حاشاه طول الدهر يظما منها يا صاح دع وصف الحسا ... ن وعدّ عن اطلال سلمى وأجل الكروب بمدح ط ... هـ المصطفى لتنال غنما السيد الأميّ من ... عمّ الملا فضلاً وعلما تاج الكرام المرسلي ... ن وقدره أسنى وأسمى وسع البرية رحمة ... وندى وإحساناً وحلما والبدر شق له وأر ... وى الجيش من كفيه بالما ودعا بأشجار الفلا ... فأتت تشق الأرض دحما وله مخمساً أبيات الحاجري بقوله غريمي غرامي فيك يا من إذا بدا ... جمال محياه أبان لنا الهدى ترفق فقد أشمت في حبك العدا ... أيا حرم الحسن البديع الذي غدا ومن حوله عشاقه تتخطف إلى كم أقاسي في الهوى لوعة النوى ... وقد جدّ بي وجدي وصبري قد ثوى فيا من بلام الخد للحسن قد حوى ... عسى عطفة من واو صدغك في الهوى أعيش بها والواو ما زال تعطف لئن غبت عن عيني وشطت معاهد ... فإني على الأشجان فيك مكابد وحوشيت عما قال عني حاسد ... فإن غرامي بعد بعدك زائد وحقك عما كنت تدري وتعرف وله مقتبساً معشر العذال إني ... لي بسر الحب علم لا تظنوا بي سلواً ... إن بعض الظن إثم وله عاقداً الراحمون لقد أتى يرحمهم ... رب العلا الرحمن نصا محكما يا أيها الناس ارحموا من قد غدا ... في الأرض يرحمكم غدا من في السما وله عاقداً حديث حسان الوجوه قد توسمت فيك يا قرّة العي ... ن نجاحاً ودفع كل كريه جازماً حيث قال خير البرايا ... اطلبوا الخير من حسان الوجوه وله تخميس بيتين من بين المصراعين

стр. 972

مالي إذا وضع الكتاب وسيلة ... تجدي إليّ ولا لديّ فضيلة وعيون آمال النجاة كليلة ... مني فلا أمل ولا لي حيلة أنجو بها من هول يوم الموعد إلا اعترافي بالذنوب وإنني ... ما زلت دهري للمعاصي أجتني وركبت متن غوايتي فأضلني ... وأضعت أوقاتي سدى لكنني متمسك بلواء آل محمد وله مضمناً يا رب قد وافيت بابك ضارعاً ... أرجو رضاك وأنت أمن اللائذ متوسلاً بمحمد وبآله ... هذا مقام المستجير العائذ وله أيضاً أمعذبي من دعج نجلاويه قد ... قرطست أحشائي بسهم نافذ وقليتني حتى خفيت عن الخفا ... وسددت بالهجر المبيد منافذي فأتيت كعبة حسنك الزاهي بها ... متشبثاً لما غدوت منابذي أرجو خناناً منك يزلف للقا ... هذا مقام المستجير العائذ وله في التلميح إلى المثل كقابض الماء باليد وخصر يحاكي يا ابن ودي نحوله ... لجسم معنى بالصبابة مكمد إذا رمته ضما يقول لطافة ... ألم ترني كالقابض الماء باليد ومن غرامياته هذه القصيدة البديعة التي مطلعها أما والهوى إني بحسن التجلد ... أروح بهجري كل وقت وأغتدي أكابد تبريحاً من الصد والقلي ... ومالي براح عن غرام مسهد وهي طويلة جداً وله غير ذلك وكانت وفاته سلح رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف رحمه الله تعالى وإيانا. محمد الحصري ابن السيد عمر ابن السيد أبي بكر المعروف بالحصري الدمشقي سبط البكري الحسيني كان من خلاصة الأدباء النبهاء فاضلاً لوذعياً ماهراً ترجمه الأمين المحبي في نفحته وقال في وصفه نسيب تناسب فيه المدح والنسيب وحسيب ما مثله في كرم الطباع حسيب له همة سابغة المطارف وسيادة موصولة التالد بالطارف مروق الأخلاق صافيها مشمول الشمائل ضافيها تكاد ترى وجهك في خصاله ولا تغبن إذ أشريت بنوم العيون يوم وصاله وله أدب يطر اطراد الغدير حفت به خضر الوشائع وحديث كأنه

стр. 973

جني النحل ممزوج بماء الوقائع وبيني وبينه ود صميم طيب العرف والشميم استدعى الأمل الأيام للقياه ولو في الأحلام وقد وقفت له على شعر قليل فأثبت منه ما هو لرأس المجد اكليل انتهى مقاله وقد اطلعت أنا على ديوانه ومتعت طرفي في عقود منظومه التي نظمها صائغ يراعه وبنانه فمن ذلك قوله من قصيدة مطلعها أتى وظلام الليل ولي مبددا ... فراح ولم يشف الغليل من الصدى وولي وما حققته دهشة به ... فمن لي بذاك الطيف لو عاد أحمدا أعيد ارقادي يا خليليّ كي أرى ... خيال حبيب بالجمال تفردا بهيّ جمال بالمحاسن فاتن ... إذا ما بدا كالظبي أحور أغيدا يفوق ضياء الصبح واضح فرقه ... وكالليل إن أرخى من الشعر أجعدا هو الشمس لكن إن رأت نور وجهه ... بدور السما خرّت على الأرض سجدا من الترك مياد القوام مهفهف ... يفوق غصون البان ليناً إذا بدا يهز عليّ الرمح وهو أخو الرشا ... ويبرز من لحظيه سيفاً مجرّدا غزال غزا قلبي بماضي لحاظه ... فصرت باشراك الجفون مقيدا جفاني بلا ذنب ملحاً بهجره ... فأضحى اصطباري في هواه مشردا وأصبح قلبي بالصبابة هائما ... وأمسى بفيض الدمع جفني مسهدا فهل باخل بالوصل يسمح باللقا ... لصب بسكر الشوق ضل عن الهدى لعمري إذا رمت الهدى بعد حيرة ... فمدحك مولى في البرية أوحدا هو المنهل العذب الذي فاض فيضه ... وقد ملأ الآفاق مجداً وسؤددا عليّ المفدى كامل الفضل والحجا ... وحيد العلا بالمكرمات تعوّدا وله أيضاً حاز الجمال بطلعة وسناء ... وسبى الأنام بمقلة وسناء قمر يميس من الدلال تصلفا ... كتمايل النشوان بالصهباء إن لاح قلنا يا شموس تبرقعي ... خجلاً كما بدر السما بحياء وإذا تبسم ضاء نور ثاقب ... لمن اهتدى كالبرق في الظلماء جمع المحاسن خدّه وبثغره ... كنز يضئ بجوهر لألاء زاهي الجمال مفتر الأجفان في ... سحر بدا أمر على الأمراء نطقت حروف الشكل أن لحاظها ... تركت ببابل أعظم الأهواء في وجهه نور وداخل مهجتي ... نار يؤججها الهوى بحشائي فكأنما عيني التي قد أوجبت ... تأثيرها في الوجنة الحمراء

стр. 974

وجنت على قلبي بلمحة ناظر ... فقصاصها ترعى نجوم سماء أكرم بجيد حشوه جود يرى ... والصدر بيت العلم والانشاء حاوي المكارم والمفاخر والعلا ... بحر طمى قدوة الفضلاء المورد العذب الذي من فيضه ... بحران بحر ندى وبحر سخاء قاض يعمّ بعدله كل الورى ... وبحكمه ترك العدا بشقاء عمر المنازل عدله وكماله ... عمر المفدّى أفصح الفصحاء نتج الزمان به وفاق بفضله ... وبجوده أربى على الأنواء هو مرجع يزجي إليه وحقه ... هو مقصد الفضلاء والكرماء وله أيضاً قلبي لصدّك صابر وحمول ... هيهات أني عن هواك أحول يا من شغفت به فعذب مهجتي ... رفقاً فجفني بالسهاد كحيل مالي سوى روحي وإن ترضى بها ... يا حبذاك وإن ذا لقليل عيناك قد رمتا بقلبي أسهماً ... فلذا جفوني بالدماء تسيل يا قاتلي ظلماً بلين قوامه ... عوفيت إن يك عن دمي مسؤل أنت الطبيب لمن به حل الشقا ... وشفاء قلبي ريقك المعسول قد كنت تأتي كل يوم زائراً ... واليوم حتى بالسلام بخيل قل لي فما ذنبي وما ذاك الذي ... قد كان مني فالمحب حمول أو أن أكن أخطأت جهلاً إنني ... أنا تائب والعفو منك جميل بالله يا ريح الصبا فاحمل له ... مني الرسالة والحديث طويل وأخبره أن الروح من هجرانه ... ذابت عليه ووصله المأمول سقياً لأيام الوصال فإنها ... رقت كما رقت صبا وقبول قد كان لي فيها رقيبي شافعاً ... وكذا العذول إلى الحبيب رسول طابت كما قد طاب مدح الماجد ال ... مولى الممجد من نداه سجيل وقال أدر المدامة يا مليك الأنفس ... ممزوجة في ثغرك المتلعس صهباء بحلي في الكؤس كأنها ... خود بدت في أحمر من أطلس راح حكت في اللون خدّ مديرها ... بصفائها وشعاعها في الأكؤس بكر إذا باكرتها لك أولدت ... سر السرور مع النديم الأكيس في روضة تزهو بحسن أزاهر ... من سوسن وقرنفل مع نرجس

стр. 975

والورد باد في الغصون كأنه ... سلطان حسن جالس في مغرس والطير والشادي على صوتيهما ... قم يا نديم أدر كؤس المجلس ساق كأن الله أودع حسنه ... وجماله سرّ الجمال الأقدس يسبي الغزالة في السماء وفي الفلا ... بجماله وبطرفه المتنعس وإذا مشى يختال من صلف به ... أزري ببانات الغصون الميس وإذا رنا تيهاً بطرف فاتر ... قالت أسود الغيل هذا مقوسي رشقت لواحظه بقلبي أسهما ... أبدينها بحواجب هي كالقسي بدر إذا ما ماس في داج تخل ... شمس الظهيرة أشرقت في الحندس يفترّ عن درّ فتحسب في الحمى ... برقاً تألق في نهار مشمس رشأ حوى رتب الجمال كما حوى ... رتب الكمال وكل فضل أقعس بحر الندى نجم الهدى من قد سما ... عمر المفدّى بالدنا والأنفس مولى كساه الله ﷻ ... ثوب المهابة وهي أشرف ملبس وقال أيضاً قلب إلى لقيا الأحبة شيق ... ومدامع طول المدى تترقرق ونواظر ترعى النجوم فليتها ... تغفو عسى منهم خيال يطرق وإذا سمعت بذكرهم بين الورى ... فيصير قلبي من جواه يخفق فأموت من وجدي وأذكر ما مضى ... وأذوب من حرقي ونفسي تزهق ولقد بكيت على التلاقي ساعة ... حتى لكدت بماء جفني أشرق وبمهجتي رشا يميس رشاقة ... كل الغصون إذا تبدّى تطرق جدلان ساجي الطرف مهضوم الحشا ... حلو الشمائل طرفه متملق فالبدر من لآلاء طلعته بدا ... وجبينه منه الغزالة تشرق إن لاح طرفي شاخص لجماله ... أوصال قلبي من سطاه ممزق ما ضرّ لو منع التجافي والقلى ... وبوصله قد جاد وهو الأليق وعلام يمطل بالوصال أما يرى ... قلبي له متشوّف متشوّق فإليك عني يا عذول فإنني ... من جور أحكام الهوى لا أفرق أو ما ترى الروض البهيّ كأنه ... نشر على وجه الرياض ورونق والشهب تزهو بالضياء لأنه ... قد لاح نجم محمد يتألق الفاضل الحبر الهمام ومن له ... فضل على أهل الفضائل يفرق وله من قصيدة

стр. 976

خيال أتى والليل راع ظلامه ... فشرّد عن جفن المعني منامه وراح وألقى في الحشا لاعج الهوى ... مقيم بقلبي حره وضرامه وما حققته العين من فرط دهشتي ... بذاك المحيا وهو راخ لثامه وقد قرحت بالسهد أجفان ناظري ... ودمعي على الخدّين طال انسجامه فأصبح عما أشتكي لوعة الجفا ... وأمسى سروراً عل نحوي لمامه إذا لاح برق في دجى الليل ساطع ... وتوهم طرفي أن ذاك ابتسامه غزال رخيم الدل رخص بنانه ... له في الحشا مرعى وقلبي مقامه يعير شموس الأفق من نوره كما ... يعير غصون البان ليناً قوامه ويخجل بدر التمّ حسناً وطلعة ... وما البدر إلا عبده وغلامه إذا ما نضا عنه القناع مخاطباً ... تقشع عن بدر الدياجي غمامه يجرّد من سود اللواحظ أبيضا ... ليجرح قلبي لحظه وحسامه له طرّة تبدي الدجى وجبينه ... يزيح عن الليل البهيم قتامه وقامته كالرمح والسيف ناظر ... وحاجبه قوس رماني سهامه بدير علينا راح ثغر قد انجلت ... بكأس عقيق قد حلا لي مدامه وقد لامني الواشي على فرط حبه ... وأصعب شيء كان عندي ملامه يروم سلوّي عن هواه وكيف لي ... وبين ضلوعي وجده وغرامه لئن عز صبري عن لقاه فمخلصي ... بمدح الذي عم البرايا اهتمامه وله من أخرى قسماً بأني عهده لا أفسخ ... ولو أنه بالهجر وصلى ينسخ بأبي وبي أفديه ظبي أغيد ... في حسنه بدر السماء له أخ ريان من ماء الشباب وخدّه ... من مسك عارضه الأريج مضمخ إن ماس أزرى بالعوالي قدّه ... وعلى غصون البان منها يجفخ فكأن طرّته ونور جبينه ... ليل دجوجي منه صبح يسلخ يرنو بألحاظ نوافث سحرها ... شهرت مواضي للعزائم تنسخ علقت به روحي فعذب مهجتي ... بصدوده وعن التواصل يزمخ ولقد كتمت هواه بين جوانحي ... إذ لم أجد لي للتلاقي مصرخ يا للأخلا قد تزايد بعده ... عني وفي هجري تراه يرضخ وأحل قتلة عاشقيه أما ترى ... خدّاله بدم القلوب يضمخ كيف التخلص من هواه وقد غدا ... للحب في جنب المتيم مرسخ

стр. 977

إن لامني في حبه الواشي فلي ... سمع عن التعنيف فيه أصلخ لم يدر أني في هواه مخلص ... بمديح من في مجده يستبذخ الماجد الشهم الذي بفضائل ... أضحت له الأعداء دوماً تدنخ هو نجل إسمعيل من فاق الأولى ... بمكارم مثل السحائب تنضخ وله من قصيدة صبّ بالهجر تهدّده ... قد ذاب جوى من يسعده والسقم براه وأنحله ... فلذا ملته عوّده سهران الطرف له رقت ... في الليل نجوم تشهده وغدا يشدو من فرط جوى ... يا ليل الصب متى غده يهواه الصب فيشغله ... أسف للبين يردّده قمر في القلب منازله ... فعجيب عنه تباعده ريحان العارض فيه حوى ... خطا ياقوت مجوّده في الحسن فريد بل ملك ... فتعالى الخالق موجده طفل لحديث السحر روى ... عن بابل طرف يسنده رشأ ألليث بمقلته ... يسطو للغاب يقيده يرنو باللحظ فيسحبه ... للقتل دعاه مهنده بالله أعيذك يا أملي ... من قتل شج تتعمده وأرفق بالقلب فإن به ... جمراً قد زاد توقده واسمح بالغمض لعل بان ... في النوم خيالك يسعده في قيدك قد أمسى دنفاً ... وأنا في ذاك مخلده لم ألق خلاصاً منه سوى ... من سام ذراه ومحتده وله كذلك أذى لآل أم عقود الجمان ... أم أنجم الجوزاء أم بهرمان أم ذا هلال الأفق بادي السنى ... أم بدر تمّ قد تراءى عيان أم بابل أهدت لنا سحرها ... فالعقل مني حائر والجنان أم روض نوّار بدا نشره ... فعطر الأكوان أم عرف بان عاينت فيه الورد مع نرجس ... فقلت ما أحسن هذا القرآن من حسنه قد حار عقلي ومن ... نظم أتاني من بديع الزمان نجل المفدّى والامام الذي ... كالشمس معروف لقاص ودان

стр. 978

بالعلم والأفضال عمّ الورى ... نفعاً وإحساناً كريم البنان سقياً لقبر حل فيه وقد ... أسكنه الله فسيح الجنان وأنت يا مولاي من بعده ... علامة العصر فريد الأوان لقد أتاني منك لغز غدا ... سناؤه يسمو على النيران ثملت من معناه لما أتى ... فمنه سكري لا ببنت الدنان يسال عن ورد زكا نشره ... به تذكرت خدود الحسان وليث غاب إن سطا في الوغى ... سلاحه ماض كحدّ السنان تحريفه يروى وإن درته ... مساكن الأفراح في العنفوان وثلثه أذكرني الشاعر ال ... وأواء من للشعر حلي وزان وما بقي فالدرّ إن درته ... وإن تحرفه فدرّ اللبان والأصل منه صدق ودّأتي ... ما زال مأموناً إذا القلب بان فما اسم شيء رق طبعاً بدا ... في الفضل مشهوراً به يستعان يروق إشراقاً ولكنه ... يروع غرباً والمراع الجبان له لسان أخرس كم به ... كلم إنساناً بذاك اللسان كم شق من نهر على سابح ... وهام في واد وخلى مكان عذب حيناً في لهيب اللظى ... وكم رأى من طارق في الزمان وصبره صيره راقياً ... وماضي الأحكام في كل آن طوراً تراه راكعاً ساجداً ... مع المصلين اماماً عيان فياله من عالم إن رأى ... متنا فيشرحه بحسن البيان مدبج اللون يرى أخضراً ... وأبيضاً في حمرة الارجوان تصحيفه وصف لأنعامكم ... وذا حنين أم حياء وصان ضم حواشياً غدت سورة ... وقلب باقيه طبيب يدان لم يخش من شيء ولكنه ... إن طاح منه الرأس فالموت حان وهو رباعيّ ولكن إذا ... للربع تحسبه تجده ثمان وربعه الثاني فصحف ترى ... نبتاً بدا تلقاه قبل الأوان وما بقي منه بمقلوبه ... وهو الذي معناه في الصدر بان بينه واكشف سرّ ما قد خفي ... منه وحليه بعقد جمان لا زلت تسمو للعلا راقياً ... إلى مقام دونه الفرقدان ما حل لغزاً فاضل ذو ذكا ... بدرّ ألفاظ وسحر البيان

стр. 979

وله مشجراً عهدي على أني المقيم بعهده ... ولو أنه قدّ الفؤاد بقدّه بأبي وبي أفديه بدراً مشرقاً ... بدر السما أضحى لديه كعبده درى الثنايا تحت شفته بدا ... خال توارى من تلهب خدّه أصلى الفؤاد بنار وجد أضرمت ... لا تنطفي إلا بمرشف برده لي في هواه شواهد دلت على ... تلفى برقة خصره وببنده لا أنتهي عن حبه لو قطعت ... أحشاي من جور الغرام وصدّه هو بغيتي بل منيتي ومنيتي ... وضلال قلبي فيه غاية رشده وله مضمناً وتكللت وجنات من أحببته ... عرقاً ففاح المسك من نفحاتها وأتت عوارض حسنة تبدي لنا ... قسماً بروضة خدّه ونباتها وله من الدو بيت قوله من سيج ورد خده بالآس ... حتى مرضي أعياه طب الآسى أقسمت عليك بالهوى يا أملي ... دارك رمقي ولا تكن لي آسى ومن معمياته قوله في حسن يا أخا الوجد لو تعاين ما بي ... كنت ترثى لحالتي وشجوني وجه حبى مع الظعائن سارا ... فاتنالي وحاجب مقرون وقوله في يونس رب بدر سبي الأنام بحسن ... وبقد كغصن بان تثنى قالت الشمس منذ لاح مضيئاً ... هو أرقى من نور وجهي وأسنى وقوله في صالح بالروح أفديه حبيباً غدا ... ناء عن المضنى بلا ذنب من لحظه والقدّ لا تسألوا ... ما منهما قد حل بالقلب وله غير ذلك ولم أدر وفاته في أي سنة كانت غير أنه في سنة احدى عشرة ومائة وألف كان موجوداً رحمه الله تعالى. السيد محمد الكردي ابن عيسى الحسيني الحنفي الكردي الأصل القدسي هذا الأديب افتر ثغر الزمان عن درره وابتهج بما يبديه من لطائف نظامه ونثاره كان شاعراً فاضلاً له واسع اطلاع

стр. 980

وحسن نباهة وبداهة أحد أفراد مصره في عصره مجيد في النظام والأدب له اجتهاد في العلوم وباع ذكي الطبع حسن السمت حلو المسامرة يرغب في مسامرته الكرام والصدور وتبتهج بروائع رشحات أقلامه وجوه الصحائف والسطور وكان بالقدس ممن اشتهر بالفضائل خصوصاً بفنون الأدب وارتحل إلى الروم ولم يطل المكث هناك وعاد إلى بلدته وكان يلازم المسجد الأقصى ووالده أحد الصلحاء من العالم وولده المترجم نثره ونظمه كل منهما باللطافة والرقة ممزوج ومشمول فمما وصلني من ذلك ما كتبه إلى السيد فتح الله الفلاقنسي الدفتري بدمشق حين وفوده من الروم شمس العلا طلعت ولاح سناء ... وازدادت الأنوار والأضواء وبدا لنا بدر الضيا متلألئاً ... مذ قابلتنا الغرّة الغراء وانجاب عز وجه الشآم غمامه ... وبدا الصباح وزالت الظلماء وافترّ ثغر الدهر لما أن عرا ... أهل العداوة بالسرور بكاء وتقاربت نحو المنى آمالنا ... وتباعدت عن عيننا الأقذاء لبس الزمان أحاسن الحلل التي ... بجمالها تتزين الحسناء والأرض قد أبدت غلائل زينة ... وتكللت من فوقها الأنداء والكون يرقص من مزيد سروره ... رقصاً به قد طابت الخيلاء والروض مدّ بساط منثور على ... منظوم زهر قد علاه بهاء والنهر يجري فوق درّ ناصع ... هو للتمائم درّة عصماء وعصابة الأدباء كل قائل ... شعراً به تترنم الورقاء كل بباب الفتح طاف مبشراً ... بسلامة هي للأنام شفاء من لا تفي البلغا بمدحته ولو ... بجميع أصناف المدائح جاؤا عادت بعودك للأنام حياتهم ... فالآن سائر من يرى أحياء لولا بشير البشر بشرّنا لما ... زار العيون وحقك الأغفاء قد غم كل منافق ومداهن ... وسرت إلى سرّائه الضراء وتفطرت أكباد حسد نعمة ... وتقطعت فزعاً لهم أمعاء وتسر بلواً بالخزي في درك الشقا ... ما ثم فوق شقا الحسود شقاء تجري الدما منهم على وجناتهم ... فلذاك عين وجودهم عمياء فطعامهم بعد النفائس أنفس ... وشرابهم بعد الزلال دماء ووجوههم مصفرّة مما بهم ... وكذا تنفسهم هو الصعداء ما بالهم يبغون سوأ للذي ... بالجود منه تذهب الأسواء

стр. 981

ما بالهم يبغون غماً للذي ... بندى يديه تخصب الأرجاء يكفي الحسود بأن سحنة وجهه ... بين الخلائق غمة سوداء هل يستوي صبح وليل أليل ... والدرّ ليس كمثله الحصباء يا أكمل الرؤساء لا مستثنياً ... أحداً إذا ما عدّت الرؤساء يكفيك يا عين الأماجد والعلا ... حمد ومدح رفعة وعلاء قد أجمع العقلاء إنك أوحد ... وسواك يا روح العلا غوغاء لا رأى يلفي مثل رأيك صحة ... منه استضاءت في الورى آراء ما كل من ولي المناصب ماجد ... كلا ولا كل الشموس ذكاء ضاقت صدور بني المراتب بالذي ... قد أودعوه وصدرك الدهناء أنت الصباح لنا وغيرك عندنا ... ليل وغرّة وجهك اللألاء ولأنت في سعد السعود لدى المدى ... والضدّ في وادي العنا عوّاء غلبت طباعك كل طبع مائل ... وتباعدت عن عرضك الأسواء في الله لم تأخذك لومة لائم ... كلا ولا مالت بك الأهواء لك نعمة عند الورى خضراء ... ويد لعفة كفها بيضاء سدت الأنام بها بغير مشارك ... والناس فيما دونها شركاء بل سدتهم من كل وجه لا كمن ... قد سوّدته بيننا الصفراء قد أطبق الأجماع أنك وجهة ... قد قلدتها السادة الحنفاء شهدت لك الأعدا بفضل زائد ... والفضل ما شهدت به الأعداء وإليك يا بحر النوال عروسة ... عذراء زفت بالثنا وطفاء وفدت تقنع رأسها بردائها ... خجلاً ويعلو وجهها استحياء وقفت بباب الفتح إن يك منعماً ... بقبولها زادت لها النعماء إن أبطأت عن لثم كفك لا تقل ... يكفي الذي قد خلف الابطاء وأقبل لنائية الديار مسامحاً ... فأخو النباهة دأبه الأغضاء لا زلت في مجد وسعد دائماً ... ما نقطت وجه الربا الأنواء ومن نثره لما هتف بريد السعد وأعلن بشير الجد والمجد وتزايد وافر الشوق والوجد وسرت إذ سرت مسرة الفتح المبين ماست عروس الشام في حلل الجمال وقبلها البهاء من الجبهة إلى الخلخال وعلت روضة النيرين على النيرين بأفق الكمال وتناهت وتباهت بذروة العزة والتمكين وقامت خطباء الطير على منابر الغصون وهتفت سواجع الورق فحركت

стр. 982

سواكن الشجون وأطرب فأعرب كل صادح بلحن غير ملحون ونادى منادي المجد بنادي السعد أهلاً بفخر القادمين تفطرت أكباد الأعداء والحساد وأشرقت أرجاء الوهاد والمهاد واطمأنت القلوب وتلت ألسن العباد والعباد فرحاً بنيل الأماني والتهاني ادخلوها بسلام آمنين هذا أجل ما تنظره العيون وترقبه هواجس الخواطر والظنون وتطلبه الحامدون الراكعون الساجدون على رغم أنف كل حسود هو في هاوية الغيظ رهين فلله الحمد على نعمه العميمة وأجلها هذه النعمة العظيمة وله الشكر على سننه الكريمة التي قرت بها أعين المحبين وبعد لثم الأعتاب السنية أقبل بناديكم كل راحة ندية وأهدى أكمل تحيات وتكريمات ندية لكل أخ وعم وأبنائهم وتابع وخدين أدام الله تعالى حفظ الجميع وأبقاكم على ذروة العز الرفيع وخلد أعداءكم في الحضيض الوضيع بجاه أشرف النبيين والمرسلين واستاذنا معدن العرفان والتحقيق سبط الحسنين وصفوة الصديق يهدي لكم وللأخوة وابن العم الشقيق مع دعاء ومدد مدى المدد بهما يتأبد التمكين ومولانا السيد فضل الله العلمي أجل مخلص يهدي التحية ودمتم ملاذاً للخائفين والطائفين والعاكفين أقبل كفا طالما كفت الأذى ... وقلدت الأعناق ما يوجب الشكرا فلثمي لتلك الخمس كالخمس واجب ... عليّ فصارت واجباتي بها عشرا أقول بعد لثم راحة تناولت زهر الكواكب ونابت عن الغيث فسحت وما شحت بخمس سحائب يا مولاي المتطول بأياديه المتفضل بما غمرتني غواديه المرتدي بأثواب الجلال المبتدئ بالعطاء قبل السؤال لم أستطع تمثيل حمدك ومدحك ولم أطق وصف ذرة من أفضالك ومنحك فلقد أتعرت مواردي ومناهلي وحملتني من حقائب الجود ما أثقل كاهلي كم من يد بيضاء قد أسديتها ... تثني إليك عنان كل وداد شكر الآله صنائعاً أوليتها ... سلكت من الأرواح في الأجساد ولما تشرفت العيون بكريكم المرسوم وأوصلنا داعيكم ما به مرسوم كل عن الشكر بناني ولساني وأعلن بالأدعية المقبولة جناني لأني كلما فرغت من شكر يد كثر مددها وصلتها بأياد جزيلة أعد منها ولا أعددها فلا تحدث لي بعدها زياده وأرفق بعبدك فقد ملك العجز قياده أنت الذي قلدتني نعماً ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا لا تسدينّ إليّ عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا وما عسى مادحك أن يقول يا من بهر بحسن مناقبه العقول المتكلم يعجز عن وصفك

стр. 983

يراعه والبليغ يقصر عن حصر وصفك باعه على أن كلاً لو استعار لساناً واتخذ الريح في نقل أخبارك ترجماناً أدركه الملال ولم يصل إلى غايتك وأعياه الكلال دون الوقوف عند نهايتك فالله يتولى مكافأتك بما هو أبلغ من شكر الناس ويمتع الأحباء ببقاء ذاتك التي جلت عن النعت والقياس آمين بجاه أشرف المرسلين وقال مادحاً له صبح المسرّات قد راقت زواهره ... ودوح روض المنى افترّت أزاهره وماست القضب سكري في خمائلها ... لما سقاها من الوسميّ باكره وعانق النهر قامات الغصون وقد ... سرّت دمشق بعصر راق سائره وقرّ مسجدها عيناً ببهجته ... وكاد من قبل أن تدمى محاجره وكاد يعوزه بسط الحصير به ... عند الحصور الذي جلت مآثره والآن يزهو بتعمير ويزهر من ... دروس علم وقد قامت شعائره يختال في برد الوشي البديع وقد ... ترنحت طرباً منه منايره وزانها في دجى الأسحار حسن دعا ... لناظر ماجد طابت سرائره الأوحد الفرد فتح الله خدن علا ... نسل الأماجد من زادت مفاخره ذو الحزم والعزم والرأي السديد وما ... تحيد عن غرض التقوى أوامره وهي طويلة وله غير ذلك وكانت وفاته بالقدس سنة خمس وسبعين ومائة وألف رحمه الله تعالى وأموات المسلمين. محمد الكناني ابن عيسى بن محمود بن محمد بن كنان الحنبلي الصالحي الدمشقي الخلوتي أحد العلماء الأتقياء والصلحاء العاملين ولد في سنة أربع وسبعين وألف ونشأ في كنف والده وأخذ عنه الطريق وأخذ على جماعة كالشيخ خليل الموصلي قرأ عليه حصة من جمع الجوامع في الأصول والرسالة الأندلسية في العروض وغيره من الأجلاء وحج إلى بيت الله الحرام واجتمع في المدينة المنورة بالأستاذ الشيخ إبراهيم بن حسن الكوراني وأخذ عنه الحديث ولما توفي والده صار مكانه شيخاً واستقام إلى أن مات ولازم الأذكار وألف التاريخ الذي جمعه بالحوادث اليومية وقد طالعته واستفدت منه وفيات وبعض أشياء لزمتني لتاريخ هذا وهو تاريخ يشتمل على الحوادث الصادرة في الأيام مع إيراد وفيات ومناسبات وفوائد وورد يوماً من الأيام مذاكرة بين الوالد وبينه في المعميات فذكر أنه يستخرج اسم هود من قوله تعالى ما من دابة إلا هو آخذ بناصيته واسم شهاب من قوله تعالى والليل إذا

стр. 984

يغشاها وكانت وفاته في سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف ودفن بسفح قاسيون بالصلاحية وتولى بعده المشيخة ولده الفاضل الشيخ محمد سعيد رحمه الله تعالى. محمد أمين المحبي ابن فضل الله بن محب الله بن محمد محب الدين بن أبي بكر تقي الدين بن داود المحبي الحموي الأصل الدمشقي المولد والدار الحنفي العلامة الأديب فريد العصر ويتيمة الدهر المفنن المؤرخ الذي بهر العقول بإنشائه البديع الذي ذل له البديع الفاضل الذكي اللوذعي الألمعي الشاعر الماهر الفائق الحاذق النبيه أعجوبة الزمان مع لطافة عجيبة وطلاقة غريبة ونكات ظريفة وشواهد لطيفة ولد بدمشق في سنة احدى وستين وألف ونشأ بها في كنف والده واشتغل بطلب العلم فقرأ على العلامة الشيخ إبراهيم الفتال والشيخ رمضان العطيفي والأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي والشيخ علاء الدين الحصكفي مفتي دمشق والشيخ عبد القادر العمري ابن عبد الهادي والشيخ نجم الدين الفرضي وأخذ طريق الخلوتية عن الشيخ محمد العباسي الخلوتي وأخذ بعض العلوم عن الشيخ محمود البصير الصالحي الدمشقي وأخذ عن الشيخ عبد الحي العسكري الدمشقي وأجاز له الشيخ يحيى الشاوي والشيخ محمد بن سليمان المغربي وأخذ بالحرمين عن جماعة من علمائهما منهم الشيخ حسن العجيمي المكي والشيخ أحمد النخلي المكي والشيخ إبراهيم الخياري المدني حين ورد من الشام وغيرهم ومهر وبرع وتفوق في فنون العلم وفاق في صناعة الانشاء البليغ ونظم الشعر وظهر فضله وكان يكتب الخط الحسن العجيب وألف مؤلفات حسنة بعد أن جاوز العشرين منها الذيل على ريحانة الشهاب الخفاجي سماه نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة والتاريخ لأهل القرن الحادي عشر سماه خلاصة الأثر في تراجم أهل القرن الحادي عشر ترجم فيه زهاء ستة آلاف وهو مشهور والمعول عليه في المضاف والمضاف إليه والمثنى الذي لا يكاد يتثنى وقصد السبيل فيما في لغة العرب من الدخيل والدر المرصوف في الصفة والموصوف وكتب حصة على ديوان المتنبي وحاشية على القاموس سماها بالناموس صادفته المنية قبل أن تكمل وكتاب أمالي وديوان شعر وغيرها من درر غرره وتحائف فكره ورحل للروم وللديار الحجازية وناب في القضاء بمكة ورحل للديار المصرية وناب في القضاء بمصر وحج بيت الله الحرام وولي تدريس المدرسة الأمينية بدمشق وبقيت عليه إلى وفاته قال الشمس الغزي في كتابه لطائف المنة اجتمعت به مرتين في خدمة والدي فإنه كان بينه وبين المترجم مودة أكيدة وسمعت من فوائده وشعره وكان قد أدركه الهرم بسبب استيلاء الأمراض عليه انتهى

стр. 985

قلت وله شعر لطيف وهو مشهور أودع غالبه في نفحته وتاريخه فلنذكر نبذة منه فمن ذلك قوله ألا في سبيل الله نفس وقفتها ... على محن الأشجان في طاعة الحب أعاني جوى من ذي ولوع بكيده ... إذا لم يمت بالصدّ يقتل بالعجب تخيرته من ألطف الغيد خلقة ... تكوّن بين الراح والمبسم العذب أبى القلب إلا أن يكون بحبه ... وحيداً على رغم النصيحة والعتب فلو فوّقت سهم المنون جفونه ... لقلب سوى قلبي تمنيته قلبي وكان له ترب بدمشق ألف بينهما المكتب وحبيب كان يرتع معه أيام الصبا ويلعب فكان فراقه عنده من أعظم ذنوب البين وفي المثل أقبح ذنوب الدهر تفريق المحبين فكتب هذه الأبيات وهي أول ما سمح به فكره من النظم لا كانت الدنيا وأنت بعيد ... يا واحداً أنا في هواه وحيد يا من لبست لهجره ثوب الضنى ... وخلعت برد اللهو وهو جديد وتركت لذات الوجود بأسرها ... حتى استوى المعدوم والموجود قسماً بما ألقى عليك من العدا ... ومحب وجهك في الورى محسود إن المحب كما علمت صبابة ... فالصبر ينقص والغرام يزيد ولقد ملأت القلب منك مهابة ... فعليّ منك إذا خلوت شهيد والحرص مذموم باجماع الورى ... إلا عليك فإنه محمود وقوله وأغيد يسكر عقل الغيد ... يصيد بالحسن قلوب الصيد فؤاده صوّر من حديد ... وقلبه أقسى من الجلمود مولى عظيم الفتك بالعبيد ... يغنيه حسنه عن الجنود سكر لحاظه بلا حدود ... يصدّو الهلاك في الصدود قد عاقه الثلج عن الورود ... ما الثلج إلا برص الوجود وقوله في بعض الأمراء بأبي وإن كان أبي سميذعاً ... خلقت يداه للشجاعة والندى راجعته في أزمة فكأنما ... جردت منه على الزمان مهندا ملك كريم كالنسيم لطافة ... فإذا دجا خطب قسا وتمرّدا أمواج إحسان أسرّة وجهه ... لصديقه وسيوف بأس للعدا كالبحر ينعم بالجواهر ساكناً ... كرماً ويأتي بالعجائب مزبدا
следующие страницы →