الثاني: مقيد بعلى، كقوله -تعالى-: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ (١) ، وقوله:
﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ (٢) ، وقوله: ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ (٣) ، وهذا معناه - أيضاً - العلو والارتفاع والاعتدال، بإجماع أهل اللغة.
الثالث: المقرون بواو المعية، التي تعدي الفعل إلى المفعول معه، نحو: استوى الماء والخشبة، بمعنى: ساواها.
فهذه معاني الاستواء المعقولة في كلامهم، ليس فيها "استولى" البتة، ولا نقله أحد من أئمة اللغة، الذين يعتمد قولهم، وإنما قاله متأخرو النحاة، ممن سلك طريق المعتزلة، والجهمية.
والذين قالوه، لم يقولوه نقلاً، فإن ذلك مجاهرة بالكذب، ولكن قالوه استنباطاً وحملاً منهم للفظة " استوى" على "استولى" ولذلك لما سمع أهل اللغة ذلك أنكروه غاية الإنكار.
قال ابن الأعرابي - وقد سئل هل يصح أن يكون استوى بمعنى استولى؟ - فقال: لا تعرف العرب ذلك - وهو من أكابر أئمة اللغة-" ا. هـ (٤) .
قال ابن جرير: " وأولى المعاني بقول الله - جل ثناؤه-: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ﴾ : علا عليهن، وارتفع، فدبرهن بقدرته، وخلقهن سبع سماوات، والعجب ممن أنكر المعنى المفهوم، من كلام العرب، في تأويل قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ الذي هو بمعنى العلو، والارتفاع، هرباً عند نفسه من أن يلزمه بزعمه - إذا تأوله بمعناه المفهوم كذلك - أن يكون إنما علا
стр. 352
وارتفع بعد أن كان تحتها - إلى تأويله بالمجهول، المستكره، ثم لم ينج مما هرب منه.
فيقال له: زعمت أن تأويل قوله: " استوى ": أقبل، أفكان مدبراً عن السماء فأقبل إليها؟ فإن زعم أن ذلك ليس بإقبال فعل، ولكنه إقبال تدبير، قيل له: فكذلك فقل: علا عليها، علو ملك، وسلطان، لا علو انتقال وزوال، ثم لن يقول في شيء من ذلك قولاً، إلا لزم في الآخر مثله" (١) .
قوله: " فقل: علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال" هو من جنس كلام أهل البدع، فلا ينبغي، وهو خلاف الظاهر من النصوص، بل هو من التأويل الباطل.
قال ابن القيم: " نقل معنى الاستواء، كنقل لفظه، بل أبلغ، فإن الأمة كلها تعلم بالضرورة أن الرسول ﷺ أخبر عن ربه بأنه استوى على عرشه، من يحفظ القرآن منهم، ومن لا يحفظه، كما قال مالك، وأئمة السنة: الاستواء معلوم، غير
مجهول، كما أن معنى السمع، والبصر، والقدرة، والحياة، والإرادة، وسائر ما أخبر به -تعالى- عن نفسه معلوم، وإن كانت كيفيته غير معلومة للبشر، فإنهم لم يخاطبوا بالكيفية، ولم يرد منهم العلم بها.
فإخراج الاستواء عن حقيقته المعلومة، كإنكار لفظه، بل أبلغ، وهذا مما يعلم أنه مناقض لما أخبر الله به ورسوله، فإن فهم معنى اللفظ هو المراد منه، وهو المقصود بالذات، لا اللفظ، فإن اللفظ مقصود قصد الوسائل للتعريف بالمراد، فإذا انتفى المعنى، وكانت إرادته محالاً - كما زعموا - لم يبق لذكر اللفظ فائدة، بل كان تركه أنفع من الإتيان به، فإن الإتيان به يحصل منه إيهام التشبيه، ويوقع الأمة في اعتقاد الباطل - على حد زعمهم - ولا ريب أن هذا إذا نسب إلى آحاد الناس كان ذمة أولى من مدحه، فيكف يجوز أن ينسب إلى من في كلامه الهدى، والشفاء؟ ومن المتفق عليه أنه لا يجوز أن يتكلم الله ورسوله
стр. 353
بالشيء ويريد خلاف ظاهره" (١) .
وقال - أيضاً-: " وظاهر الاستواء: العلو، والارتفاع، كما نص عليه جميع أهل اللغة، وأهل التفسير المقبول، فلا يحتمل استواء الرب ﵎ على عرشه المعدى بعلى، المعلق بالعرش، المعرف بالألف واللام، المعطوف على خلق السماوات والأرض بثم مطرداً في " موارده" بهذا الأسلوب، لا يحتمل إلا معنى واحداً، لا معنيين، ولا كما يقول صاحب "العواصم والقواصم" (٢) :
إذا قال لك المجسم: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٣) ، فقل: " استوى على العرش" يستعمل على خمسة عشر وجهاً، فأيها تريد؟
فيقال له: كلا والذي استوى على العرش، لا يحتمل هذا اللفظ معنيين ألبتة، والمدعي للإحتمال عليه الدليل، والأصل عدم الاشتراك والمجاز، ولم تذكر على دعواك دليلاً، ولم تبين الوجوه المحتملة، مع ذكر الدليل عليه.
والمقصود: أن استواء الرب -تعالى- على عرشه، المختص به، الموصول بأداة "على" نص في معناه، لا يحتمل سواه" ا. هـ (٤) .
وقال الحافظ: " نقل أبو إسماعيل الهروي، في كتابه: الفاروق، بسنده إلى داود ابن علي بن خلف، قال: كنا عند أبي عبد الله بن الأعرابي - يعني يحيى بن زياد اللغوي- فقال له رجل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٥) ، فقال: هو على العرش، كما أخبر، قال: يا أبا عبد الله إنما معناه: استولى، فقال: اسكت، لا يقال: استولى على شيء، إلا أن يكون له مضاد.
стр. 354
ومن طريق محمد بن أحمد بن النضر الأزدي، سمعت ابن الأعرابي يقول: أرادني أحمد بن أبي دؤاد، أن أجد له في لغة العرب ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) بمعنى استولى، فقلت: والله ما أصبت هذا.
وقال غيره: لو كان بمعنى استولى، لم يختص بالعرش؛ لأنه غالب على جميع المخلوقات" ا. هـ (٢) .
وروى اللالكائي بسنده من طريق الحسن، عن أمه، عن أم سلمة، في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٣) ، قالت: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر.
وروى عن مالك، جاء إليه رجل، فقال: يا أبا عبد الله، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ قال: فما رأيت مالكاً وجد من شيء، كموجدته من مقالته، وعلاه الرحضا- يعنى العرق- قال: وأطرق القوم، وجعلوا ينظرون ما يأتي منه فيه، فسري عن ذلك، فقال: الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فإني أخاف أن تكون ضالاً، وأمر به فأخرج.
وذكر بسنده عن ابن عيينة، قال: سئل ربيعة، عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٤) كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق".
стр. 355
وذكر البيهقي بسنده، عن الأوزاعي، قال: " كنا والتابعون متوافرون، نقول: إن الله فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة، من صفاته" (١) .
قال الحافظ: سنده جيد (٢) .
وقال: " وأخرج الثعلبي، من وجه آخر، عن الأوزاعي، أنه سئل عن قوله -تعالى-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٣) . فقال: هو كما وصف نفسه" (٤) .
"قال أبو الأثرم، في كتاب "السنة": حدثنا إبراهيم بن الحارث - يعني العبادي- حدثني الليث بن يحيى، سمعت إبراهيم بن الأشعث، قال أبو بكر - هو صاحب الفضيل - سمعت الفضيل بن عياض، يقول: ليس لنا أن نتوهم في الله كيف وكيف؛ لأن الله وصف نفسه فأبلغ، فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴿١﴾ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴿٢﴾ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿٣﴾ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٥) فلا صفة أبلغ مما وصف الله نفسه، وكل هذا النزول، والضحك، وهذه المباهاة، وهذا الاطلاع، كما شاء أن ينزل، وكما شاء أن يباهي، وكما شاء أن يطلع، وكما شاء أن يضحك، فليس لنا أن نتوهم فيه كيف، وكيف، وإذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل أنت: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء.
وقال الخلال: وأنبأنا محمد بن علي الوراق: حدثنا أبو بكر الأثرم، حدثني محمد بن إبراهيم القيسي، قال: قلت لأحمد بن حنبل: يحكى عن ابن المبارك، قيل
له: كيف نعرف ربنا؟ قال: في السماء السابعة على عرشه بحد، فقال أحمد: هكذا هو عندنا.
стр. 356
وأخبرني حرب بن إسماعيل، قال: قلت لإسحاق - يعني ابن إبراهيم - هو على العرش بحد؟ قال: نعم بحد.
وذكر عن ابن المبارك، قال: هو على عرشه، بائن من خلقه، بحد.
وأخبرنا المروزي، قال: قال إسحاق بن إبراهيم بن راهويه: قال الله -تعالى-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) ، إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى، ويعلم كل شيء، في أسفل الأرض السابعة، وفي قعور البحار، ورؤوس الآكام، وبطون الأودية، وفي كل موضع، كما يعلم علم ما فوق السماوات السبع، وما فوق العرش، أحاط بكل شيء علماً، فلا تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات البر والبحر، ولا رطب ولا يابس، إلا قد عرف ذلك كله وأحصاه، فلا تعجزه معرفة شيء عن معرفة غيره" (٢) .
ومعنى قولهم: "بحد" أنه -تعالى- بائن من خلقه، غير حال فيهم، ولا مخالط لهم - تعالى وتقدس - وقد قيدوا الحد، بأنه لا يعلمه إلا هو -تعالى- وهو قريب من قول الإمام مالك وغيره: " الاستواء معلوم، والكيف مجهول"، فبين أن كيفية استوائه -تعالى- على العرش مجهولة للعباد، ولكنه لم ينف ثبوت ذلك في نفس الأمر، فكذلك قولهم: له حد لا يعلمه إلا هو، والله أعلم.
قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي - رحمه الله تعالى - في رده على بشر المريسي: " والله -تعالى- له حد، لا يعلمه غيره، ولا يجوز أن يتوهم لحده غاية في نفسه، ولكن نؤمن بالحد، ونكل علم ذلك إلى الله -تعالى-، ولمكانه حد، وهو على عرشه، فوق سماواته، فهذان حدان" (٣) .
وقال عبد العزيز بن يحيى المكي الكناني، صاحب " الحيدة في الرد على الزنادقة والجهمية": " زعمت الجهمية في قوله -تعالى-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
стр. 357
اسْتَوَى﴾ (١) أنما
المعنى: استوى، كقول العرب: استوى فلان على مصر، استوى فلان على الشام، يريد: استولى عليها.
فيقال له: هل يكون خلق من خلق الله أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه؟ فإذا قال: لا.
قيل له: فمن زعم ذلك؟ فمن قوله: من زعم ذلك، فهو كافر.
يقال له: يلزمك أن تقول: إن العرش قد أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه، وذلك أن الله ﵎ أخبر أنه خلق العرش قبل خلق السماوات والأرض، ثم استوى عليه بعد خلق السماوات والأرض.
قال -تعالى-: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ (٢) ، فأخبر أن العرش كان على الماء قبل خلق السماوات والأرض، وقال -تعالى-: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٣) ، وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ﴾ (٤) .
فأخبر أنه استوى على العرش، فيلزمك أن تقول: المدة التي كان على العرش فيها، قبل خلق السماوات، والأرض، ليس الله بمستول عليه، إذ كان: استوى على العرش، معناه عندك: استولى.
فإنما استولى بزعمك في ذلك الوقت لا قبله " ثم ذكر حديث عمران الآتي وحديث أبي رزين المتقدم، ثم قال:
" فقال الجهمي: أخبرني كيف استوى على العرش؟ أهو كما يقال: استوى فلان على السرير، فيكون السرير قد حوى فلاناً وحده إذا كان عليه؛ لأنا لا نعقل الشيء على الشيء إلا هكذا؟
стр. 358
فيقال له: أما قولك: كيف استوى؟ فإن الله لا يجري عليه كيف، وقد أخبرنا أنه استوى على العرش، ولم يخبرنا كيف استوى، فوجب على المؤمنين أن يصدقوا ربهم، باستوائه على العرش، وحرم عليهم أن يصفوا كيف استوى؛ لأنه لم يخبرهم
كيف ذلك، ولم تره العيون في الدنيا فتصفه بما رأت، وحرم عليهم أن يقولوا عليه من حيث لا يعلمون.
فآمنوا بخبره عن الاستواء، ثم ردوا علم "كيف استوى" إلى الله.
ولكن يلزمك - أيها الجهمي- أن تقول: إن الله محدود، وقد حوته الأماكن، إذا زعمت في دعواك، أنه في الأماكن، لأنه لا يعقل شيء في مكان، إلا والمكان قد حواه، كما تقول العرب: فلان في البيت، والماء في الجب، فالبيت قد حوى فلاناً، والجب قد حوى الماء.
ويلزمك اشنع من ذلك؛ لأنك قلت أفظع مما قالت به النصارى، وذلك أنهم قالوا: إن الله في عيسى، وعيسى بدن إنسان واحد، وكفروا بذلك، وأنتم تقولون: إنه في كل مكان، وفي بطون النساء كلهن، و ﴿في﴾ بدن عيسى، وأبدان الناس كلهم.
ويلزمك أيضاً أن تقول: إنه في أجواف الكلاب، والخنازير، لأنها أماكن، وعندك أن الله في كل مكان، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً" (١) .
وقال أبو الحسن الأشعري في "الإبانة": " إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل: نقول: إن الله مستو على عرشه، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢) ، وقال -تعالى-: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾ (٣) ، فالسموات فوقها العرش، فلما كان
стр. 359
العرش فوق السموات قال: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾ لأنه مستو على العرش، الذي فوق السماوات، وكل ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السماوات، وليس ذا قال: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾ يعني جميع السموات، وإنما أراد العرش، الذي هو أعلى السموات، ألا ترى أن الله ذكر السموات فقال: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ (١) ، ولم يرد أن القمر يملأهن جميعاً، وأنه فيهن جميعاً.
ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا، نحو السماء، لأن الله مستو على العرش، الذي هو فوق السماوات، كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض.
ولو كان كما تقوله المعتزلة، والجهمية، أن معناه: استولى، وملك، وقهر، لم يكن هناك فرق بين العرش، والأرض السابعة، ولكان مستوياً على العرش، وعلى الأرض، وعلى السماء، وعلى الحشوش، والأقذار" (٢) ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وقال الباقلاني - وهو من أئمة الأشاعرة -: " فإن قال قائل: أتقولون: إنه في كل مكان؟ قيل: معاذ الله، بل هو مستو على عرشه، كما أخبرنا في كتابه، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٣) ، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٤) ، وقال: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ (٥) .
стр. 360
ولو كان في كل مكان، لكان في بطن الإنسان، وفمه، وفي الحشوش، والمواضع التي نرغب عن ذكرها، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن خلقه، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان، ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا، وإلى يميننا، وشمائلنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه، وتخطئة قائله" (١) .
وقال شيخ الإسلام: " وإذا كان المسلمون يكفرون من يقول: إن السموات تقله، أو تظله، لما في ذلك من احتياجه إلى مخلوقاته، فمن قال: إنه في استوائه على العرش محتاج إليه، كاحتياج المحمول، إلى حامله، فإنه كافر؛ لأن الله غني عن العالمين - حي، قيوم - الغنى المطلق، وما سواه فقير إليه.
مع أن أصل الاستواء على العرش، ثابت بالكتاب، والسنة، واتفاق سلف الأمة، وأئمة السنة، بل ثابت في كل كتاب، أنزل على كل نبي أرسل" (٢)
وذكر عن أبي عمرو الطلمنكي: أنه قال: " قال أهل السنة، في قوله -تعالى-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٣) : أن الاستواء من الله على عرشه المجيد، على الحقيقة، لا على المجاز " (٤) .
وقال ابن عبد البر في شرح حديث النزول: " وفيه دليل على أن الله في السماء، على العرش من فوق سبع سماوات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم: إن الله في كل مكان، وليس على العرش.
стр. 361
ومن الدليل على صحة ما قاله أهل الحق، قول الله -تعالى-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) ".
قال شيخ الإسلام: " وفي الفقه الأكبر، المروي عن الإمام أبي حنيفة ﵀ قال: " من قال: لا أعرف ربي في السماء، أم في الأرض، فقد كفر؛ لأن الله -تعالى- يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وعرشه فوق سبع سماواته.
قلت: فإن قال: أنه على العرش استوى، ولكنه يقول: لا أدري، العرش في السماء، أم في الأرض؟ قال: هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء؛ لأنه -تعالى- في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى، لا من أسفل.
وفي لفظ: سألت أبا حنيفة: عمن يقول: لا أعرف ربي، في السماء، أم في الأرض؟ قال: قد كفر؛ لأن الله -تعالى- يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢) وعرشه فوق سبع سماوات.
قال: فإنه يقول: على العرش استوى، ولكن لا يدري العرش في الأرض، أو في السماء؟ قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر".
ثم قال: " ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة، عند أصحابه؛ أنه كفر الواقف الذي يقول: لا أعرف ربي، في السماء، أم في الأرض.
فكيف يكون الجاحد النافي الذي يقول: ليس في السماء، أو ليس في السماء ولا في الأرض؟
واحتج على كفره بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، قال: وعرشه فوق سبع سموات، وبين بهذا أن قوله -تعالى-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى
стр. 362
الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ يبين أن الله فوق السماوات، فوق العرش، وأن الاستواء على العرش دل على أن الله بنفسه فوق العرش.
ثم إنه أردف ذلك بتكفير من قال: إنه على العرش استوى، ولكن توقف في كون العرش في السماء، أم في الأرض؛ قال: لأنه أنكر أنه في السماء، لأن الله في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى، لا من أسفل.
وهذا تصريح من أبي حنيفة ﵀ بتكفير من أنكر أن يكون الله في السماء.
واحتج على ذلك بأن الله في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى، لا من أسفل، وكل من هاتين الحجتين فطرية عقلية، فإن القلوب مفطورة على الإقرار بأن الله في العلو، وعلى أنه يدعى من أعلى، لا من أسفل.
وقد جاء اللفظ الآخر صريحاً عنه بذلك، فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر" (١)
وكلام العلماء من أهل السنة من السلف وأتباعهم في هذا الموضوع كثيرة جداً، فنكتفي بهذا الطرف اليسير؛ لأن العاقل المنصف، الذي يريد الحق، ويطلبه إذا بان له الدليل، كفاه اليسير، وأما من ضل وعاند فلا يفيده البيان والإكثار من الكلام، والله الهادي، وهو المستعان.
قوله: " وقال ابن عباس: المجيد: الكريم، والودود: الحبيب. يقال: حميد مجيد، كأنه فعيل من ماجد، محمود من حمد ".
قول ابن عباس انتهى عند قوله: يقال. قال الحافظ: " وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله -تعالى-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، قال: المجيد الكريم، وبه - أي بالسند - عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ . قال: الودود: الحبيب" (٢) .
стр. 363
وذكر السيوطي أنه خرجه ابن جرير، وقال المنذر، والبيهقي في "الصفات" في الموضعين" (١) .
قلت: يقصد البخاري ﵀ أن العرش أضيف إلى الله -تعالى- الإضافة الدالة على المصاحبة، والاختصاص، حيث قال: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ أي: صاحب العرش، فدل ذلك على اختصاص العرش المذكور بالله -تعالى- دون سائر المخلوقات، والمجيد قرئ بالرفع صفة لذو، الذي هو الله -تعالى- وقرئ بالجر صفة للعرش.
قال ابن جرير: " قرأ عامة قراء المدينة ومكة، وبعض الكوفيين، بالرفع، رداً على قوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ ، على أنه صفة الله - تعالى ذكره - وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة خفضاً، على أنه من صفة العرش.
والصواب من القول: أنهما قراءتان، معروفتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب" (٢) .
قال أبو حيان: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ خص العرش بإضافة نفسه، تشريفاً للعرش، وتنبيهاً على أنه أعظم المخلوقات" (٣) .
و"المجيد" فسره ابن عباس بالكريم، وقد جاء في القرآن وصف العرش بأنه كريم، قال -تعالى-: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ
الْكَرِيمِ﴾ (٤) ، فوصف العرش بأنه كريم لسعته وحسنه، وهو في وصف الله: الجواد، واسع العطاء، كثير الخير، حميد الصفات.
стр. 364
قال في "القاموس": ﴿المجيد﴾ الرفيع العالي، والكريم، والشريف الفعال" (١) .
قوله: ﴿الودود﴾ الحبيب، تقدم أن هذا التفسير مروي عن ابن عباس بسند متصل، الود: خالص الحب وصافيه.
وفي القاموس: " الودود" كثير الحب، وقد تقدم الكلام في صفة المحبة.
" الْوَدُودُ " فعول من الود، قال الله عن شعيب ﵇: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ (٢) ، وقال -تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ (٣) ، فقرنه بالرحيم في موضع، وبالغفور في موضع.
قال أبو بكر بن الأنباري: ﴿الْوَدُود﴾ معناه: المحب لعباده، من قولهم: وددت الرجل أوده، وداً، ووداً، ووداً.
ويقال: وددت الرجل، وداداً، ووداداً، وودادة.
وقال الخطابي: هو اسم مأخوذ من الود، وفيه وجهان:
أحدهما: أن يكون فعولاً في محل مفعول، كما قيل: رجل هيوب، بمعني مهيب، وفرس ركوب، بمعنى مركوب. والله مودود في قلوب أوليائه؛ لما يعرفونه من إحسانه إليهم.
والوجه الآخر: أن يكون بمعنى الود، أي أنه تعالى يود عباده الصالحين.
قال -تعالى-: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (٤) فسرت بأنه يحبهم، ويحببهم إلى عباده.
стр. 365
ويؤيده الحديث الصحيح: " إذا أحب الله عبداً نادى: يا جبريل، أني أحب فلاناً، فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلاناً، فأحبوه، فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض " وسيأتي - إن شاء الله تعالى -.
والأكثرون على ما ذكره ابن الأنباري، أنه فعول بمعنى فاعل، أي هو الواد، كما قرنه بالغفور، الذي يغفر، وبالرحيم هو الذي يرحم (١) .
وقوله: " يقال: حميد مجيد، كأنه فعيل من ماجد، محمود من حمد" قال الحافظ: " أصل هذا قول أبي عبيدة، في مجاز القرآن، في قوله: عليكم أهل البيت أي: محمود ماجد" (٢) .
قال الكرماني: " غرضه منه، أن مجيداً بمعنى فاعل، كقدير بمعنى قادر، حميداً بمعنى مفعول، فلذلك قال: " مجيد من ماجد، حميد من محمود، قال: وفي بعض النسخ: محمود من حميد، وفي أخرى: من حمد، مبنى للفاعل، والمفعول أيضاً، وذلك لاحتمال أن يكون حميد بمعنى حامد، ومجيد بمعنى ممجد، ثم قال: وفي عبارته تعقيد" (٣)
قال الحافظ: " قلت: وهو في قوله: " محمود من حمد" وقد اختلفت الرواة فيه، والأولى فيه ما وجد في أصله، وهو كلام أبي عبيدة " (٤) .
"فالحميد الذي له من الصفات، وأسباب الحمد، ما يقتضى أن يكون محموداً، وإن لم يحمده غيره، فهو حميد في نفسه.
стр. 366
والمحمود: من تعلق به حمد الحامدين، والحمد والمجد إليهما يرجع الكمال كله، فإن الحمد يستلزم الثناء والمحبة للمحمود، فمن أحببته ولم تثن عليه لم تكن حامداً له.
وهذا الثناء والحب، يتبع الأسباب المقتضية له، وهو ما عليه المحمود من صفات الكمال، ونعوت الجلال، والإحسان إلى الغير، فإن هذه هي أسباب المحبة، وكلما كانت هذه الصفات أجمع وأكمل، كان الحمد والحب أتم وأعظم.
والله - سبحانه - له الكمال المطلق، الذي لا نقص فيه بوجه، والإحسان كله له ومنه، فهو أحق بكل حمد، وبكل حب، فهو أهل أن يحب لذاته، ولصفاته، ولأفعاله، ولأسمائه، ولإحسانه، ولكل ما صدر منه.
والمجد مستلزم للعظمة، والسعة، والجلال، كما يدل عليه موضوعه في اللغة" (١) .
يقال: استمجد المرخ والعفار؛ لكثرة النار فيهما.
قال ابن القيم: " ومن أسمائه -تعالى- ما هو دال على جملة أوصاف عديدة، لا يختص بصفة معينة، بل هو دال على معناه، لا على معنى مفرد، نحو المجيد، العظيم، الصمد، فإن المجيد: من اتصف بصفات متعددة، من صفات الكمال، ولفظه يدل على هذا، فإنه موضوع في اللغة للسعة، والكثرة، والزيادة، فمنه: استمجد المرخ والعفار، وأمجد الناقة علفاً، ومنه ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ صفة للعرش، لسعته وعظمته وشرفه" (٢) .
стр. 367
٤٧-قال: " حدثنا عبدان، عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، عن عمران بن حصين، قال: " إني عند النبي ﷺ إذ جاءه قوم من بني تميم، فقال: " اقبلوا البشرى يا بنى تميم" قالوا: بشرتنا فأعطنا، فدخل ناس من أهل اليمن، فقال: " اقبلوا البشرى يا أهل اليمن، إذ لم يقبلها بنو تميم" قالوا: قبلنا، جئناك لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ قال: " كان الله، ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء" ثم أتاني رجل، فقال: يا عمران، أدرك ناقتك، فقد ذهبت، فانطلقت أطلبها، فإذا السراب ينقطع دونها، وايم الله لوددت أنها ذهبت ولم أقم".
عمران، هو أبو نجيد، بضم النون وفتح الجيم، ابن حصين، الخزاعي، البصري، أسلم عام خيبر، سنة سبع، وشهد ما بعدها من غزوات رسول الله ﷺ ، وكان من فضلاء الصحابة، وكانت الملائكة تسلم عليه مواجهة، وكان مجاب الدعوة، بعثه عمر إلى أهل البصرة يفقههم، وكان الحسن البصرى يحلف بالله ما قدمها مثله، اعتزل الناس في الفتنة، فلم يشهد شيئاً من حروبها، مات في البصرة سنة اثنتين وخمسين، ﵁ (١) .
قوله: إني عند النبي ﷺ في الرواية التي ذكرها في بدء الخلق: " دخلت على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب (٢) .
стр. 368
ويظهر أن هذه الواقعة في المدينة، في آخر حياة النبي ﷺ ، ولهذا ذكرها البخاري في آخر المغازي، في ذكر الوفود على النبي ﷺ .
قوله: " اقبلوا البشرى يا بني تميم" وفي رواية: " أبشروا يا بني تميم"، والمراد بهذه البشرى: الخير العظيم الذي يترتب على الإسلام، والنجاة من العذاب العظيم الذي يترتب على عدم الدخول في الإسلام، وذلك في الدنيا والآخرة.
قال الحافظ: " والمراد بهذه البشارة: أن من أسلم نجا من الخلود في النار، ثم بعد ذلك يترتب جزاؤه على وفق عمله، إلا أن يعفو الله" (١) .
"وتميم: اسم رجل، وهو تميم بن مر بن إد بن طابخة - واسم طابخة- عمرو بن إلياس بن مضر، والتميم في اللغة: الشريد" (٢) . " قالوا: بشرتنا فأعطنا" يظهر أنهم ما فهموا مقصد الرسول ﷺ بما أراده بالبشرى، أو أن رغبتهم في العاجلة، فعلقوا بها آمالهم، فقدموا ذلك على التفقه في الدين، والإقبال على تفهم ما قاله الرسول ﷺ ، ولهذا كره رسول الله ﷺ قولهم، كما في الرواية الأخرى، وغير لون وجهه حيث استشعر قلة فقههم في الدين، ورغبتهم في الآخرة، والله أعلم.
"فدخل ناس من أهل اليمن " تقدم ذكر اليمن، وسبب تسميته في شرح حديث معاذ، "فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن، إذ لم يقبلها بنو تميم" البشرى: اسم من البشير، وهي الإخبار بما يسر ويفرح غالباً، وسميت بذلك لأنه يظهر أثرها على بشرة الوجه.
قال الحافظ: " أي: اقبلوا مني ما يقتضي أن تبشروا بالجنة، إذا أخذتم به" (٣) . ويؤخذ من هذا: أنه ينبغي - بل يتعين - قبول ما جاء عن الله ورسوله،
стр. 369
بدون توقف أو استفسار، أو طلب للعلة والسبب؛ لأن قول بني تميم: " بشرتنا فأعطنا" لا يدل بظاهره على أنهم لم يقبلوها، ومع ذلك جعل عدم فهمهم للمقصود وطلبهم لأمر عاجل، عدم قبول للبشرى.
قوله: " جئناك لنتفقه في الدين" الفقه هو الفهم، أي: فهم المراد، أي: أننا قد آمنا بك، وبما جئت به، وأتينا إليك لتفهمنا ديننا الذي جئت به، وتعلمنا ما نعتقده، ونعمل به، وهذا من توفيق الله لعبده؛ أن يهتم بالتفقه في دينه، حتى يعبد ربه على علم وبصيرة.
قله: " ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان "؟ الإشارة في قوله: " هذا" تعود إلى شيء مشاهد، حاضر، موجود، وهو هذا الخلق المرئي، من السماوات والأرض، وما بينهما، وما فيهما، والمعنى: جئنا نسأل عن مبدأ خلق هذه المخلوقات المشاهدة، وهذا هو الظاهر.
قال الحافظ: " كأنهم سألوا عن أحوال هذا العالم، وهو الظاهر، ويحتمل أن يكونوا سألوا عن أول جنس المخلوقات" (١) .
قلت: الاحتمال الثاني بعيد، بل باطل، كما يأتي بيانه في كلام شيخ الإسلام، وقوله في الحديث: " عن أول هذا الأمر" برده؛ لأن الإشارة إلى المخلوقات المشاهدة كما تقدم، وجوب السؤال يدل على أنهم سألوا عن مبدأ هذا العالم المشاهد، والأمر يطلق ويراد به المأمور، ويراد به المصدر، الذي هو حكم الأمر، والأول هو المراد هنا قطعاً.
وقد رد شيخ الإسلام احتمال كونهم سألوا عن أول جنس المخلوقات من وجوه كثيرة، وبين أن ذلك باطل، وذكر أن الحديث روي بثلاثة ألفاظ:
أحدها: المذكور هنا: " كان الله ولم يكن شيء قبله".
والثاني: " كان الله، ولم يكن شيء معه".
стр. 370
والثالث: " كان الله ولم يكن شيء غيره".
ثم قال: " لا بد أن يكون الرسول ﷺ قال أحدها؛ لأن المجلس كان واحداً، وسؤالهم وجوابهم في ذلك المجلس، وعمران الذي روى الحديث لم يبق في المجلس إلى انقضائه، بل ذهب لما أخبر بذهاب راحلته، وهو أخبر بلفظ الرسول ﷺ ولم يرو هذا الحديث غيره، فدل ذلك على أن الرسول ﷺ قال واحداً من هذه الألفاظ، والآخران رويا بالمعنى، فيكون ما قاله: هو لفظ "القبل"؛ لما في "صحيح مسلم"، من قوله ﷺ : " أنت الأول فليس قبلك شيء" (١) .
وأكثر أهل الحديث يرويه بهذا اللفظ، وهو ذكر الجمل الثلاث بالواو، وهي:
١-" قوله: كان الله، ولم يكن شيء قبله ".
٢-" وكان عرشه على الماء".
٣-" وكتب في الذكر كل شيء".
ولم يذكر شيئاً منها بثم، وإنما جاء ذلك في خلق السماوات والأرض.
والواو، لا تفيد الترتيب، على الصحيح، فلا يكون في ذلك ذكر أول المخلوقات، بل ولا فيه الإخبار بخلق العرش، والماء، وإن كان ذلك كله مخلوقاً، ولكن المقصود أن جوابه لأهل اليمن، عند بدء خلق السموات والأرض، وما بينهما، وهي المخلوقات التي خلقت في ستة أيام، لا ابتداء ما خلقه الله قبل ذلك.
ويدل على ذلك، أنه أخبر عن تلك الأشياء بما يدل على وجودها، ولم يتعرض لابتداء خلقها، وذكر السموات والأرض بما يدل على خلقها، سواء قال: " خلق السموات والأرض" أو قال: " وثم خلق السموات والأرض" فعلى التقديرين، أخبر بخلق ذلك، وكل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن.
فتبين أنه لم يكن مقصوده الإخبار عن أول جنس المخلوقات، بل ولا الإخبار عن خلق العرش والماء، وإنما مقصوده الإخبار عن بدء خلق السموات
стр. 371
والأرض وما بينهما، حين كان عرشه على الماء" (١)
وقد ثبت في حديث عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء " (٢) .
ولما كان شيخ الإسلام يقرر هذا، وهو أن الله لم يزل فعالاً لما يريد، ويرد على من يقول: المعنى: كان الله ولا شيء معه، أي: لا مخلوق، ولا فعل، ولا مفعول، ثم صار يخلق ويفعل بعد أن لم يكن يفعل ويخلق، وهذا هو قول الجهمية، والمعتزلة.
لما كان يقرر ذلك، ويرد قول الجهمية والمعتزلة، ظن كثير ممن لم يفهم مراده ولم يعرف مذهب أهل السنة في هذه المسألة، زن أنه يقول بقدم العالم؛ لأنه يقول بحوادث لا أول لها، لأنهم يسمون أفعال الله الاختيارية التي يفعلها بإرادته: حوادث.
وما علم هؤلاء أن لازم قولهم، أشنع، وأفظع، وهو أن الرب -تعالى- كان معطلاً عن الفعل، ثم صار فعالاً لأفعاله بعد أن لم يكن كذلك.
مع أن ما قاله شيخ الإسلام هو مذهب السلف، مثل الإمام أحمد والدارمي والبخاري وغيرهم.
قال الإمام أحمد في رده على الجهمية: " فلما ظهرت عليه الحجة، قال: إن الله يتكلم، ولكن كلامه مخلوق.
قلنا: وكذا بنو آدم كلامهم مخلوق، فقد شبهتم الله بخلقه، حين زعمتم أن كلامه مخلوق.
стр. 372
ففي مذهبكم: قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم، حتى خلق التكلم، وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق الله لهم كلاماً.
وقد جمعتم بين كفر، وتشبيه، وتعالى الله عن هذه الصفة.
بل نقول: إن الله لم يزل متكلماً إذا شاء، ولا نقول: إنه كان، ولا يتكلم حتى خلق الكلام، ولا نقول: إنه قد كان لا يعلم، حتى خلق علماً فعلم، ولا نقول: إنه قد كان ولا قدرة له، حتى خلق لنفسه القدرة، ولا نقول: إنه كان ولا نور له، حتى خلق لنفسه نوراً، ولا نقول: إنه كان ولا عظمة له، حتى خلق لنفسه عظمة.
فقال الجهمية - لما وصفنا الله بهذه الصفات -: إن زعمتم أن الله ونوره، والله وقدرته، والله وعظمته، فقد قلتم بقول النصارى، حين زعموا أن الله لم يزل ونوره، ولم يزل وقدرته.
قلنا: لا نقول: إن الله لم يزل وقدرته، ولم يزل ونوره، ولكن نقول: لم يزل بقدرته ونوره، متى قدر، ولا كيف.
فقالوا: لا تكونوا موحدين أبداً، حتى تقولوا: قد كان الله ولا شيء.
فقلنا: نحن نقول: قد كان الله ولا شيء، ولكن إذا قلنا: إن الله لم يزل بصفاته كلها، أليس إنما نصف إلهاً واحداً بجميع صفاته؟
وضربنا لهم مثلاً في ذلك، فقلنا: أخبرونا عن هذه النخلة، أليس لها جذع، وكرب، وليف، وسعف، وخوص، وجمار، واسمها اسم شيء واحد، وسميت نخلة بجميع صفاتها، فكذلك الله - وله المثل الأعلى - بجميع صفاته، إله واحد.
ولا نقول: إنه كان في وقت من الأوقات ولا قدرة له حتى خلق له قدرة، والذي ليس له قدرة هو عاجز.
стр. 373
ولا نقول: قد كان في وقت من الأوقات لا يعلم حتى خلق له علماً، والذي لا يعلم هو جاهل" (١) .
بين الإمام - رحمه الله تعالى - أنه -تعالى- لم يزل متكلماً، قادراً، فعالاً لما يريد، فلم يكن قبل وجود الخلق معطلاً عن الفعل، كما هو مقتضى قول الذين أنكروا وجود حوادث لا أول لها، وزعموا أن هذا قول الفلاسفة الدهرية، وفي الواقع هو قول السلف، وهو الذي دلت عليه نصوص الشرع، وأيده العقل، وإن كان كل مفعول معين حادث بعد أن لم يكن، وأما فعل الله الذي هو صفته فلم يزل، فلا أول له.
فمفعولات الله -تعالى- باعتبار أعيانها لها مبدأ فهي كائنة بعد العدم.
أما باعتبار كون الفعل صفة من صفات الله -تعالى-، وإن لم يكن متعلق موجود، فهو لا أول له.
قال الإمام أبو سعيد الدارمي ﵀: " والله -تعالى وتقدس اسمه - كل أسمائه سواء، لم يزل كذلك، ولا يزال، لم تحدث له صفة ولا اسم لم يكن، كذلك كان خالقاً قبل المخلوقين، ورازقاً قبل المرزوقين، وعالماً قبل المعلومين، وسميعاٌ قبل أن يسمع أصوات المخلوقين، بصيراً قبل أن يرى أعيانهم مخلوقة" (٢) .
والمقصود أن الله لم يزل فعالا لما يريد، وأنه لم يكن معطلاً عن الفعل حتى خلق هذا الكون المشهود، الذي سأل عن مبدئه أهل اليمن، قال شيخ الإسلام:
" لا نزاع بين أهل الملل أن الله - سبحانه - كان قبل أن يخلق هذه الأمكنة والأزمنة، وأن وجوده لا يجب أن يقارن هذه الأزمنة والأمكنة" (٣) .
قوله: " كان الله، ولم يكن شيء قبله " تقدم في كلام شيخ الإسلام أن هذا اللفظ هو الذي قاله الرسول ﷺ وأن اللفظين الآخرين رويا بالمعنى، وهما " لم يكن
شيء غيره " و" لم يكن شيء معه"، وأيد ذلك بأنه من معنى قوله - تعالى -: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤) .
стр. 374
فقوله -تعالى-: ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ هو الذي ليس قبله شيء، كما في "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه كان يقول: " اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، ليس بعدك شيء، وأنت الظاهر، فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء" (١) .
وأما قول الحافظ: " قضية الجمع بين الروايتين، تقتضي حمل هذه على رواية: "ولا شيء غيره"، لا العكس، والجمع يقدم على الترجيح بالاتفاق" (٢)
فيقال له: هذا لو احتمل أن يكون الحديث صدر منه ﷺ في مقامين، أما إذا كان في مجلس واحد، والراوي واحد، وقد أخبر أنه لم يبق إلى نهاية المجلس، بل قام لما سمع هذا القول من النبي ﷺ ولحق براحلته، فلا بد أن اللفظ الذي سمعه أحد هذه الألفاظ الثلاثة، والآخران رويا بالمعنى، فأصبح الجمع لا وجه له.
وحمل هذه الرواية على رواية " ولا شيء غيره" بلا دليل، حمل عليه التعصب للمذهب، وإلا فالواجب حملها على المعروف من كلام النبي ﷺ الموافق لكلام الله -تعالى- كما تقدمت الإشارة إليه.
وأما قوله: إن هذه المسألة من مستشنع ما ينسب لابن تيمية، فقد تقدم أن هذا هو مذهب السلف، وأن ما يريد ترجيحه الحافظ هو مذهب الجهمية والمعتزلة، والأشعرية، من أهل البدع، والله أعلم.
وكلمة "كان" هنا تفيد الأزلية، والأزلية هي: ما لا بداية له.
قال الطيبي: " لفظة كان في الموضعين - يعني " كان الله" و"كان
стр. 375
عرشه على الماء"- بحسب حال مدخولها، فالمراد بالأول: الأزلية والقدم، وبالثاني الحدوث بعد العدم" (١) .
"وقال ابن عباس: "كان ولا يزال" ولم يقيد كونه بوقت دون وقت، ويمتنع أن يحدث له غيره، صفة، بل يمتنع توقف شيء من لوازمه على غيره - سبحانه- فهو المستحق لغاية الكمال، وذاته هي المستوجبة لذلك الكمال المطلق، وهو المحمود على ذلك، أزلاً وأبداً، ولا يحصي الخلق ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه" (٢) .
وقال الراغب: " كان عبارة عما مضى من الزمان، وفي كثير من وصف الله -تعالى- تنبئ عن معنى الأزلية، قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٣) ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ (٤) ، وما استعمل منه في جنس الشيء متعلقاً بوصف له هو موجود فيه، فتنبيه على أن ذلك الوصف لازم له، قليل الانفكاك منه، نحو قوله في الإنسان: ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ (٥) ، وإذا استعمل في الزمان الماضي، فقد يجوز أن يكون المستعمل فيه على حالته، ويجوز أن يكون قد تغير، نحو: كان فلان كذا ثم صار كذا" (٦) .
ومعنى قوله: "كان الله، ولم يكن شيء قبله" أنه -تعالى- هو الأول قبل كل شيء، الذي لا يتصور لأوليته مبدأ، حتى يمكن أن يتصور قبله شيء، بل هو الأول بلا بداية، كما أنه الآخر بلا نهاية، فما من غاية يقدرها العقل إلا وأزليته -تعالى- قبلها، بلا غاية محدودة، والأزل معناه عدم الأولية، فليس الأزل
стр. 376
شيئاً محدوداً، فلو قدر أن الأرض كلها وعاء مملوء ذرات، وبعد مليون سنة تفنى ذرة واحدة فقط، لفنيت الذرات كلها، والأزل باق، بل لو فرض أضعاف أضعاف ذلك بالملايين، والمقصود بذلك التقريب إلى الفهم فقط، وإلا فالأزل ليس له بداية أبداً.
قوله: " وكان عرشه على الماء" أي: وقت خلق السموات والأرض كان عرشه على الماء، والمراد هنا الإخبار بكون العرش على الماء، عند ابتداء خلق السموات والأرض.
قال ابن خزيمة: " معنى قوله: "وكان عرشه على الماء" كقوله: ﴿وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (١) ، يعني: أن "كان" هنا لا تدل على أن ذلك أمر قد مضى، وانقضى، بل تدل على ثبوته، فهو كان، ولا يزال على ما كان، و"ليس معنى ذلك أن شيئاً من مفعولاته قديم معه، بل هو خالق كل شيء، ولك شيء سواه مخلوق له، وكل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن، مع أنه -تعالى- لم يزل بصفاته خالقاً فعالاً لما يريد".
ومن المعلوم أن الخلق صفة كمال، كما قال -تعالى-: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾ (٢) ، فلا يجوز أن ينفك عن هذه الصفة، ولكن كل مخلوق محدث، مسبوق بالعدم، وليس مع الله شيء قديم، ولا شك أن هذا أبلغ في الكمال، من أن يكون معطلاً غير قادر على الفعل.
وأما جعل المفعول المعين مقارناً له -تعالى- أزلاً وأبداً، فهو باطل عقلاً وشرعاً، ولا يقوله إلا جاهل أو معطل.
"والأدلة على بدء خلق الأفلاك، وخلق الزمان - الذي هو مقدار حركة الفلك - كثيرة، أخبرت بها الرسل، كما أخبرت أنها خلقت من مادة موجودة قبلها، وفي زمان قبل هذا الزمان، فإن الله -تعالى- أخبر أنه خلق السموات
стр. 377
والأرض وما بينهما في ستة أيام، وسواءً قيل: إن تلك الأيام بمقدار هذه الأيام المعروفة بطلوع الشمس وغروبها، أو أنها أكبر منها، وأن كل يوم قدره ألف سنة.
والحق أن تلك الأيام، التي خلقت فيها السموات والأرض غير هذه الأيام، وغير الزمان الذي هو مقدار حركة هذه الأفلاك، وأن تلك الأيام مقدرة بحركة أجسام موجودة قبل خلق السماوات والأرض.
وقد أخبر أنه ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (١) فخلقت من الدخان.
وقد جاءت الآثار عن السلف، أنها خلقت من بخار الماء، وهو الماء الذي كان العرش عليه، قبل وجود هذا الخلق، كما قال -تعالى-: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ (٢) .
فأخبر -تعالى- أنه خلق السماوات والأرض في مدة، ومن مادة، ولم يذكر القرآن أنه خلق شيئاً من لا شيء، ولا يعارض هذا بقوله -تعالى-: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ (٣) ؛ لأنه تعالى قد أخبر أنه خلقه من نطفة" (٤) ، وخلق أباه من تراب، وقد أخبر الرسول ﷺ أن الملائكة خلقت من نور، والجن من النار.
وهذه الجملة من الحديث هي محل الشاهد، وهو دليل على عظم العرش، وأن له شأناً غير شأن السماوات والأرض، وأن وجوده قبل وجودهما.
وقوله: " ثم خلق السماوات والأرض " نص في ذلك؛ لأن "ثم" تفيد الترتيب مع التراخي، أي: ترتيب خلق السماوات والأرض على وجود العرش والماء.
ولا شك أن العرش والماء مخلوقان، ولم يذكر الله - جل وعلا- لنا وقت خلق العرش والماء، كما لم يذكر لنا أن له مخلوقات قبلهما، ولكن النصوص من الوحي، والفطرة والعقل السليم، تدل على أن الله -تعالى- لم يزل يفعل ما يشاء، ويتكلم
стр. 378
بما يشاء، وهذا من الكمال الواجب له، والذي يليق به -تعالى-.
وما يقوله المتكلمون من المعتزلة، والأشاعرة، ومن تبعهم، من أن هذا الكون المشاهد لنا، وما يتصل به من السموات والأرض، وكذلك العرش والماء، هو مبدأ فعله وخلقه، وليس قبله شيء من مفعولاته، يخالف كماله الواجب له -تعالى-.
فإنه وصفه -تعالى- بأنه لم يكن قادراً على الفعل والكلام ونحوهما من صفات الكمال، ثم صار قادراً على ذلك، فيه نقص يجب أن ينزه عنه، وقدرته التامة الكاملة التي هي من لوازم ذاته -تعالى- تفيد خلاف هذا القول، وهي من أظهر صفات الكمال، ولا يجوز أن تقيد صفاته -تعالى- وأفعاله بوقت دون وقت.
وباليقين العقلي يمتنع أن يكون قادراً بعد أن لم يكن كذلك، إلا بأمر جعله قادراً، ومن المحال أن يؤثر فيه شيء غيره، فإذا لم يكن هناك إلا العدم المحض استحال كونه قادراً، بعد أن لم يكن كذلك.
كما يمتنع أن يكون عالماً بعد أن لم يكن كذلك، وأن يكون سميعاً بصيراً، بعد أن لم يكن، أما المخلوق المفعول، مثل الإنسان، فإنه كان غير عالم، ولا قادر، فجعله الله عالماً قادراً.
وقوله: " وكتب في الذكر كل شيء" الكتابة هنا أضيفت إلى الله -تعالى- ولا يتعين منه أنه -تعالى- باشر الكتابة بنفسه، بل يجوز أن يأمر بذلك ما يشاء.
وقد جاء الحديث عن رسول الله ﷺ موضحاً ذلك، كما في حديث عبادة بن الصامت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: رب، وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة" (١) .
والمقصود بالذكر هنا: محل الكتابة، وهو اللوح المحفوظ.
стр. 379
"والمراد أنه -تعالى- كتب كل ما أراد إيجاده من تلك الساعة التي جرت فيها الكتابة إلى قيام الساعة.
ولفظة "كل شيء" يعم في كل موضع بحسب ما سيقت له، كما في قوله -تعالى-: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ و ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ و ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
و ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ و ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) .
وقوله: " فإذا السراب ينقطع دونها" أي يشاهدها من خلق السراب، فهو ينقطع بينه وبينها لبعدها، فيراها مرة، وأخرى يكاد يخفيها السراب.
وقوله: " وايم الله " قيل معناه: يمين الله، فهو قسم مشهور عند العرب، وفيه لغات عدة.
وقوله: " لوددت أنها ذهبت، ولم أقم" يقول: إن رغبتي والأحب إليَّ أني بقيت في مجلسي عند رسول الله ﷺ أتعلم منه الإيمان والعلم، ولم أقم في طلب راحلتي، بل أتركها مؤثراً ما أسمعه من رسول الله ﷺ من غذاء القلب والروح، على راحلتي، وهذا شأن صحابة رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم - في حرصهم على التعلم منه، والبحث عن الهدى والخير، ولهذا حفظوا كل ما قاله الرسول ﷺ وما فعله، والبحث عن الهدى والخير، ولهذا حفظوا كل ما قاله الرسول ﷺ وما فعله، حتى نقلوا لنا تحرك شعر لحيته وهو يصلي، وغير ذلك، فجزاهم الله خيراً، وقاتل من يبغضهم وينتقصهم.
стр. 380
٤٨-قال: " حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام، حدثنا أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إن يمين الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم ينقص ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى الفيض - أو القبض- يرفع، ويخفض".
قد تقدم هذا الحديث في باب قول الله -تعالى-: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ، وتقدم الكلام عليه، وما هنا يختلف عن الماضي في سنده، وفي بعض ألفاظه، على عادة المؤلف ﵀ إذا كرر الحديث، فلا بد أن يأتي بما يغاير السابق، أما في السند والمتن، أو في أحدهما، إلا إذا تيسر له ذلك، وهو نادر.
والذي تقدم فيه "يد الله ملأى" وما هنا " إن يمين الله ملأى".
وما تقدم فيه " وقال: أرأيتم"، وهنا كلمة "قال" ليست موجودة.
وما تقدم فيه " فإنه لم يغض ما في يده"، وما هنا " فإنه لم ينقص ما في يمينه"
وما تقدم فيه "وقال: عرشه على الماء "، وهنا لفظة "قال" غير موجودة.
وما تقدم " وبيده الأخرى الميزان"، وهنا "وبيده الأخرى الفيض - أو القبض-" هذا في المتن، وأما السند فهو غير المتقدم.
والمقصود قوله: " وعرشه على الماء" أي أنه -تعالى- لما خلق السماوات والأرض، كان عرشه على الماء، فوجود العرش والماء سابق وجود السماوات والأرض بزمن طويل جداً -تعالى- الله أعلم بمقداره.
стр. 381
٤٩-قال: " حدثنا أحمد، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، قال: جاء زيد بن حارثة، يشكو، فجعل النبي ﷺ يقول: " اتق الله وأمسك عليك زوجك" قال (١) أنس: لو كان رسول الله ﷺ كاتماً شيئاً لكتم هذه، قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله -تعالى- من فوق سبع سماوات".
وعن ثابت: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ نزلت في شأن زينب وزيد بن حارثة".
زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، مولى رسول الله ﷺ .
ذكر الحافظ في "الإصابة" نقلاً عن الكلبي بسنده، قال: " زارت سعدى أم زيد قومها وزيد معها، فأغارت خيل لبني القين بن جسر، على أبيات بني معن، فاحتملوا زيداً وهو غلام يفعة، فأتوا به سوق عكاظ، فعرضوه للبيع، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد، بأربعمائة درهم، فلما تزوجها رسول الله ﷺ وهبته له، ثم جاء والده حارثة، وعمه كعب، يريدان فداءه، فطلبا ذلك من رسول الله ﷺ فقال لهما رسول الله: " ادعوه فخيروه، فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني، فوالله ما أنا بالذي أختار على من أختارني " فاختار زيد رسول الله ﷺ ، فقال له والده وعمه: ويحك يا زيد، أتختار العبودية على الحرية؟ فقال: إني رأيت من هذا الرجل شيئاً ما أنا بالذي أختار عليه أحداً.
стр. 382
لما رأى رسول الله ﷺ ذلك خرج به إلى المحجر، وقال: اشهدوا أن زيداً ابني، عند ذلك طابت نفس والده وعمه.
وزوجه رسول الله ﷺ زينب بنت جحش، وهي ابنة عمته أميمة بنت عبد المطلب، ثم لم يتلاءما، فطلقها زيد، فزوجها الله -تعالى- نبيه؛ لحكمة ذكرها الله -تعالى- في القرآن.
قال ابن عمر: " إن زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ (١) .
كان زيد هو الأمير في غزوة مؤتة، واستشهد فيها ﵁" (٢) .
قوله: " جاء زيد بن حارثة يشكو" أي: جاء إلى رسول الله ﷺ يشكو زوجه زينب ويستشيره في طلاقها؛ لأنها كانت تترفع عليه، وتقابله ببعض الكلام غير المناسب؛ لحدة كانت فيها، كما روى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: " جاء زيد بن حارثة، فقال: يا رسول الله، إن زينب اشتد عليَّ لسانها، وأنا أريد أن أطلقها؟ فقال له: " اتق الله، وأمسك عليك زوجك" (٣) .
وهذا منقطع، وقد ذكر كثير من المفسرين والمؤرخين آثاراً موضوعة، مكذوبة على رسول الله ﷺ في قصة زواجه ﷺ بزينب، وبعضها ضعيف، لا يثبت به حكم.
ثم استغل تلك الأخبار بعض أعداء الرسل، من زنادقة وكفار ملاحدة، متقدمون، ومتأخرون، واغتر بذلك كثير من الجهلة.
стр. 383
وقد بين الله -تعالى- المقصود من زواج رسوله ﷺ بزينب بقوله: ﴿فلما قض زيد منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً وكان أمر الله مفعولاً﴾ (١) .
المعنى: لما فرغ زيد منها وطابت نفسه عنها، وطلقها، أمرناك بتزوجها؛ لئلا يبقى في قلوب المؤمنين حرج في تزوج زوجات أدعيائهم، الذين تبنوهم، فصاروا يدعون إليهم، فيقال: ابن فلان، وليس ابناً له، إذا فارقوهن.
وهذا إمعان في إبطال هذا التبني، الذي كان معروفاً في الجاهلية الأولى كما عرف في الجاهلية الحاضرة، حيث أمر الله -تعالى- إمام المسلمين وقدوتهم بذلك، وكان زيد بن حارثة قد تبناه رسول الله ﷺ كما تقدمت الإشارة إليه، فكان يدعى بزيد بن محمد، فأبطل الله -تعالى- ذلك بقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴿٤﴾ ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (٢) .
فهو -تعالى- يعلم عباده أن أدعياءهم الذين هم مواليهم، ودعوهم أبناء لهم، أنهم ليسوا لهم بأبناء؛ لأنهم أبناء رجال آخرين.
وقد أوحى الله -تعالى- إلى رسوله بأنه سوف يتزوج زينب، أوحى الله بذلك إليه قبل أن يطلقها زيد، فلما جاء يشكوها إليه، ويستشيره في طلاقها، قال له: " اتق الله يا زيد، وأمسك عليك زوجك" فعاتبه الله -تعالى-: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي
стр. 384
فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (١) . الآية.
والذي كان ﷺ يخفيه، هو كراهيته لزواجها؛ خوفاً من قالة الناس أنه تزوج زوجة ابنه.
قال ابن حجر: " والحاصل: أن الذي كان يخفيه هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس: تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان الجاهلية عليه، من أحكام التبني، بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوج امرأة الذي يدعي ابناً ﴿له﴾ ، ووقوع ذلك من إمام المسلمين؛ ليكون أدعى لقبولهم.
وإنما وقع الخبط في تأويل متعلق الخشية، والله أعلم " (٢) .
يشير إلى ما ذكره بعض المفسرين من أقوال باطلة، وقصص موضوعة مكذوبة.
قوله: "قال أنس: لو كان رسول الله ﷺ كاتماً شيئاً لكتم هذه".
أي: لو قدر على سبيل الفرض الممتنع شرعاً كتم شيء من الوحي، لكان في هذه الآية، ولكنه غير واقع بل ممتنع شرعاً.
وهذه الآية من أعظم الأدلة لمن تأملها على صدق الرسول ﷺ ، فالله - تعالى - يخبر عما وقع في نفسه من خشية الناس، فبلغه كما قال الله -تعالى- مع ما تضمنه من لومه، بخلاف حال الكذاب، فإنه يتجنب كل ما يمكن أن يكون فيه عليه غضاضة، ومثل ذلك قوله -تعالى-: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ إلى آخر الآيات ونظائرها في القرآن.
وقوله: " فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ ".
стр. 385
الفخر: هو ذكر المحاسن، وعدها، مباهاة بها غيره.
قال الجوهري: " الفخر: الافتخار، وعد القديم" (١) .
فزينب ﵂ تعتد بأن زواجها برسول الله ﷺ كان بأمر الله له بذلك، وأنه من أعظم فضائلها، وأنه لا يساويها في ذلك من أزواجه أحد.
قوله: " تقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله - تعالى - من فوق سبع سماوات".
هذا القدر من الحديث هو محل الشاهد، وهو ثبوت علو الله -تعالى- وتقرره لدى المؤمنين، فهو أمر مسلم به بين عموم المسلمين، بل بين عموم الخلق إلا من غيرت فطرته، لهو من الصفات المعلومة بالسمع، والعقل، والفطرة، عند كل من لم تنحرف فطرته.
وأما الاستواء على العرش فهو من الصفات المعلومة بالسمع، لا بالعقل، كما نبه على ذلك شيخ الإسلام (٢) ، وغيره من الأئمة.
ومعنى قولها: " وزوجني الله" أي: أمر رسوله بأن يتزوجها بقوله -تعالى-: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا﴾ وتولى -تعالى- عقد زواجها عليه.
وقوله في الرواية الأخرى: " نزلت آية الحجاب في زينب بنت جحش".
آية الحجاب هي قوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ إلى آخر الآية. (٣)
قوله: " وأطعم عليها يومئذ خبزاً ولحماً".
أي: صنع وليمة لزواجه بها، من
стр. 386
الخبز، واللحم، وهذا النوع من الطعام هو أعلى ما يمكن في زمنه ﷺ .
قوله: " تقول: إن الله أنكحني في السماء".
هو كقولها السابق: " وزوجني الله من فوق سبع سماوات "، وكثير ما تأتي "في" بمعنى "على" أي: إن زواجي صدر من الله -تعالى- حيث أمر رسوله به، وتولى عقد نكاحها عليه، والله في السماء.
فإما أن تكون "في" بمعنى على، أو يراد بالسماء العلو، وكلاهما صحيح مستقيم جاءت به النصوص، قال -تعالى-: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا﴾ (١) وقال -تعالى-: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء﴾ (٢) .
ولما كان مستقراً في نفوس المخاطبين أن الله -تعالى- هو العلي الأعلى، وأنه فوق كل شيء، كان المفهوم من قوله: " أنه في السماء" أنه في العلو، وأنه فوق كل شيء ولهذا قالت: " من فوق سبع سماوات ".
وكذلك الجارية، لما قال لها النبي ﷺ : " أين الله؟ قالت: في السماء" (٣) إنما أرادت: العلو، وإذا قيل: العلو، فإنه يتناول ما فوق المخلوقات كلها، فما فوقها كلها هو في السماء، ولا يقتضي هذا أن يكون هناك ظرف وجودي يحيط به، إذ ليس فوق العالم شيء موجود إلا الله -تعالى-.
وكذلك إذا قيل: العرش في السماء، فإنه لا يقتضي أن يكون العرش في شيء آخر موجود مخلوق، وإن قدر أن السماء المراد بها الأفلاك، وكان المراد أنه عليها، كما قال: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ﴾ (٤) ، وقال: ﴿وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٥) ، وقال: ﴿فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ﴾ (٦) ، ويقال: فلان في الجبل، وفي
стр. 387
السطح، وإن كان على أعلى شيء منه، فإن حرف "في" يتعلق بما قبله، وبما بعده، فيكون بحسب المضاف إليه.
ولهذا يفرق بين كون الشيء في المكان، وكون الماء في الإناء، وكون الوجه في المرآة، وكون الكلام في الكتاب، وكون العرش والجنة في السماء، فإن لكل نوع من هذه خاصة يتميز بها عن غيره.
стр. 388
٥٠-قال: " حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد؛ عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " إن الله لما قضى الخلق، كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي".
قوله: " قضى الله الخلق" قضي: يأتي بمعنى حكم، وأمر، وقدر، وفرغ، وأمضى، وأتقن، ومعناها هنا: فرغ من خلق المخلوقات، فهو نحو قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أو فرغ من تقدير الخلق، ويدل لذلك الرواية الآتية في آخر الكتاب " قبل أن يخلق الخلق".
وتقدم هذا الحديث في باب قول الله،: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ وقد غاير بين سنده هنا وهناك، وفي متنه بعض الاختلاف، ففي الرواية المتقدمة " لما خلق الله الخلق " وهنا " إن الله لما قضى الخلق"، وهناك "كتب في كتابه وهو يكتب على نفسه، وهو وضع عنده على العرش، وهنا "كتب عنده، فوق عرشه" وهناك " إن رحمتي تغلب غضبي"، وهنا "سبقت غضبي".
وقد مضى شرحه، والمقصود هنا، قوله: " عنده، فوق عرشه، " هذان ظرفان مختصان بالمكان، وقد أضيفا إلى الله -تعالى-، فلا بد أن هذه الإضافة تقتضي تخصيصاً للعرش على غيره من السماوات والأرض.
"فإضافة العرش إلى الله إضافة مخصوصة، وقد قال -تعالى-: ﴿عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (١) ، فإذا كان العرش مضافاً إلى الله في هذه الآية ونحوها إضافة اختصاص، فذلك يوجب أن يكون بينه وبين الله -تعالى- من النسبة ما ليس لغيره، فما يذكره الجهمية من الاستيلاء، والقدرة، وغير ذلك، أمر مشترك بين العرش، وسائر المخلوقات" (٢) .
وما في هذا من قوله: " عنده فوق عرشه"، والآيات نحو ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ ، و ﴿عَرْشَ رَبِّكَ﴾ ينفي أن يكون الثابت من الإضافة هو القدر المشترك بين سائر
стр. 389
المخلوقات، كما تقوله الجهمية وأتباعهم، ويوجب اختصاصاً للعرش بالله ليس لغيره من سائر
٣٣٩
المخلوقات، وقد علم المسلمون أنه استوى على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته، كما أخبرهم ربهم بذلك، ونبيهم ﷺ .
وما نقله الحافظ عن الخطابي أن معنى "فوق العرش" أي: " عنده علم ذلك فهو لا ينساه، ولا يبدله" هو من تخبطات أهل التأويل، ويقال له: وهل علم الله يختص بهذا الكتاب، فهو الذي لا ينساه، ولا يبدله، وأما سائر الكون فليس عنده علمه أو ينساه ويبدله؟ إن الأجدى بالخطابي ومن يشتغل بالحديث أن يتبع كلام رسول الله ﷺ ولا يحمله على المذاهب الباطلة، بل يجب أن يصونه عن مثل هذه التحريفات الباردة. والحق أن قوله: "عنده فوق عرشه" على ظاهره، وأن كل تأويل له عن ظاهره، تبديل للمعنى الذي أراده رسول الله ﷺ ، ونحن نؤمن إيماناً يقيناً قاطعاً - وكل المؤمنين- أن الرسول ﷺ أحرص على عقيدة المسلمين، وعلى تنزيه الله -تعالى- من هؤلاء المحرفين لكلامه، وهو كذلك أقدر على البيان والإيضاح منهم، وهو كذلك أعلم بالله، وما يجب له وما يمتنع عليه من هؤلاء المتخبطين.
فهذا كتاب خاص، وضعه عنده فوق عرشه، مثبتاً فيه ما ذكر؛ لزيادة الاهتمام به، ولا ينافي ذلك أن يكون مكتوباً أيضاً في اللوح المحفوظ.
وهو كتاب حقيقة، كتبه -تعالى- كما ذكر لنا رسولنا ﷺ حقيقة، وهو عند الله حقيقة، فوق عرشه حقيقة، والمقصود أن الله، -تعالى- مستو على عرشه على الحقيقة، وعرشه فوق مخلوقاته كلها عالٍ عليها.
стр. 390
٥١-قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثني محمد بن فليح، قال: حدثني أبي، حدثني هلال، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها " قالوا: يا رسول الله، أفلا ننبئ الناس بذلك؟ قال: إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله، فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة".
قوله: " من آمن بالله ورسوله " هذا هو الأساس الذي يبنى عليه العمل، فلا بد من الإيمان بالله ورسوله أولاً قبل العمل، فكل عمل مشروط لصحته أن يكون العامل مؤمناً، قال الله -تعالى-: ﴿ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة﴾ (١) .
وقال -تعالى-: ﴿فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه﴾ (٢) .
وقد ذكر الله -تعالى- عن رسله الذين أرسلهم إلى الناس أنهم دعوهم إلى الإيمان بالله، وعبادته وحده، وهو معنى قوله ﷺ : " أمرت أن أقاتل