← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9610

شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري - الغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (1 172 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الخبز، واللحم، وهذا النوع من الطعام هو أعلى ما يمكن في زمنه ﷺ . قوله: " تقول: إن الله أنكحني في السماء". هو كقولها السابق: " وزوجني الله من فوق سبع سماوات "، وكثير ما تأتي "في" بمعنى "على" أي: إن زواجي صدر من الله -تعالى- حيث أمر رسوله به، وتولى عقد نكاحها عليه، والله في السماء. فإما أن تكون "في" بمعنى على، أو يراد بالسماء العلو، وكلاهما صحيح مستقيم جاءت به النصوص، قال -تعالى-: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا﴾ (١) وقال -تعالى-: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء﴾ (٢) . ولما كان مستقراً في نفوس المخاطبين أن الله -تعالى- هو العلي الأعلى، وأنه فوق كل شيء، كان المفهوم من قوله: " أنه في السماء" أنه في العلو، وأنه فوق كل شيء ولهذا قالت: " من فوق سبع سماوات ". وكذلك الجارية، لما قال لها النبي ﷺ : " أين الله؟ قالت: في السماء" (٣) إنما أرادت: العلو، وإذا قيل: العلو، فإنه يتناول ما فوق المخلوقات كلها، فما فوقها كلها هو في السماء، ولا يقتضي هذا أن يكون هناك ظرف وجودي يحيط به، إذ ليس فوق العالم شيء موجود إلا الله -تعالى-. وكذلك إذا قيل: العرش في السماء، فإنه لا يقتضي أن يكون العرش في شيء آخر موجود مخلوق، وإن قدر أن السماء المراد بها الأفلاك، وكان المراد أنه عليها، كما قال: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ﴾ (٤) ، وقال: ﴿وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٥) ، وقال: ﴿فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ﴾ (٦) ، ويقال: فلان في الجبل، وفي

стр. 387

السطح، وإن كان على أعلى شيء منه، فإن حرف "في" يتعلق بما قبله، وبما بعده، فيكون بحسب المضاف إليه. ولهذا يفرق بين كون الشيء في المكان، وكون الماء في الإناء، وكون الوجه في المرآة، وكون الكلام في الكتاب، وكون العرش والجنة في السماء، فإن لكل نوع من هذه خاصة يتميز بها عن غيره.

стр. 388

٥٠-قال: " حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد؛ عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " إن الله لما قضى الخلق، كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي". قوله: " قضى الله الخلق" قضي: يأتي بمعنى حكم، وأمر، وقدر، وفرغ، وأمضى، وأتقن، ومعناها هنا: فرغ من خلق المخلوقات، فهو نحو قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أو فرغ من تقدير الخلق، ويدل لذلك الرواية الآتية في آخر الكتاب " قبل أن يخلق الخلق". وتقدم هذا الحديث في باب قول الله،: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ وقد غاير بين سنده هنا وهناك، وفي متنه بعض الاختلاف، ففي الرواية المتقدمة " لما خلق الله الخلق " وهنا " إن الله لما قضى الخلق"، وهناك "كتب في كتابه وهو يكتب على نفسه، وهو وضع عنده على العرش، وهنا "كتب عنده، فوق عرشه" وهناك " إن رحمتي تغلب غضبي"، وهنا "سبقت غضبي". وقد مضى شرحه، والمقصود هنا، قوله: " عنده، فوق عرشه، " هذان ظرفان مختصان بالمكان، وقد أضيفا إلى الله -تعالى-، فلا بد أن هذه الإضافة تقتضي تخصيصاً للعرش على غيره من السماوات والأرض. "فإضافة العرش إلى الله إضافة مخصوصة، وقد قال -تعالى-: ﴿عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (١) ، فإذا كان العرش مضافاً إلى الله في هذه الآية ونحوها إضافة اختصاص، فذلك يوجب أن يكون بينه وبين الله -تعالى- من النسبة ما ليس لغيره، فما يذكره الجهمية من الاستيلاء، والقدرة، وغير ذلك، أمر مشترك بين العرش، وسائر المخلوقات" (٢) . وما في هذا من قوله: " عنده فوق عرشه"، والآيات نحو ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ ، و ﴿عَرْشَ رَبِّكَ﴾ ينفي أن يكون الثابت من الإضافة هو القدر المشترك بين سائر

стр. 389

المخلوقات، كما تقوله الجهمية وأتباعهم، ويوجب اختصاصاً للعرش بالله ليس لغيره من سائر ٣٣٩ المخلوقات، وقد علم المسلمون أنه استوى على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته، كما أخبرهم ربهم بذلك، ونبيهم ﷺ . وما نقله الحافظ عن الخطابي أن معنى "فوق العرش" أي: " عنده علم ذلك فهو لا ينساه، ولا يبدله" هو من تخبطات أهل التأويل، ويقال له: وهل علم الله يختص بهذا الكتاب، فهو الذي لا ينساه، ولا يبدله، وأما سائر الكون فليس عنده علمه أو ينساه ويبدله؟ إن الأجدى بالخطابي ومن يشتغل بالحديث أن يتبع كلام رسول الله ﷺ ولا يحمله على المذاهب الباطلة، بل يجب أن يصونه عن مثل هذه التحريفات الباردة. والحق أن قوله: "عنده فوق عرشه" على ظاهره، وأن كل تأويل له عن ظاهره، تبديل للمعنى الذي أراده رسول الله ﷺ ، ونحن نؤمن إيماناً يقيناً قاطعاً - وكل المؤمنين- أن الرسول ﷺ أحرص على عقيدة المسلمين، وعلى تنزيه الله -تعالى- من هؤلاء المحرفين لكلامه، وهو كذلك أقدر على البيان والإيضاح منهم، وهو كذلك أعلم بالله، وما يجب له وما يمتنع عليه من هؤلاء المتخبطين. فهذا كتاب خاص، وضعه عنده فوق عرشه، مثبتاً فيه ما ذكر؛ لزيادة الاهتمام به، ولا ينافي ذلك أن يكون مكتوباً أيضاً في اللوح المحفوظ. وهو كتاب حقيقة، كتبه -تعالى- كما ذكر لنا رسولنا ﷺ حقيقة، وهو عند الله حقيقة، فوق عرشه حقيقة، والمقصود أن الله، -تعالى- مستو على عرشه على الحقيقة، وعرشه فوق مخلوقاته كلها عالٍ عليها.

стр. 390

٥١-قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثني محمد بن فليح، قال: حدثني أبي، حدثني هلال، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها " قالوا: يا رسول الله، أفلا ننبئ الناس بذلك؟ قال: إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله، فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة". قوله: " من آمن بالله ورسوله " هذا هو الأساس الذي يبنى عليه العمل، فلا بد من الإيمان بالله ورسوله أولاً قبل العمل، فكل عمل مشروط لصحته أن يكون العامل مؤمناً، قال الله -تعالى-: ﴿ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة﴾ (١) . وقال -تعالى-: ﴿فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه﴾ (٢) . وقد ذكر الله -تعالى- عن رسله الذين أرسلهم إلى الناس أنهم دعوهم إلى الإيمان بالله، وعبادته وحده، وهو معنى قوله ﷺ : " أمرت أن أقاتل

стр. 391

الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله " كما سبق، وتقدم حديث معاذ، حين بعثه النبي ﷺ إلى اليمن، وقال له: " فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله " الخ. والإيمان بالله -تعالى- يدخل فيه الإيمان بأنه المالك لكل شيء، المتصرف كيف يشاء، وأنه الإله الحق، الذي يجب أن يعبد وحده، لا شريك له في ذلك، لا ملك ولا نبي، ولا أحد من الخلق مهما علت منزلته، وحسنت عبادته. ويدخل فيه الإيمان بأسماء الله الحسنى، وصفاته العليا، وأن يثبت له ما أثبته لنفسه، وأثبت له رسله، من غير تحريف ولا تمثيل، ولا تكييف ولا تعطيل، بل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. قوله: " وأقام الصلاة" إقامة الصلاة: الإتيان بها على وفق أمر الله -تعالى- وأمر رسوله، كاملة في أفضل أوقاتها. قوله: " وصام رمضان" الصيام في اللغة: هو الإمساك، وفي الشرع: إمساك مخصوص، عن أشياء مخصوصة، من طلوع الفجر، إلى غروب الشمس، تعبداً لله تعالى. قال الحافظ: وسقط ذكر الحج، على أحد الرواة؛ لأنه قد جاء ذكره في الترمذي، والحديث لم يذكر لبيان الأركان، فيجوز أنه اقتصر على ذكر البعض، لأنه هو المتكرر غالباً، وأما الزكاة فلا تجب إلا على من له مال، بشرطه، والحج لا يجب إلا مرة على التراخي" (١) . والمقصود من الحديث: أن من حصل له الإيمان بالله، وما يلزم له، من إيمان برسله، وملائكته، وكتبه، واليوم الآخر، وبقضاء الله وقدره، مع التزام ما شرعه الله لعباده من الأمر، والنهي، وجاهد في سبيل الله، مع ما ذكر، استحق دخول الجنة على الله، ولا بد أن يوفي الله -تعالى- بذلك.

стр. 392

قوله: " كان حقاً على الله أن يدخله الجنة" قد تقدم الكلام على حق العباد على الله، في حديث معاذ، في الباب الأول، وهو حق أحقه الله -تعالى- على نفسه كما قال -تعالى-: ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ (١) . قال الحافظ: " ليس معنى ذلك، أنه لازم له، لأنه لا آمر له، ولا ناهي يوجب عليه، ويلزمه المطالبة به، وإنما معناه إنجاز ما وعد به من الثواب، وهو لا يخلف الميعاد" (٢) . قلت: لا يلزم من كونه حقاً واجباً، أن يكون له آمر وناه يوجب عليه ذلك، بل هو -تعالى- الذي أوجبه على نفسه، فلا بد من وقوعه، كما أخبر -تعالى-. قوله: " هاجر في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها" الهجرة في اللغة هي: الترك، والمفارقة. والمقصود بها هنا: الانتقال من بلد الشرك والكفر إلى بلد الإسلام، وهي واجبة على المسلم إذا خاف الفتنة في دينه، أو منع من ممارسة شعائر دينه، وإعلانه ظاهراً. وتكون الهجرة بالنية والقصد، وتكون باللسان، وبالبدن. قال الراغب: " الهجر، والهجران: مفارقة الإنسان غيره، إما بالبدن، أو باللسان، أو بالقلب، قال -تعالى-: ﴿واهجروهن في المضاجع﴾ (٣) كناية عن عدم قربهن. وقال تعالى: ﴿إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً﴾ (٤) ، فهذا هجر بالقلب واللسان. وقوله: ﴿واهجرهم هجراً جميلاً﴾ (٥) يحتمل الثلاثة، وقوله: ﴿والرجز

стр. 393

فاهجر﴾ (١) ، حث على المفارقة بالوجوه كلها. والمهاجرة في الأصل: مصارمة الغير، ومتاركته، من قوله : ﴿والذين هاجروا وجاهدوا﴾ (٢) ، وقوله: ﴿للفقراء والمهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم﴾ (٣) ، وقوله: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله﴾ (٤) ، وقوله: ﴿فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله﴾ (٥) ، فالظاهر منه: الخروج من دار الكفر، إلى دار الإيمان، كمن هاجر من مكة إلى المدينة" (٦) . ويدخل في ذلك هجران المعاصي، والشهوات، والأخلاق الذميمة، وجميع المعاصي ورفضها واجتنابها. قال ابن القيم: " وللعبد في كل وقت هجرتان: هجرة إلى الله بالطلب، والمحبة، والعبودية، والتوكل، والإنابة، والتسليم والتفويض، والخوف والرجاء، وصدق اللجاء. وهجرة إلى رسوله – ﷺ في حركاته وسكناته، الظاهرة، والباطنة، بحيث تكون موافقة لشرعه الذي هو تفضيل محاب الله، ومرضاته، ولا يقبل الله من أحد ديناً سواه" (٧) . وسبيل الله: طاعته، واتباع أمره، واجتناب نهيه، واتباع رسوله – ﷺ .

стр. 394

قوله: " أو جلس في أرضه التي ولد فيها" وفي رواية: " في بيته". والمعنى: أنه بقي في بلده يعبد ربه، ولا يشرك به شيئاً، ولم يهاجر إلى المدينة النبوية، وذلك أن الهجرة كانت فرضاً على كل قادر، فلما فتحت مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وأصبحت جزيرة العرب كلها دار إسلام، إلا القليل، نسخت الهجرة لأجل ذلك، ولكن حكمها باق إلى يوم القيامة. قال الحافظ: " فيه تأنيس لمن حرم الجهاد، وأنه ليس محروماً من الجر، بل له من الإيمان والتزام الفرائض ما يوصله إلى الجنة، وإن قصر عن درجة المجاهدين" (١) . قوله: " فقالوا: يا رسول الله، أفلا ننبئ الناس بذلك؟ " رأوا أن هذا فيه بشارة للمسلمين، وتسهيل عظيم عليهم، في عدم لزوم الهجرة، فإن ترك الوطن، والأهل والأقارب، والمألوفات، كل ذلك يشق على النفس، ولا يقوى عليه كل أحد. قال الحافظ: " الذي خاطبه بذلك هو معاذ بن جبل – كما في رواية الترمذي- أو أبو الدرداء، كما وقع عند الطبراني، وأصله في النسائي، لكن فيه: فقلنا" (٢) . قوله: " إن في الجنة مائة درجة " جاء في رواية الترمذي، عن معاذ، " قلت: يا رسول الله، ألا أخبر الناس؟ قال: " ذر الناس يعملون، فإن في الجنة مائة درجة" (٣) . فظهر أن المراد: لا تبشر الناس بما ذكر من دخول الجنة، لمن آمن وعمل الأعمال المفروضة عليه، فيقفوا عند ذلك، ولا يتجاوزوه إلى ما هو أفضل منه من الدرجات التي تحصل بالجهاد، وهذه هي النكتة في قوله: " أعدها الله

стр. 395

للمجاهدين"، وفي هذا تعقب على بعض شراح المصابيح، في قوله: " سوى النبي – ﷺ بين الجهاد في سبيل الله، وبين عدمه، وهو الجلوس في الأرض التي ولد فيها؛ لأن التسوية ليست على عمومها، وإنما هي في أصل دخول الجنة، لا في تفاوت الدرجات " (١) . وهذه الدرجات للمجاهدين في سبيل الله خاصة، ولا ينفي هذا وجود درجات أخر لغير المجاهدين في الجنة، كما جاء في "سنن أبي داود" و"الترمذي" و"صححه": يقال لصاحب القرآن: " اقرأ وارتق، ورتل، كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها" (٢) وعدد آيات القرآن ست وثلاثون ومائتان وستة آلاف، على اختلاف في ذلك. ولهذا قال: " أعدها الله للمجاهدين في سبيله، قال ابن القيم: " يجوز أن تكون هذه المائة من جملة الدرج، ويجوز أن تكون نهايتها هذه المائة " (٣) ، ورجح الأول. "الجهاد: استفراغ الوسع في مدافعة العدو. وهو ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس" (٤) ، وتدخل كلها في الجهاد في سبيل الله، ويشملها قوله -تعالى-: ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم﴾ (٥) ونحوها من الآيات.

стр. 396

وقال الحافظ: " الجهاد بكسر الجيم: أصله لغة: المشقة، يقال: جهدت جهاداً، بلغت المشقة، وشرعاً: بذل الجهد في قتال الكفار، ويطلق أيضاً على مجاهدة النفس والشيطان والفساق". فأما مجاهدة النفس، على تعلم أمور الدين، ثم على العمل بها، ثم تعليمها. وأما مجاهدة الشيطان، فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات، وما يزينه من الشهوات. وأما مجاهدة الكفار، فتقع باليد، والمال، واللسان، والقلب. وأما مجاهدة الفساق: فباليد، ثم اللسان، ثم القلب" (١) . قوله: " كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض " المقصود بالدرجة: المنزلة المعدة لمن يستحقها من أهل الإيمان، والعمل، ودرجات الجنة كثيرة، كما تقدمت الإشارة إليه، ولا شك أن كل درجة تختلف عن التي دونها بما فيها من أنواع النعيم والحسن. وهذا التفاوت العظيم في الدرجات لتفاوت أعمال العاملين في الإيمان، والمقاصد، والخشية، والإخلاص، والمحبة، والإنابة، والجد، وكثرة العمل، وغير ذلك. قال الحافظ: " عند الترمذي: ما بين كل درجتين مائة عام، وللطبراني: خمسمائة عام، فإن كانتا محفوظتين، كان اختلاف العدد بالنسبة إلى اختلاف السير، وفي رواية للترمذي: لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم" (٢) . وقال ابن القيم: لا تناقض بين تقدير ما بين الدرجتين، لاختلاف السير في السرعة، والبطء، والنبي – ﷺ ذكر هذا تقريباً للأفهام" (٣) .

стр. 397

قوله: " فإذا سألتم الله، فسلوه الفردوس"، الفردوس: اسم يطلق على جميع الجنة، ويطلق على أفضلها وأعلاها، كأنه أحق بهذا الاسم من غيره من الجنات. قال -تعالى-: ﴿أولئك هم الوارثون (١٠) الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون﴾ (١) . وقال -تعالى-: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاً﴾ (٢) . وأصل الفردوس: البستان، والفراديس: البساتين، قال الليث: الفردوس: الجنة ذات الكروم، يقال: كرم مفردس، أي معرش. وقال الضحاك: هي الجنة الملتفة بالأشجار، واختاره المبرد، وقال: الفردوس فيما سمعت من كلام العرب: الشجر الملتف، والأغلب عليه العنب. وقال مجاهد: هو البستان بالرومية واختاره الزجاج، وقال: حقيقته: البستان الذي يجمع كل ما يكون في البساتين" (٣) . وفي "اللسان": " الفردوس: البستان؛ قال الفراء: هي عربي، قال ابن سيده: الفردوس: الوادي الخصيب عند العرب، وهو بلسان الروم: البستان" (٤) ، وذكر نحو ما تقدم. قوله: " فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة" قال الحافظ: " المراد بالأوسط

стр. 398

هنا: الأعدل والأفضل، كقوله -تعالى-: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾ (١) ، فعلى هذا فعطف الأعلى عليه للتأكيد. وقال الطيبي: المراد بأحدهما: العلو الحسي، وبالآخر: العلو المعنوي. وقال ابن حبان: المراد بالأوسط: السعة، وبالأعلى: الفوقية " (٢) . قلت: الظاهر أن المراد أن الفردوس، هو وسط الجنة، وهو أعلاها، على ظاهر النص، يعني: أن الجنان الأخرى عن جوانبه، ومن تحته، وهو أعلاها، ويدل على ذلك قوله: " وفوقه عرش الرحمن " فليس فوق الفردوس إلا عرش الرحمن - جل وعلا-، كما يدل عليه أيضاً قوله: " ومنه تفجر أنهار الجنة "؛ لأن الأنهار عادة تنبع من الأعلى، والله أعلم. قوله: " وفوقه عرش الرحمن " هذه الجملة هي المقصود من سياق الحديث؛ لأنه يدل على أن أعلى مخلوق هو العرش، وليس فوق العرش مخلوق، ولكن الرحمن - جل وعلا- فوقه. قال ابن خزيمة: " فالخبر يصرح أن عرش ربنا - جل وعلا - فوق جنته، وقد أعلمنا أنه مستوٍ على عرشه، فخالقنا عالٍ فوق عرشه، الذي هو فوق جنته" (٣) وذكر بسنده، عن عبد الله بن مسعود: " قال: ما بين كل سماء إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام، وما بين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله على العرش، ويعلم أعمالكم" (٤) .

стр. 399

وذكر له طرقاً عدة، وهو صحيح، ورواه البيهقي عن أبي ذر مرفوعاً، قريباً من لفظه. (١) وعلو الله -تعالى- واستواؤه على عرشه، مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين ومن تبعهم، ولم يخالف فيه إلا من هو منهم على الإسلام، أو مغرور بالتقليد لمن يحسن به الظن. " وأول من ابتدع بأن الله -تعالى- ليس فوق العرش في الإسلام هو الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وشيعتهما، وهم عند أئمة المسلمين من شرار أهل الأهواء، وقد أطلق السلف من القول بتكفيرهم ما لم يطلقوه على أحد، وقالوا: نحكي كلام اليهود، والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية، كما قال عبد الله بن المبارك، وقالوا: اتفق المسلمون، واليهود، والنصارى، على أن الله -تعالى- فوق العرش، وقالت الجهمية: ليس الله فوق العرش" (٢) .

стр. 400

٥٢-قال: " حدثنا يحيى بن جعفر، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم - هو التيمي - عن أبيه، عن أبي ذر، قال: " دخلت المسجد، ورسول الله ﷺ جالس؛ فلما غربت الشمس قال: يا أبا ذر، هل تدري أين تذهب هذه؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب تستأذن في السجود، فيؤذن لها، وكأنها قد قيل لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، ثم قرأ: (ذلك مستقر لها) في قراءة عبد الله". قوله: " أتدري أين تذهب هذه؟ " هذا الأسلوب من التعليم كان النبي ﷺ يستعمله مع أصحابه، وهو من الأساليب التي ترسخ المعلومات في الذهن؛ لأن المسئول يبقى بعده يتطلع إلى الجواب بإقبال ولهف، فإذا ورد عليه الجواب وهو بهذه الحال، ثبت في قلبه، ورسخ لديه، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك. قوله: " ذلك مستقر لها" هذا تفسير لقوله -تعالى-: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ (١) ، قال ابن كثير: " فيه قولان: أحدهما: أن المراد: مستقرها المكاني، وهو تحت العرش مما يلي الأرض، من ذلك الجانب، وهي أينما كانت فهي تحت العرش، هي وجميع المخلوقات؛ لأنه سقفها، وليس بكرة، كما يزعمه كثير من أرباب الهيئة، وإنما هو قبة ذات قوائم، تحمله الملائكة، وهو فوق العالم، مما يلي رؤوس الناس، فالشمس إذا كانت في قبة الفلك، وقت الظهيرة، تكون أقرب ما تكون إلى العرش، فإذا استدارت في فلكها الرابع، إلى مقابلة هذا

стр. 401

المقام، وهو وقت نصف الليل، صارت أبعد ما تكون من العرش، فحينئذ تسجد، وتستأذن في الطلوع، كما جاءت بذلك الأحاديث " ثم ذكر هذا الحديث بطرقه، ثم قال: " والقول الثاني: أن المراد بمستقرها" هو منتهى سيرها، وهو يوم القيامة، يبطل سيرها، وتسكن حركتها، وتكور، وينتهي هذا العالم إلى غايته، وهذا مستقرها الزماني" (١) . قوله: " تستأذن في السجود، فيؤذن لها" أي: تطلب من الله الإذن في مواصلة سيرها في حالة سجودها، فيأذن الله -تعالى- لها إلى الوقت الذي تستأذن، ثم لا يؤذن لها، فتبقي في مكانها، ثم يقال لها: ارجعي من حيث جئت، فينعكس سيرها، حيث تطلع على الناس من المغرب، ولا بد أن تطلع على كل الناس من مغربها، وعند ذلك يؤمنون، ولكن لا ينفعهم إيمانهم، كما أخبر الله -تعالى- بذلك، وهذا إيذان بانقضاء هذه الدار. قال الكرماني: " القراءة المشهورة المتواترة هي: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ وقراءة عبد الله بن مسعود: ذلك مستقرها" (٢) . هكذا قال، والذي في "البخاري": مستقر لها، ولم يقرأ بها أحد من القراء. قال ابن كثير: " قرأ ابن مسعود، وابن عباس: (والشمس تجري لا مستقر لها) أي: لا قرار لها، ولا سكون، بل هي سائرة ليلاً ونهاراً، لا تفتر، ولا تقف" (٣) . فعلى هذا يكون لابن مسعود فيها قراءتان، وافقه ابن عباس على إحداهما، وهما شاذتان. وقد ذكر البخاري ﵀ هذا الحديث في بدء الخلق، وفيه " فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش".

стр. 402

وسيأتي في آخر الباب بعد هذا، وفيه، " قال: مستقرها تحت العرش"، وذكر أيضاً هذين اللفظين في تفسير سورة يس، وبذلك تظهر مناسبة الحديث للباب، فذكره لأجل ما فيه من قوله: " تذهب حتى تسجد تحت العرش"، وقوله: " مستقرها تحت العرش" في غير هذه الرواية هنا. قال الحافظ: " وأخرجه النسائي بلفظ: " تذهب حتى تنتهي تحت العرش، عند ربها" (١) ، وهو واضح في أن سجودها في أرفع ما تكون، وأقرب ما تكون إلى العرش، ومعلوم أنها دائماً تحت العرش، ولكن سجودها في مكان معين من مسيرها، وهو دليل واضح على العرش، وارتفاعه العظيم، وهذا هو مراد البخاري ﵀ من الحديث، ومعلوم أن الله -تعالى- فوق العرش كما سبق. قال الحافظ: " قوله: تحت العرش" قيل: معناه: هي حين محاذاتها، ولا يخالف هذا قوله تعالى: ﴿وجدها تغرب في عين حمئة﴾ (٢) ، فإن المراد بها: نهاية مدرك البصر إليها حال الغروب، وسجودها تحت العرش إنما هو بعد الغروب". قال: " وفي الحديث رد على من زعم أن المراد بمستقرها: غاية ما تنتهي إليه في الارتفاع، وذلك أطول يوم في السنة ". وقيل: مستقرها: منتهى أمرها، عند انتهاء الدنيا. وقال الخطابي: يحتمل أن يكون المراد باستقرارها تحت العرش: أنها تستقر تحته استقراراً لا نحيط به نحن، وليس في سجودها كل ليلة تحت العرش ما يعيق سيرها ودورانها فيه. قلت: وظاهر الحديث أن المراد بالاستقرار: وقوعه في كل ليلة ويوم عند سجودها، ومقابل الاستقرار: المسير المعبر عنه بالجري " انتهى (٣) .

стр. 403

وقال أيضاً: " وظاهر الحديث: أن الشمس هي التي تسير، وتجري. وقال ابن العربي: أنكر قوم سجودها، وهو صحيح ممكن، وتأوله قوم على ما هي عليه من التسخير الدائم، ولا مانع من أن تخرج عن مجراها، فتسجد ثم ترجع. قلت: إن أراد بالخروج: الوقوف، فواضح، وإلا فلا دليل على الخروج" اهـ. (١) قلت: وكونها تسجد تحت العرش لا يقتضي مفارقتها لفلكها وانتظامها في مسيرها بالنسبة للأرض، فهي دائمة الطلوع على جزء من الأرض، والأوقات بالنسبة إلى أهل الأرض تختلف بمقدار سيرها. ومعلوم أن تعاقب الليل والنهار واختلافهما يترتب على مسيرها، فربما يقول قائل: أين سجودها تحت العرش؟ ومتى يكون؟ وسيرها مستمر، وبعدها عن الأرض لا يختلف في وقت من الأوقات كما أن سيرها لا يتغير، كما هو مشاهد. والجواب: أنها تسجد كل ليلة تحت العرش، كما أخبر به الصادق المصدوق، وهي طالعة على جانب من الأرض، مع سيرها في فلكها، وهي دائماً تحت العرش، في الليل والنهار، بل وكل شيء من المخلوقات تحت العرش، لكنها في وقت من سيرها، وفي مكان معين، يصلح سجودها، الذي لا يدركه الخلق، ولكن علم بالوحي، وهو سجود يناسبها على ظاهر النص. أما التسخير: فهي لا تنفك عنه أبداً. والله أعلم. قال شيخ الإسلام: " فإذا كان النبي ﷺ قد أخبر أنها تسجد كل ليلة تحت العرش، فقد علم اختلاف حالها بالليل والنهار، مع كون سيرها

стр. 404

في فلكها من جنس واحد، وأن كونها تحت العرش لا يختلف في نفسه، وإنما ذلك اختلاف بالنسبة والإضافة، علم أن تنوع النسب والإضافة لا يقدح فيما هو ثبات في نفسه لا مختلف" (١) . يعني: أن اختلاف السير يكون بالنسبة لمن في الأرض، فهي تطلع على جانب منها وتغرب عن جانب آخر، مع أن سيرها في فلكها ليس فيه هذا الاختلاف، فلا يختلف سجودها باختلاف الليل والنهار؛ لأن هذا الاختلاف يكون بالنسبة إلى من في الأرض، وبالإضافة إليهم، أما هي فسجودها في مكان معين من سيرها، وفي وقت معين لا يختلف. ثم قال ﵀: " ومن هنا يظهر الجواب عما ذكره ابن حزم، وغيره في حديث النزول (٢) ، حيث قالوا: قد ثبت أن الليل يختلف بالنسبة إلى الناس، فيكون أوله ونصفه وثلثه بالمشرق قبل أوله، ونصفه وثلثه بالمغرب، قالوا: فلو كان النزول هو النزول المعروف، للزم أن ينزل في جميع أجزاء الليل، إذ لا يزال في الأرض ليل، قالوا: أو لا يزال نازلاً وصاعداً، وهو جمع بين الضدين. وهذا إنما قالوه لتخيلهم من نزوله -تعالى- ما يتخيلونه من نزول أحدهم، وهذا عين التمثيل، ثم إنهم بعد ذلك جعلوه كالواحد العاجز منهم، الذي لا يمكنه أن يجمع من الأفعال ما يعجز غيره عن جمعه. وقد جاءت الأحاديث بأنه يحاسب خلقه يوم القيامة، كل منهم يراه مخلياً به، ويناجيه، لا يرى أنه متخلياً لغيره، ولا مخاطباً لغيره" (٣) . وسيأتي - إن شاء الله تعالى - إيضاح الرد على شبههم هذه وغيرها في

стр. 405

شرح الحديث. وفي "صحيح مسلم"، عن أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن قول الله -تعالى-: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ قال: " مستقرها تحت العرش" (١) . وهذا يعين المقصود بالمستقر، وأنه: الموضع الذي تسجد فيه لربها، وتستأذن بمواصلة سيرها، وأن هذا يكون كل ليلة بالنسبة إلينا، ويجوز أن يكون بالنهار بالنسبة لغيرنا كأمريكا مثلاً. وقد روى مسلم هذا الحديث مبسوطاً مبيناً، حيث قال بعد ذكر السند: " عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال يوماً: " أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك، حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع، فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك، حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع، فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئاً حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي، أصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها" فقال رسول الله ﷺ : " أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين لا ينفع نفساً إيمانها، لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً" (٢) . وقد ذكر الله -تعالى- في كتابه أن الشمس والقمر يسجدان له تعالى فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (٣) .

стр. 406

٥٣-قال: " حدثنا موسى، عن إبراهيم، حدثنا ابن شهاب، عن عبيد بن السباق، أن زيد بن ثابت. وقال الليث: حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن ابن السباق، أن زيد بن ثابت حدثه، قال: أرسل إلىَّ أبو بكر، فتتبعت القرآن، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ (١) حتى خاتمة براءة ". زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان، النجاري، الأنصاري، أبو سعيد، ويقال: أبو خارجة، قدم النبي ﷺ المدينة، وهو ابن إحدى عشرة سنة. وكان يكتب الوحي، قال الشعبي: غلب زيد الناس على اثنتين، الفرائض، والقرآن، وكان أحد أصحاب الفتوى من الصحابة. وقال مسروق: " قدمت المدينة، فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم"، وفضائله كثيرة، توفي سنة ٤، وقيل: ٥١، وقيل: ٥٥، وقيل غير ذلك" (٢) . ومقصود البخاري ﵀ من هذا الحديث: هو ذكر العرش في الآية الكريمة، حيث قال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٣) .

стр. 407

قال الإمام ابن جرير - رحمه الله تعالى -: " يقول - تعالى ذكره - فإن تولى، يا محمد، هؤلاء الذين جئتهم بالحق من عند ربك، من قومك، فأدبروا عنك، ولم يقبلوا ما أتيتهم به من النصيحة في الله، وما دعوتهم إليه من النور والهدى، فقل: ﴿حَسْبِيَ اللهُ﴾ يكفيني ربي ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ لا معبود سواه ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ وبه وثقت، وعلى عونه اتكلت، وإليه وإلى نصره استندت، فإنه ناصري، ومعيني، على من خالفني وتولى عني ومن غيركم من الناس، ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ الذي يملك ما دونه، والملوك كلهم مماليكه، وعبيده. وإنما عنى بوصفه - جل ثناؤه - نفسه بأنه رب العرش العظيم: الخبر عن جميع ما دونه أنهم عبيده، وفي ملكه، وسلطانه؛ لأن العرش العظيم إنما يكون للملوك، فوصف نفسه بأنه ذو العرش، دون سائر خلقه، وأنه المالك العظيم، دون غيره، وأن من دونه في سلطانه، وملكه، جار عليه حكمه وقضاؤه" (١) . وقال ابن كثير: " وهو رب العرش العظيم" أي: هو مالك كل شيء، وخالقه؛ لأن العرش العظيم، الذي هو سقف المخلوقات، وجميع الخلائق من السماوات والأرضيين وما فيهما وما بينهما، تحت العرش، مقهورون بقدرة الله -تعالى-، وعلمه محيط بكل شيء، وقدره نافذ في كل شيء، وهو على كل شيء وكيل" (٢) . وثبت عن أبي بن كعب ﵁ أن هذه الآية آخر ما نزل من القرآن (٣) . وقد تقدم أن تخصيصه -تعالى- العرش بأنه ربه، وإضافته إليه -تعالى- يدل على أمر زائد على ما في المخلوقات غيره من السماوات والأرض بأنه ربها.

стр. 408

وكذلك وصفه إياه بأنه عظيم وكريم ومجيد، وهذه الأوصاف والإضافة لم تأت في غير العرش من المخلوقات؛ وهذا لأنه تعالى اختاره لقربه، واستوائه عليه. قوله: " حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع أحد غيره" يعني: أنه ما وجدها مكتوبة، مثبتة بالكتابة، إلا عند أبي خزيمة. وليس معنى ذلك أنه لم يحفظها إلا أبو خزيمة، فإن زيداً وأُبياً، وأبا بكر، وغيرهم من الصحابة، كانوا يحفظون القرآن كله، وهو يريد من كتبها عن الرسول ﷺ بدون واسطة. قال الحافظ: " قوله: لم أجدها مع أحد غيره" أي: مكتوبة؛ لما تقدم من أنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة. ولا يلزم من عدم وجدانه إياها حينئذ أن لا تكون تواترت عند من لم يتلقها من النبي ﷺ وإنما زيد كان يطلب التثبت عمن تلقاها بغير واسطة. ولعلهم لما وجدها زيد عند أبي خزيمة تذكروها، كما تذكرها زيد، وفائدة التتبع: المبالغة في الاستظهار، والوقوف عند ما كتب بين يدي النبي ﷺ . قال الخطابي: هذا مما يخفى معناه، ويوهم أنه كان يكتفي في إثبات الآية بخبر الشخص الواحد، وليس كذلك، فقد اجتمع في هذه الآية زيد بن ثابت، وأبو خزيمة، وعمر". ثم علق الحافظ على كلام الخطابي بقوله: "وكأنه ظن أن قولهم: لا يثبت القرآن بخبر الواحد، أي: الشخص الواحد، وليس كما ظن، بل المراد بخبر الواحد: خلاف التواتر، فلو بلغت رواة

стр. 409

الخبر عدداً كثيراً، وفقد شيئاً من شروط المتواتر (١) ، لم يخرج عن كونه خبراً لواحد. والحق أن المراد بالنفي: نفي وجودها مكتوبة، لا نفي كونها محفوظة" (٢) . ثم ذكر أحاديث تؤيد ما قال. وقال في موضع آخر: " والذي يظهر أن الذي أشار إليه أنه فقده، فقد وجودها مكتوبة، لا فقد وجودها محفوظة، بل كانت محفوظة عنده، وعند غيره، ويدل على هذا قوله في حديث جمع القرآن: " فأخذت أتتبعه، من الرقاع والعسب" (٣) وقال أيضاً: " والأرجح أن الذي وجد معه آخر سورة التوبة أبو خزيمة - بالكنية- والذي وجد معه الآية من سورة الأحزاب خزيمة. وأبو خزيمة، قيل: هو ابن أوس بن يزيد بن أحرم، مشهور بكنيته، دون اسمه، وقيل: هو الحارث بن خزيمة. وأما خزيمة، فهو ابن ثابت ذو الشهادتين" (٤)

стр. 410

٥٤- قال: " حدثنا معلى بن أسد، حدثنا وهيب عن سعيد، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يقول عند الكرب: " لا إله إلا الله العليم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات، ورب الأرض، ورب العرش الكريم ". قوله: " يقول عند الكرب" الكرب - بفتح الكاف، وسكون الراء - قال الأزهري: "هو: الغم الذي يأخذ النفس، يقال: كربه الغم، وإنه لمكروب النفس، والكربة الاسم، والكريب: المكروب" (١) . وقال الجوهري: " الكربة بالضم: الغم الذي يأخذ بالنفس، وكذلك الكرب، على مثال الضرب، تقول منه: كربه الغم، إذا اشتد عليه، والكرائب: الشدائد، الواحدة: كريبة" (٢) . قوله: " كان يقول عند الكرب" كان: تدل على كثرة وقوع ذلك منه ﷺ ؛ لأن لفظة "كان" تدل على الاستمرار غالباً. وقوله: " لا إله إلا الله " الإله هو: المعبود الذي تأله القلوب، وتذل له، وتحبه، وتعظمه، وتخافه، وترجوه، فالإله هو الذي يقصد بالخوف والرجاء، مع الذل والتعظيم، وكلما زاد الخوف والرجاء، والذل والتعظيم، صارت العبادة أكمل.

стр. 411

قال شيخ الإسلام: " الإله هو: الذي يؤله، فيعبد، محبة وإنابة، وإجلالاً وإكراماً" (١) . فقوله: " لا إله إلا الله " أي: لا أتوجه بقلبي عابداً وخاضعاً، متذللاً، خائفاً، راجياً، إلا إلى الله وحده، فهو إلهي، ومعبودي، الذي يملك نفعي وضري، وبإخلاص التأله له كمال حياتي، وسعادتي، وفي عدم ذلك الشقاء والهلاك. "فالعبد كلما كان أذل لله، وأعظم افتقاراً إليه، وخضوعاً له، كان أقرب إليه وأعز له، وأعظم لقدره عنده، فأسعد الخلق أعظمهم عبودية لله تعالى، فأما المخلوق فكما قيل: احتج لمن شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن لمن شئت تكن أميره. فأعظم ما يكون العبد قدراً وحرمة عند الخلق: إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم كنت أعظم ما يكون عندهم، ومتى احتجت إليهم ولو بشربة ماء نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته؛ ليكون الدين كله لله، لا يشرك به شيء. والرب -تعالى- أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه، وأفقر ما تكون إليه، وهو -تعالى- يعلم ما يصلح عبده، ويقدر على ذلك، ويريده، رحمة منه وفضلاً، وذلك صفته من جهة نفسه، لا شيء آخر جعله مريداً، راحماً، بل رحمته من لوازم نفسه، فإنه كتب على نفسه الرحمة، ورحمته وسعت كل شيء" (٢) . قوله: " العليم الحليم" أي: هو تعالى العظيم بكل شيء، فيعلم حالي. وما نزل به، ويعلم أسبابه، وما يترتب عليه، لا يخفى عليه خافية، فعلمه محيط بكل شيء.

стр. 412

وهو -تعالى- حليم لا يعجل بالعقوبة لمن يستحقها، بل يعفو ويتجاوز، وحلمه عن علم وحكمة، فله -تعالى- الكمال المطلق قال -تعالى-: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً ﴿٤٢﴾ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴿٤٣﴾ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (١) . وكثيراً ما يأتي وصفه -تعالى- بالحلم مقروناً بالمغفرة، مما يدل على أن الحلم هو: عدم المعاجلة لمن استحق العقوبة، وأنه -تعالى- يحلم على عباده، ويغفر لهم جرائمهم، ولهذا أخبر -تعالى- أنه لو يؤاخذ الناس بظلمهم وما كسبت أيديهم ما ترك على ظهر الأرض من دابة، قال -تعالى-: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ﴾ (٢) قوله: " لا إله إلا الله رب العرش العظيم " كرر التوسل بإلهيته تعالى، والتبري من كل ما سواه من مألوه، وهذا أعظم الوسائل إلى الله -تعالى-، وهو إخلاص العبادة والتوجه إلى الله بصدق، ورغبة، ورهبة. ولهذا صار إخلاص التأله والدعاء لله وحده، مفزع جميع العقلاء من المؤمنين والكفار، في كل كرب وشدة، كما ذكر الله -تعالى- هذا المعنى عن السابقين من الكفار، وغيرهم من أهل الإيمان. قال تعالى: ﴿لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴿٦٣﴾ قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ

стр. 413

كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ (١) ، وقال -تعالى- عن الطاغية الجبار: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) ، وقال -تعالى-: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ (٣) ، وقال -تعالى- عن نبيه يونس ﵇: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٤) ، وهذا كثير في القرآن، وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك. قوله: " لا إله إلا الله رب السماوات والأرض، ورب العرش الكريم" هذا تكرير للتوسل إلى الله -تعالى- بألوهيته، وربوبيته، فبدأ بما يدل على إخلاص التأله له -تعالى-، ثم توسل باسميه الكريمين: العليم والحليم، ثم بأنه رب العرش العظيم، ثم بأنه رب السماوات والأرض، ورب العرش الكريم. فاشتمل هذا الدعاء العظيم على التوجه إلى الله -تعالى- بأنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الإلهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات. والربوبية نوعان: عامة، وخاصة، فهو -تعالى- رب كل شيء ومليكه، المتصرف فيه كيف يشاء، وهو القائم على كل مخلوق بما يصلحه، ويربيه، ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ ، وقد جمع النوعين في هذا الحديث، فتوسل بأنه رب العرش العظيم الكريم، وبأنه رب السماوات والأرض، والرب هو: المالك المتصرف، القائم على كل مربوب بما يحتاجه من تربية في شؤون حياته كلها. والمقصود من الحديث: قوله: " رب العرش العظيم" وقوله: " رب العرش

стр. 414

الكريم" وكلاهما وصف للعرش، وصف بأنه عظيم، وبأنه كريم، والعظمة تدل على الكبر، والسعة، والكرم يدل على الحسن، والجمال، والسعة أيضاً. قال الكرماني: "وصف العرش بالعظمة، هو من جهة الكمية، وبالكرم، أي: الحسن من جهة الكيفية، فهو ممدوح ذاتاً وصفة، وخص بالذكر لأنه أعظم أجسام العالم، فيدخل الجميع تحته دخول الأدني تحت الأعلى، وذكر لفظ " الرب" من بين سائر الأسماء الحسنى؛ ليناسب كشف الكروب، الذي هو مقتضى التربية، ولفظ "الحليم"؛ لأن كرب المؤمن غالباً إنما هو على نوع تقصير أو غفلة في الطاعات" (١) . وربوبيته -تعالى- للعرش، مع وصفه بأنه عظيم وكريم، تفيد تخصيصاً له عن غيره من السماوات والأرض، وذلك لأنه قد خصه بقربه، واستوائه -تعالى- عليه، ذكر شيخ الإسلام، عن أبي عمرو الطلمنكي – وهو من أئمة أهل السنة – أنه قال: " وأجمعوا – يعني أهل السنة والجماعة – على أن لله عرشاً، وعلى أنه مستوٍ على عرشه، وعلمه، وقدرته، وتدبيره بكل ما خلقه. قال: فأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ (٢) ، ونحو ذلك في القرآن أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته مستو على عرشه، كيف شاء. قال: وقال أهل السنة في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٣) : الاستواء من الله -تعالى- على عرشه المجيد، على الحقيقة، لا على المجاز. واستدلوا بقول الله -تعالى-: ﴿فإذا استويت أنت ومن معك على

стр. 415

الفلك﴾ (١) ، وبقوله: ﴿لتستوا على ظهوره﴾ (٢) ، وبقوله: ﴿واستوت على الجودي﴾ (٣) ، إلا أن المتكلمين من أهل الإثبات في هذا على أقوال: فقال مالك – رحمه الله تعالى -: إن الاستواء معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وقال عبد الله بن المبارك، ومن تابعه من أهل العلم، وهم كثير: إن معنى استوى على العرش: استقر. وهو قول القتيبي. وقال غير هؤلاء: استوى، أي: ظهر. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: استوى بمعنى: علا. وتقول العرب: استويت على ظهر الفرس، بمعنى: علوت عليه، واستويت على سقف البيت، بمعنى: علوت عليه. ويقال: استويت على السطح، بمعناه. فقوله تعالى: ﴿استوى على العرش﴾ بمعنى: علا على العرش. وقول الحسن (٤) ، وقول مالك، من أنبل جواب وقع في هذه المسألة، وأشده استيعاباً، لأن فيه نبذ التكييف، وإثبات الاستواء المعقول، وقد ائتم أهل العلم بقوله واستجودوه، واستحسنوه" (٥) . ثم تكلم على فساد قول من تأول استوى بمعنى استولى، وقد مضى ما يغني عن ذكره.

стр. 416

ثم قال: " وقال الثعلبي: قال الكلبي، ومقاتل: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يعني: استقر، قال: وقال أبو عبيدة: صعد. وقيل: استولى، وقيل: ملك، واختار هو (١) ما حكاه عن الفراء وجماعة أن معناه: أقبل على خلق العرش، وعمد إلى خلقه، قال: ويدل عليه قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (٢) أي: عمد إلى خلق السماء. وهذا من أضعف الوجوه (٣) ، فإنه قد أخبر أن العرش كان على الماء قبل خلق السماوات، والأرض، وكما مر في حديث عمران: " كان الله، ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السماوات والأرض ". فإذا كان العرش مخلوقاً، قبل خلق السماوات والأرض، فكيف يكون معنى استوائه عليه، بعد خلق السماوات والأرض، هو عمده إلى خلقه، مع أنه لا يعرف في اللغة "استوى" بمعنى: عمد إلى فعل كذا، لا حقيقة، ولا مجازاً، لا في النثر، ولا في النظم. ومن قال: استوى، بمعنى عمد، ذكره في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (٤) ؛ لأنه عدى بحرف الغاية، كما يقال: عمدت إلى كذا، وقصدت إلى كذا، ولا يقال: عمدت على كذا، ولا قصدت عليه، مع أن هذا أيضاً غير معروف في اللغة، ولا هو قول أحد من مفسري السلف، بل المفسرون من السلف بخلاف ذلك.

стр. 417

وإنما هذا القول وأمثاله ابتدع في الإسلام، لما ظهر إنكار أفعال الرب -تعالى- التي تقوم به، ويفعلها بقدرته، ومشيئته، واختياره، فصار كل يفسر القرآن على ما يوافق قوله، واعتقاده. وأما السلف فأقوالهم في هذا الباب متفقة، وإن اختلفت عباراتهم، فمقصودهم واحد، وهو إثبات علو الله واستوائه على عرشه. فإن قيل: إذا كان الله لا يزال عالياً على المخلوقات، فكيف يقال: ثم ارتفع إلى السماء وهي دخان؟ أو يقال: ثم علا على العرش؟ فالجواب: أن هذا كما أخبر أنه ينزل إلى السماء الدنيا ثم يصعد، وروي: " ثم يعرج" وكما أخبر أنه يجيء لفصل القضاء بين عباده، وهو سبحانه لم يزل فوق، فإن صعوده من جنس نزوله ومجيئه، وهو –تعالى- في نزوله ومجيئه، لا يصير شيء من المخلوقات فوقه، فهو سبحانه يصعد، وإن لم يكن منها شيء فوقه. فإن قيل: فإذا كان إنما استوى على العرش بعد أن خلق السماوات والأرض في ستة أيام، فقبل ذلك: هل كان على العرش، أو لم يكن؟ قيل: الاستواء علو خاص، فكل مستوٍ على شيء عال عليه، وليس كل عال على شيء مستو عليه، ولهذا لا يقال لكل ما كان عالياً على غيره: إنه مستو عليه، ولكن كل ما قيل: إنه استوى على كذا، فهو عالٍ عليه. والذي أخبر الله -تعالى- أنه كان – خلق السماوات والأرض – الاستواء، لا مطلق العلو، مع أنه يجوز أنه كان مستوياً عليه قبل خلق السماوات والأرض، لما كان عرشه على الماء، ثم لما خلق هذا العالم كان عالياً على العرش، ولم يكن مستوياً عليه، ثم استوى عليه بعد ذلك (١) . والأصل أن علوه على المخلوقات، وصف لازم له، كما أن عظمته وكبرياءه

стр. 418

وقدرته كذلك، وأما الاستواء فهو فعل يفعله سبحانه بمشيئته وقدرته، ولهذا قال فيه: ثم استوى" (١) . وقال ابن عبد البر: " وأما ادعاؤهم المجاز في الاستواء، وقولهم في تأويل استوى: استولى. فلا معنى له؛ لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة: المغالبة، والله لا يغالبه ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد. ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته، حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا، إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله – – إلى الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم. ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع، ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها، وهو العلو والارتفاع على الشيء، والاستقرار والتمكن فيه " (٢) . وقد تقدم ذكر بعض ما قاله السلف والأئمة في ذلك، في أول الباب، والجواب عما اعتمده أهل التأويل.

стр. 419

٥٥-قال: " حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال النبي: " يصعقون يوم القيامة فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش". ٥٦-" وقال الماحشون: عن عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي- ﷺ قال: " فأكون أول من بعث، فإذا موسى آخذ بالعرش". "الصعق: غشي يلحق من سمع صوتاً شديداً أو يرى شيئاً هائلاً مفزعاً" (١) . وفي الأبي: " الصعق، والصعقة، والصاعقة، والهلاك، والموت، وقيل: كل عذاب مهلك، وهو أيضاً: الغشية تعتري من فزع لسماع صوت ﴿مفزع، أو رأى مهولاً﴾ (٢) " وقد اختلف في هذا الصعق المذكور في هذا الحديث: أهو نفخة الصور للبعث، أو غيرها؟ فقيل: أنها نفخة البعث؛ لأن النفخة الأولى، لا يحس بها الأموات، وإنما هي لموت من كان حياً، وإنهاء الدنيا، وابتداء الآخرة. ولكن يشكل على هذا قوله ﷺ : " فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي، أو حوزي بصعقة الطور" ومعلوم أن موسى ﵇ قد مات، فلا يجوز أن يكون المعنى: " فلا أدري: هل موسى مات، أم جوزي عن الموت بصعقة الطور". وقد اختلف في النفخ في الصور: هل هو مرتان أو ثلاث؟

стр. 420

قال الإمام ابن جرير – ﵀ – في قوله تعالى: ﴿وله الملك يوم ينفخ في الصور﴾ (١) اختلف في الصور في هذا الموضع. فقال بعضهم: هو قرن ينفخ فيه نفختان، إحداهما لفناء من كان حياً على الأرض، والثانية لنشر كل ميت، واعتلوا لقولهم ذلك، بقوله: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون﴾ (٢) وقال على قوله تعالى: ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ (٣) . اختلف أهل التأويل في المعنى بقوله: ﴿فإذا نفخ في الصور﴾ من النفختين، أيهما عنى بها؟ فقال بعضهم: عنى بها النفخة الأولى. ثم ذكر عن ابن عباس: قال: فذلك في النفخة الأولى، فلا يبقى على الأرض شيء. وروي ذلك أيضاً عن السدي. ثم ذكر القول الثاني: أن المراد بذلك النفخة الثانية، وروي ذلك عن ابن مسعود وغيره" (٤) وهذا الذي ذكره الطبري – ﵀ – يدل على أن النفخ في الصور مرتين، الأولى لموت من كان حياً على وجه الأرض، والثانية لبعث الموتى. وعليه يكون الإشكال في الحديث ظاهراً، وسيأتي ذكر ألفاظ الحديث في "البخاري" و"مسلم".

стр. 421

وقد أجاب القرطبي عن الإشكال بقوله: " المعنى: فلا أدري: أبعثه الله قبلي؟ تفضيلاً له، من هذا الوجه، كما فضل بالدنيا بالتكليم، أو كان جزاء له بصعقة الطور قدم بعثه على بعث الأنبياء، الآخرين، بقدر صعقته عندما تجلى ربه للجبل؟ " (١) فعي هذا يكون المعنى في قوله: " أو جوزي بصعقة الطور" أي قدم بعثه عليَّ جزاء له بما حصل من صعقته في الطور، وهذا غير صحيح؛ لأمور عدة: منها: أن الحديث على هذا يصبح فيه تكرار لا معنى له، إذ لا يكون المعنى على قول القرطبي: " فلا أدري أبعث قبلي؟ أو جوزي ببعثه قبلي بصعقة الطور". ومنها: أن ظاهر الحديث يرد هذا؛ لأن قوله: " فلا أدري أبعث قبلي؟ أم جوزي بصعقة الطور؟ " ظاهره: فلا أدري أصعق فبعث قبلي؟ أم أنه لم يصعق، وإنما جوزي عن الصعق بصعقة الطور؟ ولهذا لم يقتنع القرطبي بهذا الجواب، فذكر جواباً آخر – سيأتي- ثم قال: وقال شيخنا أحمد بن عمر: وظاهر حديث النبي – ﷺ يدل على أن ذلك إنما هو بعد النفخة الثانية، نفخة البعث، ونص القرآن يقتضي أن ذلك الاستثناء إنما هو بعد نفخة الصعق، ولهذا قال بعض العلماء: يحتمل أن يكون موسى – ﵇ – ممن لم يمت من الأنبياء، وهذا باطل بما صح من النصوص بذكر موته. قال: وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بهذه صعقة فزع، بعد النشر، حين تنشق السماوات والأرض، قال: فتستقل الأحاديث والآيات، والله أعلم. ثم قال: قال شيخنا أبو العباس: وهذا يرده ما جاء في الحديث أنه عليه

стр. 422

السلام حين يخرج من قبره يلقى موسى، وهو متعلق بالعرش، وهذا عند نفخة البعث. قلت: وسيأتي ما يوضح ذلك في روايات الحديث التي أذكرها، - إن شاء الله -. ثم قال: " قال شيخنا أحمد بن عمر: والذي يزيح هذا الإشكال – إن شاء الله تعالى – أن الموت ليس بعدم محض، وإنما هو انتقال من حال إلى حال، ويدل على ذلك أن الشهداء بعد قتلهم، أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين، مستبشرين، وهذه صفة الأحياء في الدنيا. وإذا كان هذا في الشهداء، كان الأنبياء بذلك أحق، وأولى، فإذا نفخ في الصور نفخة الصعق، صعق كل من في السماوات والأرض، إلا من شاء الله، فأما صعق غير الأنبياء فموت، وأما صعق الأنبياء فالأظهر أنه غشية، فإذا نفخ في الصور نفخة البعث، فمن مات حيي، ومن غشي عليه أفاق" (١) . قلت: وحاصل هذا الجواب: أن الصعقة المذكورة في الحديث هي الأولى، وأن الصعق يكون للأرواح، كل ذلك باطل؛ لأنه سيأتي أن الحديث ينص على أنها نفخة البعث، ومعلوم أن الأرواح لا تموت، فكيف يكون صعق غير الأنبياء موت مع أنه زعم أن الصعق للأرواح، وكل ذلك يفتقر إلى دليل، والأدلة خلافه. ولهذا قال ابن القيم: " وحمل الحديث على هذا لا يصح، لأنه – ﷺ تردد: هل أفاق موسى قبله، أو لم يصعق، بل جوزي بصعقة الطور؟ فالمعنى: لا أدري: أصعق أم لم يصعق؟ وقد قال في الحديث: " فأكون أول من يفيق"، وهذا يدل على أنه – ﷺ يصعق فيمن يصعق، وأن التردد حصل في موسى، هل صعق وأفاق قبله من صعقته، أو لم يصعق؟

стр. 423

ولو كان المراد به: الصعقة الأولى، وهي صعقة الموت، لكان – ﷺ قد جزم بموته، وتردده: هل مات موسى، أو لم يمت، وهذا باطل؛ لوجوه كثيرة، فعلم أنها صعقة فزع، لا صعقة موت، والآية لا تدل على أن الأرواح كلها تموت، عند النفخة الأولى، وإنما تدل على أن من لم يذق الموت قبلها يموت، وأما من مات، أو من لم يكتب عليه الموت، فلا يموت " (١) . وقال السفاريني: " وصعق الأرواح عند النفخ في الصور، لا يلزم منه موتها. ففي "الصحيحين": " أن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور؟ ". فهذا صعق في موقف القيامة، إذا جاء الله لفصل القضاء، وأشرقت الأرض بنوره، فحينئذ، يصعق الخلائق كلهم، قال تعالى: ﴿فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون﴾ (٢) . ولو كان هذا الصعق موتاً، لكانت موتة أخرى " (٣) ثم ذكر كلام ابن القيم السابق، وقال ابن القيم بعد ما قرر أن هذا الصعق المذكور، إنما هو في الموقف، إذا جاء رب العالمين – جل وعلا – لفصل القضاء بين عباده. قال: " فإن قيل: فكيف تصنعون بقوله في الحديث: " إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فأجد موسى باطشاً بقائمة العرش"؟ قيل: لا ريب أن هذا اللفظ قد ورد هكذا، ومنه نشأ الإشكال، ولكنه دخل فيه على الراوي، حديث في حديث، فركب بين اللفظين، فجاء هكذا، والحديثان هكذا أحدهما:

стр. 424

" أن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق". والثاني: " أنا أول من تنشق عنه الأرض، يوم القيامة "، فدخل على الراوي هذا الحديث في الحديث الآخر، وكان شيخنا أبو الحجاج المزي يقول ذلك " (١) . قلت: وهذا احتمال بعيد جداً، ويحتاج إلى دليل، ولا وجود له، إذ لا يجوز تخطئة الراوي بمجرد إشكال يعرض للإنسان في لفظ الحديث، فما قال ابن القيم – ﵀ – هنا غير صحيح، وسيتبين ذلك عند ذكر روايات الحديث. فلفظ حديث أبي سعيد في "البخاري": " لا تخيروا الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري: أكان فيمن صعق؟ أم حوسب بصعقته الأولى " (٢) ثم رواه في أماكن متعددة من "صحيحه" بألفاظ متقاربة، ليس فيها: " فأكون أول من تنشق عنه الأرض" إلا في هذا الموضع. ولكن في رواية أبي هريرة: أنه – ﷺ قال: " لا تفضلوا بين أولياء الله، فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السماوات، ومن في الأرض، إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من بعث، فإذا موسى آخذ بالعرش، فلا أدري: أحوسب بصعقته يوم الطور، أم بعث قبلي؟ " (٣) . قال الحافظ: " وقع في رواية: " إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الثانية "، وفي أخرى: " إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الأخيرة" (٤) . ورواه في "التفسير" بسند آخر، مختصراً، ولفظه: " إني أول من يرفع

стр. 425

رأسه، بعد النفخة الأخيرة، فإذا أنا بموسى، متعلق بالعرش، فلا أدري، أكذلك كان، أم بعد النفخة" (١) ثم ذكره معلقاً في الموضع نفسه بلفظ: " فأكون أول من بعث، فإذا موسى آخذ بالعرش" ورواه مسلم، ولفظه: " لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السماوات، ومن في الأرض، إلا من شاء الله – قال- ثم ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من بعث، أو في أول من بعث، فإذا موسى آخذ بالعرش، فلا أدري: أحوسب بصعقة يوم الطور، أو بعث قبلي؟ ". ثم رواه بسند آخر – وفيه: " فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يفيق" (٢) . وأما حديث أبي سعيد المتقدم، في ذكر الانشقاق، فقد رواه أيضاً الإمام أحمد، فقال: حدثنا وكيع عن سفيان، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله – ﷺ : " لا تخيروا بين الأنبياء، وأنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، فأفيق، فأجد موسى متعلقاً بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري: أجزي بصعقة الطور، أو أفاق قبلي؟ " (٣) . وذكر الحافظ أن في رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة – عند ابن مردويه-: "أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، فأنفض التراب عن رأسي، فآتي قائمة العرش فأجد موسى قائماً عندها، فلا أدري أنفض التراب عن رأسه قبلي، أو كان ممن استثنى الله" (٤) . فهذه الرواية تدل على أن الصعق المذكور هو النفخة الثانية في الصور، فإن قوله في رواية أبي هريرة: " فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السماوات
следующие страницы →