← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9610

شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري - الغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (1 172 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

قال الحافظ (١) : ((مناسبة هذا الحديث للترجمة أن التبليغ على نوعين: أحدهما – وهو الأصل -: أن يبلغه بعينه، وهو خاص بما يتعبد بتلاوته، وهو القرآن. وثانيهما: أن يبلغ ما يستنبط من أصول ما تقدم إنزاله، فينزل عليه موافقته فيما استنبطه، إما بنصه، وإما بما يدل على موافقته بطريق الأولى، كهذه الآية، فإنها اشتملت على الوعيد الشديد في حق من أشرك، وهي مطابقة للنص، وفي حق من قتل النفس بغير حق وهي مطابقة للحديث بطريق الأولى، لأن القتل بغير حق وإن كان عظيماً، لكن قتل الولد أشد قبحاً من قتل من ليس بولد القاتل، وكذا القول في الزناة، فإن الزنا بحليلة الجار أعظم قبحاً من مطلق الزنا. ويحتمل أن يكون نزول هذه الآية سابقا على إخباره ﷺ بما أخبر به، لكن لم يسمعها الصحابي إلا بعد ذلك. ويحتمل أن يكون كل من الأمور الثلاثة (٢) نزل تعظيم الإثم فيه سابقاً، ولكن اختصت هذه الآية بمجموع الثلاثة في سياق واحد مع الاقتصار عليها، فيكون المراد بالتصديق: الموافقة في الاقتصار عليها. فعلى هذا فمطابقة الحديث للترجمة ظاهرة جداً، والله أعلم (٣) ((واستدل أبو المظفر ابن السمعاني بآيات الباب وأحاديثه على فساد طريقة المتكلمين في تقسيم الأشياء إلى جسم وجوهر وعرض، وقالوا: الجسم: ما اجتمع من الافتراق، والجوهر: ما حمل العرض، والعرض: ما لا يقوم

стр. 1017

بنفسه، وجعلوا الروح من الأعراض، وردوا الأخبار في خلق الروح قبل الجسد، والعقل قبل الخلق (١) ، واعتمدوا على حدسهم، وما يؤدي إليه نظرهم، ثم يعرضون عليه النصوص، فما وافقه قبلوه، وما خالفه ردوه، ثم ساق الآيات ونظائرها مما فيه الأمر بالتبليغ. قال: وكان مما أمر بتبليغه التوحيد، بل هو أصل ما أمر به، فلم يترك شيئاً من أمور الدين أصوله، وقواعده، وشرائعه إلا بلغه، ثم لم يدع إلى الاستدلال بما تمسكوا به من الجوهر والعرض، ولا يوجد عنه ولا عن أحد من أصحابه من ذلك حرف واحد فما فوقه. فعرف بذلك أنهم ذهبوا خلاف مذهبهم، وسلكوا غير سبيلهم، بطريق محدث مخترع، لم يكن عليه رسول الله – ﷺ ، ولا أصحابه – ﵃. ويلزم من سلوكه العود على السلف بالطعن، والقدح، ونسبتهم إلى قلة المعرفة، واشتباه الطرق. فالحذر من الاشتغال بكلامهم، والاكتراث بمقالاتهم، فإنها سريعة التهافت، كثيرة التناقض، وما من كلام تسمعه لفرقة منهم إلا وتجد لخصومهم عليه كلاماً يوازيه، أو يقاربه، فكل بكل مقابل، وبعض ببعض معارض، وحسبك من قبيح ما يلزم من طريقهم أنا إذا جربنا على ماقالوه، وألزمنا الناس بما ذكروه، لزم من ذلك تكفير العوام جميعاً؛ لأنهم لا يعرفون إلا الاتباع المجرد. ولو عرض عليهم هذا الطريق ما فهمه أكثرهم، فضلاً عن أن يصير منهم صاحب نظر.

стр. 1018

وإنما غاية توحيدهم: التزام ما وجدوا عليه أئمتهم في عقائد الدين والعض عليها بالنواجذ، والمواظبة على وظائف العبادات، وملازمة الأذكار، بقلوب سليمة طاهرة عن الشبه والشكوك. فتراهم لا يحيدون عما اعتقدوه، ولو قطعوا إرباً إرباً، فهنيئاً لهم هذا اليقين، وطوبى لهم هذه السلامة. فإذا كفر هؤلاء، وهم السواد الأعظم، وجمهور الأمة، فما هذا إلا طي بساط الإسلام، وهدم منار الدين، والله المستعان)) (١) . وتقدم بعض ما يتعلق بذلك في أول الكتاب. ***** قال: ((باب قول الله تعالى: ﴿قُل فَأتُواْ بِالتَورَاةِ فَاتَلُوهَا﴾ . وقول النبي ﷺ : ((أعطي أهل التوراة، التوراة، فعملوا بها، وأعطي أهل الإنجيل، الإنجيل، فعملوا به، وأعطيتم القرآن، فعملتم به)) . قال الحافظ: ((مراده بهذه الترجمة: أن يبين أن المراد بالتلاوة: القراءة، وقد فسرت التلاوة بالعمل، والعمل من فعل العامل)) (٢) . أقول: مراده: بيان أن التلاوة والقراءة فعل العباد، وأن المتلو غير التلاوة، والمقروء غير القراءة، كما سبق بيانه. وهو ينوع الأدلة على ذلك ويكررها؛ ليتضح الأمر، ويتبين الحق؛ لأنه ﵀ قد ابتلي بمن يقول: التلاوة هي المتلو، والقراءة هي المقروء،

стр. 1019

وذلك غير مخلوق، ورمي بأنه يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، وقد صرح بأن ذلك كذب عليه. قال شيخ الإسلام: (إذا قرأ الناس كلام الله، فالكلام في نفسه غير مخلوق إذا كان الله قد تكلم به، وإذا قرأه المبلغ لم يخرج بذلك عن كونه كلام الله، فإن الكلام كلام من قاله مبتدئاً، أمراً يأمر به، أو خبراً يخبره، وليس هو كلام المبلغ له عن غيره، إذ ليس على الرسول إلا البلاغ المبين. وإذا قرأه المبلغ فقد يشار إليه من حيث هو كلام الله، فيقال: هذا كلام الله، مع قطع النظر عما بلغه به العباد من صفاتهم، وقد يشار إلى نفس صفة العبد، كحركته، وصوته، وقد يشار إليهما. فالمشار إليه الأول غير مخلوق؛ لأنه كلام الله، والمشار إليه الثاني مخلوق، لأنه صفة العبد، والمشار إليه الثالث ومنه ما هو مخلوق، ومنه ما ليس بمخلوق. وما يوجد في كلام الآدميين من نظير هذا، هو نظير صفة العبد، لا نظير صفة الرب. وإذا قال قائل: القاف في قوله تعالى: ﴿وَأقِم الصَّلاةَ لِذِكرِي﴾ كالقاف في قول الشاعر ((قفا نبك من ذكرى حبيب؟)) . قيل: ما تكلم الله به، وسمع منه، لا يماثل صفة المخلوقين. ولكن إذا بلغنا كلام الله، فإنما نبلغه بصفاتنا، وصفاتنا مخلوقة، والمخلوق يماثل المخلوق. وكلام المتكلم في نفسه واحد، فإذا بلغه المبلغون تختلف أصواتهم به، فإذا أنشد منشد قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. كان هذا الكلام كلام لبيد لفظه ومعناه، مع أن أصوات المنشدين له تختلف، وتلك الأصوات ليست صوت لبيد.

стр. 1020

وكذلك من روى حديث النبي – ﷺ – بلفظه، كقوله: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) كان هذا كلام رسول الله – ﷺ – لفظه ومعناه، ويقال لمن رواه: أدى الحديث بلفظه، وإن كان صوت المبلغ ليس هو صوت الرسول. فالقرآن أولى أن يكون كلام الله لفظه ومعناه، وإذا قرأه القراء فإنما يقرؤونه بأصواتهم. ولهذا قال الإمام أحمد، وغيره من أئمة السنة: من قال: اللفظ بالقرآن – أو لفظي بالقرآن – مخلوق، فهو جهمي، ومن قال: إنه غير مخلوق، فهو مبتدع؛ لأن اللفظ يراد به مصدر لفظ يلفظ لفظاً، وذلك فعل العبد، ويراد به القول الذي يلفظ به اللافظ، وذلك كلام الله، لا كلام القارئ، فمن قال: إنه مخلوق فقد قال: إن الله لم يتكلم بهذا القرآن، وإن هذا الذي يقرأه المسلمون ليس هو كلام الله. ومعلوم أن هذا مخالف لما علم بالاضطرار من دين الرسول. وأما صوت العبد فهو مخلوق، وقد صرح أحمد وغيره أن الصوت المسموع صوت العبد، ولم يقل قط: إن من قال: صوتي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، وإنما قال: من قال: لفظي بالقرآن، والفرق بينهما واضح. والفرق بين لفظ الكلام وصوت مبلغه فرق واضح. فكل من بلغ كلام غيره بلفظ ذلك الغير، فإنما بلغ لفظ ذلك الغير لا لفظ نفسه، وهو إنما بلغه بصوت نفسه، لا بصوت ذلك الغير. واللفظ، والقراءة، والتلاوة، والكتابة، ونحو ذلك، لما كان يراد به المصدر الذي هو حركات العباد، وما يحدث عنها من أصواتهم، وشكل المداد، ويراد به نفس الكلام الذي يقرأه التالي، ويتلوه، ويلفظ به، ويكتبه، منع أحمد وغيره من إطلاق النفي والإثبات الذي يقتضي جعل صفات الله مخلوقة، أو جعل

стр. 1021

صفات العباد ومدادهم غير مخلوق)) (١) . ومما يدل على أن التلاوة فعل التالي، وأنها غير المتلو: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿٩١﴾ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ (٢) ، أي: وأمرت أن أتلو القرآن. وقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ﴾ (٣) وغير ذلك من الآيات، فقد أمر الله عبده ورسوله بالتلاوة، كما أمره بالعبادة، فدل ذلك على أن التلاوة من العبادة التي يفعلها العبد، وتضاف إليه فعلاً له، ويثاب عليها، والأدلة على أن التلاوة غير المتلو كثيرة، قد ذكر المؤلف – ﵀ – جملة كبيرة منها في كتابه: ((خلق أفعال العباد)) بالإضافة إلى ما ذكره في هذا الكتاب. فمن ذلك قوله ﷺ : ((زينوا القرآن بأصواتكم (٤) وتقدم. وحديث البراء عن عازب: سمعت النبي – ﷺ – يقرأ في العشاء بالتين والزيتون، فما سمعت أحداً أحسن صوتاً، أو قراءة منه)) . فالقارئ يكون حسن الصوت وقبيح الصوت؛ لأنه فعله، وقد جعل الله اختلاف ألسنة الناس وألوانهم من الآيات الدالة عليه – تعالى – وعلى وجوب عبادته وحده، ولهذا اتفق العلماء على أنه لا يجوز الحلف بكلام أحد من الخلق؛ لأنه لا يجوز الحلف بالمخلوق، وكلامهم مخلوق. قال البخاري – رحمه الله تعالى -: ((وليس لأحد أن يحلف بالمخلوقين، ولا بأعمالهم ولا بكلامهم، ولا كلام الكفار والمنافقين، ولا بقول إبليس.

стр. 1022

فمن حلف بقول المجوس أو نحوهم لم يلزمه حنث. وإنما يذكر عن ابن مسعود، وإبراهيم، وعن النبي – ﷺ – مرسلاً: ((من حلف بسورة من القرآن فعليه بكل آية منها كفارة)) فأما أصوات المخلوقين فليس فيها كفارة)) (١) . وقال: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر – ﵄: كان في خاتم رسول الله – ﷺ : ((محمد رسول الله)) . وقد كتب النبي – ﷺ – كتاباً فيه: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) وقرأه ترجمان قيصر، على قيصر وأصحابه. ولا نشك في قراءة الكفار، وأهل الكتاب، أنها أعمالهم، وأما المقروء فهو كلام الله العزيز المنان، ليس بمخلوق، فمن حلف بأصوات قيصر، وبنداء المشركين الذين يقرون بالله، لم يكن عليه يمين دون الحلف بالله؛ لقول النبي – ﷺ : ((لا تحلفوا بغير الله)) . وليس لأحد أن يحلف بالخواتيم، والدراهم البيض (٢) ، وألواح الصبيان التي يكتبونها، ثم يمحونها مرة بعد مرة، وإن حلف، فلا يمين عليه؛ لقوله : ﴿فَلاَ تَجْعلُواْ للهِ أَندَاداً﴾ (٣) . وقال: ((فإن احتج محتج فقال: قد روي ((إن فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه)) . قيل له: لو صح هذا الخبر لم يكن لك فيه حجة؛ لأنه قال: ((كلام الله)) ، ولم يقل: قول العباد المؤمنين والمنافقين، وأهل الكتاب، الذين يقرءون بسم الله الرحمن الرحيم، وهذا واضح بيَّن عند من كان عنده أدنى معرفة، أن القرآن غير المقروء.

стр. 1023

وليس لكلام الفجرة وغيرهم فضل على كلام غيرهم، كفضل الخالق على المخلوق، وتبارك ربنا وتعالى وعز وجل عن صفة المخلوقين. وإن قال قائل: فقد روي عن النبي – ﷺ : ((إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه)) . قيل له: أليس القرآن خرج منه، فخروجه منه ليس كخروجه منك، إن كنت تفهم، مع أن هذا الخبر لا يصح؛ لإرساله وانقطاعه. فإن قال: فإن لم يكن الذي يتكلم به العبد قرآناً، لِمَ تُجْزِهِ صلاته؟ قيل له: قال النبي – ﷺ : ((لا صلاة إلا بقراءة)) . وقال أبو الدرداء: سئل النبي – ﷺ : أفي كل صلاة قراءة؟ فقال: ((نعم)) . والقراءة هي التلاوة، والتلاوة غير المتلو، وقد بينه أبو هريرة، عن النبي – ﷺ – قال: ((اقرءوا إن شئتم، يقول العبد: ((الحمد لله رب العالمين)) فيقول الله: حمدني عبدي، يقول العبد: ((الرحمن الرحيم)) يقول الله – : ((أثنى عليّ عبدي)) ، يقول العبد: ((مالك يوم الدين)) يقول الله: مجدني عبدي، يقول العبد: ((إياك نعبد وإياك نستعين)) ، يقول الله: هذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل)) . فبيَّن أن سؤال العبد غير ما يعطيه الله للعبد، وأن قول العبد غير كلام الله، هذا من العبد الدعاء والتضرع، ومن الله الأمر والإجابة. وسئل النبي ﷺ : أي الصلاة أفضل؟ قال: ((طول القنوت)) . فذكر النبي ﷺ أن بعض الصلاة أطول من بعض، وأخف، وأن بعضهم يزيد على بعض في القراءة، وبعضهم ينقص، وليس في القرآن زيادة ولا نقصان، وأما التلاوة فإنهم يتفاضلون في الكثرة والقلة، والزيادة

стр. 1024

والنقصان، وقد يقال: فلان حسن القراءة، أو رديء القراءة، ولا يقال حسن القرآن، أو رديء القرآن، وإنما نسب إلى العباد القراءة، لا القرآن؛ لأن القرآن كلام الله – ، والقراءة فعل العبد، ولا يخفي هذا القدر إلا على من أعمى الله قلبه (١) . قال: ((وأما قوله: ((فهل يرجع إلى الله إلا باللفظ الذي تلفظ به)) (٢) فإن كان الذي تلفظ به قرآناً فهو كلام الله؟ قيل له: ما قولك: تلفظ به؟ فإن اللفظ غير الذي تلفظ به؛ لأنك تلفظت بالله، وليس الله هو لفظك، وكذلك تلفظ بصفة الله، تقول: الله، وليس قولك: الله، هو الصفة، وإنما تصف الموصوف، فأنت الواصف، والله الموصوف بكلامه، كالواصف الذي يصف بكلام غير الله، وأما الموصوف بصفته وكلامه فهو الله)) (٣) . يعني: أن الذي يقرأ كلام الله، فما يلفظ به هو كلام الله، وليس هو كلام القارئ، وإنما للقارئ حركة لسانه وشفتيه وصوته، وذلك فعله. وإذا قرأ صفة الله في القرآن التي وصف الله بها نفسه، فليس القارئ هو الواصف لله – تعالى – وإنما يتلفظ بصفة الله التي قالها الله – تعالى – واصفاً بها نفسه. ((قال الضحاك: لم يحرم الله على بني إسرائيل طعاماً، وإنما حرموه على أنفسهم اتباعاً لأبيهم، ثم أضافوا تحريمه لله – – فكذبهم الله – تعالى – فقال: ﴿قُل فَأتُواْ بِالتَورَاةِ﴾ أي: قل يا محمد لهم: ائتوا بالتوراة، التي فيها التحريم والتحليل ﴿فَاتَلُوهَا﴾ أي: فاقرءوها؛ حتى يتبين

стр. 1025

ما قلتم، ﴿إِن كُنتُم صَادِقينَ﴾ ، فيما ادعيتم، فلم يأتوا بها؛ خوفاً من الفضيحة)) (١) فالتلاوة في هذه الآية هي القراءة، وهي فعل العبد وعمله، والمتلو كتاب الله وكلامه. قوله: ((وقول النبي – ﷺ : ((أعطي أهل التوراة التوراة)) إلى آخره، معنى ((أعطي)) هنا: أنزل عليهم، أي: أنزل الله التوراة على موسى، فعمل بها قومه، باتباعها وتلاوتها للتفهم والتعبد. وأنزل الله الإنجيل على عيسى، فعمل به من شاء الله أن يعمل من النصارى بأن آمنوا به واتبعوه، وقرؤوه للفهم والعبادة ومثل ذلك أهل القرآن، ففي ذلك دليل على أن التلاوة من عمل العباد، وكسبهم، وأنها غير المتلو، كما تقدم إيضاح ذلك. قوله: ((وقال أبو رزين: يتلونه حق تلاوته: يعملون به حق عمله)) . أبو رزين هو: مسعود بن مالك الأسدي الكوفي، من كبار التابعين. ومعنى ذلك أن التلاوة، يراد بها القراءة كما سبق، ويراد بها الاتباع والعمل. قال الراغب: ((التلاوة تختص باتباع كتب الله المنزلة، تارة بالقراءة، وتارة بالارتسام لما فيها من أمر ونهي، وترغيب وترهيب وهو أخص من القراءة، فكل تلاوة قراءة، وليس كل قراءة تلاوة)) (٢) .

стр. 1026

وقال الأزهري: ((قال الليث: يقال: تلا يتلو، يعني: قرأ، قراءة، وتلا: إذا تبع، فهو تال، أي: تابع)) (١) . ((وقال أبو زيد في قوله – : ﴿يَتلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتهِ﴾ قال: يتبعونه حق اتباعه. وقال مجاهد: يعملون به حق عمله. وقال ابن عباس: يتبعونه حق اتباعه، فيعملون به حق عمله. وقال أبو عبيدة في قوله: ﴿وَاتَّبعُواْ مَا تَتلُواْ الشَّياطِينُ﴾ قال: ما تتكلم به، كقولك: يتلو فلان كتاب الله، أي: يقرؤه، ويتكلم به. وقال عطاء: ﴿مَا تَتلُواْ الشَّياطِينُ﴾ : ما تحدث، وما تقص)) (٢) . فتبين بهذا أن التلاوة تطلق على القراءة، وعلى الاتباع، وإذا قيل: تلاه حق تلاوته، يكون المعنى: عمل به حق عمله، يعني: العمل الكامل والاتباع في كل ما جاء به. قوله: ((يقال: يتُلىَ: يُقرأ)) هذا تفسير لقوله تعالى: ﴿أَنَّا أَنزَلنَا عَلَيكَ الكِتَابَ يُتلَىَ عَلَيهِم﴾ أي: يقرأ عليهم. قال ابن جرير: ﴿يُتلَىَ عَلَيهِم﴾ يقرأ عليهم، وذكر بسنده إلى يحيى بن جعدة أن ناساً من المسلمين، أتوا نبي الله – ﷺ – بكتب قد كتبوا فيها بعض ما يقول اليهود، فلما نظر فيها ألقاها، ثم قال: ((كفى بها حماقة قوم – أو ضلالة قوم – أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم، إلى قوم غيرهم)) فنزلت: ﴿أَوَلَم يَكفِهم أَنَّا أَنزَلنَا عَلَيكَ الكِتَابَ يُتلَىَ عَلَيهِم

стр. 1027

إِنَ فيِ ذَلِكَ لَرَحمَةً وَذِكرَى لِقَومٍ يُؤمِنُونَ﴾ (١) . ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَستَفتُونَكَ فِي النِسَاءِ قُلِ اللهُ يُفتِيكُم فِيهِنَّ وَمَا يُتلَىَ عَلَيكُم فِي الكِتَابِ فِي يَتَامَى النّسَاءِ﴾ ، والذي يتلى عليهم هو آيات الفرائض من المواريث وغيرها. قال الحافظ: ((هذا الذي ذكر البخاري هو كلام أبي عبيدة في كتاب مجاز القرآن: ﴿يُتلَىَ عَلَيهِم﴾ يقرأ عليهم. وقوله: ﴿وَمَا كُنتَ تَتلُواْ مِن قَبلِهِ مِن كِتَابٍ﴾ ما كنت تقرأ كتاباً قبل القرآن)) (٢) . أقول: الآية التي ذكرها البخاري لم يتكلم عليها أبو عبيدة في كتابه مجاز القرآن، وهذه التي ذكرها غير تلك، فكيف يقال: إن ما ذكره البخاري هو كلام أبي عبيدة؟ وإن كان نظيراً له فليس هو (٣) . قوله: ((حسن التلاوة: حسن القراءة للقرآن)) . يعني: أن التلاوة فعل العباد، وليس هي المتلو، ولهذا يوصف التالي بأنه حسن التلاوة، أو سيئها، ولا يجوز أن يوصف القرآن بذلك. قال البخاري – ﵀: ((القراءة لا تكون إلا من الناس، وقد تكلم الله بالقرآن من قبل، وكلامه قبل خلقه)) . وسئل النبي – ﷺ : أي الصلاة أفضل؟ قال: ((طول القنوت)) ثم ذكر ماتقدم قريباً (٤) .

стр. 1028

قوله: ((لا يمسه)) لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن، ولا يحمله بحقه إلا الموقن؛ لقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) يعني: أن الطهارة المذكورة في قوله - تعالى - ﴿لاَّ يَمَسُهُ إِلا المُطَهَّرُونَ﴾ هي الطهارة من الشرك، والكفر، والغفلة والإعراض، ويتبع ذلك الذنوب. قال الفراء: ((ويقال: لا يمسه: لا يجد طعمه ونفعه إلا المطهرون، من آمن به)) (٢) . ((وهذا من باب الاعتبار والقياس؛ لأنه إذا كان ورق المصحف لا يمسسه إلا المطهرون، فمعانيه لا يهتدي بها إلا القلوب الطاهرة. ومثل هذا قول النبي ﷺ : ((لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب)) فإذا كان الملك لا يدخل البيت الذي فيه كلب، فكذلك المعاني التي تحبها الملائكة لا تدخل القلب الذي فيه أخلاق الكلاب)) (٣) . قال الحافظ: ((حاصل هذا التفسير، أن معنى: لا يمس القرآن: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به، وأيقن بأنه من عند الله، فهو المطهر من الكفر، ولا يحمله بحقه إلا المطهر من الجهل والشك، لا الغافل عنه الذي لا يعمل [به] فيكون كالحمار الذي يحمل ما لا يدريه)) (٤) . ((وعلى القول بأن المراد بقوله تعالى: ﴿لاَّ يَمَسُهُ إِلا المُطَهَّرُونَ﴾

стр. 1029

هو اللوح المحفوظ، أو المصحف، فكما أن اللوح المحفوظ الذي كتب فيه حروف القرآن لا يمسه إلا بدن طاهر، فكذلك معاني القرآن لا يذوقها إلا القلب الطاهر، وهو قلب المتقي. وهذا قول طائفة من السلف)) (١) . ((والصحيح أنه يجب الوضوء لمس المصحف، وهو مذهب الأئمة الأربعة؛ لما في الكتاب الذي كتبه النبي – ﷺ – لعمرو بن حزم، وفيه ((وأن لا يمس القرآن إلا طاهر)) . وقال الإمام أحمد: لا شك أن النبي – ﷺ – كتبه له. وهذا هو المعروف عن الصحابة، سعد، وسلمان، وابن عمر)) (٢) . واختلف أقوال السلف في المراد بالكتاب، وبالمطهرين: فقيل: الكتاب هو: ما بأيدي الملائكة، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَن شَاء ذَكَرَهُ ﴿١٢﴾ فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ ﴿١٣﴾ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ ﴿١٤﴾ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ﴿١٥﴾ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ ، وهذا اختيار الإمام مالك، فعلى هذا يكون المراد بالمطهرين: الملائكة. وقيل: المراد بالكتاب: المصحف الذي كتب فيه القرآن. وقال القرطبي: وهو الأظهر، واستدل بما في كتابه – ﷺ – لعمرو بن حزم، وبحديث ابن عمر: أن النبي – ﷺ – قال: (لا تمس القرآن إلى وأنت طاهر)) وبقول أخت عمر له، لما دعا بالصحيفة قبل أن يسلم: ((لا يمسه إلا المطهرون)) (٣) . وقال ابن كثير: ((وقال آخرون: ﴿لاَّ يَمَسُهُ إِلا المُطَهَّرُونَ﴾ من الجنابة والحدث، فلفظ الآية خبر، ومعناها الطلب)) . والمراد بالقرآن ها هنا: المصحف، كما روى مسلم، أن رسول الله ﷺ – نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن يناله العدو)) . واحتجوا

стр. 1030

بما في كتاب عمرو بن حزم، وبما روى أبو داود في المراسيل من حديث الزهري، قال: قرأت في صحيفة عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن رسول الله – ﷺ – قال: ((ولا يمسن القرآن إلا طاهر)) . وهذه وجادة جيدة، ومثل هذا ينبغي الأخذ به. وقد أسنده الدارقطني، عن عمرو بن حزم، وعبد الله بن عمر، وعثمان بن أبي العاص، وفي إسناد كل منها نظر)) (١) . ((قال ابن عبد البر: كتاب ابن حزم روي مسنداً من وجه صالح، وهو كتاب مشهور عند أهل السير، معروف عند أهل العلم، معرفة يستغنى بها في شهرتها عن الإسناد)) (٢) . قوله: ((وسمى النبي – ﷺ : الإسلام والإيمان والصلاة: عملاً)) . قال الحافظ: ((أما تسمية الإسلام عملاً، فاستنبطه من حديث سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام، فقال النبي ﷺ : ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله، وقال عن الإسلام: أن تسلم وجهك لله وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)) الحديث. فسمى الإيمان، والإسلام، والصلاة بقراءتها، وما فيها من حركات الركوع والسجود فعلاً)) (٣) . قلت: الظاهر أن مراده: ما ذكره في ((خلق أفعال العباد)) ، حيث قال: حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة – ﵁ – قال: سئل النبي – ﷺ : أي الأعمال أفضل؟

стр. 1031

قال: ((إيمان بالله، وجهاد في سبيله)) ، ورواه في ((الصحيح)) من حديث أبي ذر، في العتق، في باب أي الرقاب أفضل، ورواه في كتاب الإيمان، باب من قال: إن الإيمان هو العمل؛ لقوله تعالى: ﴿وَتِلكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثتُمُوهَا بِمَا كُنتُم تَعمَلُونَ﴾ وفي أماكن أخر، وسيأتي في آخر الكتاب. وقال بعد ما ذكره في ((خلق أفعال العباد)) : ((فجعل النبي – ﷺ – الإيمان والتصديق، والجهاد، والخير، عملاً)) (١) . وهذا واضح جداً، ولم يختلف فيه أهل السنة، وهو دليل على أن القراءة ليست هي المقروء؛ لأنها من عمل القارئ الذين يؤجر عليه. وإذا ثبت أن الإيمان من عمل المؤمن، فمثله الإسلام؛ لأن الرسول – ﷺ – جعل الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت. وأما كون الصلاة عملاً فهو ظاهر جداً. قوله: ((وقال أبو هريرة: قال النبي – ﷺ – لبلال: ((أخبرني بأرجى عمل عملته في الإسلام؟ قال: ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر إلا صليت) . ذكر هذا الحديث بسنده موصولاً في مناقب بلال، ووجه الدلالة منه: أنه سمى الصلاة عملاً، مع ما فيها من القراءة والتكبير، والتسبيح والتحميد، وغير ذلك. قوله: ((وسئل: أي العمل أفضل؟ قال: ((إيمان بالله ورسوله، ثم جهاد، ثم حج مبرور)) . تقدم قريباً، والاستدلال به واضح، فإنه جعل الإيمان والجهاد والحج عملاً. *****

стр. 1032

١٥٨- قال: ((حدثنا عبدان، أخبرنا عبد الله، أخبرنا يونس، عن الزهري، أخبرني سالم، عن ابن عمر – ﵄ – أن رسول الله – ﷺ – قال: ((إنما بقاؤكم فيمن سلف من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة، التوراة، فعملوا بها حتى انتصف النهار، ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتي أهل الإنجيل، الإنجيل، فعملوا به حتى صليت العصر، ثم عجزوا، فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتيتم القرآن فعملتم به حتى غربت الشمس، فأعطيتم قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتاب: هؤلاء أقل منا عملا، وأكثر أجرا؟ قال الله: هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا. فقال: فهو فضلي أوتيه من أشاء)) . تقدم هذا الحديث في باب المشيئة والإرادة، ومعنى قوله: ((إنما بقاؤكم فيمن سلف من الأمم)) أن بقاء هذه الأمة في الدنيا كنسبة ما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس بالنسبة لليوم. فالمعنى: أن مدة هذه الأمة بالنسبة إلى من سبقها من الأمم قليلة. وإذا كان مدة مجموع الأمة قليلة، لزم أن يكون عمر كل فرد منها قصيراً، وكأن الحديث قصد به الإخبار بقلة بقاء هذه الأمة في الدنيا، وبكثرة أجرها، وفضلها، ولذلك ضرب المثل لها ولأهل الكتاب؛ لأن اليهود والنصارى، وهذه الأمة كلهم أعطوا كتبا جاءتهم من الله ليعملوا بها، ورواية الترمذي توضح ذلك، ونصها: ((إنما أجلكم فيما خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغارب الشمس، وإنما مثلكم، ومثل اليهود والنصارى، كرجل استعمل عمالاً، فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط، فعملت اليهود على قيراط قيراط.

стр. 1033

ثم أنتم تعملون من صلاة العصر إلى مغارب الشمس على قيراطين قيراطين، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر أعمالاً، وأقل عطاء؟ قال: هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا. قال: فإنه فضلي أوتيه من أشاء)) هذا حديث حسن صحيح)) (١) . ففي هذا أنه ﷺ أخبر عن شيئين: أحدهما: مدة بقاء هذه الأمة في الدنيا بالنسبة لمن سبقها من الأمم، وأنه مثل نسبة ما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس بالنسبة لليوم الكامل. والثاني: مثل هذه الأمة، ومثل اليهود والنصارى، فعلى هذا لا يكون قوله: ((أوتي أهل التوراة)) إلى آخره شرح وتفصيل لما تقدم، كما قاله الحافظ، وإنما هو كلام مستأنف، أريد به بيان فضل هذه الأمة على اليهود والنصارى، وكثرة أجورها. قوله: ((أوتي أهل التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار، ثم عجزوا)) كأنه أريد منهم أن يعلموا جميع النهار، ولهذا قال: ((ثم عجزوا)) أي: عن العمل بقية النهار. قوله: ((فأعطوا قيراطاً قيراطاً)) أي: كل فرد منهم أعطي قيراطاً. قوله: ((ثم أوتي أهل الإنجيل)) إلى آخره، مثل سابقه. ((ثم أوتيتم القرآن فعملتم به حتى غربت الشمس)) أي: أن هذه الأمة أكملت العمل الذي طلب من اليهود والنصارى فعجزوا عن أدائه، فلذلك أعطوا ضعفي ما أعطي من قبلهم من الأجر. ويفهم منه أن هذه الأمة يستمر عملها بالقرآن إلى قيام الساعة؛ لأنه

стр. 1034

قال: ((فعملتم به حتى غربت الشمس)) ، كما يدل على حسد اليهود والنصارى للمسلمين على ما هم عليه من الحق، ويدل على عظم فضل الله على هذه الأمة. والمقصود منه في هذا الباب قوله: ((أوتي أهل التوراة) إلى آخره. فإنه يدل على أن العمل فعل العباد، ومن ذلك قراءة الكتاب الذي أوتوه، وتلاوته، وأن ما يعطيه الله العبد غير عمله، بل هو جزاء عمله. وكذلك الكتاب الذي آتاه الله اليهود والنصارى، والمسلمين ليس هو عملهم وتلاوتهم، فالذي أوتوه وحي أنزله الله على رسله إليهم، وعملهم به هو فعلهم من تلاوته، وامتثال أوامره، والانتهاء عن مناهيه. قال في ((خلق أفعال العباد)) : ((باب قول الله : ﴿فَأتُواْ بِالتَّوراةِ فَاتلُوهَاَ إِن كُنتُم صَادِقِينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَمِن آيَاتِهِِ خَلقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَاختِلافُ أَلسِنتِكُم وَأَلوانِكُم﴾ فمنها العربي، ومنها العجمي، فذكر اختلاف الألسنة والألوان، وهو كلام العباد، وقال تعالى: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لّيِ عَمَليِ وَلَكُم عَمَلُكُم أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعمَلُ وَأَنَا بَرِئٌ مِمَّا تَعمَلُونَ﴾ . وقال النبي – ﷺ : ((رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل يقول: لو أوتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت كما يفعل)) . فبين أن قيامه بالكتاب هو فعله. وقال الله تعالى: ﴿وَافعَلوُاْ الخَيرَ﴾ . فأثبت الخير منهم فعلاً)) (١) . معنى: قيام العبد بالكتاب هو: فعل العبد الذي يجازى عليه، وليس هو الكتاب، وبهذا يتضح مراده بهذه النصوص. *****

стр. 1035

قال: ((باب: وسمى النبي – ﷺ – الصلاة عملاً. وقال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) . يعني: أن الصلاة فعل من أفعال العباد، وفيها قراءة القرآن، وأقل ذلك قراءة الفاتحة؛ لأن الصلاة لا تصح بدون قراءة الفاتحة، فتبين بذلك أن القراءة ليست هي المقروء، وإنما هي عمل العبد وفعله وكسبه، فالقراءة من جملة الصلاة، وقد سمى النبي – ﷺ – الصلاة كلها عملاً. ***** ١٥٩- قال: ((حدثني سليمان، حدثنا شعبة، عن الوليد، وحدثني عباد بن يعقوب الأسدي، أخبرنا عباد بن العوام، عن الشيباني، عن الوليد بن العيزار، عن أبي عمرو الشيباني، عن ابن مسعود – ﵁ – أن رجلا سأل النبي – ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله)) . الرجل السائل هو ابن مسعود كما صرح به في الرواية الأخرى. وهو يدل على حرص الصحابة على فعل الأفضل، وتحريهم الأعمال الفاضلة في التقديم؛ لأن عمر الإنسان قصير، وربما شغل عن كثير من العمل، وفي كثير من الأوقات. قال ابن دقيق العيد: ((سؤاله عن أفضل الأعمال طلبا لمعرفة ما ينبغي تقديمه، وحرصا على معرفة الأصل؛ ليتأكد القصد إليه، وتشتد المحافظة عليه، ولعله أراد بالأعمال هنا: الأعمال البدنية، كما قال الفقهاء: ((أفضل عبادات البدن: الصلاة)) ، فلا تكون أعمال القلوب داخله فيه، فعلى هذا لا تعارض بينه وبين حديث أبي هريرة: ((أفضل الأعمال إيمان بالله)) (١) .

стр. 1036

وقال الحافظ: ((محصل ما أجاب به العلماء عن الأحاديث التي اختلفت فيها الأجوبة، بأن كل واحد منها أفضل الأعمال، أن الجواب اختلف؛ لاختلاف أحوال السائلين، بأن أعلم كل قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبة، أو بما هو لائق بهم. أو كان الاختلاف، باختلاف الأوقات، بأن يكون العمل في وقت أفضل منه في غيره، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال، أو أن ((أفضل)) ليست على بابها، بل المراد بها الفضل المطلق)) (١) . ((الصلاة لوقتها)) يعني: في الوقت الذي عينه الشارع، وهو وقت الاختيار. وبر الوالدين: التوسع في الإحسان إليهما، وضده العقوق. ويراد بالبر أيضا التوسع في فعل الطاعة، كما في قوله تعالى: ﴿ٍ لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ إلى آخر الآية (٢) . والجهاد: استفراغ الوسع وبذل الجهد في قتال العدو ومدافعته، وهو ثلاثة أنواع: جهاد العدو الظاهر من الكفار وغيرهم. وجهاد العدو الخفي، وهو الشيطان، وجهاد النفس، وكلها يشملها الحديث، وتدخل في قوله تعالى: ﴿وَجَهِدُواْ بِأَموَالِكُم وَأَنفُسِكُم فِي سَبِيِل اللهِ﴾ وغير ذلك من النصوص الآمرة بالجهاد. والمقصود من الحديث هنا: تسمية الصلاة عملاً، حيث أجاب النبي – ﷺ –

стр. 1037

السائل الذي قال: أي الأعمال أفضل؟ فقال: ((الصلاة لوقتها)) فجعلها عملاً، ومعلوم أن الصلاة فيها قراءة القرآن، فدل على أن القراءة من عمل العبد؛ لأنها فعل القارئ، كما سبق، وتقدم نقل كلام البخاري في هذا، وقوله: ((قد بين النبي ﷺ أن سؤال العبد غير ما يعطيه الله للعبد، وأن قول العبد غير كلام الله، هذا من العبد الدعاء والتضرع، ومن الله الأمر والإجابة. والقراءة لا تكون إلا من الناس، وقد تكلم الله بالقرآن من قبل، وكلامه قبل خلقه)) (١) . يعني: أنه جعل القراءة إلى إرادة المخاطبين في قوله: ((إذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي، وقول العبد: الحمد لله)) الخ، هي قراءته، فهو يقرأ الفاتحة، وهي من كلام الله - تعالى -. وقوله: ((وقد تكلم الله بالقرآن من قبل، وكلامه قبل خلقه)) يعني: جنس الكلام؛ لأن الكلام هو الذي يوجد به الخلق عندما يقول الله له: كن، يكون موجوداً، ولا يدل ذلك على أن القرآن قديم، كما يقول أهل البدع، فالله تكلم بالقرآن ثم أنزله على رسوله ﷺ . قال: باب قول الله - تعالى -: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴿١٩﴾ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴿٢٠﴾ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ هلوعاً: ضجوراً. قال ابن جرير: ((الهلع: شدة الجزع، مع شدة الحرص والضجر)) وروى بسنده عن بن عباس: ((الهلع هو: الجزوع الحريص، وعن سعيد بن جبير: هلوعاً: شحيحاً جزوعاً.

стр. 1038

وعن عكرمة: ضجوراً، وقال الضحاك: بخيل منوع للخير، جزوع إذا نزل به البلاء)) (١) . وقال الفراء: ((الهلوع: الضجور، وصفته كما قال الله – تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴿٢٠﴾ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ فهذه صفة الهلوع. ويقال منه: هلع، يهلع هلعاً، مثل جزع، يجزع جزعاً)) (٢) . وقال المبرد: ((الهلع: من الجبن عند ملاقاة الأقران، يقال: نعوذ بالله من الهلع. ويقال: رجل هلوع، إذا كان لا يصبر على خير، ولا شر، حتى يفعل في كل واحد منهما غير الحق، قال تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴿١٩﴾ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴿٢٠﴾ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ (٣) . وكل هذه الأقوال متفقة في المعنى، والمعنى: أن هذه الأوصاف المذكورة خلقت في الإنسان، ولكنها فعله الذي يصدر منه عن إرادته، فيلام عليها أو يثنى عليه بها، فهو ضجور غير ثابت، قليل الصبر، ومنوع هلوع، فإذا أصابه الخير منع، وإذا وقع في شدة جزع، وذلك كله فعله المضاف إليه فعلاً له على الحقيقة، والله خلقه على ذلك، فدل هذا على أن الله – تعالى – خالق أفعال الإنسان كما أنه خالقه. قال الحافظ: ((مقصود البخاري: أن الصفات المذكورة بخلق الله – تعالى – في الإنسان، لا أن الإنسان يخلقها بفعله)) (٤)

стр. 1039

١٦٠- قال: ((حدثنا أبو النعمان، حدثنا جرير بن حازم، عن الحسن، حدثنا عمرو بن تغلب، قال: أتى النبي – ﷺ – مال فأعطى قوما، ومنع آخرين، فبلغه أنهم عتبوا، فقال: ((إني أعطي الرجل، وأدع الرجل، والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي، أعطي أقواما لما في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن تغلب، فقال عمرو: ما أحب أن لي بكلمة النبي ﷺ – حمر النعم)) . عمرو بن تغلب، النمري، من النمر بن قاسط، ويقال: العبدي، من عبد القيس من أهل جواثا، قرية من قرى البحرين، صحابي جليل القدر. روى عنه الحسن البصري، ولم يرو عنه غيره، فيما قاله غير واحد. وقال ابن عبد البر: روى عنه أيضا الحكم بن الأعرج، وعداده في أهل البصرة، وهو كغيره من كثير من الصحابة الذين لم تعرف أخبارهم، ولم تدون مآثرهم، فعليهم رضوان الله ورحمته أجمعهم)) (١) . قوله: ((أتي النبي ﷺ مال)) الخ، هذا المال إما من الخمس الذي أفاءه الله على رسوله، أو من الغنائم، أو من الزكاة. وفي الرواية التي ذكرها البخاري في الجمعة: ((أتى بمال، أو سبي)) (٢) . وكانت سنته ﷺ أنه إذا جاءه شيء من المال وزعه في مصالح الإسلام ولا يدخر شيئا، ومن المصالح: إعطاؤه من لم يتمكن الإسلام من قلوبهم، فيؤثروا

стр. 1040

الآخرة على الدنيا، يعطيهم خوفاً عليهم من الجزع، وعدم الصبر، فيتزعزع إيمانهم، فهذا الذي جعله يعطي قوماً، ويمنع آخرين، يمنع كُمَّلَ الإيمان الذين ذاقوا طعمه وحلاوته، التي لا تعادلها الدنيا بأسرها، بل ولا شيئاً منه، ولهذا قال ﷺ : ((وأَكِلُ أقواماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير)) . ((فبلغه أنهم عتبوا)) قال الأزهري: ((قال ابن شميل، وابن المظفر: العتب: الموجدة، تقول: عتب فلان على فلان، إذا وجد عليه)) (١) . والمعنى: أنه صار في نفوسهم عليه شيء بسبب منعهم من هذا المال؛ لأنهم يرون أنهم أحق من غيرهم، وذلك لخفاء الأمر عليهم، وإلا فالمتعين الرضا بما يفعله الرسول – ﷺ – والتسليم لأمره وفعله، وهذا شأن الصحابة رضوان الله عليهم غالباً. ((فقال: إني أعطي الرجل، وأدع الرجل، والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي)) الخ. يعني: أن تخصيصه بعض الناس بالعطاء ليس دليلاً على أنه ﷺ يحب المعطي أكثر من غيره، بل يعطيه خوفاً عليه من الجزع، وعدم الصبر على بلوى الإعواز، وقلة ذات اليد، فإذا لم يحصل لهؤلاء ما يتطلعون إليه من العطاء كان ذلك عونا للشيطان عليهم، في إرجاعهم عن الإسلام، أو اعتراضهم على النبي – ﷺ ، فيكون في ذلك هلاكهم. أما الذين أودع الله في قلوبهم الخير والغنى بالإسلام ومحبته والرغبة فيه، والرجاء لما أعد الله لهم في الآخرة، فإنهم أحب إلى رسول الله – ﷺ – ممن أعطاهم من ذلك المال وغيره، ولم يثنه عن عطائهم إلا ما علمه من الغنى في قلوبهم، وثقتهم بوعد الله لهم، وإيمانهم الذي لا يتزعزع، وحبهم لله ورسوله، بحيث يحبون ما أحبه الله ورسوله، فلا يرون أن غير ما فعله أحسن مما فعله.

стр. 1041

قال الحافظ: ((وفيه أن الرزق في الدنيا ليس على قدر درجة المرزوق في الآخرة، ففي الدنيا تقع العطية والمنع بحسب السياسة الدنيوية، فكان – ﷺ – يعطي من يخشى عليه الجزع والهلع لو مُنع، ويمنع من يثق بصبره واحتماله، وقناعته عنه بثواب الآخرة. وفيه أن البشر جبلوا على حب العطاء وبغض المنع، والإسراع إلى إنكار ذلك قبل الفكرة في عاقبته، إلا من شاء الله. وفيه أن المنع قد يكون خيراً للممنوع، كما قال تعالى: ﴿وَعَسَىَ أَن تَكرَهُواْ شَيئاً وَهُوَ خَيرٌ لَّكُم﴾ ومن ثم قال الصحابي: ((ما أحب أن لي بتلك الكلمة حمر النعم)) ، والباء في قوله: ((بتلك)) للبدلية، أي: ما أحب أن لي بدل كلمته [النوق الحمر] ؛ لأن الصفة المذكورة تدل على قوة إيمانه المفضي به إلى دخول الجنة، وثواب الآخرة خير وأبقى. وفيه استئلاف من يخشى جزعه، أو يرجى بسبب إعطائه طاعة من يتبعه، والاعتذار إلى من ظن ظناً، والأمر بخلافه)) (١) . والمقصود من الحديث، قوله ﷺ : ((لما في قلوبهم من الجزع، والهلع)) ، وقوله: ((وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير)) ، فإن الهلع والجزع، وكذلك غنى القلب والإيمان، كل ذلك وصف للإنسان، وهو فعله وعمله، والله خالقه. فإن الله خلق الإنسان وخلق أفعاله، فجعله فاعلاً لهذه الأشياء. قال الكرماني: ((الغرض من هذا الباب: إثبات أن أخلاق الإنسان، من الهلع، وضده، الضجر، وعدمه، والانقياد، والامتناع، وغيرهما، بخلق الله تعالى)) (٢) . ********

стр. 1042

قال: ((باب ذكر النبي – ﷺ ، وروايته عن ربه)) . قال العيني: ((أي: هذا باب في ذكر النبي – ﷺ وروايته عن ربه – أي بدون واسطة جبريل – ﷺ – ويسمى بالحديث القدسي)) (١) . وكذا قال أكثر الشراح. وقال الحافظ: ((يحتمل أن تكون الجملة لأولى محذوفة المفعول، والتقدير: ذكر النبي – ﷺ – ربه . ويحتمل أن يكون ضمن الذكر معنى التحديث، فعداه بعن، فيكون قوله: ((عن ربه)) متعلق بالذكر والرواية معا، وقد ترجم هذا في كتاب: ((خلق أفعال العباد)) ، بلفظ: ما كان النبي – ﷺ – يذكر ويروي عن ربه)) وهو أوضح)) (٢) . وأقول: إن مراده أن الرسول – ﷺ – يروي عن ربه ما قاله – تعالى – وأنزل عليه، فالرسول – ﷺ – يذكر بلفظه الذي هو فعله كلام ربه تعالى – وكلام الله – تعالى -، غير فعل الرسول ولفظه، فاللفظ للرسول والملفوظ به هو كلام الله، فهذا الباب كسابقه مما فيه التفريق بين فعل العبد المخلوق، وبين ما هو وصف لله غير مخلوق، وهذا هو الذي تتفق معه الأحاديث التي ذكرها، والله أعلم. ***** ١٦١- قال: ((حدثني محمد بن عبد الرحيم، حدثنا أبو زيد سعيد بن الربيع الهروي، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس – ﵁ – عن النبي – ﷺ – يرويه عن ربه : ((قال: إذا تقرب العبد إلي شبرا، تقربت إليه ذراعا، وإذا تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا، وإذ أتاني مشيا أتيته هرولة)) .

стр. 1043

قال شيخ الإسلام: ((ظاهر الخطاب أن أحد التقديرين من جنس الآخر، وكلاهما مذكور بلفظ المساحة. فلا يخلو إما أن يكون ظاهر اللفظ في تقرب العبد إلى ربه هو تقرب بالمساحة المذكورة، أو لا يكون. فإن كان ذلك هو ظاهر ذلك اللفظ، فإما أن يكون ممكنا، أو لا يكون. فإن كان ممكنا، فالآخر أيضا ممكن، ولا يكون في ذلك مخالفة للظاهر. فإن لم يكن ممكنا فمن أظهر الأشياء للإنسان علمه بنفسه وسعيه، فيكون قد ظهر للمخاطب معنى قربه بنفسه. وقد علم أن قرب ربه إليه من جنس ذلك، فيكون الآخر أيضا ظاهرا في الخطاب، فلا يكون ظاهر الخطاب هو المعنى الممتنع، بل ظاهره هو المعنى الحق. ومن المعلوم أنه ليس ظاهر الخطاب أن العبد يتقرب إلى الله بحركة بدنه شبرا، وذراعا, ومشيا، وهرولة)) (١) . وبهذا يظهر معنى الحديث، وأنه ليس المراد منه: التقرب إلى الله – تعالى – بحركة البدن بهذه المقادير، والهيئة، وإنما المقصود التقرب إلى الله – تعالى – بالإنابة والرجوع وإقبال القلب، وفعل الطاعات التي تقرب العبد إلى ربه، وقد قال الرسول – ﷺ : ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)) (٢) . وتقدم أن قرب الله – تعالى – ودنوه من بعض مخلوقاته لا يستلزم خلوه من فوق عرشه، بل يقرب إلى من يشاء من عباده وهو فوق عرشه، لا يكون

стр. 1044

شيء من خلقه فوقه أبداً، ولما قرب كليمه موسى إليه نجيا كان – جل وعلا – فوق عرشه، وكذلك غير موسى إذا قربه إليه، فإنه يقرب إليه وهو فوق عرشه – تعالى وتقدس -، وسبق الكلام على هذا الحديث (١) . والشاهد من الحديث قوله: ((يرويه عن ربه – – قال: إذا تقرب)) إلى آخره، فالرسول – ﷺ – يروي عن ربه هذا الكلام، الذي تكلم الله به فرواه عنه، سواء كان ذلك بواسطة جبريل – وهو الظاهر – أو بغير واسطة، والصحابة سمعوا هذا الكلام بلفظ الرسول – ﷺ ، وصدقوه بأنه كلام الله ورواه رسوله عنه. ***** ١٦٢- قال: ((حدثنا مسدد، عن يحيى، عن التيمي، عن أنس بن مالك، عن أبي هريرة، قال ربما ذكر النبي – ﷺ – قال: ((إذا تقرب العبد مني شبرا تقربت منه ذراعا، وإذا تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا – أو بوعا)) . الباع معروف، وهو قدر مد اليدين، من أطراف أصابع اليد إلى أطراف الأصابع الأخرى، والبوع بفتح الباء مصدر باع، وبالضم جمع باع. قوله: ((وقال معتمر: سمعت أبي، سمعت أنسا، عن أبي هريرة، عن ربه – . قصده التصريح بأنه مرفوع، وأن النبي – ﷺ – رواه عن ربه – . ****** ١٦٣- قال: ((حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة، عن النبي – ﷺ يرويه عن ربكم، قال: ((لكل عمل كفارة، والصوم لي، وأنا أجزي به، ولخلوف فم

стр. 1045

الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)) . قوله: ((لكل عمل كفارة)) يعني: جزاء وثوابا معينا، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ولكن الصوم يضاعف بدون حساب. والسبب أنه يكون خالصا؛ لأنه سر بين العبد وربه فإنه يمكنه أن يظهر للناس أنه صائم وهو يأكل في الخفاء، فإذا التزم العبد الصوم دل على خوفه من الله، ورجائه لثوابه، وتقدم شرح الحديث المقصود منه ظاهر، وهو كالذي قبله. ***** ١٦٤- قال: ((حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة، عن قتادة. ح. وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه، قال: ((لا ينبغي لعبد أن يقول: إنه خير من يونس بن متى)) ، ونسبه إلى أبيه)) . يونس بن متى، هو نبي كريم من أنبياء الله - تعالى - الذين جاءوا بالهدى والنور؛ لإخراج الناس من الظلمات. ((قال العلماء: إنما قال ﷺ ذلك تواضعا، إن كان قاله بعد أن علم أنه أفضل الخلق، وإن كان قاله قبل علمه بذلك فلا إشكال. وقيل: خص يونس ﵇ بهذا القول؛ لما يخشى عليه من سمع قصته أن يقع في نفسه تنقص له، فبالغ ﷺ في ذكر فضله؛ لسد هذه الذريعة. وقد روى قصته السدي بأسانيده، عن ابن مسعود وغيره: أن الله بعث يونس إلى أهل نينوى - وهي من أرض الموصل - فكذبوه، فوعدهم بنزول

стр. 1046

العذاب في وقت معين، وخرج عنهم مغاضبا لهم، فلما رأوا آثار ذلك خضعوا لله، وتضرعوا، وآمنوا فرحمهم الله، وكشف عنهم العذاب، وذهب يونس، وركب سفينة فلجّت به، فاقترعوا فيمن يطرحونه فوقعت القرعة عليه ثلاثا، فطرحوه، فالتقمه الحوت)) (١) ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَ إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبحَانَك إِنِي كُنتُ مِنَ الظَّالِمينَ﴾ فاستجاب الله له، وأمر الحوت بطرحه على ساحل البحر، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين تظله)) والظلمات هي ظلمات البحر، وظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل. وما ذكره من أنه خص بالذكر إلى آخره، هو المناسب لما جاء من النهي عن المفاضلة بين الأنبياء؛ لئلا يفضي ذلك إلى تنقص أحد منهم. ولهذا جاء في رواية لهذا الحديث ذكرها البخاري في الأنبياء بلفظ ((ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس)) . وفي أخرى: ((لا يقولن أحدكم: إني خير من يونس)) (٢) . قال الحافظ: ((وعند الطبراني: ((لا ينبغي لأحد أن يقول)) إلى آخره. وفي أخرى عنده: ((ما ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس)) . وهذا يؤيد أن المراد تفضيله على النبي – ﷺ )) (٣) . وهذا يدل على أن المقصود: النهي عن المفاضلة بين أنبياء الله؛ لئلا يكون ذلك طريقا إلى تنقص أحد منهم. والمراد من الحديث قوله: ((فيما يرويه عن ربه)) بهذا لفظ الرسول – ﷺ – يروي هذا الكلام عن ربه، يعني: أن الله تكلم به، فرواه لنا عنه رسوله – ﷺ – بلفظه الذي هو فعله، وهو مخلوق، وما رواه فهو كلام الله غير مخلوق.

стр. 1047

((ونسبه إلى أبيه)) يعني: أن ((متى)) هو أبوه، وليس ذلك اسم أمه، وأراد به الرد على من زعم أن ((متى)) اسم أمه، كما روي عن كعب الأخبار. ****** ١٦٥- قال: ((حدثنا أحمد بن أبي سريج، أخبرنا شبابة، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة المزني، عن عبد الله بن المغفل المزني، قال: رأيت رسول الله ﷺ – يوم الفتح على ناقة له يقرأ سورة الفتح – أو من سورة الفتح – قال: فرجع فيها. قال: ثم قرأ معاوية يحكي قراءة ابن مغفل، وقال: لولا أن يجتمع الناس عليكم لرجعت كما رجع ابن مغفل يحكي النبي – ﷺ ، فقلت لمعاوية: كيف كان ترجيعه؟ قال: آآ آثلاث مرت)) . عبد الله بن مغفل بن عبد غنم المزني أبو سعيد، ذكر البخاري عن يحيى بن معين أنه كان يكنى أبا زياد، وهو من مشاهير الصحابة رضوان الله عليهم، وهو أحد البكائين في غزوة تبوك، أسفا على فوت تلك الغزوة عليهم، وشهد بيعة الرضوان، وهو أحد العشرة الذين بعثهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ليفقهوا الناس بالبصرة، وهو أول من دخل من باب مدينة تستر. توفي في البصرة سنة تسع وخمسين أو سنة ستين، أو إحدى وستين، ﵁، وعن جميع إخوانه صحابة رسول الله ﷺ (١) . ((يوم الفتح)) هو فتح مكة، وكان في رمضان، من سنة ثمان من الهجرة. وسورة الفتح نزلت في غزوة الحديبية، وكانت في ذي القعدة سنة ست في قول الجمهور، نزلت في مرجعه منها، والفتح المذكور في السورة هو صلح الحديبية على قول أكثر المفسرين من الصحابة وغيرهم، ولا ينافي ذلك دخول

стр. 1048

فتح مكة فيه، وقراءته ﷺ سورة الفتح في ذلك اليوم يدل على أن فتح مكة داخل في قوله: ﴿إِنَّا فَتَحنَا لَكَ فَتحَاً مُبِيناً﴾ . ((فرجع فيها)) بتشديد الجيم، أي: ردد الصوت في حلقه، وجهر به مكررا بعد إخفائه. قال المؤلف في فضائل القرآن: ((باب الترجيع، ثم ذكر هذا الحديث – وفيه – قال: رأيت النبي – ﷺ – يقرأ، وهو على ناقته – أو جمله – وهي تسير به، وهو يقرأ سورة الفتح – أو من سورة الفتح، قراءة لينة، يقرأ وهو يرجع)) (١) . قال الحافظ ابن كثير: الترجيع هو: الترديد في الصوت، كما جاء أنه يقول: آآ آ، وكأن ذلك صدر من حركة الدابة تحته، فدل على جواز التلاوة عليها، وإن أفضى إلى ذلك، ولا يكون ذلك من باب الزيادة في الحرف، بل هو مغتفر للحاجة، كما يصلي على الدابة حيث توجهت به مع إمكان تأخير ذلك والصلاة إلى القبلة)) (٢) . والصواب أنه قصد الترجيع، وليس ذلك من حركة الدابة كما زعم ابن كثير، وكثيرا ما كان ﷺ يقرأ في أسفاره، ولم يذكر ذلك عنه إلا في هذه الواقعة، فدل على قصده ذلك. قال الحافظ: ((الترجيع: هو تقارب ضروب الحركات في القراءة، وأصله الترديد، وترجيع الصوت، ترديده في الحلق، وقد فسره بقوله: آء آء آء، ثلاث مرات، بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة، ثم همزة أخرى. قالوا: يحتمل أمرين: أحدهما: أن ذلك حدث من هز الناقة. والآخر: أنه أشبع المد في موضعه فحدث ذلك، وهذا أقرب، لأنه قال:

стр. 1049

((لولا أن يجتمع الناس عليكم لرجعت)) . وقد ثبت الترجيع في غير هذا الموضع، كما في الشمائل للترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي داود، واللفظ له من حديث أم هانئ: ((كنت أسمع صوت النبي – ﷺ – وهو يقرأ، وأنا نائمة على فراشي، يرجع القرآن)) . والذي يظهر: أن في الترجيع قدرا زائدا على الترتيل، فعند ابن أبي داود عن علقمة، قال: بت مع عبد الله بن مسعود في داره، فنام، ثم قام، فكان يقرأ قراءة الرجل في مسجد حيه، لا يرفع صوته، ويسمع من حوله، ويرتل ولا يرجع. قال ابن أبي حمزة: معنى الترجيع: تحسين التلاوة، لا ترجيع الغناء؛ لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة. قال: ((وفي الحديث: ملازمته – ﷺ – للعبادة؛ لأنه حالة ركوبه وهو يسير لم يترك العبادة بالتلاوة، وفي جهره في ذلك إرشاد إلى أن الجهر بالعبادة قد يكون في بعض المواضع أفضل من الإسرار، مثل إرادة التعليم، وإيقاظ الغافل، ونحو ذلك)) (١) . والمقصود أن الترجيع فعل الرسول – ﷺ – بحركة لسانه وشفتيه يرجع كلام ربه الذي أبلغه الأمة عن الله – تعالى -. فالمسموع بصوته هو كلام الله، والصوت هو صوت المبلغ، ولهذا يرفعه إن شاء، ويخفضه، ويرجعه إن شاء ولا يرجعه؛ لأنه فعله يتعلق بإرادته، وهو يبلغ كلام الله بأي وجه كان من أوجه التبليغ، بصوته الذي يؤدي به

стр. 1050

عن الله، سواء رجع الكلام، أو لم يرجع، فلا يخرجه ذلك عن كونه كلام الله، أبلغه إلى أمته عن ربه بصوته وروايته، ولكن هو يتصرف بصوته فيرفعه تارة، ويخفضه أخرى، ويرجع الكلام مرة، ويترك الترجيع أخرى، إذ ذلك فعله الذي يفعله إذا شاء. ***** قال: ((باب ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها من كتب الله بالعربية وغيرها، لقول الله – تعالى: ﴿قُل فَأتُواْ بِالتَّوراةِ فَاتلُوهَا إِن كُنتُم صَادِقِينَ﴾ . تقدم الكلام على هذه الآية، ومراده: أن التفسير والإيضاح والتفهيم لكلام الله من فعل المفسر، والمبين الموضح لمن لا يفهم ذلك الكلام، وهذا كله فعل العباد وهو مخلوق، كما أن القراءة، والكتابة، والحفظ، فعل العبد وهو مخلوق. وأما المكتوب المقروء والمحفوظ إذا كان من كتب الله، فهو كلام الله. وكذلك التفسير، والتبليغ، والتبيين، فعل العبد المفسر المبين، وهو مخلوق، وأما المفسر المبين المبلغ فهو كلام الله. ومثل ذلك الترجمة من لغة إلى أخرى، فإن الترجمة فعل المترجم، ولهذا استدل في كتابه: ((خلق أفعال العباد)) ، على أن كلام العباد مخلوق، وهو من أفعالهم بقوله تعالى: ﴿وَمِن أيَاتِهِ خَلقُ السّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَاختِلاَفُ أَلسِنَتِكُم وَألَوَانِكُم﴾ ، ثم قال: ((فمنها العربي، ومنها العجمي، فذكر اختلاف الألسنة والألوان، وهو كلام العباد)) (١) . وروى عن حماد بن زيد أنه قال: ((من قال: كلام العباد ليس بمخلوق فهو كافر)) (٢) .

стр. 1051

وقال أيضا: ((وقد كتب النبي – ﷺ – كتابا فيه ((بسم الله الرحمن الرحيم)) وقرأه ترجمان قيصر، على قيصر وأصحابه، ولا نشك في قراءة الكفار وأهل الكتاب أنها أعمالهم، وأما المقروء فهو كلام الله العزيز المنان، ليس بمخلوق، فمن حلف بأصوات قيصر، وبنداء المشركين الذين يقرون بالله لم يكن عليه يمين دون الحلف بالله؛ لقول النبي – ﷺ : ((لا تحلفوا بغير الله)) (١) . يعني: أن الصوت الذي تكون به القراءة ونحوها فعل ذلك المصوت، وفعل العبد مخلوق. قال الحافظ: ((وجه الدلالة من الآية: أن التوراة بالعبرانية، وقد أمر الله تعالى أن تتلى على العرب، وهم لا يعرفون العبرانية، فقضية ذلك الإذن بالتعبير عنها بالعربية)) (٢) . وتقدم وجه مراده بالباب. قوله: ((وقال ابن عباس: أخبرني أبو سفيان بن حرب أن هرقل دعا ترجمانه ثم دعا بكتاب النبي – ﷺ – فقرأه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله، إلى هرقل، و ﴿يَا أَهلَ الكِتابِ تَعَالَواْ إِلىَ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَينَنَا وَبَيَنكُم﴾ الآية. أبو سفيان كنية، ويكنى أيضا بأبي حنظلة، واسمه: صخر بن حرب بن أمية مشهور باسمه وكنيته، أسلم عام الفتح، وكان رئيسا لقومه قبل ذلك، وشهد مع النبي – ﷺ – حنينا والطائف، وروي أن عينه أصيبت يوم الطائف، فقال له رسول الله – ﷺ : ((إن شئت دعوت فردت عليك، وإن شئت فالجنة)) قال: الجنة، مات في خلافة عثمان سنة أربع وثلاثين، وقيل غير ذلك، ﵁ وعن أصحاب رسول الله جميعاً (٣) . هرقل هو: ملك الروم، هذا اسمه، وهو بكسر الهاء وفتح الراء، وسكون

стр. 1052

القاف، ولقبه قيصر، وهو لكل من ملك الروم، كما أن كسرى لقب لمن ملك الفرس. وهذا جزء من الحديث الطويل المذكور في بدء الوحي وغيره. قال الحافظ: ((ووجه الدلالة منه: أن النبي – ﷺ كتب إلى هرقل باللسان العربي، ولسان هرقل رومي، ففيه إشعار بأنه اعتمد في إبلاغه ما في الكتاب على من يترجم عنه بلسان المبعوث إليه ليفهمه، والمترجم المذكور هو الترجمان)) . واستدل في ((خلق أفعال العباد)) بقصة هرقل على أن القراءة فعل القارئ. فقال: قد كتب النبي – ﷺ – إلى قيصر: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) وقرأه ترجمان قيصر على قيصر وأصحابه، ولا يشك في قراءة الكفار أنها أعمالهم، وأما المقروء فهو كلام الله – تعالى – ليس بمخلوق، ومن حلف بأصوات الكفار ونداء المشركين لم يكن عليه يمين، بخلاف ما لو حلف بالقرآن)) (١) . وتقدم نقل هذا، والحافظ تصرف فيه. وفيه دليل على جواز إرسال الكتب التي فيها شيء من القرآن إلى الكفار، وفيه كتابة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) في أول الكتب، وبداءة صاحب الكتابة بنفسه، وفيه قرن العبودية بالرسالة. ***** ١٦٦- قال: ((حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عثمان بن عمر، أخبرنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية،

стр. 1053

ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله – ﷺ : ((لا تصدقوا أهل الكتاب, ولا تكذبوهم، و ﴿قُولُواْ أَمنَّا بِاللهِ وَمَاَ أُنزِلَ﴾ الآية. المقصود بأهل الكتاب هنا اليهود، والعبرانية: لغتهم التي أنزلت التوراة بها وقد أخبر الله – تعالى – أنهم تعمدوا تحريفها، والزيادة فيها والنقصان منها؛ لتتفق مع أهوائهم، وما يريدون، فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يوثق بترجمتهم وتفسيرهم لها، مع أن الله – تعالى – قد أغنانا عما في أيديهم بما أنزل علينا من كتابه المهيمن على جميع الكتب قبله، وبما جاء به نبينا – ﷺ – من الحكمة التي تفسر القرآن وتبينه. روى الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، من حديث جابر، أن عمر أتى النبي – ﷺ – بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه عليه، فغضب، وقال: ((لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني)) قال الحافظ: ((رجاله موثقون إلا أن مجالداً فيه ضعف)) (١) . وقد أمرنا الله – تعالى – أن نقول: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴿١٣٦﴾ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢) . وكان رسول الله – ﷺ – كثيرا ما يقرأ هذه الآية: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ﴾ ، والآية التي في سورة آل عمران ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء﴾

стр. 1054

الآية (١) في ركعتي الفجر. وفي ((الدر المنثور)) : ((أخرج ابن أبي حاتم، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ : ((آمنوا بالتوراة والزبور والإنجيل وليسعكم القرآن)) (٢) . قوله: ((لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم)) . قال الحافظ: أي: إذا كان ما يخبرونكم به محتملاً؛ لئلا يكو في نفس الأمر صدقا، فتكذبوه، أو كذبا فتصدقوه، فتقعوا في الحرج، ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفاقه، نبه على ذلك الشافعي ﵀. ويؤخذ من هذا الحديث التوقف عن الخوض في المشكلات، والجزم فيها بما يقع في الظن، وعلى هذا يحمل ما جاء عن السلف من ذلك)) (٣) . والمقصود أن الترجمة والتفسير ليست هي ذلك الكتاب المترجم أو المفسر، ولا تسمى الترجمة أو التفسير قرآنا، أو إنجيلا، أو توراة. ((بل اتفق المسلمون على جواز مس المحدث لكتب التفسير، واتفقوا على أنه لا تجوز الصلاة بتفسيره، وكذلك ترجمته بغير العربية عند عامة أهل العلم، وتجويز إقامة الترجمة مقامه في بعض الأحكام لا يقتضي تناول اسمه لها، كما أن القيمة في الزكاة إذا أخرجت عن الإبل أو البقر أو الغنم لم تسم إبلا ولا بقرا، ولا غنما، بل تسمى باسمها كائنة ما كانت)) (٤) .

стр. 1055

((مع أن أكثر المنتسبين إلى العلم من المسلمين لا يستطيعون القيام بترجمة معاني القرآن، وتفسيره، وبيانه؛ فلأن يعجز اليهود عن ترجمة ما عندهم، وبيانه أولى. لأن عقل المسلمين أكمل، وكتابهم أقوم قيلاً، وأحسن حديثاً، ولغتهم أوسع لا سيما إذا كانت تلك المعاني غير محققة، بل فيها باطل كثير، فإن ترجمة المعاني الباطلة وتصويرها صعب؛ لأنه ليس لها نظير من الحق من كل وجه)) (١) والمقصود أنه إذا ترجم كتاب الله من لغة إلى أخرى فإن الترجمة ليست هي كلام الله، وإنما هي ترجمة لكلامه تعالى، وهي غير المترجم، بل هي عمل المُتَرجِم، ومعلوم أن عمل الإنسان مخلوق مثله. وليس الأمر كما تقوله الأشعرية إن كلام الله لا يختلف باختلاف اللغات، فبأي لسان قرئ فهو كلام الله. بل إذا ترجم من لغة إلى أخرى، لم يكن هو كلام الله – تعالى -، وهذا هو ما أراد البخاري بيانه فيما يظهر، والله أعلم. ١٦٧- قال: ((حدثنا مسدد، حدثنا إسماعيل، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر – ﵄ – قال: أتي النبي – ﷺ – برجل، وامرأة من اليهود، قد زنيا، فقال: ما تصنعون بهما؟ قالوا: نسخم وجوههما، ونخزيهما، قال: ﴿قُل فَأتُواْ بِالتَّوراةِ فَاتلُوهَا إِن كُنتُم صَادِقِينَ﴾ فجاءوا فقالوا لرجل ممن يرضون: يا أعور، اقرأ، فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها، فوضع يده عليه، قال: ارفع يدك، فإذا
следующие страницы →