والتزوير، وتحريف كلام الله عن مواضعه، وتغييره وتبديله.
والشاهد فيه قوله: ((وعندكم كتاب الله أقرب الكتب عهدا بالله)) . وهذا معنى كونه محدثاً، يعني: أنه قريب عهده بالله – تعالى -، بأن تكلم به وأنزله بعد الكتب السابقة، بل تكلم به تعالى في مناسبات تعرفون كثيراً منها.
ومعنى قوله: ((محضاً لم يشب)) : يعني: أنه لم يخالطه شيء من غيره.
١٤٩ – قال: ((حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عبيد الله ابن عبد الله، أن عبد الله بن عباس
قال: يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل الله على نبيكم، أحدث الأخبار بالله، محضا لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتب الله، وغيروا فكتبوا بأيديهم، قالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا بذلك ثمنا قليلا، أو لا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم، فلا والله ما رأينا رجلا منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم)) .
هذا يدل على أنه كان من المسلمين في عهد ابن عباس من يسأل أهل الكتاب ويكتب أخبارهم، وذلك في آخر عهد الصحابة، وكان الصحابة ينهون عن ذلك، ويحذرون منه؛ لأنهم يعرفون كذبهم، وتحريفهم لكتاب الله، ولاستغنائهم بما جاء به نبيهم – ﷺ .
وقد روى البخاري أن أمير المؤمنين معاوية – ﵁ – أنه كان يحدث رهطاً من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار، فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين، الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب)) (١) أي: نجرب عليه الكذب في أخباره.
стр. 982
((روى الإمام أحمد، وابن أبي شيبة من حديث جابر، أن عمر أتى النبي – ﷺ – بكتاب أصابه من أهل الكتاب، فقرأه عليه، فغضب، وقال: ((لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل، فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني)) ورجاله ثقات إلا أن مجالداً فيه ضعف)) (١) .
ولهذا نهى ابن عباس عن سؤالهم، وبين أنه ليس هناك ما يدعو إلى سؤالهم، وقد أغنى الله المسلمين بكتابه الذي تولى حفظه بنفسه، فلا يقدر أحد على تغييره وتبديله، وهو أيضا آخر الكتب نزولا من عند الله، فهو أحدثها به، نزل عليكم بعد كل الكتب التي يحدثونكم عنها.
مع أن الذي عندهم قد اختلط الحق فيه بالباطل، فلا يتميز، وما كان فيه من حق فهو منسوخ بالقرآن الذي جاء به خاتم النبيين – ﷺ .
ومما يدل على أن أهل الكتاب لا يريدون الحق: كونهم لا يسألون المسلمين عما جاء به نبيهم، وهذا مما يمنع من سؤالهم. وقد سبق ذكر بعض الآيات التي تنص على تحريفهم وتبديلهم الكتاب بما يكذبونه؛ ليشتروا به من حطام الدنيا ما استطاعوا، فمثل هؤلاء حرام سؤالهم؛ لأنهم يضلون من سألهم والشاهد قوله: ((وكتابكم الذي أنزل الله على نبيكم – ﷺ – أحدث الأخبار بالله)) ، والحديث هو الجديد، ضد القديم، وهذا معنى قوله في الآية: ﴿مَا يَأتِيهِم مِن ذِكرٍ مِن رَّبِهِم مُّحدَثٍ﴾ أي: جديد. وقوله: ((محضاً لم يشب)) أي: خالصاً، لم يخالطه شيء من غيره.
*******
قال: ((باب قول الله – تعالى -: ﴿لاَ تُحرِك بِهِ لِسَانَكَ﴾ وفعل النبي – ﷺ – حين ينزل عليه الوحي)) .
стр. 983
يقصد بهذا التمييز بين فعل العبد، وفعل الرب - تعالى - وصفاته.
فتحريك النبي ﷺ لسانه بالوحي هو فعله، ولكن المحرك به اللسان هو كلام الله وصفته، ولهذا قال: ((وفعل النبي ﷺ حين ينزل عليه الوحي، يعني: أنه كما قال ابن عباس: يعالج من الوحي شدة، وكان يحرك شفتيه بالقرآن، وذلك عندما يتلوه عليه جبريل، فيحرك لسانه وشفتيه بما يقرؤه جبريل، خوفا من أن يفوته شيء منه، فنهاه الله - تعالى- عن ذلك حيث يقول: ﴿لاَ تُحرِك بِهِ لِسَانَكَ لِتَعجَلَ بِهِ﴾ أي: تستعجل بحفظه، مخافة أن يفوتك فلا تحفظه.
وتكفل الله له بأن يحفظه إياه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴿١٧﴾ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴿١٨﴾ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ يقول تعالى لنبيه: لا تستعجل إذا سمعت جبريل يقرأ عليك القرآن، فتحرك به لسانك وشفتيك مخافة أن لا تحفظه، بل أنصت، واستمع لما يقرأه جبريل، فنحن نجمعه، فلا يذهب منه شيء.
و ((قرآنه)) يعني: قراءته التي يقرؤها عليك جبريل، فإذا قرأه فاتبع قرآنه)) فكان ﷺ يستمع لما يقرؤه عليه جبريل، فإذا انتهى قرأه النبي ﷺ .
وهذا الذي كان النبي ﷺ يفعله من تحريك شفتيه ولسانه وما يعالج من الشدة كل ذلك فعله وعمله، وهو مخلوق.
أما ما يحرك به لسانه وشفتيه، فهو كلام ربه - جل وعلا -، ومثل ذلك جبريل.
قال المؤلف في بدء الوحي، بسنده عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿لاَ تُحرِك بِهِ لِسَانَكَ لِتَعجَلَ بِهِ﴾ قال: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل
стр. 984
شدة، وكان مما يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله – ﷺ – يحركهما، وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه، فأنزل الله – تعالى - ﴿لاَ تُحرِك بِهِ لِسَانَكَ لِتَعجَلَ بِهِ ﴿١٦﴾ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ ، قال: جمعه لك في صدرك، وتقرأه،: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قال: فاستمع له وأنصت،: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ثم إن علينا أن تقرأه، فكان رسول الله – ﷺ – بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي – ﷺ – كما قرأه)) (١) وسيأتي قريباً.
وقال في ((خلق أفعال العباد)) : ((سمعت عبد الله بن سعيد يقول: سمعت يحيى ابن سعيد يقول: ما زلت أسمع من أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة، - يعني: حركاتهم، وأصواتهم، واكتسابهم، وكتابتهم مخلوقة، فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف، المسطور، المكتوب، الموعى في القلوب، فهو كلام الله، ليس بمخلوق، قال الله – تعالى -: ﴿بَل هُوَ قُرآنٌ مَّجِيدٌ ﴿٢١﴾ فيِ لَوحٍ مَّحفُوظِ﴾ ، فذكر أنه يحفظ ويسطر)) (٢) .
وقال أيضاً: ((فأما المداد، والرق
، ونحوه، فإنه مخلوق، كما أنك تكتب ((الله)) ، فالله في ذاته هو الخالق، وخطك واكتسابك من فعلك خلق؛ لأن كل شيء دون الله بصنعه، وهو خلق، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (٣) .
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٤) ، وقال تعالى: ﴿بَل هُوَ قُرآنٌ مَّجِيدٌ ﴿٢١﴾ فيِ لَوحٍ مَّحفُوظِ﴾ (٥) .
وقال أيضا: ((وقال النبي – ﷺ – لجبريل حين سأله عن الإيمان، قال: أن
стр. 985
تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله، قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن؟
قال: نعم، ثم قال: ما الإسلام؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله.
فذكره، قال: إذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: نعم.
فسمى الإيمان، والإسلام، والشهادة، والإحسان، والصلاة بقراءتها وما فيها من حركات الركوع والسجود، فعلاً للعبد)) (١) .
وقال: ((قال الله : ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ، ولكنه كلام الله تلفظ به العباد، والملائكة، وبين ذلك ما حدثني به عبد العزيز بن عبد الله – وذكر سنده – إلى النبي – ﷺ – قال: ((إذا أحب الله عبداً، نادى جبريل: يا جبريل أحب فلاناً، فينوه بها جبريل في حملة العرش، فيحبه أهل العرش، فيسمع أهل السماء السابعة لغط أهل العرش – وذكره -)) (٢) .
فحب جبريل، ونداؤه لأهل العرش وأهل السماوات هو فعل جبريل، وهو مخلوق.
وأما حب الله للعبد ونداؤه لجبريل فهو فعله تعالى.
وقال أيضا: ((قال معاوية: لو شئت أن أحكي لكم قراءة رسول الله – ﷺ : لفعلت. وسئل النبي – ﷺ أي الناس أحسن قراءة؟ قال: ((الذي إذا سمعته رأيت عليه أنه يخشى الله ) .
стр. 986
ويذكر عن سعد – ﵁ – عن النبي – ﷺ : خير الذكر الخفي.
وقال تعالى: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ (٢) .
وسمع معاذ قارئا يرفع صوته بالقرآن، فقال: ﴿إِنَّ أَنكَرَ الأَصَوَاتِ لَصَوتُ الحَمِيرِ﴾ .
حدثنا مسدد، حدثنا معتمر، سمعت أبي، سمعت أبا عثمان يقول: ما سمعت صنجاً قط، ولا بربطاً، ولا مزماراً أحسن صوتاً من أبي موسى، إلا فلاناً، إن كان ليصلي بنا فنود أنه قرأ البقرة من حسن صوته.
ويذكر عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ أنه قال: يا رسول الله، أنؤاخذ بما نقول، ويكتب علينا؟ قال: وهل يكب الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم؟)) .
فبين النبي ﷺ أن أصوات الخلق، وقراءتهم، ودراستهم، وتعليمهم، وألسنتهم، مختلفة بعضها أحسن، وأزين، وأحلى، وأصوت، وأرتل، وألحن، وأعلى، وأخف, وأغض، وأخشع.
وقال تعالى: ﴿وَخَشَعَت الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا﴾ (٣) ، وأجهر، وأخفى، وأمد، وأمهر، وألين، وأخفض من بعض)) (٤) .
стр. 987
قوله: ((وقال أبو هريرة: عن النبي – ﷺ : ((قال الله – تعالى – أنا مع عبدي إذا ذكرني، وتحركت بي شفتاه)) .
هذا التعليق وصله المؤلف في ((خلق أفعال العباد)) (١) .
ومراده من الحديث أن قوله: ((وتحركت بي شفتاه)) وكذا قوله: ((إذا ذكرني)) أنه فعل العبد وعمله الذي يجازيه الله عليه، والشفتان واللسان تتحرك بذكر الله واسمه وصفته، لا بذاته تعالى.
فمثل ذلك قراءة القرآن، فإن اللفظ والصوت والحركة فعل العبد، وهو مخلوق، وأما ما يلفظ به ويقرؤه فهو كلام الله – تعالى -، وقد تكرر هذا لأن المؤلف يكرره؛ لأنه قد بلي بمن يقول: قراءة العباد غير مخلوقة.
قال ﵀: ((القراءة هي التلاوة، والتلاوة غير المتلو، وقد بينه أبو هريرة – ﵁ – عن النبي ﷺ – قال: اقرءوا إن شئتم: يقول العبد: ((الحمد لله رب العالمين)) ، فيقول الله: حمدني عبدي، يقول العبد: ((مالك يوم الدين)) فيقول الله: مجدني عبدي، يقول العبد: ((إياك نعبد, وإياك نستعين)) ، فيقول الله: هذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل)) .
فبين أن سؤال العبد غير ما يعطيه الله للعبد، وأن قول العبد غير كلام الله، هذا من العبد الدعاء، والتضرع، ومن الله الأمر والإجابة.
ثم روى عن أبي الدرداء: ((سئل رسول الله – ﷺ – أفي كل صلاة قراءة؟ قال: ((نعم)) ، فقال رجل من الأنصار: وجبت هذه، قال النبي – ﷺ : ((اقرءوا إن شئتم)) .
стр. 988
فالقراءة لا تكون إلا من الناس، وقد تكلم الله بالقرآن من قبل، وكلامه قبل خلقه.
وسئل النبي – ﷺ : أي الصلاة أفضل؟ قال: ((طول القنوت)) فذكر النبي – ﷺ – أن بعض الصلاة أطول من بعض، وأخف، وأن بعضهم يزيد على بعض في القراءة، وبعضهم ينقص، وليس في القرآن: زيادة ولا نقصان، فأما التلاوة فإنهم يتفاضلون في الكثرة والقلة والزيادة والنقصان.
وقد يقال: فلان حسن القراءة، ورديء القراءة، ولا يقال: حسن القرآن، ورديء القرآن.
وإنما نسب إلى العباد القراءة، لا القرآن؛ لأن القرآن كلام الرب جل ذكره.
والقراءة فعل العبد، لا يخفى معرفة هذا القدر إلا على من أعمى الله قلبه، ولم يوفقه، ولم يهده سبيل الرشاد.
وليس لأحد أن يشرع في أمر الله – – بغير علم، كما زعم بعضهم: أن القرآن بألفاظنا، وألفاظنا به شيء واحد، التلاوة هي المتلو، والقراءة هي المقروء.
فقيل له: إن التلاوة فعل التالي، وعمل القارئ فرجع، وقال: ظنتهما مصدرين.
فقيل له: هلا أمسكت، كما أمسك كثير من أصحابك؟ ولو بعثت إلى من كتب عنك، فاسترددت ما أثبت، وضربت عليه؟
فزعم أن كيف يمكن هذا وقد قلتُ، ومضى؟
فقيل له: كيف جاز لك أن تقول في الله – – شيئاً لا يقوم به شرح وبيان، إذ لم تميز بين التلاوة والمتلو؟
стр. 989
فسكت إذ لم يكن عنده جواب)) (١) .
******
١٥٠- قال: ((حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لاَ تُحرِك بِهِ لِسَانَكَ﴾ قال: كان النبي – ﷺ – يعالج من التنزيل شدة، وكان يحرك شفتيه، فقال لي ابن عباس: أحركهما لك كما كان رسول الله – ﷺ – يحركهما، فقال سعيد: أنا أحركهما كما كان ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه. فأنزل الله : ﴿لاَ تُحرِك بِهِ لِسَانَكَ لِتَعجَلَ بِهِ ﴿١٦﴾ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ ، قال: جمعه في صدرك، ثم تقرؤه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ، قال: فاستمع له وأنصت، ثم إن علينا أن تقرأه، قال: فكان رسول الله – ﷺ – إذا أتاه جبريل ﵇ استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي – ﷺ –
كما أقرأه)) .
قوله: ﴿لاَ تُحرِك بِهِ لِسَانَكَ﴾ أي: لا تحرك بالقرآن لسانك، فدل على أن المحرك به غير الحركة والتحرك، فذلك فعل العبد، بخلاف المحرك به فإنه القرآن.
قوله: (يعالج من التنزيل شدة)) أي: أنه كان يتحمل هماً، ويعاني كرباً وخوفاً من أن يذهب عنه ما يلقيه جبريل إليه، فلذلك كان يحرك لسانه وشفتيه بترديد ما يقوله جبريل، لعله يثبت معه، وقد وصف ابن عباس لسعيد بالتمثيل، مما يدل على أن ابن عباس قد شاهد رسول الله – ﷺ – في تلك الحالة.
стр. 990
فلما نهاه ربه تعالى عن ذلك الفعل، وأخبره أنه سوف يثبته في صدره، وإنما عليه أن يستمع إلى جبريل، وأن الله يتولى جمعه في صدر النبي – ﷺ – وحفظه، ترك ما كان يفعله، وهذا من الحفظ للقرآن الذي أخبر تعالى أنه يحفظه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِكرَ وإِنَّا لَهُ لحَافِظُونَ﴾ .
فكان النبي – ﷺ – يستمع إلى جبريل، فإذا انتهى قرأه النبي – ﷺ – كما قرأه جبريل.
قوله: ((لتعجل به)) أي: إن تحريكه لسانه به ليتعجل بحفظه خوفاً من فواته عليه أو نسيانه، فقال الله – تعالى -: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قال ابن عباس: في صدرك، ثم تقرؤه كما كان جبريل يقرؤه.
قوله: ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ يعني: قراءته، والمقصود قراءة جبريل له، وبهذا سميت القراءة قرآناً.
قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أي: إذا قرأه عليك جبريل الذي أمره الله بذلك، فاتبع قراءته، فإسناد الفعل إلى ضمير المتكلم المعظم، الذي هو الله – تعالى -؛ لأنه - جل وعلا - هو الآمر، وهو المتكلم به، وجبريل رسوله إلى محمد – ﷺ ، والرسول يبلغ رسالة من أرسله.
قال في ((خلق أفعال العباد)) ((حدثنا عبيد الله بن موسى، وذكر سنده إلى سعيد ابن جبير أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿لاَ تُحرِك بِهِ لِسَانَكَ﴾ ؟ فقال: قال ابن عباس: كان يحرك لسانه إذا نزل عليه، فقيل: ﴿لاَ تُحرِك بِهِ لِسَانَكَ﴾ يخشى أن يتفلت، ثم ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أي: جمعه في صدرك ﴿وَقُرْآنَه ُ﴾ أن تقرأه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ يقول: أنزل عليه، ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴿﴾ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَه﴾ أن نثبته على لسانك)) (١) وفي رواية: ((قال:
стр. 991
علينا أن نجمعه في صدرك ﴿وَقُرآنَهُ ﴿١٧﴾ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ ُ﴾ فإذا أنزلناه فاستمع ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَه﴾ علينا أن نبينه بلسانك، قال: فكان إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده الله)) (١) .
******
قال: ((باب قول الله - تعالى -: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿١٣﴾ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ يتخافتون: يتسارون.
قال أبو جعفر بن جرير ﵀: ((يقول جل ثناؤه: أخفوا قولكم، وكلامكم أيها الناس، أو أعلنوه وأظهروه، ﴿إِنَهُ عَلِيمُ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ يقول: إنه ذو علم بضمائر الصدور التي لم يتكلم بها، فكيف بما نطق به وتكلم به، أخفى ذلك أو أعلن؛ لأن من لم تخف عليه ضمائر الصدور، فغيرها أحرى أن لا يخفى عليه.
﴿أَلاَ يَعلَمُ﴾ الرب جل ثناؤه ﴿مَن خَلَقَ﴾ من خلقه، يقول: كيف يخفى عليه خلقه الذي خلق، ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ بعباده ﴿الخَبِيرُ﴾ بهم وبأعمالهم)) (٢) ؟
قال الحافظ: ((أشار بهذه الآية إلى أن القول أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره.
فإن كان بالقرآن، فالقرآن كلام الله، وهو من صفات ذاته فليس بمخلوق؛ لقيام الدليل القاطع بذلك، وإن كان بغيره فهو مخلوق، بدليل قوله تعالى ﴿أَلاَ يَعلَمُ مَن خَلَقَ﴾ بعد قوله: ﴿ ﴿إِنَهُ عَلِيمُ بِذاتِ الصُدُورِ.﴾
قال ابن بطال: ((مراده إثبات العلم لله صفة ذاتية؛ لاستواء علمه بالجهر
стр. 992
من القول والسر)) (١) .
قلت: كلا القولين لم يردهما البخاري، أما قول ابن بطال، فلا يتفق مع أحاديث الباب، وظاهر أنه لم يرد ما زعمه ابن بطال.
وأما قول الحافظ، فينطبق على مذهب الأشاعرة الذين يجعلون كلام الله صفة ذاتية، يعني: أنه معنى قائم بذات الله – تعالى -، والبخاري – ﵀ – من أبعد الناس عن مثل هذا القول الباطل، المتناقض.
والصواب: أنه أراد بيان أن أفعال الله وأوصافه لا تشتبه بأفعال العباد وأوصافهم، فإن أقوال العباد الموصوفة بأنهم يجهرون بها أو يسرونها هي أقوالهم وأعمالهم التي يجازيهم ربهم عليها بالثواب أو العقاب.
أما كلام الله – تعالى – وفعله فلا يكون وصفاً للعباد، بأنه قول لهم أو فعل لهم.
وقد بين مراده هذا في كتابه ((خلق أفعال العباد)) ، فقال: ((فأما المتلو فقول الله الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ﴾ (٣) .
وقال عبد الله بن عمرو، عن النبي – ﷺ : ((يمثل القرآن يوم القيامة رجلاً، فيشفع لصاحبه)) ، وهو اكتسابه وفعله.
قال الله – تعالى -: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٤) ، قال صعصعة، عم الفرزدق، لما سمع النبي – ﷺ – يقرأ هذه الآية: حسبي، قد علمت فيم الخير، وفيم الشر.
стр. 993
وقد دخل في ذلك قراءة القرآن، وغيرها.
وقد بين الله ذلك قولاً للمخلوقين حين قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (١) .
فأخبر أن العمل من الحياة، ثم بين خلقه فقال: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿١٣﴾ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٢) .
مع أن الجهمية، والمعطلة، إنما ينازعون أهل العلم على قول الله، أن الله يتكلم، وإن تكلم فكلامه مخلوق، فقالوا، إن القرآن بعلم الله مخلوق، فلم يميزوا بين تلاوة العباد، وبين المقروء.
وقد رفع أبو بكر صوته بقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ (٣)(٤) .
يعني: أن الصوت الذي صوت به أبو بكر ورفعه هو من عمله وصفته، أما المصوت به فهي آية من كتاب الله، وهو كلام الله، فيجب التفريق بين ما هو فعل العبد وصفته، وبين ما هو من فعل الرب وصفته.
وبهذا يتضح مراد البخاري، وأنه ليس كما ذكر الحافظ، وابن بطال، والغريب أنه ذكر عن ابن المنير ما هو الصواب، ولم يقتنع به فيما يظهر.
قال ابن المنير: ((قصد البخاري الإشارة إلى النكتة التي كانت سبب محنته، حيث قيل عنه: إنه قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فأشار بالترجمة إلى أن تلاوة الخلق تتصف بالسر والجهر، وذلك يستدعي كونها مخلوقة)) .
стр. 994
وفي قوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ ، ثم قوله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ تنبيه على أن قولهم مخلوق، وقوله: ﴿وَلاَ تَجهَر بِصَلاَتِكَ﴾ يعني: بقراءتك، دل على أنها فعله، وقوله:: ((من لم يتغن بالقرآن)) فأضاف التغني إليه، دل على أن القراءة فعل القارئ)) (١) .
قوله: ((يتخافتون)) : يتسارون، بيان لقوله تعالى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا﴾ (٢) بأن المخافتة من الإسرار، وذلك من أعمالهم.
******
١٥١- قال: ((حدثني عمرو بن زرارة، عن هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس – ﵄ – في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَجهَر بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِت بِهاَ﴾ قال: نزلت، ورسول الله مختف بمكة، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به، فقال الله لنبيه – ﷺ : ﴿وَلاَ تَجهَر بِصَلاَتِكَ﴾ أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن ﴿وَلاَ تُخَافِت بِهاَ﴾ عن أصحابك فلا تسمعهم، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾ .
- حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة – ﵂ – قالت: نزلت هذه الآية: ﴿وَلاَ تَجهَر بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِت بِهاَ﴾ في الدعاء.
فقوله: ﴿وَلاَ تَجهَر بِصَلاَتِكَ﴾ واضح في أن المقصود القراءة، وأن الجهر فعل النبي – ﷺ – وكذا الإخفات الذي نهي عنه، ومثلهما التوسط بينهما، كل ذلك فعله، فلذلك صح أن ينهى عنه، ولا يقول أحد بأن النهي عن القرآن، أو عن الصلاة.
وبينه بقوله: ((فكان إذا صلىبأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن، ومن جاء به)) فنهاه الله – تعالى – عن رفع الصوت به؛ لئلا يسبه المشركون، كما نهاه عن الإسرار به؛ لئلا يخفى على أصحابه، وأمره بأن يقرأه قراءة يسمع بها أصحابه الذين معه، ولا يسمعه المشركون الذين
стр. 995
خارج البيت الذي هو فيه، وهذا معنى قوله: ﴿وَابْتَغِ بَينَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ .
فبين بهذا أن القراءة غير المقروء، وأن الصوت غير المصوت به، وأن الجهر والإسرار، والتوسط بينهما، كل ذلك فعل القارئ، التالي، وهو من عمله الذي يؤمر به، أو ينهى عنه، ويجازى عليه.
أما المقروء، والمصوت به، فهو قول من كان ذلك القول له، وصفته.
فإن كان من القرآن، فهو قول الله – تعالى -، وإن كان من غيره فهو قول ذلك الغير الذي قاله مبتدءاً.
وقول عائشة في الآية المذكورة: أنها نزلت في الدعاء، لا يخالف ما ذكره ابن عباس؛ لأن الآية تنزل في سبب معين، ويدخل في معناها غير ذلك المعين الذي نزلت من أجله.
وقد أمر الله – تعالى – بإخفاء الدعاء بقوله تعالى: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١) ﴾ ، وقال تعالى:
﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ (٢) ﴾ مع أن القراءة والصلاة من دعاء العبادة.
ووجه الدليل من الآية واضح وبيَّن فيما سبق.
*****
١٥٢- قال: ((حدثنا إسحاق، حدثنا أبو عاصم، أخبرنا ابن جريج، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله – ﷺ : ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن)) وزاد غيره ((يجهر به)) .
((ليس منا)) يعني: من المسلمين، وهو وعيد لمن لم يفعل ذلك.
والأولى أن لا يتعرض لمثله بالتأويلات التي تخرج الكلام عن مراد المتكلم.
وسبق القول بأن الصواب في التغني أنه: تحسين الصوت وتزيينه بالقرآن.
стр. 996
وجاء الأمر به كما رواه المؤلف – ﵀ – في ((خلق أفعال العباد)) ورواه غيره، قال: ((حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي عن الأعمش، سمع طلحة، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء – ﵁ – عن النبي – ﷺ – قال: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) (١)
وتفسير التغني بالجهر لا ينافي ما ذكرته؛ لأن السلف يفسرون الكلام ببعض ما دل عليه، ومقصودهم بهذا التفسير أن لا يدخل فيه ما يشبه الغناء، فإنه مكروه كراهة شديدة، أو محرم.
قال الكرماني: ((لم يتغن به)) أي: يجهر بقراءة القرآن، وقيل: يستغني به.
وأشار بالترجمة إلى أن تلاوة الناس تتصف بالجهر، والإسرار، وذلك يدل على أنها مخلوقة لله – تعالى -، وكذا قوله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ دليل على أن قولهم مخلوق، وكذا قوله: ﴿وَلاَ تَجهَر بِصَلاَتِكَ﴾ أي: بقراءتك، يدل على أنها فعله، وكذا قوله: ((من لم يتغن بالقرآن)) أضاف الفعل إليه)) (٢) .
وقال أيضا: ((يجهر به)) يتغنى، ومعناه: يجهر به بتحسين الصوت، وتخزينه وترقيقه، ويستحب ذلك ما لم تخرجه الألحان عن حد القراءة، فإن أفرط حتى زاد حرفا، أو أخفى حرفا، فهو حرام)) (٣) .
وقال الخطابي: ((إن العرب كانت تولع بالغناء والنشيد في أكثر أحوالها، فلما نزل القرآن أحب أن يكون هجيراهم مكان الغناء، فقال: ليس منا من لم يتغن بالقرآن)) (٤) .
والشاهد من الحديث: أن التغني والجهر فعل العبد، وهو مخلوق.
وأما المتغنى به المجهور به، فهو كلام الله – تعالى -.
فتبين بذلك الفرق بين أفعال العباد، وأوصافهم، وأوصاف أعمالهم، وبين فعل الله، ووصفه، ومرادنا بفعله الذي هو وصفه، لا مفعوله كما هو اصطلاح الأشاعرة.
стр. 997
قال: ((باب قول النبي ﷺ : ((رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل يقول: لو أوتيت مثل ما أوتي هذا فعلت كما يفعل.
فبين أن قيامه بالكتاب هو فعله)) .
هذه الترجمة كالتي قبلها، وكذا الأبواب الآتية كلها في بيان أن أعمال العباد منوطة بهم يفعلونها باختيارهم، وأنها مخلوقة مثلهم.
وذلك مثل أصواتهم وتحريك ألسنتهم وشفاههم، وحفظهم ودعائهم، وتبليغهم، وصلاتهم، وكون الإنسان خلق هلوعا جزوعا منوعا، فهذه أوصاف الإنسان، والله خلقه كذلك.
وكذا روايتهم، وبيانهم عن معاني كلام الله، وأصواتهم حسنها وقبيحها، ومهارتهم بالقرآن وغيره، وكتابتهم، وأدواتهم التي يكتبون بها، وغير ذلك كلها عمل لهم، وهم وأعمالهم مخلوقون.
فقوله: ((آتاه الله القرآن)) يعني: يسر له حفظه، وأقدره عليه، فحفظه وعمل به.
((فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار)) أي: يتلوه ويتهجد به في الصلاة وخارجها أوقات الليل والنهار، وهذا من أفضل الأعمال التي يؤجر عليها العبد.
فدل ذلك على أن تلاوته القرآن من عمله وعمله مخلوق، فلزم أن تكون غير المتلو.
فالتلاوة عمل العبد، وفعله، والمتلو قول الرب تعالى وصفته، كما تقدم.
((ورجل يقول: لو أوتيت مثل ما أوتي هذا فعلت كما يفعل)) . هذا يبين أن التلاوة، والقيام بالقرآن فعل التالي، وعمله، كما هو واضح.
стр. 998
ولهذا قال: ((لو أوتيت مثل ما أوتي هذا فعلت كما يفعل)) . قال البخاري – ﵀: ((فبين أن قيامه بالكتاب هو فعله)) .
وذكر ما ذكره هنا في كتابه ((خلق أفعال العباد)) بنصه (١) ، ثم ذكره بسنده، قال ابن المنير: ((ثبت عن البخاري أنه قال: من نقل عني أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق، فقد كذب، وإنما قلت: إن أفعال العباد مخلوقة، قال: وقد قارب الإفصاح في هذه الترجمة بما رمز إليه في التي قبلها)) (٢) .
قوله: ((وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ .
أي: من الدلالات الواضحة على وحدانية الله، ووجوب عبادته، ورجوعكم إليه للحساب والجزاء، وأن الأمر والملك كله له، خلق السماوات والأرض، وما فيهما من العجائب، والآيات الدالة على الله، ومن ذلك اختلاف ألسنتكم، أي: أصواتكم بحيث لا يلتبس صوت واحد بآخر على كثرتهم، وكذا اختلاف اللغات، واختلاف الألوان، فهذا بشرته بيضاء، وهذا سوداء، وبين ذلك.
والمقصود أن إضافة الألسنة إلى الناس يدل على أنها أعمالهم وأوصافهم، فإذا قرأ القارئ كلام الله – تعالى – فالصوت صوت القارئ، والكلام كلام الباري.
فكما أن الألوان صفتهم، فكذلك النطق، والتكلم، والتصويت.
قال في ((خلق أفعال العباد)) ، بعد أن ذكر هذه الآية: ((فمنها العربي، ومنها العجمي، فذكر اختلاف الألسنة والألوان، وهو كلام العباد)) .
стр. 999
وقال تعال: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِي عَمِلي وَلَكُم عَمَلُكُم أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعمَلُ وَأَنَا بَرِئٌ مِمَّا تَعمَلُونَ﴾ (١) .
قوله: ((وقال – جل ذكره -: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ )) .
قال الحافظ: ((الآية الأولى: المراد منها اختلاف ألسنتكم؛ لأنها تشمل الكلام كله، فتدخل القراءة، وأما الثانية فعموم فعل الخير يتناول قراءة القرآن والذكر، والدعاء، وغير ذلك، فدل على أن القراءة فعل القارئ)) (٢) .
وقال المصنف في ((خلق أفعال العباد)) ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ ، فأثبت الخير منهم فعلاً)) (٣) .
يعني: أن الله – تعالى – أمر عباده أن يفعلوا الخير، فدل على أن ذلك فعلهم، ومن فعل الخير: قراءتهم القرآن، وذكرهم لله – تعالى – ودعائهم إياه، فالقراءة والذكر والدعاء فعل لهم يثابون عليه، كما تقدم.
***
١٥٣ – قال: ((حدثنا قتيبة حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله – ﷺ : ((لا تحاسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل، وآناء النهار، فهو يقول: لو أوتيت مثل ما أوتي هذا، لفعلت كما يفعل، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه في حقه فيقول: لو أوتيت مثل ما أوتي عملت فيه مثل ما يعمل)) .
قد ذكر هذا الحديث في فضائل القرآن بأتم من هذا اللفظ، ونصه:
стр. 1000
((أن رسول الله – ﷺ – قال: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل، وآناء النهار، فسمعه جار له، فقال: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالاً، فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل)) .
وترجم له هناك بقوله: ((باب اغتباط صاحب القرآن)) فجعل هذا من الغبطة، وليس من الحسد، وتسميته حسداً من باب التجوز.
قال الحافظ: ((معنى قوله: ((لا تحاسد إلا في اثنتين)) أي: لا رخصة في الحسد إلا في خصلتين، أو لا يحسن الحسد – إن حسن -، وأطلق الحسد مبالغة في الحث على تحصيل الخصلتين)) (١) .
وقال النووي: قال العلماء: الحسد قسمان: حقيقي، ومجازي، فالحقيقي: تمني زوال النعمة عن صاحبها، وهذا حرام بإجماع الأمة، مع النصوص الصحيحة.
وأما المجازي: فهو الغبطة، وهو أن يتمنى مثل النعمة التي على غيره، من غير زوالها عن صاحبها، فإن كانت من أمور الدنيا كانت مباحة، وإن كانت طاعة فهي مستحبة، والمراد من الحديث لا غبطة محبوبة إلا في هاتين الخصلتين، وما في معناهما)) (٢) .
قوله: ((آتاه الله القرآن)) أي: منَّ عليه بحفظه، وهي من أعظم المنن، فإذا انضم إلى ذلك العمل به تمت نعمة الله، وذلك الذي قصد بقوله: ((فهو يتلوه آناء الليل، وآناء النهار)) ومعنى: يتلوه: يقرؤه، ويعمل به.
стр. 1001
وآناء الليل والنهار: ساعاتهما، يعني: أنه يلازم ذلك في غالب أوقاتهما.
قوله: ((فهو يقول: لو أوتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت كما يفعل)) هذا هو الذي أطلق عليه بأنه حسد، وهو حسد جائز؛ لأنه يتمنى الخير من غير ضرر بالغير.
فهو لم يتمن زوال ما أوتي صاحب النعمة، كما يفعل إخوان الشياطين، ولكنه تمنى أن يكون مثله، قد أوتي القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار.
وكذلك الآخر الذي تمنى أن يكون له من المال مثل ما للمنفق ماله في وجوه الخير.
ولم يرد زوال النعمة عن ذلك المنفق.
والشاهد من الحديث قوله: ((آتاه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار)) فحفظ القرآن، وتلاوته، والقيام به، وكل ذلك عمل الإنسان، وهو مخلوق، وأما القرآن المحفوظ في الصدور، والمتلو المقوم به فهو كلام الله – جل وعلا -.
١٥٤- قال: ((حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، قال الزهري عن سالم، عن أبيه، عن النبي – ﷺ – قال: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل، وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار)) .
هذا الحديث كالذي قبله، فنكتفي بما تقدم.
***********
قال: ((باب قول الله – تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ .
قال الكرماني: ((لا بد في الرسالة من ثلاثة أمور: المرسل، والمرسل إليه،
стр. 1002
والرسول، ولكل منهم أمر، للمرسل الإرسال، وللرسول التبليغ، وللمرسل إليه القبول والتسليم)) (١) .
قلت: بقي أمر رابع، وهو الرسالة التي يرسل بها الرسول، وهي أوامر الله ونواهيه وحكمه لمن أرسل إليهم، أما الإرسال فهو تكليف الرسول بالرسالة، واكتفى عن ذلك بقوله: ((وللمرسل إليه القبول والتسليم)) ؛ لأن القبول والتسليم يكون للرسالة.
قال ابن جرير: ((أمر الله نبيه بإبلاغ أهل الكتاب والمشركين ما أنزل الله عليه فيهم، من معايبهم، وما أمرهم به، ونهاهم عنه، وأن لا يشعر نفسه حذراً منهم أن يصيبوه بمكروه إذا قام فيهم بأمر الله، وأن لا يتقي إلا الله، فإنه كافيه كل أحد، ودافع عنه كل مكروه.
وأعلمه أنه إن قصر عن إبلاغ شيء مما أنزله إليه فيهم فهو من عظيم ما ارتكب من الذنب، بمنزلة ما لو لم يبلغ من الرسالة شيئا)) ثم روى عن ابن عباس: ((إن كتمت آية مما أنزل عليك من ربك لم تبلغ رسالاتي)) (٢) .
ومقصوده بهذا الباب: أن إبلاغ الرسالة من الرسول فعل له يثيبه الله عليه، وأن الكلام الذي جاء به يبلغه صفة لربه، وأنه ليس فيما بلغه ما يدل على قول الذين يقولون بخلقه، أو خلق شيء منه.
قال في ((خلق أفعال العباد)) ، بعد ما ذكر قوله ﷺ : ((ألا رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي)) .
فبين النبي ﷺ أن الإبلاغ منه، وأن كلام الله من ربه، ولم يذكر عن أحد من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان خلاف ما وصفنا، وهم
стр. 1003
الذين أدوا الكتاب والسنة بعد النبي – ﷺ – قرنا بعد قرن)) (١) . يعني: أنه ليس فيما بلغه النبي – ﷺ – شيء مما يقوله الجهمية وأشباههم.
وقال: ((ما جاء في قول الله – : ﴿بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ، وقول النبي – ﷺ – ((بلغوا عني ولو آية)) ، ((وليبلغ الشاهد الغائب)) ، وأن الوحي قد انقطع، ثم ذكر حديث عائشة ((من زعم أن محمداً كتم شيئا من الوحي، فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ .
وقال صالح: ﴿يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي﴾ (٢) ، وقال شعيب: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي﴾ (٣) ، وقال تعال: ﴿لِيَعلَمَ أَن قَد أَبلَغُواْ رِسَالاتِ رَبّهِم﴾ (٤) .
فبين أن الرسالة من الله، والإبلاغ من الرسل، ثم روى خطبته ﷺ يوم النحر، وفيها: ((اللهم هل بلغت؟ فليبغ الشاهد الغائب، ولا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) .
وقال ابن عباس: ((والذي نفسي بيده إنها الوصية إلى أمته)) .
وروي عنه أيضا قال: قال رسول الله – ﷺ : ((ما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولكن بعثني الله إليكم رسولاً، وأنزل عليَّ كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت
стр. 1004
لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه إليَّ أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم)) (١) .
وذكر أحاديث في هذا المعنى.
وقال أيضاً: ((وقال الله – : ﴿بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ فذلك كله مما أمر به، ولذلك قال: ((وأقيموا الصلاة)) فالصلاة بجملتها طاعة الله، وقراءة القرآن من جملة الصلاة، فالصلاة طاعة الله، والأمر بالصلاة قرآن، وهو مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، مقروء على اللسان، والقراءة والحفظ والكتابة مخلوق، وما قرئ وحفظ وكتب ليس بمخلوق.
ومن الدليل عليه أن الناس يكتبون ((الله)) ويحفظونه، ويدعونه، فالدعاء والحفظ والكتابة من الناس مخلوق، ولا شك فيه.
والخالق الله بصفته.
ويقال له: أترى القرآن في المصحف؟ فإن قال: نعم، فقد زعم أن من صفات الله ما يرى، وهذا رد لقول الله – تعالى - ﴿لا تُدرِكُهُ الأَبصَارُ﴾ في الدنيا ﴿وَهُوَ يَدرِكُ الأَبصَارَ﴾ .
وإن قال: يرى كتابة القرآن، فقد رجع إلى الحق.
ويقال له: هل تدرك الأبصار إلا اللون؟ فإن قال: لا (٢) . قيل له: وهل يكون اللون إلا في الجسم؟ فإن قال: نعم، فقد زعم أن القرآن جسم يرى)) (٣) .
وقال أيضاً: ((قال الله – تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن
стр. 1005
رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ واللهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ، فذكر إبلاغ ما أنزل إليه، ثم ذكر فعل تبليغ الرسالة، فقال: ((إن لم تفعل فما بلغت رسالته)) فسمى تبليغه الرسالة وتركه فعلاً.
فلا يمكن لأحد أن يقول على الرسول: ((إنه لم يفعل ما أمر به من الرسالة)) .
ثم روى عن ابن عباس، أن النبي – ﷺ – خطب الناس يوم النحر ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: ((اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟)) .
قال ابن عباس: والذي نفسي بيده إنها الوصية إلى أمته، فليبلغ الشاهد الغائب. وذكر حديث أبي الأحوص، عن النبي – ﷺ – قال: ((وأتتني رسالة من ربي، فضقت بها ذرعاً، ورأيت أن الناس سيكذبونني، فقيل لي: لتفعلن، أو لنفعلن بك)) (١) يعني: أنه إذا بلغ فقد فعل ما أمر به، وتلاوته ما أنزل عليه من تبليغه، وذلك فعله.
ومقصوده من الآية: أن تبليغ الرسالة، وعدمه، كلاهما فعل للعبد وهو مخلوق، والرسالة هي أمر المرسل، ونهيه وقوله، وهو الله – تعالى -، وذلك ليس بمخلوق.
وقوله: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ﴾ أي: تفعل التبليغ لعموم ما أنزله الله إليك، ولا تذر منه شيئاً، وهذا يدل على بطلان ما لم يبلغه من الأعمال، والاعتقادات وغيرها؛ لأنه ﷺ بلغ كل ما أنزله الله عليه.
وقال الحافظ: ((احتج أحمد بهذه الآية على أن القرآن غير مخلوق؛ لأنه
стр. 1006
لم يرد في شيء من القرآن، ولا من الأحاديث أنه مخلوق، ولا ما يدل على ذلك.
وذكر عن الحسن البصري أنه قال: ((لو كان ما يقول الجعد (١) حقا لبلغه النبي – ﷺ )) (٢) .
قوله: ((وقال الزهري: من الله – – الرسالة، وعلى الرسول – ﷺ – البلاغ، وعلينا التسليم)) .
يعني: أن الرسالة من الله أمراً وقولاً له، وذلك مما يضاف إليه فعلاً ووصفاً، وعلى الرسول البلاغ، وهو: إيصال أمر الله وقوله إلى الناس، وإفهامهم إياه، وأمرهم بقبوله، وترغيبهم على ذلك، وتخويفهم من عذاب الله إن لم يقبلوا رسالاته ويمتثلوا أمره ويجتنبوا نهيه، وهذا عمل الرسول، وفعله الذي يثيبه الله عليه، أو يعاقبه على تركه.
((وعلينا التسليم)) أي: التسليم للرسالة بقبولها والانقياد لها، وعدم المعارضة، والعمل بفعل المأمور، واجتناب المحظور، وهذا فعل العباد الذي عليه يترتب الثواب، أو العقاب عند المخالفة.
قال الحافظ: ((أخرجه الحميدي في النوادر، ومن طريقه الخطيب (٣) قال الحميدي: ((حدثنا سفيان، قال: قال رجل للزهري: يا أبا بكر، قول النبي ﷺ : ((ليس منا من شق الجيوب)) ما معناه؟ فقال الزهري: من الله
العلم، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم)) . وأخرجه ابن أبي عاصم في كتاب الأدب)) (٤) ، ورواه ابن أبي عاصم في الزهد، ولفظه: ((أخبرنا دحيم، أخبرنا
стр. 1007
الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمه، عن أبي هريرة، أن رسول الله – ﷺ – قال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)) قال الأوزاعي: قلت للزهري: يا أبا بكر، ما هذا الحديث؟ قال: فقال: من الله العلم، ومن الرسول البلاغ، وعلينا
التسليم)) (١) .
قوله: ((وقال: ﴿لِيَعلَمَ أَن قَد أَبلَغُواْ رِسَالاتِ رَبّهِم﴾ .
قال ابن الجوزي: فيه خمسة أقوال:
أحداها: ليعلم محمد – ﷺ – أن جبريل قد بلغ إليه، قاله ابن جبير.
الثاني: ليعلم محمد ﷺ – أن الرسل قبله قد بلغوا رسالات ربهم، وأن الله قد حفظهم، ودفع عنهم، قاله قتادة (٢) .
الثالث: ليعلم مكذبو الرسل أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم، قاله مجاهد.
الرابع: ليعلم الله – – ذلك موجودا ظاهرا يجب به الثواب، فهو كقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ﴾ (٣) .
الخامس: ليعلم النبي – ﷺ – أن الرسل قد أتته، ولم تصل إلى غيره، ذكره الزجاج (٤) .
قلت: هذا بمعنى الأول، ومعناه: ليعلم محمد – ﷺ – أن الملائكة التي تنزل بالوحي، أو يحرسون من ينزل به من استراق الشياطين، أنهم جاءوا بما أرسلوا به كاملاً.
стр. 1008
والقول الثاني هو الأولى، والأقرب، ويليه الرابع، ولكن وجوب الثواب وجوب تفضل وكرم من الله – تعالى -، والقول الثالث داخل في معنى الآية، فإن الله – تعالى – يؤيد رسله بالآيات الدالة على صدقهم، حتى يتيقن قومهم صدقهم.
والمراد من الآية هو ما دلت عليه الآية الأولى، فإن الرسل لهم أفعالهم وأعمال يعملونها، وتطلب منهم، وتضاف إليهم على أنها أعمالهم حقيقة، ولا تشتبه أعمالهم وأفعالهم بأفعال الله وأوصافه تعالى.
قوله: ((وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي﴾ .
المراد منها ظاهر مما سبق قبلها، كما أوضحناه.
قوله: ((وقال كعب بن مالك حين تخلف عن النبي ﷺ : ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ .
قال الحافظ: تقدم هذا مسنداً في تفسير براءة في حديثه الطويل، وفي آخره. قال الله – تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ ومراد البخاري: تسمية ذلك عملاً (١) .
قال الكرماني: ((ومناسبته للترجمة: التفويض، والانقياد، والتسليم، ولا ينبغي لأحد أن يزكي عمله، بل يفوض إلى الله ) (٢) .
قال بعض المتأخرين: موضع احتجاج البخاري: ((وقال كعب حين تخلف)) ؛ لأن القول والتخلف فعل كعب)) وهذا غير صحيح؛ لأنه لا خصوص لقول
стр. 1009
كعب، بل مثل كل قول، وإنما احتج بقوله: ﴿فَسَيَرَىَ اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤمِنُونُ﴾ فهو نص في أن لهم عملاً يجازون عليه بالثواب أو العقاب.
قوله: ((وقالت عائشة: إذا أعجبك حسن عمل امرئ فقل: ﴿فَسَيَرَىَ اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤمِنُونُ﴾ ، ولا يستخفنك أحد)) .
مقصوده: أن العمل يضاف إلى العامل فعلاً له، مثل الصلاة، والقراءة، والصوم، والحفظ، وهو مخلوق؛ لأنه عمل مخلوق.
أما الأمر بالصلاة والصوم فهو من الله، وليس بمخلوق.
وكذا القراءة هي فعل القارئ وفعله مخلوق، وما يقرؤه ليس مخلوقاً، بل هو كلام الله تعالى.
ومعنى قولها: ((ولا يستخفنك أحد)) أي: لا تغتر بعمل أحد يظهر لك منه الخير والصلاح، فتثني وتمدح، فإنه عرضة للانتكاس، ما لم تره واقفاً عند حدود الشرع، متأسياً بالأبرار، متبعاً لسنة رسول الله – ﷺ .
وقد روى المؤلف هذا الأثر مبسوطاً في كتابه: ((خلق أفعال العباد)) ، حيث قال: ((حدثني يحيى بن بكير، حدثني الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة – ﵄، وذكرت الذي كان من شأن عثمان بن عفان: ((وددت أني كنت نسياً منسياً، فوالله ما أحببت أن ينتهك من عثمان أمر قط إلا وقد انتهك مني مثله، حتى والله لو أحببت قتله، لقتلت، يا عبيد الله بن عدي، لا يغرنك أحد بعد الذي تعلم، فوالله ما احتقرت أعمال أصحاب النبي – ﷺ – حتى تهجم النفر الذين طعنوا في عثمان، فقالوا قولاً لا يحسن مثله، وقرءوا قراءة لا يحسن مثلها، وصلوا صلاة لا يصلى مثلها، فلما تدبرت الصنيع إذ هم والله ما يقاربون أعمال أصحاب النبي – ﷺ .
стр. 1010
فإذا أعجبك حسن قول امرئ فقل: ﴿اعمَلُواْ فَسَيَرَىَ اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ فلا يستخفنك أحد)) (١) .
يعني أن أولئك الخوارج كانوا يجتهدون اجتهاداً في العبادة ما اجتهده أصحاب النبي – ﷺ ، ولكنهم يرتكبون العظائم والجرائم، وهذا بمعنى قول الرسول – ﷺ – في وصفهم: ((يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصومه مع صومهم)) .
قال الحافظ: ((وأخرجه ابن أبي حاتم، من رواية يونس بن أبي يزيد، عن الزهري، أخبرني عروة، أن عائشة كانت تقول: ((احتقرت أعمال أصحاب النبي – ﷺ – حين نجم القراء الذين طعنوا على عثمان ... فذكر نحوه، وفيه: ((فوالله ما يقاربون عمل أصحاب رسول الله – ﷺ – فإذا أعجبك حسن عمل امرئ منهم فقل: اعملوا)) الخ (٢) .
والمراد بالقراء: الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين عثمان، وأنكروا عليه أشياء الحق فيها معه، وبعضها هو معذور فيها، فاقتحموا عليه بيته فقتلوه، وفتحوا بذلك على الأمة فتنة لا تزال الأمة تصلى نارها.
قوله: ((وقال معمر: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ هذا القرآن، ﴿هُدَى للِمُتَّقِينَ﴾ بيان ودلالة، كقوله تعالى: ﴿َ ذَلِكُم حُكمُ اللهِ﴾ هذا حكم الله ﴿لاَ رَيبَ فِيهِ﴾ لا شك.
﴿تِلكَ أَياتُ اللهِ﴾ يعني: هذه أعلام القرآن، ومثله: ﴿حَتَى إِذا كُنتُم فيِ الفُلكِ وَجَرَينَ بِهمِ﴾ يعني: بكم)) .
معمر هو: ابن المثنى، أبو عبيدة، قال الحافظ: ((ومناسبة الآية لما تقدم،
стр. 1011
من جهة أن الهداية نوع من التبليغ)) (١) يعني:
الهداية المضافة إلى الرسول – ﷺ – في مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَكَ لَتَهدِي إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ﴾ .
وأقول: يجوز أنه أراد: أن الهدى في القرآن، وما خالفه فهو ضلال.
وأن المتقين إذا حصل بينهم خلاف يرجعون إلى القرآن، فيحصلون على الهدى، وقد أوضح الله – تعالى – في القرآن أن أعمال العباد مخلوقة، فمن خالف ذلك ضل في هذه المسألة، كما أن هذا القرآن مما جاءنا به الرسول – ﷺ – وبلغنا إياه.
ولهذا قال في ((تفسيره)) : ((بيان ودلالة)) أي: مبين للحق، ودال عليه، كما أنه مبين للباطل، ومحذر منه.
قوله: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ ، يعني: هذا الكتاب الذي بين أيديكم تقرءونه، فيه الهدى لمن اتبعه واتقى، وبين أن الإشارة المستعملة للبعيد، قصد بها القريب، على خلاف المعتاد فيها.
وبين أن هذا يستعمل أحياناً، فمثل له بقوله: ﴿ذَلِكُم حُكمُ الله ِ﴾ أي: هذا حكم الله الذي حكم به بينكم.
ثم فسر قوله: ﴿لاَ رَيبَ فِيهِ﴾ بأنه: لا شك فيه، أي: في هدايته ودلالته على الحق، فمن اهتدى به فهو المهتدي، ومن جانبه وترك ما دل عليه فهو الضال.
ثم ذكر ما هو نظير ذلك في الإشارة إلى البعيد، والمراد القريب، وهو قوله تعالى: ﴿تِلكَ أَياتُ اللهِ﴾ قال: يعني: هذه أعلام القرآن، أي: دلائله وبيناته الدالة على الصراط المستقيم، وهي الفارقة بين الحق والباطل، ثم قال:
стр. 1012
((ومثله)) أي: ومثل هذا الاستعمال بالإشارة إلى القريب بما هو للبعيد.
قوله تعالى: ﴿حَتَى إِذا كُنتُم فيِ الفُلكِ وَجَرَينَ بِهمِ﴾ يعني: بكم، أي: أن الضمير الذي جعل للغائب، قصد به في هذه الآية الحاضر، فيكون مثل الإشارة للقريب بما هو موضوع للبعيد، وهذا سائغ في اللغة.
وعلماء البلاغة يقولون: إذا خرج اللفظ عما وضع له، فمقصود به نكتة بيانية، فالإشارة التي للبعيد إذا استعملت للقريب، دل على علو مكانة المشار إليه ورفعته.
قوله: ((وقال أنس: بعث النبي – ﷺ – خاله حراما إلى قوم. وقال أتؤمنوني أبلغ رسالة رسول الله – ﷺ ؟ فجعل يحدثهم)) .
هذا طرف من حديث أخرجه في عدة أماكن من كتابه الصحيح، منها في الجهاد في أبواب متعددة، وفي أحدها قال: ((بعث النبي – ﷺ – أقواما من بني سليم إلى بني عامر، في سبعين، فلما قدموا قال لهم خالي: أتقدمكم، فإن أمنوني حتى أبلغهم عن رسول الله – ﷺ – وإلا كنتم مني قريبا، فتقدم فأمنوه، فبينما يحدثهم عن النبي – ﷺ – إذ أومئوا إلى رجل منهم فطعنه فأنفذه، فقال: الله أكبر، فزت ورب الكعبة، ثم مالوا على بقية أصحابه فقتلوهم إلا رجلاً أعرج صعد الجبل، فأخبر جبريل – ﵇ – النبي – ﷺ – أنهم قد لقوا ربهم، فرضي عنهم، وأرضاهم، فكنا نقرأ: بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا، وأرضانا، ثم نسخ بعد، فدعا عليهم أربعين صباحاً، على رعل، وذكوان، وبني لحيان، وبني عصية، الذين عصوا الله ورسوله)) (١) .
стр. 1013
والمقصود أن تبليغ الرسالة عمل الرسول، ونقل قول المرسل إلى المرسل إليه، فلذلك قال: ((أتؤمنوني أبلغ رسالة رسول الله ﷺ ؟ فجعل يحدثهم)) .
فحديثه إياهم عن رسول الله – ﷺ – هو إبلاغهم الرسالة، وهو ما فيه أمره ونهيه مما هو شرع لله الذي كلف العباد به.
والله – تعالى – كلف رسله إبلاغ قومهم، وعلى ذلك يجزيهم ما يستحقون من الأجر، والجزاء يكون على عمل العامل.
١٥٥ – قال: ((حدثنا الفضل بن يعقوب، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا المعتمر بن سليمان، حدثنا سعيد بن عبيد الله الثقفي، حدثنا بكر بن عبد الله المزني، وزياد بن جبير بن حية، عن جبير بن حية، قال المغيرة: أخبرنا نبينا – ﷺ – عن رسالة ربنا، أنه من قتل منا صار إلى الجنة)) .
هذا قطعة من حديث طويل يخاطب به المغيرة بن شعبه – ﵁ – ترجمان عامل كسرى، لما سأله: ما أنتم؟ قال: ((نحن أناس من العرب كنا في شقاء شديد، وبلاء شديد، نمص الجلد والنوى من الجوع، ونلبس الوبر والشعر، ونعبد الشجر والحجر، فبينا نحن كذلك، إذ بعث رب السماوات ورب الأرضين – تعالى ذكره وجلت عظمته – إلينا نبياً من أنفسنا، نعرف أباه وأمه، فأمرنا نبينا، رسول ربنا أن نقاتلكم، حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا – ﷺ – عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة، في نعيم لم ير مثلها، ومن بقي منا ملك رقابكم)) (١) .
والمقصود قوله: ((أخبرنا نبينا عن رسالة ربنا)) فهذا من الإبلاغ الذي
стр. 1014
أبلغهم، وكل ما أخبرهم به من أمر، أو نهي، أو وعد، أو وعيد، أو قصص، عن الأنبياء وأممهم، أو غيرهم، وغير ذلك، فإنه من إبلاغ الرسالة التي أرسل بها.
ودل قوله: ((عن رسالة ربنا)) أن الرسالة تكون بالكلام الذي يخاطب به المرسل الرسول، وإبلاغ المرسل إليهم ذلك الكلام هو إبلاغ الرسالة، وإبلاغ الرسالة فعل الرسول وقوله وعمله، وهو غير الرسالة، وهو مخلوق.
فالرسالة قول المرسل، وأمره ونهيه، ووعده ووعيده، وإخباره عن جزائه وغير ذلك، وهذا ليس فعلاً للرسول، بل كلام الله بأمره ونهيه.
*****
١٥٦- قال: ((حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة – ﵂ – قالت: من حدثك أن محمداً – ﷺ – كتم شيئاً.
- وقال محمد: حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة – ﵂ – قالت: من حدثك أن النبي ﷺ – كتم شيئاً من الوحي، فلا تصدقه، إن الله تعالى يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ .
هذا الحديث تقدم بعضه في باب قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الغَيبِ﴾ .
وقولها: ((فلا تصدقه)) يعني: أن من زعم ذلك فهو كاذب، ولا يكفي أنه لا يصدق، بل لا يصح إسلامه، ويجب تعريفه أن الرسول – ﷺ – بلغ رسالة ربه فإن اعترف بذلك وآمن به وإلا قتل مرتداً.
ومقصودها – ﵂: أن الرسول – ﷺ – بلغ جميع ما يلزم الأمة في دينها، وما يصلحها وينفعها، ولم يترك شيئاً مما ينبغي العمل به أو علمه
стр. 1015
واعتقاده إلا وأخبر به وبلغه كما أمر.
فكل ما لم يخبر به أو يأمر به أمته فليس من رسالته، وهو بدعة منكرة.
فيجب الوقوف مع ما جاء به من الكتاب والسنة، ولا بد أنه ﷺ امتثل ما أمره الله به من إبلاغ الرسالة قولاً وعملاً، فبلغها على الوجه الأتم الأكمل.
وسبق أن إبلاغ الرسالة من فعله وقوله وعمله، وفعله وعمله مخلوق، فلا يلتبس ذلك بقول الله وكلامه الذي هو الرسالة، فهذا صفة الله، والإبلاغ فعل الرسول، وهذا التفريق هو ما قصده الإمام البخاري – ﵀.
*****
١٥٧- قال: ((حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، قال: قال عبد الله: قال رجل: يا رسول الله، أي الذنب أكبر عند الله تعالى؟ قال: أن تدعو لله ندا وهو خلقك، قال: ثم أي؟ قال: ثم أن تقتل ولدك أن يطعم معك، قال: ثم أي؟ قال: أن تزني حليلة جارك.
فأنزل الله تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ الآية.
تقدم الكلام على هذا الحديث، ومقصوده هنا أن ما بلغه الرسول – ﷺ – أمته، سواء كان من قوله الذي هو سنته، أو مما أنزله الله عليه قولاً لله – تعالى -، فإن ذلك كله من تبليغ الرسالة، فحين أخبر السائل بما هو أعظم الذنوب، أنزل الله عليه تصديق ما قاله من كلام الله الذي تعبد عباده بتلاوته، مع أنه ﷺ لا ينطق عن الهوى، وإنما عن الوحي الذي يوحيه الله إليه.
стр. 1016
قال الحافظ (١) : ((مناسبة هذا الحديث للترجمة أن التبليغ على نوعين:
أحدهما – وهو الأصل -: أن يبلغه بعينه، وهو خاص بما يتعبد بتلاوته، وهو القرآن.
وثانيهما: أن يبلغ ما يستنبط من أصول ما تقدم إنزاله، فينزل عليه موافقته فيما استنبطه، إما بنصه، وإما بما يدل على موافقته بطريق الأولى، كهذه الآية، فإنها اشتملت على الوعيد الشديد في حق من أشرك، وهي مطابقة للنص، وفي حق من قتل النفس بغير حق وهي مطابقة للحديث بطريق الأولى، لأن القتل بغير حق وإن كان عظيماً، لكن قتل الولد أشد قبحاً من قتل من ليس بولد القاتل، وكذا القول في الزناة، فإن الزنا بحليلة الجار أعظم قبحاً من مطلق الزنا.
ويحتمل أن يكون نزول هذه الآية سابقا على إخباره ﷺ بما أخبر به، لكن لم يسمعها الصحابي إلا بعد ذلك.
ويحتمل أن يكون كل من الأمور الثلاثة (٢) نزل تعظيم الإثم فيه سابقاً، ولكن اختصت هذه الآية بمجموع الثلاثة في سياق واحد مع الاقتصار عليها، فيكون المراد بالتصديق: الموافقة في الاقتصار عليها.
فعلى هذا فمطابقة الحديث للترجمة ظاهرة جداً، والله أعلم (٣)
((واستدل أبو المظفر ابن السمعاني بآيات الباب وأحاديثه على فساد طريقة المتكلمين في تقسيم الأشياء إلى جسم وجوهر وعرض، وقالوا: الجسم: ما اجتمع من الافتراق، والجوهر: ما حمل العرض، والعرض: ما لا يقوم
стр. 1017
بنفسه، وجعلوا الروح من الأعراض، وردوا الأخبار في خلق الروح قبل الجسد، والعقل قبل الخلق (١) ، واعتمدوا على حدسهم، وما يؤدي إليه نظرهم، ثم يعرضون عليه النصوص، فما وافقه قبلوه، وما خالفه ردوه، ثم ساق الآيات ونظائرها مما فيه الأمر بالتبليغ.
قال: وكان مما أمر بتبليغه التوحيد، بل هو أصل ما أمر به، فلم يترك شيئاً من أمور الدين أصوله، وقواعده، وشرائعه إلا بلغه، ثم لم يدع إلى الاستدلال بما تمسكوا به من الجوهر والعرض، ولا يوجد عنه ولا عن أحد من أصحابه من ذلك حرف واحد فما فوقه.
فعرف بذلك أنهم ذهبوا خلاف مذهبهم، وسلكوا غير سبيلهم، بطريق محدث مخترع، لم يكن عليه رسول الله – ﷺ ، ولا أصحابه – ﵃.
ويلزم من سلوكه العود على السلف بالطعن، والقدح، ونسبتهم إلى قلة المعرفة، واشتباه الطرق.
فالحذر من الاشتغال بكلامهم، والاكتراث بمقالاتهم، فإنها سريعة التهافت، كثيرة التناقض، وما من كلام تسمعه لفرقة منهم إلا وتجد لخصومهم عليه كلاماً يوازيه، أو يقاربه، فكل بكل مقابل، وبعض ببعض معارض، وحسبك من قبيح ما يلزم من طريقهم أنا إذا جربنا على ماقالوه، وألزمنا الناس بما ذكروه، لزم من ذلك تكفير العوام جميعاً؛ لأنهم لا يعرفون إلا الاتباع المجرد.
ولو عرض عليهم هذا الطريق ما فهمه أكثرهم، فضلاً عن أن يصير منهم صاحب نظر.
стр. 1018
وإنما غاية توحيدهم: التزام ما وجدوا عليه أئمتهم في عقائد الدين والعض عليها بالنواجذ، والمواظبة على وظائف العبادات، وملازمة الأذكار، بقلوب سليمة طاهرة عن الشبه والشكوك.
فتراهم لا يحيدون عما اعتقدوه، ولو قطعوا إرباً إرباً، فهنيئاً لهم هذا اليقين، وطوبى لهم هذه السلامة.
فإذا كفر هؤلاء، وهم السواد الأعظم، وجمهور الأمة، فما هذا إلا طي بساط الإسلام، وهدم منار الدين، والله المستعان)) (١) .
وتقدم بعض ما يتعلق بذلك في أول الكتاب.
*****
قال: ((باب قول الله تعالى: ﴿قُل فَأتُواْ بِالتَورَاةِ فَاتَلُوهَا﴾ .
وقول النبي ﷺ : ((أعطي أهل التوراة، التوراة، فعملوا بها، وأعطي أهل الإنجيل، الإنجيل، فعملوا به، وأعطيتم القرآن، فعملتم به)) .
قال الحافظ: ((مراده بهذه الترجمة: أن يبين أن المراد بالتلاوة: القراءة، وقد فسرت التلاوة بالعمل، والعمل من فعل العامل)) (٢) .
أقول: مراده: بيان أن التلاوة والقراءة فعل العباد، وأن المتلو غير التلاوة، والمقروء غير القراءة، كما سبق بيانه.
وهو ينوع الأدلة على ذلك ويكررها؛ ليتضح الأمر، ويتبين الحق؛ لأنه ﵀ قد ابتلي بمن يقول: التلاوة هي المتلو، والقراءة هي المقروء،
стр. 1019
وذلك غير مخلوق، ورمي بأنه يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، وقد صرح بأن ذلك كذب عليه.
قال شيخ الإسلام: (إذا قرأ الناس كلام الله، فالكلام في نفسه غير مخلوق إذا كان الله قد تكلم به، وإذا قرأه المبلغ لم يخرج بذلك عن كونه كلام الله، فإن الكلام كلام من قاله مبتدئاً، أمراً يأمر به، أو خبراً يخبره، وليس هو كلام المبلغ له عن غيره، إذ ليس على الرسول إلا البلاغ المبين.
وإذا قرأه المبلغ فقد يشار إليه من حيث هو كلام الله، فيقال: هذا كلام الله، مع قطع النظر عما بلغه به العباد من صفاتهم، وقد يشار إلى نفس صفة العبد، كحركته، وصوته، وقد يشار إليهما.
فالمشار إليه الأول غير مخلوق؛ لأنه كلام الله، والمشار إليه الثاني مخلوق، لأنه صفة العبد، والمشار إليه الثالث ومنه ما هو مخلوق، ومنه ما ليس بمخلوق.
وما يوجد في كلام الآدميين من نظير هذا، هو نظير صفة العبد، لا نظير صفة الرب.
وإذا قال قائل: القاف في قوله تعالى: ﴿وَأقِم الصَّلاةَ لِذِكرِي﴾ كالقاف في قول الشاعر ((قفا نبك من ذكرى حبيب؟)) .
قيل: ما تكلم الله به، وسمع منه، لا يماثل صفة المخلوقين.
ولكن إذا بلغنا كلام الله، فإنما نبلغه بصفاتنا، وصفاتنا مخلوقة، والمخلوق يماثل المخلوق.
وكلام المتكلم في نفسه واحد، فإذا بلغه المبلغون تختلف أصواتهم به، فإذا أنشد منشد قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل.
كان هذا الكلام كلام لبيد لفظه ومعناه، مع أن أصوات المنشدين له تختلف، وتلك الأصوات ليست صوت لبيد.
стр. 1020
وكذلك من روى حديث النبي – ﷺ – بلفظه، كقوله: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) كان هذا كلام رسول الله – ﷺ – لفظه ومعناه، ويقال لمن رواه: أدى الحديث بلفظه، وإن كان صوت المبلغ ليس هو صوت الرسول.
فالقرآن أولى أن يكون كلام الله لفظه ومعناه، وإذا قرأه القراء فإنما يقرؤونه بأصواتهم.
ولهذا قال الإمام أحمد، وغيره من أئمة السنة: من قال: اللفظ بالقرآن – أو لفظي بالقرآن – مخلوق، فهو جهمي، ومن قال: إنه غير مخلوق، فهو مبتدع؛ لأن اللفظ يراد به مصدر لفظ يلفظ لفظاً، وذلك فعل العبد، ويراد به القول الذي يلفظ به اللافظ، وذلك كلام الله، لا كلام القارئ، فمن قال: إنه مخلوق فقد قال: إن الله لم يتكلم بهذا القرآن، وإن هذا الذي يقرأه المسلمون ليس هو كلام الله.
ومعلوم أن هذا مخالف لما علم بالاضطرار من دين الرسول.
وأما صوت العبد فهو مخلوق، وقد صرح أحمد وغيره أن الصوت المسموع صوت العبد، ولم يقل قط: إن من قال: صوتي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، وإنما قال: من قال: لفظي بالقرآن، والفرق بينهما واضح.
والفرق بين لفظ الكلام وصوت مبلغه فرق واضح.
فكل من بلغ كلام غيره بلفظ ذلك الغير، فإنما بلغ لفظ ذلك الغير لا لفظ نفسه، وهو إنما بلغه بصوت نفسه، لا بصوت ذلك الغير.
واللفظ، والقراءة، والتلاوة، والكتابة، ونحو ذلك، لما كان يراد به المصدر الذي هو حركات العباد، وما يحدث عنها من أصواتهم، وشكل المداد، ويراد به نفس الكلام الذي يقرأه التالي، ويتلوه، ويلفظ به، ويكتبه، منع أحمد وغيره من إطلاق النفي والإثبات الذي يقتضي جعل صفات الله مخلوقة، أو جعل