← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9610

شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري - الغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (1 172 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وقد أجاب القرطبي عن الإشكال بقوله: " المعنى: فلا أدري: أبعثه الله قبلي؟ تفضيلاً له، من هذا الوجه، كما فضل بالدنيا بالتكليم، أو كان جزاء له بصعقة الطور قدم بعثه على بعث الأنبياء، الآخرين، بقدر صعقته عندما تجلى ربه للجبل؟ " (١) فعي هذا يكون المعنى في قوله: " أو جوزي بصعقة الطور" أي قدم بعثه عليَّ جزاء له بما حصل من صعقته في الطور، وهذا غير صحيح؛ لأمور عدة: منها: أن الحديث على هذا يصبح فيه تكرار لا معنى له، إذ لا يكون المعنى على قول القرطبي: " فلا أدري أبعث قبلي؟ أو جوزي ببعثه قبلي بصعقة الطور". ومنها: أن ظاهر الحديث يرد هذا؛ لأن قوله: " فلا أدري أبعث قبلي؟ أم جوزي بصعقة الطور؟ " ظاهره: فلا أدري أصعق فبعث قبلي؟ أم أنه لم يصعق، وإنما جوزي عن الصعق بصعقة الطور؟ ولهذا لم يقتنع القرطبي بهذا الجواب، فذكر جواباً آخر – سيأتي- ثم قال: وقال شيخنا أحمد بن عمر: وظاهر حديث النبي – ﷺ يدل على أن ذلك إنما هو بعد النفخة الثانية، نفخة البعث، ونص القرآن يقتضي أن ذلك الاستثناء إنما هو بعد نفخة الصعق، ولهذا قال بعض العلماء: يحتمل أن يكون موسى – ﵇ – ممن لم يمت من الأنبياء، وهذا باطل بما صح من النصوص بذكر موته. قال: وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بهذه صعقة فزع، بعد النشر، حين تنشق السماوات والأرض، قال: فتستقل الأحاديث والآيات، والله أعلم. ثم قال: قال شيخنا أبو العباس: وهذا يرده ما جاء في الحديث أنه عليه

стр. 422

السلام حين يخرج من قبره يلقى موسى، وهو متعلق بالعرش، وهذا عند نفخة البعث. قلت: وسيأتي ما يوضح ذلك في روايات الحديث التي أذكرها، - إن شاء الله -. ثم قال: " قال شيخنا أحمد بن عمر: والذي يزيح هذا الإشكال – إن شاء الله تعالى – أن الموت ليس بعدم محض، وإنما هو انتقال من حال إلى حال، ويدل على ذلك أن الشهداء بعد قتلهم، أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين، مستبشرين، وهذه صفة الأحياء في الدنيا. وإذا كان هذا في الشهداء، كان الأنبياء بذلك أحق، وأولى، فإذا نفخ في الصور نفخة الصعق، صعق كل من في السماوات والأرض، إلا من شاء الله، فأما صعق غير الأنبياء فموت، وأما صعق الأنبياء فالأظهر أنه غشية، فإذا نفخ في الصور نفخة البعث، فمن مات حيي، ومن غشي عليه أفاق" (١) . قلت: وحاصل هذا الجواب: أن الصعقة المذكورة في الحديث هي الأولى، وأن الصعق يكون للأرواح، كل ذلك باطل؛ لأنه سيأتي أن الحديث ينص على أنها نفخة البعث، ومعلوم أن الأرواح لا تموت، فكيف يكون صعق غير الأنبياء موت مع أنه زعم أن الصعق للأرواح، وكل ذلك يفتقر إلى دليل، والأدلة خلافه. ولهذا قال ابن القيم: " وحمل الحديث على هذا لا يصح، لأنه – ﷺ تردد: هل أفاق موسى قبله، أو لم يصعق، بل جوزي بصعقة الطور؟ فالمعنى: لا أدري: أصعق أم لم يصعق؟ وقد قال في الحديث: " فأكون أول من يفيق"، وهذا يدل على أنه – ﷺ يصعق فيمن يصعق، وأن التردد حصل في موسى، هل صعق وأفاق قبله من صعقته، أو لم يصعق؟

стр. 423

ولو كان المراد به: الصعقة الأولى، وهي صعقة الموت، لكان – ﷺ قد جزم بموته، وتردده: هل مات موسى، أو لم يمت، وهذا باطل؛ لوجوه كثيرة، فعلم أنها صعقة فزع، لا صعقة موت، والآية لا تدل على أن الأرواح كلها تموت، عند النفخة الأولى، وإنما تدل على أن من لم يذق الموت قبلها يموت، وأما من مات، أو من لم يكتب عليه الموت، فلا يموت " (١) . وقال السفاريني: " وصعق الأرواح عند النفخ في الصور، لا يلزم منه موتها. ففي "الصحيحين": " أن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور؟ ". فهذا صعق في موقف القيامة، إذا جاء الله لفصل القضاء، وأشرقت الأرض بنوره، فحينئذ، يصعق الخلائق كلهم، قال تعالى: ﴿فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون﴾ (٢) . ولو كان هذا الصعق موتاً، لكانت موتة أخرى " (٣) ثم ذكر كلام ابن القيم السابق، وقال ابن القيم بعد ما قرر أن هذا الصعق المذكور، إنما هو في الموقف، إذا جاء رب العالمين – جل وعلا – لفصل القضاء بين عباده. قال: " فإن قيل: فكيف تصنعون بقوله في الحديث: " إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فأجد موسى باطشاً بقائمة العرش"؟ قيل: لا ريب أن هذا اللفظ قد ورد هكذا، ومنه نشأ الإشكال، ولكنه دخل فيه على الراوي، حديث في حديث، فركب بين اللفظين، فجاء هكذا، والحديثان هكذا أحدهما:

стр. 424

" أن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق". والثاني: " أنا أول من تنشق عنه الأرض، يوم القيامة "، فدخل على الراوي هذا الحديث في الحديث الآخر، وكان شيخنا أبو الحجاج المزي يقول ذلك " (١) . قلت: وهذا احتمال بعيد جداً، ويحتاج إلى دليل، ولا وجود له، إذ لا يجوز تخطئة الراوي بمجرد إشكال يعرض للإنسان في لفظ الحديث، فما قال ابن القيم – ﵀ – هنا غير صحيح، وسيتبين ذلك عند ذكر روايات الحديث. فلفظ حديث أبي سعيد في "البخاري": " لا تخيروا الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري: أكان فيمن صعق؟ أم حوسب بصعقته الأولى " (٢) ثم رواه في أماكن متعددة من "صحيحه" بألفاظ متقاربة، ليس فيها: " فأكون أول من تنشق عنه الأرض" إلا في هذا الموضع. ولكن في رواية أبي هريرة: أنه – ﷺ قال: " لا تفضلوا بين أولياء الله، فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السماوات، ومن في الأرض، إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من بعث، فإذا موسى آخذ بالعرش، فلا أدري: أحوسب بصعقته يوم الطور، أم بعث قبلي؟ " (٣) . قال الحافظ: " وقع في رواية: " إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الثانية "، وفي أخرى: " إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الأخيرة" (٤) . ورواه في "التفسير" بسند آخر، مختصراً، ولفظه: " إني أول من يرفع

стр. 425

رأسه، بعد النفخة الأخيرة، فإذا أنا بموسى، متعلق بالعرش، فلا أدري، أكذلك كان، أم بعد النفخة" (١) ثم ذكره معلقاً في الموضع نفسه بلفظ: " فأكون أول من بعث، فإذا موسى آخذ بالعرش" ورواه مسلم، ولفظه: " لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السماوات، ومن في الأرض، إلا من شاء الله – قال- ثم ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من بعث، أو في أول من بعث، فإذا موسى آخذ بالعرش، فلا أدري: أحوسب بصعقة يوم الطور، أو بعث قبلي؟ ". ثم رواه بسند آخر – وفيه: " فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يفيق" (٢) . وأما حديث أبي سعيد المتقدم، في ذكر الانشقاق، فقد رواه أيضاً الإمام أحمد، فقال: حدثنا وكيع عن سفيان، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله – ﷺ : " لا تخيروا بين الأنبياء، وأنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، فأفيق، فأجد موسى متعلقاً بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري: أجزي بصعقة الطور، أو أفاق قبلي؟ " (٣) . وذكر الحافظ أن في رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة – عند ابن مردويه-: "أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، فأنفض التراب عن رأسي، فآتي قائمة العرش فأجد موسى قائماً عندها، فلا أدري أنفض التراب عن رأسه قبلي، أو كان ممن استثنى الله" (٤) . فهذه الرواية تدل على أن الصعق المذكور هو النفخة الثانية في الصور، فإن قوله في رواية أبي هريرة: " فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السماوات

стр. 426

ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بالعرش" وفي الرواية الأخرى: " إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الآخرة، فإذا أنا بموسى متعلق بالعرش"، وفي أخرى: " إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الثانية ". وفي رواية مسلم: " ثم ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من بعث". فهذا واضح وصريح في أن المقصود: البعث من الموت الحاصل بنفخ الصور النفخة الثانية، وبه يتبين أن ما قاله القرطبي وغيره مما سبق ذكره، وكذا ما ذهب إليه ابن القيم، كله غير صحيح كما سبق، وكذا قول الحليمي في "المنهاج": "أن ظاهر الحديث أن هذه صعقة غشي يوم القيامة، لا صعقة الموت، الحادث عن نفخ الصور" (١) مردود بما صرحت به الروايات المذكورة. الصواب ما نصت عليه هذه الروايات من أن موسى ﵇ يبعث قبل نبينا – ﷺ ، وأما تردده: أأصابه الصعق فبعث قبله، أو كان ممن استثنى الله – تعالى-، أو جوزي عن الصعق بصعقة الطور، كل ذلك يقتضي أنه بعث قبله. ولكن يبقى الإشكال في أن النفخة التي استثنى الله -تعالى- منها هي الأولى، ومعلوم أن موسى ﵇ قد مات قبلها، فكيف يصح استثناؤه منها؟ فيقال: وكذا نبينا – ﷺ وسائر الأنبياء لا ينالهم ذلك، وإنما ينال من كان حياً في ذلك الوقت، ويكون الأقرب ما قاله الحليمي: " أن المعنى: إذا نفخ في الصور مرة أخرى، كنت أول من بعث، فأجد موسى مبعوثاً قبلي، فلا أدري: أفضل بذلك على سائر الخلق، أو أن ذلك جزاء له بصعقة الطور؟ " (٢) .

стр. 427

وهذا بناء على أن النفخ في الصور مرتان، وهو الذي تؤيده الأدلة الصحيحة، كما مر في هذه الروايات السابقة. قال الحافظ: " ثبت في "صحيح مسلم" أنهما نفختان، ولفظه في أثناء حديث مرفوع: " ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً، ورفع ليتاً، ثم يرسل الله مطراً كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون". وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه: " بين النفختين أربعون"، وفي ذلك دلالة على أنهما نفختان فقط، والتغاير في كل منهما باعتبار من يسمعهما، فالأولى: يموت بها كل من كان حياً، ويغشى على من لم يمت ممن استثنى الله تعالى، والثانية: يعيش بها من مات، ويفيق بها من غشي عليه" (١) . وقد ذهب إلى أنها ثلاث نفخات بعض العلماء، كالحافظ ابن كثير، وحمل قوله تعالى: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض﴾ على أنها نفخة الفزع، وممن ذهب إلى ذلك القرطبي وابن العربي وغيرهما، وعمدتهم في ذلك حديث الصور، حيث صرح فيه أن النفخات ثلاث، ولكنه حديث ضعيف مضطرب، كما بينه الحافظ ابن حجر – ﵀ – فلا يعتمد عليه لذلك، وآية الزمر واضحة الدلالة في أن النفخ في الصور مرتين. وأما قوله تعالى: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض﴾ فالظاهر أنها النفخة الأولى، ذكرها بمقدماتها، ومما يدل على أنها نفختان فقط: قوله تعالى: ﴿يوم ترجف الراجفة (٦) تتبعها الرادفة﴾ . قوله: " فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش " وفي رواية أبي هريرة: " آخذ بالعرش" أي: أنه – ﷺ يجد موسى ﵇ بعد ما بعث، ممسكاً بأحد قوائم العرش، والمراد بالعرش: عرش رب العالمين.

стр. 428

ففي هذا فضل لموسى ﵇، حيث بعث قبل نبينا – ﷺ وهذه القبلية إما مجرد فضيلة خصه الله بها كما خص بالتكليم، وإما جزاء بالصعقة التي أصابته، يوم سأل ربه الرؤية عندما تجلى الله -تعالى- للجبل، والله أعلم. ومما تقدم من النصوص التي ذكرها البخاري – ﵀ – هنا وغيرها، يعلم أن الله -تعالى- خص العرش من بين مخلوقاته، بأنه استوى عليه، وأنه فوق جميع المخلوقات، وأنه له حملة، ويوم القيامة، وأنه -تعالى- تعبد من شاء من ملائكته بأن يحفوا به، ويطوفوا به، وأن حملته ومن حوله من الملائكة يسبحون الله -تعالى- ويستغفرون للمؤمنين، وأنه أول المخلوقات المعلومة لنا، فقد أخبر تعالى أن عرشه كان على الماء قبل أن يخلق السماوات والأرض، كما قال -تعالى-: ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء﴾ (١) . وأنه- تعالى – كان ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السماوات والأرض. وقد تقدم ذكر حديث عبد الله بن عمرو: " إن الله قدر مقادير الخلائق، قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء" وهو في "صحيح مسلم". كما في هذه النصوص، وصف العرش بأنه عظيم، وأنه كريم، وأنه مجيد. وكثيراً ما يمدح الله -تعالى- نفسه بأنه ذو العرش، كما قال -تعالى-: ﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً (٤٢) سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً (٤٣) تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده لكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً﴾ (٢) .

стр. 429

وقال -تعالى-: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ (١) ، وقال – جل وعلا-: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴿١٤﴾ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ (٢) ، وقال -تعالى-: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٣) ، إلى غير ذلك. كما جاء في الحديث الصحيح ما يدل على أنه أثقل الأوزان، كما في قوله – ﷺ لجويرية: " لقد قلت بعدك أربع كلمات، ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته" (٤) . كما في النصوص المتقدمة أنه سقف أعلى الجنان، وهي الفردوس، وأن له قوائم، وغير ذلك مما بينته النصوص التي جاءت بها الرسل، وكل ذلك يدل على أن الله فوق العرش مستوٍ عليه، وقد اتفق على هذا الأنبياء كلهم، وذكر في كل كتاب أنزل على كل نبي، واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها من جميع الطوائف، إلا من ضل الحق واتبع غير سبيل المؤمنين من الجهمية والمعتزلة والأشعرية وغيرهم.

стр. 430

قال: " باب قول الله -تعالى-: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (١) ، وقوله - جل ذكره-: ﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً إليه يصعد الكلم الطيب﴾ (٢) . قال الأزهري: في عرج: " قال الله - جل وعز -: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ، أي: تصعد، يقال: عرج، يعرج، عروجاً. وقوله - جل وعز -: ﴿مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ (٣) ، قال قتادة: ذي المعارج: ذي الفواضل، والنعم، وقيل: معارج الملائكة، وهي مصاعدها التي تصعد وتعرج فيها، ذكر ذلك أبو إسحاق. وقال الفراء: ذي المعارج، من نعت الله؛ لأن الملائكة تعرج إلى الله، فوصف نفسه بذلك (٤) . وقال الليث: عرج يعرج، عروجاً، ومعروجاً، قال: والمعرج: المصعد، والمعرج: الطريق الذي تصعد فيه الملائكة.

стр. 431

قال: والمعراج: يقال: شبه السلم، أو درجة، تعرج فيه الأرواح، إذا قبضت" (١) . وقال الجوهري: " عرج في الدرجة، والسلم، يعرج، عروجاً: إذا ارتقى. والمعراج: السلم، ومنه: ليلة المعراج، والجمع: معارج، ومعاريج" (٢) . وقال الراغب: " العروج: ذهاب في صعود، قال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (٣) ، ﴿فظلوا فيه يعرجون﴾ (٤) ، والمعارج: المصاعد، قال: ﴿مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ (٥) ، وليلة المعراج، سميت لصعود الدعاء فيها، إشارة إلى قوله: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ (٦) ". قوله: سميت، لصعود الدعاء فيها، يعني: المعارج سميت لذلك، ولا يعني ليلة المعراج. وقال الطبري، في قوله -تعالى-: ﴿ولو فتحنا عليهم باباً من السماء﴾ (٧) : " وأما قوله: ﴿يعرجون﴾ ، فإن معناه: يرقون فيه، ويصعدون، يقال منه: عرج يعرج، عروجاً: إذا رقي وصعد" (٨) .

стр. 432

وقال في قوله -تعالى-: ﴿ذي المعارج﴾ : يعني: ذا العلو، والدرجات، والفواضل والنعم" – ثم روى ذلك عن ابن عباس، وقتادة، وروى عن مجاهد، قال: معارج السماء. ثم قال: " وقوله -تعالى-: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ : يقول –تعالى ذكره- تصعد الملائكة، والروح – وهو جبريل – ﵇ ﴿إليه﴾ يعني: إلى الله – جل وعز- والهاء في قوله: ﴿إليه﴾ عائدة على اسم الله " (١) . قوله: ﴿والروح﴾ هو: جبريل هذا هو الظاهر من سياق الآية، فيكون من عطف الخاص على العام. وقوله تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ قال مجاهد: " العمل الصالح يرفع الكلم الطيب". قال الحافظ: " وصله الفريابي من رواية ابن نجيح، وأخرج البيهقي من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " الكلم الطيب: ذكر الله، والعمل الصالح: أداء فرائض الله فمن ذكر الله، ولم يؤد فراضه، رد كلامه" (٢) ورواه ابن جرير. (٣) قلت: أثر مجاهد، رواه ابن جرير في "تفسيره"، ولفظه: " الكلام الطيب: ذكر الله، والعمل الصالح: أداء فرائضه، فمن ذكر الله في أداء فرائضه، حمل عليه ذكر الله، فصعد به إلى الله، ومن ذكر الله ولم يؤد فرائضه، رد كلامه على عمله، فكان أولى به ".

стр. 433

وقال ابن جرير: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ يقول -تعالى ذكره -: إلى الله يصعد ذكر العبد إياه وثناؤه، وأداء فرائضه، والانتهاء إلى ما أمر به " (١) ثم روى عن ابن مسعود أنه قال: " إذا حدثناكم بحديث، أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله -تعالى-، إن العبد المسلم، إذا قال: سبحان الله وبحمده، الحمد لله، لا إله إلا الله والله أكبر، تبارك الله، أخذهن ملك، فجعلهن تحت جناحيه، ثم صعد بهن إلى السماء، فلا يمر بهن على جمع من الملائكة، إلا استغفروا لقائلهن، حتى يجيء بهن وجه الرحمن - ثم قرأ عبد الله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٢) ". ثم روى قول مجاهد الذي ذكره البخاري، وروى عن الحسن، وقتادة: " لا يقبل الله قولاً إلا بعمل، من قال وأحسن العمل، قبل الله منه" (٣) . ومقصود البخاري بهذا الباب: ذكر بعض الأدلة على علو الله -تعالى-، وبيان أن ذلك ثابت بكتاب الله -تعالى- وسنة رسوله ﷺ ، وبالعقل، والفطرة، فقد فطر الله تعالى العباد على الإيمان بذلك، وآمن الصحابة به، واتبعهم عليه كل من سلك طريق الرسل. فالإيمان بعلو الله -تعالى- وفوقيته، فطري عقلي شرعي، ومن خالف ذلك فقد انحرف عن طريق الرسل، وسلك في ذلك غير سبيل المؤمنين. ولبيان أن الإيمان بذلك فطري، عقلي، ذكر قول أبي ذر، قبل أن يسلم، أنه قال لأخيه: " أعلم لي علم هذا الرجل، الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء " كما يأتي بيانه.

стр. 434

ومعلوم أن الخبر، لا يأتي إلا من مخبر، والمخبر الذي يرسل الرسل بأوامره، ونواهيه، هو الله – جل وعلا – وهو في السماء، أي في العلو، بائن من خلقه. وهذه المسألة من كبار مسائل العقيدة الإسلامية، ومع ظهورها، وكثرة الأدلة عليها وتنوعها، واتفاق الرسل والكتب وأتباع الرسل عليها، ضل فيها طوائف كثيرة كالجهمية، والمعتزلة، وأكثر الأشعرية، ولا يزال على الضلال فيها خلق كثير ممن يتبنى مذهب الأشعرية، والماتريدية، معتقدين أن ذلك الضلال هو الحق وأنه مذهب أهل السنة، وأن أدلة كتب الله ووحيه إلى رسله ظواهر تدل على التشبيه بظاهرها، فلهذا يجب صرفها عن ذلك الظاهر. ويرى هؤلاء من اعتقد ما دل عليه القرآن والسنة بظاهرهما، أنه مشبه ومجسم، مع أن العقل والفطر السالمة من الانحراف، يتفقان على ما دل عليه وحي الله -تعالى-، ولهذا ترمي الأشعرية كل من اعتقد علو الله واستواءه على عرشه على الحقيقة، بالتشبيه، والتجسيم، وأحياناً يصرحون بكفرهم كما هو عقيدتهم في قرار نفوسهم، ومع هذا ترى كثيراً منهم رافعاً عقيرته داعياً إلى الاتفاق والوئام، وهذا لن يكون أبداً ما دام في الأرض معتقد للحق؛ لأنه لا اتفاق بين الهدى والضلال، والحق والباطل، وكيف يكون اتفاق مع من يرى أن من اعتقد ما دلت عليه النصوص الصريحة، الواضحة الكثيرة، أنه ضال ومشبه؟ كما سيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى. قوله: " وقال أبو جمرة: عن ابن عباس، لما بلغ أبا ذر مبعث النبي – ﷺ فقال لأخيه: أعلم لي علم هذا الرجل، الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء ". هذا التعليق قد تقدم تاماً موصولاً، في " المناقب"، وفي "الفضائل" (١) . ومقصوده من ذلك: بيان أن علو الله -تعالى- على خلقه، أمر مفطور عليه الخلق، ومعلوم بالعقل، والوحي جاء مؤيداً لذلك، وموضحاً له.

стр. 435

٥٧-قال: " حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة- ﵁ – أن رسول الله – ﷺ قال: " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر، وصلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم، وهو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون". "يتعاقبون": التعاقب: إتيان فريق، عقب فريق، ثم يعود الأول، بعد إتيان الثاني. وإنما يكون التعاقب بين طائفتين، أو رجلين، ومنه: تعقيب الجيوش، بأن يرسل طائفة من الجيش إلى مدة، ثم يرسل مكانهم طائفة أخرى، ويرجع الأولون. والضمير في قوله "فيكم" يعود إلى المخاطبين، وهم الأمة المستجيبة للرسول – ﷺ . والأظهر أن هؤلاء الملائكة غير الحفظة، كما قاله القرطبي، وأيده الحافظ، بأنه لم ينقل أن الحفظة يفارقون العبد، ولا أن حفظة الليل، غير حفظة النهار، وبغير ذلك. (١) "ويجتمعون في صلاة العصر، وصلاة الفجر" أي: يجتمع في صلاة العصر الهابطون ليبيتوا مع العباد، والذين كانوا معهم في النهار، فالفريقان يحضران صلاة العصر، وصلاة الفجر، فيصعد الذين صحبوا العباد بالنهار،

стр. 436

عقب صلاة العصر، ويبقى الذين يبيتون معهم ليلاً، ثم بعد اجتماع الفريقين أيضاً في صلاة الفجر يصعد الذين باتوا مع العباد، ويبقى الذين نزلوا في صلاة الفجر من السماء. والله -تعالى- يسأل كل فريق عن العباد، كيف تركتم عبادي، أي: على أي حال تركتموهم؟ - وهو جل وعلا – أعلم من الملائكة المصاحبين لهم بهم، ولكن يسأل –تعالى- الملائكة عنهم؛ لإظهار كرامتهم، فضلاً منه، وإحساناً إليهم، وبهذا يعلم أهمية المحافظة على هاتين الصلاتين في الجماعة. قوله: " ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم – وهو أعلم – كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم يصلون، وأتيناهم، وهم يصلون". تقدم معنى العروج، وأنه: الصعود، والارتفاع، والذهاب إلى العلو، وهذا هو محل الشاهد من الحديث؛ لأن السؤال حصل بعد صعودهم، حيث يصلون إلى المكان المحدد لهم، والله –تعالى- فوقهم، وهو –تعالى- يخاطبهم بذلك، بدون واسطة، كما هو ظاهر النص، ولو كان ذلك بوحي لم يكن هناك فرق بين كونهم في السماء، أو في الأرض. وهذا الحديث يتفق في المعنى مع قوله -تعالى-: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ وكأن البخاري يشير بذلك إلى تفسيرها، وأن عروج الملائكة المذكور في هذا الحديث، داخل في مدلولها. ودل قوله: " وهم أعلم بهم" أن المقصود من السؤال: إظهار كرامة المؤمنين من بني آدم، بطاعتهم لربهم، وعبادتهم إياه، والتنويه بفضلهم عند الملائكة الذين في السماء، والملائكة المسؤولون فهموا من الله-تعالى- ما أرادوه، ولهذا قالوا في الجواب: " تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون". وفي هذا دليل على أن من جلس في مصلاه، يذكر الله ويدعوه، أنه في صلاة، لأن الملائكة يحضرون الصلاة معهم، وبعد الفراغ منها يصعدون.

стр. 437

قال الحافظ: " ويستفاد منه أن الصلاة أعلى العبادات؛ لأنه عنها وقع السؤال والجواب، وفيه الإشارة إلى عظم هاتين الصلاتين؛ لكونهما تجتمع فيهما الطائفتان، وفي غيرهما طائفة واحدة، والإشارة إلى شرف الوقتين المذكورين، وقد ورد أن الرزق يقسم بعد صلاة الصبح، وأن الأعمال ترفع آخر النهار، فمن كان حينئذ في طاعة، بورك في رزقه، وفي عمله. ويترتب عليه حكمة الأمر بالمحافظة عليهما، والاهتمام بهما. وفيه تشريف هذه الأمة على غيرها، ويستلزم تشريف نبيها على غيره. وفيه الإخبار بالغيوب، ويترتب عليه زيادة الإيمان. وفيه الإخبار بما نحن فيه، من ضبط أحوالنا، حتى نتيقظ، ونتحفظ في الأوامر والنواهي، ونفرح في هذه الأوقات بقدوم رسل ربنا، وسؤال ربنا عنا. وفيه إعلامنا بحب ملائكة الله لنا، لنزداد فيهم حباً، ونتقرب إلى الله -تعالى- بذلك. وفيه كلام الله -تعالى- مع الملائكة، وغير ذلك من الفوائد " (١) . وفيه كثرة الملائكة، وأن لكل منهم وظائف مكلفون بها، وبيان نصحهم لبني آدم، وحبهم الخير لهم، وأن استقرارهم في السماء، وإنما ينزلون إلى الأرض حسب أوامر الله لهم.

стр. 438

٥٨-قال: " وقال خالد بن مخلد: حدثنا سليمان، حدثني عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله – ﷺ : "من تصدق بعدل تمرة، من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها، كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل ". " الصدقة: ما يخرجه الإنسان من ماله، على وجه القربة، كالزكاة، لكن الصدقة –في الأصل – تقال للمتطوع به، والزكاة للواجب، وقد يسمى الواجب صدقة إذا تحرى صاحبها الصدق في فعلها " (١) . وسميت صدقة، من الصدق؛ لأنه تدل على صدق إيمان المتصدق غالباً. قوله: " بعدل تمرة" بفتح العين، قال القاضي عياض: " العدل – بالفتح – المثل وما عادل الشيء، وكافأه، من غير جنسه، وبالكسر: ما عادله من جنسه وكان نظيره، وقيل: الفتح والكسر لغتان فيها، وهو قول البصريين" (٢) . والمعنى: من تصدق بقدر تمرة، أو بقيمتها. قوله: " من كسب طيب " أي: تصدق بمال حلال، جيد، وإن كان قليلاً. " ولا يصعد إلى الله إلا الطيب" تقدم هذا الحديث في الزكاة بسند

стр. 439

متصل غير هذا، وفيه "ولا يقبل الله إلا الطيب" (١) . فالذي يقبله الله -تعالى- يصعد إليه، فيبارك به لصاحبه، وينميه. وهذه الجملة من الحديث هي المقصود منه هنا، حيث دل على علو الله -تعالى- وأنه فوق، وما قبله الله من الأعمال، فإنه يصعد إليه، وقد تقدم أن الملائكة تصعد إلى الله -تعالى- وتعرج إليه، والصعود والعروج سواء في المعنى، كما تقدم في كلام ابن جرير. وقد اختار البخاري بعض النصوص في هذا الباب، التي فيها ذكر الصعود والعروج ونحوهما؛ لوضوح الدلالة في ذلك على علو الله –تعالى- كما أنه نوع الأدلة في ذلك كما تقدم للإيضاح، وأدلة علو الله -تعالى- كثيرة جداً ومتنوعة، كما ستأتي الإشارة إلى ذلك. قوله: " فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها، كما يربي أحدكم فلوه"، أي: أن الله -تعالى- يقبلها من صاحبها، فيأخذها بيده اليمنى، وكلتا يديه يمين، فينميها لصاحبها، ويبارك فيها، ويعتني بها عناية بالغة، كما يعتني أحدنا بأغلى ما لديه من المال، وأنفسه، وهو ولد الفرس، الذي يعد لمدافعة الأعداء وقتالهم، وحماية الأعراض، والنفوس، والأموال، حتى يصير ما هو بقدر التمرة – لشدة عناية الله تعالى به – مثل الجبل. وقد تخبط شراح الحديث ممن سلك طريق الأشاعرة، في شرح هذه الجملة، وجاؤوا بما ليس له وجه، مع أن المتكلم به قد أعطي من الفصاحة والبيان والنصح للسامع، والحرص على وصول الخير إليه، ما ليس عليه مزيد، فيجب أخذ كلامه على ظاهره، والإيمان به، وإحسان الظن به، فهو – صلوات الله وسلامه عليه – أقدر على إيضاح ما يريد من هؤلاء، كما أنه – ﷺ أعلم بالله منهم، فليس

стр. 440

كلامه بحاجة إلى تلك التأويلات الباردة (١) ، والتمحلات المتكلفة، كالتي ذكر ابن حجر – عفا الله عنا وعنه -.

стр. 441

٥٩-ثم ذكر حديث ابن عباس: في دعاء الكرب. وقد تقدم في الباب قبل هذا، وفيه اختلاف في سنده ومتنه، كما هي عادته. والمقصود منه هنا قول: " رب العرش العظيم" وقوله: " رب العرش الكريم"، وقد تقدم أن العرش هو سقف المخلوقات كلها، وليس فوقه مخلوق، وقد وصفه -تعالى- بأنه عظيم، وبأنه كريم، وأضافه -تعالى- إليه مما يدل على أن له خصوصية دون غيره من السماوات والأرض، كما تقدم. وقد أخبرنا -تعالى- بأنه استوى عليه فهو من دلائل علوه -تعالى- فوق خلقه.

стр. 442

٦٠-قال: " حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن أبيه، عن ابن أبي نعم – أو أبي نعم، شك قبيصة -، عن أبي سعيد، قال: بعث إلى النبي – ﷺ بذهيبة، فقسمها بين أربعة ". وحدثني إسحاق بن نصر، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن أبيه، عن ابن أبي نعم، عن أبي سعيد الخدري، قال: " بعث علي، وهو في اليمن، إلى النبي – ﷺ بذهيبة في تربتها، فقسمها بين الأقرع بن حابس الحنظلي، ثم أحد بني مجاشع، وبين عيينة بن بدر الفزاري، وبين علقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، وبين زيد الخيل الطائي، ثم أحد بني نبهان، فتغيظت قريش، والأنصار، فقالوا: يعطيه صناديد أهل نجد، ويدعنا –؟ قال: " إنما أتألفهم"، فأقبل رجل، غائر العينين، ناتيء الجبين، كث اللحية، مشرف الوجنتين، محلوق الرأس، فقال: يا محمد: اتق الله، فقال النبي – ﷺ : " فمن يطيع الله إذا عصيته؟ فيأمنني على أهل الأرض، ولا تأمنوني؟ " فسأل رجل من القوم قتله – أراه خالد بن الوليد – فمنعه النبي – ﷺ فلما ولى، قال النبي – ﷺ : " إن من ضئضئ هذا قوماً يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام، ويعدون أهل الأوثان لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ". أرسل النبي – ﷺ علي بن أبي طالب إلى اليمن، يدعو الله -تعالى- ويقبض الزكاة من أصحابها، ويقضي في المنازعات، وكان ذلك قبل حجة الوداع، كما ذكره البخاري في آخر المغازي، ثم إن علياً وافى رسول الله – ﷺ بمكة، في حجة الوداع راجعاً من اليمن، وكان قد أرسل بذهيبة، تصغير

стр. 443

ذهبة، أي قطعة من الذهب، فقسمها رسول الله ﷺ بين هؤلاء الأربعة المذكورين رجاء إسلامهم، وكانوا رؤساء قبائلهم، فإذا أسلموا، أسلم تبعاً لهم خلق كثير، ولهذا أعطاهم النبي ﷺ المال ترغيباً لهم في الإسلام، وتأليفاً لقلوبهم عليه، كما بينه ﷺ في جوابه للصحابة، الذين قالوا: " يعطيه صناديد أهل نجد، ويدعنا". وقوله: " في تربتها" أي: أنها لم تخلص من ترابها، فليست ذهباً خالصاً؛ لأنها مختلطة بالتراب. قيل: أنها من الخمس، واستبعد ابن حجر أن يكون من أصل الغنيمة، ويمكن أن تكون زكاة. قوله: " فتغيظت قريش، والأنصار " من الغيظ، أي غاظها ذلك، حيث لم يعطهم منها، وفي رواية: " فغضبت" من الغضب. "فقالوا: يعطيه صناديد أهل نجد، ويدعنا" الصناديد: جمع صنديد، وهو: الرئيس، وفي "القاموس": الصندد ﴿بفتح الصاد، وإسكان النون، وكسر الدال الأولى﴾ (١) : السيد، الشجاع، أو الحليم، أو الجواد، أو الكريم " اهـ. قوله: " إنما أتألفهم" أي: أعطيهم ليألفوا الدين، ويجتمعوا على حبه، والرغبة فيه، فأرغبهم فيه على طريق الإحسان إليهم بالدنيا حتى يصل إلى قلوبهم، فيحبوه ويرغبوا فيه، أو لأجل ما يتحصلون عليه من الدنيا، ثم بعد ذلك لما يرجونه من جزاء الله وثوابه في الآخرة. والتأليف من الإلف، وهو الإجتماع والالتئام مع الحب. والمعنى: إني أعطيهم؛ ليكون ذلك داعياً لهم إلى حب الإسلام، والرغبة فيه والإجتماع عليه، حتى يكونوا من أنصاره، ويتبعهم على ذلك أقوامهم وعشائرهم،

стр. 444

فيحصل بذلك عز الإسلام، ونصره، فهذا العطاء مما يحبه الله ويثيب عليه، وهو من الإنفاق في سبيل الله -تعالى- بل من أفضله. ووصفه الرجل المعترض على رسول الله ﷺ هي أمور اتفقت فيه، وليست هذه الأوصاف الظاهرة في هذا الهالك مذمومة لذاتها. وقوله: " فمن يطيع الله إذا عصيته؟ " يعني: أنه ﷺ هو أحق الناس وأولاهم بطاعة الله -تعالى- وتقواه. وهذا هو الضلال؛ أن يتصور الإنسان الطاعة معصية، فهذا الرجل المعترض تصور أن فعل رسول الله ﷺ معصية، وأنه من الجور، فنصب نفسه آمراً بتقوى الله، فقال للرسول ﷺ : " اتق الله" مع أن فعل رسول الله ﷺ هو تقوى، ومن أعظم الطاعات له، فهو يعطي الله، ولنصر دينه، وهداية عباده. قوله: " فيأمنني على أهل الأرض، ولا تأمنوني" أي يأمنني الله -تعالى- على الرسالة التي أرسلني بها إلى الأرض، ولا تأمنني أنت أيها المعترض، ومن على شاكلتك ممن ضل طريق الرشد، لا تأمنوني على حطام الدنيا أن أضعه حيث يجب أن يوضع، على وفق أمر الله -تعالى-. والرواية التي ذكرها في "المغازي": "فقال: ألا تأمنوني، وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءً" (١) . وهذا اللفظ أظهر، وأوضح في المقصود، من الرواية المذكورة هنا. قال الحافظ: " وبهذا تظهر مناسبة هذا الحديث للترجمة، لكنه جرى على عادته في إدخال الحديث في الباب، للفظة تكون في بعض طرقه هي المناسبة

стр. 445

لذلك الباب، يشير إليها، ويريد بذلك شحذ الأذهان، والبعث على كثرة الاستحضار" (١) . قلت: ولا يخلو اللفظ المذكور من الدليل على المقصود، الذي هو علو الله -تعالى-؛ لأن قوله: " فيأمنني على أهل الأرض" يدل على أن الآمن الذي هو الله -تعالى- في السماء. ومعنى قوله: " من في السماء" أي: الله الذي في السماء، و"في" هنا بمعنى "على" كما ذكر البيهقي، عن أبي بكر، أحمد بن إسحاق الضبعي: " أن العرب قد تضع "في" بموضع "على" قال الله -تعالى-: ﴿فسيحوا في الأرض﴾ (٢) ، وقال: ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ (٣) ومعناه: على الأرض، وعلى جذوع النخل. فكذلك قوله: " في السماء" أي: على العرش، فوق السماء، كما صحت الأخبار عن النبي ﷺ " (٤) . وهذا الحديث مثل قول الله -تعالى-: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴿١٦﴾ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ً﴾ (٥) . فإما أن تكون "في" بمعنى "على" كما تقدم، أو يقصد بالسماء: العلو، أي: أأمنتم من في العلو، وكلاهما صحيح سائغ في اللغة والمعنى.

стр. 446

قوله: " فسأله رجل من القوم قتله، أراه خالد بن الوليد، فمنعه النبي ﷺ " أي: استأذن الرسول ﷺ في ذلك، وقد تقدم في المناقب أن السائل هو عمر بن الخطاب. (١) قال الحافظ: " لا تنافي بين الروايتين، إذ يجوز أن يكون كل واحد منهما طلب ذلك" (٢) . وقد جاء أن سبب منعه من قتله، خوف أن يقال: إن محمداً يقتل أصحابه، فيصير بذلك تنفيراً عن الدخول في الإسلام. قوله: " إن من ضئضئ هذا، قوم يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم" قال في "النهاية": "الضئضئ: الأصل، يقال: ضئضئ صدق، وضؤضؤ صدق، يريد أن يخرج من نسله وعقبه " (٣) وفي "اللسان": "الضئضئ، والضؤضؤ: الأصل، والمعدن" (٤) . والمقصود، الإخبار بأنه يأتي من جنس هذا الرجل الضال، قوم يسلكون مسلكه، يقرأون القرآن، ولكن لا يصل إلى قلوبهم، فهم لا يفهمونه على ما أريد، بل يضعونه في غير موضعه؛ لأنهم ضالون، وجاهلون، ولهذا يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، أي: يخرجون من الإسلام بسرعة وسهولة، غير متأثرين به، كأنهم لم يدخلوه، وهذا يدل على أنهم دخلوا في الإسلام، ولكن لم يتمكن الإيمان في قلوبهم، ولم يفهموه على وجهه، ولهذا صار من أوصافهم: أنهم يقتلون أهل الإسلام، ويدعون الكفار عباد الأوثان، ومن أجل ذلك قال ﷺ : " لئن أدركتهم، لأقتلنهم قتل عاد" أي لا أبقي منهم

стр. 447

أحداً، يشير بذلك إلى قوله -تعالى- في وصف هلاك عاد: ﴿فهل ترى لهم من باقية﴾ (١) ولم يرد أنه يقتلهم بالشيء الذي قتلت به عاد بعينه. ويحتمل أن يكون من الإضافة إلى الفاعل، ويراد به: " القتل الشديد القوي، ويكون في ذلك إشارة إلى وصفه بالشدة والقوة، ويؤيده أنه وقع في طريق أخرى "قتل ثمود" (٢) .

стр. 448

٦١-ثم ذكر حديث أبي ذر الذي تقدم في الباب قبل هذا فقال: "حدثنا عياش بن الوليد، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، قال: سألت النبي ﷺ عن قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ؟ قال:: " مستقرها تحت العرش". قد تقدم شرحه والشاهد منه هنا: أن الشمس في ارتفاعها، وأبعد ما تكون عن الأرض التي عليها المخاطبين آنذاك، تكون تحت العرش، فالمخلوقات كلها تحته، والله -تعالى- فوق العرش، فهو عالٍ على خلقه كلهم وفوقهم. في هذا الباب والذي قبله قصد البخاري - رحمه الله تعالى - إثبات علو الله، واستواءه على العرش، كما هو ثابت في نفس الأمر، وتضافرت عليه أدلة الوحي، والعقول والفطر، وكما هو مذهب السلف من الصحابة، وأتباعهم إلى اليوم. والنصوص التي ذكرها البخاري ظاهرة الدلالة على ذلك، وهي نزر يسير جداً من النصوص الكثيرة المتنوعة في ذلك. قال ابن أبي العز: " ومن سمع أحاديث الرسول ﷺ ، وكلام السلف، وجد منه في إثبات الفوقية ما لا ينحصر. ولا ريب أن الله - سبحانه - لما خلق الخلق، لم يخلقهم في ذاته المقدسة، فإنه الأحد الصمد، فتعين أنه خلقهم خارجاً عن ذاته. ولو لم يتصف - سبحانه - بفوقية الذات، مع أنه قائم بنفسه، غير مخالط للخلق؛ لكان متصفاً بضد ذلك؛ لأن القابل للشيء لا يخلو منه أو من ضده، وضد الفوقية: السفول، وهو مذموم على الإطلاق.

стр. 449

فإن قيل: لا نسلم أنه قابل للفوقية، حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها. قيل: لو لم يكن قابلاً للعلو، والفوقية، لم يكن له حقيقة قائمة بنفسها، فمتى أقررتم أنه موجود قائم بنفسه، ليس وجوده ذهنياً، بل وجوده خارج الأذهان قطعاً، يتعين أن يكون متميزاً عن خلقه، عالياً عليهم. وقد علم العقلاء كلهم بالضرورة، أن ما كان وجوده خارج الأذهان، فهو إما أن يكون داخلاً في الخلق، أو بائنا منهم خارجاً عنهم. وإنكار ذلك إنكار لما هو أجلى وأظهر من الأمور البديهيات الضرورية، بلا ريب، فلا يستدل بدليل على وجوده، إلا كان العلم بالمباينة أظهر منه، وأوضح وأبين. وإذا كانت صفة العلو والفوقية صفة كمال، لا نقص، ولا تستلزم نقصاً، ولا محذور فيها، ولا تخالف كتاباً، ولا سنة، ولا إجماعاً، فنفي حقيقتها يكون عين الباطل والمحال، الذي لا تأتي به شريعة أصلاً، فكيف إذا كان لا يمكن الإقرار بوجوده -تعالى-، وتصديق رسله، والإيمان بكتابه، وما جاء به رسوله، إلا بذلك؟ فكيف إذا انضم إلى ذلك شهادة العقول السليمة، والفطر المستقيمة، والنصوص الواردة، المتنوعة في الدلالة، على علو الله -تعالى- على خلقه، وكونه فوق عباده، التي تقرب من عشرين نوعاً: أحدها: التصريح بالفوقية، مقروناً بأداة "من" المعينة للفوقية بالذات، كقوله -تعالى-: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ (١) .

стр. 450

الثاني: ذكر الفوقية، مجردة عن الأداة، كقوله -تعالى-: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (١) الثالث: التصريح بالعروج إليه، كقوله -تعالى-: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (٢) ، وقوله ﷺ : " فيعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم، وهو أعلم" كما تقدم. الرابع: التصريح بالصعود إليه، كقوله -تعالى-: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ (٣) . الخامس: التصريح برفعه -تعالى- بعض خلقه إليه، كقوله -تعالى-: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ (٤) ، وقوله: ﴿إني متوفيك ورافعك﴾ (٥) . السادس: التصريح بالعلو المطلق، الدال على جميع مراتب العلوم، ذاتاً وقدراً، وشرفاً، كقوله -تعالى-: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٦) ، وقوله -تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٧) ، وقوله -تعالى-: ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٨) .

стр. 451

السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه، كقوله -تعالى-: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١) ، وقوله: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٢) ، وهو كثير. الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات، بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله -تعالى-: ﴿إن الذين عند ربك﴾ (٣) ، وقوله -تعالى-: ﴿وله من في السموات والأرض ومن عنده﴾ (٤) ، ففرق تعالى بين من عنده عموماً، وبين من عنده من الملائكة، وقد تقدم قوله ﷺ : " إن الله لما خلق الخلق كتب كتاباً، فهو عنده فوق عرشه". التاسع: التصريح بأنه -تعالى- في السماء، كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ (٥) ، وتقدم أن ذلك، على وجهين، إما أن تكون "في" بمعنى "على" أو يراد بالسماء العلو، لا يجوز غير ذلك. العاشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله -تعالى-: كقوله ﷺ : " إن الله يستحي من عبده، إذا رفع إليه يديه، أن يردهما صفراً" (٦) . الحادي عشر: التصريح بالاستواء، مقروناً بأداة "على" مخصوصاً بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات.

стр. 452

الثاني عشر: التصريح بنزوله -تعالى- كل ليلة إلى سماء الدنيا، والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى أسفل. الثالث عشر: الإشارة الحسية إليه في العلو، كما فعل ذلك رسول الله ﷺ في خطبته في حجة الوداع، حيث قال: " إنكم مسئولون عني، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت، فرفع إصبعه إلى السماء، وقال: اللهم اشهد" (١) . الرابع عشر: سؤال الرسول ﷺ بلفظ "أين الله؟ " وإخباره عمن قال: " الله في السماء" بأنه مؤمن (٢) . الخامس عشر: اتفاق الكتب المنزلة من الله والرسل على أن الله فوق عباده عال عليهم، كما قال -تعالى- عن فرعون: ﴿وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب (٣٦) أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً﴾ (٣) ؛ لأن موسى ﵇ أخبر فرعون أن الله في السماء، فقال هذا القول ليموه على السذج أتباع كل ناعق بدون بصيرة. السادس عشر: عروج النبي ﷺ إليه -تعالى- وإخباره أنه تردد بينه -تعالى- وبين موسى، يطلب التخفيف من عدد الصلوات" (٤) . وقد غلط أكثر المتكلمين في مسمى السماء، حيث ظنوا أن السماء يقصد به مكان معين محاط، فتوهموا أن من قال: إن الله في السماء، أن مكاناً يحيط به أو يحويه - تعالى وتقدس-.

стр. 453

قال شيخ الإسلام: " من توهم أن كون الله في السماء أن السماء تحيط به، أو تحويه، فهو كاذب أن نقله عن غيره، وضال إن اعتقده في ربه. وما فهم هذا أحد من النصوص، ولم ينقل عن أحد، ولو سئل سائر المسلمين: هل تفهمون من قول الله ورسوله: إن الله في السماء، أن السماء تحويه؟ لبادروا إلى القول: بأن هذا شيء ما خطر بالبال. فمن الضلال أن يجعل ظاهر نصوص الكتاب والسنة في ذلك دالة على الباطل والتشبيه. بل عند الناس قولك: إن الله في السماء، وقولك: الله فوق العرش، سواء، إذ السماء إنما يراد به العلو، فالمعنى: أن الله في العلو، لا في السفل. وقد علم المسلمون أن كرسيه وسع السموات، والأرض، وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وأن العرش خلق من مخلوقات الله، لا نسبة له إلى عظمة الله تعالى. فكيف يتوهم بعد هذا أن خلقاً يحصره أو يحويه؟ وقد قال -تعالى-: ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ (١) ، وقال -تعالى-: ﴿فسيروا في الأرض﴾ (٢) ، بمعنى: على الأرض، وهو كلام عربي حقيقة لا مجازاً، وهذا يعلمه من عرف حقائق الحروف" (٣) . وعلو الله -تعالى- ظاهر جداً، وقد تقدم أن البخاري ﵀ أشار بما ذكره في هذا الباب، إلى أن علو الله -تعالى- وفوقيته ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطر. أما ثبوته بالكتاب والسنة فواضح.

стр. 454

وأما الإجماع: فأشار إليه بقصة زينب: أنها كانت تفتخر على أزواج النبي ﷺ تقول: " زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات" فهذا يدل على الإجماع؛ لأن ذلك متقرر عندهم، ولم ينكر ذلك أحد، بل يذكر في كل مناسبة، ومن ذلك هذا الذي قالته زينب، فالإجماع عليه ظاهر، والإجماع لا يكون على خلاف المعقول، ومن أيمان العرب قولهم: " لا والذي يراني من فوق سبعة أرقعة" (١) . وأما الفطرة، فأشار إليها بما ذكره عن أبي ذر أنه قال لأخيه، قبل أن يسلم: " أعلم لي علم هذا الرجل، الذي يأتيه الخبر من السماء" أي: يأتيه الخبر من الله الذي في السماء؛ لأنه يقول للناس: أنا رسول الله إليكم. قال شيخ الإسلام: " تبين وجوب إثبات العلو لله -تعالى- من وجوه: أحدها: أن القرآن، والسنن المستفيضة، المتواترة، وغير المتواترة، وكلام السابقين والتابعين وأهل القرون الثلاثة، مملوء بما فيه إثبات العلو لله، وأنه مستوٍ على عرشه، بأنواع من الدلالات. فالله -تعالى- يخبرنا تارة، أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش. وتارة يخبر بعروج الأشياء، وصعودها، وارتفاعها إليه، كقوله -تعالى-: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ (٢) ، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (٣) ، ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (٤) ، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ # (٥) .

стр. 455

وتارة يخبر بنزولها منه، أو من عنده، كقوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ﴾ (١) ، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (٢) ، ﴿حم ﴿١﴾ تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٣) ، ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٤) . وتارة يخبر بأنه العلي الأعلى، كقوله -تعالى-: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (٥) ، وقوله -تعالى-: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٦) . وتارة يخبر بأنه في السماء، كقوله -تعالى- أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴿١٦﴾ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (٧) ، فذكر السماء دون الأرض، وكقوله ﷺ : " ألا تأمنوني، وأنا أمين من في السماء؟ " وقوله للجارية: " أين الله؟ " قالت: في السماء، قال: " اعتقها، فإنها مؤمنة" ولم يعلق ذلك بألوهية أو غيرها، كما في قوله -تعالى- وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله (٨) ، وقوله: وهو الله في السماوات وفي الأرض (٩) ، أي: هو المألوه المعبود في السموات والأرض. وتارة يجعل بعض الخلق عنده، دون بعض، كقوله وله من في

стр. 456

السموات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته﴾ (١) . فلو كان موجب العندية معنى عاماً، كدخولهم تحت قدرته، ومشيئته، ونحو ذلك، لكان كل مخلوق عنده، ولم يكن أحد مستكبراً عن عبادته. وأما الأحاديث، والآثار عن الصحابة، والتابعين فلا يحصيها إلا الله -تعالى-. فلا يخلو أن يكون ما اتفقت عليه هذه النصوص، من إثبات علو الله -تعالى- على خلقه هو الحق، أو الحق نقيضه، إذ الحق لا يخلو عن النقيضين. فإذا كان نفي العلو هو الحق، فمعلوم أن القرآن لم يبين هذا، لا نصاً، ولا مفهوماً، وكذلك الرسول ﷺ ، ولا أحد من الصحابة وأتباعهم، ولا أحد من أئمة المسلمين، ولا يمكن أحد أن ينقل عن واحد منهم شيئاً من ذلك، بل نقيضه هو المستفيض عنهم، كما هو الموافق للكتاب والسنة. ويلزم على ذلك أن يكون الله ورسوله والمؤمنون، لم ينطقوا بالحق في هذا الباب، بل تكلموا بما يدل على الضلال، إما نصاً، أو ظاهراً. فإن قيل: هذه النصوص ما أريد بها إثبات علو الله على خلقه، وإنما أريد بها علو المكانة والقدر. قيل: فكان يجب على المتكلم بها أن يبين للناس الحق، الذي يجب أن يؤمن به ويعتقد، ظاهراً وباطناً، وأنه لم يرد بهذا الكلام مفهومه، ومقتضاه. فإن قيل: إنه تكلم بالمجاز، المخالف للحقيقة. قيل: من المعلوم باتفاق العقلاء: أن المخاطب المبين إذا تكلم بمجاز، فلا بد أن يقرن بخطابه ما يدل على إرادة المعنى المجازي، فإذا كان الرسول ﷺ

стр. 457

الذي بين للناس ما نزل إليهم - يعلم أن المراد بالكلام خلاف مقتضاه وظاهره، وجب عليه أن يقرن بخطابه ما يصرف القلوب عن فهم المعنى الذي لم يرده، ولا سيما إذا كان ذلك المعنى باطلاً، ولا يجوز اعتقاده في الله -تعالى-، وهذا يجب ولو لم يخاطبهم بما يفهم منه خلاف الحق، الذي يجب اعتقاده، إذا كان مخوفاً عليهم، فكيف إذا كان في كلامه ما يفهم منه خلاف الحق" (١) . فلا عذر لمن أنكر علو الله، ونفاة العلو والصفات، يقولون: إن هذه النصوص لم يرد بها الحقيقة والظاهر المفهوم منها، والقرينة الصارفة عن ذلك هي دلالة العقل، فاكتفى المتكلم بهذه القرينة؛ لأنها عقلية، عند كل عاقل. فيقال لهم: إذا كان ما تكلم به الله ورسوله، إنما يفيد مجرد الضلال، والهدى إنما يستفاد من العقول، فلماذا ينزل الله الكتاب، ويرسل الرسول؟ للعناء والشقاء؟ فإن تركهم على جاهليتهم خير لهم من أن ينزل عليهم الكتاب، ويرسل إليهم الرسول، هذا هو لازم هذا القول الباطل. ويقال أيضاً: الرسول جاء بإثبات العلو، والصفات، وذلك أظهر في العقل من قولكم. ثم الرسول ﷺ أما أن يتكلم بالهدى، أو بالضلال، أو يسكت عنهما. ومعلوم أن السكوت عنهما خير من التكلم بالضلال. وبذلك يعلم بالعقل، أنه لم يسكت عن بيان الحق، والهدى، والتحذير من اعتقاده الباطل، وبذلك يتفق ما جاء به الرسول ﷺ مع العقل الصحيح، الذي لم تفسده الشياطين، والهوى المضل. فالعقل يوافق ما جاء به الرسول ﷺ لا ما يقوله نفاة الصفات،

стр. 458

وليس بين العقل الصريح والنقل الصحيح تناقض أصلاً، كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: درء تعارض العقل والنقل، وغيره. فقولهم: إن القرينة الصارفة عن الظاهر، هي العقل، خطأ محض، إذ العقل يوافقها لا يخالفها كما توهموه، كما أن إثبات الصفات ليس فيه تشبيه كما زعموا، ولكن الأوهام وسوء الظن بالله ورسوله أرداهم. ومن حججهم الباطلة التي حملتهم على صرف النصوص عن ظاهرها، ورأوا وجوب تأويلها لذلك، هي قاعدتهم في أن جميع الأجسام حادثة لملازمتها للأعراض التي هي الصفات، فوجب تنزيه الرب -تعالى- عن كل صفة تستلزم التركيب، أو الجسمية؛ لأن الأعراض لا تكون إلا في جسم، والجسم لا بد أن يكون مركباً من الجواهر - كما زعموا-، ولهذا قالوا: إن الاستواء والعلو، يلزم منهما النقلة، والمكان، والحركة، وهذه من صفات الأجسام. فيقال لهم: الحياة، والعلم، والسمع، والبصر - مما جوزتم لأنفسكم أن تصفوه به- لا يعقل أن تقوم إلا بجسم، مع أنكم تسمون الصفات: أعراضاً، ولا فرق بين ما أثبتموه وما نفيتموه في المعنى، ألا يجوز لغيركم أن يصف الله -تعالى- بما وصف به نفسه، ووصفته به رسله بأنه -تعالى- مستوٍ على عرشه، وعالٍ على خلقه، وبأن له وجهاً ويدين حقيقة، ونحو ذلك مما تسمونه: أبعاضاً، تستلزم التركيب، والجسمية؟ كما افتريتموه على رب العالمين، ورميتم من وصف الله -تعالى- بما وصف به نفسه، بالتشبيه، والتجسيم، مع أنهم أقرب إلى المعقول منكم، وقد سلم لهم المنقول بدون تحريف. قال شيخ الإسلام: " ولا ريب أن الله موجود، قائم بنفسه، وترفع إليه الأيدي عند الدعاء، كما فطر على ذلك جميع عباده، ولا ريب أنه تجوز رؤيته في الآخرة، كما أخبر بذلك في كتابه، فإذا سموا هذه المعاني تجسيماً، فلا ينبغي لنا أن نترك ما أخبر الله به عن نفسه في كتابه، ونذهب إلى تأويلها، لمجرد هذه

стр. 459

التسميات الحادثة المبتدعة" (١) وقال أيضاً: " ولفظ الظاهر فيه إجمال، واشتراك، فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم، فلا ريب أن هذا غير مراد. والسلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرها، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفراً، وباطلاً. والله سبحانه - وتعالى - أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه، لا يظهر منه إلا ما هو كفر، أو ضلال. والذين يجعلون ظاهرها ذلك، يغلطون من وجهين: أحدهما: أنهم جعلوا المعنى الفاسد، هو ظاهر نص كلام الله وكلام رسوله، ولذلك أوجبوا تأويله، ليخالف الظاهر الذي زعموا، وليس الأمر كذلك. الثاني: أنهم ردوا المعنى الصحيح الذي هو ظاهر اللفظ؛ لاعتقادهم أنه باطل، كقولهم في الحديث: " قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن "، قالوا: لا يجوز أن يراد به الظاهر، فليس في قلوبنا أصابع. ومعلوم أنه ليس ظاهره أن القلوب متصلة بالأصابع، ولا مماسة لها، ولا أن أصابع الرحمن في جوف العبد، ولا يفهم من قول القائل: هذا بين يدي، ما يقتضي مباشرته ليديه. وإذا قيل: إن السحاب بين السماء والأرض، لم يقتض أن يكون مماساً للسماء، أو الأرض، ونظائر ذلك كثيرة " (٢) .

стр. 460

وقال أبو نصر السجزي في "الإبانة": "وأئتمنا، كسفيان، ومالك، والحمادين، وابن عيينة، والفضيل، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، متفقون على أن الله فوق العرش، وعلمه في كل مكان، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا، وأنه يغضب، ويرضى، ويتكلم بما يشاء" (١) . وقال ابن عبد البر في شرحه لحديث النزول: "وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش، من فوق سبع سماوات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية، في قولهم: إن الله في كل مكان، وليس على العرش، والدليل على صحة ما قال أهل الحق: قوله - تعالى -: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢) وقوله -تعالى-: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ (٣) ، وقوله -تعالى-: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (٤) ، وقوله -تعالى-: ﴿إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً﴾ (٥) ، وقوله -تعالى-: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ (٦) ، وقوله -تعالى-: ﴿تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ (٧) ، وقوله -تعالى-: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ (٨) ، وقوله -تعالى-: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ ، وهذا من العلو، وكذلك قوله -تعالى-: ﴿العلي العظيم﴾ (٩) ،
следующие страницы →